Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: تأكيد

البدل

Entries on البدل in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
البدل:
[في الانكليزية] One who takes the place of another -Tenant
[ في الفرنسية] lieu
بسكون الدال المهملة مع فتح الباء وكسرها هو القائم مقام الشيء، والبديل مثله، الأبدال والبدلاء الجمع على ما في الصراح والمهذب. وكذا البدل بفتحتين كما في قوله تعالى بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا. وعند الصرفيين هو الحرف القائم مقام غيره. قال ابن الحاجب في الشافية: الإبدال جعل حرف مكان حرف غيره، أي جعل حرف من حروف الإبدال وهي حروف «انصت يوم جد طاه زل»، فلا يرد نحو اظّلم، فإنّ أصله اظتلم جعل الظاء مكان تاء افتعل لإرادة الإدغام، فإنّه لا يسمّى ذلك بدلا لما أنّ الظاء ليست من حروف الإبدال. وقوله مكان حرف احتراز عن جعل حرف عوضا عن حرف في غير موضعه كهمزة ابن واسم، فإنّه لا يسمّى ذلك بدلا إلّا تجوّزا. ولذا لم يقل إنه جعل حرف عوضا عن حرف آخر. وقوله غيره تأكيد لقوله حرف لدفع وهم أنّ ردّ اللام في نحو أبوي يسمّى إبدالا والحرف الأول أي الذي جعل مكانه غيره يسمّى مبدلا منه والحرف الثاني أي الذي جعل مكان غيره يسمّى مبدلا وبدلا، هكذا يستفاد من شروح الشافية.
ثم الإبدال أعم من الإعلال من وجه، فإنّ لفظ الإعلال في اصطلاحهم مختص بتغيير حروف العلة بالقلب أو الحذف أو الإسكان فيصدقان في قال، ويصدق الإبدال فقط في السّادي، فإن أصله السادس، والإعلال فقط في يدعو؛ وأعمّ مطلقا من القلب إذ القلب مختص في اصطلاحهم بإبدال حروف العلّة والهمزة بعضها مكان بعض. إلّا أنّ المشهور في غير الأربعة لفظ الإبدال، كذا ذكر الرضي ويجيء في لفظ الإعلال أيضا.
قال في الاتقان في نوع بدائع القرآن:
الإبدال هو إقامة بعض الحروف مقام بعض.
وجعل منه ابن فارس فانفلق أي انفرق. وعن الخليل فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أنه أريد فحاسوا فقامت الجيم مقام الحاء، وقد قرئ بالحاء أيضا. وجعل منه الفارسي فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أي الخيل. وجعل منه أبو عبيدة إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً أي تصددة انتهى. وهذا المعنى ليس عين المعنى الذي ذكره ابن الحاجب بل قريب منه، لعدم الاشتراط هاهنا بكون الحرف المبدل من حروف الإبدال كما لا يخفى.
وعند النحاة تابع مقصود دون متبوعه، ولفظ التابع يتناول تابع الاسم وغيره لعدم اختصاص البدل بالاسم، فإنه يجوز أن يقع الاسم المشتق بدلا من الفعل نحو مررت برجل يضرب ضارب على ما في بعض حواشي الإرشاد في بيان خواص الاسم، وكذا يجوز أن يبدل الفعل من الفعل إذا كان الثاني راجحا في البيان على الأول كقول الشاعر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا فإنّ تلمم من الإلمام وهو النزول بدل من تأتنا على ما في العباب، وكذا يجوز أن يكون جملة مبدلة من جملة لها محل من الإعراب أوّلا بشرط كون الثانية أوفى من الأولى بتأدية المعنى المراد كما ستعرف. ثم المراد بكونه مقصودا دون المتبوع أن يكون ذكر المتبوع أي المبدل منه توطئة لذكره حقيقة أو حكما كما في بدل الغلط، فإنه وإن لم يجعل توطئة بل كان سبق لسان، لكنه في حكم التوطئة، فإنه في حكم الساقط، فخرج من الحدّ النعت والــتأكيد وعطف البيان لعدم كونها مقصودة، وكذا العطف بالحرف لكون متبوعه مقصودا أيضا.
ولا يرد على التعريف المعطوف ببل لأن متبوعه مقصود ابتداء، ثم بدأ له شيء فأعرض عنه ببل وقصد المعطوف فكلاهما مقصودان وإنما لم نقل تابع مقصود بالنسبة إلى آخره على ما قالوا لئلّا يخرج عن التعريف بدل الجملة من الجملة.
ثم البدل أقسام أربعة لأن البدل لا يخلو من أن يكون عين المبدل منه بأن يصدق على ما يصدق عليه المبدل منه أو لا يكون، والثاني إمّا أن يكون بعض المبدل منه أو لا يكون، والثاني إمّا أن يكون له بالمبدل تلبّس ما أو لم يكن، فالأوّل بدل الكلّ وسماه ابن مالك في الألفية ببدل المطابق. قال الچلپي في حواشي المطول وهذه التسمية أحسن لوقوعه في اسم الله تعالى نحو إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ فيمن قرأ بالجر، فإنّ المتبادر من الكلّ التجزي وهو ممتنع في ذات الله تعالى، فلا يليق هذا الإطلاق بحسن الأدب وإن حمل الكلّ على معنى أخر. والثاني بدل البعض نحو ضربت زيدا رأسه. والثالث بدل الاشتمال نحو أعجبني زيد علمه. والرابع بدل الغلط. وبهذا اندفع اعتراض من يقول إنّ هاهنا قسما خامسا وهو بدل الكلّ من البعض نحو نظرت إلى القمر فلكه لأنّ هذا من بدل الاشتمال، إذ بدل الاشتمال هو أن يكون بينه وبين متبوعه ملابسة بغيرهما أي تكون تلك الملابسة بغير كون البدل كلّ المبدّل منه أو جزءه، فيدخل فيه ما إذا كان المبدل منه جزءا من البدل ويكون إبداله منه بناء على هذه الملابسة كما في المثال المذكور.
وإنما لم يجعل هذا البدل قسما خامسا ولم يسمّ ببدل الكلّ عن البعض لقلته وندرته، بل قيل بعدم وقوعه في كلام العرب والمثال موضوع.
واعلم أنّ في إطلاق الملابسة يدخل بعض أفراد بدل الغلط نحو ضربت زيدا غلامه أو حماره. فالمراد بها ملابسة بحيث توجب النسبة إلى المتبوع النسبة إلى الملابس إجمالا، نحو:
أعجبني زيد علمه، حيث يعلم ابتداء أن يكون زيد معجبا باعتبار صفة من صفاته لا باعتبار ذاته، فتضمن نسبة الإعجاب إلى زيد نسبة إلى صفة من صفاته، وكذا في سلب زيد ثوبه، بخلاف: ضربت زيدا حماره أو غلامه لأن نسبة الضرب إلى زيد تامة لا يلزم في صحتها اعتبار غير زيد، فيكون من باب بدل الغلط.
وكذا قولك بنى الأمير وكيله من باب بدّل الغلط لأن شرط بدل الاشتمال أن لا يستفاد هو من المبدل منه معينا، بل تبقى النفس مع ذكر الأول منتظرة للبيان لإجمال الأول، وهاهنا الأول غير مجمل لأنه يستفاد عرفا من قولك بنى الأمير أن الباني هو وكيله. ثم إنّه لا يرد على الحصر بدل التفضيل نحو الناس رجلان، رجل أكرمته ورجل أهنته، فإنه من قبيل بدل الكلّ إذ البدل إنما هو المجموع. فإن قلت يجوز أن يكون بدل البعض. قلت فحينئذ يحتاج إلى الضمير ولم ير بدل تفضيل ملفوظا بالضمير ولا محتاجا إلى تقديره وذلك آية كونه بدل الكل. فإن قلت فإذا كان مجموع العاطفين بدل الكل فما رافع كلّ من الجزءين على انفراده مع أنه غير بدل على هذا التقدير؟. قلت هو نظير قولهم هذا حلو حامض، فإن المجموع هو الخبر، فكلّ واحد من الجزءين مرفوع وتحقيقه أنهم ذكروا أنّ في مثل قولهم هذا حلو حامض اعتبر العطف أوّلا، ثم جعل المجموع خبرا لأنّ المقصود إثبات الكيفية المتوسّطة بين الحلاوة والحموضة، لا إثبات أنفسهما كما قاله البعض، بناء على أنّ الطعمين امتزجا في جميع الأجزاء. فعلى هذا القول يكون في كلّ من الحلو والحامض ضمير المبتدأ، وعلى ما ذكروه يكون في المجموع ضمير المبتدأ، وليس في شيء من الجزءين ضمير ولا محذور في خلو الصفة عن الضمير إذا لم تكن مسندة إلى شيء كما فيما نحن فيه، فإنّ المسند هو مجموع الصفتين، وكلّ واحد منهما جزء المسند، فيجوز خلوّها عن الضمير لأنها حينئذ تكون بمنزلة الضاد من ضارب. إن قلت فينبغي أن لا يثنّى ولا يجمع ولا يؤنّث شيء من الجزءين عند تثنية المبتدأ وجمعه وتأنيثه؟. قلنا إجراء تلك الأحوال على الجزءين كإجراء الإعراب عليهما، فإنّ حقّ الإعراب إجراؤه على المجموع، لكن لمّا لم يكن المجموع قابلا للإعراب أجري إعرابه على أجزاء، وإن شئت الزيادة على هذا فارجع إلى عبد الغفور حاشية الفوائد الضيائية في بيان تعدّد خبر المبتدأ.

ثم بدل الغلط ثلاثة أقسام: غلط صريح محقّق كما إذا أردت أن تقول: جاءني حمار فسبقك لسانك إلى رجل ثم تداركته فقلت حمار. وغلط نسيان وهو أن تنسى المقصود فتعمد ذكر ما هو غلط ثم تداركته بذكر المقصود، فهذان النوعان لا يقعان في فصيح الكلام [ولا فيما يصدر عن رويّة وفطانة].
وإن وقع في كلام فحقّه الإضراب عن المغلوط فيه بكلمة بل. وغلط بداء وهو أن تذكر المبدل منه عن قصد ثم تتوهم أنك غالط فيه، وهذا معتمد الشعراء كثيرا مبالغة وتفنّنا، وشرطه أن ترتقي من الأدنى إلى الأعلى كقولك: هند نجم بدر [الشمس]، كأنك وإن كنت متعمدا لذكر النجم تغلط نفسك وترى أنك لم تقصد إلا تشبيها بالبدر [وكذا قولك بدر شمس]؛ وادّعاء الغلط هاهنا وإظهاره أبلغ في المعنى من التصريح بكلمة بل، هكذا حقق السيّد السّند في حاشية المطول في توابع المسند إليه.
اعلم أنّه قد تكون جملة مبدّلة من جملة بمنزلة بدل الكلّ نحو: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ. وقد تكون بمنزلة بدل البعض نحو أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ الآية، فإنّ الغرض من استعماله التنبيه على نعم الله تعالى. والثاني أوفى بتأديته لدلالته على النّعم بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين، فوزانه وزان وجهه في أعجبني زيد وجهه، لدخول الثاني في الأول، فإنّ ما تعلمون يشتمل الأنعام والبنين والجنات وغيرها. وقد تكون بمنزلة بدل الاشتمال نحو قول الشاعر:
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا وإلّا فكن في السّرّ والجهر مسلما فإنّ الغرض من قوله ارحل كمال إظهار الكراهة لإقامة المخاطب. وقوله لا تقيمنّ عندنا أوفى بتأديته لدلالته عليه بالمطابقة مع الــتأكيد الحاصل بالنون، فوزانه وزان حسنها في أعجبني الدار حسنها لأنّ عدم الإقامة مغاير للارتحال وغير داخل فيه مع ما بينهما من الملابسة والملازمة، هكذا في المطوّل والأطول. وظهر من هذا أنّ أقسام البدل المذكورة لا تجري في الجمل حقيقة بل على سبيل التشبيه.
فائدة:
البدل في باب الاستثناء يخالف سائر الأبدال من وجهين. الأول عدم احتياجه إلى الضمير العائد إلى المبدل منه مع وجوبه في بدل البعض والاشتمال، وإنما لم يحتج لأن الاستثناء المتصل يفيد أنّ المستثنى جزء من المستثنى منه، فيكون الاتصال قائما مقام الضمير. والثاني مخالفته للمبدل منه في الإيجاب والسلب مع وجوب الاتفاق في غير باب الاستثناء، كذا ذكر الفاضل الچلپي في حاشية المطول. وعند المحدّثين هو الوصول إلى شيخ شيخ أحد المصنفين من غير طريقه، كذا في شرح النخبة، ويسمى البدل بالأبدال أيضا. وفي الاتقان في النوع الحادي والعشرين العلوّ بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة تقع الموافقات والأبدال والمساواة والمصافحات.
فالموافقة أن يجتمع طريقه مع أحد أصحاب الكتب الستة في شيخه ويكون مع علوّ على ما لو رواه من طريقه، وقد لا يكون. والبدل أن يجتمع معه في شيخ شيخه فصاعدا وقد يكون أيضا بعلوّ وقد لا يكون. والمساواة أن يكون بين الراوي والنبي صلى الله عليه وسلم إلى شيخ أحد أصحاب الكتب. والمصافحة أن يكون أكثر عددا منه بواحد، ومثاله يذكر في لفظ الموافقة.
البدل: تابع مقصود بما نسب إلى المتبوع دونه فخرج بالقصد النعت والتوكيد وعطف البيان لأنها غير مقصودة بما نسب إلى المتبوع وبدونه العطف بالحرف لأنه وإن كان مقصودا لكن المبتوع كذلك مقصود بالنسبة.

