Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: أحم

أَوَانَا

Entries on أَوَانَا in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
أَوَانَا:
بالفتح، والنون: بليدة كثيرة البساتين والشجر نزهة، من نواحي دجيل بغداد، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ من جهة تكريت وكثيرا ما يذكرها الشعراء الخلعاء في أشعارهم، فحدّث بعض الظّرفاء قال: حصلت يوما بعكبرا في بعض الحانات فشربت أياما بها وكان فيها ابن خمّار يحكي الشمس حسنا فلم أزل من عنده حتى نفدت نفقتي وبلغت الغرض الأقصى من عشرته، فقرأت يوما على جدار البيت الذي كنا فيه:
حضر الفارغ المشغول، المغرم بحانات الشّمول، وهو لمن دخل إلى هذا الموضع يقول:
أيها المغرمون بالحانات، ... والمعنّون في هوى الفتيات!
ومن استنفدت كروم بزوغى، ... فأوانا، أمواله، فالفرات
قد شربنا المدام في دير مارى، ... ونكحنا البنين قبل البنات
وأخذنا من الزمان أمانا، ... حيث كان الزمان طوعا مواتي
تحت ظل من الكروم ظليل، ... وغريب من معجبات النبات
بادروا الوقت واشربوا الراح واحظوا ... بعناق الحبيب، قبل الفوات
ودعوا من يقول: حرّمت الخم ... ر علينا في محكم الآيات
وافعلوا مثل ما فعلنا سواء، ... وأجيبوا عن هذه الأبيات
قال: فكتبت تحت هذه الأبيات بعد أن تحرّفت على إجابته ولم يكن الشعر من عملي: أما فلان بن فلان فقد عرف صحة قولك وفعل مثل فعلك جزاك الله عن إخوانك فلقد قلت فنصحت وحضضت فنفعت.
وينسب إلى أوانا قوم من أهل العلم، منهم:
أبو الحسن على بن أحمــد بن محمد الأوانى الضرير المعروف بالموصلي شيخ مستور، سمع أبا الحسن علي بن أحمــد الأنباري، كتب عنه أبو سعد ببغداد، وتوفي سنة 537، وأبو نصر محمد بن أحمــد بن الحسين بن محمود الأواني كاتب سديد وشاعر مجيد وله رسائل مدونة وأشعار حسان، منها: رسالة في حسن الربيع أجاد فيها، وله غير ذلك، ومات بأوانا سنة 557، وأبو زكرياء يحيى بن الحسين بن جميلة الأواني المقري الضرير، سمع أبا الفضل محمد بن عمر الأرموي وأبا غالب بن الداية وأبا محمد عبد الله بن علي المعروف بابن بنت الشيخ أبي محمد وأبا الفضل بن ناصر وغيرهم، وهو مكثر صحيح السماع، مات في صفر سنة 606.

حَمَرَ 

Entries on حَمَرَ  in 1 Arabic dictionary by the author Ibn Fāris, Maqāyīs al-Lugha
(حَمَرَ) الْحَاءُ وَالْمِيمُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ عِنْدِي، وَهُوَ مِنَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْحُمْرَةِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالْآخَرُ جِنْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ.

فَالْأَوَّلُ الْحُمْرَةُ فِي الْأَلْوَانِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: " الْحُسْنُ أَحْمَــرُ " يُقَالُ ذَلِكَ لِأَنَّ النُّفُوسَ كُلَّهَا لَا تَكَادُ تَكْرَهُ الْحُمْرَةَ. وَتَقُولُ رَجُلٌ أَحْمَــرُ، وَأَحَامِرُ فَإِنْ أَرَدْتَ اللَّوْنَ قُلْتَ أَحْمَــرَ. وَحُجَّةُ الْأَحَامِرَةِ قَوْلُ الْأَعْشَى:

إِنَّ الْأَحَامِرَةَ الثَّلَاثَةَ أَهْلَكَتْ ... مَالِي وَكُنْتُ بِهِنَّ قِدْمًا مُولَعَا

ذَهَبَ بِالْأَحَامِرَةِ مَذْهَبَ الْأَسْمَاءِ، وَلَمْ يَذْهَبْ بِهَا مَذْهَبَ الصِّفَاتِ. وَلَوْ ذَهَبَ بِهَا مَذْهَبَ الصِّفَاتِ لَقَالَ حُمْرٌ. وَالْحَمْرَاءُ: الْعَجَمُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الشُّقْرَةَ أَغْلَبُ الْأَلْوَانِ عَلَيْهِمْ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " غَلَبَتْنَا عَلَيْكَ هَذِهِ الْحَمْرَاءُ ". وَيُقَالُ مَوْتٌ أَحْمَــرُ، وَذَلِكَ إِذَا وُصِفَ بِالشِّدَّةِ. وَقَالَ عَلِيٌّ: «كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ» .

وَمِنَ الْبَابِ قَوْلُهُمْ: وَطْأَةٌ حَمْرَاءُ ; وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ جَدِيدَةً ; وَوَطْأَةٌ دَهْمَاءُ، إِذَا كَانَتْ قَدِيمَةً دَارِسَةً. وَيُقَالُ سَنَةٌ حَمْرَاءُ شَدِيدَةٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِشِدَّةِ الْقَيْظِ حَمَارَّةٌ. وَإِنَّمَا قِيلَ هَذَا لِأَنَّ أَعْجَبَ الْأَلْوَانِ إِلَيْهِمُ الْحُمْرَةُ. إِذَا كَانَ كَذَا وَبَالَغُوا فِي وَصْفِ شَيْءٍ ذَكَرُوهُ بِالْحُمْرَةِ، أَوْ بِلَفْظَةٍ تُشْبِهُ الْحُمْرَةَ.

فَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلَّذِي لَا سِلَاحَ مَعَهُ أَحْمَــرُ، فَمُمْكِنٌ [أَنْ يَكُونَ] ذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْعَجَمِ، وَلَيْسَتْ فِيهِمْ شَجَاعَةٌ مَذْكُورَةٌ كَشَجَاعَةِ الْعَرَبِ. وَقَالَ:

وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ

الضَّيَاطِرَةُ: جَمْعُ ضَيْطَارٍ، وَهُوَ الْجَبَانُ الْعَظِيمُ الْخَلْقِ، الَّذِي لَا يُحْسِنُ حَمْلَ السِّلَاحِ. قَالَ:

تَعَرَّضَ ضَيْطَارُو فُعَالَةَ دُونَنَا ... وَمَا خَيْرُ ضَيْطَارٍ يُقَلِّبُ مِسْطَحًا

وَقَوْلُهُمْ غَيْثٌ حِمِرٌّ، إِذَا كَانَ شَدِيدًا يَقْشِرُ الْأَرْضَ. وَهُوَ مِنْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ.

وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي فَالْحِمَارُ مَعْرُوفٌ، يُقَالُ حِمَارٌ وَحَمِيرٌ وَحُمُرٌ وَحُمُرَاتٌ، كَمَا يُقَالُ صَعِيدٌ وَصُعُدٌ وَصُعُدَاتٌ. قَالَ:

إِذَا غَرَّدَ الْمُكَّاءُ فِي غَيْرِ رَوْضَةٍ ... فَوَيْلٌ لِأَهْلِ الشَّاءِ وَالْحُمُرَاتِ

يَقُولُ: إِذَا أَجْدَبَ الزَّمَانُ وَلَمْ تَكُنْ رَوْضَةً فَغَرَّدَ فِي غَيْرِ رَوْضَةٍ، فَوَيْلٌ لِأَهْلِ الشَّاءِ وَالْحَمِرَاتِ.

وَمِمَّا يُحْمَلُ عَلَى هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ لِدُوَيْبَّةٌ: حِمَارُ قَبَّانَ. قَالَ:

يَا عَجَبَا لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبَا ... حِمَارَ قَبَّانَ يَسُوقُ أَرْنَبَا

وَمِنْهُ الْحِمَارُ، وَهُوَ شَيْءٌ يُجْعَلُ حَوْلَ الْحَوْضِ لِئَلَّا يَسِيلَ مَاؤُهُ، وَالْجَمْعُ حَمَائِرُ. قَالَ الشَّاعِرُ: وَمُبْلِدِ بَيْنَ مَوْمَاةٍ بِمَهْلِكَةٍ ... جَاوَزْتُهُ بِعَلَاةِ الْخَلْقِ عِلْيَانِ

كَأَنَّمَا الشَّحْطُ فِي أَعْلَى حَمَائِرِهِ ... سَبَائِبُ الرَّيْطِ مِنْ قَزٍّ وَكَتَّانِ

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلْفَرَسِ الْهَجِينِ مِحْمَرٌ فَهُوَ مِنَ الْبَابِ. [وَمِنَ الْبَابِ] الْحِمَارَانِ، وَهُمَا حَجَرَانِ يُجَفَّفُ عَلَيْهِمَا الْأَقِطُ، يُسَمَّيَانِ مَعَ الَّذِي فَوْقَهُمَا الْعُلَاةَ. قَالَ:

لَا تَنْفَعُ الشَّاوِيَّ فِيهِمَا شَاتُهُ ... وَلَا حِمَارَاهُ وَلَا عَلَاتُهُ

وَالْحَمَّارَةُ: حِجَارَةٌ تُنْصَبُ حَوْلَ الْبَيْتِ، وَالْجَمْعُ حَمَائِرُ. قَالَ:

بَيْتَ حُتُوفٍ أُرْدِحَتْ حَمَائِرُهُ

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: " أَخْلَى مِنْ جَوْفِ حِمَارٍ " فَقَدْ ذُكِرَ حَدِيثُهُ فِي كِتَابِ حَرْفِ الْعَيْنِ.

