Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: تأكيد

المفعول

Entries on المفعول in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
المفعول:
[في الانكليزية] Done ،executed ،object ،past participle
[ في الفرنسية] Fait ،execute ،complement d'objet ،participe passe
لغة الشيء المحدث مشتقّ من الإحداث ويعبّر عنه بالفارسية به كرده شده. وفي اصطلاح النحاة اسم قرن بفعل لفائدة ولم يسند إليه ذلك الفعل وتعلّق به تعلّقا مخصوصا. والمراد من الفعل أعمّ من الحقيقي والحكمي وقيد لم يسند لإخراج مفعول ما لم يسمّ فاعله لأنّه ليس مفعولا اصطلاحا وتسميته بالمفعول باعتبار ما كان أي باعتبار أنّه كان في الأصل مفعولا اصطلاحيا. والمراد بالتعلّق المخصوص هو كونه جزء مدلوله أو محله أو ظرفه أو علّته أو مصاحب معموله، فخرج التمييز والحال والمستثنى، هكذا يستفاد من عبد الغفور وحاشيته للمولوي عبد الحكيم. وهو عندهم خمسة أنواع. الأوّل المفعول المطلق ويسمّى حدثا وحدثانا وفعلا أيضا كما في الإرشاد، ومصدرا أيضا. قال في المفصّل: المفعول المطلق هو المصدر سمّي بذلك لأنّ الفعل يصدر عنه ويسمّيه سيبويه الحدث والحدثان، وربّما سمّاه الفعل انتهى. وهو اسم ما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه، والمراد بما الأثر الحاصل بالمصدر لا المعنى المصدري، فإنّ المفعول هو الأثر. مثلا الضرب الذي هو عبارة عن الكيفية المخصوصة مفعول للفاعل بواسطة الضاربية إلى إحداث الضرب، والمعنى المصدري المنسوب إلى الفاعل الذي هو مدلول الفعل وشبهه أعمّ من أن يكون صادرا عنه أو لا، بل يكون معنى قائما به فيشتمل التأثير والتأثّر فلا يرد طال طولا، فإنّ الطول الذي يعبّر عنه بالفارسية بدرازي حاصل بمصدر الفعل الذي يعبّر عنه بدراز شدن، وإن لم يكن مفعولا بمعنى المحدث والموجد، وكذا لا يرد مات موتا ونحوه. ولذا قيل المراد بفعل الفاعل إيّاه قيامه به بحيث يصحّ إسناده إليه، وكذا لا يرد نحو زيد ضارب ضربا فإنّ المراد بالفعل أعمّ من أن يكون فعلا أو معناه. والمراد بالفاعل أعمّ من الحقيقي والحكمي فدخل في الحدّ ضرب زيد ضربا على صيغة المجهول، وزيادة لفظ الاسم تنبيه على أنّ المفعول المطلق من أقسام اللفظ. أمّا تخصيص تلك الزيادة في هذا التعريف دون تعاريف سائر المفاعيل فمن التفنّن في البيان والتقليل في الكلام فلا تغفل، ويدخل فيه المصادر كلّها. ومذكور صفة للفعل وهو أعمّ من أن يكون مذكورا حقيقة نحو ضربت ضربا وأنا ضارب ضربا أو حكما نحو فضرب الرّقاب، وخرج به المصادر التي لم يذكر فعلها لا حقيقة ولا حكما نحو: الضّرب واقع على زيد. وقولهم بمعناه صفة ثانية للفعل وليس المراد به أنّ الفعل كائن بمعنى ذلك الاسم بل المراد أنّه مشتمل عليه اشتمال الكلّ على الجزء فخرج به تأديبا في قولك ضربته تأديبا، فإنّه وإن كان مما فعله فاعل فعل مذكور، لكنّه ليس بمعناه. وكذا خرج مثل كرهت كراهتي فإنّ الكراهة لها اعتباران: أحدهما كونها بحيث قامت بفاعل الفعل المذكور واشتقّ منها فعل أسند إليها، وحينئذ مفعول مطلق. وثانيهما كونها بحيث وقع عليها فعل الكراهة وحينئذ مفعول به، هذا ووجه تسميته بالمفعول المطلق صحّة إطلاق صيغة المفعول عليه من غير تقييده بالباء أو في أو مع أو اللام، بخلاف سائر المفاعيل. وتسميته بالفعل إمّا من باب إطلاق الكلّ وإرادة الجزء لأنّ المصدر جزء الفعل، وإمّا بإرادة المعنى اللغوي، وتسميته بالحدث والحدثان ظاهر.

التقسيم:

المفعول المطلق قسمان: مبهم ومؤقّت.
فالمبهم هو ما لا تزيد دلالته على دلالة الفعل أي يكون مدلوله هو مدلول الفعل، أي الحدث بلا زيادة شيء عليه من وصف أو عدد، سواء كان منصوبا بمثله أي بالمصدر أو بفرعه كالفعل واسم الفاعل واسم المفعول سمّي مبهما لعدم تبيين نوع أو عدد وهو لا محالة يكون لتوكيد عامله نحو ضربت ضربا، ولا يثنّى ولا يجمع لدلالته على الماهية من حيث هي هي.
والمؤقّت ويسمّى محدودا أيضا هو ما يزيد معناه على معنى عامله، سواء كان للنوع وهو المصدر الموصوف سواء كان الوصف معلوما من الوضع نحو: رجع القهقرى، أو من الصفة مع ثبوت الموصوف نحو: جلست جلوسا حسنا، أو مع حذفه نحو: عمل صالحا أي عملا صالحا، أو من كونه اسما صريحا منبئا كونه بمعنى المصدر لفظه نحو: ضربته أنواعا من الضرب، أو الإضافة نحو: ضربته أشدّ ضرب، أو من كونه مثنى أو مجموعا لبيان اختلاف الأنواع نحو ضربته ضربتين أي مختلفتين، أو من كونه معرّفا بلام العهد نحو: ضربت الضرب عند الإشارة إلى ضرب معهود، أو كان للعدد أي المرّة وهو الذي يدلّ على عدد المرّات معيّنا كان العدد أو لا، سواء كان العدد معلوما من الوضع نحو:

ضربت ضربة، أو من الصفة نحو: ضرب ضربا كثيرا، أو من العدد الصريح المميّز بالمصدر نحو: ضربته ثلاث ضربات، أو غير المميّز به نحو: ضربته ألفا، أو من الآلة الموضوعة موضع المصدر نحو: ضربته سوطا وسوطين وأسواطا، فإنّ تثنية الآلة وجمعها لأجل تثنية المصدر وجمعه لقيامهما مقامه فيكون الأصل فيه ضربت ضربا بسوط وضربتين بسوطين وضربات بأسواط. وأيضا المصدر إمّا متصرّف وهو ما لم يلزم فيه النصب على المصدرية كضرب وقعود وغير متصرّف وهو ما لزم فيه النصب على المصدرية ولا يقع فاعلا ولا مفعولا ولا مجرورا بالإضافة، أو حرف الجر نحو سبحان الله ومعاذ الله وعمرك الله. ويجب حذف فعل هذا المصدر الغير المتصرّف كما يجب حذف فعله إذا وقع المصدر مضمون جملة لا محتمل لها غيره أي غير ذلك المصدر نحو له عليّ ألف درهم اعترافا، أو وقع مضمون جملة لها محتمل غيره نحو: زيد قائم حقا، والأول يسمّى تأكيدا لنفسه لاتحاد مدلول المصدر والجملة فيكون بمنزلة تكرير الجملة، فكأنّه نفسها وكأنّها نفسه.
والثاني يسمّى توكيدا لغيره لأنّه ليس بمنزلة تكرير الجملة فهو غيرها، وهذا عند المتأخّرين، فإنّ سيبويه يسمّي الأول في الــتأكيد لنفسه بالــتأكيد الخاص ويسمّي الثاني أي الــتأكيد لغيره بالــتأكيد العام، كما ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية حاشية الفوائد الضيائية.
والثاني المفعول فيه وهو ما فعل فيه فعل مذكور من زمان أو مكان، كذا ذكر ابن الحاجب، ويسمّى ظرفا أيضا، وقد سمّاه الكوفيون محلّا. والمراد بالفعل الحدث وبذكره أعمّ من أن يكون مذكورا تضمنا في ضمن الفعل الملفوظ أو المقدّر أو شبهه كذلك أو مطابقة إذا كان العامل مصدرا كذلك أو اسم مصدر أو التزاما نحو قتلته يوم الجمعة أي ضربته ضربا شديدا فيه، أو ماله لمح إلى المعنى وإن لم يكن مدلولا التزاميا أي لازما ذهنيا نحو زيد أسد في بيته. فقوله ما فعل فيه فعل شامل لأسماء الزمان والمكان كلّها سواء ذكر الفعل الذي فعل فيهما أو لا. وقوله مذكور يخرج منهما ما لا يذكر فعل فعل فيه كيوم الجمعة يوم طيّب فإنّه وإن كان فعل فيه فعل لا محالة لكنه ليس بمذكور. وقيد الحيثية معتبر في الحدّ أي المفعول فيه اسم ما فعل فيه فعل مذكور من حيث إنّه فعل فيه فعل مذكور فخرج مثل شهدت يوم الجمعة فإنّ ذكر يوم الجمعة فيه ليس من حيث إنّه فعل فيه فعل مذكور بل من حيث وقع فيه فعل مذكور، لكنه لا يحتاج حينئذ إلى قيد مذكور إلّا لزيادة تصوير المعرّف. وقوله من زمان أو مكان بيان لما إشارة إلى حصر المفعول فيه في القسمين وليس من الحدّ. قال ابن الحاجب وشرط نصبه تقدير في، فجعل المفعول فيه ضربين: ما يظهر فيه في، وما يقدر فيه في. قال شارحه: وهذا خلاف اصطلاح القوم فإنّهم لا يطلقونه إلّا على المنصوب بتقدير في، وأمّا المجرور بها فهو مفعول به بواسطة حرف الجرّ لا مفعول فيه فيزاد على مذهبهم قيد تقدير في في الحدّ، ووجه تسميته بالمفعول فيه ظاهر. وإنّما يسمّى بالظرف تشبيها له بالأواني التي تحلّ فيها الأشياء. وإنّما سمّاه الكوفيون بالمحلّ لحلول الأفعال فيه. ومما يتعلّق بهذا سبق في لفظ الظرف.
والثالث المفعول له وهو ما فعل لأجله فعل مذكور كذا ذكر ابن الحاجب. فقوله لأجله أي لقصد تحصيله أو بسبب وجوده احتراز عن سائر المفاعيل. والمراد بالفعل الحدث وبكونه مذكورا أعمّ من الحقيقي والحكمي فلا يخرج عنه تأديبا في جواب من قال لم ضربت زيدا.
فقوله مذكور احتراز عن مثل أعجبني التأديب، والمعنى أنّ المفعول له اسم ما فعل لأجله فعل مذكور، سواء كان لقصد تحصيله بأن يكون سببا غائيا كما في ضربته تأديبا أو بسبب وجوده بأن يكون سببا باعثا كما في قعدت عن الحرب جبنا. ثم اعلم أنّ هذا التعريف شامل لما كان مجرورا باللام أيضا، وهذا خلاف اصطلاح القوم أيضا. ثم الزّجّاج ينكره ويقول إنّه مصدر من غير لفظ فعله، فالمعنى حينئذ في المثالين المذكورين أدّبته بالضرب تأديبا وجبنت في القعود عن الحرب جبنا. وردّ بأنّ صحة تأويله بنوع لا تدخله في حقيقته. ألا ترى إلى صحّة تأويل الحال بالظّرف من حيث إنّ معنى جاء زيد راكبا جاء زيد في وقت الركوب لا يخرجه عن كونه حالا.
والرابع المفعول معه وهو المذكور بعد الواو لمصاحبته معمول فعل لفظا أو معنى كذا ذكر ابن الحاجب، أي المذكور بعد الواو التي بمعنى مع فخرج به سائر المفاعيل، والذي ذكر بعد غير الواو كالفاء ومع، والمراد بمصاحبته لمعمول فعل مشاركته له في ذلك الفعل في زمان واحد نحو سرت وزيدا، أو مكان واحد نحو لو تركت الناقة وفصيلتها لرضعتها. واللام الجارة متعلّقة بمذكور أي يكون ذكره بعد الواو لأجل مصاحبته معمول فعل والمعمول أعمّ من أن يكون فاعلا أو مفعولا كما سبق في المثالين، ولذا لم يقل لمصاحبته لفاعل فعل كما قاله البعض. والمراد بالفعل أعمّ من أن يكون فعلا اصطلاحيا أو شبهه. فمثال الفعل الاصطلاحي اللفظي قد سبق، ومثال الشبه نحو زيد ضاربك وعمروا، ومثال الفعل المعنوي ما لك وزيدا أي ما تصنع. اعلم أنّ مذهب الجمهور أنّ العامل في المفعول معه الفعل بتوسّط الواو، وقيل العامل فيه الواو، وقيل نحو لابس مضمر بعد الواو.
والخامس المفعول به وهو ما وقع عليه فعل الفاعل كذا ذكر في أكثر الكتب. والمراد من الفعل أعمّ من أن يكون فعلا أو شبهه، ومن الوقوع في عرفهم هو التعلّق المعنوي وهو تعلّق فعل الفاعل بشيء لا يتعقّل الفعل بدون تعقّل ذلك الشيء، وليس المراد بالوقوع الأمر الحسّي إذ ليس كلّ الأفعال بواقعة على مفعولها نحو:
علمت زيدا؛ وعلى هذا يدخل في التعريف الجار والمجرور، ولذا قسّموه إلى ما هو بواسطة الحرف وإلى ما هو بغير واسطته، وإن كان مطلق المفعول به لا يقع عليه في اصطلاحهم كما في العباب. وفي الفوائد الضيائية: المراد بوقوع فعل الفاعل عليه تعلّقه به بلا واسطة حرف فإنّهم يقولون في ضربت زيدا أنّ الضرب واقع على زيد ولا يقولون في مررت بزيد أنّ المرور واقع عليه بل متلبس به انتهى. ولعلّ هذا مذهب ابن الحاجب مخالفا لمذهب الجمهور كما أشار إليه هذا الشارح في تعريف المفعول فيه والمفعول له، فخرج سائر المفاعيل فإنّها وإن تعلّق بها الفعل لكن لا يتوقّف تعقّله على تعقّلها كما مرّ تحقيقه في تعريف المتعدّي.
قيل يرد عليه ظرف الزمان لأنّ الزمان مما يتعلّق به الفعل بحيث لا يعقل إلّا به. وأجيب بأنّ الزمان لازم لوجود الفعل دون تصوّر ماهيته فيتوقّف عليه وجود الفعل لازما كان أو متعدّيا لا تعقل ماهيته، بخلاف المفعول به فإنّه مما يتوقّف عليه تصوّر ماهية الفعل كضربت زيدا فإنّ الضرب استعمال آلة التأديب في محلّ قابل للإيلام، وهو كما لا يتصوّر بدون من يستعمل تلك الآلة فكذلك لا يتصوّر بدون ذلك المحل.
قيل إذا أريد بالوقوع التعلّق يخرج من الحدّ زيد في ضربت زيدا حيث لا يتوقّف عليه تصوّر الضرب بل هو متوقّف على شخص ما يصلح للمضروبية. وأجيب بأنّه يتوقّف عليه تصوّر الضرب على البدلية وإن لم يتوقّف عليه بالتعيّن، وكذا يخرج الحال والتمييز والمستثنى. لذلك قال ابن الحاجب في أمالي الكافية لو اقتصر على قولهم ما يقع عليه الفعل لكان أولى. وما يتوهّم من أنّ ذكر الفاعل هاهنا يفيد إخراج مفعول ما لم يسمّ فاعله فاسد من وجهين:
أحدهما أنّ مفعول ما لم يسمّ فاعله ما وقع عليه فعل الفاعل لأنّ قولك ضرب زيد معلوم فيه أنّك أردت فعل فاعل، وإنّما حذفته بوجه من الوجوه فقد اشتركا جميعا في أنّهما وقع عليهما فعل الفاعل، وإذا اشتركا لم يخرج ذكر الفاعل أحدهما دون الآخر. والثاني أنّ المراد تحديدهما ولذلك يسمّى كلّ واحد منهما مفعولا به على الحقيقة فلا يستقيم أن يزاد لفظ يقصد به إخراج أحدهما مع كونه مرادا، ولذلك يقال إذا حذف الفاعل وأقيم المفعول به مقامه يجب أن يعدل من النصب إلى الرفع، وهذا تصريح بأنّه مفعول به، وأنّ النصب والرفع جائزان يعتوران عليه، وهو على حاله من كونه مفعولا به انتهى.
والقول بإطلاق المفعول عليه مجازا باعتبار ما كان ممّا يأبى عنه تعريفه. ثم المفعول به بغير واسطة حرف الجر كضربت زيدا هو الفارق بين المتعدّي من الأفعال وغيره، ويكون واحدا فصاعدا إلى الثلاثة، والمفعول به بواسطة حرف الجر يسمّى بالظرف أيضا لمشابهته الظرف في احتياجه إلى تضمّن الفعل احتياج الظرف إليه.
فائدة:
يحذف عامله وجوبا قياسا في مواضع منها الإغراء ومنها التحذير ومنها المنادى ومنها المنصوب على إنشاء المدح أو الذّمّ أو الترحّم ومنها باب الاختصاص.