التّشبيه

Entries on التّشبيه in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّشبيه:
[في الانكليزية] Simile
[ في الفرنسية] Comparaison
لغة الدلالة على مشاركة أمر لأمر آخر.
وظاهر هذا شامل لنحو قولنا قاتل زيد عمروا، وجاءني زيد وعمرو وما أشبه ذلك، مع أنها ليست من التشبيه. وأجيب بأنّ المدلول المطابقي في هذه الأمثلة: ثبوت المسند لكل من الأمرين ويلزمه مشاركتهما في المسند. فالمتكلّم إن قصد المعنى المطابقي فلم يدل على المشاركة، إذ المتبادر من إسناد الأفعال إلى ذوي الاختيار ما صدر بالقصد فلم يندرج في التفسير المذكور، وإن قصد المعنى الالتزامي فقد دلّ على المشاركة فهو داخل في التشبيه. وما وقع في عبارة أئمة التصريف أنّ باب فاعل وتفاعل للمشاركة والتشارك فمسامحة، والمراد أنّه يلزمهما.
فمنشأ الاعتراض إما ظاهر عبارة أئمة التصريف أو عدم الفرق بين ثبوت حكم لشيء وبين مشاركة أحدهما لآخر، أو الغفلة عن اعتبار القصد فيما يسند إلى ذوي الاختيار. والتحقيق أنّ هذه الأمثلة على تقدير قصد المشاركة فيهما تدلّ على التشابه، وفرق بين التشابه والتشبيه كما ستعرف.
وعند أهل البيان هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر آخر في معنى لا على وجه الاستعارة التحقيقية والاستعارة بالكناية والتجريد. وكثيرا ما يطلق في اصطلاحهم على الكلام الدّال على المشاركة المذكورة أيضا. فالأمر الأول هو المشبّه على صيغة اسم المفعول والثاني هو المشبّه به، والمعنى هو وجه التشبيه، والمتكلّم هو المشبّه على صيغة اسم الفاعل. قيل وينبغي أن يزاد فيه قولنا بالكاف ونحوه ليخرج عنه نحو قاتل زيد عمروا وجاءني زيد وعمرو. وفيه أنّه ليس تشبيها كما عرفت، فدخل في هذا التفسير ما يسمّى تشبيها بلا خلاف وهو ما ذكرت فيه أداة التشبيه نحو: زيد كالأسد أو كالأسد بحذف زيد لقيام قرينة. وما يسمّى تشبيها على القول المختار وهو ما حذفت فيه أداة التشبيه وجعل المشبّه به خبرا عن المشبّه أو في حكم الخبر سواء كان مع ذكر المشبّه أو مع حذفه، فالأول كقولنا زيد أسد والثاني كقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ أي هم صمّ بكم عمي، فإن المحققين على أنّه يسمّى تشبيها بليغا لا استعارة.
ثم إنّ هذا التعريف عرف به الخطيب على ما هو مذهبه فإنّ مذهبه أنّ الاستعارة مشتركة لفظا بين الاستعارة التحقيقية والاستعارة بالكناية. ولذا لم يقل لا على وجه الاستعارة مع كونه أخصر، إذ لا يصح إرادة المعنيين من المشترك في إطلاق واحد ولم يذكر الاستعارة التخييلية لأنها عنده، وكذا عند السلف إثبات لوازم المشبّه به للمشبّه بطريق المجاز العقلي، وليست فيه دلالة على مشاركة أمر لأمر فهي خارجة بقوله الدلالة على مشاركة أمر لأمر، بل لم يدخل في التفسير حتى يحتاج إلى إخراجه بقيد. وأمّا على مذهب السّكّاكي وهو أنّ الاستعارة مشتركة معنى بين الكلّ والتخييلية استعارة اللفظ لمفهوم شبه المحقق فيجب الاكتفاء بقوله ما لم يكن على وجه الاستعارة، لأن في التقييد تطويلا وكذا عند السلف فإنّ لفظ الاستعارة عندهم مشترك معنى بين التحقيقية والمكنية. وقوله والتجريد أي لا على وجه التجريد ليخرج تشبيه يتضمنه التجريد وهو التجريد الذي لم يكن تجريد الشيء عن نفسه لأنه حينئذ لا تشبيه نحو لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ فإنّه لا نزاع أن دار الانتزاع دار الخلد من جهنّم وهي عين دار الخلد لا مشبّه به، بخلاف لقيت من زيد أسدا فإنّه لتجريد أسد من زيد وأسد مشبّه به لزيد لا عينه، ففيه تشبيه مضمر في النفس. فمن احترز به عن نحو قولهم لهم فيها دار الخلد فلم يجرد عقله عن غواشي الوهم، وكأن حبالة الوهم فيه تعريف التجريد بالانتزاع من أمر ذي صفة الخ. ثم إنّهم زعموا أنّ إخراج التجريد من التشبيه مخالفة من الخطيب مع المفتاح حيث صرّح بجعل التجريد من التشبيه. وفيه ما ستعرفه في خاتمة لفظ الاستعارة.
فائدة.
إذا أريد الجمع بين شيئين في أمر مركّبا كان أو مفردا حسيّا كان أو عقليا واحدا كان أو متعددا، فالأحسن أن يسمّى تشابها لا تشبيها ويجوز التشبيه أيضا، وذلك تارة يكون في المتساويين في وجه الشّبه، وتارة يكون في المتفاوتين من غير قصد إفادة التفاوت. قال الشاعر:
رقّ الزجاج ورقّت الخمر فتشابها وتشاكل الأمر فكأنّه خمر ولا قدح. وكأنّها قدح ولا خمر
فائدة
أركان التشبيه أربعة. طرفاه يعني المشبّه والمشبّه به وأداته كالكاف وكأنّ ومثل وشبه ونحوها ووجهه وهو ما يشتركان فيه تحقيقا أو تخييلا، أي وجه التشبيه ما يشترك الطرفان فيه بحكم التشبيه فيؤول المعنى إلى ما دلّ على اشتراكهما فيه، فلا يرد نحو ما أشبهه بالأسد للجبان لأنّ الشجاعة ليست مشتركة بينهما مع أنّها وجه التشبيه للدلالة على مشاركتهما فيها ولا يلزم أن يكون من وجوه التشبيه في زيد كالأسد الوجود والجسمية والحيوانية. ويتجه أنه يلزم أن يكون الطرفان قبل الدلالة على الاشتراك فيه طرفين إلّا أن يتجوّز، وأخرج التعريف مخرج من قتل قتيلا. وفي قولنا تحقيقا أو تخييلا إشارة إلى أنّ وجه الشبه لا يجب أن يكون من أوصاف الشيء في نفسه من غير اعتبار معتبر. والمراد بالتخييل هو أن لا يوجد في أحد الطّرفين أو كليهما إلّا على سبيل التخييل والتأويل.
فائدة:
الغرض من التشبيه في الأغلب يعود إلى المشبّه لبيان إمكان وجوده أو لبيان حاله بأنّه على أيّ وصف من الأوصاف كما في تشبيه ثوب بآخر في السّواد، أو لبيان مقدار حاله كما في تشبيه الثوب بالغراب في شدّة السواد، أو لبيان تقريرها أي تقرير حال المشبّه في نفس السامع وتقوية شأنه كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء. وهذه الأغراض الأربعة تقتضي أنّ يكون وجه الشّبه في المشبّه به أتمّ وهو به أشهر، أو لبيان تزيينه في عين السامع كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبي، أو لبيان تشويهه أي تقبيحه كما في تشبيه وجه مجدور بسلحة- البراز- جامدة قد نقرتها الديكة، أو لبيان استطرافه أي عدّ المشبّه طريفا حديثا كما في تشبيه فحم فيه جمر. قال الشاعر:
كأنما الفحم والجمار به بحر من المسك موجه الذهب أي لإبراز المشبّه في صورة الممتنع عادة.
وله أي للاستطراف وجه آخر غير الإبراز في صورة الممتنع عادة وهو أن يكون المشبّه به نادر الحضور في الذهن، إمّا مطلقا كما في المثال المذكور وإمّا عند حضور المشبّه كما في قوله في البنفسج:
ولازورديّة تزهو بزرقتها بين الرياض على حمر اليواقيت كأنّها فوق قامات ضعفن بها أوائل النار في أطراف كبريت فإنّ صورة اتصال النّار بأطراف الكبريت لا تندر كندرة بحر من المسك موجه الذهب، لكن تندر عند حضور صورة البنفسج. وقد يعود الغرض إلى المشبّه به وهو ضربان: الضرب الأول إيهام أنّه أتمّ في وجه التشبيه من المشبّه وذلك في التشبيه المقلوب، وهو أن يجعل الناقص في وجه الشّبه مشبّها به قصدا إلى ادّعاء أنه زائد في وجه الشّبه كقوله:
بدأ الصّباح كأنّ غرّته وجه الخليفة حين يمتدح فإنّه قصد إيهام أنّ وجه الخليفة أتمّ من الصباح في الوضوح والضياء.

قال في الأطول: ولا يخفى أنّه يجوز أن يكون التشبيه المقلوب مبنيا على تسليم أنّه أتم من المشبّه إذا كان بينك وبين مخاطبك نزاع في ذلك وأنت جاريت معه، وأنه يصحّ التشبيه المقلوب في تشبيه التزيين والتشويه والاستطراف لا دعاء أنّ الزينة في المشبّه به أتم أو القبح أكثر، أو ادّعاء أنّ المشبّه أندر وأخفى. ولا يظهر اختصاصه بصورة الحاق الناقص بالكامل.
والضرب الثاني بيان الاهتمام به أي بالمشبه به كتشبيه الجائع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة بالرغيف، ويسمّى هذا النوع من الغرض إظهار المطلوب.