علم الفقه

Entries on علم الفقه in 1 Arabic dictionary by the author Ṣiddīq Ḥasan Khān, Abjad al-ʿUlūm
علم الفقه
قال في كشاف اصطلاحات الفنون:
علم الفقه ويسمى هو وعلم أصول الفقه بعلم الدراية أيضا على ما في مجمع السلوك وهو معرفة النفس ما لها وما عليها هكذا نقل عن أبي حنيفة والمراد بالمعرفة: إدراك الجزئيات عن دليل فخرج التقليد.
قال التفتازاني: القيد الأخير في تفسير المعرفة مما لا دلالة عليه أصلا لا لغة ولا اصطلاحاً.
وقوله: وما لها وما عليها يمكن أن يراد به ما تنتفع به النفس وما تتضرر به في الآخرة والمشعر بهذا شهرة أن علم الفقه من العلوم الدينية ويمكن أن يراد به ما يجوز لها وما يجب عليها أو ما يجوز لها وما يحرم عليها.
ثم ما لها وما عليها يتناول الاعتقادات كوجوب الإيمان ونحوه.
والوجدانيات أي: الأخلاق الباطنة والملكات النفسانية. والعمليات: كالصوم والصلاة والبيع ونحوها.
فالأول: علم الكلام.
والثاني: علم الأخلاق والتصوف.
والثالث: هي الفقه المصطلح.
وذكر الغزالي أن الناس تصرفوا في اسم الفقه فخصوه بعلم الفتاوى والوقوف على دلائلها وعللها واسم الفقه في العصر الأول كان مطلقا على علم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس والاطلاع على الآخرة وحقارة الدنيا.
قال أصحاب الشافعي: الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية والمراد بالحكم النسبة التامة الخبرية التي العلم بها تصديق وبغيرها تصور.
فالفقه عبارة عن التصديق بالقضايا الشرعية المتعلقة بكيفية العمل تصديقا حاصلا من الأدلة التفصيلية التي نصبت في الشرع على تلك القضايا وهي الأدلة الأربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
ثم إن إطلاق العلم على الفقه وإن كان ظنيا باعتبار أن العلم قد يطلق على الظنيات كما يطلق على القطعيات كالطب ونحوه.
ثم إن أصحاب الشافعي جعلوا للفقه أربعة أركان فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن تتعلق بأمر الآخرة وهي العبادات أو بأمر الدنيا وهي إما أن تتعلق ببقاء الشخص وهي المعاملات أو ببقاء النوع باعتبار المنزل وهي المناكحات أو باعتبار المدينة وهي العقوبات وههنا أبحاث تركناها مخافة الإطناب فمن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى التوضيح والتلويح.
وموضوعه فعل المكلف من حيث الوجوب والندوب والحل والحرمة وغير ذلك كالصحة والفساد وقيل موضوعه أعم من الفعل لأن قولنا: الوقت سبب أو وجوب الصلاة من مسائله وليس موضوعه الفعل وفيه أن ذلك راجع إلى بيان حال الفعل بتأويل إن الصلاة تجب لسبب الوقت كما أن قولهم النية في الوضوء مندوبة في قوة أن الوضوء يندب فيه النية.
وبالجملة تعميم موضوع الفقه مما لم يقل به أحد ففي كل مسئلة ليس موضوعها راجعا إلى فعل المكلف يجب تأويله حتى يرجع موضوعها إليه كمسئلة المجنون والصبي فإنه راجع إلى فعل الولي هكذا في الخيالي وحواشيه ومسائله الأحكام الشرعية العملية كقولنا: الصلاة فرض.
وغرضه النجاة من عذاب النار ونيل الثواب في الجنة وشرفه مما لا يخفى لكونه من العلوم الدينية انتهى كلام الكشاف.
قال صاحب مفتاح السعادة: وهو علم باحث عن الأحكام الشرعية الفرعية العملية من حيث استنباطها من الأدلة التفصيلية.
ومباديه مسائل أصول الفقه.
وله استمداد من سائر العلوم الشرعية والعربية.
وفائدته: حصول العمل به على الوجه المشروع. والغرض منه: تحصيل ملكة الاقتدار على الأعمال الشرعية ولما كان الغاية والغرض في العلوم العملية يحصلان بالظن دون اليقين بناء على أن أقوى الأدلة الكتاب والسنة وإنه وإن كان علم الفقه قطعي الثبوت لكن أكثره ظني الدلالة فصار محلا للاجتهاد وجاز الأخذ فيه أولا بمذهب أي مجتهد أراد المقلد والمذاهب المشهورة التي تلقتها الأمة بالقبول وقبلها أهل الإسلام بالصحة هي المذاهب الأربعة للأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمــد بن حنبل ثم الأحق والأولى من بينها مذهب أبي حنيفة رحمه الله لأنه المتميز من بينهم بالإتقان والإحكام وجودة القريحة وقوة الرأي في استبناط الأحكام وكثرة المعرفة بالكتاب والسنة وصحة الرأي في علم الأحكام إلى غير ذلك لكن ينبغي لمن يقلد مذهبا معينا في الفروع أن يحكم بأن مذهبه صواب يحتمل الخطأ ومذهب المخالف خطأ يحتمل الصواب.
ويحكم في الاعتقاديات بأن مذهبه حق جزما ومذهب المخالف خطأ قطعا انتهى ونحوه في مدينة العلوم.
أقول أحق المذاهب إتقانا وأحسنها اتباعا وأحكمها وأحراها بالتمسك به ما ذهب إليه أهل الحديث والقرآن والترجيح لمذهب دون مذهب تحكم لا دليل عليه بل المذاهب الأربعة كلها سواسية في الحقيقة والواجب على الناس كلهم اتباع صرائح الكتاب العزيز والسنة المطهرة دون اتباع آراء الرجال وأقوال العلماء والأخذ باجتهاداتهم سيما فيما يخالف القرآن الكريم والحديث الشريف.
وقد حققنا هذا البحث في كتابنا الجنة1 في الأسوة الحسنة بالسنة وذكر الغزالي في بيان تبديل أسامي العلوم ما تقدم ذكره وتمام هذا البحث ذكرناه في كتابنا قصد السبيل إلى ذم الكلام والتأويل.
والكتب المؤلفة على المذاهب الأربعة كثيرة جدا لا تكاد تحصى. ودواوين الإسلام من كتب الحديث وشروحه تغني الناس كلهم قرويهم وبدويهم عالمهم وجاهلهم ودانيهم وقاصيهم عن كتب الرأي والاجتهاد.
والأئمة الأربعة منعوا الناس عن تقليدهم ولم يوجب الله سبحانه وتعالى على أحد تقليد أحد من الصحابة والتابعين الذين هم قدوة الأمة وأئمتها وسلفها فضلا عن المجتهدين وآحاد أهل العلم بل الواجب على الكل اتباع ما جاء به الكتاب والسنة المطهرة وإنما احتيج إلى تقليد المجتهدين لكون الأحاديث والأخبار الصحيحة لم تدون ولكن الآن بحمد الله تعالى قد دون أهل المعرفة بالسنن علم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغنوا الناس عن غيره فلا حيا الله عبدا قلد ولم يتبع ولم يعرف قدر السنة وحمد على التقليد.
ثم القول بأن المذهب الفلاني من المذاهب الأربعة أقدم وأحكم من أباطيل المقولات وأبطل المقالات وصدوره من مدعي العلم يدل على أنه ليس من أهل العلم لأن التقليد من صنيع الجاهل والمقلد ليس معدودا في العلماء انظر في الكتب التي الفت لرد التقليد كأعلام الموقعين عن رب العالمين وغير ذلك يتضح لك الصواب من الخطأ بلا ارتياب والكتب المؤلفة في الأخبار الصحاح والحسان والضعاف كثيرة جدا ذكرناها في كتابنا إتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدثين والمعتمد كل الاعتماد من بينها الأمهات الست وهي معروفة متيسرة في كل بلد وكذلك الكتب المؤلفة في أحكام السنة المطهرة خاصة كثيرة أيضا والمستند كل الاستناد من بينها هو مثل منتقى الأخبار وشرحه نيل الأوطار وبلوغ المرام وشرحه مسك الختام وسبل السلام والعمدة وشرحه العدة وغير ذلك مما ألف في ضبط الأحكام الثابتة بالسنة وما يليها مثل السيل الجرار ووبل الغمام ومنح الغفار حاشية ضوء النهار والهدي النبوي وسفر السعادة وكذا مؤلفات شيوخنا اليمانيين فإن فيها ما يكفي والمقلد المسكين يظن الخرافات في الكتاب والسنة.
وقد أطال الأرنيقي في مدينة العلوم في ذكر تراجم الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمــد والفقهاء الحنفية كأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وابن المبارك وداود الطائي الكوفي ووكيع بن الجراح ويحيى بن زكريا وإسماعيل بن حماد ويوسف بن خالد وعافية بن يزيد وحبان ومندل ابني علي الغزي وعلي بن مسهرق القاسم بن معن وأسد بن عامر وأحمــد بن حفص وخلف ابن أيوب وشداد بن حكم وموسى بن نصر وموسى بن سليمان الجوزجاني وهلال بن يحيى ومحمد بن سماعة وحكم بن عبد الله وأطال في ترجمة هؤلاء.
وقال: اعلم أن الأئمة الحنفية أكثر من أن تحصى لأنهم قد طبقوا أكثر المعمورة حتى قيل إن للإمام أبي حنيفة سبعمائة وثلاثين رجلا من تلامذته وهذا ما عرف منهم وما لم يعرف أكثر من ذلك لكنا اكتفينا منهم ههنا بما سمح به الوقت والآن فلنذكر من الكتب المعتبرة في الفقه ما هو المشهور في الزمان انتهى.
ثم ذكر كتبا سماها قال: وإن استقصاء الأئمة الحنفية وتصانيفهم خارج عن طوق هذا المختصر ولنذكر بعد ذلك نبذا من أئمة الشافعية ليكون الكتاب كامل الطرفين حائز الشرفين وهؤلاء صنفان أحدهما: من تشرف بصحبة الإمام الشافعي والآخر: من تلاهم من الأئمة انتهى.
ثم ذكر هذين الصنفين وأطال في بيانهما وفضائلها إطالة حسنة والكتب التي ألفت في بيان طبقات أهل المذاهب الأربعة تغني عن ذكر جماعة خاصة من المقلدة المذهب واحد وإن كانوا أئمة أصحاب التصانيف ولا عبرة بكثرة المقلدة الذين قلدوا مذهبا واحدا من المذاهب الأربعة بل الاعتبار باختيار الحق والصواب وهو ترك التقليد لآراء الرجال وإيثار الحق على الحق والتمسك بالسنة.
وقد ألف جماعة كتبا كثيرة في طبقات المتبعين وتراجم الحفاظ والمحدثين وهم ألوف لا يحصيهم كتاب وإن طال الفصل والباب وهم أكثر وأطيب إن شاء الله تعالى بالنسبة إلى المقلدة.
وقد تعصب أصحاب الطبقات المذهبية في تعداد أهل نحلتهم حيث أدخلوا فيها من ليس منهم وغالب أئمة المذاهب ليسوا بمقلدين وإن انتسبوا إلى بعضهم بل هم مجتهدون مختارون لهم أحسن الأقوال وأحق الأحكام وبعد النظر والاجتهاد فعدهم في زمرة المقلدة بأدنى شركة في العلم ليس من الإنصاف في شيء وإنما خافوا فتنة العوام في ادعاء الاجتهاد أو عدم الاعتداد بالتقليد فصبروا على نسبتهم إلى مذهب من تلك المذاهب كما يعرف ذلك من له إلمام بتصانيف هؤلاء الكرام وليس هذا موضع بسط الكلام على هذا المرام وإلا أريتك عجائب المقام وأتيتك بما لم يقرع سمعك من الأمور العظام.
واعلم أن أصول الدين اثنان لا ثالث لهما: الكتاب والسنة وما ذكروه من أن الأدلة أربعة: القرآن والحديث والإجماع والقياس فليس عليه إثارة من علم وقد أنكر إمام أهل السنة أحمــد بن حنبل رضي الله عنه الإجماع الذي اصطلحوا عليه اليوم وأعرض سيد الطائفة المتبعة داود الظاهري عن كون القياس حجة شرعية وخلاف هذين الإمامين نص في محل الخلاف ولهذا قال بقولهما عصابة عظيمة من أهل الإسلام قديما وحديثا إلى زماننا هذا ولم يروا الإجماع والقياس شيئا مما ينبغي التمسك به سيما عند المصادمة بنصوص التنزيل وأدلة السنة الصحيحة وهذه المسئلة من معارك المسائل بين المقلدة والمتبعة وأكثر الناس خلافا فيها الحنفية لأنهم أشد الناس تعصبا للمذهب وتقرير ذلك مبسوط في المبسوطات المؤلفة في هذا الباب.
ومن له نظر في مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه الواحد المتكلم الحافظ ابن القيم ومن حذا حذوهما من علماء الحديث والقرآن خصوصا أئمة اليمن الميمون وتلامذتهم فهو يعلم بأن هذا القول هو الحق المنصور والمذهب المختار والكلام المعتمد عليه ما سواه سراب وتباب ولولا مخافة الإطالة وخشية الملالة لذكرت ههنالك ما تذعن له من الأدلة على ذلك ومفاسد ما هنالك وبالله التوفيق وهو العاصم عن التنكيب عن سواء الطريق اللهم أرحم أمة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة عامة.
فصل
قال ابن خلدون رحمه الله تعالى: الفقه معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين بالوجوب والخطر والإباحة والندب والكراهة وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة على اختلاف فيها بينهم ولا بد من وقوعه ضرورة أن الأدلة غالبها من النصوص وهي بلغة العرب وفي اقتضاءات ألفاظها لكثير من معانيها اختلاف بينهم معروف أيضاً.
فالسنة1 مختلفة الطرق في الثبوت وتتعارض في الأكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح وهو مختلف أيضا فالأدلة من غير النصوص مختلف فيها وأيضا فالوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص وما كان منها غير ظاهر في النصوص فحمل على منصوص لمشابهة بينهما وهذه كلها إشارات للخلاف ضرورية الوقوع ومن هنا وقع الخلاف بين السلف والأئمة من بعدهم.