الفصل والوصل

Entries on الفصل والوصل in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
الفصل والوصل
عنى البلاغيون بالحديث عن الواو، التى تذكر فتصل الجملة بأختها، أو تترك فتدع الجملتين منفصلتين، وغالوا في تقدير معرفة الموضع الذى تصلح فيه الواو، والموضع الذى لا تصلح فيه، حتى قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل والوصل، وقد قصروا حديثهم في ذلك الموضع على الجمل التى لا محل لها من الإعراب، وهذا لأن الجمل التى لها موقع من الإعراب، ويكون موضع الواو فيها من الوضوح بمكان؛ لأنها تشرك الجملة الثانية في حكم الأولى، فتكون مثلها خبرا، أو صفة، أو حالا، أو مفعولا، أو غير ذلك، والأمر فيه سهل بيّن. أما الذى يشكل، فأن تعطف على الجملة التى لا موضع لها من الإعراب جملة أخرى، فهنا نقف لنرى لم لم يستو الحال بين أن تعطف، وبين أن تدع العطف، وخصت الواو بالحديث؛ لأن غيرها من حروف العطف تفيد مع الإشراك معانى، كأن تدل الفاء على الترتيب من غير تراخ، وثمّ على الترتيب مع التراخى، وأو للتردد بين شيئين، فإذا عطفت جملة على جملة بواحد منها، ظهرت فائدة هذا الحرف واضحة جلية. أما الواو فإنها لما كانت لمطلق الجمع، لا تصل جملة بأخرى، إلا إذا كان المعنى في إحدى الجملتين متصلا بمعنى الجملة الأخرى، ومرتبطا به، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (التوبة 45 - 50). فالواو في هذه الآيات قد وصلت الجمل بعضها ببعض لمكان الصلة بينها والتناسب، فعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر يناسبه ارتياب قلوبهم ارتيابا ينغمسون فيه، وخذ الآية الثانية تر التناسب واضحا بين تقاعسهم عن الخروج، وعدم الإعداد له، وبين كره الله لانبعاثهم، وهكذا تجد الصلة جامعة بين الجملة وأختها جمعا يهيئ للواو مكانها بينهما.
وتأمّل جمال الوصل في قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (الغاشية 17 - 20). فالمطلوب في الآية التأمل فيما خلق الله، ليصلوا بهذا التأمل إلى الإيمان بالبعث الذى ينبنى عليه أساس الدين، والتناسب هنا بين الجمل واضح، فقد بدأ حديثه بالإبل التى هى عنصر أساسى في حياة البدوى في صحرائه، وانتقل من الإبل إلى ما يرونه أمامهم في كل حين من سماء رفعت بلا عمد، وللسماء عند البدوى مكانة خاصة، يتجه إليها ببصره، يستنزل منها الغيث ويهتدى بنجومها في سراه بالليل، فإذا هبط ببصره قليلا رأى هذه الجبال الشامخة، منصوبة تناطح السماء بقممها، وترسو في ثبات واطمئنان على أرض مهدت له، وسطحت أمامه، أو لا ترى أن تنقل البصر بين هذه المخلوقات تنقّل هادئ طبيعى لا قفز فيه، وأن ارتباط بعضها ببعض في طبيعة البدوى مهد للربط بينها، وعطف بعضها على بعض.
واتصلت الجمل في قوله سبحانه: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (الانفطار 1 - 4). لما كانت تلك المظاهر من أمارات القيامة، وما أقوى الصلة بين السماء تنشق، والكواكب تنتثر، لا نظام يجمعها، ولا جاذبية تحفظها في مكانها، وما أقوى الصلة أيضا بين تفجر البحار فتطغى مياهها، وبعثرة القبور تخرج ما دفن فيها من الموتى، فكأنها تتفجر كذلك. ومثل هذا قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (الانشقاق 1 - 5).
واقرأ قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال 26). إن في هذه النعم لرابطا يصل بعضها ببعض، ويسمح للواو أن تجمع بينها، فهؤلاء قوم كانوا قليلين مستضعفين، يخشون أن يغير عليهم مغير، يسلبهم الحريّة، فلا جرم كانت نعمة الأمن، لها المكان الأول بين نعم الله عليهم، ولم يقف الأمر عند حدّ الأمن، بل زاد عليه أن أيدهم بنصره، ولم تنته نعمه عند حد الطمأنينة والغلب، بل رزقهم خفض العيش، وطيبات الحياة.
وتأمّل الواو الواصلة في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (الحج 3). فالمجادلة في الله واتباع الشيطان ينشئان من عدم الاحتكام إلى العقل. وقوله سبحانه: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان 17 - 19). فإنه إذا كانت الصلاة تنهى عن
الفحشاء والمنكر، فالمقيم لها جدير أن يأخذ على عاتقه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإن من يعرّض نفسه لذلك، جدير أن يلم به بعض الأذى، فوصى من ينهض بهذا العبء أن يحتمل ويصبر، وإذا كان قد أمره بالصلاة، وهى خضوع للرّب، فجدير به ألا يمتلئ بالتيه ولا الخيلاء، وأن يسير على الأرض في تؤدة، ويتحدّث إن تحدث في وداعة وهدوء، ومن ذلك ترى هذه الصلات القوية التى تربط بين هذه الجمل ربطا محكما. وخذ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فاطر 15). لترى الرباط القوى بين فقر الناس وغنى الله.
وتأمل جمال الوصل في قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (الانفطار 13، 14). وقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ (آل عمران 54). وقوله:
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ (النساء 142). وقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (يونس 31)، وقوله: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (النساء 142). وقوله:
كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا (الأعراف 31).
وقد يحتاج الأمر إلى فضل تدبر لمعرفة الصلة التى تربط بين جملتين، تلك الصلة التى تسمح بمجيء الواو بينهما، كما في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (الحج 189). ففي النظرة العاجلة يبدو كأنه لا ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها، ولكن الربط نشأ من أن ناسا من العرب كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتا ولا خيمة ولا خباء من باب، بل إن كان من أهل المدر نقب نقبا من ظاهر البيت ليدخل منه، وخرج من خلف الخيمة أو الخباء إن كان من أهل الوبر . فلما تحدث القرآن عن الأهلة وأنها مواقيت للحج، ناسب ذلك أن يتحدث عن عادتهم هذه في الحج، ذاكرا أنها ليس من البر في شىء.
وتفصل الجملتان إذا كان بينهما امتزاج معنوى، كأن ترفع الجملة الثانية ما قد يتوهم في الجملة الأولى من تجاوز أو سهو ونسيان، كما تجد ذلك في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة 2). فتعريف جزءي الجملة الأولى، والمجيء باسم الإشارة للبعيد، مؤذن بوصف هذا الكتاب بأنه قد بلغ أسمى درجات الكمال، ولما كان ذلك قد يوهم أن ثمة مبالغة في هذا الوصف، نفى هذا الوهم، وأتبع ذلك بقوله: لا رَيْبَ فِيهِ أى في بلوغه تلك الغاية من الكمال، تأكيدا لما فهم من الجملة الأولى، وأتبعه كذلك بقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ تأكيدا ثانيا؛ لأن معنى بلوغ القرآن للكمال إنما هو كماله في الهداية والإرشاد.
ومن هذا الباب قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً (لقمان 7). لم يقل: (وكأن لم يسمعها كأنّ في أذنيه وقرا)؛ لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر، هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع، ولكن الثانى أبلغ وآكد فيما سيق له، فالمراد من التشبيهين جميعا بيان أنه ليس لتلاوة الآيات عليه من فائدة، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل، ولا ريب فى أن تشبيهه بمن في أذنيه وقر، أبلغ في دلالته على هذا المعنى.
وعلى هذا النسق مما كانت الجملة الثانية فيه مؤكدة للجملة الأولى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (البقرة 6، 7). فقوله: لا يُؤْمِنُونَ تأكيد لقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ وقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ... تأكيد ثان أبلغ من الأول. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ (البقرة 8، 9). فليست المخادعة شيئا سوى قولهم آمنا، من غير أن يكونوا مؤمنين وكذلك قوله سبحانه: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (البقرة 14). وقوله تعالى: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (يوسف 31). وقوله سبحانه: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (يس 69). وقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم 3، 4).
وقد يكون الامتزاج المعنوى بين الجملتين منشؤه أن الجملة الثانية شارحة وموضحة للجملة الأولى، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (المؤمنون 81، 82)، فالقول الثانى ورد شارحا ومبيّنا للقول الأول، وقوله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الشعراء 132 - 134). فجاء الإمداد الثانى موضحا للأول. وقوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (يس 20، 21). فلما كان المراد حث المخاطبين على اتباع الرسل، جاء الاتباع الثانى موضحا ذلك، إذ معناه اتبعوا من لا تخسرون شيئا من دنياكم فى اتباعهم، وهم مهتدون، تنالون باتباعهم سلامة دينكم، وإذا أنت تأملت هذه الآيات وجدت الجملة الثانية في الآية الأولى تقع من جملتها السابقة كما يقع بدل الكل من الكل، ووجدتها في الآية الثانية واقعة موقع بدل البعض من الكل، وفي الآية الثالثة واقعة موقع بدل الاشتمال. وقد تقع موقع عطف البيان، كما تجد ذلك في قوله
تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (طه 120). فجاء قوله: قالَ يا آدَمُ بدون الواو؛ لأنه يوضح الوسوسة ويبين عنها، ولو أنه جاء بالواو لأوهم المخالفة والتغاير.
وقد يكون منشأ هذا الامتزاج أن الجملة الثانية واقعة في موضع جواب لسؤال صريح في الجملة الأولى، أو يفهم منها، كما في قوله تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الشعراء 23 - 31). ومنه قوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (البقرة 11، 12). وقوله: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (البقرة 14، 15). وتتجلى دقة القرآن كذلك في وصل الجمل بباقى حروف العطف غير الواو، وتأمل قوله تعالى: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (الشعراء 75 - 81). فهو قد عطف السقى على الإطعام بالواو إرادة للجمع بينهما بلا ترتيب، ثم عطف الإحياء على الإماتة بثم؛ لأنه إنما يكون بمهلة وتراخ، وترى هذه الدقة في قوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (عبس 17 - 22). فجاء قوله من نطفة خلقه بلا واو؛ لأنها مفسرة لقوله من أى شىء خلقه، «وعطف قوله: فقدره بالفاء، تنبيها على أن التقدير مرتب على الخلق وعلى عدم التراخى بينهما، وعطف السبيل بثم، لما بين الخلق والهداية من التراخى والمهلة الكثيرة، ثم عطف الإماتة بثم، إشارة إلى التراخى بينهما بأزمنة طويلة، ثم عطف الإقبار بالفاء، إذ لا مهلة هناك، ثم عطف الإنشار بثم، لما يكون هناك من التراخى باللبث في الأرض أزمنة متطاولة».
وقد يبدو في بادئ الرأى أن الموضع لحرف غير ما ذكر، ولكن التأمل الدقيق يجعل الموضع للحرف المذكور، كما تجد ذلك في قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف 28). فقد يبدو بادئ الرأى أن الموضع للفاء هنا، فيقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه؛ لأن فعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء، تقول أعطيته فأخذ، وكسرته فانكسر، ولكن التأمل يدل على أن الآية تعدد صفات الشخص الذى نهى الرسول عن طاعته، ومن أغفل الله قلبه عن ذكره فقد غفل قلبه، فكأنه قال: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه، ومن هنا كانت الواو في مكانها.
ويجمع القرآن بالواو أيضا بين المفردات المتناسبة، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الأنعام 162). وقوله:
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (الأعراف 33).
وجرى الاستعمال القرآنى على ألا يعطف بعض الصفات على بعض إلا إذا كان بينها تضاد، تجد ذلك في قوله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (التحريم 5). فقد مضت الصفات بعضها بجوار بعض من غير عاطف، إلا بين ثيبات وأبكار، للتنويع ورفع التناقض، وفي قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (الحشر 23، 24). فلما تضادت الصفات عطفت كما في قوله سبحانه: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ (الحديد 3). وجاءت الواو في قوله سبحانه: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (غافر 2، 3). لأن الصفتين وهما غفران الذنوب وقبول التوبة تواردا على معنى واحد، هو التجاوز عن الذنب، فجاءت الواو بينهما مؤذنة بالتغاير، ومشيرة إليه، فالله يغفر الذنب حينا من تلقاء نفسه بفضله، وحينا يعفو عنه بسبب ندم التائب واعتذاره، فدلت الواو على هذا المعنى، وأشارت إليه.

كر

Entries on كر in 5 Arabic dictionaries by the authors Al-Khalīl b. Aḥmad al-Farāhīdī, Kitāb al-ʿAin, Ibn Sīda al-Mursī, Al-Muḥkam wa-l-Muḥīṭ al-Aʿẓam, Arabic-English Lexicon by Edward William Lane, and 2 more
كر
الكَرُّ: الحَبْلُ الغَلِيظ وجَمْعُه كُرُوْرٌ. والرُّجُوْعُ إلى الشَيْءِ، ومنه التَكْرَارُ. والتَّكِرةُ: التَّكرَارُ.
وناقَةٌ مِكَرَّة: وهي التي تُحْلَبُ في اليوم مَرَّتَيْن.
والكَرَّتَانِ: الغَدَاةُ والعَشِيُّ.
والكَرِيْرُ: صَوْتٌ في الحَلْق كالحَشْرَجَةِ يَعْتَري من الغُبَار. واسْمُ نَهرٍ. والكُرُّ: مِكْيَالٌ لأهْل العِراق.
والكُرةُ: سَرقِيْنٌ وتُرَابٌ يُدَقُّ تُجْلَى به الدُّرُوْعُ.
والكُرُّ: الحِسْيُ، أوْدِيَةٌ كِرَارُ وكرورٌ وكرَرَةٌ.
والكِرْكِرَةُ: رَحى زَوْرِ البَعِيرِ، والجميع الكَرَاكِرُ.
والكَرْكَرَةُ في الضحك: فَوقَ القَرْقَرَة.
وكَرْكَرْتُ بالدَّجاجة: صِحْتَ بها.
والكرَاكِرُ: كَرَادِيْسُ من الخَيْل.
والكَرْكَرَةُ: تَصْرِيْفُ الريْح السَّحابَ إذا جَمَعَتْه بعد تَفَرُّق.
وكَرْكَرْتُه كَرْكَرَةً: حَبَسْتَه ورَدَدْته.
وتَكَرْكَرَ عن الأمْرِ: نَكَصَ.
وتَكَرْكَرْتُ في الأمْرِ: اخْتَلَفْت. والكَرِكُ: الأحْمَرُ من الألوانِ واللِّباس.
والكِرَارَانِ: ما تَحْتَ الرَّحْلِ وهو الذي يَتَوَرَّكُ به الراكِبُ.
وأكْرَارُ الرحْلِ - واحِدُها كَرٌّ -: وهي الأدَمُ التي يُشَدُّ بها ظَلِفَتا الرحْلِ. ورَجُلٌ كُرَّكِي: أي مُخَنَّث، وقيل هو مَنْسُوبٌ إلى كُركٍ: وهو لُعْبَةٌ للجَواري.
وكَرَارِ - على حَذَام -: من خَرَزاتِ العَرَب.
كر
الْكَرُّ: العطف على الشيء بالذّات أو بالفعل، ويقال للحبل المفتول: كَرٌّ، وهو في الأصل مصدر، وصار اسما، وجمعه: كُرُورٌ.
قال تعالى: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [الإسراء/ 6] ، فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[الشعراء/ 102] ، وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً [البقرة/ 167] ، لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً [الزمر/ 58] والْكِرْكِرَةُ: رحى زَوْرِ البعير، ويعبّر بها عن الجماعة المجتمعة، والْكَرْكَرَةُ:
تصريف الرّيحِ السّحابَ، وذلك مُكَرَّرٌ من كَرَّ.
باب الكاف والراء ك ر، ر ك مستعملان

كر: الكَرُّ: الحبل الغليظ، وهو أيضاً حبل يصعد به [على] النخل، قال أبو الوازع:

فإن يك حاذقاً بالكَرِّ يغنم ... بيانع معوها أثر الرقي

وقال أبو النجم:

كالكَرِّ واتاه رفيق يفتله

والكَرُّ: الرجوع عليه، ومنه التَّكرار. والكَريرُ: صوت في الحلق كالحشرجة. والكَريرُ: بحة تعتري من الغبار. والكُرّةُ: سرقين وتراب يجلى به الدروع. والكُرُّ: مكيال لأهل العراق. والكر نهر يقال إنه في أرمينية. والكِرْكِرة: رحى زور البعير، والكراكر: جمعها.والكَرْكَرَة في الضحك فوق القَرْقَرة. والكَراكِرُ: كَراديس من الخيل، قال:

ونحن بأرض الشرق فينا كَراكرٌ ... وخيل جياد ما تجف لبودها

والكَرْكَرةُ: تعريف الريح السحاب إذا جمعته بعد تفرق.

رك: الرَّكُّ: المطر القليل، وسيل الرّكِّ أقل السيل. والرّكاكةُ: مصدر الرَّكيك، أي: القليل. ورجل رَكيكُ العلم: [قليله] . والرَّكُّ: إلزامُك الشيء إنساناً، [تقول] : ركَكْتُ الحق في عنقه، ورُكَّتِ الأغلال في أعناقهم. ورَكّ [بالتّشديد] : ماء بفيد (ولما لم يستقم الوزن لزهير) جعله (ركك) . 
الْكَاف وَالرَّاء

الكُرْكُم: الزَّعْفَرَان، وَقيل: هُوَ فَارسي. انشد أَبُو حنيفَة:

سَمَاويَّة كُدْر كأنَّ عيونها ... يُدافُ بهَا وَرْس حَدِيث وكُرْكُمُ

وَزعم السيرافي أَن الكُرْكُم، والكُركُمان: الرزق، بِالْفَارِسِيَّةِ وَأنْشد:

كل امْرِئ مشمِّر لشانِه ... لرزقه الغادي وكُرْكُمَانِه

والبَرَاتِك: صغَار التلال، وَلم اسْمَع لَهَا بِوَاحِد، قَالَ ذُو الرمة:

وَقد خَنَّق الآلُ الشُّعافَ وغرَّقت ... جواريه جُذْعانَ القِضاف البَرَاتكِ

ويروى: النَّوَابِك.

وكِرْبِر، حَكَاهُ ابْن جني وَلم يفسره.

وكَرْبل الشَّيْء: خلطه.

والكَرْبلة: رخاوة فِي الْقَدَمَيْنِ.

والكَرْبَلة: الْمَشْي فِي الطين أَو خوض فِي مَاء.

والكَرْبَل: نَبَات لَهُ نور أَحْمَر مشرق، حَكَاهُ أَبُو حنيفَة وانشد:

كأنّ جَنَى الدِّفْلَى يغشِّى خُدُورَها ... ونُوَّار ضاحٍ من خُزَامَى وكَرْبَلِ

وكَرْبَلاء: مَوضِع، قَالَ كثير:

فَسِبْطٌ سِبْطُ إِيمَان وبرّ ... وسِبْطٌ غَيَّبِتْه كَرْبَلاءُ

والكِرْنافة، والكُرْنوفة: اصل السعفة الغليظ الملزق بجذع النَّخْلَة.

وَقيل: الكرانيف: أصُول السعف العراض الَّتِي إِذا يَبِسَتْ صَارَت أَمْثَال الأكتاف.

وكَرْنَف النَّخْلَة: جرد جذعها من كرانيفه، انشد أَبُو حنيفَة:

قد تَخِذَتْ سَلْمى بقَرْنٍ حَائِطا

واستأجرَتْ مُكَرْنِفا ولاقطا

وكَرْنفه بالعصا: ضربه بهَا.