قال في الأطول: ويمكن تربيع قسمة الغرض ويجعل ثالث الأقسام أن يعود الغرض إلى ثالث وهو تحصيل العناق أي الاتصال بين صورتين متباعدتين غاية التباعد، فإنّه أمر مستطرف مرغوب للطباع جدا. ورابعها أن يعود الغرض إلى المشبّه والمشبّه به جميعا، وهو جعلهما مستطرفين بجميعهما لأنّ كلا من المتباعدين مستطرف إذا تعانقا.
[التقسيم]
التقسيم الأول
وللتشبيه تقسيمات باعتبارات. الأول باعتبار الطرفين إلى أربعة أقسام لأنّهما إمّا حسّيان نحو كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أو عقليان نحو ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً. كذا مثّل في البرهان، وكأنه ظنّ أنّ التشبيه واقع في القسوة وهو غير ظاهر بل هو واقع بين القلوب والحجارة، فمثاله العلم والحياة. أو مختلفان بأن يكون المشبّه عقليا والمشبّه به حسّيا كالمنيّة والسبع أو بالعكس مثل العطر وخلق رجل كريم، ولم يقع هذا القسم في القرآن، بل قيل إنّ تشبيه المحسوس بالمعقول غير جائز لأنّ العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها. ولذا قيل من فقد حسّا فقد علما، يعنى العلم المستفاد من ذلك الحسّ. وإذا كان المحسوس أصلا للمعقول فتشبيهه به يكون جعلا للفرع أصلا والأصل فرعا، وهو غير جائز.
والمراد بالحسيّ المدرك هو أو مادته بالحسّ أي بإحدى الحواس الخمس الظاهرة، فدخل فيه الخيالي، وبالعقلي ما عدا ذلك وهو ما لا يكون هو ولا مادته مدركا بإحدى الحواس الظاهرة فدخل فيه الوهمي الذي لا يكون للحسّ مدخل فيه لكونه غير منتزع منه، بخلاف الخيالي فإنّه منتزع منه، وكذا دخل الوجدانيات كاللذة والألم. وأيضا التشبيه باعتبار الطرفين إمّا تشبيه مفرد بمفرد ويسمّى بالتشبيه المفرق والمفردان إمّا مقيدان بأن يكون للمقيد بهما مدخل في التشبيه كقولهم لمن لا يحصل من سعيه على طائل هو كالراقم على الماء، فإنّ المشبّه به هو الراقم المقيّد بكون رقمه على الماء لأنّ وجه الشبه فيه التسوية بين الفعل وعدمه وهو موقوف على اعتبار هذين القيدين. ثم إنّ القيد يشتمل الصلة والمفعول ولا يخصّ بالإضافة والوصف كما هو المشهور. ومن القيود الحال أو غير مقيدين كتشبيه الخد بالورد أو مختلفان في التقييد وعدمه كقوله والشمس كالمرآة في كفّ الأشل. فإن المشبّه وهو الشمس غير مقيد والمشبّه به وهو المرآة مقيّد بكونها في كفّ الأشل وعكسه، أي تشبيه المرآة في كفّ الأشل بالشمس فيما يكون المشبّه مقيدا والمشبّه به غير مقيد. وإما تشبيه مركّب بمركّب وحينئذ يجب أن يكون كلّ من المشبّه والمشبّه به هيئة حاصلة من عدة أمور وهو قد يكون بحيث يحسن تشبيه كل جزء من أجزاء أحد الطرفين بما يقابله من الطرف الآخر كقوله:
كأن أجرام النجوم لوامعا درر نثرن على بساط أزرق فإنّ تشبيه النجوم بالدّرر وتشبيه السماء ببساط أزرق تشبيه حسن، وقد لا يكون بهذه الحيثية كقوله:
فكأنما المريخ والمشتري قدامه في شامخ الرفعة منصرف بالليل عن دعوة قد أسرجت قدّامه شمعة فإنه لا يصح تشبيه المريخ بالمنصرف بالليل عن دعوة. وقد يكون بحيث لا يمكن أن يعتبر لكل جزء من أجزاء الطرفين ما يقابله من الطرف الآخر إلّا بعد تكلّف، نحو مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً. الآية فإنّ الصحيح أنّ هذين التشبيهين من التشبيهات المركّبة التي لا يتكلّف لواحد واحد شيء يقدر تشبيهه به فإن جعلتها من المفرقة فلا بد من تكلّف وهو أن يقال في الأول شبّه المنافق بالمستوقد نارا وإظهاره الإيمان بالإضاءة وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وفي الثاني شبّه دين الإسلام بالصيّب وما يتعلّق به من شبه الكفر بالظلمات وما فيه من الوعد والوعيد بالبرق والرعد، وما يصيب الكفرة من الإفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. وإمّا تشبيه مفرد بمركّب كتشبيه الشاة الجبلي بحمار أبتر مشقوق الشفة والحوافر نابت على رأسه شجرتا غضا.
والفرق بين المفرد المقيّد وبين المركّب يحتاج إلى تأمّل، فإنّ المشبّه به في قولنا هو كالراقم على الماء إنّما هو الراقم بشرط أن يكون رقمه على الماء، وفي الشاة الجبلي هو المجموع المركّب من الأمور المتعددة بل الهيئة الحاصلة منها. وإمّا تشبيه مركّب بمفرد. وأيضا التشبيه باعتبار الطرفين إن تعدد طرفاه فإمّا ملفوف وهو أن يؤتى على طريق العطف أو غيره بالمشبّهات أو لا، ثمّ بالمشبّه بها [كذلك،] أو بالعكس كقولنا كالشمس والقمر زيد وعمرو، وقولنا كالقمرين زيد وعمرو إذا أريد تشبيه أحدهما بالشمس والآخر بالقمر، أو مفروق وهو أن يؤتى بمشبّه ومشبّه به ثم آخر وآخر كقوله: النشر مسك والوجوه دنانير. ولا يخفى أنّ الملفوف والمفروق لا يخصّ بالطرف بل يجري في الوجه أيضا. وإن تعدّد طرفه الأول يعني المشبّه يسمى تشبيه التسوية لأنه سوّى بين المشبهين كقوله.
صدغ الحبيب وحالي كلاهما كالليالي. ثغوره في صفاء ودمعي كاللآلئ وإن تعدّد طرفه الثاني أعني المشبه به فتشبيه الجمع لأنّه يجمع للمشبّه وجوه تشبيه أو يجمع له أمور مشبهات كقوله:
كإنّما تبسم عن لؤلؤ. منضّد أو برد أو أقاح وقيل شعر آخر مشتملا على عدة تشبيهات وهو:
نفسي الفداء لثغر راق مبسمه وزانه شنب ناهيك من شنب.
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد وعن أقاح وعن طلع وعن حبب هكذا في مقامات الحريري
التقسيم الثاني
باعتبار الأداة إلى مؤكد وهو ما حذفت أداته نحو زيد أسد ومرسل وهو بخلافه. وفي جعل زيد في جواب من قال من يشبه الشمس تشبيها مؤكدا نظر، لأن حذف الأداة على هذا الوجه لا يشعر بأنّ المشبّه عين المشبّه به.
فالوجه أن يفرّق بين الحذف والتقدير ويجعل الحذف كناية عن الترك بالكلية بحيث لا تكون مقدّرة في نظم الكلام. ويجعل الكلام خلوا عنها مشعرا بأنّ المشبّه عين المشبّه به في الواقع بحسب الظاهر. فعلى هذا قوله تعالى وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ إذا كان تقديره مثل مرّ السّحاب بالقرينة، فتشبيه مرسل، وبدعوى أن مرور الجبال عين مرّ السحاب تشبيه مؤكّد فاعرفه، فإنّه من المواهب. فالمرسل ما قصد أداته لفظا أو تقديرا لعدم تقييده بالــتأكيد المستفاد من إجراء المشبّه به على المشبه. فإن قلت إنّ زيدا كالأسد مشتمل على تأكيد التشبيه فكيف يجعل مرسلا؟ قلت اعتبر في المؤكد والمرسل الــتأكيد بالنظر إلى نفس أركان التشبيه مع قطع النظر عما هو خارج عما يفيد التشبيه.
التقسيم الثالث
باعتبار الوجه. فالوجه إمّا غير خارج عن حقيقة الطرفين سواء كان نفس الحقيقة أو نوعا أو جنسا أو فصلا، وسواء كان حسيا مدركا بالحس أو عقليا، وإمّا خارج عن حقيقتهما.
ولا يخفى أنّ تشبيه الإنسان بالفرس في الحيوانية لا في الحيوان كما هو دأب أرباب اللسان. وكون الشيء حيوانا ليس جنسا فكأنّه أريد بالوجه الداخل ما يوجد بالنظر إلى الداخل. ثم الخارج لا بدّ أن يكون صفة، أي معنى قائما بالطرفين لأنّ الخارج الذي ليس كذلك غير صالح لكونه وجه شبه. والصفة إمّا حقيقية أي موجودة في الطرفين لا بالقياس إلى الشيء سواء كانت حسّية أي مدركة بالحسّ أو عقلية وإمّا إضافية. وأيضا باعتبار الوجه وجه التشبيه إمّا واحد وهو ما لا جزء له، وإمّا بمنزلة الواحد لكونه مركبا من متعدّد، إمّا تركيبا حقيقيا بأن يكون وجه التشبيه حقيقة ملتئمة من متعدّد، أو تركيبا اعتباريا بأن يكون هيئة منتزعة انتزعها العقل من متعدّد، وإمّا متعدّد بأن يقصد [فيه] بالتشبيه تشريك الطرفين في كلّ واحد من متعدّد، بخلاف المركّب من وجه الشبه، فإنّ القصد فيه إلى تشريكهما في مجموع الأمور أو في الهيئة المنتزعة عنها. هذا ثمّ الظاهر أن يخصّ التركيب في هذا العرف بالمركّب الاعتباري ويجعل المركب الحقيقي داخلا في الواحد إذ ليس المراد بتركيب المشبّه أو المشبّه به أن يكون حقيقته مركبة من أجزاء مختلفة، ضرورة أنّ الطرفين في قولنا زيد كالأسد مفردان لا مركبان، وكذا في وجه الشّبه ضرورة أنّ وجه الشبه في قولنا: زيد كعمرو في الإنسانيّة واحد لا منزّل منزلة الواحد، بل المراد بالتركيب أن تقصد إلى عدة أشياء مختلفة أو إلى عدة أوصاف لشيء واحد فتنتزع منها هيئة وتجعلها مشبّها ومشبّها به، أو وجه تشبيه. ولذلك ترى صاحب المفتاح يصرّح في تشبيه المركّب بالمركّب بأنّ كلّا من المشبّه والمشبّه به هيئة منتزعة.
اعلم أنّه لا يخفى أنّ هذا التقسيم يجري في الطرفين، فإنّ المشبّه أو المشبّه به قد يكون واحدا وقد يكون بمنزلة الواحد وقد يكون متعددا. فالقول بأنّ تعدّد الطرف يوجب تعدّد التشبيه عرفا دون تعدّد وجه الشّبه لو تمّ لتمّ وجه التخصيص.
واعلم أيضا أنّ كلّا من الواحد وما هو بمنزلته إمّا حسّي أو عقلي، والمتعدّد إمّا حسّي أو عقلي أو مختلف، أي بعضه حسّي وبعضه عقلي، والحسّي وكذا المختلف طرفاه حسّيان لا غير، والعقلي أعمّ. وبالجملة فوجه الشبه إمّا واحد أو مركّب أو متعدّد، وكل من الأولين إمّا حسّي أو عقلي، والأخير إمّا حسّي أو عقلي أو مختلف، فصارت سبعة أقسام، وكل منه إمّا طرفاه حسّيان أو عقليان وإمّا المشبّه حسّي والمشبّه به عقلي أو بالعكس، فتصير ثمانية وعشرين، لكن بوجوب كون طرفي الحسّي حسّيين يسقط اثنا عشر ويبقى ستة عشر. هذا ما قالوا. والحق أن يقسم ما هو بمنزلة الواحد أيضا ثلاثيا، كتقسيم المتعدّد. فعلى هذا يبلغ الأقسام إلى اثنين وثلاثين والباقي بعد الإسقاط سبعة عشر، كما يشهد به التأمّل هكذا في الأطول. وأيضا باعتبار الوجه إمّا تمثيل أو غير تمثيل، والتمثيل تشبيه وجه منتزع من متعدّد وغير التمثيل بخلافه.
وأيضا باعتبار الوجه إمّا مفصّل أو مجمل، فالمفصّل ما ذكر وجهه وهو على قسمين: أحدهما أن يكون المذكور حقيقة وجه الشبه نحو زيد كالأسد في الشجاعة. وثانيهما أن يكون المذكور أمرا مستلزما له كقولهم الكلام الفصيح هو كالعسل في الحلاوة، فإنّ الجامع فيه هو لازم الحلاوة وهو ميل الطّبع لأنه المشترك بين الكلام والعسل. والمجمل ما لم يذكر وجهه فمنه ظاهر يفهم وجهه كلّ أحد ممن له مدخل في ذلك نحو زيد كالأسد، ومنه خفي لا يدرك وجهه إلّا الخاصة سواء أدركه بالبداهة أو بالتأمّل، كقولك هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، أي هم متناسبون في الشرف كالحلقة المفرغة متناسبة في الأجزاء صورة. ولا يخفى أنّ المراد بالخفي الخفي في حدّ ذاته، فلا يخرجه عن الخفاء عروض ما يوجب ظهوره كما في هذا المثال. فإنّ وصف الحلقة بالمفرغة يظهر وجه الشّبه فلا اختصاص لهذا التقسيم بالمجمل، بل يجري في المفصل أيضا كأنّهم خصّوا به للتنبيه على أنّه مع خفاء التشبيه فيه يحذف الوجه. وأيضا من المجمل ما لم يذكر فيه وصف أحد الطرفين أي وصف يذكر له من حيث أنّه طرف وهو وصف يشعر بوجه الشّبه، فلا يخرج منه زيد الفاضل أسد لأنّ زيدا لا يثبت له الفضل من حيث أنّه كالأسد. ومنه ما ذكر فيه وصف المشبّه به فقط كقولك هم كالحلقة المفرغة إلخ، فإنّ وصف الحلقة بالمفرغة مشعر بوجه الشّبه. ومنه ما ذكر فيه وصف المشبّه فقط وكأنّهم لم يذكروا هذا القسم لعدم الظّفر به في كلامهم. ومنه ما ذكر فيه وصفهما أي وصف المشبّه والمشبّه به كليهما نحو فلان كثير المواهب أعرضت عنه أو لم تعرض كالغيث فإنّه يصيبك جئته أو لم تجئ. وهذان الوصفان مشعران بوجه الشّبه أي الإفاضة [في] حالتي الطلب وعدمه وحالتي الإقبال والإعراض.
اعلم أنّه لا يخفى جريان هذا التقسيم في المفصل وكأنّهم لم يتعرّضوا له لأنه لم يوجد إذ لا معنى لإيراد ما يشعر بالوجه مع ذكره، أو لأنّ ذكره في المجمل لدفع توهّم أنه ليس التقسيم مجملا مع ما يشعر بالوجه، ولا داعي لذكره في المفصل. وأيضا باعتبار الوجه إمّا قريب مبتذل وهو التشبيه الذي ينتقل فيه من المشبّه إلى المشبّه به من غير تدقيق نظر لظهور وجهه في بادئ الرأي. ولا ينتقض التعريف بتشبيه يكون المشبّه به لازما ذهنيا للمشبّه مع خفاء وجهه، لأنّه ليس انتقالا لظهور وجهه في بادئ الرأي. وقولنا لظهور وجهه قيد للتعريف. وتحقيقه أن يكون [المشبّه] بحيث إذا نظر العقل فيه ظهر المفهوم الكلّي الذي يشترك بينه وبين المشبّه به من غير تدقيق نظر، والتفت النفس إلى المشبّه به من غير توقف.
ولم يكتف بما ظهر وجهه في بادئ الرأي لأنه يتبادر منه الظهور بعد التشبيه وإحضار الطرفين وهو لا يكفي في الابتذال، بل لا بدّ أن يكون الانتقال من المشبّه إلى المشبّه به لظهور وجهه بمجرد ملاحظة المشبّه كتشبيه الشمس بالمرآة المجلوّة في الاستدارة والاستنارة، فإنّ وجه الشبه فيه لكونه تفصيليا ظاهر. وإمّا غريب بعيد وهو ما لا ينتقل فيه من المشبّه إلى المشبّه به لظهور وجهه في بادئ الرأي، سواء انتقل فيه من المشبّه إلى المشبّه به من بادئ الرأي لكون المشبّه به لازما ذهنيا، لا لظهور وجهه، أولا ينتقل منه إليه كذلك أصلا كقوله والشمس كالمرآة في كفّ الأشل. وكلما كان تركيب وجه التشبيه خياليا كان أو عقليا من أمور أكثر كان التشبيه أبعد لكون تفاصيله أكثر كقوله تعالى إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ الآية. وقد يتصرف في التشبيه القريب بما يجعله غريبا نحو قول الشاعر
عزماته مثل النجوم ثواقبا لو لم يكن للثاقبات أفول أي غروب. وهذا التشبيه يسمّى بالتشبيه المشروط، وهو التشبيه الذي يقيّد فيه المشبّه أو المشبّه به أو كلاهما بشرط وجودي أو عدمي أو مختلف يدلّ عليه بصريح اللفظ كما في البيت السابق، أو بسياق الكلام نحو هو بدر يسكن الأرض، فإنّه في قوة ولو كان البدر يسكن الأرض، وهذه القبّة فلك ساكن أي لو كان الفلك ساكنا.
التقسيم الرابع
باعتبار الغرض فالتشبيه بهذا الاعتبار إمّا مقبول وهو الوافي بإفادة الغرض كأن يكون المشبّه به أعرف الطرفين بوجه الشّبه في بيان الحال أو أتمّهما فيه، أي في وجه الشبه في إلحاق الناقص بالكامل، أو كأن يكون مسلّم الحكم فيه، أي في وجه الشبه معروفا عند المخاطب في بيان الإمكان أو التزيين أو التشويه، وإمّا مردود وهو بخلافه، أي ما يكون قاصرا عن إفادة الغرض وقد سبق في بيان الغرض. ثم التسمية بالمقبول والمردود بالنظر إلى وجه الشّبه فقط مجرد اصطلاح، وإلّا فكلما انتفى شرط من شرائط التشبيه باعتبار الوجه أو الطرف فمردود، لكن بعد الاصطلاح على جعل فائت شرط الوجه أو الطرف مقبولا لإفادة الغرض لا يقال الوفاء بالغرض لا يوجد بدون اجتماع شرائط التشبيه مطلقا. هذا كله خلاصة ما في الأطول والمطول.
فائدة:
القاعدة في المدح تشبيه الادنى بالأعلى وفي الذم تشبيه الأعلى بالأدنى لأن المدح مقام الأعلى والأدنى طارئ عليه [والذم بالعكس،] فيقال في المدح فصّ كالياقوت وفي الذمّ ياقوت كالزجاج، وكذا في السلب، ومنه قوله تعالى يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ أي في النزول لا في العلوّ، وقوله تعالى أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ أي في سوء الحال، أي لا نجعلهم كذلك. نعم أورد على ذلك مثل نوره كمشكاة فإنّه شبّه فيه الأعلى بالأدنى لا في مقام السلب، وأجيب بأنه للتقريب إلى أذهان المخاطبين، إذ لا أعلى من نوره، فيشبّه به كذا في الاتقان. أقول هكذا أورد في تشبيه الصلاة على نبينا وآله صلى الله عليه وعليهم وسلّم بالصلاة على إبراهيم وآله بأن الصلاة على نبينا أكمل وأعلى لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ولقوله تعالى هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ الآية. ولأنّ نبينا عليه الصلاة والسلام سيد المرسلين بالإجماع لا خلاف فيه لأحد من المؤمنين، فالصلاة عليه أشرف وأكمل وأعلى بلا ريب فيلزم تشبيه الأعلى بغير الأعلى. وأجيب عن ذلك بوجوه:
أوّلها أنّ إبراهيم على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام دعا لنبينا حيث قال رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ الآية وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أنا دعوة إبراهيم) الحديث، فلما وجب للخليل على الحبيب حق دعائه قضى الله تعالى عنه حقّه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيمة. وثانيها أنّ إبراهيم سأل ربه بقوله وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ يعني ابق لي ثناء حسنا في أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فأجابه الله تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته. وثالثها أنّ إبراهيم أبو الملّة لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ الآية ولقوله تعالى قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً الآية، وغيرها من الآيات. ونبينا عليه السلام كان أبا الرحمة لقوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الآية فلمّا وجب لكل واحد منهما عليهما السلام حقّ الأبوة وحقّ الرحمة قرن بين ذكريهما في باب الصلاة والثناء. ورابعها أنّ إبراهيم كان منادي الشريعة في الحجّ وكان نبينا عليه السلام منادي الدين لقوله تعالى رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ الآية، فجمع بينهما في الصلاة. وخامسها أنّ الشّهرة والظهور في المشبّه به كاف للتشبيه، ولا يشترط كون المشبّه به أكمل وأتمّ في وجه التشبيه. وكان أهل مكّة يدينون ملة إبراهيم على زعمهم وكان أكثرهم من أولاد إسماعيل وإسماعيل بن إبراهيم، وكان إبراهيم مشهورا عندهم وكذلك عند اليهود والنصارى لأنهم من أولاد إسحاق وهو ابن إبراهيم أيضا، فكلّهم ينسبون إلى إبراهيم عليهم السلام. وسادسها بعد تسليم الاشتراط المذكور يكفي أن يكون المشبّه به أتم وأكمل ممن سبق أو من غيره، ولا يشترط كونه أتمّ من المشبّه كما في قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الآية. هكذا في التفسير الكبير وشرح المشكاة ومدارج النبوة.

اعلم أنّه في جامع الصنائع يقول: إنّ التشبيه ينقسم إلى قسمين: الأول: مرعي، يعني أنّ المشبّه والمشبّه به كلاهما من الأعيان، أي الموجودات كما في تشبيه السالفة بالليل والشفة بالسكر. والثاني: غير مرعي: وهو أن يكون المشبّه به ليس من الموجودات، ولكن من الممكن أن يكون كما في تشبيه العمود المدبّب الرأس «ويشعل في الحرب» بالجبل وكانون النار «المصنوع من النحاس» كأنّه بحر من الذهب.

ثم إنّ التشبيه على أنواع: أحدها: التشبيه المطلق، وهو الذي ذكرت فيه أداة التّشبيه وهي في اللسان العربي: الكاف، وكأنّ، ومثل، ونحو ذلك وفي الفارسية: چون «مثل» «ومانند» «مثل» و «گوئي» «كأنك تقول» وما أشبه ذلك. مثال التشبيه المطلق:
عيناك قاهرة كالنار وجودك جار كالماء وطبعك صاف كالنسيم وحلمك ثابت كالطين (الأرض) الثاني: تشبيه مشروط بأنّ يكون شيء يشبه شيئا آخر ومتوقّف على شرط مثاله: إنّي اسمّي قامتك الجميلة سروا ولكن بشرط أن يكون للسّرو غنج ودلال. حينما تخطرون في الحديقة لا يبلغ الورد إلى مستوى رائحتكم ولكن السّرو يستطيع مصارعة قامتكم لو كان غير مقيّد.

الثالث: التشبيه بالعكس: وهو أن يشبّه شيء بشيء في وصف.
ثم يعود فيشبّه المشبّه به في صفة بالمشبّه مثاله:
لقد أضاء سطح الأرض من لمعان الحديد في حوافر خيله حتى بدت كالفلك.
وصار الفلك من غبار جيشه كالأرض مملوءا بالعجاج. مثال آخر:
كرة الأرض من بهاء طلعتك تسامي الفلك في سمّوه والفلك الدوار من غبار حصانك اتخذ الأرض شعارا الرابع: تشبيه الإضمار وهو إيراد شيئين يمكن التشبيه بهما دون ذكر التشبيه، ثم ذكر ألفاظ تجعل السامع يظنّ أنّ المراد هو شيء آخر. وهنا يقع الإيهام والغموض بأنّ المراد هو التشبيه.

ومثاله: إن تحركي سالفك فسأملأ الدنيا هياجا.

أجل: فالمجنون يزيد هيجانه إذا حرّك أحد قيوده.

الخامس: التشبيه بالكناية. أي أن يشبّه شيء بشيء دون ذكر اسمه صراحة، يعني يكنّى عن المشبّه به ولا ذكر للمشبّه أو المشبّه به في الكلام، ولكنه يفهم من السّياق، ومثاله: نزلت من النرجس (قطرات) من اللؤلؤ وسقّت الورد وهزّت العنّاب بحبات من البرد الذي يبهج النفس (الروح).