ثم إن الصحابة كلهم لم يكونوا أهل فتيا ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهة ومحكمة وسائر دلالته بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم سمعه منهم من عليتهم وكانوا يسمون لذلك القراء أي الذين يقرؤون الكتاب لأن العرب كانوا أمة أمية فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ وبقي الأمر كذلك صدر الملة ثم عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعة وعلما فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء.
وانقسم الفقه إلى طريقتين: طريقة أهل الرأي والقياس وهم أهل العراق.
وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز.
وكان الحديث قليلا في أهل العراق فاستكثروا من القياس ومهروا فيه فلذلك قيل أهل الرأي ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده.
ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به وهم الظاهرية وجعلوا المدارك كلها منحصرة في النصوص والإجماع وردوا القياس الجلي والعلة المنصوصة إلى النص لأن النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها وكان إمام هذا المذهب داود بن علي وابنه وأصحابه.
وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح على قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلها أصول واهية وشذ بمثل ذلك الخوارج ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح فلا نعرف شيئا من مذاهبهم ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منهم إلا في مواطنهم فكتب الشيعة في بلادهم وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن والخوارج كذلك ولكل منهم كتب وتآليف وآراء في الفقه غريبة.
ثم درس مذهب أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله ولم يبق إلا في الكتب المجلدة وربما يعكف كثير من الطالبين ممن تكلف بانتحال مذهبهم على تلك الكتب يروم أخذ فقههم منها ومذهبهم فلا يحلو بطائل ويصير إلى مخالفة الجمهور وإنكارهم عليه وربما عد بهذه النحلة من أهل البدع بنقله العلم من الكتب من غير مفتاح المعلمين. وقد فعل ذلك ابن حزم1 بالأندلس على علو رتبته في حفظ الحديث وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم وخالف إمامهم داود وتعرض للكثير من أئمة المسلمين فنقم الناس ذلك عليه وأوسعوا مذهبه استهجانا وإنكارا وتلقوا كتبه بالإغفال والترك حتى إنها ليحظر بيعها بالأسواق وربما تمزق في بعض الأحيان ولم يبق إلا مذهب أهل الرأي من العراق وأهل الحديث من الحجاز.
فأما أهل العراق فإمامهم الذي استقرت عنده مذاهبهم أبو حنيفة النعمان ابن ثابت ومقامه في الفقه لا يلحق شهد له بذلك أهل جلدته وخصوصا مالك والشافعي.
وأما أهل الحجاز فكان إمامهم مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى واختص بزيارة مدرك آخر للأحكام غير المدارك المعتبرة عند غيره وهو عمل أهل المدينة لأنه رأى أنهم فيما يتفقون عليه من فعل أو ترك متابعون لمن قبلهم ضرورة لدينهم واقتدائهم وهكذا إلى الجيل المباشرين لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآخذين ذلك عنه وصار ذلك عنده من أصول الأدلة الشرعية ظن كثير أن ذلك من مسائل الإجماع فأنكره لأن دليل الإجماع لا يخص أهل المدينة ممن سواهم بل هو شامل للأمة.
واعلم أن الإجماع إنما هو الاتفاق على الأمر الديني عن اجتهاد مالك رحمه الله لم يعتبر عمل أهل المدينة من هذا المعنى وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل بالمشاهدة للجيل إلى أن ينتهي إلى الشارع صلى الله عليه وسلم وضرورة اقتدائهم بعين ذلك يعم الملة ذكرت في باب الإجماع الأبواب بها من حيث ما فيها من الاتفاق الجامع بينها وبين الإجماع إلا أن اتفاق أهل الإجماع عن نظر واجتهاد في الأدلة واتفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من قبلهم ولو ذكرت المسئلة في باب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره أو مع الأدلة المختلف فيها مثل مذهب الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق.
ثم كان من بعد مالك بن أنس محمد بن إدريس المطلبي الشافعي رحل إلى العراق من بعد مالك ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق واختص بمذهب وخالف مالكا رحمه الله في كثير من مذهبه.
وجاء من بعدهما أحمــد بن حنبل وكان من علية المحدثين وقرأ أصحابه على أصحاب الإمام أبي حنيفة مع وفور بضاعتهم من الحديث فاختصوا بمذهب آخر ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه فصرحوا بالعجز والأعواز وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب ولم يبق إلا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية لا محصول اليوم للفقه غير هذا ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه مهجور تقليده وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة1.
فأما أحمــد بن حنبل فمقلدوه قليلون لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية للأخبار بعضها ببعض وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظا للسنة ورواية الحديث.
وأما أبو حنيفة: فمقلدوه اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصين وما وراء النهر وبلاد العجم كلها لما كان مذهبه أخص بالعراق ودار السلام وكانت تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية وحسن مباحثهم في الخلافيات وجاؤوا منها بعلم مستطرف وأنظار غريبة وهي بين أيدي الناس وبالمغرب منها شيء قليل نقله إليه القاضي ابن العربي وأبو الوليد الباجي في رحلتهما.
وأما الشافعي رحمه الله فمقلدوه بمصر أكثر مما سواها وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وما وراء النهر وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الأمصار وعظمت مجالس المناظرات بينهم وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالاتهم ثم درس ذلك كله بدروس المشرق وأقطاره وكان الإمام محمد بن إدريس الشافعي لما نزل على بني عبد الحكم بمصر أخذ عنه جماعة من بني عبد الحكم وأشهب وابن القاسم وابن المواز وغيرهم ثم الحارث بن مسكين وبنوه.
ثم انقرض فقه أهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه أهل البيت وتلاشى من سواهم إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب ورجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام فعاد إلى أحسن ما كان ونفق سوقه واشتهر منهم محيي الدين النووي من الحلبة التي ربيت في ظل الدولة الأيوبية بالشام وعز الدين بن عبد السلام أيضا ثم ابن الرفعة بمصر وتقي الدين بن دقيق العيد ثم تقي الدين السبكي بعد هما إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد وهو سراج الدين البلقيني فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر كبير العلماء بل أكبر العلماء من أهل العصر.
وأما مالك رحمه الله فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس وإن كان يوجد في غيرهم إلا أنهم لم يقلدوا غيره إلا في القليل لما أن رحلتهم كانت غالبا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم والمدينة يومئذ دار العلم ومنها خرج العراق ولم يكن العراق في طريقهم فاقتصروا على الأخذ عن علماء المدينة وشيخهم يومئذ وإمامهم مالك رحمه الله وشيوخه من قبله وتلميذه من بعده فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه دون غيره ممن لم تصل إليهم طريقته وأيضا فالبداوة كانت غالبة على أهل المغرب والأندلس ولم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق فكانوا إلى أهل الحجاز أميل لمناسبة البداوة ولهذا لم يزل المذهب المالكي غضا عندهم ولم يأخذه تنقيح الحضارة وتهذيبها كما وقع في غيره من المذاهب.
ولما صار مذهب كل إمام علما مخصوصا عند أهل مذهبه ولم يكن لهم سبيل إلى الاجتهاد والقياس فاحتاجوا إلى تنظير المسائل في الإلحاق وتفريقها عند الاشتباه بعد الاستناد إلى الأصول المقررة من مذهب إمامهم وصار ذلك كله يحتاج إلى ملكة راسخة يقتدر بها على ذلك النوع من التنظير أو التفرقة واتباع مذهب إمامهم فيهما ما استطاعوا وهذه الملكة هي علم الفقه لهذا العهد وأهل المغرب جميعا مقلدون لمالك رحمه الله.
وقد كان تلامذته افترقوا بمصر والعراق فكان بالعراق منهم القاضي إسماعيل وطبقته مثل ابن خويز منداد وابن اللبان والقاضي أبو بكر الأبهري والقاضي أبو الحسين بن القصار والقاضي عبد الوهاب من بعدهم وكان بمصر ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكيم والحارث بن مسكين وطبقتهم ورحل من الأندلس عبد الملك بن حبيب فأخذ عن ابن القاسم وطبقته وبث مذهب مالك في الأندلس ودون فيه كتاب الواضحة ثم دون العتبي من تلامذته كتاب العتبية ورحل من إفريقية أسد بن الفرات فكتب عن أصحاب أبي حنيفة أولا ثم انتقل إلى مذهب مالك وكتب علي بن القاسم في سائر أبواب الفقه وجاء إلى القيروان بكتابه وسمى الأسدية نسبة إلى أسد بن الفرات فقرا بها سحنون على أسد ثم ارتحل إلى المشرق ولقي ابن القاسم وأخذ عنه وعارضه بمسائل الأسدية فرجع عن كثير منها وكتب سحنون مسائلها ودونها وأثبت ما رجع عنه وكتب لأسد أن يأخذ بكتاب سحنون فأنف من ذلك فترك الناس كتابه واتبعوا مدونة سحنون على ما كان فيها من اختلاط المسائل في الأبواب فكانت تسمى المدونة والمختلطة وعكف أهل القيروان على هذه المدونة وأهل الأندلس على الواضحة والعتبية.
ثم اختصر ابن أبي زيد المدونة والمختلطة في كتابة المسمى بالمختصر ولخصه أيضا أبو سعيد البرادعي من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بالتهذيب واعتمده المشيخة من أهل إفريقية وأخذوا به وتركوا ما سواه وكذلك اعتمد أهل الأندلس كتاب العتبية وهجروا الواضحة وما سواها ولم تزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الأمهات بالشرح والإيضاح والجمع.
فكتب أهل إفريقية على المدونة ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن يونس واللخمي وابن محرز التونسي وابن بشير وأمثالهم.
وكتب أهل الأندلس على العتبية ما شاء الله أن يكتبوا مثل ابن رشد وأمثاله وجمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل والخلاف والأقوال في كتاب النوادر فاشتمل على جميع أقوال المذهب وفرع الأمهات كلها في هذا الكتاب ونقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة وزخرت بحار المذهب المالكي في الأفقين إلى انقراض دولة قرطبة والقيروان ثم تمسك بهما أهل المغرب بعد ذلك إلى أن جاء كتاب أبي عمرو بن الحاجب لخص فيه طرق أهل المذهب في كل باب وتعديد أقوالهم في كل مسئلة فجاء كالبرنامج للمذهب وكانت الطريقة المالكية بقيت في مصر من لدن الحارث بن مسكين وابن المبشر وابن اللهيث وابن رشيق وابن شاس وكانت بالإسكندرية في بني عوف وبني سند وابن عطاء الله ولم أدر عمن أخذها أبو عمرو بن الحاجب لكنه جاء بعدا نقراض دولة العبيديين وذهاب فقه أهل البيت وظهور فقهاء السنة من الشافعية والمالكية.
ولما جاء كتابه إلى المغرب آخر المائة السابعة عكف عليه الكثير من طلبة المغرب وخصوصا أهل بجاية لما كان كبير مشيختهم أبو علي ناصر الدين الزواوي هو الذي جلبه إلى المغرب فإنه كان قرأ على أصحابه بمصر ونسخ مختصره ذلك فجاء به وانتشر بقطر بجاية في تلاميذه ومنهم انتقل إلى سائر الأمصار المغربية وطلبة الفقه بالمغرب لهذا العهد يتداولون قراءته ويتدارسونه لما يؤثر عن الشيخ ناصر الدين من الترغيب فيه وقد شرحه جماعة من شيوخهم كابن عبد السلام وابن رشد وابن هارون وكلهم من مشيخة أهل تونس وسابق حلبتهم في الإجادة في ذلك ابن عبد السلام وهم مع ذلك يتعاهدون كتاب التهذيب في دروسهم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