والكُرُنْب: هَذَا الَّذِي يُقَال لَهُ السلق، عَن أبي حنيفَة. والكِنْبار: حَبل النارجيل، وَهُوَ نخيل الْهِنْد، يتَّخذ من ليفه حبال للسفن، يبلغ مِنْهَا الْحَبل سبعين دِينَارا.

والكِنْبِرة: الأرنبة الضخمة.

والبَرْنَكَان: ضرب مَعْرُوف من الثِّيَاب، عَن ابْن الْأَعرَابِي. وانشد:

إنِّي وإنْ كَانَ إزَارِي خَلَقا

وبَرْنكانِي سَمَلا قد أخْلَقا

قد جعل اللهُ لِساني مطلَقا

والكِرْفِئ: سَحَاب متراكب، واحدته: كِرْفِئة.

وتكرفأ السَّحَاب: كتكرثأ.

والكِرْفِئة، أَيْضا: قشرة الْبَيْضَة الْعليا الْيَابِسَة.

والكِرْفِئ من السَّحَاب: مثل الكرثئ، وَقد يجوز أَن يكون ثلاثيا.

كر

1 كَرڤ3َ [كَرَّ, i. e.] كَرَّ بِنَفْسِهِ, as distinguished from the trans. كَرَّ, [aor. ـُ (S, Mgh,) inf. n. كرٌّ, (S,) or كُرُورٌ, (Mgh,) [or both,] He returned. (S, Mgh.) You say كَرَّ عَلَيْهِ, (A, K,) aor. ـُ (TA,) inf. n. كَرٌّ and كُرُورٌ and تَكْرَارٌ (A, K) and كَرِيرٌ, (CK,) He turned to, or against, him, or it: (A, K:) he returned to or against, it: (TA:) the primary signification is the turning to, or against, a thing, either in person, or in act. (El-Basáïr.) And اِنْهَزَمَ ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِ [He was put to flight: then he returned, or turned back, against him]. (A.) And كَرَّ الفَارِسُ, aor. ـُ inf. n. كَرٌّ, The horseman [wheeled round, or about, or] fled, to wheel round, or about, and then returned to the fight: (Msb:) [or returned to the fight after wheeling round, or about, or retiring, or being put to flight; as is implied in the phrase next preceding, from the A, and in many other examples: and simply, he charged, or assaulted: opposed to فَرَّ: see كَرَّةٌ, below.] You say also الجَوَادُ يَصْلُحُ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ [The courser is suitable, or fit, for returning to the fight, or for charging, or assaulting, and fleeing]. (Msb.) [And كَرَّ signifies He, or it, returned time after time.] You say أَفْنَاهُ كَرُّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ The returning of night and day time after time caused him to come to an end. (Msb.) Also كَرَّ عَنْهُ He returned from him, or it. (A, K.) and عَنْ ذٰلِكَ ↓ تَكَرْكَرَ He returned from that. (TA.) A2: كَرَّ is also trans., as well as intrans.; (S,) TA;) كَرَّهُ, (aor.

كَرُ3َ, TA,) inf. n. كَرٌّ, signifying He made, or caused, him, or it, to return: (S, Mgh, TA:) and [in like manner,] عَنْ ↓ كَرْكَرَهُ كَذَا, inf. n. كَرْكَرَةٌ, he made him to return, or revert, from such a thing. (TA.) You say كَرَّ عَلَيْهِ رُمْحَهُ, and فَرَسَهُ, inf. n. كَرٌّ, [He turned back his spear, and his horse, against him]. (A.) A3: كَرَّ, aor. ـِ (S, K,) and [see. Pers\.

كَرِرْتَ,] aor. ـَ (K,) inf. n. كَرِيرٌ, (S, A, * K, * TA,) He uttered a sound like that of one throttled, or strangled: (S, K:) or like that of one harassed, or fatigued, or overburdened: (TA:) or he rattled in his throat (حَشُرَجَ) in dying: (Az, S:) or he made a sound in his breast like حَشْرَجَةٌ [or rattling in the throat in dying], (A, TA) but not the same as this latter: and thus do horses, in their breasts. (TA.) [See شَخَرَ.]

b2: Also, He (a sick man) gave up his spirit, at death. (TA.) b3: See also كَرِيرٌ, below.2 كرّرهُ, inf. n. تَكْرِيرٌ (S, Msb, K) and تَكْرَارٌ, (S, K,) or the latter is a simple subst., (Msb,) or, as AA said to Aboo-Sa'eed Ed-Dareer, in reply to a question respecting the difference between the measures تَفْعَالٌ and تِفْعَالٌ, the latter is a simple subst., and the former, with fet-h, is an inf. n., (S, TA,) [but there are two inf. ns. of the measure تِفْعَالٌ, both of unaugmented verbs, namely تِبْيَانٌ and تِلْقَآءٌ,] and تَكِرَّةٌ, (Ibn-Buzurj, K,) [He repeated it, or reiterated it, either once or more than once:] he repeated it several times; reiterated it: (Msb:) or he repeated it one time after another; (K;) which may mean he tripled it, unless the “ other ” time be not reckoned as a repetition; (TA;) as also ↓ كَرْكَرَهُ; (K; [in the CK, كَرْكَرَةً is put by mistake for كَرْكَرَهُ;]) either by act or by speech: (MF:) it differs from أَعَادَهُ, which signifies only “ he repeated it once; ” for none but the vulgar say أَعَادَهُ مَرَّاتٍ; whereas كَرَّرَهُ may signify [not only the same as أَعَادَهُ, as it does in many instances, but also] he repeated it time after time: (Aboo-Hilál El-'Askeree:) some explain كَرَّرَهُ as signifying he mentioned it twice, and he mentioned it one time after another: (Sadr-ed-Deen Zádeh:) when it is used in the former of these two senses, the term تَكْرَارٌ applies to the second, and to the first [with respect to the second]: ('Ináyeh, in the early part of chap. ii.; and TA:) but its explanation as signifying the mentioning a thing one time after another is a conventional rendering of the rhetoricians: (MF:) Es-Suyootee says, that تَكْرَارٌ signifies the renewing the first word or phrase; and it denotes a sort of تَأْكِيد [or corroboration]: but it is said to be a condition of تأكيد that the words or phrases [which are repeated] be without interruption, and occur not more than three times; and that تكرار differs from it in both these particulars; so that the phrase in the Kur, [chap. lv.,] فَبِأَىِّ آلَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ is an instance of تكرار, not of تأكيد, because it occurs [with interruptions and] more than three times; and so another phrase in the Kur, [chap. lxxvii.,] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. (TA.) You say كَرَّر عَلَى سَمْعِهِ كَذَا [He repeated, or reiterated, such a thing, or saying, to his ear, or ears, or hearing]. (A.) 5 تكرّر [It became repeated, or reiterated: and it recurred]. You say تكرّر عَلَيْهِ [It (a saying) became repeated, or reiterated, to him]. (A.) R. Q. 1 كَرْكَرَهُ: see 1: and 2.

R. Q. 2 تَكَرْكَرَ: see 1.

كَرٌّ A rope [made in the form of a hoop] by means of which one ascends a palm-tree; (S, K;) accord. to A'Obeyd, a name not applied to any other rope; and so, says Az, I have heard from the Arabs; it is made of the best of [the fibres of the palm-tree called] لِيف: (TA:) or a thick rope; (K;) accord. to AO, made of لِيف, and of the outer covering (قِشْر) of the [portions of the racemes of the palm-tree called] عَرَجِين and of the [portion of the branch called] عَسِيب: (TA:) or a rope, in general: (Th, K:) and the rope [or sheet] of a sail: (S:) or the rope of a ship: or the rope by which a ship is drawn: (TA:) and a قَيْد [or pair of shackles, or hobbles,] made of لِيف or of palm-leaves: (K:) pl. كُرُورٌ. (S, TA.) A2: The thing that connects the [two pieces of wood called] ظَلِفَتَانِ of the [kind of camel's saddle called] رَحْل, (S, K,) and that enters [or is inserted] into them: (S:) [See شَجْرٌ and شَخْرٌ:] or the skin, or leather, into which the ظَلِفَات of the رَحْل enter; occupying the same place in the رَحْل as the بِدَادَانِ have in the قَتَب, excepting that the بدادان do not appear before the ظَلِفَة: (TA:) pl. أَكْرَارٌ. (S, TA.) كُرٌّ A certain measure of capacity, (Mgh, Msb, K,) of the people of El-'Irák, (Mgh, K,) for wheat; (S;) well known; (Msb;) consisting of six ass-loads, (K,) that is, sixty times the quantity called قَفِيز, (Az, Mgh, Msb, K,) accord. to the people of El-'Irák, (TA,) the قفيز being eight مَكَاكِيك, [in the TA, six, but this is a mistake,] and the مَكُّوك being a صَاع and a half, which is three كِيلَجَات; so that the كُرّ, accord. to this reckoning, is twelve times the quantity called وَسْق, (Az, Mgh, Msb,) each وسق being sixty times the quantity called صاع: (Az, Mgh:) in the Kitáb Kudámeh, it is said that the كُرّ called المُعَدَّلُ is sixty times the quantity called قفيز, and the قفيز is ten أَعْشِرَآء: and the كُرّ called القَنْقَلُ is twice the quantity of the كُرّ مُعَدَّل, that is, by the قفيز of the معدّل, a hundred and twenty times the quantity of the قفيز; with this كرّ are measured unripe dates and dried dates and also olives, in the districts of El-Basrah; and the قفيز used for measuring dates is twenty-five times the رِطْل of Baghdád; so that the كُرُّ القَنْقَلِ is three thousand times as much as the رطل: and the كُرّ called الهَاشِمِىُّ is the third part of the معدّل, that is, twenty times as much as the قفيز, by the measure of the معدّل; with this كُرّ, rice is measured: and the كُرّ called الهَارُونِىُّ is equal to them two [but what these two are is not shown]: and the أَهْوَازِىّ is equal to them two: and the مَخْتُوم is sixth part of the قفيز: and the قفيز is the tenth part of the جَرِيب: (Mgh:) or the كُرّ is forty times as much as the quantity called إِرْدَبّ; (K;) by the reckoning of the people of Egypt, as ISd says: (TA:) the pl. is إِكرَار. (S, Msb.) [It is app. connected with the Hebrew כֹּר, whence the Greek ko/ros (a measure containing, accord. to Josephus, six Attic medimni,) occurring in Luke xvi. 7.]

كَرَّةٌ A return. (Msb.) So in the Kur, [ii. 162,] لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً [Would that there were for us] a return to the world, or former state. And so in xxvi. 102, and xxxix. 59. (Jel.) And so in the saying of Mohammad, اللّٰهَ اللّٰهَ وَالْكَرَّةَ عَلَى نَبِيِّكُمْ Fear ye God, [fear ye God,] and return to your prophet. (Mgh.) b2: [Hence, The return to life;] the resurrection; the renewal of mankind, or of the creation, after perishing. (TA.) b3: [Hence also, A return to the fight, after wheeling away, or retiring: and simply,] a charge, or an assault, (Mgh, K,) in war; (TA;) as also ↓ كُرَّى: (Sgh, K:) pl. كَرَّاتٌ. (K.) b4: [Hence also,] A time; one time; [in the sense of the French “ fois ”; generally repeated, or used in the pl. form, so as to denote a returning to an action, once, or more; i. e., repetition, or reiteration, thereof, agreeably with the primary signification;] syn. مَرَّةٌ: (S, K:) pl. as above. (S.) You say فَعَلَهُ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ

[He did it time after time]. And فَعَلَهُ كَرَّاتٍ

[He did it several times]. (A.) b5: [Hence also,] A turn to prevail against an opposing party; victory. So in the Kur, [xvii. 6,] ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [Then we gave to you the turn to prevail against them; the victory over them]. (Bd, Jel.) كُرَّى: see كَرَّةٌ.

كَرِيرٌ, an inf. n.: see 1. b2: Also, A hoarseness or roughness of the voice, occasioned by dust. (K.) كَرَّارٌ: see مِكَرٌّ.

كِرْكِرَةٌ The callosity, or callous protuberance, upon the breast of the camel, (رَحَى زَوْرِ البَعِيرِ, S, K,) which, when the animal lies down, touches [and rests] upon the ground, projecting from his body, like a cake of bread; (TA;) it is one of the five ثَفِنَات [of which there is one at each knee and one at each stifle-joint]: (S, TA:) or the breast of any animal of which the foot is of the kind called خُفّ: (K:) pl. كَرَاكِرُ. (TA.) حَزُّ الكَرَاكِرِ [lit. The incision of the كراكر] is when a camel has a disease, so that he is not even when he lies down upon his breast; in consequence of which, a vein is gently drawn forth from the كركرة, and then he [or it] is cauterized. Hence the following, in a trad. of Ibn-Ez-Zubeyr: عَطَاؤُكُمُ لِلضَّارِبِينَ رِقَابَكُمْ وَنُدْعَى إِذَا مَا كَانَ حَزُّ الْكَرَاكِرِ [Your bounty is for those who smite your necks, and we are invited when there is a difficult undertaking to be accomplished, like the incision of the كراكر:] meaning, ye invite us only when ye are distressed, because of our skill in war; and on occasions of bounty, and ampleness of the means or circumstances of life, others. (IAth.) مَكَرٌّ A place of war or fighting [where the combatants return time after time to the conflict, wheeling away and then turning back]. (S) مِكَرٌّ One who returns often [to the fight, after wheeling away, or retiring, or being put to flight]; as also ↓ كَرَّارٌ. (K) b2: فَرَسٌ مِكَرٌّ A horse that is suitable, or fit, for returning to the fight, and for charging, or assaulting. (S.) And فَرَسٌ مِكَرٌّ مِفَرٌّ A horse well trained, willing, and active, ready to return to the fight and to flee. (TA.) b3: نَاقَةٌ مِكَرَّةٌ A she-camel that is milked twice every day. (A, Sgh, K.) مُكَرَّرٌ [Repeated; reiterated]. b2: المُكَرَّرُ The letter ر: (K:) because of the faltering of the tip of the tongue which is observable when one pauses after uttering it, occasioned by the reiteration with which that is done; wherefore, with respect to إِمَالَة, [as an obstacle thereto,] it is reckoned as two letters. (TA.) b3: [مُكَرَّرٌ, in the present day, also signifies Refined, as an epithet applied to sugar, &c.]