السادس: تشبيه التفضيل وهو أن يشبّه شيئا بآخر ثم يرجع عن ذلك فيشبّه المشبّه به بالمشبّه مع تفضيل المشبّه ومثاله: أنت كالقمر ولكن أي قمر إنّه متكلّم. أنت كالسّرو ولكن سرو مغناج.

السابع: تشبيه التّسوية: أن يشبّه شيء بشيء آخر يساويه في الصفة انتهى. ويقول في مجمع الصنائع: إنّ تشبيه التسوية حسب ما هو مشهور هو أن يعمد الشاعر إلى صفة من صفاته صفة مماثلة من أوصاف محبوبه فيشبههما بشيء آخر. وأمّا الطريق غير المشهور فهو أن يشبّه الشاعر شيئين بشيء واحد. ومثال هذين النوعين في بيت من الشعر العربي وهما: صدغ الحبيب وحالي كلاهما كالليالي ثغوره في صفاء ودمعي كاللآلي والتشبيه عند أهل التصوّف عبارة عن صورة الجمال، لأنّ الجمال الإلهي له معان وهي الأسماء والأوصاف الإلهية، وله صورة وهي تجليّات تلك المعاني فيما يقع عليه من المحسوس أو المعقول. فالمحسوس كما في قوله عليه السلام «رأيت ربي صورة شاب أمرد». والمعقول كقوله تعالى «أنا عند ظنّ عبدي بي فليظن بي ما شاء» وهذه الصورة هي المراد بالتشبيه، وهو في ظهوره بصور جماله باق على ما استحقه من تنزيه. فكما أعطيت الجناب الإلهي حقّه من التنزيه فكذلك أعطه من التشبيه الإلهي حقّه.
واعلم أنّ التشبيه في حقّ الله تعالى حكم بخلاف التنزيه، فإنه في حقّه أمر عيني ولا يدركه إلّا الكمّل. وأمّا من سوههم من العارفين فإنما يدرك ما قلنا إيمانا وتقليدا لما تقضيه صور حسنه وجماله، إذ كل صورة من صور الموجودات هي صورة حسنه، فإن شهدت الصورة على الوجه التشبيهي ولم تشهد شيئا من التنزيه فقد أشهدك الحق حسنه من وجه واحد، وإن أشهدك الصورة التشبيهية وتعلّقت فيها التنزيه الإلهي فقد أشهدك الحقّ جماله وجماله من وجهي التشبيه والتنزيه فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. واعلم أنّ للحق تشبيهين: تشبيه ذاتي وهو ما عليك من صور الموجودات المحسوسة أو ما يشبه المحسوسة في الخيال، وتشبيه وصفي وهو ما عليه صور المعاني الأسمائية المنتزعة عما يشبه المحسوس.
وهذه الصورة تتعقل في الذهن ولا تتكيف في الحسّ، فمتى تكيفت التحقت بالتشبيه الذاتي، لأن التكيّف من كمال التشبيه والكمال بالذات أولى فبقي التشبيه الوصفي، وهو ما لا يمكن التكيّف فيه بنوع من الأنواع ولا حين يضرب المثل. ألا ترى الحقّ سبحانه كيف ضرب المثل عن نوره بالمشكاة والمصباح والزجاجة وكأنّ الإنسان صورة هذا التشبيه الذاتي، لأن المراد بالمشكاة صدره والزجاجة قلبه وبالمصباح سرّه وبالشجرة المباركة الإيمان بالغيب، وهو ظهور الحقّ في صورة الخلق، لأن معنى الحق غيب في صورة شهادة الخلق، والإيمان به هو الإيمان بالغيب. والمراد بالزيتونية الحقيقة المطلقة التي لا تقول بأنها من كلّ الوجوه حقّ، ولا بأنها من كل الوجوه خلق، فكانت الشجرة الإيمانية لا شرقية، فنذهب إلى التنزيه المطلق بحيث ينفى التشبيه، ولا غربية فنقول بالتشبيه المطلق حتى ينفى التنزيه، فهي تعصر بين قشر التشبيه ولبّ التنزيه، وحينئذ يكاد زيتها يضيئ الذي هو يغيبها فترتفع ظلمة الزيت بنوره ولو لم تمسسه نار المعاينة الذي هو نور عياني، وهو نور التشبيه على نور الإيمان، وهو نور التنزيه يهدي الله لنوره من يشاء. فكان هذا التشبيه ذاتيا، وهو وإن كان ظاهرا بنوع من ضرب المثل فذلك المثل أحد صور حسنه.
فكلّ مثل ظهر فيه الممثّل به فإنّ المثل أحد صور الممثّل به لظهوره به، كذا في الإنسان الكامل.

الإطناب

Entries on الإطناب in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الإطناب:
[في الانكليزية] Prolixity
[ في الفرنسية] Prolixite

بالنون قال أهل البلاغة: الإطناب والإيجاز من أعظم أنواع البلاغة، حتى نقل عن البعض أنه قال البلاغة هي الإيجاز والإطناب.

قال صاحب الكشاف: كما أنه يجب على البليغ في مظان الإجمال أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل أن يفصل، كما إذا كان الكلام مع المحبوب فيؤتى بكلام طويل لأن كثرة الكلام توجب طول الصحبة معه، وكثرة الالتفات منه، كما قال الله تعالى حكاية عن قول موسى عليه السلام في جواب قوله تعالى وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى، قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى، كذا في الجرجاني.
واختلف هل بين الإيجاز والإطناب واسطة وهي المساواة أو لا وهي داخلة في قسم الإيجاز؟
فالسكّاكي وجماعة على الأول، لكنهم جعلوا المساواة غير محمودة ولا مذمومة لأنهم فسّروها بالمتعارف من كلام أوساط الناس الذين ليسوا في رتبة البلاغة، وفسّروا الإيجاز بأداء المقصود بأقل من المتعارف، والإطناب بأدائه بأكثر منه.

وابن الأثير وجماعة على الثاني فقالوا:
الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير زائد والإطناب بلفظ ازيد.
وقال القزويني الأقرب أن يقال إن المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله إمّا بلفظ مساو لأصل المراد، أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة، والأول المساواة، والثاني الإيجاز، والثالث الإطناب. واحترز بقوله واف عن الإخلال، وبقوله لفائدة عن الحشو والتطويل فعنده تثبت المساواة واسطة وأنها من قسم المقبول، كذا في الإتقان. لكن قال الچلپي في حاشية المطول إنّ الإطناب في اصطلاح السكّاكي يعم المساواة فتعريفه بأداء المقصود بأكثر منه لا يلائم مذهبه انتهى. قال صاحب الأطول: أمّا أنّ هذا التعميم المذكور اصطلاح السكّاكي فغير ثابت انتهى؛ فقول صاحب الإتقان أولى. ثم قال صاحب الأطول:
المساواة عند السكّاكي هي متعارف الأوساط الذين يكتفون بأداء أصل المعنى على ما ينبغي، أي كلامهم في مجرى عرفهم في تأدية المعاني وربما يشتمل متعارفهم على الحذف ومع ذلك لا يسمّى اختصارا وإيجازا لأنه متعارفهم فإن عرفهم في طلب الإقبال يا زيد وهو مشتمل على الحذف وفي التحذير إياك والأسد وامرأ ونفسه وحمدا وسقيا، وهي لا تحمد في باب البلاغة من الأوساط ولا تحمد أيضا من البليغ معهم، لأنه لا يقصد معهم بكلامه مزية سوى التجريد عن المزايا، وبذلك يرتقي عن أصوات الحيوانات، ولا تذم أيضا لا منهم ولا من البليغ. وأمّا التكلّم بمتعارفهم إذا عرى عن المزية فلا يحمد من البليغ معهم ويذم منه مع البليغ، وإذا اشتمل على المزايا التي هم غافلون عنها كما في إيّاك والأسد فمعهم لا يحمد من البليغ ولا يذمّ ومع البليغ يحمد لأن البليغ قصد به مزايا تتعلّق بالإيجازات التي فيها، فالإيجاز عنده أداء المقصود بأقل من المتعارف، والإطناب أداؤه بأكثر منه، لكن يرد على السكّاكي أمران: أحدهما أنهم جعلوا نحو: نعم الرجل زيد من الإطناب ولا عبارة للأوساط غيره. وثانيهما أنه لم يحفظ تعريف الإيجاز عن دخول الإخلال وتعريف الإطناب عن دخول الحشو والتطويل، ولذا عدل عنه القزويني وقال الأقرب الخ.

وفيما ذكر القزويني أيضا أنظار: الأول أنه إن أراد بالمقبول المقبول مطلقا سواء كان من البليغ أو من الأوساط فالزائد والناقص غير مقبولين من الأوساط لأنهما خروج عن طريقهم لا لداع، وإن أراد المقبول من البليغ فليس المساوي والناقص الوافيان مقبولين مطلقا، بل إذا كانا لداع. والثاني إنّ قولنا جاءني إنسان وقولنا جاءني حيوان ناطق كلاهما مساو بأنه أصل المراد بلفظ مساو فينبغي أن لا يكون أحدهما إطنابا والآخر إيجازا. وبالجملة لا يشتمل تعريف الإيجاز إيجاز القصر. والثالث إن قولنا حمدا لك ونظائره مساواة بتعريف السكّاكي وإيجاز بتعريف القزويني، فنزاعه مع السكّاكي في نقل اصطلاح القوم في مثله لا يسمع بدون سند قوي. ولو قيل المراد المساوي بحسب الأوساط فتعريفه يؤول إلى ما ذكره السكّاكي.
والرابع الإيجاز والإطناب والمساواة مختصّة بالكلام البليغ كما عرف، فلا يتمّ تعريف الإيجاز والإطناب ما لم يقيّد بالبلاغة لجواز أن يكون الناقص الوافي غير فصيح، وكذا الزائد لفائدة انتهى ما قال صاحب الأطول.

اعلم أنه قال السكّاكي: قد يوصف الكلام بالاختصار لكونه أقل من عبارة المتعارف كما سبق، وقد يوصف به لكونه أقل من العبارة اللائقة بالمقام بحسب مقتضى الظاهر نحو:
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً فإنه إطناب بالنسبة إلى المتعارف، وهو قولنا يا ربي شخت، لكنه إيجاز بالنسبة إلى ما يقتضيه المقام لأنه مقام بيان انقراض الشباب ونزول المشيب، فينبغي أن يبسط الكلام فيه غاية البسط، فعلم أنّ للإيجاز معنيين: أحدهما كون الكلام أقل من عبارة المتعارف والثاني كونه أقل مما هو مقتضى ظاهر المقام، وأنه لا فرق بين الإيجاز والاختصار وإن توهّمه البعض كما ورد في لفظ الإجازة. ثم إنّ بين الإيجازين عموما من وجه لتصادقهما فيما هو أقلّ من عبارة المتعارف، ويقتضي المقام جميعا كما إذا قيل ربّ شخت بحذف حرف النداء وياء الإضافة، وصدق الأوّل بدون الثاني كما في قوله إذا قال: الخميس نعم بحذف المبتدأ فإنه أقل من المتعارف، وهو هذا نعم، وليس أقل من مقتضى المقام لأنّ المقام لضيقه يقتضي حذف المسند إليه وصدق الثاني بدون الأول كما في قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ويمكن اعتبار هذين المعنيين في الإطناب أيضا.
والنسبة بين الإطنابين أيضا عموم من وجه لأنّ الإطناب بالمعنى الأول دون الثاني يوجد في قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً، وبالمعنى الثاني دون الأول يوجد في ما إذا قيل: هذا نعم بذكر المبتدأ بناء على مناسبة خفية مع ذلك المقام، ويوجد بالمعنيين فيما إذا زيد في هذا المثال نظرا إلى ما ذكر من المناسبة الخفية، فقيل مثلا: هذا نعم فاغتنموه؛ وكذا بين الإيجاز بالمعنى الثاني وبين الإطناب بالمعنى الأول عموم من وجه لوجودهما في قوله تعالى: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ووجود الإطناب بالمعنى الأول دون الإيجاز بالمعنى الثاني فيما إذا قال هذا نعم فسوقوه إذا طابق المقام على ما مرّ، وبالعكس فيما إذا قال يا ربي قد شخت، وكذا بين الإيجاز بالمعنى الأول والإطناب بالمعنى الثاني لوجودهما في غزال فاصطادوه إذا طابق المقام عند كون الأمر بالاصطياد مقصودا أصليا للمتكلّم، فإن متعارف الأوساط هذا غزال فاصطادوه. ومقتضى ظاهر المقام غزال ووجود الإيجاز بالمعنى الأول دون الإطناب بالمعنى الثاني في قوله قد شخت، وبالعكس في قوله هذا نعم عند مناسبة خفية.
واعلم أيضا أنه كما يوصف الكلام بالإيجاز والإطناب باعتبار كونه ناقصا عمّا يساوي أصل المراد أو زائدا عليه وهو الأكثر كذلك قد يوصف الكلام بهما باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساو له، أي لذلك الكلام، في أصل المعنى. وإنما قيد المعنى بالأصل لعدم إمكان المساواة في تمام المراد فإن للإيجاز مقاما ليس للإطناب، وبالعكس، ولا يوصف بالمساواة بهذا الاعتبار إذ ليس المساواة بهذا الاعتبار مما يدعو إليه المقام بخلاف الإيجاز والإطناب، هكذا يستفاد من الأطول والمطول وأبي القاسم.
واعلم أيضا أنّ البعض على أن الإطناب بمعنى الإسهاب. والحق أنه أخصّ من الإسهاب، فإن الإسهاب التطويل لفائدة أو لا لفائدة كما ذكره التنوخي وغيره.
التقسيم

الإطناب قسمان: إطناب بسط وإطناب زيادة. فالأول الإطناب بتكثير الجمل كقوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية في سورة البقرة أطنب فيها أبلغ إطناب لكون الخطاب مع الثقلين وفي كل عصر وحين للعالم منهم والجاهل، والمؤمن منهم والكافر والمنافق. والثاني يكون بأنواع: الأول دخول حرف فأكثر من حروف الــتأكيد. والثاني الأحرف الزائدة. والثالث الــتأكيد. والرابع التكرير.
والخامس الصفة. والسادس البدل. والسابع عطف البيان. والثامن عطف أحد المترادفين على الآخر. والتاسع عطف الخاصّ على العام وعكسه. والعاشر الإيضاح بعد الإبهام.
والحادي عشر التفسير. والثاني عشر وضع الظاهر موضع المضمر. والثالث عشر الإيغال.
والرابع عشر التّذييل. والخامس عشر الطّرد والعكس. والسادس عشر التّكميل المسمّى بالاحتراس أيضا. والسابع عشر التّتميم. والثامن عشر الاستقصاء. والتاسع عشر الاعتراض.
والعشرون التعليل وفائدته التقرير، فإنّ النفوس أبعث على قبول الأحكام المعلّلة من غيرها، كذا في الإتقان وتفصيل كل في موضعه.
الإطناب: أداء المقصود بأكثر من العبارة المتعارفة، من أطنب الرجل إذا بالغ في قوله بمدح أو ذم. 