طِيرَا

Entries on طِيرَا in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
طِيرَا:
بكسر أوله، وسكون ثانيه، بوزن الشّيزى:
وهي من قرى أصبهان، نسب إليها أبو العباس أحمــد ابن محمد بن علي بن متّة الطيراني، له رحلة في طلب الحديث، سمع الكثير ولم يحدّث إلا باليسير، سمع أبا عبيدة عبد الله بن محمد بن الحسن بن زياد الجهرمي، روى عنه أبو بكر بن مردويه، ومحمد بن عبيد الله ابن أحمــد بن محمد بن أحمــد بن يزيد الطيراني أبو بكر الأنصاري الشيخ الصالح الثقة، صاحب سنّة وصلابة في الدين، كتب عنه أهل الحديث، وكان كثير الكتابة أحد الأثبات حسن التصانيف، مات في سنة 423، قاله يحيى بن مندة في تاريخ أصبهان.

الجَمَدُ

Entries on الجَمَدُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
الجَمَدُ:
بالتحريك: قرية كبيرة كثيرة البساتين والشجر والمياه من أعمال بغداد من ناحية دجيل قرب أوانا ينسب إليها أبو عبد الله محمد بن أحمــد بن عبد الله الجمدي، سمع أبا البدر إبراهيم بن منصور الكرخي وأحمــد بن محمد الجرّار وغيرهما، ومات في شهر رمضان سنة 585 وابنه أحمــد، سمع أبا المعالي أحمــد بن علي بن السمين وحدّث.

آخُرُ

Entries on آخُرُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
آخُرُ:
بضم الخاء المعجمة والراء: قصبة ناحية دهستان، بين جرجان وخوارزم، وقيل: آخر قرية بدهستان نسب إليها جماعة من أهل العلم، منهم أبو الفضل العبّاس ابن أحمــد بن الفضل الزاهد، وكان إمام المسجد العتيق بدهستان، وذكر أبو سعد في التحبير أبا الفضل خزيمة ابن علي بن عبد الرحمن الآخري الدهستاني، وقال: كان فقيها، فاضلا، معتزليّا، أديبا، لغويّا، سمع بدهستان أبا الفتيان عمر بن عبد الكريم الرّوّاسي، وبندار بن عبد الواحد الدهستاني، وغيرهما، مات
بمرو في صفر سنة 548. وإسماعيل بن أحمــد بن محمد ابن أحمــد بن حفص بن عمر أبو القاسم الآخري، روى عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الخوّاص بربض آمد، عن الحسن بن الصّبّاح الزعفراني، حديثا منكرا حمل فيه على الخوّاص. روى عنه الحافظ حمزة بن يوسف السّهمي. وآخر قرية بين سمنان ودامغان، بينها وبين سمنان تسعة فراسخ، سمع بها الحافظ أبو عبد الله بن النّجّار نقلته من خطّه وأخبرني به من لفظه.

يَبْرُودُ

Entries on يَبْرُودُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
يَبْرُودُ:
بليدة بين حمص وبعلبكّ فيها عين جارية عجيبة باردة وبها فيما قيل سميت وتجري تحت الأرض إلى الموضع المعروف بالنبك، غلط فيه الحازمي كتب في باب الباء فلينقل إلى ههنا، ينسب إليها محمد بن عمر بن أحمــد بن جعفر أبو الفتح التميمي اليبرودي، حدث عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مروان، روى عنه عبد العزيز الكناني وأبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمّان، قاله ابن عساكر، ويبرود أيضا: من قرى البيت المقدس، وإليها ينسب، والله أعلم، الحسين بن عثمان بن أحمــد بن عيسى أبو عبد الله اليبرودي، سمع أبا القاسم بن أبي العقب وأبا عبد الله ابن مروان وأبا عبد الله الحسين بن أحمــد بن محمد بن أبي ثابت وغيرهم، روى عنه أبو علي الأهوازي وأبو الحسن علي بن الحسين بن صصرى وأبو القاسم الحنائي، وذكر أبو علي الأهوازي أنه مات في سنة 401، والحسين بن محمد بن عثمان أبو عبد الله اليبرودي، حدث عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن مروان وأبي القاسم بن أبي العقب، روى عنه علي بن محمد الحنائي، ومات بدمشق لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة 401. وعين يبرود: قرية أخرى من قرى البيت المقدس نصفها وقف على مدرسة بدر الدين بن أبي القاسم والنصف الآخر كان لأولاد الخطيب فابتاعه السلطان الملك المعظم ووقفه في جملة أوقاف السبيل، وهو شمالي القدس معها، وهي السكة المسلوكة من القدس إلى نابلس وبينها وبين يبرود كفرناثا، وهي ذات أشجار وكروم وزيتون وسمّاق.