الله

Entries on الله in 5 Arabic dictionaries by the authors Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān, Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf, Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn, and 2 more
الله
صور القرآن الله المثل الأعلى في جميع صفات الكمال، فهو السميع الخبير، على كل شىء قدير، غفور رحيم، عزيز حكيم، حى قيوم، واسع عليم، بصير بالعباد، يحب المحسنين والصابرين، ولا يحب الظالمين، ويمحق الكافرين، غنى حميد، واحد قهار، نور السموات والأرض، قوى، شديد العقاب، خالق كل شىء، لا إله إلا هو، على كلّ شىء شهيد، عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ المصور، له الأسماء الحسنى، يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، الأول والآخر، والظاهر والباطن، الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، سريع الحساب، غنى عن العالمين، عليم بذات الصدور، بكل شىء محيط، علىّ كبير، عفو غفور، شاكر حليم، ليس بظلام للعبيد، يجزى المتصدقين، ولا يهدى كيد الخائنين، لا يخلف الميعاد، عزيز ذو انتقام، خير الرازقين، لطيف خبير، ذو القوة المتين. أوليس من يتصف بهذه الصفات المثالية جديرا بالعبادة والتقديس، وألا يتخذ له شريك، ولا من دونه إله.
ومن بين ما عنى القرآن به أكبر عناية إبراز صفة الإنعام التى يتصف بها الله سبحانه؛ فيوجه أنظارهم إلى النعمة الكبرى التى أودعها قلوبهم وهى نعمة الهدوء والسكينة يحسون بها، عند ما يعودون إلى بيوتهم، مكدودين منهوكى القوى، وإلى هدايتهم إلى بناء بيوت من جلود الأنعام، يجدونها خفيفة المحمل في الظعن
والإقامة، وإلى اتخاذ أثاثهم وأمتعتهم من أصوافها وأوبارها، وإلى نعمة الظل يجدون عنده الأمن والاستقرار، وإن للشمس وحرارتها لوقعا مؤلما في النفوس وعلى الأجسام، ومن أجمل وسائل الاستتار هذه الثياب تقى صاحبها الحر، وبها تتم نعمة الله، فيقول: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (النحل 79 - 81).
ويوجه أنظارهم إلى ما في خلق الزوج من نعمة تسكن إليها النفس، وتجد في ظلها الرحمة والمودة، فيقول: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم 21). وهو الذى يرزقهم، ويرزق ما على الأرض من دواب، لا تستطيع أن تتكفل برزق نفسها، وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (العنكبوت 60). وينبههم إلى ما في اختلاف الليل والنهار من تجديد النشاط للجسم، وبعث القوة في الأحياء وما في الفلك المسخرة تنقل المتاجر فوق سطح البحر، فتنفع الناس، وفي الماء ينزل من السماء فيحيى الأرض بعد موتها، وفي الرياح تحمل السحاب المسخر بين السماء والأرض، ينبههم إلى نفع ذلك كله فيقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة 164). ويسأل عمن يلجئون إليه، حين يملأ قلبهم الرعب من ظلمة البر البحر، أليس الله هو الذى ينجيهم منه ومن كل كرب، فيقول:
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (الأنعام 63 - 64).
ويحدثهم عن نعمة تبادل الليل والنهار، وعما خلق له الليل من نعمة الهدوء والسكون، وعن الشمس والقمر يجريان في دقة ونظام، فيحسب الناس بهما حياتهم، وينظمون أعمالهم، وعن النجوم في السماء تزينها كمصابيح، ويهتدى بها السائر في ظلمات البر والبحر، وعن المطر ينزل من السماء، فتحيا به الأرض وتنبت به الجنات اليانعة، ذات الثمار المشتبهة وغير المشتبهة، وكان للمطر في الحياة العربية قدره وأثره، فعليه حياتهم، فلا جرم أكثر القرآن من الحديث عنه نعمة من أجلّ نعمه عليهم، فيقول: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأنعام 96 - 99)، وتحدث عن هذه النعم نفسها مرارا أخرى كقوله:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (إبراهيم 32 - 34). وتحدث إليهم عما أنعم به عليهم من أنعام، فيها دفء ومنافع، وجمال، وعاد فذكرهم بنعمة المطر وإنباته الزرع، وخص البحر بالحديث عن تسخيره، وما نستخرجه منه من اللحم والحلى، وما يجرى فوقه من فلك تمخر عبابه، فقال: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (الأنعام 5 - 18)، وللأنعام في حياة العرب بالبادية ما يستحق أن يذكروا به، وأن يسجل فضله عليهم بها. ويوجه القرآن نظرهم إلى خلقهم وما منحهم الله من نعمة السمع والبصر والعقل، فيقول: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (الملك 23). وكثيرا ما امتنّ عليهم بنعمة الرزق، فيقرّرها مرة، ويقررهم بها أخرى، فيقول حينا: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (غافر 64). ويقول حينا: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (يونس 31). ويسترعى انتباههم إلى طعامهم الذى هو من فيض فضله، فيقول: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً
لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
(عبس 24 - 32).
وإن في إكثار القرآن من الحديث عن هذه النعم، وتوجيه أنظارهم إليها، وتقريرهم بها، ما يدفعهم إلى التفكير في مصدرها، وأنه جدير بالعبادة، وما يثير في أنفسهم شكرها وتقديس بارئها، ولا سيما أن تلك النعم ليست في طاقة بشر، وأنها باعترافهم أنفسهم من خلق العلىّ القدير. وهكذا يتكئ القرآن على عاطفة إنسانية يثيرها، لتدفع صاحبها عن طريق الإعجاب حينا، والاعتراف بالجميل حينا، إلى الإيمان بالله وإجلاله وتقديسه. كما أن ذلك الوصف يبعث في النفس حب الله المنعم، فتكون عبادته منبعثة عن حبه وشكر أياديه.
ومما عنى القرآن بإبرازه من صفات الله وحدانيته، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وقد أبرز القرآن في صورة قاطعة أنه لا يقبل الشرك ولا يغفره: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (النساء 48)؛ ويعد الإشراك رجسا فيقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا (التوبة 28).
أوليس في هذا التصوير ما يبعث في النفس النفور منه والاشمئزاز؟!
والقرآن يعرض لجميع ألوان الإشراك، فيدحضها ويهدمها من أساسها، فعرض لفكرة اتخاذ ولد، فحدثنا في صراحة عن أنه ليس في حاجة إلى هذا الولد، يعينه أو يساعده، فكل من في الوجود خاضع لأمره، لا يلبث أن ينقاد إذا دعى، وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (البقرة 116، 117). وحينا يدفع ذلك دفعا طبيعيا بأن الولد لا يكون إلا إذا كان ثمة له زوجة تلد، أما وقد خلق كل شىء، فليس ما يزعمونه ولدا سوى خلق ممن خلق:
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الأنعام 101، 102).
ويعرض مرة أخرى لهذه الدعوى، فيقرر غناه عن هذا الولد، ولم يحتاج إليه، وله ما في السموات وما في الأرض، فيقول: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (يونس 68 - 70). ويعجب القرآن كيف يخيل للمشركين عقولهم أن يخصوا أنفسهم بالبنين ويجعلوا البنات لله، فيقول:
أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً (الإسراء 40).
ويصور القرآن- فى أقوى صور التعبير- موقف الطبيعة الساخطة المستعظمة نسبة الولد إلى الله، فتكاد- لشدة غضبها- أن تنفجر غيظا، وتنشق ثورة، وتخر الراسيات لهول هذا الافتراء، وضخامة هذا الكذب، وأصغ إلى تصوير هذا الغضب فى قوله: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (مريم 88 - 91). أما هؤلاء الذين دعوهم أبناء الله، فليسوا سوى عباد مكرمين، خاضعين لأمره، ولن يجرؤ واحد منهم على ادعاء الألوهية، أما من تجرأ منهم على تلك الدعوى فجزاؤه جهنم، لأنه ظالم مبين، وهل هناك أقوى في هدم الدعوى من اعترف هؤلاء العباد أنفسهم الذين يدعونهم أبناء، بأنهم ليسوا سوى عبيد خاضعين، ومن جرؤ منهم على دعوى الألوهية كان جزاؤه عذاب جهنم خالدا فيها، قال تعالى: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (الأنبياء 26 - 29).
وعلى هذا النسق نفسه جرى في الرد على من زعم ألوهية المسيح، فقد جعل المسيح نفسه يتبرأ من ذلك وينفيه، إذ قال: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (المائدة 116، 117).
وتعرض القرآن مرارا لدعوى ألوهية عيسى، وقوض هذه الدعوى من أساسها بأن هذا المسيح الذى يزعمونه إلها، ليس لديه قدرة يدفع بها عن نفسه إن أراد الله أن يهلكه، وأنه لا امتياز له على سائر المخلوقات، بل هو خاضع لأمره، مقر بأنه ليس سوى عبد الله، وليس المسيح وأمه سوى بشرين يتبوّلان ويتبرّزان، أو تقبل الفطرة الإنسانية السليمة أن تتخذ لها إلها هذا شأنه، لا يتميز عن الناس في شىء، ولا يملك لهم شيئا من الضر ولا النفع، ولننصت إلى القرآن مهاجما دعوى ألوهية عيسى قائلا: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (المائدة 17). لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(المائدة 72 - 76).
وإن الغريزة لتنأى عن عبادة من لا يملك الضرر ولا النفع. وتأمل جمال الكناية في قوله: يَأْكُلانِ الطَّعامَ. والمسيح مقر- كما رأيت- بعبوديته ولا يستنكف أن يكون لله عبدا، لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (النساء 172).
وهاجم القرآن بكل قوة الإشراك بالله، وهو يهاجم ببلاغته العقل والوجدان معا فيأخذ في نقاش المشركين، ليصلوا إلى الحق بأنفسهم، ويلزمهم الحجة، ويقودهم إلى الصواب، فيسألهم عمن يرزقهم، ومن يملك سمعهم وأبصارهم، ومن يخرج الحى من الميت، ويخرج الميت من الحى، ومن يدبر أمر العالم، ومن يبدأ الخلق ثمّ يعيده، ومن يهدى إلى الحق، وإذا كان المشركون أنفسهم يعترفون بأن ذلك إنما هو من أفعال الله، فما قيمة هؤلاء الشركاء إذا، وما معنى إشراكهم لله في العبادة، أو ليس من يهدى إلى الحق جديرا بأن يعبد ويتّبع، أما من لا يهتدى إلا إذا اقتيد فمن الظلم عبادته، ومن الجهل اتباعه، وليست عبادة هؤلاء الشركاء سوى جرى وراءه وهم لا يغنى من الحق شيئا، وتأمل جمال هذا النقاش الذى يثير التفكير والوجدان معا: يثير التفكير بقضاياه، ويثير الوجدان بهذا التساؤل عن الجدير بالاتباع، وتصويره المشرك، مصروفا عن الحق، مأفوكا، ظالما، يتبع الظن الذى لا يغنى عن الحق شيئا، وذلك حين يقول: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (يونس 31 - 36). وفي التحدث إليهم عن الرزق، وهدايتهم إلى الحق، ما يثير في أنفسهم عبادة هذا الذى يمدهم بالرزق، ويهديهم إلى الحق، واستمع إلى هذا النقاش الذى يحدثهم فيه عن نعمه عليهم، متسائلا:
أله شريك في هذه النعم التى أسداها، وإذا لم يكن له شريك فيما أسدى، فكيف يشرك به غيره في العبادة؟ فقال مرة: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (النمل 59 - 71). أو ليس في إنبات الحدائق ذات البهجة، وتسيير الأنهار خلال الأرض، وإجابة المضطر إذا دعا، وكشف السوء، وجعلهم خلفاء الأرض، ما يبعث الابتهاج في النفس، والحب لله، ويدفع إلى عبادته وتوحيده ما دام هو الملجأ في الشدائد، والهادى في ظلمات البر والبحر، ومرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته؟ ومرة يسائلهم قائلا: وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (القصص 70 - 73). أوليس في الليل السرمد والنهار السرمد ما يبعث الخوف في النفس، والحب لمن جعل الليل والنهار خلفة؟!
وكثيرا ما تعجب القرآن من عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع. والقرآن يبعث الخوف من سوء مصير هؤلاء المشركين يوم القيامة، فمرة يصورهم محاولين ستر جريمتهم بإنكارهم، حين لا يجدون لها سندا من الحق والواقع، فيقول:
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (يونس 22 - 24).
وحينا يصورهم، وقد تبرأ شركاؤهم من عبادتهم، فحبطت أعمالهم، وضل سعيهم، وذلك حين يقول: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (يونس 28 - 30).
وحينا يصورهم هلكى في أشد صور الهلاك وأفتكها، إذ يقول: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (الحج 31). أما المصير المنتظر لمن يشرك بالله فأن يلقى في جهنم ملوما مدحورا.
ومن أبرز صفات الله في القرآن قدرته، يوجّه النظر إلى مظاهرها، ويأخذ بيدهم ليدركوا آثار هذه القدرة، مبثوثة في أرجاء الكون وفي أنفسهم، فهذه الأرض هو الذى بسطها فراشا، وتلك السماء رفعها بناء، وهذه الجبال بثها في الأرض أوتادا، وهذه الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ووجه النظر إلى هذه الحبوب فلقها بقدرته، كما فلق النوى ليخرج منه النخل باسقات، ويوجه أنظارهم إلى ألوان المخلوقات وأنواعها وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (النور 45). وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (الروم 20 - 25). خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (لقمان 10). ويوجّه النظر إلى توالى الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، فيقول: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (لقمان 29، 30)؛ وكرر ذلك مرارا عدة، كقوله: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (ق 6 - 11).
ويوجّه أنظارهم إلى قدرته في خلقهم، إذ يقول: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آل عمران 6). ويقول: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (الزمر 6).
صوّر القرآن قدرة الله الباهرة التى لا يعجزها شىء، والتى يستجيب لأمرها كل شىء، بهذا التّصوير البارع إذ قال: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (يس 82).
ولما وجّه النظر إلى مظاهر قدرته، اتخذ ذلك ذريعة إلى إقناعهم بأمر البعث، فحينا يتساءل أمن خلق السموات والأرض، ولم يجد مشقة في خلقها يعجز عن إحياء الموتى، فيقول: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (الأحقاف 33). ويقرر أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (غافر 57). ولذا صح هذا التساؤل ليقروا: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها وَالْجِبالَ أَرْساها مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (النازعات 27 - 33). وسوف نكمل الحديث عن ذلك في فصل اليوم الآخر.
ومن أظهر صفات الله في القرآن علمه، وإحاطة علمه بكل شىء في الأرض وفي السماء وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (يونس 61). ويقول على لسان لقمان لابنه: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (لقمان 16). أرأيت هذا التصوير المؤثر لإحاطة علم الله بكل شىء، فلا يغيب عنه موضع ذرّة بين طيات صخرة أو في طبقات السموات، أو في أعماق الأرض، ويعلم الله الغيب، ومن ذلك ما يرونه بأعينهم في كل يوم من أمور غيبيّة، يدركون أنها مستورة عليهم، مع قرب بعضها منهم، إذ يقول: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (لقمان 34). وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (طه 7). واقرأ هذا التصوير الشامل لعلمه في قوله: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (الأنعام 59). وهكذا يصور القرآن شمول علم الله تصويرا ملموسا محسا.
ومن أظهر صفاته كذلك شدة قربه إلى الناس، ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (المجادلة 7). وأمر الرسول بأن يخبر الناس بقربه، يسمعهم ويصغى إليهم إذا دعوا، فقال: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ (البقرة 186). ولا يستطيع فرد أن يعيش بعيدا عن عينه، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الحديد 4). بل هو أقرب شىء إلى الإنسان، يعلم خلجات نفسه، ويدرك أسراره وخواطره لا يغيب عنه منها شىء، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق 16).
والعدل، وقد أطال القرآن في تأكيد هذه الصفة، وأكثر من تكريرها، فكل إنسان مجزى بعمله وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (غافر 31). مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (فصلت 146). ويقرر في صراحة إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (يونس 44). وإِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ (النساء 40).
وإن في تقرير هذه الصفات وتأكيدها لدفعا للمرء إلى التفكير قبل العمل، كى لا يغضب الله العالم بكل صغيرة وكبيرة تصدر منه، والقريب إليه قربا لا قرب أشد منه، وفي تأكيد صفتى العلم والقرب ما يبعث الخجل في الإنسان من أن يعمل ما يغضب الله وما حرمه، وفي تأكيد صفة العدل ما يبعث على محاسبة النفس لأن الخير سيعود إليها ثوابه، والشر سيرجع عليها عقابه.
وكان وصف القرآن لله بالرحمة والرأفة والحلم والغفران والشكر، أكثر من وصفه بالانتقام وشدّة العذاب، بل هو عند ما يوصف بهما، تذكر إلى جانبهما أحيانا صفات الرحمة؛ فكثيرا ما يكرر القرآن معنى قوله: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (البقرة 143). وقوله: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (النساء 110). وأكّد هذا الوصف حتى قال: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الأنعام 54). وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (المؤمنون 118). أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (الأعراف 155). ويفتح باب رحمته وغفرانه، حتى لمن أسرف ولج في العصيان، إذ يقول: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الزمر 53). وبذلك كانت الصورة التى رسمها القرآن مليئة بالأمل والرجاء، تحيى في النفس التفاؤل، كما أن كثرة وصفه بالرحمة وأخواتها، تجعل عبادة الله منبعثة عن الحب، أكثر منها منبعثة عن الرهبة والخوف، ولكن لما كان كثير من النفوس يخضع بالرهبة دون الرغبة وصف القرآن الله بالعزة والانتقام وشدة العذاب، يقرن ذلك بوصفه بالرحمة حينا، ولا يقرنها بها حينا آخر، فيقول مرة: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المائدة 98). غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ (غافر 3). إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (فصلت 43). ويقول أخرى: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (الحشر 7). عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (المائدة 95). إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (آل عمران 4). وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (الزمر 37). وبرغم وصفه بالعزّة والانتقام والجبروت كانت الصفة الغالبة في القرآن هى الإنعام والرحمة والتّفضّل وأنه الملجأ والوزر، يجيب المضطرّ إذا دعاه، ويكشف السوء، وينجّى في ظلمات البرّ والبحر، فهى صورة محبّبة إلى النفوس، تدفع إلى العبادة، عبادة من هو جدير بها، لكثرة فضله وخيره وإنعامه.
وأفحم القرآن من ادّعى الألوهية من البشر إفحاما لا مخلص له منه، وذلك في الحديث الذى دار بين إبراهيم وهذا الملك الذى ادعى أنه إله، إذ يقول: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (البقرة 258).
وأرشد ــالقرآن إلى أن العقل السليم والفطرة المستقيمة يرشدان إلى وجود الله ويدلّان على وحدانيته، فهذا إبراهيم قد وجد قومه يتخذون أصناما آلهة، فلم ترقه عبادتهم، فمضى إلى الكون يلتمس إلهه، فلما رأى نورا يشع ليلا من كوكب في الأفق ظنه إلها، ولكنه لم يلبث أن رآه قد أفل، فأنكر على نفسه اتخاذ كوكب يأفل إلها، إذ الإله يجب أن يكون ذا عين لا تغفل ولا تنام، وهكذا أعجب بالقمر، واستعظم الشمس، ولكنهما قد مضيا آفلين، فأدرك إبراهيم أن ليس في كل هؤلاء من يستحق عبادة ولا تقديسا، وأنّ الله الحق هو الذى فطر السموات والأرض، واستمع إلى القرآن يصوّر تأمل إبراهيم في قوله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأنعام 74 - 79).
كان الإيمان بالله ووحدانيته، أساس الدين الإسلامى، وقد رأينا كيف عنى القرآن بإبراز صفاته التى تتصل بالإنسان خالقا له، ومنعما عليه، وعالما بكل صغيرة وكبيرة تصدر منه، وقريبا منه أقرب إليه من حبل الوريد، ورحيما به، عادلا لا يظلمه، ولا يغبنه، يهبه الرزق، ويمنحه الخير، ويجيبه إذا دعاه. أو ليس من له هذه الصفات الكاملة جديرا من الناس بالعبادة والتقديس والتنزيه عن النقص والإشراك؟
الله: علم دَال على الْإِلَه الْحق دلَالَة جَامِعَة لمعاني الْأَسْمَاء الْحسنى كلهَا وَقد مر تَحْقِيقه فِي أول الْكتاب تبركا وتيمنا.
الله: وَإِنَّمَا افتتحت بِهَذِهِ الْكَلِمَة المكرمة المعظمة مَعَ أَن لَهَا مقَاما آخر بِحَسب رِعَايَة الْحَرْف الثَّانِي تيمنا وتبركا وَهَذَا هُوَ الْوَجْه للإتيان بعد هَذَا بِلَفْظ الأحمد وَالْأَصْحَاب وَاعْلَم أَنه لَا اخْتِلَاف فِي أَن لفظ الله لَا يُطلق إِلَّا عَلَيْهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي أَنه إِمَّا علم لذات الْوَاجِب تَعَالَى الْمَخْصُوص الْمُتَعَيّن أَو وصف من أَوْصَافه تَعَالَى فَمن ذهب إِلَى الأول قَالَ إِنَّه علم للذات الْوَاجِب الْوُجُود المستجمع للصفات الْكَامِلَة. وَاسْتدلَّ بِأَنَّهُ يُوصف وَلَا يُوصف بِهِ وَبِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ تَعَالَى من اسْم يجْرِي عَلَيْهِ صِفَاته وَلَا يصلح مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ سواهُ. وَبِأَنَّهُ لَو لم يكن علما لم يفد قَول لَا إِلَه إِلَّا الله التَّوْحِيد أصلا لِأَنَّهُ عبارَة عَن حصر الألوهية فِي ذَاته المشخص الْمُقَدّس. وَاعْترض عَلَيْهِ الْفَاضِل المدقق عِصَام الدّين رَحمَه الله بِأَنَّهُ كَيفَ جعل الله علما شخصيا لَهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يتَحَقَّق إِلَّا بعد حُصُول الشَّيْء وحضوره فِي أذهاننا أَو القوى المثالية والوهمية لنا أَلا ترى أَنا إِذا جعلنَا العنقاء علما لطائر مَخْصُوص تصورناه بِصُورَة مشخصة بِحَيْثُ لَا يتَصَوَّر الشّركَة فِيهَا وَلَو بالمثال وَالْفَرْض وَهَذَا لَا يجوز فِي ذَاته تَعَالَى الله علوا كَبِيرا. فَإِن قلت وَاضع اللُّغَة هُوَ الله تَعَالَى فَهُوَ يعلم ذَاته بِذَاتِهِ وَوضع لفظ الله لذاته الْمُقَدّس، قلت هَذَا لَا يُفِيد فِيمَا نَحن فِيهِ لِأَن التَّوْحِيد أَن يحصل من قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الله حصر الألوهية فِي عقولنا فِي ذَاته المشخص فِي أذهاننا وَلَا يَسْتَقِيم هَذَا إِلَّا بعد أَن يتَصَوَّر ذَاته تَعَالَى بِالْوَجْهِ الجزئي. هَذَا غَايَة حَاصِل كَلَامه وَقد أجَاب عَنهُ أفضل الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْحَكِيم رَحمَه الله بِأَنَّهُ آلَة الْإِحْضَار وَهُوَ وَإِن كَانَ كليا لَكِن الْمحْضر جزئي وَلَا يخفى على المتدرب مَا فِيهِ لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ أَن الْمحْضر جزئي فِي الْوَاقِع فَهُوَ لَا يُفِيد حصر الألوهية فِي أذهاننا كَمَا هُوَ المُرَاد. وَإِن أَرَادَ أَن الْمحْضر جزئي فِي عقولنا فَمَمْنُوع، فَإِن وَسِيلَة الْإِحْضَار والموصل إِلَيْهِ إِذا كَانَ كليا كَيفَ يحصل بهَا فِي أذهاننا محْضر جزئي وَمَا الْفرق بَين قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الله وَبَين قَوْلنَا لَا إِلَه إِلَّا الْوَاجِب لذاته. فَإِن مَا يصدق عَلَيْهِ هَذَا الْمَفْهُوم أَيْضا جزئي فِي الْوَاقِع. فَإِن قلت التَّوْحِيد حصر الألوهية فِي ذَات مشخصة فِي نفس الْأَمر لَا فِي أذهاننا فَقَط. قلت فَهَذَا الْحصْر لَا يتَوَقَّف على جعل اسْم الله علما بل إِن كَانَ بِمَعْنى المعبود بِالْحَقِّ يحصل أَيْضا ذَلِك، وَلذَلِك يحصل بقولنَا لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَّا الْوَاجِب لذاته كَمَا سبق وَمن ذهب إِلَى الثَّانِي قَالَ إِنَّه وصف فِي أَصله لكنه لما غلب عَلَيْهِ تَعَالَى بِحَيْثُ لَا يسْتَعْمل فِي غَيره تَعَالَى وَصَارَ كَالْعلمِ أجري مجْرى الْعلم فِي الْوَصْف عَلَيْهِ وَامْتِنَاع الْوَصْف بِهِ وَعدم تطرق الشّركَة إِلَيْهِ. وَاسْتدلَّ، بِأَن ذَاته من حَيْثُ هُوَ بِلَا اعْتِبَار أَمر آخر حَقِيقِيّ كالصفات الإيجابية الثبوتية أَو غير حَقِيقِيّ كالصفات السلبية غير مَعْقُول للبشر فَلَا يُمكن أَن يدل عَلَيْهِ بِلَفْظ. ثمَّ على الْمَذْهَب الثَّانِي قد اخْتلف فِي أَصله فَقَالَ بَعضهم إِن لفظ الله أَصله إِلَه من إِلَه الآهة وإلها بِمَعْنى عبد عبَادَة والإله بِمَعْنى المعبود الْمُطلق حَقًا أَو بَاطِلا فحذفت الْهمزَة وَعوض عَنْهَا الْألف وَاللَّام لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال أَو للْإِشَارَة إِلَى المعبود الْحق وَعند الْبَعْض من إِلَه إِذا فزع وَالْعَابِد يفزع إِلَيْهِ تَعَالَى وَعند الْبَعْض من وَله إِذا تحير وتخبط عقله، وَعند الْبَعْض من لاه مصدر لاه يَلِيهِ ليها ولاها إِذا احتجب وارتفع وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِكَمَال ظُهُوره وجلائه مَحْجُوب عَن دَرك الْأَبْصَار ومرتفع على كل شَيْء وَعَما لَا يَلِيق بِهِ. وَالله أَصله الْإِلَه حذفت الْهمزَة إِمَّا بِنَقْل الْحَرَكَة أَو بحذفها وعوضت مِنْهَا حرف التَّعْرِيف ثمَّ جعل علما إِمَّا بطرِيق الْوَضع ابْتِدَاء وَإِمَّا بطرِيق الْغَلَبَة التقديرية فِي الْأَسْمَاء وَهِي تَجِيء فِي موضعهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
ثمَّ اعْلَم أَن حذف الْهمزَة بِنَقْل الْحَرَكَة قِيَاس وَبِغَيْرِهِ خلاف قِيَاس وَهُوَ هَا هُنَا يحْتَمل احْتِمَالَيْنِ لَكِن على الثَّانِي الْتِزَام الْإِدْغَام ووجوبه قياسي لِأَن السَّاقِط الْغَيْر القياسي بِمَنْزِلَة الْعَدَم فَاجْتمع حرفان من جنس وَاحِد أَولهمَا سَاكن وعَلى الثَّانِي الْتِزَامه على خلاف الْقيَاس لِأَن الْمَحْذُوف القياسي كالثالث فَلَا يكون المتحركان المتجانسان فِي كلمة وَاحِدَة من كل وَجه وعَلى أَي حَال فَفِي اسْم الله المتعال خلاف الْقيَاس فَفِيهِ توفيق بَين الِاسْم والمسمى لِأَنَّهُ تَعَالَى شَأْنه خَارج عَن دَائِرَة الْقيَاس وطرق الْعقل وَعند أهل الْحق وَالْيَقِين رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ. حرف الْهَاء فِي لفظ الله إِشَارَة إِلَى غيب هويته تَعَالَى وَالْألف وَاللَّام للتعريف وَتَشْديد اللَّام للْمُبَالَغَة فِي التَّعْرِيف وَلَفظ الله اسْم أعظم من أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَقد يُرَاد بِهِ وَاجِب الْوُجُود بِالذَّاتِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {قل هُوَ الله أحد} وَفِي قَوْلهم والمحدث للْعَالم هُوَ الله الْوَاحِد فَلَا يلْزم اسْتِدْرَاك الْأَحَد وَالْوَاحد فيهمَا وتفصيله فِي الْأَحَد إِن شَاءَ الله الصَّمد.
الله: علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لجميع الأسماء الحسنى.
الله: تَبَارَكَ وتَعالى وجَلَّ جَلاَلُهُ- هو عَلَم دالٌّ على الإله الحقِّ دلالة جامعة لمعاني الأسماء الحسنى كلها قاله السيد في "التعريفات".