الترادف

Entries on الترادف in 3 Arabic dictionaries by the authors Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm and Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf
الترادف: الاتحاد في المفهوم، أو توالي الألفاظ الدالة على مسمى واحد.
الترادف:
[في الانكليزية] Succession ،synonymy
[ في الفرنسية] Succession ،synonymie
لغة ركوب أحد خلف آخر. وعند أهل العربية والأصول والميزان هو توارد لفظين مفردين أو ألفاظ كذلك في الدلالة على الانفراد بحسب أصل الوضع على معنى واحد من جهة واحدة، وتلك الألفاظ تسمّى مترادفة. فبقيد اللفظين خرج الــتأكيد اللفظي لعدم كون المؤكّد منه والمؤكّد لفظين مختلفين. وبقيد الانفراد التابع والمتبوع نحو عطشان بطشان وإن قال البعض بترادفهما. وبقيد أصل الوضع خرج الألفاظ الدالة على معنى واحد مجازا، والتي يدلّ بعضها مجازا وبعضها حقيقة. وبوحدة المعنى خرج الــتأكيد المعنوي والمؤكد وبوحدة الجهة الحدّ والمحدود. قيل فلا حاجة إلى تقييد الألفاظ بالمفردة احترازا عن الحدّ والمحدود.
وقد يقال إنّ مثل قولنا الإنسان قاعد والبشر جالس قد تواردا في الدلالة على معنى واحد من جهة واحدة بحسب أصل الوضع استقلالا، فإن سمّيا مترادفين فذلك وإلّا احتيج إلى قيد الإفراد وهو الظاهر. ويقابل الترادف التباين.
واللفظان اللذان يكون معناهما اثنين واتفقا فيه مترادفان من وجه ومتباينان ومتخالفان من وجه، ففيهما اجتماع القسمين.
فائدة:
من الناس من ظنّ أنّ المتساويين صدقا مترادفان وهو فاسد، لأنّ الترادف هو الاتحاد في المفهوم لا في الذات، وإن كان مستلزما له. وأبعد منه توهّم الترادف في شيئين بينهما عموم من وجه كالحيوان والأبيض. ومنهم من زعم أنّ الحدّ الحقيقي والمحدود مترادفان وليس بمستقيم إذ الحدّ يدل على المفردات مفصلة بأوضاع متعددة بخلاف المحدود فإنه يدلّ عليها مجملة بوضع واحد فقد خرجا بوحدة الجهة.
نعم الحدّ اللفظي والمحدود مترادفان ودعوى الترادف في الرسمي بعيد جدا.
فائدة:
زعم البعض أنّ المرادف ليس بواقع في اللغة. وما يظنّ منه فهو من باب اختلاف الذات والصفة، كالإنسان والناطق، أو اختلاف الصفات كالمنشئ والكاتب، أو الصفة وصفة الصفة كالمتكلّم والفصيح، أو الذات وصفة الصفة كالإنسان والفصيح، أو الجزء والصفة كالناطق والكاتب، أو الجزء وصفة الصفة وأمثال ذلك. وقال لو وقع المترادف لعرى الوضع عن الفائدة لأن الغرض من وضع الألفاظ ليس إلّا إفادة التفهيم في حق المتكلّم واستفادة التفهّم في حق السامع، فأحد اللفظين يكون غير مفيد لأنّ الواحد كاف للإفهام، والمقصود حاصل من أحدهما، فلا فائدة في الآخر، فصار وضعه عبثا، فلا يقع عن الواضع الحكيم، هكذا في حواشي السلم. والحق وقوعه بدليل الاستقراء نحو قعود وجلوس للهيئة المخصوصة وأسد وليث للحيوان المخصوص وغيرها. ولا نسلّم التعري عن الفائدة بل فوائده كثيرة كالتوسّع في التعبير وتيسّر النظم والنثر إذ قد يصلح أحدهما للروي والقافية دون الآخر.
ومنها تيسير أنواع البديع كالتجنيس والتقابل وغيرها. مثال السجع قولك ما أبعد ما فات وما أقرب ما [هو] آت. فإنّه لو قيل بمرادف ما فات وهو ما مضى أو بمرادف ما [هو] آت وهو جاء أو يجيء أو غيرهما لفات السجع.
ومثال المجانسة قولك اشتر بالبر وأنفقه في البر الأول بالضم والثاني بالكسر، فإنّه لو أتي بمرادف الأول وهو الحنطة أو بمرادف الثاني وهو الخير أو الحسنة لفاتت المجانسة.
وكالقلب نحو قوله تعالى وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ فإنه لو أورد بمرادف كبّر وهو عظّم مثلا لفات صنعة القلب وغيرها من الفوائد، هكذا في الحاشية المنهية على السلم.
فائدة:
قد اختلف في وجوب صحة وقوع كلّ واحد من المترادفين مكان الآخر والأصح وجوبها. وقيل لا يجب وإلّا لصح خداى أكبر كما يصح الله أكبر. والجواب بالفرق بأنّ المنع ثمة لأجل اختلاط اللغتين، ولا نسلّم المنع في المترادفين من اللغة الواحدة. قيل والحق أنّ المجوّز إن أراد أنّه يصح في القرآن فباطل قطعا، وإن أراد في الحديث فهو على الاختلاف، وإن أراد في الأذكار والأدعية فهو إمّا على الاختلاف أو المنع رعاية لخصوصية الألفاظ فيها، وإن أراد في غيرها فهو صواب سواء كانا من لغة واحدة أو أكثر. وأكثر ما ذكرنا مستفاد مما ذكره المحقق الشريف في حاشية العضدي وبعضها من كتب المنطق.
اعلم انّ الاختلاف ليس في صحة قيام أحدهما مقام الآخر في صورة التعدّد من غير تركيب فإنّ كلهم متفقون على صحته، بل إنّما لاختلاف في حال التركيب. فقال البعض وهو ابن الحاجب وأتباعه إنّه يصح، واستدلّ بأنّ امتناع القيام إن كان لمانع فالمانع إمّا المعنى وإمّا التركيب، والمعنى واحد، فلا يكون مانعا أصلا. والتركيب أيضا مفيد للمقصود ولا حجر فيه إذا صحّ فإذا لم يوجد المانع عن القيام صحّ القيام. وقيل يصح إذا كان من لغة واحدة وإلّا لا، فلا يصح مكان الله أكبر خداى بزرگ- بمعنى الله كبير- لكونهما من لغتين بخلاف الله أعظم فإنّه يصح. وقيل لا يجب في كلّ لفظ بل يصح في بعضها ولا يصح في البعض الآخر لعارض وإن كان من لغة واحدة، وهذا مذهب الإمام الرازي لأن صحّة التركيب من العوارض، ولا شك أنّ بعض العوارض يكون مختصا بالمعروض، ولا يوجد في غيره فيجوز أن يكون تركيب أحد المترادفين مع شيء صحيحا ومفيدا للمقصود ومختصا به بخلاف المرادف الآخر، لجواز أن يكون غير مفيد لذلك المقصود لأجل الاختصاص، كما يقال صلى الله عليه ولا يقال دعا عليه فضمّ صلى مع عليه يفيد المقصود وهو دعاء الخير، بخلاف ضمّ دعا مع عليه. فلفظ دعا وإن كان متحد المعنى مع صلى لكن ضمه مع عليه لا يفيد المقصود بل عكس المقصود، وهو دعاء الشر. وملخص الدليل أنّ نفس المعنى واللفظ في المرادف لا يمنع صحة إقامة أحدهما مقام الآخر، لكن صحة الضمّ والتركيب بحسب متعارف أهل اللغة والاستعمال هي من عوارضها التي تصح في بعض الألفاظ دون الآخر، فهذه العوارض هي المانعة في بعض الألفاظ وفي بعض المقام كما مرّ في لفظ صلى ودعا، هكذا في شرح السلم للمولوي مبين.

اعلم أنّ الترادف عند البلغاء نوعان:
أحدهما جيّد وهو أن يؤتى بكلمتين لهما معنى واحد، ولكن ثمة فرق بينهما في الاستعمال، أو أن يكون للكلمة الثانية معنى ثان خاص أو أن توصف بصفة خاصة، مثل أرجو وآمل في اللغة العربية وهما مترادفتان وجيدتان أيضا لأنّ كلمة آمل وإن كانت بمعنى الرجاء، إلّا أنّها مخصوصة بكونها لا تستعمل إلّا في مكان محمود. والنوع الثاني: معيب وهو الإتيان بلفظتين لهما معنى واحد دون أن يكون لأحدهما أيّ فرق عن الأخرى، ويسمّى بعضهم هذا النوع: الحشو القبيح، كذا في جامع الصنائع.
ويعدّ عند بعضهم من باب الإطالة، كما في المطول في بحث الإطناب. واحترز بقوله لفائدة عن التطويل وهو أن يكون اللفظ زائدا على أصل المراد لا لفائدة، ولا يكون اللفظ الزائد متعينا نحو قول عدي بن الأبرش يذكر غدر الزّبّاء التي كانت ملكة غدرت بجذيمة بن الأبرش فقال أخوه عدي المذكور:
وقدّدت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذبا ومينا فالكذب والمين بمعنى واحد ولا فائدة في الجمع بينهما، والتقديد التقطيع والراهشان العرقان في باطن الذراعين والضمير في راهشيه وفي ألفى لجذيمة، والضمير في قددت وقولها للزّباء انتهى. وهو عند أهل الإلغاز والتعمية: أن يؤتى بلفظ ولكن يراد مرادفه، ويجيء في لفظ المعمّى.
الترادف: فِي اللُّغَة ركُوب أحد الشخصين خلف الآخر. وَفِي الِاصْطِلَاح تكْثر اللَّفْظ مَعَ اتِّحَاد الْمَعْنى الْمَوْضُوع لَهُ فَكَأَن اللَّفْظَيْنِ راكبان أَحدهمَا خلف الآخر على مركب وَاحِد وَهُوَ الْمَعْنى.

المصدر

Entries on المصدر in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm and Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf
المصدر:
[في الانكليزية] Root ،radical ،infinitive
[ في الفرنسية] Racine ،radical ،infinitif
هو ظرف من الصّدور، وعند النحاة يطلق على المفعول المطلق ويسمّى حدثا وحدثانا وفعلا، وعلى اسم الحدث الجاري على الفعل أي اسم يدلّ على الحدث مطابقة كالضرب أو تضمّنا كالجلسة والجلسة. والمراد بالحدث المعنى القائم بغيره سواء صدر عنه كالضرب أو لم يصدر كالطول كما في الرّضي. وقيل المصدر ما يكون في آخر معناه الفارسي الدال والنون أو التاء والنون، كما قيل في الشعر المعروف: وترجمته:
المصدر اسم إذا كان واضحا وآخره بالفارسية حرفان تن أو دن وبعضهم زادوا فيه قيدا وهو أن يحصل الماضي بعد حذف نونه ليخرج كلمة گردن بمعنى رقبة، وكلمة ختن اسم بلد معروف هكذا في رسائل القواعد الفارسية. وما قيل إنّ الأسود معناه المتصف بالسواد بمعنى سياهى لا بمعنى سياه بودن فينتقض حدّه بالصفة المشبهة، إذ المراد بالفعل الواقع في تعريفه هو الحدث، فالجواب أنّه لمّا كانت الصفة المشبّهة موضوعة لمعنى الثبوت انسلخ عنها معنى التجدّد فلا يرد النقض بالألوان، ولزوم عدم الفرق بين المعنى المصدري والحاصل بالمصدر. وما قيل إنّ المراد المعنى القائم بغيره من حيث إنّه قائم بغيره فلا ترد الألوان فتوهّم لأنّ النسبة ليست مأخوذة في مفهوم المصدر نصّ عليه الرضي، كيف ولو كان كذلك لوجب ذكر الفاعل، كذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية الفوائد الضيائية في تعريف الفعل. والمراد بجريانه على الفعل في اصطلاحهم تعلّقه به بالاشتقاق سواء كان الفعل مشتقا والمصدر مشتقا منه كما هو مذهب البصريين، أو بالعكس كما هو مذهب الكوفيين، كما أنّ جريان اسم الفاعل على الفعل عندهم هو موازنته إيّاه في حركاته وسكناته بالوزن العروضي، وكما أنّ جريان الصّفة على موصوفها جعل موصوفها صاحبها أي مبتدأ أو ذا حال أو موصولا أو متبوعا لها أو موصوفا، وكلّ من الثلاثة اصطلاح مشهور في محلّه فلا غرابة في التعريف.
فالمراد بالحدث الجاري على الفعل ما له فعل مشتقّ منه ويذكر هو بعد ذلك الفعل تأكيدا له أو بيانا لنوعه أو عدده، مثل جلست جلوسا وجلسة وجلسة، وبغير الجاري على الفعل ما ليس له فعل مشتقّ منه مذكور أو غير مذكور يجري هو عليه تأكيدا له أو بيانا له نحو أنواعا في قولك ضربت أنواعا من الضرب، لأنّ الأنواع ليس لها فعل تجري عليه، فقيّد بالجاري ليخرج عنه غير الجاري إذ لا مدخل له فيما نحن فيه. فمثل ويلا له وويحا له لا يكون مصدرا لعدم اشتقاق الفعل منه وإن كان مفعولا مطلقا. ومثل العالمية والقادرية لا يكون مصدرا ولا مفعولا مطلقا، وكذا أسماء المصادر كالوضوء والغسل بالضم لعدم جريانها على الفعل أيضا. وقيل المراد بالجاري على الفعل ما يكون جاريا عليه حقيقة أو فرضا فلا تخرج المصادر التي لا فعل لها. وفيه أنّه حينئذ يشكل الفرق بينها وبين أسماء المصادر كذا في شروح الكافية.
اعلم أنّ صيغ المصادر تستعمل إمّا في أصل النسبة ويسمّى مصدرا وإمّا في الهيئة الحاصلة للمتعلّق، معنوية كانت أو حسّية كهيئة المتحركية الحاصلة من الحركة، ويسمّى الحاصل بالمصدر وتهلك الهيئة إمّا للفاعل فقط في اللازم كالمتحركية والقائمية من الحركة والقيام أو للفاعل والمفعول وذلك في المتعدي كالعالمية والمعلومية من العلم، وباعتباره يتسامح أهل العربية في قولهم المصدر المتعدّي قد يكون مصدرا للمعلوم وقد يكون مصدرا للمجهول يعنون بهما الهيئتين [اللتين] هما معنيا الحاصل بالمصدر وإلّا لكان كلّ مصدر متعدّ مشتركا ولا قائل به، بل استعمال المصدر في المعنى الحاصل بالمصدر استعمال الشيء في لازم معناه، كذا قال الچلبي في حاشية المطوّل في بحث الفصاحة في بيان التعقيد.
وقال المولوي عبد الحكيم في حاشية عبد الغفور: المصدر موضوع للحدث الساذج من غير اعتبار نسبته إلى الفاعل أو متعلّق آخر والفعل مأخوذ في مفهومه النسبة وضعا، فإن اعتبر من حيث إنّه منسوب إلى الفاعل فهو مبني للفاعل، وإن اعتبر من حيث إنّه منسوب إلى متعلّق آخر فهو مبني للمفعول، وإذا لم يعتبر شيء منهما كان محتملا للمعنيين ويكون للقدر المشترك بينهما، فالمعنى المصدري من مقولة الفعل أو الانفعال فهو أمر غير قار الذات والحاصل بالمصدر الهيئة القارة المترتّبة عليه.
فالحمد مثلا بالمعنى المصدري ستودن والحاصل بالمصدر ستايش، وليس المراد منه الأثر المترتّب على المعنى المصدري كالألم على الضرب، فقد ظهر أنّ ما قيل إنّ صيغ المصادر لم توضع إلّا لما قام به، وكونها لمعنيين ما هو صفة للفاعل وما هو صفة للمفعول، ككون الضرب بمعنى الضاربية أي كون الشيء ضاربا أي زننده شدن وكونه بمعنى المضروبية أي كونه مضروبا أي زده شدن لا بد له من دليل كلام لا طائل تحته انتهى. فقد ظهر بهذا فساد ما ذكره الچلبي أيضا فتأمّل.
المصدر: التولي عن محل الورود بالصدر.