أَمن

Entries on أَمن in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
أَمن
: ( {الأَمْنُ} والآمِنُ، كصاحِبٍ) ،
(يقالُ: أَنْتَ فِي {آمِنٍ أَي} أَمْنٍ.
وقالَ أَبو زِيادٍ: أَنْتَ فِي آمن مِن ذلِكَ أَي فِي {أَمانٍ.
قالَ شيْخُنا، رحِمَه اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ مِن وُرُودِ المَصْدرِ على فاعِلٍ وَهُوَ غَريبٌ.
(ضِدُّ الخَوْفِ) .
(وقالَ المَناوِي: عدمُ تَوقُعِ مَكْروهٍ فِي الزَّمنِ الْآتِي، وأَصْلُه طمأْنِينَةُ النَّفْسِ وزَوالُ الخَوْفِ. وَقد (} أَمِنَ، كفَرِحَ، {أَمْناً} وأماناً بفتْحِهِما) ، وَكَانَ الإِطْلاقُ فيهمَا كافِياً عَن ضبْطِهما، ( {وأَمَناً} وأَمَنَةً، محرَّكتينِ، {وإِمْناً، بالكسْرِ) وَهَذِه عَن الزجَّاج. وَفِي التنْزِيلِ العَزيزِ: {} أَمَنَةً نُعاساً} نُصِبَ لأنَّه مَفْعولٌ لَهُ كقوْلِكَ فعَلْتُ ذلكَ حَذَرَ الشَّرِّ؛ وَمِنْه حدِيثُ نُزولِ عيسَى، عَلَيْهِ السّلام: (وتَقَعُ {الأَمَنَةُ فِي الأرضِ) ، أَي الأَمْنُ. (فَهُوَ} أَمِنٌ {وأَمِينٌ، كفَرِحٍ وأَميرٍ) :) عَن اللّحْيانيّ.
(ورَجُلٌ} أُمَنَةٌ، كهُمَزَةٍ ويُحَرَّكُ: {يأْمَنُهُ كلُّ أَحَدٍ فِي كلِّ شيءٍ) ؛) ونَقَلَ الجوْهرِيُّ اللّغَتَيْن.
وقَرَأَ أَبو جَعْفرٍ المَدنيُّ: لسْتُ} مُؤْمِناً أَي لَا {نُؤَمِّنك؛ (وَقد} آمَنَهُ) ، بالمدِّ، ( {وأَمَّنَهُ) ، بالتّشْديدِ على كَذَا.
(} والأَمِنُ، ككَتِفٍ: المُسْتَجِيرُ {ليَأْمَنَ على نَفْسِه) ؛) عَن ابنِ الأَعْرابيِّ.
وقُرِىءَ فِي سورَةِ بَراءَة: {إنَّهم لَا} إيمانَ لَهُم} ، بالكسْرِ، أَي لَا إجارَةَ، أَي لم يَفُوا وغَدَروا.
( {والأَمانَةُ} والأَمَنَةُ) ، محرَّكةً: (ضِدُّ الخِيانَةِ، وَقد {أَمِنَهُ) ؛) وقالَ اللَّحْيانيُّ: رَجُلٌ أَمَنةٌ، محرَّكةً: لَا يُصَدِّق بكلِّ مَا سمعَ وَلَا يُكَذِّبُ بشيءٍ، (كسَمِعَ وأَمَّنَهُ} تأْمِيناً {وائْتَمَنَه} واسْتَأْمَنَه) بمعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأَ: {مَا لَكَ لَا {تأْمَننا على يوسفَ} بينَ الإِدغامِ والإِظهارِ.
قالَ الإِمامُ الأَخْفش: والإِدْغامُ أَحْسنُ. وتقولُ:} اؤْتُمِن فلانٌ، على مَا لم يُسمَّ فاعلُه، فَإِن ابْتَدَأَتَ بِهِ صيَّرْتَ الهَمْزَةَ الثانيَةَ واواً، لأنَّ كلَّ كلمةٍ اجْتمَعَ فِي أَوَّلِها هَمْزتانِ وَكَانَت الأُخْرى مِنْهُمَا ساكِنَةً، فلكَ أَن تُصَيِّرها واواً إِن كانتِ الأُولى مَضْمومَة، أَو يَاء إنْ كانتِ الأُولى مكْسورَةً نَحْو إِيتَمَنه، أَو أَلِفاً إِن كانتِ الأُولى مَفْتوحَةً نَحْو آمَنُ؛ كَمَا فِي الصِّحاحِ.
وَفِي الحدِيثِ: (المُؤَذِّنُ {مُؤْتَمَنٌ) ؛ مُؤْتَمَنُ القوْمِ: الَّذِي يثِقُون إِلَيْهِ ويتَّخِذُونَه أَمِيناً حافِظاً.
ويقالُ: مَا كانَ فلانٌ أَمِيناً، (وَقد} أَمُنَ، ككَرُمَ، فَهُوَ {أَمينٌ} وأُمَّانٌ، كرُمَّانٍ) ، أَي لَهُ دينٌ، وقيلَ: ( {مَأْمونٌ بِهِ ثِقَةٌ) ؛) وأَنْشَدَ الجوْهرِيُّ للأَعْشَى:
ولَقَدْ شَهِدْتُ التَّاجر} الأُمَّانِ مَوْروداً شرابُهْ (وَمَا أَحْسَنَ {أَمْنَكَ) ، بالفتْحِ (ويُحَرَّكُ) ، أَي (دينَكَ وخُلُقَكَ) ؛) نَقَلَهُ ابنُ سِيْدَه (} وآمَنَ بِهِ {إِيماناً: صَدَّقَهُ.
(} والإِيمانُ) :) التَّصدِيقُ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الزَّمَخَشْريُّ فِي الأساسِ واتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ العلْمِ مِن اللّغَويِّين وغيرِهم.
وقالَ السَّعْد، رحِمَه اللَّهُ تَعَالَى: إنَّه حَقيقَةٌ وظاهِرُ كَلامِه فِي الْكَشَّاف أنَّ حَقيقَةَ آمَنَ بِهِ {آمَنَه التّكْذِيبَ، لأنَّ} أَمِنَ ثُلاثيًّا مُتَعدَ لواحِدٍ بنفْسِه، فَإِذا نقل لبابِ الأَفْعالِ تعدَّى لاثْنَيْن، فالتَّصْدِيق عَلَيْهِ معْنَى مجازِي {للإِيمانِ وَهُوَ خِلافُ كَلامِه فِي الأَساسِ، ثمَّ إنَّ} آمن يتعدَّى لواحِدٍ بنفْسِه وبالحَرْفِ ولاثنين بالهَمْزَةِ، على مَا فِي الكشافِ والمصْباحِ وغيرِهِ.
وقيلَ: إِنَّه بالهَمْزَةِ يتعدَّى لواحِدٍ كَمَا نَقَلَه عبدُ الحكِيمِ فِي حاشِيَةِ القاضِي.
وقالَ فِي حاشِيَةِ المطول: أَمَن يتعدَّى وَلَا يتَعدَّى.
وقالَ بعضُ المُحَقّقين:! الإِيمانُ يتعدَّى بنفْسِه كصَدَّق، وباللامِ باعْتِبارِ معْنَى الإذْعانِ، وبالباءِ باعْتِبارِ معْنَى الاعْتِرافِ إشارَةً إِلَى أنَّ التَّصْدِيقَ لَا يُعْتَبرُ بدُون اعْتِرافٍ.
(و) قد يكونُ الإِيمانُ بمعْنَى: (الثِّقَةُ) يتعدَّى بالباءِ بِلا تَضْمِينٍ؛ قالَهُ البَيْضاوِي، رحِمَه اللَّهُ تعالَى.
وقالَ الجوْهرِيُّ: أَصْلُ آمَنَ {أَأْمَنَ بهَمْزَتَيْن، لُيِّنَت الثانِيَةُ.
وقالَ الأزْهرِيُّ: أَصْلُ الإِيمانِ الدُّخولُ فِي صِدْقِ الأمانَةِ الَّتِي ائْتَمَنَه اللَّهُ تعالَى عَلَيْهَا، فإنِ اعْتَقَدَ التَّصْديقَ بقلْبِه كَمَا صدَّقَ بلِسانِه فقد أَدَّى} الأَمانَةَ وَهُوَ {مُؤْمنٌ، وَمن لم يَعْتَقدِ التَّصْديقَ بقلْبِه فَهُوَ غيرُ مُؤَدَ} للأَمانَةِ الَّتِي ائْتَمَنَه اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُنافِقٌ، ومَن زَعَمَ أَنَّ الإِيمانَ هُوَ إِظْهارُ القَوْل دُونَ التَّصْديقِ بالقلْبِ فَهُوَ لَا يَخْلُو مِن أَنْ يكونَ مُنافِقاً أَو جَاهِلا لَا يَعْلم مَا يقولُ أَو يُقالُ لَهُ.
قُلْتُ: وَقد يُطْلَقُ الإِيمانُ على الإقْرارِ باللِّسانِ فَقَط كقوْلِه تَعَالَى: {ذَلِك بأنَّهم {آمَنُوا ثمَّ كَفَرُوا} ، أَي آمَنُوا باللِّسانِ وكَفَرُوا بالجنانِ فتأَمَّل.
(و) قد يكونُ الإيمانُ (إظهارُ الخُضوعِ.
(و) أَيْضاً: (قُبولُ الشَّريعَةِ) وَمَا أَتَى بِهِ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واعْتقادُه وتَصْديقُه بالقلْبِ؛ قالَهُ الزجَّاجُ.
قالَ الإمامُ الرَّاغبُ، رحِمَه اللَّهُ تعالَى: الإيمانُ يُسْتَعْملُ تارَةً اسْماً للشَّريعَةِ الَّتِي جاءَ بهَا النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وتارَةً يُسْتَعْملُ على سبيلِ المدْحِ، ويُرادُ بِهِ إذْعانُ النَّفْسِ للحقِّ على سبيلِ التَّصْديقِ وذلكَ باجْتِماعِ ثلاثَةِ أَشْياءٍ تَحْقيقٌ بالقلْبِ وإقرارٌ باللِّسانِ وعَمَلٌ بالأرْكانِ، ويقالُ لكلِّ واحِدٍ مِنَ الاعْتِقادِ والقَوْلِ والصِّدْقِ والعَمَلِ الصالحِ} إيمانٌ. ( {والأمينُ: القَوِيُّ) لأنَّه يُوثَقُ بقُوَّتِهِ} ويُؤْمَنُ ضعفُه.
(و) قالَ ابنُ السِّكّيت، رحِمَه اللَّهُ تعالَى: الأَمينُ: ( {المُؤْتَمِنُ؛ و) أَيْضاً: (المُؤْتَمَنُ) ، وَهُوَ (ضِدٌّ.
(و) } الأَمينُ: (صفَةُ اللَّهِ تَعَالَى) ، هَكَذَا مُقْتَضَى سِياقِه وَفِيه نَظَرٌ إلاَّ أَنْ يكونَ الأَمينُ بمعْنَى {المُؤْمن للغَيْرِ، وإلاَّ فَالَّذِي فِي صفَتِه تَعَالَى فَهُوَ المُؤْمن جلَّ شَأْنه، ومعْناه أَنَّه تعالَى آمَنَ الخلقَ من ظُلْمِه، أَو} آمَنَ أَوْلياءَه عذَابَه؛ عَن ابنِ الأَعْرابيِّ.