الاستئناف

Entries on الاستئناف in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm and Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya
الاستئناف: عند الفقهاء: تجديد التحريمة بعد إبطال التحريمةِ الأولى.
الاستئناف:
[في الانكليزية] Renewal of a prohibition
[ في الفرنسية] Renouvellement d'une proscription
هو في اللغة الابتداء على ما في الصراح.
وعند الفقهاء تجديد التحريمة بعد إبطال التحريمة الأولى، وبهذا المعنى وقع في قولهم: المصلي إذا سبقه الحدث يتوضأ ثم يتم ما بقي من الصلاة مع ركن وقع فيه الحدث أو يستأنف، والاستئناف أفضل، وذلك الإتمام يسمّى بالبناء.
وإن شئت الزيادة فارجع إلى البرجندي وجامع الرموز.
وعند أهل المعاني يطلق بالاشتراك على معنيين. أحدهما فصل جملة عن جملة سابقة لكون تلك الجملة جوابا لسؤال اقتضته الجملة السابقة. وثانيهما تلك الجملة المفصولة وتسمّى مستأنفة أيضا. وبالجملة فالاستئناف يطلق على معنيين والمستأنفة على المعنى الأخير فقط.
والنحاة يطلقون المستأنفة على الابتدائية ويجيء في لفظ الجملة. ثم الاستئناف بالمعنى الأول ثلاثة أضرب لأن السؤال إما عن سبب الحكم مطلقا أي لا عن خصوص سبب، فيجاب بأي سبب كان، سواء كان سببا بحسب التصوّر كالتأديب للضرب أو بحسب الخارج نحو:

قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل. سهر دائم وحزن طويل.
أي ما سبب علتك أو ما بالك عليلا لأن العادة أنه إذا قيل فلان عليل أن يسأل عن سبب علته وموجب مرضه، لا أن يقال هل سبب علته كذا وكذا. وإما عن سبب خاص للحكم نحو وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فكأنه قيل هل النفس أمّارة بالسوء؟ فقيل نعم إن النفس لأمّارة بالسوء. والضرب الأول يقتضي عدم الــتأكيد والثاني يقتضي الــتأكيد. وإما عن غيرهما أي عن غير السبب المطلق والسبب الخاص نحو قوله تعالى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ أي فماذا قال إبراهيم في جواب سؤالهم فقيل قال سلام. وقول الشاعر:
زعم العواذل أنني في غمرة. صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي.
ففصل قوله صدقوا عما قبله لكونه استئنافا جوابا للسؤال عن غير السبب، كأنه قيل أصدقوا في هذا الزعم أم كذبوا فقيل صدقوا. ثم السؤال عن غير السبب إمّا أن يكون على إطلاقه كما في أول هذين المثالين ولا يقتضي الــتأكيد، وإمّا أن يشتمل على خصوصية كما في آخرهما.
فإن العلم حاصل بواحد من الصدق والكذب؛ وإنما السؤال عن تعيينه وهذا يقتضي الــتأكيد.
والاستئناف باب واسع متكاثر المحاسن.
ومن الاستئناف ما يأتي بإعادة اسم ما استؤنف عنه أي أوقع عنه الاستئناف نحو: أحسنت أنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان. ومنه ما يبنى على صفته أي على صفة ما استؤنف عنه دون اسمه أي يكون المسند إليه في الجملة الاستئنافية من صفات من قصد الحديث عنه نحو أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك. والسؤال المقدّر فيهما لماذا أحسن إليه؟
أو هل هو حقيق بالإحسان؟ وهذا أبلغ من الأول. وقد يحذف صدر الاستئناف نحو:
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ، رِجالٌ كأنه قيل من يسبحه؟ فقيل رجال أي يسبحه رجال.
هذا كله خلاصة ما في الأطول والمطول في بحث الفصل والوصل.

و

Entries on و in 9 Arabic dictionaries by the authors Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs, Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs, Supplément aux dictionnaires arabes by Reinhart Dozy, and 6 more
و:
و: تكون الواو، أحياناً زائدة، حشوية، مثل الواو في وسواء (المقدمة 15:267:2): والملكات كلها جسمانية وسواء كانت في البدن أو في الدماغ.
الواوُ: حَرْفُ هِجاءٍ، ويقالُ: وَوٌ، ثُنائِيَّةً. (والواوُ مُؤَلَّفَةٌ من واوٍ وياءٍ وَوَاوٍ) ، وتُذْكَرُ أقْسامُها في الحُروفِ اللَّيِّنَةِ.

و


و
a. Waw . The twenty-seventh letter of the alphabet. Its numerical value is Six, (6).

وَ
a. And, also.

جَآءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو
a. Zaid & 'Amr have come.

وَ
a. Whilst, together with, at the same time as.

لَا تَأُكُل السَّمَك وَتَشْرَب
اللَّبَن
a. Do not eat fish whilst drinking milk.

جَآءَ وَالشَّمْس طَالِعَة
a. He came at the rising of the sun.

وَ (a. Used in oaths ) By!
وَاللّٰهِ
a. By God.

وَ
a. With.

مَا لَكَ وَزَيْدًا
a. What have you to do with Zaid?

وَ (a. sometimes placed after the Interrogative
أَ ).
أَوَ عَجِبْتُم
a. Are you surprised?

وَ (a. In place of
رُبَّ ).
وَرَجُلٌ كَرِيْمٌ رَأَيْتُهُ
a. Possibly (rarely) have I seen a generous
man.
وَا
a. Ah! Oh!