الشَّهَادَة

Entries on الشَّهَادَة in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الشَّهَادَة: فِي اللُّغَة الْحُضُور. قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الْغَنِيمَة لمن شهد الْوَاقِعَة أَي حضرها. وَالشَّاهِد أَيْضا يحضر القَاضِي ومجلس الْوَاقِعَة. وَفِي الشَّرْع الشَّهَادَة إِخْبَار بِحَق الشَّخْص على غَيره عَن مُشَاهدَة الْقَضِيَّة الَّتِي يشْهد بهَا بالتحقيق وَعَن عيان لَا عَن تخمين وحسبان أَي عَن مُعَاينَة تِلْكَ الْقَضِيَّة. وَالْإِشَارَة إِلَيْهَا بقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذا علمت مثل الشَّمْس فاشهد وَإِلَّا فدع. وَقَوْلهمْ لَا عَن تخمين تَأْكِيد لِمَعْنى الْمُشَاهدَة. وَقَوْلهمْ وحسبان أَي لَا عَن حسبان تَأْكِيد لِمَعْنى العيان. وكتمان الشَّهَادَة وَاجِب عَن إظهارها فِي الْحُدُود لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام من ستر على مُسلم ستر الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَقَوله تَعَالَى {وَمن يكتمها فَإِنَّهُ آثم قلبه} فِي حُقُوق الْعباد وَالْحُدُود إِنَّمَا هِيَ حُقُوق الله تَعَالَى. وَفِي الْفَتَاوَى الحمادي من الْخَانِية وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي رَحمَه الله تَعَالَى إِذا سمعُوا صَوت امْرَأَة من وَرَاء الْحجاب وَرَأَوا شخصها وَشهد عِنْدهم رجلَانِ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَة جَازَ لَهُم أَن يشْهدُوا على إِقْرَارهَا وَإِن لم يرَوا وَجههَا. وَإِذا لم يرَوا شخصها لَا يحل لَهُم أَن يشْهدُوا على إِقْرَارهَا وَهُوَ اخْتِيَار أبي اللَّيْث رَحمَه الله تَعَالَى. وَذكر هُوَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْفَتَاوَى عَن نصير بن يحيى أَن ابْنا لمُحَمد بن الْحسن رَحمَه الله تَعَالَى دخل على أبي سُلَيْمَان الْجِرْجَانِيّ فَسَأَلَهُ أَبُو سُلَيْمَان عَن هَذِه الْمَسْأَلَة قَالَ كَانَ أَبُو حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُول لَا يجوز لَهُ أَن يشْهد عَلَيْهَا حَتَّى يشْهد عِنْده جمَاعَة أَنَّهَا فُلَانَة - وَكَانَ أَبُو يُوسُف وَأَبُو بكر الإسكاف رحمهمَا الله تَعَالَى يَقُولَانِ بجوازها إِذا شهد عِنْده عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَة وَعَلِيهِ الْفَتْوَى انْتهى. وَفِي رَوْضَة الْجنان قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَا تقبل شَهَادَة الْعلمَاء بَعضهم على بعض لِأَن فيهم حسدا.وَاعْلَم أَنه لَا تجوز الشَّهَادَة بِالتَّسَامُعِ إِلَّا فِي النّسَب وَالْمَوْت وَالنِّكَاح.وَالشَّهَادَة عِنْد الصُّوفِيَّة عَالم الشَّهَادَة وَهُوَ الأفلاك وَمَا فِيهَا من النُّجُوم وَالْكَوَاكِب والعناصر والمواليد يَعْنِي أَن عَالم الشَّهَادَة عِنْدهم قدس الله أسرارهم هُوَ الْأَجْسَام وَيُقَال لَهُ مرتبَة الْحسن أَيْضا.

الصّريح

Entries on الصّريح in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الصّريح:
[في الانكليزية] Explicit ،clear ،evident .obvious
[ في الفرنسية] Explicite ،clair ،evident
بالراء المهملة عند الأصوليين لفظ انكشف المراد منه في نفسه بسبب كثرة الاستعمال حقيقة كان أو مجازا، وحكمه ثبوت موجبه من غير حاجة إلى النّية أو القرينة، وتقابله الكناية.
هذا هو المذكور في كتب الحنفية. قوله في نفسه أي بالنّظر إلى كونه لفظا مستعملا والكناية ما استتر المراد منه في نفسه سواء كان المراد فيها معنى حقيقيا أو مجازيا.
واحترز بقوله في نفسه عن استتار المراد في الصريح بواسطة غرابة اللفظ أو ذهول السامع عن الوضع، أو عن القرينة أو نحو ذلك. وأيضا احتراز عن انكشاف المراد في الكناية بواسطة التفسير والبيان. فمثل المفسّر والمحكم داخل في الصريح، ومثل المجمل والمشكل داخل في الكناية، كذا في التلويح.
وأمّا في العضدي فقال هو من أقسام المنطوق فإنّه ينقسم إلى صريح وغير صريح. وعند النحاة يطلق على الــتأكيد اللفظي. في العباب الــتأكيد بإعادة لفظ الأول يسمّى صريحا وبغير لفظ الأول يسمّى غير صريح ومعنويا ويطلق أيضا على قسم من الإعراب. والتصريحة عند أهل البيان قسم من الاستعارة مقابلة للمكنية وقد سبقت في لفظ الاستعارة.

كَلَوْ

Entries on كَلَوْ in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
كَلَوْ
: (و ( {كِلاَ، بالكسْرِ: موضوعةٌ للدَّلالةِ على اثْنَيْنِ} ككِلْتا) .
(قالَ شيْخُنا: ظاهِرُه أَنَّهما بمعْنًى مُطْلقاً، وَقد تقرَّرَ أَن كِلاَ للمُذَكَّرَيْن {وكِلْتا للمُؤَنَّثَتَيْنِ، فَمَا هَذَا التَّشْبيهِ، انتَهَى.
وَقد رَدَّ عَلَيْهِ صاحِبُنا الفاضِلُ العلاَّمةُ الشَّهاب أحمدُ ابنُ الشَّيْخِ العلاَّمة أَحمدَ السجاعي الشافَعِيّ، حَفِظَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فقالَ: الإنْصافُ أنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يعدُّ مِن سَقَطاتِ المصنِّفِ إِذْ المُشَبَّه لَا يُعْطَى حُكْم المُشَبَّه بِهِ مِن كلِّ وَجْه على التَّنزلِ وإرْخاءِ العَنانِ، وإلاَّ فالظاهِرُ أنَّ مرادَهُ أَنَّ كِلا ككِلْتا فِي اسْتِعْمالِه للمُثَنَّى كَمَا لَا يَخُفى، انتَهَى.
وَقد بَسَّطَ فِيهِ الجَوْهرِي وابنُ سِيدَه والأزْهرِي غايَةَ البسطِ فقالَ الجَوْهرِي: كِلا فِي تَأْكِيدِ الاثْنَيْن نَظِير كُلَ فِي المَجْمُوعِ، وَهُوَ اسْمٌ مُفْردٌ غَيْر مُثَنَّى؛ فَإِذا ولي اسْماً ظاهِراً كانَ فِي الرفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ على حالةٍ واحِدَةٍ بالألفِ، تقولُ: رَأَيْتُ كِلا الرَّجُلَيْن، وجاءَنِي كِلا الرَّجُلين، ومَرَرْتُ} بكِلا الرَّجُلَين، فَإِذا اتَّصَل بمُضْمر قَلَبْت الألفَ يَاء فِي موضِعِ الجَرِّ والنَّصْبِ، فقُلْتُ: رَأَيْت {كِلَيْهِما، ومَرَرْت} بكِلَيْهما، كَمَا تقولُ عَلَيْهِمَا وَلَدَيْهما، وتَبْقى فِي الرفْع على حالِها.
وَقَالَ الفرَّاء: هُوَ مُثَنًّى وَهُوَ مَأْخُوذ مِن كلَ فخفِّفَتِ اللامُ وزِيدَتِ الألِفُ للتَّثْنِيَةِ، وكذلكَ! كِلْتا للمُؤَنَّث وَلَا يكونانِ إلاَّ مُضافَيْن.
(و) فِي المُحْكم: (لَا يَنْفَصِلانِ عَن الإضافَةِ) .
(قَالَ الجَوْهرِي: قالَ الفرَّاء: وَلَا يُتَكَلَّم مِنْهُمَا بواحِدٍ وَلَو تكلِّم بِهِ لقيلَ كِلٌّ وكِلْتٌ، واحْتَجَّ بقولِ الراجزِ يصفُ نَعامَةً:
فِي كِلْتِ رِجْلَيْها سُلامى واحِدَة {كِلْتاهما مقْرُونَةٌ بزائِدَهْأَرادَ فِي إحْدَى رِجْلَيْهَا فأَفْرَدَ، قالَ: وَهَذَا القولُ ضَعيفٌ عنْدَ أَهْلِ البَصْرةِ، لأنَّه لَو كانَ مُثنَّى لوجَبَ أَنْ تَنْقلبَ أَلفُه فِي النصْبِ والجرِّ يَاء مَعَ الاسْمِ الظاهِر، ولأنَّ معْنى كِلاَ مخالفٌ لمعْنَى كلَ، لِأَن كُلاًّ للإحاطَةِ} وكِلا يدلُّ على شيءٍ مَخْصوصٍ، وأمَّا هَذَا الرَّاجزُ فإنَّما حذَفَ الألفَ للضَّرورَةِ وقدَّرَ أنَّهَا زائِدَةٌ، وَمَا يكونُ ضَرُورَةً لَا يجوزُ أَنْ يُجْعَل حُجَّة، فثَبَتَ أنَّه اسْمٌ مفردٌ كمِعًى إلاَّ أنّه وُضِعَ ليدلَّ على التَّثْنِية، كَمَا أنَّ قَوْلهم نحنُ اسْمٌ مفردٌ وُضِعَ ليدلُّ على الاثْنَيْن فَمَا فَوْقَهما؛ يدلُّ على ذلكَ قولُ جريرٍ:
{كِلا يَومَيْ أُمامَةَ يَوْمُ صَدَوإنْ لم نَأْتِها إلاَّ لِمَاماأَنْشَدَنِيه أَبو عليَ فإنْ قالَ قائِلٌ فلِمَ صَارَ} كِلا بالياءِ فِي الجرِّ والنّصْبِ مَعَ المُضْمر ولزِمَتِ الألفُ مَعَ المظهرِ كَمَا لزمَتْ فِي الرَّفْع مَعَ المُضْمر؟ قيلَ لَهُ: قد كانَ مِن حقِّها أنْ تكونَ بالألفِ على كلِّ حالٍ مثْلُ عَصاً ومِعًى، إلاَّ أنَّها لما كَانَت لَا تَنْفكّ عَن الإضافَةِ شُبِّهَت بعَلَى وَإِلَى ولَدَى، فجعلَتْ بالياءِ مَعَ المُضْمرِ فِي النَّصْب والجرِّ لأنَّ على لَا تَقَعُ إلاَّ مَنْصوبة أَوْ مَجْرورةً وَلَا تُسْتَعْملُ مَرْفوعةً، فبَقِيَت كِلا فِي الرَّفْع على أَصْلِها فِي المُضْمِرِ، لأنّها لم تُشَبَّه بعَلَى فِي هَذِه الحالِ، وأمَّا! كِلْتا الَّتِي للتَّأْنِيثِ فإنَّ سِيبويه يقولُ أَلِفُها للتَّأْنِيثِ والتاءُ بدلٌ من لامِ الفِعْلِ، وَهِي وَاو، والأصْل كِلْوا، وإنَّما أُبْدِلَتْ تَاء لأنَّ فِي التاءِ علم التَّأْنِيثِ، والألِفُ فِي {كِلْتا قد تَصِير يَاء مَعَ المُضْمَر فيخرجُ عَن علم التَّأْنيثِ فصارَ فِي إبْدالِ الياءِ تَاء تأْكِيد للتّأْنِيثِ. وقالَ أَبو عُمر الجَرْمي: التاءُ مُلْحقةٌ، والألفُ لامُ الفِعْل، وتَقْديرُها عنْدَه فِعْتَلٌ، وَلَو كانَ الأمْرُ كَمَا زَعَمَ فِي النِّسْبَةِ إِلَيْهِ كِلْتَويٌّ، وَلما قَالُوا كِلَويٌّ وأسْقَطُوا التاءَ دلَّ أَنَّهم أَجْرُوها مُجْرَى التاءِ الَّتِي فِي أُخْتِ الَّتِي إِذا نَسَبْتَ إِلَيْهَا قُلْت أَخَوِيٌّ، انتَهَى نَصّ الجَوْهرِي.
قالَ ابنُ برِّي فِي هَذَا المَوْضِع:} كِلَويٌّ قياسٌ مِن النَّحْوِيِّين إِذا سَمِّيْتَ بهَا رجُلاً، وليسَ ذلكَ مَسْموعاً فيحتجُّ بِهِ على الجَرْمِي، انتَهَى.
وَقَالَ ابنُ سِيدَه فِي المُحْكم: كِلا كلمةٌ مَصُوغةٌ للدَّلالةِ على اثْنَيْن كَمَا أنَّ كُلاًّ مَصُوغةٌ للدَّلالةِ على جميعٍ، وليسَتْ {كِلا مِن لَفْظ كلَ، كلٌّ صَحِيحَةٌ} وكِلا مُعْتلةٌ، ويقالُ للاثْنَتَيْن! كِلْتا، وبهذه التَّاء حُكم على أنَّ ألِفَ كِلا مُنْقلبةٌ عَن واوٍ لأنَّ بدل التاءِ من الواوِ أَكْثَر مِن بدلِها من الياءِ؛ وقولُ سِيْبَوَيْه: جَعَلُوا كِلا كمِعًى، لم يرد أنَّ ألفَ كِلا مُنْقلبةٌ عَن ياءٍ كأَلِفِ مِعًى بدَلِيلِ قوْلِهم مِعْي، وإنَّما أرادَ أنَّ أَلِفَها كأَلِفِها فِي اللّفظِ، لَا أنَّ مَا انْقَلَبَتْ عَنهُ أَلِفَاهُما واحِد، فافْهَمْ. وَلَا دَلِيل لكَ فِي إمالَتِها على أنَّها من الياءِ لأنَّهم قد يُمِيلُون بناتَ الواوِ.
قالَ ابنُ جنِّي: أمَّا كِلْتا فذهَبَ سِيبَوَيْهٍ إِلَى أنَّها فِعْلَى بمنْزِلَةِ الذِّكْرى والحِفْرَى، وأصْلُها كِلْوى، فأُبْدِلَتِ الواوُ تَاء كَمَا أُبْدِلَتْ فِي أُخْت وَبنت، وَالَّذِي يدلُّ على أنَّ لامَ كِلْتا مُعْتلةٌ قوْلُهم فِي مُذكّرِها كِلا، وكِلا فِعْلٌ ولامُه مُعْتَلة بمنْزِلةِ لامِ حِجاً ورِضاً، وهُمامن الواوِ، وَلذَا مثَّلها سِيبَوَيْهٍ بِمَا اعْتلَّت لامه فقالَ: هِيَ بمنْزلةِ شَرْوَى، وأمَّا أَبُو عُمر الجَرْمي فذَهَب إِلَى أنَّها فِعْتَلٌ، وخالَفَ سِيبَوَيْهٍ، ويشهدُ لفَسادِ هَذَا القوْلِ أنَّ التاءَ لَا تكونُ عَلامَةَ تَأْنِيثِ الواحِدِ إلاّ وقَبْلها فَتْحة كطَلْحة وحَمْزة وقَائِمَة وقاعِدَة، أَوْ أَنْ يكونَ قَبْلها أَلفٌ كسِعْلاة وعِزْهاة، وَلَام كِلْتا ساكِنَةٌ كَمَا تَرى، فَهَذَا وَجْه؛ وآخَرُ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لَا تكونُ أَبَداً وسَطاً إنَّما تكونُ آخِراً بِلَا مَحالَة؛ وكِلْتا اسْمٌ مُفْردٌ يفيدُ مَعْنى التَّثْنِيةِ بإجْماعِ البَصْرِيِّين، فَلَا يجوزُ أَن يكونَ علامَةَ تَأْنِيثِهِ التاءُ وَمَا قَبْلها ساكِنٌ، وأَيْضاً فإنَّ فِعْتَلاً مِثالٌ لَا يوجدُ فِي الكَلام، أَصْلاً فيُحْمَل هَذَا عَلَيْهِ؛ وَإِن سَمَّيت {بكِلْتا رجُلاً لم تَصْرِفْه فِي قولِ سِيبَوَيْهٍ مَعْرفةً ونَكِرَةً، لأنَّ أَلِفَها للتَّأْنِيثِ بمنزِلتِها فِي ذِكْرَى، وتَصْرفُه نَكِرةً فِي قولِ أَبي عُمرَ لأنَّ أَقْصَى أَحْوالِهِ عنْدَهُ أنْ يكونَ كقائمةٍ وقاعِدَةٍ وعَزَّة وحَمْزة؛ هَذَا نَصُّ ابنِ سِيدَه فِي المُحْكم، وَقد أَنْعَم فِي كتابِه المُخصَّص شَرْحه بأبْسطِ من هَذَا.
وَقَالَ الأزْهرِي: العَرَبُ إِذا أَضافَتْ كُلاًّ إِلَى اثْنَيْن لَيَّنَتْ لاَمَها وجَعَلَتْ مَعها أَلِفَ التثْنِيَةِ، ثمَّ سَوَّت بَيْنَها فِي الرفْعِ والنصْبِ والخَفْض، فجعلَتْ إعْرابَها بالألِفِ وأَضافَتْها إِلَى اثْنَيْن وأَخْبَرَتْ عَن واحِدٍ، فَقَالَت:} كِلا أَخَوَيْك كَانَ قائِماً، لَا كَانَا، وكِلا عَمَّيْك كانَ فَقِيها، وكِلْتا المَرْأَتَين كانتْ جميلَة، لَا كانَتَا جَمِيلَتَيْن: { {كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلُها} . وَلم يَقُلْ آتَتَا؛ ومَرَرْتُ} بكِلا الرَّجُلَيْن، وجاءَنِي {كُلا الرَّجُلَيْن، يَسْتوي فِيهَا إِذا أَضَفْتها إِلَى ظاهِر الرَّفْع والنصْبُ والخَفْضُ، فَإِذا كنوا عَن مَخْفوضِها أَجْروها بِمَا يُصيبُها مِن الإعْرابِ. فَقَالُوا: أَخَوَاك مَرَرْت} بكِلَيْهِما، يَجْعلُونَ نَصْبَها وخَفْضَهَا بالياءِ، وأَخَواي جاءَني {كِلاهُما جَعَلُوا رَفْع الاثْنَيْن بالألِفِ؛ قالَ الأعْشَى فِي موْضِعِ الرَّفْعِ:
} كِلا أَبَوَيْكُمْ كانَ فَرْداً دِعامةً أَي كلّ واحدٍ مِنْهُمَا؛ وَكَذَا قالَ لبيدٌ:
وغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أَنَّهمَوْلى المَخافَةِ خَلْفَها وأَمامَهايَعْني: بَقَرَةً وَحْشِيَّةً، وأَرادَ كِلا فَرْجَيْها، فأَقَامَ الألِفَ واللامَ مُقام الكِنايَةِ، ثمَّ قالَ: تَحْسَبُ، أَي البَقَرة؛ أَنَّه، وَلم يَقُل أَنَّهما، مَوْلى المَخافَةِ، أَي وليُّ مَخافَتِها، ثمَّ تَرْجَم عَن كِلا الفَرْجَيْن فقالَ: خَلْفَها وأَمامَها؛ وَكَذَا تقولُ: كِلا الرَّجُلَيْن قائِمٌ وكِلْتا المرْأَتَيْنِ قائِمةٌ؛ قالَ:
كِلا الرَّجُلَيْنِ أَفَّاكٌ أَثِيم انتَهَى.
( {وكِلْوَةٌ، بالكسْر: د بالزَّنْجِ) .
(وممَّا يُسْتدركُ عَلَيْهِ:
} كَلا، بالفَتْح: قرْيةٌ بمِصْرَ من الغربيةِ وتُعدُّ مِن أَعْمال جَزِيرَة قويسنا، وتُعْرَف {بكَلاَ الْبَاب وَمِنْهَا الإِمَام أَبُو عبد الله} الكلائي صَاحب الْمَجْمُوع فِي الْفَرَائِض من الْقرن التَّاسِع وكَلاَ أَيْضا قَرْيَة أُخْرَى من أَعمال الدنجاوية.
{وكَلا الدَّيْن وغيرُه} كَلْوًا: تَأَخَّرَ؛ عَن ابْن القطَّاع.