ورَوَى المنْذرِي، رحِمَه اللَّهُ تعالَى عَن أَبي العبَّاس: هُوَ المصدِّقُ عبادَه المُسْلمين يومَ القِيامَةِ إِذا سُئِلَ الأُمَمُ عَن تَبْلِيغِ رُسُلِهم، فيُكذِّبونَ أَنْبياءَهم، ويُؤْتَى بسيِّدِنا محمدٍ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيَسْأَلُونَه عَن ذلِكَ فيُصدِّقُونَ الماضِينَ، فيُصدِّقُهم اللَّهُ تَعَالَى، ويصدِّقُهم النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وقيلَ: هُوَ الَّذِي يَصْدُقُ عِبادَه مَا وَعَدَهُم فَهُوَ مِن الإِيمانِ التَّصدِيقِ، أَو {يُؤْمِنُهم فِي القِيامَةِ عَذابَه فَهُوَ مِن} الأَمانِ ضِدّ الخَوْف؛ قالَهُ ابنُ الأثيرِ، رَحِمَه اللَّهُ تَعَالَى.
(وناقَةٌ {أَمونٌ: وَثيقَةُ الخَلْقِ) } يُؤْمَنُ فُتورُها وعِثارُها، وَهُوَ مجازٌ.
وَفِي الصِّحاحِ: هِيَ الموثقةُ الخَلْقِ الَّتِي {أُمِنَتْ أَن تكونَ ضعيفَةً، اه. وَهُوَ فَعولَةٌ جَاءَ فِي موْضِعِ مَفْعولةٍ، كَمَا يقالُ: ناقَةٌ عَضوبٌ وحَلوبٌ.
وَفِي الأساسِ: ناقَةٌ أَمونٌ: قويَّةٌ} مأْمونٌ فُتُورُها، جُعِلَ الأَمْنُ لَهَا وَهُوَ لصاحِبِها؛ (ج) {أُمُنٌ، (ككُتُبٍ.
(و) مِن المجازِ: (أَعْطَيْتُه مِن} آمَنِ مالِي) ، كصاحِبٍ: أَي (مِن خالِصِه وشرِيفِه) ، يعْنِي بالمالِ الإِبِلَ، أَو أَيَّ مالٍ كانَ، كأَنَّه لَو عَقَلَ! لأَمِنَ أَن يُبْدَلَ؛ قالَ الحُوَيْدرَةُ: ونَقِي {بآمِنِ مالِنا أحْسابَناونُجِرُّ فِي الهَيْجا الرِّماحَ وندَّعِي (و) مِن المجازِ: (مَا} أَمِنَ أَن يَجِدَ صَحابَةً) :) أَي (مَا وَثِقَ) أَن يَظْفَرَ. يقالُ ذلِكَ لمَنْ نَوى السَّفَرَ، (أَو مَا كادَ.
( {وآمينُ، بالمدِّ والقَصْرِ) ، نَقَلَهما ثَعْلَب وغيرُهُ، وكِلاهُما يصحُّ مَشْهوراً، ويقالُ: القَصْرُ لُغَةُ أَهْلِ الحِجازِ: والمدُّ إشْباعٌ بدَليلِ أَنَّه ليسَ فِي اللغَةِ العربيَّةِ كَلمةٌ على فاعِيلٍ.
قالَ ثَعْلَب: قوْلُهم} آمينُ هُوَ على إشْباعِ فتْحَةِ الهَمْزَةِ فنَشَأَتْ بعْدَها أَلِفٌ؛ وأَنْشَدَ الجَوْهرِيُّ فِي القَصْرِ لجبيرِ بنِ الأَضْبط:
تَباعَدَ مِنِّي فُطْحُلٌ إِذْ رأيْتُه {أَمينَ فزادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنا بُعْداوأَنْشَدَ فِي المَمْدُودِ لمجنُونِ بَني عامِرٍ:
يَا ربِّ لَا تَسْلُبَنِّي حُبَّها أَبداً ويَرْحَمُ اللَّهُ عَبْداً قَالَ} آمِينا وأَنْشَدَ ابنُ بَرِّي فِي لُغَةِ القَصْر:
سَقَى اللَّهُ حَيًّا بينَ صارَةَ والحِمَى حِمَى فَيْدَ صَوْبَ المُدْجِناتِ المَواطرِأَمِينَ ورَدَّ اللَّهُ رَكْباً إليهمبِخَيْرٍ ووَقَّاهُمْ حِمامَ المَقادِرِ (وَقد يُشَدَّدُ المَمْدودُ) ؛) أَشارَ بقوْلِهِ: وَقد إِلَى ضعْفِ هَذِه اللغَةِ. ونَقَلَها عياضٌ عَن الدَّاودي، وأَنْكَرَها غيرُ واحِدٍ مِن أَئمَةِ اللُّغَةِ؛ فَفِي الصِّحاحِ فتَشْديدُ الميمِ خَطَأٌ.
وَفِي الفصيح: قالَ المَناوي: وقوْلُ بعضِ أَهْلِ اللُّغَةِ إنَّه لُغَةٌ وهمٌ قدِيمٌ وسبَبُه أنَّ (أَبَا) العبَّاسِ أحْمــد بن يَحْيَى قالَ:! وآمِينَ كعاصِينَ لُغَةٌ فتَوَهم أنَّ المُرادَ بِهِ صِيغَة الجَمْع لأنَّه قابلَه بالجَمْعِ ويردُّه قَوْل ابْن جنِّي مَا نَصَّه: فأَمَّا قَوْل أَبي العبَّاس أنَّ آمِينَ بمنْزلَةِ عاصِينَ فَإِنَّمَا يُريدُ بِهِ أنَّ الميمَ خَفيفَةٌ كصادِ عاصِينَ، لَا يُريدُ بِهِ حَقيقَةَ الجَمْعِ، وكيفَ ذلكَ وَقد حُكي عَن الإمامِ الحَسَنِ، رحِمَه اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّه قالَ: إنَّ آمِينَ اسمٌ مِن أَسْماءِ اللَّهِ، عزَّ وجلَّ، فأَيْنَ لكَ فِي اعْتِقادِ معْنَى الجَمْع على هَذَا التَّفْسِير؟
قالَ المَناوِي، رحِمَه اللَّهُ تعالَى: ثمَّ إنَّ المعْنَى غيرُ مُسْتَقيمٍ على التَّشديدِ لأنَّ التَّقديرَ وَلَا الضَّالِّين قاصِدِينَ إِلَيْك، وذلكَ لَا يَرْتَبِط بمَا قَبْله.
(ويُمالُ أَيْضاً) ، نُقِلَ ذلكَ (عَن) الإِمامِ الحَسَنِ أَحْمــد بن محمدٍ (الواحِدِي فِي) تفْسِيرِه (البَسِيطِ) وَهُوَ أَكْبَر مِن الوَسِيط والوَجِيز، وَقد شارَكَه الإِمامُ أَبو حامِدٍ الغَزاليّ، رحِمَه اللَّهُ تعالَى فِي تَسْمِيةِ كُتُبِه الثلاثَةِ المَذْكُورَةِ، تُوفي الإمامُ الواحِدِيُّ سَنَة 468، رحِمَه اللَّهُ تعالَى.
قالَ شيْخُنا، رحِمَه اللَّهُ تعالَى: وَهَذِه الإمالَةُ غَيْر مَعْروفَةٍ فِي مُصنَّفاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ، وحَكَاها بعضُ القرَّاءِ وقالَ: هِيَ لثْغَةٌ لبعضِ أَعْرابِ اليَمَنِ.
واخْتَلَفُوا فِي معْنَى هَذِه الكَلِمَةِ فقيلَ: (اسمٌ مِن أَسْماءِ اللَّهِ تعالَى) .
(رَوَاه ابنُ جنِّي عَن الحَسَنِ، رحِمَه اللَّهُ.
والأَزْهريُّ عَن مجاهِدٍ قالَ: وَلَا يصحُّ ذلكَ عنْدَ أَهْلِ اللّغَةِ من أنَّه بمنْزِلَةِ يَا أللَّه وأَضْمِر اسْتَجِبْ لي، قالَ وَلَو كانَ كَمَا قالَ لرُفِع إِذا أُجْرِي وَلم يكنْ مَنْصوباً.
(أَو مَعْناه: اللَّهمَّ اسْتَجِبْ) لي، فَهِيَ جمْلةٌ مُركَّبَةٌ مِن اسمٍ وفِعْلٍ؛ قالَهُ الفارِسِيُّ؛ قالَ: ودَليلُ ذلكَ أنَّ موسَى، عَلَيْهِ السَّلام، لمَّا دَعَا على فِرْعونَ وأَتْباعِه قالَ هَارون، عَلَيْهِ السّلام: آمِينَ، فطبَّق الجُمْلةَ بالجمْلةِ فِي موْضِعِ اسمِ الاسْتِجابَةِ: كَمَا أنَّ صَهْ مَوْضوعٌ موْضِعُ، اسْكُتْ، وحقُّه مِنَ الإِعرابِ الوَقفُ لأنَّه بمنْزِلَةِ الأَصْواتِ إِذا كانَ غَيْرَ مُشْتقَ مِن فِعْلٍ لَهُ، لأنَّ النونَ فُتِحَتْ فِيهِ لالْتِقاءِ الساكِنَيْن وَلم تُكْسرِ النُّونُ لثقلِ الكَسْرةِ بعْدَ الياءِ، كَمَا فَتَحوا كيفَ وأَينَ.
(أَو) مَعْناه: (كذلِكَ فليكُنْ) ، أَو كذلكَ يكونُ، (أَو كذلكَ) ربّ (فافْعَلْ) وَفِي حدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ، رضِيَ اللَّهُ تعالَى عَنهُ رَفَعَه: (آمِينَ خَاتِمَة ربِّ العالَمِيْن على عبادِهِ {المُؤْمِنِين) .
قالَ شيْخُنا، رحِمَه اللَّهُ تعالَى: ومِن الغَريبِ قَوْل بعض العُلَماء: آمِينَ بَعْد الفاتِحَةِ دُعاءٌ مُجْمَل ويَشْتملُ على جَمِيعِ مَا دُعي بِهِ فِي الفاتِحَةِ مفصَّلاً، فكأَنَّه دعى مَرَّتَيْن؛ كَذَا فِي التَّوْشيحِ.
(وعبْدُ الرَّحْمنِ بنُ آمِينَ) ، بالمدِّ، (أَو يامينٍ) ، بالياءِ، (تابِعِيٌّ) ذَكَرَه ابنُ الطَحَّانِ؛ وعَلى الأَخيرِ اقْتَصَرَ الإمامُ ابنُ حبَّان فِي الثِّقات وقالَ: هُوَ مَدنيٌّ يَرْوِي عَن أَنَس بن مالِكٍ، رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ، وَعنهُ عبدُ الرحمنِ أَبو العَلاءِ.
(} والأُمَّانُ، كرُمَّانٍ: مَنْ لَا يَكْتُبُ كأَنَّه أُمِّيٌّ.
(و) أَيْضاً: (الزُّرَاعُ) ، كرُمَّانٍ أَيْضاً؛ وَفِي نسخةِ: الزِّرَّاعُ، بالكسْرِ.