وَأَمَّا
a. But.
[و] فلان لا يصطلى بناره، إذا كان شجاعاً لا يطاق. وصليت لفلان، مثال رميت، إذا عملت له في أمرٍ تريد أن تمحل به فيه وتوقعه في هَلَكةٍ ; ومنه المَصالي، وهي الأشراك تنصب للطير وغيرها. وفى الحديث: " إن للشيطان فخوخا ومصالى "، الواحدة مصلاة. والصلا: ما عن يمين الذنب وشِماله ; وهما صَلَوانِ. وأَصْلَتِ الفرس، إذا استرخى صَلَواها، وذلك إذا قرب نتاجها. والصلاء، بالكسر والمد: الشواء ; لانه يصلى بالنار. والصلاء أيضا: صِلاءُ النار، فإن فتحت الصادَ قصرت وقلت صلا النار. وقوله تعالى: (وبِيَعٌ وصَلَواتٌ) ، قال ابن عباس رضى الله عنها: هي كنائس اليهود، أي مواضع الصلوات.
الْوَاوُ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ تَجْمَعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَلَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَتَدْخُلُ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 63] كَمَا تَقُولُ: أَفَعَجِبْتُمْ. وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى مَعَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّ مَعَ لِلْمُصَاحَبَةِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَأَشَارَ إِلَى السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى» أَيْ مَعَ السَّاعَةِ. وَقَدْ تَكُونُ الْوَاوُ لِلْحَالِ كَقَوْلِهِمْ: قُمْتُ وَأُكْرِمُ زَيْدًا أَيْ قُمْتُ مَكْرِمًا زَيْدًا وَقُمْتُ وَالنَّاسُ قُعُودٌ. وَقَدْ يُقْسَمُ بِهَا تَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الْبَاءِ لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا. وَلَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى الْمُظْهَرِ نَحْوُ وَاللَّهِ وَحَيَاتِكَ وَأَبِيكَ. وَقَدْ تَكُونُ ضَمِيرَ جَمَاعَةِ الْمُذَكَّرِ فِي قَوْلِكَ: فَعَلُوا وَيَفْعَلُونَ وَافْعَلُوا. وَقَدْ تَكُونُ زَائِدَةً كَقَوْلِهِمْ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» . وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ فِيهِ زَائِدَةٌ. 
قَالَ الأزهريّ: يُقَال للواو وَالْيَاء وَالْألف الأحرف الجُوف، وَكَانَ الْخَلِيل يُسَمِّيها الأحرفَ الضعيفة الهوائية، وَسميت جُوفاً لِأَنَّهُ لَا أحْيَازَ لَهَا فتنسب إِلَى أحيازِها كَسَائِر الْحُرُوف الَّتِي لَهَا أحيازٌ إِنَّمَا تخرج مِنْ هَواءِ الجَوْفِ فَسُمِّيتْ مَرَّةً جُوفاً وَمرَّة هوائية، وَسميت ضَعِيفَة لانتقالها من حَال عِنْد التصرُّف باعتلال انْتهى.
وَقَالَ شَيخنَا: الْوَاو أبدلت من ثلاثةِ أحرف فِي الْقيَاس: ألف ضَارب قَالُوا فِي تصغيره ضُوَيْرِب، وَالْيَاء الْوَاقِعَة بعد ضم كَمُوقِن من أَيْقَنَ، والهمزة كَذَلِك كمومن من آمن، وَمَا عدا ذَلِك إِن ورد كَانَ شاذّاً، وَأما الْيَاء فقد قَالُوا إِنَّهَا أوْسَع حُرُوفِ الْإِبْدَال، يقالُ إِنَّهَا أبدلت من نَحْو ثمانيةَ عَشَرَ حَرْفاً أوردهَا المرادِيُّ وَغَيْرُه انْتهى.
وَقَالَ الجوهريُّ جَمِيع مَا فِي هَذَا الْبَاب من الْألف إمّا أَن تكونَ مُنقلبةً من واوٍ مثل دَعَا، أَو من يَاء مثل رمى، وكل مَا فِيهِ من الْهمزَة فَهِيَ مبدلة من الْيَاء أَو الْوَاو نَحْو الْقَضَاء، وَأَصله قضاي، لِأَنَّهُ من قضيت، وَنَحْو الغِراء وأصلِه غِرَاو لِأَنَّهُ من غَرَوْتُ، قَالَ: وَنحن نشِير فِي الْوَاو وَالْيَاء إِلَى أصولهما، هَذَا تَرْتِيب الجوهريّ فِي صحاحه، وأمّا ابْن سَيّده وَغَيره فَإِنَّهُم جعلُوا المعتلَّ عَن الْوَاو بَابا، والمعتلّ عَن الْيَاء بَابا، فاحتاجوا فِيمَا هُوَ معتلٌّ عَن الْوَاو وَالْيَاء إِلَى أَن ذَكرُوهُ فِي الْبَابَيْنِ فَأَطَالُوا وكَرَّروا، وتقسم الشَّرْح فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
قلت: وَإِلَى هَذَا التَّرْتِيب مَال المصنِّفُ تبعا لهَؤُلَاء، وَلَا عِبْرَة بقوله فِي الْخطْبَة إِنَّه اختصَّ بِهِ من دونهم، وَقد ذكر أَبُو مُحَمَّد الحريرّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه المقامات فِي السَّادِسَة وَالْأَرْبَعِينَ مِنْهَا قَاعِدَة حَسَنَة للتمييز بَين الْوَاو وَالْيَاء، وَهُوَ قَوْله:
إِذا الفِعْلُ يَوْمًا غُمَّ عَنْكَ هجاؤُهُ
فَأَلْحِقْ بِهِ تاءَ الخِطابِ وَلا تَقِفْفإنْ تَرَ قَبْلَ التّاءِ يَاء فَكَتْبُهُ
بِياءٍ وَإلاّ فَهُوَ يُكْتَبُ بِالألِفْوَلاَ تَحْسَبِ الفِعْلَ الثُّلاثِيَّ وَالّذِي
تَعَدّاهُ وَالمَهْمُوزَ فِي ذاكَ يَخْتَلِفْوأمّا الْجَوْهَرِي فَإِنَّهُ جَعلهمَا بَابا وَاحِدًا، قَالَ صَاحب اللِّسَان: وَلَقَد سمعتُ مَنْ ينتقصُ الجوهريَّ رَحمَه الله، يقولُ إِنَّه لم يجعلْ ذَلِك بَابا وَاحِدًا إِلَّا لجهله بانقلاب الْألف عَن الْوَاو أَو عَن الْيَاء، ولِقِلَّةِ عِلْمِهِ بِالتَّصْريف، قَالَ: ولستُ أرى الأمرَ كَذَلِك.
قلت وَلَقَد سَاءَنِي هَذَا القولُ، وَكَيف يكونُ ذَلِك وَهُوَ إِمَام التَّصْرِيفِ، وحامِلُ لوائه، بل جذيلُه المُحَكَّكُ عِنْدَ أهل النَّقْدِ وَالتَّصْرِيفِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بذلك الوضوحَ للناظِرِ وَالْجَمْعَ للخاطِرِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى الإطالة فِي الْكَلَام وتقسيم الشَّرْح فِي موضِعين فَتَأمل.
وَأما الْألف اللينة الَّتِي لَيست متحرِّكة فقد أفرد لَهَا الجوهريُّ بَابا بعد هَذَا الْبَاب فَقَالَ: هَذَا بابٌ مبنيُّ على ألفات غير منقلبات عَن شَيْء، فَلهَذَا أفردناه، وَتَبعهُ المُصَنّف كَمَا سَيَأْتِي.
الواوُ المُفْرَدَةُ أقْسامٌ، الأُولَى: العاطِفَةُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ فَتَعْطِفُ الشيء على مصاحبه: {فأنجيناه وأصحابَ السَّفينَةِ} ، وعلى سابِقِهِ: {ولقد أرْسَلْنا نوحاً وإبراهيم} ، وعلى لاحقه: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قَبْلِكَ} . وإذا قيل: قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو، احْتَمَلَ ثَلاثَةَ مَعَانٍ، وكَوْنُها للمَعِيَّةِ راجِحٌ، ولِلتَّرْتيبِ كَثيرٌ، ولِعَكْسِهِ قَليلٌ. ويَجوزُ أن يَكونَ بَيْنَ مُتَعاطفَيْها تقارُبٌ أو تَرَاخٍ: {إنَّا رادُّوهُ إلَيْكِ، وجاعِلُوه من المُرْسَلينَ} . وقد تَخْرُجُ الواوُ عن إفادَة مُطْلَقِ الجَمْعِ، وذلك على أوْجُهٍ، أحَدُها: تَكُونُ بمَعْنَى أَوْ، وذلك على ثَلاثةِ أوجُه، أحَدُها: تكونُ بمعْناها في التَّقْسيمِ، نحوُ: الكَلِمَةَ اسمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ، وبمَعْناها في الإِباحَةِ: جالِسِ الحَسَنَ وابنَ سِيرينَ، أَي: أحَدَهُما، وبمَعْناها في التَّخْيير:
وقالُوا نَأَتْ فاخْتَرْ لَها الصَّبْرَ والبُكا
والوَجْهُ الثاني بمَعْنَى باءِ الجَرِّ، نحوُ: أنتَ أعلمُ ومالَكَ، وبِعْتُ الشاءَ شاةً ودِرْهَماً. الثالثُ: بِمَعْنى لامِ التَّعْليلِ، نحوُ: {يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكذِّبُ} ، قالَهُ الخارَزَنْجِي. الرابعُ: واوُ الاسْتِئْنافِ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبُ اللَّبَنَ، فيمن رفَع. الخامسُ: واوُ المَفْعولِ معه: كَسِرْتُ والنِيلَ. السادسُ: واوُ القَسَمِ، ولا تَدْخُلُ إلاَّ على مُظْهَرٍ، ولا تَتَعَلَّقُ إلا بمحذوفٍ، نحوُ: {والقرآنِ الحكيمِ} ، فإِنْ تَلَتْها واوٌ أُخْرَى، فالثانيَةُ للعَطْفِ، وإلاَّ لا تحْتاجَ كلٌّ إلى جوابٍ، نحوُ: {والتِّينِ والزَّيْتُونِ} . السابعُ: واوُ رُبَّ، ولا تَدْخُلُ إلاَّ على مُنَكَّرٍ. الثامنُ: الزَّائدَةُ: {حتى إذا جاؤوها وفُتِحَتْ أبوابُها} . التاسعُ: واوُ الثمانيةِ، يقالُ: ستَّةٌ سبعَةٌ وثمانِيَةٌ، ومنه: {سبعةٌ وثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} . العاشرُ: واوُ ضميرِ الذُّكُورِ، نحوُ: الرِّجالُ قامُوا، اسمٌ. الأخْفَشُ، والمازِنِيُّ: حَرْفٌ. الحادي عَشَرَ: واوُ عَلامةِ المُذَكَّرِينَ في لُغَةِ طَيِّئٍ أَو أزْدِ شَنُوءَةَ أَوْ بَلْحارِث، ومنه: "يَتَعاقَبُونَ فيكُمْ ملائكةٌ بالليلِ وملائكةٌ بالنهارِ". الثاني عَشَرَ: واوُ الإِنْكارِ، نحوُ: أَالرَّجُلُوهْ، بعدَ قَوْلِ القائِلِ: قامَ الرَّجلُ. الثالثَ عَشَرَ: الواوُ المُبْدَلَةُ من هَمْزةِ الاِسْتفْهامِ المَضْمُومُ ما قَبْلَها كَقِراءَةِ قُنْبُلٍ: {وإليه النُّشورُ وأمِنْتُمْ} ، {قال فِرْعَوْنُ وآمَنْتُمْ} . الرابعَ عَشَرَ: واوُ التَّذْكِيرِ. الخامسَ عَشَرَ: واوُ القَوافِي. السادِسَ عَشَرَ: واوُ الإِشْباعِ: كالبُرْقُوعِ. السابعَ عَشَرَ: مَدُّ الاسْمِ بالنِّداءِ. الثامنَ عَشَرَ: الواوُ المُحَوَّلَةُ: طُوبَى، أصْلُها طُيْبَى. التاسِعَ عَشَرَ: واواتُ الأبْنِيَةِ: كالجَوْرَبِ والتَّوْرَبِ. العِشرونَ: واوُ الوَقْتِ، وتَقْرُبُ من واوِ الحالِ: اعْمَلْ وأنْتَ صَحِيحٌ. الحادي والعِشرونَ: واوُ النِسْبَةِ، كأَخَوِيٍّ، في النِسْبَةِ إلى أخٍ. الثاني والعِشرونَ: واوُ عَمْرٍو، لِتَفْرِقَ بينَه وبين عُمَرَ.
الثالثُ والعشرونَ: الواوُ الفارِقَةُ: كواوِ أُولئِكَ وأُولَى، لِئَلاَّ يَشْتَبِه بإلَيْكَ وإلى. الرابعُ والعِشرونَ: واوُ الهَمزةِ في الخَطِّ: كهذه نِساؤُكَ وشاؤُكَ، وفي اللَّفْظِ: كحَمْراوانِ وسَوْداوانِ. الخامسُ والعِشرونَ: واوُ النِداءِ والنُّدْبَةِ. السادسُ والعِشرونَ: واوُ الحالِ: أتَيْتُه والشمسُ طالِعَةٌ. السابعُ والعِشرونَ: واوُ الصَّرْفِ: وهو أن تأتِيَ الواوُ معطوفَةً على كلامٍ في أوَّلِه حادِثةٌ لا تَسْتَقيمُ إعادتُها على ما عُطِفَ عليها، كقولِهِ:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مِثْلَهُ ... عارٌ عليك إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
فإِنه لا يجوزُ إعادَةُ "وتأتِيَ مِثْلَهُ" على "تَنْهَ"، سُمِّيَ صَرْفاً إذ كان مَعْطوفاً ولم يَسْتَقِمْ أن يُعادَ فيه الحادِثُ الذي فيما قَبْلَهُ.
الْوَاو المُفْرَدَةُ
: مِن حُروفِ المُعْجم، وَقد تقدَّم ذِكْرها، وَهِي على (أَقْسام:
(الأُولَى: العاطِفَةُ لمُطْلَقِ الجَمْع) مِن غيرِ تَرْتيبٍ (فَتَعْطِفُ الشَّيءَ على مصاحِبِه) كَقَوْلِه تَعَالَى: {فأَنْجَيْناهُ وأَصْحابَ السَّفينةِ} ، و) تَعْطِفُ الشَّيءَ (على سابِقِه) كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَلَقَد أَرْسَلْنا نُوحاً وإبراهيمَ} ؛ وعَلى لاحِقِه) كَقَوْلِه تَعَالَى: {كَذلكَ يُوحِي إِلَيْك وَإِلَى الذينَ مِن قَبْلِكَ} . والفَرْقُ بَيْنها وبَيْنَ الفاءِ أنَّ الواوَ يُعْطَفُ بهَا جُمْلَةٌ وَلَا تدلُّ على التَّرْتيبِ فِي تَقْدِيمِ المُقَدّم ذِكْره على المُؤَخّرِ ذِكْره، وأَمَّا الفرَّاء فإنَّه يُوصِلُ بهَا مَا بَعْدَها بِالَّذِي قَبْلها والمُقدّمُ الأَوَّل، وَقَالَ الفرَّاء: إِذا قلْت زُرْتُ عَبْدَ اللهِ وزَيْداً فأيّهما شِئْتَ كَانَ هُوَ المُبْتَدَأ بالزِّيارَةِ، وإنْ قلْت زُرْتُ عَبْدَ اللهِ فزَيْداً كانَ الأوَّل هُوَ الأوَّل والآخرُ هُوَ الآخرُ، انتَهَى. (وَإِذا قيلَ: قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌ و، احْتَمَلَ ثلاثَةَ مَعانٍ) : المَعِيّة ومُطْلَق الجَمْع والتَّرْتيب، (وكَوْنُها للمَعِيَّةِ راجِحٌ) لمَا بَيْنهما مِن المُناسَبَةِ لأنَّ مَعَ للمُصاحَبَةِ، وَمِنْه الحديثُ: (بُعِثْتُ أَنا والساعَةُ كهَاتَيْن) ، أَي مَعَ الساعَةِ؛ (وللتَّرْتيبِ كَثيرٌ ولعَكْسِه قَليلٌ، ويجوزُ أَنْ يكونَ بَيْنَ مُتَعاطِفَيْها تَقارُبٌ أَو تَراخٍ) كَقَوْلِه تَعَالَى: {إنَّا رَادُّوهُ إِلَيْك وجاعِلُوه مِنَ المُرْسَلِيْنَ} ، فإنَّ بينَ رَدِّ موسَى إِلَى أُمِّه وجَعْلهِ رَسُولاً زَمانٌ مُتراخٍ؛ (وَقد تَخْرُجُ الواوُ عَن إفادَةِ مُطْلَقِ الجَمْع وذلكَ على أَوْجُهٍ:
(أَحَدُها: تكونُ بمعْنَى أَوْ وذلكَ على ثلاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُها) : أَنْ (تكونَ بمعْناها فِي التَّقْسِيم، نحوُ: الكَلمةُ اسمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ؛ و) الثَّانِي: (بمعْناها فِي الإباحَةِ) كَقَوْلِك: (جالِسِ الحَسَنَ وابنَ سِيرِينَ أَي أَحَدَهُما؛ و) الثالثُ: (بمَعْناها فِي التَّخْيير) كقولِ الشَّاعرِ:
(وَقَالُوا نَأَتْ فاخْتَرْ لَها الصَّبْرَ والبُكا (والوَجْهُ الثَّانِي) : أَنْ تكونَ (بمعْنَى باءِ الجَرِّ نحوُ: أَنْتَ أَعْلَمُ ومالَكَ) ، أَي بمالِكَ، (وبِعْتُ الشَّاءَ شَاة ودِرْهَماً) ، أَي بدِرْهَمٍ.
(الثَّالث: بمعْنَى لامِ التَّعْليل؛ نحوُ) قَوْله تَعَالَى: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نَكْذِبُ} ، أَي لئَلاَّ نَكْذِبَ، (قالَهُ الخارَزَنْجي) مُصنِّفُ تَكْملة العَيْن وَقد مَضَتْ تَرْجمتُه عنْدَ ذِكْرِه فِي حَرْفِ الجِيم.
(الَّرابع: وَاو الاسْتِئْنافِ) كَقَوْلِهِم: (لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبِ اللَّبَنَ فيمَنْ رَفَعَ) ، وَقد ذُكِرَ ذلكَ فِي بَحْثِ لَا قَرِيباً.
(الْخَامِس: واوُ المَفْعولِ مَعَه: كسِرْتُ والنِّيلَ.
(السَّادِسُ: واوُ القَسَمِ) كقولِهم: واللهاِ لقَدْ كانَ كَذَا، وَهُوَ بدلٌ مِن الباءِ وإنَّما أبدلٌ مِنْهُ لقُرْبِه مِنْهُ فِي المَخْرَجِ إِذْ كانَ مِن حُروفِ الشَّفَةِ (وَلَا تَدْخُلُ إلاَّ على مُظْهَرٍ) فَلَا يقالُ وك اسْتغْنَاء بِالْبَاء عَنْهَا، (وَلَا تَتَعَلَّقُ إلاَّ بمَحْذُوفٍ نحوُ) قَوْله تَعَالَى: {والقُرآنُ الحَكِيم} ، وَلَا يقالُ أُقْسِمُ واللهاِ، (إنْ تَلَتْها واوٌ أُخْرَى) كقولِهِ تَعَالَى: {والطّورِ وكِتابٍ مَسْطورٍ} (فالثانِيَةُ للعَطْفِ) والأُولى للقَسَمِ (وإلاَّ لاحْتاجَ كلٌّ إِلَى جَوابٍ نحوُ) قَوْله تَعَالَى: {والتِّيْنِ والزَّيتُونِ) وطُورِ سِيِنِيْنَ} . (السَّابعُ: واوُ رُبّ، وَلَا تَدْخُلُ إلاَّ على مُنَكَّرٍ) مَوْصوفٍ لأنَّ وَضْعَ رُبَّ لتَقْليلِ نَوْعٍ مِن جِنْسٍ فيذكرُ الجِنْسَ ثمَّ يَخْتَصُّ بصفَةِ تَعْرفةٍ؛ وَمِنْه قولُ الشاعرِ:
وبَلْدةٍ ليسَ بهَا أَنِيسُ
إلاَّ اليَعافِيرُ وإلاَّ العِيسُ أَي ورُبَّ بَلْدةٍ.
(الثَّامن: الَّزائِدَةُ) ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {حَتَّى إِذا جاؤها وفُتِحَتْ أَبوابُها} ، جَوَّزَه الجَوْهرِي؛ وَقَالَ غيرُه: هِيَ واوُ الثمانِيَةِ، وَفِي الصِّحاح: قالَ الأصْمعي: قلْتُ لأبي عَمْرِو بنِ العَلاءِ: وقولُهم رَبّنا ولكَ الحَمْدُ، فقالَ: يقولُ الرَّجُلُ للرَّجُلِ بِعْني هَذَا الثَّوْبَ، فيقولُ: وَهُوَ لَكَ وأَظنُّه أَرادَ هُوَ لَك؛ وأَنْشَدَ الأخْفَش:
فَإِذا وذلِكَ يَا كُبَيْشةُ لمْ يَكُنْ
إلاَّ كَلَمَّةِ حالِمٍ بخَيالِكأنَّه قَالَ: فَإِذا ذلكَ لم يَكُنْ، وقالَ آخَرُ، وَهُوَ زُهيرٌ:
قِفْ بالدِّيارِ الَّتِي لم يَعْفُها القِدَمُ
بَلَى وغَيَّرَها الأَرْواحُ والدِّيَمُيُريدُ: بَلَى غَيَّرَها؛ كَذَا فِي الصِّحاح قَالَ ابنُ برِّي: وَقد ذَكَرَ بعضُ أَهْل العِلْم أنَّ الواوَ زائِدَةٌ فِي قَوْله تَعَالَى: {وأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لتُنَبِّئَنَّهم بأَمْرِهم هَذَا} ، لأنَّه جوابُ لمَّا فِي قَوْله: {فلمَّا ذَهَبُوا بِهِ وأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوه فِي غَيابَةِ الجُبِّ} . (التَّاسِعُ: واوُ الثَّمانِيَةِ: يقالُ ستَّةٌ سَبْعةٌ وثمانِيَةٌ، وَمِنْه) قَوْله تَعَالَى: {سَبْعةٌ وثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} ، وَقَوله تَعَالَى: {ثَيِّبات وأَبْكَاراً} ، وَقَوله تَعَالَى: {والنَّاهُونَ عَن المُنْكَر} قَالَ السَّهيلي فِي الرَّوْضِ: واوُ الثمانِيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: {سَبْعةٌ وثامِنُهُم كَلْبُهُم} تدلُّ على تَصْدِيقِ القائِلِينَ بأنَّهم سَبْعةٌ لأنَّها عاطِفَةٌ على كَلامٍ مُضْمَرٍ تَقْديرُه نَعَم وثامِنُهُم كَلْبُهُم، وذلكَ أنَّ قائِلاً لَو قالَ: إنَّ زَيْداً شاعِرٌ فقُلْت لَهُ: فَقِيهٌ، كُنْت قد صدَّقْته كأنَّك قُلْت: نَعَم هُوَ كَذلكَ وفَقِيهٌ أَيْضاً؛ وَكَذَا الحديثُ: (أَيتوضَّأُ بمَا أَفْضَلَتِ الحُمُر؟ قالَ. وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّباعُ) ؛ يريدُ نَعَم وبَما أَفْضَلَت السِّباعُ؛ خَرَّجَه الدَّارْقطْني؛ قالَ: وَقد أَبْطَل واوَ الثمانِيَةِ هَذِه ابنُ هِشامٍ وغيرُهُ مِن المُحقِّقين وَقَالُوا: لَا مَعْنى لَهُ وبَحثُوا فِي أَمْثِلتِه وَقَالُوا إنَّها مُتناقِضَةٌ.
(العاشِرُ: واوُ ضميرِ الذُّكُورِ نحوُ) قَوْلهم: (الرِّجالُ قامُوا) ويَقُومُونَ وقُومُوا أَيّها الرِّجال، وَهُوَ (اسْمٌ) عنْدَ الأكْثرينَ، وقالَ (الأخْفَشُ والمازِنيُّ) ؛ هُوَ (حَرْفٌ.
(الحادِي عَشَرَ: واوُ عَلامةِ المُذَكَّرِينَ فِي لُغَةِ طيِّىءٍ أَو أَزْدِشَنُوءَةَ أَو بَلْحَارِثِ) على اخْتِلافٍ فِي ذلكَ؛ (وَمِنْه) الحديثُ: ((يتعاقَبُونَ فيكُمْ ملائكةٌ باللَّيلِ وملائكةٌ بالنَّهارِ) .
(الثَّانِي عَشَرَ: واوُ الإنْكارِ نحوُ: الرَّجُلُوهُ بعدَ قَوْلِ القائِلِ: قامَ الرجلُ) ، فَقَوله: الرَّجُلُوهْ هُوَ قَوْلُ المُنْكِر يَمدُّه بالواوِ والهاءِ للوَقْفَة؛ وَمِنْه كَذلكَ: الحَسَنُوهْ وعَمْرُوه، وتُسَمَّى أَيْضاً واوُ الإسْتِنْكار.
(الثَّالثُ عَشَرَ: الواوُ المُبْدلَةُ مِن هَمْزةِ الاسْتِفْهامِ المَضْمومُ مَا قَبْلَها كقِراءَةِ قُنْبُلٍ: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ وأَمِنْتُمْ} ،) وكَذلكَ: {قَالَ فِرْعَوْنُ وآمَنْتُمْ} .
(الَّرابعُ عَشَرَ: واوُ التَّذْكِيرِ، كَذَا فِي النسخِ، والصَّوابُ التَّذكّر، فَفِي التّكْملةِ: وتكونُ للتَّعايي والتَّذَكّر كقولِكَ: هَذَا عَمْرُو فتَسْتَمِدُّ ثمَّ تقولُ مَنْطَلِقٌ؛ وكَذلكَ الألِفُ والياءُ قد تكونانِ للتَّذَكّر، انتَهَى.
(الخامسُ عَشَرَ: واوُ) الصِّلَةِ و (القَوافِي) ، كَقَوْلِه:
قِفْ بالدِّيار الَّتِي لم يَعْفُها القِدَمُو فوُصِلَتْ ضمَّةُ الْمِيم بواوٍ ثَمَّ بهَا وَزْنُ البَيْتِ.
(السَّادسُ عَشَرَ: واوُ الإشْباعِ كالبُرْقُوع) والمُعْلُوقِ، والعربُ تَصِلُ الضمَّةَ بالواوِ. وحَكَى الفرَّاءُ: أُنْظُور فِي مَوْضِعِ أَنْظُر؛ وأنْشَدَ:
مِن حَيْثُ مَا سَلَكُوا أَدْنُو فأَنْظُورُ وَقد ذُكِرَ فِي الرَاءِ، وأنْشَدَ أَيْضاً:
لَوْ أنَّ عَمْراً هُمَّ أَن يَرْقُودا
فانْهَضْ فشُدَّ المِئْزَرَ المَعْقُوداأَرادَ: أنْ يَرْقُد فأَشْبَعَ الضمَّةَ ووَصَلَها بالواوِ ونَصَبَ يَرْقُودَ على مَا يُنْصَبُ بِهِ الفِعْلُ.
(السَّابعُ عَشَرَ: مَدُّ الاسْمِ بالنِّداءِ) كَقَوْلِهِم: يَا قُورْطُ، يُريدُ قُرْطاً، فمدُّوا ضمَّة القافِ بالواوِ ليَمْتَدَّ الصَّوْتَ بالنِّداءِ.
(الثَّامنُ عَشَرَ: الواوُ المُحَوَّلَةُ) نَحْو: (طُوبَى أَصْلُها طُيْبَى) قُلِبَتِ الياءُ واواً لانْضِمام الطاءِ قَبْلَها وَهِي مِن طابَ يَطِيبُ، ومِن ذَلِك واوُ المُوسِرِينَ مِن أَيْسَرَ. ومِن أَقْسامِ الواوِ المُحوَّلةِ: واوُ الجَزْمِ المُرْسَلِ كَقَوْلِه تَعَالَى: {ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرا} فأُسْقِطَتِ الواوُ لالْتِقاءِ السَّاكِنَينِ لأنَّ قَبْلَها ضمَّةً تَخْلُفها؛ وَمِنْهَا: واوُ الجَزْمِ المُنْبَسِطِ كَقَوْلِه تَعَالَى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُم} فَلم تَسْقُطِ الواوُ وحَرَّكُوها لأنَّ قَبْلَها فتْحةً لَا تكونُ عِوَضاً عَنْهَا. قالَ الأزْهري: هَكَذَا رَواهُ المُنْذرِي عَن أَبي طالِبٍ النحوّي.
(التَّاسعُ عَشَرَ: واواتُ الأَبْنِيَةِ كالجَوْرَبِ والتَّوْرَبِ) للتُّرابِ والجَدْوَلِ والحَشْوَرِ وَمَا أَشْبَهَها.
(العِشْرونَ: واوُ الوَقْتِ: وتَقْرُبُ مِن واوِ الحالِ) كَقَوْلِك: (اعْمَلْ وأَنْتَ صَحِيحٌ) ، أَي فِي وقْتِ صحَّتِكَ والآنَ وأَنْتَ فارِغٌ.
(الحادِي والعِشْرونَ: واوُ النِّسْبَةِ: كأَخَوِيَ فِي النِّسْبَةِ إِلَى أَخٍ) ، بفَتْح الهَمْزةِ والخاءِ وكَسْر الواوِ، وَهَكَذَا كانَ يَنْسبُه أَبو عَمْرِو بنُ العَلاءِ، وَكَانَ يَنْسبُ إِلَى الزِّنازِنَوِيٌّ، وَإِلَى أُخْتٍ أُخَوِيٌّ بضمِّ الهَمْزةِ، وَإِلَى ابنِ بَنَوِيٌّ، وَإِلَى عالِيَةِ الحجازِ عُلْوِيٌّ، وَإِلَى عَشِيَّة عَشَوِيٌّ، وَإِلَى أَبٍ أَبَوِيٌّ.
(الثَّاني والعِشْرونَ: واوُ عَمْرٍ و) : زِيدَتْ (لتَفْرِقَ بَيْنه وبينَ عُمَرَ) فِي الرَّفْعِ والخَفْضِ وَفِي النّصْبِ تَسْقُطُ تقولُ: رأَيْتُ عَمْراً لأنّه حَصَلَ الأمْنُ مِن الالْتِباسِ، وزِيدَتْ فِي عَمْرٍ ودُونَ عُمَر لأنَّ عُمَرَ أثْقَلُ مِن عَمْرٍ و.
(الثَّالثُ والعِشْرونَ: الواوُ الفارِقَةُ) : وَهِي كلُّ واوٍ دَخَلَتْ فِي أَحَدِ الحَرْفَيْن المُشْتَبَهَيْن تَفْرقُ بَيْنه وبينَ المُشْبَه لَهُ فِي الخَطِّ (كواوِ أُولئِكَ وأُولَى لئَلاَّ يَشْتَبِه بإِلَيْكَ وَإِلَى) ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {أُولئِكَ على هُدًى من رَبِّهم} ، وَقَوله تَعَالَى: {غَيْرُ أُولي الضَّرَرِ} زِيدَتْ فيهمَا الواوُ فِي الخَطِّ ليَفْرقَ بَيْنهما وبينَ مَا شَاكَلهما فِي الصُّورَةِ.
(الَّرابعُ والعِشْرونَ: واوُ الهَمْزةِ فِي الخَطِّ) واللّفْظِ، فأَمَّا الخَطّ (كهذهِ نِساؤُكَ وشاؤُكَ) صُوِّرَتِ الهَمْزةُ واواً لضمَّتها، (و) أَمَّا (فِي اللَّفْظِ: كحَمْراوانِ وسَوْداوانِ) وَمثل قَوْلك: أُعِيذُ بأَسْماواتِ اللهاِ وأَبْناواتِ سَعْدٍ، وَمثل السَّمواتِ وَمَا أَشْبَهها.
(الخامسُ والعِشْرونَ: والنِّداءِ والنُّدْبةِ) ، الأوَّل كوازَيْد، وَالثَّانِي كواغُرْبَتاهْ، وَقد تقدَّمَ. وَفِي التكملةِ: وَهِي غَيْرُ واوُ النُّدْبة. فتأَمَّل.
(السَّادسُ والعِشْرون: واوِ الحالِ) ، كَقَوْلِك: (أَتَيْتُه والشمسُ طالِعَةٌ) ، أَي فِي حالِ طُلوعِها، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {إِذْ نادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} ، ومَثَّل الجَوْهرِي لواوِ الحالِ بقولِهم: قُمْتُ وأَصُكّ وَجْهَه، أَي قُمْتُ صاكًّا وَجْهَه، وكقولهم: قُمْتُ والناسُ قُعُودٌ.
(السَّابعُ والعِشْرونَ: واوُ الصَّرْفِ) : قَالَ الفرَّاء: (وَهُوَ أَنْ تأْتي الواوُ مَعْطوفَةً على كَلامٍ فِي أَوَّلهِ حادِثَةٌ لَا تَسْتَقيمُ إعادتُها على مَا عُطِفَ عَلَيْهَا كقولهِ) ، أَي الشاعرِ، وَهُوَ المُتَوكِّلُ اللَّيْثي:
(لَا تَنْهَ عَن خُلُقٍ وتأْتيَ مِثْلَهُ (عارٌ عَلَيْك إِذا فَعَلْتَ عَظِيمُ (فإنَّه لَا يجوزُ إعادَةُ: وتَأْتي مِثْلَه على تَنْهَ) ؛ هَكَذَا فِي النسخِ، ونَصّ الفرّاء أَلا تَرَى أَنَّه لَا يجوزُ إعادَةُ (لَا) على (وتَأْتي مِثْلَه) ، فلذلكَ (سُمِّيَ صَرْفاً إِذْ كَانَ مَعْطوفاً وَلم يَسْتَقِمْ أَن يُعادَ فِيهِ الحادِثُ الَّذِي فِيمَا قَبْلَهُ) .
وممَّا يُسْتدركُ عَلَيْهِ:
واوُ الإعْرابِ: كَمَا فِي الأسْماءِ السِّتَّةِ.
وبمعْنَى إِذْ نَحْو: لَقِيتُكَ وأَنْتَ شابٌّ، أَي إِذْ أَنتَ، وَعَلِيهِ حملَ قَوْله تَعَالَى: {وطائِفَة قد أَهَمَّتْهم} ، أَي إِذْ طائِفَة.
وللتَّفْصِيل: كَقَوْلِه تَعَالَى: {ومِنْكَ ومِن نُوح} ، {ونَخْلٍ ورُمَّانٍ} .
وتَدْخُلُ عَلَيْهَا أَلِفُ الاسْتِفْهامِ: كَقَوْلِه تَعَالَى: {أَو عَجِبْتُم أَنْ جاءَكُم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم} ، كَمَا نقولُ أَفَعَجِبْتم؛ نقلَهُ الجَوْهرِي؛ وكذلكَ قولهُ تَعَالَى: {أَو لم يَنْظُرُوا} ، {أَوَ لم يَسِيرُوا} .
وللتِّكْرار: كَقَوْلِه تَعَالَى: {حافِظُوا على الصَّلواتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى} .
وَمِنْهَا الواواتُ الَّتِي تدخُلُ فِي الأجْوبةِ فتكونُ جَواباً مَعَ الجَوابِ وَلَو حُذِفَتْ كانَ الجَوابُ مُكْتَفِياً بنَفْسِه؛ أنْشَدَ الفرَّاء:
حَتَّى إِذا قَلَتْ بُطُونَكُمُ
ورَأَيْتُمُ أَبْناءَكُم شَبُّواوقَلَبْتُمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنا
إنَّ اللَّئِيمَ العاجِزُ الخَبُّأَرادَ: قَلَبْتُم. ومِثْلُه فِي الكَلامِ: لمَّا أَتانِي وأَثِبُ عَلَيْهِ، كأنَّه قَالَ: وَثَبْتُ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يجوزُ إلاَّ مَعَ لمَّا وَحَتَّى إِذا.
وَمِنْهَا الواوُ الدائِمَةُ: وَهِي كلُّ واوٍ تلابسُ الجزاءَ ومَعْناها الدَّوامُ كَقَوْلِك: زُرْني وأَزُورَكَ وأَزُورُكَ، بالنَّصْبِ والرَّفْع، فالنَّصْبُ على المُجازاةِ، ومَنْ رَفَعَ فمعْناهُ زِيارَتَكَ عليَّ واجبةٌ أُدِيمُها لكَ على كلِّ حالٍ.
و alphabetical letter و