الجملة القرآنية

Entries on الجملة القرآنية in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
الجملة القرآنية
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود 1). ذلك خير ما توصف به الجملة القرآنية، فهى بناء قد أحكمت لبناته، ونسقت أدق تنسيق، لا تحس فيها بكلمة تضيق بمكانها، أو تنبو عن موضعها، أو لا تعيش مع أخواتها، حتى صار من العسير بل من المستحيل، أن تغير في الجملة كلمة بكلمة، أو أن تستغنى فيها عن لفظ، أو أن تزيد فيها شيئا، وصار قصارى أمرك إذا أردت معارضة جملة في القرآن، أن ترجع بعد طول المطاف إليها، كأنما لم يخلق الله لأداء تلك المعانى، غير هذه الألفاظ، وكأنما ضاقت اللغة، فلم تجد فيها، وهى بحر خضم، ما تؤدى به تلك المعانى غير ما اختاره القرآن لهذا الأداء.
والجملة القرآنية تتبع المعنى النفسى، فتصوره بألفاظها، لتلقيه في النفس، حتى إذا استكملت الجملة أركانها، برز المعنى، ظاهرا فيه المهم والأهم، فليس تقديم كلمة على أخرى صناعة لفظية فحسب، ولكن المعنى هو الذى جعل ترتيب الآية ضرورة لا معدى عنه، وإلا اختل وانهار. خذ مثلا قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (البقرة 127).
تجد إسماعيل معطوفا على إبراهيم، فهو كأبيه يرفع القواعد من البيت، ولكن تأخره في الذكر، يوحى بأن دوره في رفع القواعد دور ثانوى، أما الدور الأساسى فقد قام به إبراهيم، «قيل كان إبراهيم يبنى، وإسماعيل يناوله الحجارة » فنزلت الآية، وكأنما كانت ستنسى دور إسماعيل لثانويته، ثم ذكرته بعد أن انتهت من تكونها.
وخذ قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة 5). فإنك ترى تقديم المفعول هنا؛ لأنه موضع عناية العابد ورجاء المستعين، فلا جرم وهو مناط الاهتمام أن يتقدم كما يتقدم كل ما يهتم به ويعنى. وخذ قوله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (البقرة 45). تجد المستعان عليه في الآية غير مذكور، لا تخففا من ذكره، ولكن ليوحى هذا الحذف إلى النفس أن كل ما يقوم أمام المرء من مشقة، وما يعترضه من صعوبات، يستعان على التغلب عليه، بالصبر والصلاة.
تمضى الجملة القرآنية، وقد كونت من كلمات قد اختيرت، ثم نسقت في سلك من النظام، فلا ضعف في تأليف، ولا تعقيد في نظم، ولكن حسن تنسيق، ودقة ترتيب، وإحكام في تلاؤم. واقرأ قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة 2 - 5). ترى آيات قد التحم نسجها، وارتبط بناء بعضها ببعض، تسلم الجملة إلى أختها، فى التئام واتساق، فالجملة الأولى قد وصفت القرآن بالكمال، ووصفته الجملة الثانية، بأنه لا يعلق به الريب، لا في أخباره، ولا في نسبته إلى الله، وفي الجملة التالية جعله هاديا لأولئك الذين يخشون الله ويتقونه، ومضت الآية الثانية تصف هؤلاء الذين ينتفعون بالقرآن، فهم الذين يوقنون بما أنبأهم به من أمور غائبة لا يرونها، ويقومون بواجبهم لله، فيؤدون الصلاة كما يجب أن تؤدى، وواجبهم للمجتمع، فيقدمون من أموالهم ما يساعدون به البائس والمعتر، ولا يتعصبون لرسول دون رسول، بل يؤمنون بما أنزل على محمد، وما أنزل من قبله، ورأس الإيمان وأساسه هو إيمانهم باليوم الآخر، لأن ذلك الإيمان يدفع إلى العمل الصالح، وينهى عن المنكر والبغى، فلا جرم أن كان أولئك على هدى من ربهم وكانوا هم المفلحين.
ذلك مثل من أمثلة الارتباط القوى بين جمل الآية القرآنية، وكثير من الجمل فى القرآن توحى إليك ألفاظها، بمعان لا يستطيع لفظ أن يحدها، بل يترك للنفس أمر إدراكها، وحسبى أن أشير من ذلك إلى قوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ (البقرة 84، 85). أولا توحى إليك جملة ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ بالفرق بين ما كان يجب أن يكونوا عليه، وما هم حقيقة عليه، فأى خيبة أمل تملأ النفس منهم، أو لا تدل هذه الجملة القصيرة على سخط شديد، وتعجب لأمور ما كان ينتظر حدوثها، ونتائج كانت المقدمات تمهد لغيرها. وقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (البقرة 111). أولا تحس في قوله سبحانه: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ؛ بالتهكم اللاذع بهم، وأن تلك الأمانى التى تجول في صدورهم، لن تجد لها سبيلا إلى التحقق في غير أحلامهم.
وتستخدم الجملة الفعلية في القرآن للدلالة على التجدد والحدوث، والاسمية للثبوت والاستمرار، والمراد بالتجدد في الماضى حصوله، وفي المضارع تكراره، تأمل ذلك في قوله تعالى على لسان إبراهيم: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (الشعراء 78 - 80). فأتى في الخلق بالماضى لحصوله مرة واحدة، وفيما عداه بالمضارع لتكرره طول الحياة، وتأمل قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (آل عمران 26، 27). تجد المضارع هنا دالا على ما يتجدد من فعل الله سبحانه في كل حين، ومن الجملة الاسمية قوله تعالى: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها (آل عمران 136).
وقد يتغير اتجاه الجملة تبعا لتغيّر الاتجاه النفسى ففاتحة الكتاب قد تلون فيها الحديث، وتغير اتجاه الجملة، فكان حديثا عن الله المستحق للحمد، وكان التصريح باسمه وصفاته مؤذنا بأنه أهل للحمد والثناء، فإذا كان المقام مقام العبادة والاستعانة، تحولت الجملة إلى الخطاب إيذانا بقربك ممن تحمد قربا قلبيا، ويسمح لك الشعور بهذا القرب أن تطلب منه العون والمساعدة، ويستمر الخطاب في الجمل إلى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ حتى إذا جاء دور المغضوب عليهم، تحول
الأسلوب مرة أخرى، فمن تعظيم الله ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه والإضلال.
وقوله تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (مريم 88، 89).
فالانتقال من الحديث عنهم، إلى الحديث إليهم زيادة في تهديد من قالوا، ومواجهة لهم بالسخط عليهم، والتأنيب لهم. ومن ذلك قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء 1). فقد يكون ظاهر السياق أن يقال: «سبحان الذى أسرى بعبده ليلا، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، الذى بارك حوله، ليريه من آياته، إنه هو السميع البصير»، ولكنه عدل عن الغيبة إلى الحضور في وسط الآية، تعظيما من شأن المسجد الأقصى، ومن شأن ما يرى الله من آياته. وقوله سبحانه: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (يس 22). فقد يتراءى أن اتجاه الآية يقضى بأن تنتهى بقوله: وإليه أرجع: ولكنه عدل عن ذلك؛ لأن المقام مقام نقاش بين من آمن ومن كفروا؛ فهو ينتهز كل فرصة ليقنعهم فيها بوجود الإيمان بالله واليوم الآخر. أولا تدلنا هذه الخاتمة على أن كمال الأدب هو الذى صاغ العبارة هذا الصوغ. وأنه يخفى وراءها قوله: وما لكم لا تعبدون الذى فطركم؛ وقد يكون في تعبيره هذا موحيا لهم بأنه لا يريد لهم غير ما يريد لنفسه؛ وذلك أسرع إلى قبول النصح، وأشد إظهارا للإخلاص.
ومن ذلك قوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (يونس 22، 23). فقد كان السياق يقضى أن تسير الآية على الخطاب. ولكنه انتقل ليقص قصة هؤلاء الذين لا يذكرون الله إلا عند شدة تنزل بهم، حتى إذا انقضت المحنة بغوا في الأرض، وفي ذلك تعجيب من أمر هؤلاء القوم، وإنكار عليهم كفرهم بأنعم الله، ونسيانهم التخلص من المآزق متى ابتعدوا عنها، وفي الحديث عن غائبين إيحاء للمخاطبين بألا يفعلوا هذا الفعل المستنكر. وعلى منوال هذه الآية يجرى قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (الأنبياء 92، 93).
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (الأعراف 158). فقد يكون ظاهر السياق يقضى أن يقول: (فآمنوا بالله وبى)، ولكنه عدل عن ذلك ليبين الدوافع التى تدعو إلى الإيمان به واتباعه».
وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (فصلت 11، 12). فعند ما جاء الحديث عن زينة السماء الدنيا، نسب ذلك إلى نفسه صراحة، لما فيها من الجمال الذى يبهر نفس رائيه، والنفع الملموس لهم، فذكرهم الله بأنه خالق هذا الجمال، ومبدع هذه الزينة. وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (يونس 87)، فربما ظن أن وجه العبارة أن تسند الأفعال كلها إلى ضمير الاثنين: «موسى وهارون» ولكنه أسند الفعل مرتين إلى واو الجماعة إشارة إلى أن هذا التكليف لا يخصهما فحسب، بل هما وقومهما جميعا، ثم أفرد الفعل في آخر الآية يشير بذلك إلى أن المخاطب أولا وبالذات إنما هو أحدهما، وهو الرسول موسى.
ومن ذلك قوله تعالى: قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (هود 53، 54)، فلم يقل: وأشهدكم، لما يشعر به هذا التعبير من العناية بأمرهم، لجعلهم قرناء لله، فى الشهادة عليه؛ أما التعبير بفعل الأمر ففيه تنبيه لهم، وإيقاظ، حتى يتلقوا ما سيلقيه عليهم، مؤذنا إياهم بمباينتهم فيما يعبدون.
وتأمل سر تلوين الأسلوب في قوله تعالى: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (الأعراف 29). فقد أبرز هذا التلوين العناية بكل واحد مما أمروا به على حدة، فاتجه أمر الرب إلى القسط وحده، ثم أمروا أمرا جديدا، بأن يقيموا وجوههم عند كل مسجد، وأمرا جديدا آخر بأن يدعوه مخلصين له الدين، وفي ذلك من العناية بتوكيد كل أمر ما فيه، ولم يجعل أحد هذه الأمور ملحقا بصاحبه- وانظر تفخيم أمر النبى صلوات الله عليه من تغيير نهج الأسلوب، فى قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (النساء 64). إذ لم يقل: واستغفرت لهم.
ومن ذلك استعمال أحد الفعلين الماضى والمضارع، موضع صاحبه، فيأتى بالمضارع مكان الماضى؛ لإحضار صورة الفعل أمام السامع، حتى لكأنه يشاهده؛ وليس ذلك مما يثيره الفعل الماضى، لأن سامعه قد يكتفى بأن يتخيل فعلا قد مضى، وربما لا يستحضر صورته أو تكرره. واقرأ قوله تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (البقرة 87). تجد الفعل المضارع قد صور جريمتهم كأنهم يرتكبونها؛ وفي ذلك من التشنيع عليهم ما فيه. وقوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (فاطر 9). ففي (تثير) ما يحضر تلك الصورة الطبيعية، الدالة على القدرة الباهرة.
وقوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (الحج 31). ففي ذكر المضارع استحضار صورة خطف الطير له، وهوىّ الريح به. ويستخدم الماضى مكان المضارع إشارة إلى تأكيد وقوع الفعل، حتى كأنه قد وقع، وذلك يكون فيما يستعظم من الأمور؛ ومن أمثلته قوله سبحانه وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (النمل 87). وقوله تعالى: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (الكهف 47). وقوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (النحل 1). وقوله تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (إبراهيم 21). وفي الإتيان بالماضى هنا من إيقاع الرهبة في النفوس ما فيه لأن الفعل كأنه قد تم، والقرآن يتحدث عنه، وفي استخدام الماضى في قوله تعالى: الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة 159، 160).
إشارة إلى ما اتسم به هؤلاء التائبون من مبادرة، وإسراع إلى التوبة. وفي قوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (البقرة 165 - 167). تأكيد لما سيحدث في المستقبل حتى كأنه حدث.