( {والمَأْمُونِيَّةُ} والمَأْمَنُ: بَلَدانِ بالعِراقِ) ، الأُولى نِسْبَة إِلَى {المَأْمُون العبَّاسِيّ، رحِمَه اللَّهُ تعالَى.
(} وآمنةُ بنْتُ وهْبِ) بنِ عبْدِ مَنَاف بنِ مرَّةَ بنِ كِلابٍ (أُمُّ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم؛) وأُمُّ وهْبٍ عاتِكَةُ بنْتُ الأَقصى السّلَميَّة، وأُمُّ السيِّدَةِ! آمِنَة، رضِيَ اللَّهُ تعالَى عَنْهَا، مرَّةُ بنْتُ عبدِ العُزى بنِ غنمِ بنِ عبدِ الدَّارِ بنِ قصيَ، كَمَا ذَكَرْناه فِي العقْدِ المنظم فِي ذِكْرِ أُمَّهاتِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(و) المُسَمَّات {بآمِنَةَ (سَبْعُ صَحابِيَّاتٍ) وَهِي: آمِنَةُ بنْتُ الفَرجِ الجُرْهمِيَّةُ، وابْنَةُ الأَرْقَم، وابْنَةُ خَلَف الأَسْلميَّة، وابْنَةُ رقش، وابْنَةُ سعْدِ بنِ وهْبٍ، وابْنَةُ عفَّان، وابْنَةُ أَبي الصَّلْت.
وفَاتَهُ: ذِكْرُ آمِنَة بنْتُ غفار، وابْنَة قرْط بنِ خنارٍ، رضِيَ اللَّهُ تعالَى عنهنَّ.
(وَأَبُو آمِنَةَ الفَزارِيُّ؛ وقيلَ) :) أَبو أُمَيَّةَ (بالياءِ، صَحابِيٌّ) رأَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمبحنجم، رَوَى عَنهُ أَبو جَعْفرٍ الفرَّاءُ.
(} وأَمَنَةُ بنُ عيسَى، محرَّكةً) ، عَن أَبي صالِحٍ: (كاتِبُ اللّيْثِ، مُحَدِّثٌ) .
(وسِياقُ المصنِّفِ، رحِمَه اللَّهُ تعالَى، يَقْتَضي أَنَّه هُوَ كاتِبُ اللّيْثِ.
قالَ الحافِظُ: وَهُوَ فَرْدٌ.
(وكزُبَيْرٍ) :) ابنُ دَرْء بنِ نضلَةَ بنِ نهضَةَ (الحِرْمازِيُّ) عَن جَدِّه نضلَةَ، وَعنهُ ابْنُه الجُنَيْد؛ (و) {أُمَيْنُ بنُ مُسْلمٍ (العَبْسِيُّ) مِن عَبْس مُرَاد، حَكَى عَنهُ سعيدُ بنُ عفير؛ (و) أُمَيْنُ (بنُ عَمْرٍ والمَعافِرِيُّ) أَبو خارِجَةَ، تابِعِيٌّ، رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ؛ (وأَبو أُمَيْنٍ، كزُبَيْرٍ، البَهْرانِيُّ) عَن القاسِمِ بنِ عبْدِ الرَّحمنِ الشَّاميِّ؛ (وأَبو أُمَيْنٍ: صاحِبُ أَبي هُرَيْرَةَ) ، رضِيَ اللَّهُ تعالَى عَنهُ، وَعنهُ أَبو الْوَازِع، (رُواةُ) الآثارِ.
(و) قوْلُه تعالَى: { (إنَّا عَرَضْنا} الأَمانَةَ) على السَّمواتِ والأرْضِ} الآيَة؛ فقد رُوِي عَن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ جُبَيْرٍ، رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهما قَالَا: (أَي الفَرائِضَ المَفْروضَةَ) على عِبادِهِ.
وقالَ ابنُ عُمَرَ، رضِيَ اللَّهُ تعالَى عَنْهُمَا: (عُرِضَتْ على آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلام، الطاعةُ والمَعْصيةُ وعُرِّفَ ثَوابَ الطاعَةِ وعِقابَ المَعْصيةِ) .
(أَو) الأَمانَةَ هُنَا (النِّيَّةَ الَّتِي يَعْتَقِدُها) الإِنْسانُ (فيمَا يُظْهِرُه باللِّسانِ مِن الإِيمانِ ويُؤَدِّيَه من جَميعِ الفَرائِضِ فِي الظَّاهِرِ، لأنَّ اللَّهَ تعالَى ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَلم يُظْهِرْها لأَحَدٍ من خَلْقِه، فَمَنْ أَضْمَرَ من التَّوْحيدِ) ومِن التَّصْديقِ (مِثْلَ مَا أَظْهَرَ فقد أَدَّى الأَمانَةَ) ، ومَنْ أَضْمَرَ التّكْذيبَ وَهُوَ مُصَدِّقٌ باللِّسانِ فِي الظاهِرِ فقد حَمَل الأَمانَةَ وَلم يُؤَدِّها، وكلُّ مَنْ خانَ فيمَا اؤتُمِنَ عَلَيْهِ فَهُوَ حامِلٌ؛ والإِنْسانُ فِي قوْلِه: {وحَمَلَها الإنْسانُ} ؛ هُوَ الكافِرُ الشاكُّ الَّذِي لَا يُصدِّقُ، وَهُوَ الظَّلُومُ الجَهُولُ؛ نَقَلَهُ الأَزْهرِيُّ وأَيَّدَه.
وَفِي حدِيثِ ابنِ عبَّاسٍ، رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، رَفَعَه: (الإِيمانُ {أَمانَةٌ وَلَا دِينَ لمَنْ لَا أَمانَةَ لَهُ) .
وممَّا يُسْتدركُ عَلَيْهِ:
} الأمانُ: ضِدّ الخَوْفِ.
{وآمنَهُ: ضِدُّ أَخَافَه.
ورجُلٌ} آمِنٌ ورِجالٌ {أَمَنةٌ، ككاتِبٍ وكَتَبَةٍ؛ وَمِنْه الحدِيثُ: (وأَصْحابي أَمَنَةٌ لأُمَّتي) ، وقيلَ: جَمْعُ} أَمِينٍ وَهُوَ الحافِظُ؛ وجَمْعُه أُمَنَاهُ أَيْضاً.
ورجُلٌ {أَمِنٌ} وأَمِينٌ بمعْنًى واحِدٍ.
والبَلَدُ {الأَمِينُ: مكَّةُ، شرَّفَها اللَّهُ تعالَى.
} والأَمِينُ أَيْضاً: {المَأْمُونُ؛ وَبِه فُسِّر قَوْلُ الشاعِرِ:
أَلم تَعْلِمي يَا أَسْمَ وَيْحَكِ أَنَّنيحلَفْتُ يَمِينا لَا أَخونُ أَمِينيوفي الحدِيثِ: (مَنْ حَلَفَ} بالأَمانَةِ فليسَ مِنَّا) ، وكأَنَّهم نُهُوا عَن ذلِكَ، لأنَّ الأَمانَةَ ليْسَتْ مِن أَسْماءِ اللَّهِ تَعَالَى، وإِنَّما هِيَ أَمْرٌ مِن أُمُورِه فَلَا يُسَوَّى بَيْنَها وبينَ أَسْماءِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا نُهُوا عَن الحَلْفِ بالآباءِ، وَإِذا قالَ الحالِفُ: {وأَمانَةِ اللَّهِ كانتْ يَمِيناً عنْدَ الإِمامِ أَبي حَنيفَةَ، رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ، والشافِعِيُّ، رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ، لَا يعدُّها يَمِيناً.
} والأمانَةُ: الأَهْلُ والمَالُ المَوْدُوعُ.
وَقد يُرادُ {بالإيمانِ الصَّلاةُ؛ وَمِنْه قوْلُه تَعَالَى: {لَا يُضِيعَ} إيمَانكُمْ} .
{وآمِنُ الحِلْم: وَثِيقُه الَّذِي قد أَمِنَ اخْتِلالَهُ وانْحِلالَهُ؛ قالَ:
والخَمْرُ ليْسَتْ منْ أَخِيكَ ولكنْ قد تَغُرُّ} بآمِنِ الحِلْمِورُوِي: قد تَخُون بثامِرِ الحِلْم، أَي بِتامِّه.
{والمَأْمُونَةُ مِن النِّساءِ: المُسْترادُ لمِثْلِها.
} والأَمِينُ {والمَأْمُونُ: من بَني العبَّاسِ، مَشْهورَان.
} والمُؤْتمِنُ: إِسْحَاق بنُ جَعْفرٍ الصَّادِق، رضِيَ اللَّهُ تعالَى عَنْهُمَا، رَوَى عَنهُ الثَّوْريُّ، رَحِمَه اللَّهُ تعالَى.
{واسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ: دَخَلَ فِي} أَمانه؛ نَقَلَه الجوْهرِيُّ.
{وأُمَيْنُ بنُ أَحمــدَ اليَشْكرِيُّ، كزُبَيْرٍ: وَلِيَ خُراسانَ لعُثْمان، رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ؛ هَكَذَا ضَبَطَه سَيْف، ويقالُ آخِره رَاءٌ.
} وأَمْنٌ، بالفتْحِ: ماءٌ فِي بِلادِ غَطَفانَ، ويقالُ: يَمْنٌ أَيْضاً كَمَا سَيَأْتِي.
{والمَأْمونِيَّةُ: نوعٌ مِنَ الأَطْعِمةِ نُسِبَ إِلَى المَأْمُون.
} والمَأْمَنُ: موْضِعُ الأمانِ.
{والأمنية: مِن أَسْماءِ المَدينَةِ، على ساكِنِها أَفْضَل الصَّلاةِ والسَّلام.
} وأَمَّنَ {تَأْمِيناً: قالَ: آمِينَ.
} وَإيْتَمَنَهُ {كائْتَمَنَه، عَن ثَعْلَب.
} واسْتَأْمَنَه: طَلَبَ مِنْهُ الأَمانَ؛ وأَنْشَدَ ابنُ السِّكِّيت:
شَرِبْتُ مِنْ! أَمْنِ دَواءِ المَشْي يُدْعى المَشُوَّ طَعْمُه كالشَّرْيقالَ الأَزْهرِيُّ: أَي مِنْ خالِصِ دَواءِ المَشْيِ.
وَفِي النوادِرِ: أَعَطَيْتُ فلَانا مِنْ أَمْنِ مَالِي؛ فسَّرَه الأزْهرِيُّ فقالَ: مِن خالِصِ مالِي.
{والأَمِينُ، كأَميرٍ: بليد فِي كُورَةِ الغربية مِن أَعْمالِ مِصْرَ؛ نَقَلَهُ ياقوت.