The twenty-seventh letter of the alphabet; called وَاوٌ: it is one of the class termed شَفَهِيَّة [or labials], and is a letter of augmentation.

b2: For the uses of و as a particle 

; for و in the sense of بل see a verse in art. قَصَدَ; و

giving fulness of sound to 1َ2ُ3َ, see نَظَرَ; و used لِلتَّذَكُّرِ, see الف التَّعَايِى in art. ا, and see الف الإِسْتِنْكَارِ; و in the sense of ب, see a verse in art. عَسِيلَ.

b3: As a numeral it denotes Six.

التّابع

Entries on التّابع in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّابع:
[في الانكليزية] Appositive words
[ في الفرنسية] Mots appositifs

وهو بالفارسية: پس رو. وعند النحاة هو الثاني بإعراب سابقه من جهة واحدة، والسابق يسمّى متبوعا. فقولهم الثاني جنس يشمل التابع وغيره كخبر المبتدأ وخبر كان وإنّ ونحو ذلك.
وقولهم بإعراب سابقه أي متلبّس بإعراب سابقه يخرج ما يكون ثانيا، لكن لا بإعراب سابقه كخبر كان ونحوه، ولا يرد خروج التابع الثالث فصاعدا عن التعريف لأنّ المراد بالثاني المتأخّر؛ ولذا لم يقل بإعراب أوّله أو المراد الثاني في الرتبة. والإعراب أعمّ من أن يكون لفظا أو تقديرا أو محلا حقيقة أو حكما، فلا يخرج عن التعريف نحو جاءتني هؤلاء الرجال، ويا زيد العاقل ولا رجل ظريفا. وقولهم من جهة واحدة يخرج ما يكون ثانيا معربا بإعراب سابقه لا من جهة واحدة كخبر المبتدأ، وثاني مفاعيل أعلمت وثالثها، وكذا الخبر بعد الخبر والحال بعد الحال ونحو ذلك، وذلك لأنّ المراد بكون إعراب الثاني بجهة إعراب السابق أن يكون إعرابه بمقتضى إعراب السابق من غير فرق، فلا يضر اختلافهما من جهة التّابعية والمتبوعيّة والإعراب والبناء، فالعامل في خبر المبتدأ وإن كان هو الابتداء أعني التجرّد عن العوامل اللفظية للإسناد لكن هذا المعنى من حيث إنّه يقتضي مسندا إليه صار عاملا في المبتدأ، ومن حيث إنه يقتضي مسندا صار عاملا في الخبر، فليس ارتفاعهما من جهة واحدة، وكذا ثاني مفعولي ظننت، فإنّ طننت من حيث إنّه يقتضي مظنونا فيه ومظنونا عمل في مفعوليه، فليس انتصابهما من جهة واحدة، وكذا ثاني مفعولي أعطيت فإنّ أعطيت من حيث إنّه يقتضي آخذا ومأخوذا عمل في مفعوليه، وكذا الحال بعد الحال والخبر بعد الخبر ونحو ذلك.
والحاصل أنّ المراد من جهة واحدة الانصباب المتعارف بين النحاة وهو أنّ يعرب الثاني لأجل إعراب الأول بأن ينصبّ عمل العامل المخصوص في القبيلتين انصبابة واحدة، فإنّ عمل العامل في الشيئين على ضربين: ضرب يتوقّف عقلية العامل عليهما معا على السواء كعلمت بالنسبة إلى مفعوليه وأعلمت بالنسبة إلى ثلاثة مفاعيل، ولا يسمّى مثل هذا بالانسحاب عندهم لأنّه يقتضي الثاني كما يقتضي الأول، وكذا الابتداء بالنسبة إلى المبتدأ والخبر، وكذا الحال في الأحوال المتعدّدة لأنك إن أردت الحال الثانية بالنسبة إلى الأولى فهي مثل مفعولي علمت في أنّ العامل يقتضيهما معا ولا تكون الثانية ذيل الأولى، وإن أردت بالنسبة إلى ذي الحال فحكمهما حكم الحال الأولى، وكذا الحال في الأخبار المتعدّدة والمفاعيل المتعددة. وضرب يتوقف على واحد ولا يقتضي إلّا ذلك الواحد وإنما يعمل الآخر لأنه ذيل لذلك الواحد ومتعلّق به لا أنّه يتوقف عقلية ذلك العامل عليه فإنك إذا قلت جاءني رجل عالم فاستفاد عالم الرفع بما استفاد به رجل، لكن استفادة رجل بالأصالة واستفادة عالم بالتبعية، يعني لمّا ثبت مجيء الرجل بإسناد جاء إليه ثبت مجيء العالم أيضا ضرورة أنّ ذلك الرجل عالم، والمراد هاهنا هو هذا الثاني.
وكذا يخرج نحو قرأت الكتاب جزءا وجزءا وجاء الملك صفا صفا لأنّ الثاني غير متلبس بإعراب سابقه من جهة واحدة، بل إعراب الأول والثاني إعراب واحد لتناولهما بلفظ واحد فظهر في الموضعين تحرزا عن الترجيح بلا مرجّح. هذا كله خلاصة ما في شروح الكافية.
اعلم أنّه يخرج عن هذا التعريف نحو ضرب ضرب زيد وإنّ إنّ زيدا قائم وزيد قائم زيد قائم، فإنّ كلّ واحد من ضرب الثاني وإنّ الثانية والجملة الثانية تابع وليس بإعراب سابقه.
ولا ضرر في ذلك عند من ذهب إلى أنّ التابع المصطلح هو الذي يكون تابعا لما له إعراب بوجه ما. وأمّا عند من ذهب إلى أنّ التابع المصطلح أعمّ من أن يكون تابعا لما له إعراب أولا، فلا بدّ عنده من التأويل في قولهم هو الثاني بإعراب سابقه بأن يقال المراد الثاني بإعراب سابقه على تقدير أن يكون له إعراب ولو فرضا، أو الثاني بإعراب سابقه نفيا وإثباتا على ما يستفاد من الچلپي حاشية المطول في بحث الوصل والفصل حيث قال: قيل التّابع المصطلح هو الثاني بإعراب سابقه فلا بدّ أن يكون للمتبوع إعراب لفظي أو تقديري أو محلي، فلا يشتمل للجمل التي لا محلّ لها من الإعراب. قلت المراد من قولهم هو الثاني بإعراب سابقه فيما يسابقه إعراب أو أنه بإعراب سابقه نفيا وإثباتا وإن كان خلاف الظاهر، فإنّ الحقّ أنّ كون التابع مما يتلو السابق في أحوال آخره على الأكثر، فالتقييد بذلك بناء على الغالب، صرّح به في اللّب وشرحه للسيّد، ويؤيده ما صرّح به في شرح المغني بأنّ قوله تعالى أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ بدل اصطلاحي من قوله تعالى أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ مع أنّه لا محلّ لها من الإعراب انتهى.