الذكر والحذف

Entries on الذكر والحذف in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
الذكر والحذف
يذكر القرآن ما يذكره، مما يبدو أن السياق يجيز حذفه، عند ما يكون في هذا الذكر تثبيت للمعنى، وتوطيد له في النفس، ويكون في ذكره فضلا عن ذلك معان لا تستفاد إذا حذف فمما ذكر فيه المسند إليه قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ (الإخلاص 1، 2)، ذكر اسم الجلالة في الجملة الثانية ليستقر في النفس مرتبطا بخبره، وليفيد بتعريفه وتعريف الخبر أنه وحده السيد الذى يقصد إليه، عند اشتداد الخطوب، وفضلا عن ذلك نرى في الأسلوب هذا التناسق الموسيقى، الذى يفقد إذا حذفنا لفظ الله، برغم ما في الكلام مما يدل عليه. ومن ذلك قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء 85).
ألا ترى في ذكر الروح وارتباطها بخبرها، ما يثبت معنى الجملة في نفسك، ولا يشتت أركانها في فؤادك، فيذكر لك ما يتحدث عنه صراحة، ولا يدعك تلتمسه من الكلام. وإن شئت فاحذف كلمة الروح من الجملة، وانظر أتجد المعنى في الجلاء والاستقرار مثله عند ما تذكر.
ومن هذا الباب قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ (طه 17، 18) وذكر البلاغيون أن ذكر المسند إليه هنا للرغبة في إطالة الكلام، وتلذذا بهذه الإطالة، هذا التلذذ الذى دفع موسى إلى أن يتحدث بما لم يسأل عنه، فقال:
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (طه 18).
ويذكر المسند إليه أيضا صراحة، تأكيدا لوقوع المسند، إذا كان ذكر اسمه مما يطمئن السامع إليه، واقرأ قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (المائدة 95). أو لا ترى في ذكر اسم الله بعد الوعد ضمانا لتنفيذه، كما يذكر للتصوير الباعث على الرهبة، كما في قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (الزلزلة 1، 2). فذكر الأرض إلى جانب إخراج الأثقال، يصور هذا الجرم الهائل، وقد انشق عن فجوات تقذف بما ضمت الأرض من أثقال، وذكرها وهى المكان المستقر الثابت الذى نجد على سطحه الاستقرار، يصورها مائدة مضطربة تحت أقدامنا، فأى فزع يلم بنا عند هذا التصور. كما يذكر تأكيدا لنعمة أداها، فيكون ذكره مثيرا لشكره، كما في قوله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ (الأحزاب 25). ألا ترى هذه النعمة الكبرى نعمة حقن دماء المسلمين جديرة بذكر المنعم، ليشكر.
وفي ذكر المسند كذلك تثبيت لمعنى الجملة في النفس، وقد يثير حذفه برغم ما قد يدل عليه، معنى لا يراد، وتأمل قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (المائدة 41). ففي تكرير لهم ما يشعر بكمال قوة الجزاءين، ويؤكد أن العذاب العظيم قد أعد لهم في الآخرة.
ويحذف الفاعل من الجملة عند ما تدل عليه قرينة واضحة، فيصبح كالمتعين الذى تنصرف إليه النفس أول وهلة، كما تجد ذلك في قوله تعالى: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ وَقِيلَ مَنْ راقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (القيامة 26 - 28). فالحديث في ذكر الموت، ولا يبلغ التراقى عند الموت إلا النفس، وإذا نظرنا إلى الآيتين الكريمتين اللتين حذف الفاعل منهما، وهما قوله تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (الأنعام 94). وقوله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (يوسف 35). وجدنا ذكر الفعل في الجملة الأولى مغنيا عن ذكر فاعله، فالمراد أن التقطع حل بينهم مكان التواصل، فكأنه قيل: لقد تم التقاطع بينكم، وفي الجملة الثانية أغنى ذكر ليسجننه، بما فيه من أدوات التوكيد عن ذكره، وكان المجيء بتلك الجملة مصورا لما حدث من هؤلاء القوم، ومعبرا عما كان من أمرهم، وهم يتشاورون في أمر يوسف، فقد قلبوا وجوه الرأى بينهم، ثم بدا لهم في عقولهم أمر، عبروا عنه بقولهم: ليسجننه، فكانت الآية حاكية لما حدث، مصورة له.
ويحذف المبتدأ عند ما يكون ذكر الخبر المتصف بصفة، كأنه يشير إلى هذا المبتدأ، وكأنما بلغ من الشهرة بهذا الوصف مبلغا يغنى عن ذكره، كما تجد ذلك فى قوله سبحانه: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود 1).
ويحذف لأن ذكره يبعث في النفس السأم، لشدة وضوحه، لقرب الحديث عنه، كما تحس بذلك في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة 2). أو لا ترى أن فى ذكر الضمير العائد على الكتاب قلقا، لشدة قرب الكتاب الماثل أمام النفس، ومن ذلك قوله سبحانه: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ (القارعة 10، 11). وتأمل الفرق بين هذا الأسلوب الموجز وبين أن يقال. «وما أدراك ماهيه، هى نار حامية» من الإسراع إلى ذكر النار، بعد أن أثار الشوق بالسؤال عنها، وعلى ذلك قوله تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ. نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، وقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (البقرة 18). فما دام فى معرض الحديث عنهم، ليس في حاجة إلى إعادة ذكرهم.
ويحذف الخبر عند ما يقوم دليل في الكلام عليه، فيكون ذكره كاللغو، واقرأ قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (الطلاق 4). فالصمت عن الخبر، وعطف اللائى لم يحضن على اللائى يئسن، مؤذن باتحادهما في الخبر. وتأمل حذف الخبر في قوله سبحانه: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الزمر 22). أولا ترى في حذف الخبر ما يشير إلى أن عقد الموازنة بين من هو على نور من ربه، ومن هو قاسى القلب مظلمة، لا تستسيغه النفس، حتى في معرض الإنكار.
ويحذف الفعل إذا وقعت جملته جواب سؤال، فيكون في ذكر الفاعل إسراع بذكر المسئول عنه، بعد أن فهمت النفس الفعل المسئول عنه، واستقر أمره في الفؤاد، ومن ذلك قوله سبحانه: قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (الإسراء 50، 51). ومثله قوله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (العنكبوت 61).
وحذف الفعل في باب التحذير، مثل قوله تعالى: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (الشمس 13). يشير إلى أن هذا المفعول المذكور منهى عن المساس به، بأى نوع من أنواع الأذى، ففي حذف الفعل تعميم، لا يتأتى إذا ذكر فعل بعينه.
وحذف فعل القول في الجمل القرآنية الآتية: وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (الكهف 48). أى فقيل لهم: لقد جئتمونا؛ وقوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا (الأحقاف 20). أى، فيقال لهم:
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ، وقوله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما (العنكبوت 8). أى وقلنا له إن جاهداك .. هذا الحذف يصور ما حدث، ولما كان ما حدث هو أنهم عرضوا على الله صفّا، ثم سمعوا هذا التأنيب، فكان القول مضمرا في الواقع، فأضمر في الجملة المعبرة عنه، وعلى هذا النسق نرى قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ (الأحقاف 20). فإنهم عرضوا، فسمعوا، فالقول مضمر كذلك ومن السائغ لدىّ في الآية الثالثة، أن تكون من باب تلوين الأسلوب، فقد كان الحديث عن غائب فلما كان أمر الوصية بالتوحيد معنيّا به العناية كلها، اتجه إلى المأمور يخاطبه، موجها له الحديث زيادة في الــتأكيد، ولن يكون ذلك إذا كان الحديث عن غائب.
ويحذف المفعول، عند ما يكون المراد الاقتصار على إثبات المعانى، التى اشتقت منها الأفعال لفاعليها، من غير تعرض لذكر المفعولين، فيصبح الفعل المتعدى كغير المتعدى، ومن أمثلة هذا الحذف، قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ (الزمر 9). إذ المعنى أيستوى من له علم ومن لا علم عنده، من غير أن يقصد النص على معلوم.
وقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (النجم 43، 44). وقوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (النجم 48). فالمعنى هو الذى منه الإضحاك والإبكاء، والإماتة، والإحياء، والإغناء، والإقناء، فالغرض هنا إثبات الفعل للفاعل. قال عبد القاهر : وإن أردت أن تزداد تبينا لهذا الأصل .. فانظر إلى قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ (القصص 23، 24). ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذ المعنى: وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم، أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، وقالتا لا نسقى غنمنا، فسقى لهما غنمهما، ثم إنه لا يخفى على ذى بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره، ويؤتى بالفعل مطلقا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقى، ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا لا يكون منا سقى، حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقى، فأما ما كان المسقى، أغنما أم إبلا أم غير ذلك، فخارج عن الغرض وموهم خلافه، وذلك أنه لو قيل: وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود ... فاعرفه، تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت، إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة، وأن الغرض لا يصح إلا على تركه».
ويحذف المفعول بعد فعل المشيئة بعد لو، وبعد حروف الجزاء، حذرا من التكرير كما في قوله سبحانه: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى (الأنعام 35). ولا يكاد يأتى مفعول المشيئة إلا في الأمور الغريبة المتعجب منها، كقوله تعالى: لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (الأنبياء 17). وقوله تعالى: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ (الزمر 4).
ويحذف المضاف كثيرا في القرآن؛ لأغراض شتى، تفهم من هذا الحذف، وقد أحصى عز الدين بن عبد السلام في كتابه: الإشارة إلى الإيجاز، ما حذف من مضافات فى القرآن الكريم، ويطول بى المقام إذا أنا حاولت ذكر السبب في كل حذف، وحسبى أن أورد هنا بعض الأمثلة، مشيرا إلى ما يحدثه الحذف فيها من جمال وروعة:
قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ (البقرة 261). قالوا: أى كمثل باذر حبة أو زارعها. ولعل السر في هذا الحذف هو اتجاه القرآن إلى الصدقة نفسها، والجزاء عليها هذا الجزاء المضاعف.
وقال تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ (آل عمران 28). أي فليس من موالاة الله في شىء، يعنى أنه منسلخ من ولاية الله؛ أو لا ترى أن حذف المضاف فى هذه الآية قد أوحى إلى أنفسنا معنى براءة الله منه، وانقطاع الصلة بينه وبين الله، تمام الانقطاع. ومثل ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً (آل عمران 10). ومن أجمل ما حذف فيه المضاف قوله تعالى:
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (البقرة 171). فأصل الجملة ومثل داعى الذين كفروا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع، ثم حذف المضاف وهو داعى، رفعا لشأنه، فى اللفظ، عن أن يقرن بهذا الذى ينعق بما لا يسمع، وبقى المراد وهو أن هؤلاء الكفار صم بكم عمى فهم لا يعقلون.
وحذف الصفة في قوله سبحانه: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (الكهف 79). فقد حذفت الصفة بعد سفينة، إذ المراد بها السفينة الصالحة، لدلالة الآية على هذه الصفة، فإن عيب السفينة لا يخرجها عن أن تكون سفينة، وقد أوحى إلينا هذا الحذف، بأن الملك ينظر إلى السفينة المعيبة، كأنها فقدت حقيقتها.
وكثيرا ما يحذف جواب القسم في القرآن كقوله تعالى: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (الفجر 1 - 8).
وقوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (ق 1 - 3).
وقوله سبحانه وتعالى: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (النازعات 1 - 7).
فجواب القسم في ذلك كله محذوف يفهم من السورة التى ورد فيها هذا القسم، وإن في هذا الحذف بعث النفس على التفكير، لتهتدى إلى الجواب، وتظل النفس تتبع هذه الآيات، يتلو بعضها بعضا، تستوحى منها هذا الجواب، الذى لا بدّ أن يكون شيئا عظيما يقسم عليه الله، وإذا أنت تتبعت آيات السورة رأيتها حديثا عن البعث، وتعجبا من منكريه، مما يؤذن بأن هذا القسم وارد لــتأكيده، وأنه سيكون لا محالة، أو لا ترى في حذف هذا الجواب دلالة على مثوله في الذهن لشدة ما شغل النفس، واستأثر بعميق تفكيرها، يوم نزل القرآن مؤكدا مجىء اليوم الآخر.
وكذلك يحذف في القرآن جواب- لو، ولولا، ولما، وأما، وإذا- ويورث هذا الحذف الكلام قوة وشدة أسر:
فمن أمثلة لَوْ قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (سبأ 51). أو لا ترى في هذا الحذف إشارة إلى أن الجواب أمر عظيم، يترك إلى الخيال إدراكه، أما اللفظ فلا يستطيع الإحاطة به.
وقوله سبحانه: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (الأنبياء 38، 39). وحذف الجواب هنا كأنه يشير إلى تعينه، فإن من يعلم أنه سيعرض للنار، فيشوى بها وجهه وظهره، ولا يجد ناصرا ينصره، إن لم يؤمن، يعمل بكل قواه على أن يتقى هذه النار، فكأن تقدير الآية لو يعلم الذين كفروا .. لما أنكروا البعث، وما لجوا في كفرهم. وقوله تعالى: قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (هود 79، 80). وفي حذف الجواب هنا إخفاء لأمنية تجول في نفس لوط، كأنما لا يستطيع أن يبديها أمام قومه.
وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى (الرعد 31). وحذف الجواب هنا يشير إلى أنه من الوضوح بمكان، فلو أن قرآنا أوتى تلك القوة الخارقة، لكان هذا القرآن جديرا أن تكون له هذه القوة. فإذا لم يتضح جواب (لو) ولم يشر إليه سياق الآيات ذكر، كقوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (الحجر 14، 15)؛ لأنه إذا حذف احتمل وجوها، منها أن يقال لما آمنوا، أو لطلبوا ما وراء ذلك. ومن حذف جواب لَوْلا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (النور 19، 20). وترك جواب لَوْلا هنا يثير في نفس هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة الرهبة من عذاب الله، الذى يشير إليه ما بعد لولا. ومن حذف جواب لما قوله سبحانه: فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
(الصافات 103 - 105). وفي هذا الحذف إشارة كذلك إلى أن اللفظ لا يستطيع أن يصف ما أصاب إبراهيم وابنه من المسرة والابتهاج. ومن حذف جواب أما قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، واستغنى هنا عن الجواب وهو القول، إذ التقدير فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم استغناء بالمقول عنه. ومن حذف جواب إذا قوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (يس 45، 46). وكأن في حذف جواب إذا إشارة إلى أنه معروف واضح عند المخاطبين، لا يكاد يحتاج إلى أن يذكر، فضلا عما في الآية الثانية من دلالة عليه فكأنه قيل: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون، أعرضوا، وبينت الآية التالية أن هذا الإعراض سجية لهم، فلا تكاد الآية تأتى إليهم حتى يعرضوا عنها.
ويعتمد القرآن على ذكاء قارئه فيحذف من الجمل ما يستطيع القارئ أن يدركه، لأن السياق يستلزمه ويستدعيه، فمن ذلك قوله تعالى، فى قصة سليمان عليه السلام:
قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (النمل 27 - 29). فحذف ما حذف هنا من تفصيلات جزئية تدرك من السياق، وفي تخطيها وصول إلى العناصر الجوهرية في القصة، وقل مثل ذلك في قوله تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (مريم 7 - 12). فأغفل القرآن الحديث عن مجىء الغلام، ونشأته، وترعرعه، مما ليس بعنصر أساسى في القصة، ما دامت مخاطبته بأخذ الكتاب مغنية عنه، ونهج القرآن ذلك النهج في كثير من قصصه، ويدخل البلغاء كل ما ذكرناه من الحذف في باب الإيجاز. 
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.