مَرْوُ الشاهِجَان

Entries on مَرْوُ الشاهِجَان in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
مَرْوُ الشاهِجَان:
هذه مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، نصّ عليه الحاكم أبو عبد الله في
تاريخ نيسابور مع كونه ألّف كتابه في فضائل نيسابور إلا أنه لم يقدر على دفع فضل هذه المدينة، والنسبة إليها مروزيّ على غير قياس، والثوب مرويّ على القياس، وبين مرو ونيسابور سبعون فرسخا ومنها إلى سرخس ثلاثون فرسخا وإلى بلخ مائة واثنان وعشرون فرسخا اثنان وعشرون منزلا، أما لفظ مرو فقد ذكرنا أنه بالعربية الحجارة البيض التي يقتدح بها إلا أن هذا عربيّ ومرو ما زالت عجمية ثم لم أر بها من هذه الحجارة شيئا البتّة، وأما الشاهجان فهي فارسية معناها نفس السلطان لأن الجان هي النفس أو الروح والشاه هو السلطان، سميت بذلك لجلالتها عندهم، وقد روي عن بريدة بن الحصيب أحد أصحاب النبي، صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: قال لي رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم:
يا بريدة إنه سيبعث من بعدي بعوث فإذا بعثت فكن في بعث المشرق ثم كن في بعث خراسان ثم كن في بعث أرض يقال لها مرو إذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين وصلّى فيها عزيز، أنهارها تجري بالبركة، على كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهلها السوء إلى يوم القيامة، فقدمها بريدة غازيا وأقام بها إلى أن مات وقبره بها إلى الآن معروف عليه راية رأيتها، قال بطليموس في كتاب الملحمة: مدينة مرو الرقة، كذا قال، طولها سبع وستون درجة، وعرضها أربعون درجة، في الإقليم الخامس، طالعها العقرب تحت ثماني عشرة درجة من السرطان، يقابلها مثلها في الجدي، بيت ملكها مثلها من الحمل، بيت عاقبتها مثلها من الميزان، كذا قال بطليموس، وقد تقدم ذكرها عند ذكر الأقاليم أنها في الإقليم الرابع، قال أبو عون إسحاق بن علي في زيجه: مرو في الإقليم الرابع، طولها أربع وثمانون درجة وثلث، وعرضها سبع وثلاثون درجة وخمس وثلاثون دقيقة، وشنّع على أهل خراسان وادّعي عليهم البخل كما زعم ثمامة أن الديك في كل بلد يلفظ ما يأكله من فيه للدجاجة بعد أن حصل إلا ديكة مرو فإنها تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحبّ، وهذا كذب بيّن ظاهر للعيان لا يقدم على مثله إلا الوقّاع البهّات الذي لا يتوقّى الفضوح والعار وما ديكة مرو إلا كالدّيكة في جميع الأرض، قالوا:
ولما ملك طهمورث بنى قهندز مرو وبنى مدينة بابل وبنى مدينة ابرايين بأرض قوم موسى ومدينة بالهند في رأس جبل يقال له أوق، قال: وأمرت حماي بنت أردشير بن إسفنديار لما ملكت ببناء الحائط الذي حول مرو، وقال: إن طهمورث لما بنى قهندز مرو بناه بألف رجل وأقام لهم سوقا فيها الطعام والشراب فكان إذا أمسى الرجل أعطي درهما فاشترى به طعامه وجميع ما يحتاج إليه فتعود الألف درهم إلى أصحابه، فلم يخرج له في البناء إلا ألف درهم، وقال بعضهم:
مياسير مرو من يجود لضيفه ... بكرش فقد أمسى نظيرا لحاتم
ومن رسّ باب الدار منكم بقرعة ... فقد كملت فيه خصال المكارم
يسمّون بطن الشاة طاووس عرسهم، ... وعند طبيخ اللحم ضرب الجماجم
فلا قدّس الرحمن أرضا وبلدة ... طواويسهم فيها بطون البهائم
وكان المأمون يقول: يستوي الشريف والوضيع من مرو في ثلاثة أشياء: الطّبيخ النارنك والماء البارد لكثرة الثلج بها والقطن اللين، وبمرو الرّزيق، بتقديم الراء على الزاي، والماجان: وهما نهران كبيران حسنان يخترقان شوارعها ومنهما سقي أكثر ضياعها، وقال إبراهيم بن شمّاس الطالقاني: قدمت على عبد الله بن المبارك من سمرقند إلى مرو فأخذ بيدي فطاف بي حول سور مدينة مرو ثم قال لي:
يا إبراهيم من بنى هذه المدينة؟ قلت: لا أدري يا أبا عبد الرحمن، قال: مدينة مثل هذه لا يعرف من بناها! وقد أخرجت مرو من الأعيان وعلماء الدين والأركان ما لم تخرج مدينة مثلهم، منهم:
أحمــد بن محمد بن حنبل الإمام وسفيان بن سعيد الثوري، مات وليس له كفن واسمه حيّ إلى يوم القيامة، وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك وغيرهم، وكان السلطان سنجر بن ملك شاه السّلجوقي مع سعة ملكه قد اختارها على سائر بلاده وما زال مقيما بها إلى أن مات وقبره بها في قبّة عظيمة لها شباك إلى الجامع وقبتها زرقاء تظهر من مسيرة يوم، بلغني أن بعض خدمه بناها له بعد موته ووقف عليها وقفا لمن يقرأ القرآن ويكسو الموضع، وتركتها أنا في سنة 616 على أحسن ما يكون، وبمرو جامعان للحنفية والشافعية يجمعهما السور، وأقمت بها ثلاثة أعوام فلم أجد بها عيبا إلا ما يعتري أهلها من العرق المديني فإنهم منه في شدة عظيمة قلّ من ينجو منه في كل عام، ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات لما في أهلها من الرّفد ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة بها، فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة، منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني أو عتيق بن أبي بكر وكان فقّاعيّا للسلطان سنجر وكان في أول أمره يبيع الفاكهة والريحان بسوق مرو ثم صار شرابيّا له وكان ذا مكانة منه، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكمالية لا أدري إلى من تنسب، وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور في مدرسته، ومات المستوفي هذا في سنة 494، وكان حنفيّ المذهب، وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحاق في مدرسته وخزانتان للسمعانيين وخزانة أخرى في المدرسة العميدية وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها والخزائن الخاتونية في مدرستها والضميرية في خانكاه هناك، وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلّد وأكثر بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها، وأنساني حبها كل بلد وألهاني عن الأهل والولد، وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن، وكثيرا ما كنت أترنّم عند كوني بمرو بقول بعض الأعراب:
أقمريّة الوادي التي خان إلفها ... من الدهر أحداث أتت وخطوب
تعالي أطارحك البكاء فإننا ... كلانا بمرو الشاهجان غريب
ثم أضفت إليها قول أبي الحسين مسعود بن الحسن الدمشقي الحافظ وكان قدم مرو فمات بها في سنة 543:
أخلّاي إن أصبحتم في دياركم ... فإني بمرو الشاهجان غريب
أموت اشتياقا ثم أحيا تذكّرا، ... وبين التراقي والضلوع لهيب
فما عجب موت الغريب صبابة، ... ولكن بقاه في الحياة عجيب
إلى أن خرجت عنها مفارقا وإلى تلك المواطن ملتفتا وامقا فجعلت أترنم بقول بعضهم:
ولما تزايلنا عن الشعب وانثنى ... مشرّق ركب مصعد عن مغرّب
تيقّنت أن لا دار من بعد عالج ... تسرّ، وأن لا خلّة بعد زينب
ويقول الآخر:
ليال بمرو الشاهجان وشملنا ... جميع سقاك الله صوب عهاد
سرقناك من ريب الزمان وصرفه، ... وعين النوى مكحولة برقاد
تنبّه صرف الدهر فاستحدث النوى، ... وصيّرنا شتّى بكل بلاد
ولن تعدم الحسناء ذامّا، فقد قال بعض من قدمها من أهل العراق فحنّ إلى وطنه:
وأرى بمرو الشاهجان تنكّرت ... أرض تتابع ثلجها المذرور
إذ لا ترى ذا بزّة مشهورة ... إلّا تخال بأنه مقرور
كلتا يديه لا تزايل ثوبه ... كلّ الشتاء كأنه مأسور
أسفا على برّ العراق وبحره! ... إنّ الفؤاد بشجوه معذور
وكنّا كتبنا قصيدة مالك بن الريب متفرّقة وأحلنا في كل موضع على ما يليه ولم يبق منها إلا ذكر مرو وبها تتمّ فإنه قال بعد ما ذكر في السّمينة:
ولما تراءت عند مرو منيتي، ... وحلّ بها سقمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي: ارفعوني فإنني ... يقرّ بعيني إن سهيل بدا ليا
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا ... برابية إني مقيم لياليا
أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة، ... ولا تعجلاني قد تبيّن شانيا
وقوما إذا ما استلّ روحي فهيّئا ... لي السدر والأكفان ثمّ ابكيانيا
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي، ... وردّا على عينيّ فضل ردائيا
ولا تحسداني، بارك الله فيكما، ... من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
خذاني فجرّاني ببردي إليكما، ... فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
وقد كنت عطّافا إذا الخيل أحجمت ... سريعا لدى الهيجا إلى من دعانيا
وقد كنت محمودا لدى الزاد والقرى ... وعن شتم ابن العمّ والجار وانيا
وقد كنت صبّارا على القرن في الوغى، ... ثقيلا على الأعداء عضبا لسانيا
وطورا تراني في رحى مستديرة ... تخرّق أطراف الرماح ثيابيا
وما بعد هذه الأبيات ذكر في الشبيك، وبمرو قبور أربعة من الصحابة، منهم: بريدة بن الحصيب والحكم بن عمرو الغفاري وسليمان بن بريدة في قرية من قراها يقال لها فني ويقال لها فنين وعليه علم، رأيت ذلك كله والآخر نسيته، فأما رستاق مرو فهو أجلّ من المدن وكثيرا ما سمعتهم يقولون رجال مرو من قراها، وقال بعض الظرفاء يهجو
أهل مرو:
لأهل مرو أياد مشهورة ومروّة ... لكنها في نساء صغارهنّ الصّبوّة
يبذلن كل مصون على طريق الفتوّة ... فلا يسافر إليها إلا فتى فيه قوّة
وإليها ينسب عبد الرحمن بن أحمــد بن عبد الله أبو بكر القفّال المروزي وحيد زمانه فقها وعلما، رحل إلى الناس وصنف وظهرت بركته وهو أحد أركان مذهب الشافعي وتخرّج به جماعة وانتشر علمه في الآفاق، وكان ابتداء اشتغاله بالفقه على كبر السن، حدثني بعض فقهاء مرو بفنين من قراها أن القفّال الشاشي صنع قفلا ومفتاحا وزنه دانق واحد فأعجب الناس به جدّا وسار ذكره وبلغ خبره إلى القفّال هذا فصنع قفلا مع مفتاحه وزنه طسّوج وأراه الناس فاستحسنوه ولم يشع له ذكر فقال يوما لبعض من يأنس إليه: ألا ترى كلّ شيء يفتقر إلى الحظ؟ عمل الشاشي قفلا وزنه دانق وطنّت به البلاد، وعملت أنا قفلا بمقدار ربعه ما ذكرني أحد! فقال له: إنما الذكر بالعلم لا بالأقفال، فرغب في العلم واشتغل به وقد بلغ من عمره أربعين سنة وجاء إلى شيخ من أهل مرو وعرّفه رغبته فيما رغب فيه فلقّنه أول كتاب المزني، وهو: هذا كتاب اختصرته، فرقي إلى سطحه وكرّر عليه هذه الثلاثة ألفاظ من العشاء إلى أن طلع الفجر فحملته عينه فنام ثم انتبه وقد نسيها فضاق صدره وقال: أيش أقول للشيخ؟
وخرج من بيته فقالت له امرأة من جيرانه: يا أبا بكر لقد أسهرتنا البارحة في قولك هذا كتاب اختصرته، فتلقنها منها وعاد إلى شيخه وأخبره بما كان منه، فقال له: لا يصدّنّك هذا عن الاشتغال فإنك إذا لازمت الحفظ والاشتغال صار لك عادة، فجدّ ولازم الاشتغال حتى كان منه ما كان فعاش ثمانين سنة أربعين جاهلا وأربعين عالما، وقال أبو المظفّر السمعاني: عاش تسعين سنة ومات سنة 417، ورأيت قبره بمرو وزرته، رحمه الله تعالى، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمــد بن إسحاق المروزي أحد أئمة الفقهاء الشافعية ومقدّم عصره في الفتوى والتدريس، رحل إلى أبي العباس بن شريح وأقام عنده وحصل الفقه عليه وشرح مختصر المزني شرحين وصنف في أصول الفقه والشروط وانتهت إليه رياسة هذا المذهب بالعراق بعد ابن شريح ثم انتقل في آخر عمره إلى مصر وتوفي بها لسبع خلون من رجب سنة 340 ودفن عند قبر الشافعي، رضي الله عنه.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.