ثم اعلم أنّ أقسام التوابع خمسة: النعت وعطف البيان والــتأكيد والبدل وعطف النسق، ويجيء تفاسيرها في مواضعها. وعند اجتماع تلك الأقسام في محلّ ترتب تلك التوابع بهذا الترتيب المذكور يعني يذكر الصفة أولا ثم عطف البيان ثم الــتأكيد ثم البدل ثم عطف النسق.
والــتأكيد يجري في جميع أنواع الكلمة من الاسم والفعل والحرف بل في الجملة أيضا. والبدل يجري في الاسم والفعل والجملة، كذا عطف النسق، ولا يجري البيان والوصف في الجمل كما ستعرف في لفظ الجملة.
فائدة:
اعلم أنّهم اختلفوا، فذهب بعضهم إلى أنّ العامل في المعطوف والبدل مقدّر، وفي سائر التوابع العامل في التابع بحكم الانسحاب وسراية حكم المتبوع فيه. وبعضهم إلى أنّ البدل والمعطوف كسائر التوابع. والتابع عند المحدّثين يجيء في لفظ المتابعة.

التّنوين

Entries on التّنوين in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّنوين:
[في الانكليزية] Morphemes» un ،an ،in «،added at the end of the indefite noun
[ في الفرنسية] Morphemes un ،an ،in ،ajoutes a la fin du nom indefini
هو في الأصل مصدر نونته أي أدخلته نونا. وفي اصطلاح النحاة نون ساكنة تتبع حركة آخر الكلمة لا لــتأكيد الفعل. فقولهم ساكنة أي بذاتها فلا تضرّها الحركة العارضة مثل عادا الأولى وهي شاملة لنون من ولدن، فخرجت بقولهم تتبع حركة آخر الكلمة. وإنّما لم يقل تتبع الآخر لأنّ المتبادر من متابعتها الآخر لحوقها به من غير تخلّل شيء، وهاهنا الحركة متخلّلة بين آخر الكلمة والتنوين. ولم يقل آخر الاسم ليشمل تنوين الترنّم في الفعل. والقيد الأخير لإخراج نون الــتأكيد الخفيفة، كذا في الفوائد الضيائية.

وفي المغني: النون تأتي على أربعة أوجه. الأول نون الــتأكيد وهي خفيفة وثقيلة، وهما أصلان عند البصريين. وقال الكوفيون الثقيلة أصل. قال الخليل: التوكيد بالثقيلة أبلغ وتختصان بالفعل.
والثاني نون الإناث نحو يذهبن وهي اسم خلافا للمازني. والثالث نون الوقاية وتسمّى نون عماد أيضا وهي تلحق قبل ياء المتكلم المنتصبة بواحد من ثلاثة: الفعل واسم الفعل والحرف لحفظ حركة ما قبلها، ولذا سمّيت نون وقاية.
والرابع التنوين وهو نون ساكنة زائدة تلحق آخر الكلمة بغير توكيد فخرج نون حسن ونون لنسفعا وأقسامه خمسة. تنوين التمكن وهو اللاحق للاسم المعرب المنصرف إعلاما ببقائه على أصله ويسمّى تنوين الأمكنية. وتنوين الصرف أيضا كزيد ورجل. وتنوين التنكير وهو اللاحق لبعض الأسماء المبنية فرقا بين معرفتها ونكرتها كصه ومه. وتنوين المقابلة كمسلمات جعل في مقابلة لنون في مسلمين، وقيل هو عوض من الفتحة نصبا، وقيل وهو تنوين التمكن. وتنوين العوض وهو اللاحق عوضا من حرف أصلي أو زائد أو مضاف إليه مفردا وجملة كتنوين جوار عوض من الياء المحذوفة وجندل فإنه عوض من ألف جنادل، قاله ابن مالك. ونحو كل وبعض إذا قطعا عن الإضافة، ونحو يومئذ. وتنوين الترنّم وهو اللاحق للقوافي المطلقة بدلا من حروف الإطلاق وهو الألف والياء والواو.
والذي صرّح به سيبويه وغيره من المحققين أنه جيء به لقطع الترنم وهو التغني الذي يحصل بحروف الإطلاق لقبولها مدّ الصوت، فإذا أنشدوا ولم يترنّموا جاءوا بالنون في مكانها، ولا يختص هذا التنوين بالاسم. وزاد الأخفش والعروضيون تنوينا سادسا سمّوه الغالي بالغين المعجمة وهو اللاحق للقوافي المقيّدة، سمّي به لتجاوزه حدّ الوزن ويسمّي الأخفش الحركة التي قبلها غلوا، وفائدته الفرق بين الوقف والوصل.
وجعله ابن بعيش من نوع تنوين الترنّم زاعما أن الترنّم يحصل نفسها لأنها حرف أغن. وأنكر الزجاج والسيرافي ثبوت هذا التنوين البتة لأنه يكسر الوزن. واختار هذا ابن مالك. وزعم أبو الحجاج بن مغرور أنّ ظاهر كلام سيبويه في المسمّى تنوين الترنّم أنه نون عرضت من المدّة وليس بتنوين. وزعم مالك في التّحفة أنّ
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج 1 520 التنوين: ..... ص: 519

جعله ابن بعيش من نوع تنوين الترنّم زاعما أن الترنّم يحصل نفسها لأنها حرف أغن. وأنكر الزجاج والسيرافي ثبوت هذا التنوين البتة لأنه يكسر الوزن. واختار هذا ابن مالك. وزعم أبو الحجاج بن مغرور أنّ ظاهر كلام سيبويه في المسمّى تنوين الترنّم أنه نون عرضت من المدّة وليس بتنوين. وزعم مالك في التّحفة أنّ تسمية اللاحق للقوافي المطلقة والمقيدة تنوينا مجاز وإنّما هو نون أخرى زائدة، ولهذا لا يختص بالاسم ويجامع الألف واللام ويثبت في الوقف. وزاد بعضهم سابعا وهو تنوين الضرورة وهو اللاحق لما لا ينصرف والمنادى المضموم.
وثامنا هو التنوين الشاذ وفائدته مجرد تكثير اللفظ. وذكر ابن الخبّاز في شرح الجزولية أن أقسام التنوين عشرة وجعل كلا من تنوين المنادي وتنوين صرف ما لا ينصرف قسما برأسه. والعاشر تنوين الحكاية مثل ان تسمّي رجلا لعاقلة لبيبة انتهى.
والنون عند الصوفية عبارة عن انتقاش صور المخلوقات بأحوالها وأوصافها كما هي عليه جملة واحدة. وذلك الانتقاش هو عبارة عن كلمة الله لها كن، فهي تكون على حسب ما جرى به القدر في اللوح المحفوظ الذي هو مظهر لكلمة الحضرة، لأنّ كل ما يصدر من لفظ كن فهو تحت حيطة اللوح المحفوظ، فلذا قلنا إنّ النون مظهر لكلام الله تعالى وكناية عن اللوح المحفوظ، فهو كتاب الله أيضا، والتوضيح في الإنسان الكامل في باب الصفة.

ويقول في لطائف اللغات: النون في اصطلاح الصوفية عبارة عن العلم الإجمالي للحضرة الأحديّة. وهي عند بعضهم كناية عن العقل الكلّي، وعند صاحب الفتوحات المكية (ابن عربي) فهي عبارة عن العرش العظيم، وعند فريق آخر كناية عن بحر النور. ومرجع الجميع واحد. ويقول في كشف اللغات: النون في اصطلاح المتصوفة اسم من أسماء الله تعالى وهو تجلّي الحقّ بالاسم الظاهر في كلّ مجمع الأكوان.

الحشو

Entries on الحشو in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الحشو:
[في الانكليزية] Pleonasm ،verbiage
[ في الفرنسية] Pleonasme ،verbiage
بالفتح وسكون الشين المعجمة في اللغة بمعنى كلمات في وسط الكلام زائدة، والجمال الصغيرة والناس اللئام كما في كنز اللغات.
وعند النحاة هو الصلة في اللباب القضية التي بها يتمّ الموصول تسمّى صلة وحشوا. وعند أهل العروض والشعراء هو الركن الأوسط من المصراع كما في رسالة قطب الدين السرخسي وعروض سيفي. وعند أهل المعاني هو أن يكون اللفظ زائدا لا لفائدة بحيث يكون الزائد متعينا. فبقيد لا لفائدة خرج الإطناب وبقيد التعيّن خرج التطويل الذي سمّاه صاحب جامع الصنائع بالحشو القبيح، وهو قسمان: لأنّ ذلك الزائد إمّا أن يكون مفسدا للمعنى أو لا يكون. فالحشو المفسد كلفظ الندى في بيت أبي الطيب:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى وصبر الفتى لولا لقاء شعوب أي المنية يعني لا فضيلة في الدنيا للشجاعة والعطاء والصبر على الشدائد على تقدير عدم الموت، وهذا يصح في الشجاعة والصبر دون العطاء فإنّ الشجاع إذا تيقّن بالخلود هان عليه الاقتحام في الحروب لعدم خوف الهلاك، وكذا الصابر إذا تيقّن بالدوام وبزوال الحوادث والشدائد هان عليه الصبر على المكروه لوثوقه بالخلاص عليه بخلاف العطاء، فإنّ الخلود يزيد في الحاجة إلى المال فيزيد فضل العطاء مع الخلود.
أقول قوله والندى ليس بحشو كما زعموا لأنّ المال مخلوق لوقاية النفس عن الهلاك لأنّه يتوسّل به إلى دفع الجوع الذي يفضي إلى الهلاك لأنّ البدن بسبب اشتعال الحرارة الغريزية يتحلّل ويتجفّف، فلو لم يصل إليه بدل ما يتحلل من المأكولات والمشروبات يشرف على الهلاك بل يهلك. وأيضا يتشبّث بالمال إلى رفع الأمراض التي توصل إلى الإفناء لو لم يصل إليه الدواء، فلا جرم أنّ المال وسيلة البقاء، فإذا علم الجواد أنّه يحتاج إلى المال في الحال وفي المآل، ومع هذا يجود به على الأغيار كان في غاية الفضل كما مدح الله تعالى الذين يبذلون أموالهم مع احتياجهم إليها بقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ فلو لم يكن الموت والرّدى لم يكن فضل للجود والندى. والحشو الغير المفسد للمعنى كلفظ قبله في قول زهير بن أبي سلمى:
فأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي فقوله قبله صفة الأمس بتقدير الكائن قبله وهو الوصف للــتأكيد وهو حشو إذ لا فائدة في الــتأكيد فيه، بخلاف أبصرته بعيني وسمعته بأذني وضربته بيدي فإنّه يدفع التجوّز بالإبصار والسّماع عن العلم بلا شبهة، وبالضرب عن الأمر به، فهذه إنّما تقال في مقام افتقر إلى الــتأكيد. ومثل هذا وقع في التنزيل نحو فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ونحو يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ونحو وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ هذا كله خلاصة ما في المطول والأطول.

ويقول في مجمع الصنائع: واعتراض الكلام قبل تمامه يسمّى حشوا. وذلك يكون بأن يأتي الشاعر ببيت من الشّعر فيبدأ بمعنى، ثم قبل الانتهاء منه يضع كلاما يمكن اعتباره زائدا يتمّ المعنى بدونه، ثم يكمل مقصوده. وهذا النوع من الحشو يقسم إلى ثلاثة أقسام: 1 - حشو قبيح: هو ما كان في أثناء الكلام ولا يعطي فائدة تذكر، وقد يذهب بسلاسة الشعر نفسه كما في كلمة فرق مع وجود كلمة سر (رأس) (ومعناهما واحد) في هذا البيت:
أيّها الساقي هات الخمر فإنّ رأسي ومفرقي بسبب الحاجة للخمر يؤلماني 2 - حشو متوسط: وهو إيراد كلام معترض في الجملة وهو إن كان زائدا إلّا أنه لا يذهب بسلاسة الشعر. كما في قوله: أي آفتاب مرتبه في هذا البيت: في مقابل رأيك المنير: فإنّ نور الشمس (يا من أنت بدرجة الشمس) نور مستعار 3 - والحشو المليح: وهو الذي يزيد الكلام حسنا وملاحة. وهذا القسم يكون أكثره في الدّعاء ومثاله: إنّ سيفك (جعل الله غمده صدر عدوك) في يدك كما ذو الفقار في يد عليّ بن أبي طالب أسد الله الغالب. فجملة (باد سينه خصمت نيام أو) ومعناها: (جعل صدر خصمك غمده) حشو مليح. ويقال لهذا القسم حشو اللوزينج وهي معرب لوزينه. (وهي الحلوى المصنوعة باللوز المحشي كالبقلاوة). انتهى.

والظاهر: هو أنّ ما ذكره في مجمع الصنائع هو خاص بشعراء الفرس وذلك لأنّ العرب يرون الحشو دائما بدون فائدة ولا يفيد أبدا.

الصّلة

Entries on الصّلة in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الصّلة:
[في الانكليزية] Relation ،contact ،conjuction
[ في الفرنسية] Relation ،rapport ،conjonction

بكسر الصّاد في اللغة الفارسية بمعنى:
الاتصال، والوصل، والقرابة، والهدية، والعطية، والأجرة، كما في الصراح وكنز اللغات. وفي الكفاية حاشية الهداية في باب الحج عن الغير:
الصلة عبارة عن أداء مال ليس بمقابلة عوض مالي كالزكاة وغيرها من النّذور والكفّارات.
وعند أهل العربية تطلق على حرف زائد في الأطول في باب الإسناد الخبري في شرح قول التلخيص التلخيص استغنى عن مؤكّدات الحكم وحروف الصلة أعني الزوائد. قال الچلپي في حاشية المطول: هناك اصطلح النحاة على تسمية حروف معدودة مقرّرة فيما بينهم مثل إن وأن والباء في مثل كفى بالله شهيدا ونظائرها بحروف الصّلة لإفادتها تأكيد الاتصال الثابت، وبحروف الزيادة لأنّها لا تغيّر أصل المعنى بل لا يزيد بسببها إلّا تأكيد المعنى الثابت وتقويته فكأنّها لم تفد شيئا. ولمّا لم يلزم الاطّراد في وجه التسمية لم يتّجه اعتراض الرضي أنّه يلزم أن يعدّوا على هذا أنّ ولام الابتداء وألفاظ الــتأكيد أسماء كانت أو لا زوائد، انتهى كلامه. وعلى هذا المعنى يقول أهل اللغة الباء هاهنا صلة زائدة، وتطلق أيضا على حرف جرّ يتعدّى به الفعل وما أشبهه. فمعنى الفعل الذي يحتاج إلى الصلة لا يتمّ بدونها. ولهذا قيل في في قولنا دخلت في الدار صلة لدخلت كما أنّ عن صلة لضدّه أعني خرجت، فيكون في الدار مفعولا به لا مفعولا فيه. هكذا يستفاد من الفوائد الضيائية وحاشيته لمولانا عبد الغفور في بحث المفعول فيه.
وتطلق الصلة أيضا على جملة خبرية أو ما في معناها متصلة باسم لا يتمّ ذلك الاسم جزءا إلّا مع هذه الجملة المشتملة على ضمير عائد إليه، أي إلى ذلك الاسم، ويسمّى حشوا أيضا، وذلك الاسم يسمّى موصولا. فقولنا جزءا تمييز أي متصلة باسم لا يتمّ من حيث جزئيته أي لا يكون جزءا تاما من المركّب. والمراد بالجزء التام ما لا يحتاج في كونه جزءا أوليا ينحلّ إليه المركّب أولا إلى انضمام أمر آخر معه كالمبتدإ والخبر والفاعل والمفعول وغيرها. وإنّما نفي كونه جزءا تاما لا جزءا مطلقا لأنّه إذا كان مجموع الموصول والصلة جزءا من المركّب يكون الموصول وحده أيضا جزءا، لكن لا جزءا تاما أوليا.
قيل هذا إنّما يتمّ لو كان المبتدأ والخبر والمفعول مجموع الصّلة والموصول وليس كذلك، بل هو الموصول والصّلة تفسير مزيل لإبهامه ولا نصيب له من إعراب الموصول، فالأولى أن يقال يتمّ من الأفعال الناقصة وجزءا خبره ومعناه، لا يكون ذلك الاسم جزءا من المركب إلّا مع هذه الجملة. وإنّما قيل من المركّب لأنّه لو قيل من الكلام لم يشتمل الفضلة لأنّ الفضلة ليست جزءا من الكلام. نعم إنّه جزء من المركّب. لا يقال تعريف الصلة يصدق على الجملة الشرطية المتصلة بأسماء الشرط نحو من تضربه أضربه، لأنّا نقول من في قولنا من تضرب أضرب مفعول تضرب، فهو جزء بدون جملة. وقولنا على ضمير الخ يخرج مثل إذ وحيث إذ هما لا يقعان جزءا من التركيب إلّا مع جملة خبرية مضافة إليهما، لكن لا تشتمل تلك الجملة على الضمير العائد إليهما. مثال الجملة الخبرية قولنا الذي ضربته زيد. ومثال ما في معناها كاسم الفاعل واسم المفعول قولنا: الضارب زيدا عمرو والمضروب لزيد عمرو. وهذا التعريف أولى مما قيل الصّلة جملة مذكورة بعد الموصول مشتملة على ضمير عائد إليه، لأخذ الموصول في التعريف فيلزم الدور، ولأنّه لم يقيّد فيه الجملة بالخبرية فيشتمل الإنشائية، ولأنّه لا يشتمل ما في معناها. هذا خلاصة ما في شروح الكافية.
وهذا الموصول هو الموصول الاسمي وعرّف بأنّه اسم لا يتمّ جزءا إلّا مع صلة وعائد. وأمّا الموصول الحرفي فقد عرّف بما أوّل مع ما يليه من الجمل بمصدر كأن الناصبة وما المصدرية، فخرج نحو صه ومه على قول من يؤوّله بمصدر، والفعل الذي أضيف إليه الظرف نحو يوم ينفع الصادقين، لأنّ ذلك مؤول بالمصدر بنفسه لا مع ما يليه، وهذا الموصول لا يحتاج إلى العائد بل لا يجوز أن يعود إليه شيء، ولا يلزم أن تكون صلته جملة خبرية في قول سيبويه وأبي علي، ويلزم ذلك عند غيرهما كما في الموصول الاسمي. ثم الموصول مطلقا لا يتقدّم عليه صلته لا كلّا ولا بعضا لأنّهما كجزئي الاسم ثبت لأحدهما التقدّم لأنّ الصلة لكونها مبنية للموصول يجب تأخيرها عنه، فهما كشيء واحد مرتّب الأجزاء، كذا ذكر مولا زاده في حاشية المختصر.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.