Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: بدل

الْعَكْس المستوي

Entries on الْعَكْس المستوي in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْعَكْس المستوي: وَيُقَال لَهُ الْعَكْس الْمُسْتَقيم: أَيْضا وَهُوَ تَبْدِيل طرفِي الْقَضِيَّة ملفوظة كَانَت أَو معقولة مَعَ بَقَاء الصدْق والكيف وَإِنَّمَا سمي بهما لحُصُول الاسْتقَامَة والمساواة بَين الْقَضِيَّة وعكسها فِي الصدْق والكيف وكما أَن الْعَكْس المستوي والمستقيم يُطلق على الْمَعْنى المصدري الْمَذْكُور وَهُوَ التبديل المسطور كَذَلِك يُطلق على الْقَضِيَّة الْحَاصِلَة بالتبديل مجَازًا من قبيل إِطْلَاق الْخلق على الْمَخْلُوق أَي تَسْمِيَة الْمُتَعَلّق بِالْفَتْح باسم الْمُتَعَلّق بِالْكَسْرِ فَيعرف بِأَنَّهُ أخص قَضِيَّة لَازِمَة للقضية بطرِيق التبديل مُوَافقَة لَهَا فِي الكيف والصدق فَلَا بُد فِي إِثْبَات الْعَكْس من أَمريْن: أَحدهمَا أَن هَذِه الْقَضِيَّة لَازِمَة للْأَصْل وَذَلِكَ بالبرهان المنطبق على الْموَاد كلهَا، وَالثَّانِي أَن مَا هُوَ أخص من تِلْكَ الْقَضِيَّة لَيست لَازِمَة لذَلِك الأَصْل فَيظْهر ذَلِك بالتخلف فِي بعض الصُّور صرح بِهَذَا السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي حَوَاشِيه على شرح الشمسية وَمعنى بَقَاء الصدْق أَنه لَو فرض الأَصْل صَادِقا يجب صدق الْعَكْس مَعَه. وَحَاصِله لُزُوم الْعَكْس للْأَصْل وَمن ثمَّ يجوز أَن يكون الْعَكْس عَاما فَإِن قيل قَوْلنَا لَا شَيْء من الْجِسْم بممتد فِي الْجِهَات إِلَى غير النِّهَايَة صَادِق مَعَ أَن عَكسه وَهُوَ لَا شَيْء من الممتد فِيهَا بجسم كَاذِب فَعلم من هَا هُنَا أَن كَون الْعَكْس لَازِما للْأَصْل غير مُسلم. وَأَيْضًا كُلية قَوْلهم السالبة الْكُلية تنعكس كنفسها منقوضة بالخلف فِي القَوْل الْمَذْكُور قُلْنَا إِن قَوْلكُم لَا شَيْء من الْجِسْم بممتد فِي الْجِهَات إِلَى غير النِّهَايَة لَا يَخْلُو من أَن يكون قَضِيَّة خارجية أَو حَقِيقَة فَإِن أَخَذْتُم الْقَضِيَّة خارجية فعكسه صَادِق لِأَن السالبة تصدق عِنْد انْتِفَاء الْمَوْضُوع وَعَدَمه وموضوع الْعَكْس أَعنِي الممتد فِي الْجِهَات الثَّلَاث إِلَى غير النِّهَايَة مَعْدُوم مُنْتَفٍ لبُطْلَان لَا تناهي الأبعاد بالبراهين الْمَذْكُورَة فِي الْحِكْمَة. وَإِن أخذتموها حَقِيقِيَّة فَنَقُول صدقهَا مَمْنُوع لِأَن كل ممتد فِي الْجِهَات لَا إِلَى نِهَايَة جسم وَيجوز أَن يكون الْأَجْسَام المعدومة فِي الْخَارِج كَذَلِك. فَإِن الْبُرْهَان مَا دلّ إِلَّا على تناهي الْأَجْسَام الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج. وَأما على تناهي الْأَجْسَام الْمقدرَة فَلَا فَإِن قيل إِن قَوْلهم الْمُوجبَة مُطلقًا تنعكس جزئية بَاطِل لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لانعكس قَوْلنَا كل شيخ كَانَ شَابًّا إِلَى قَوْلنَا بعض الشَّاب كَانَ شَيخا وَهُوَ كَاذِب مَعَ صدق الأَصْل إِذْ كلمة كَانَ للزمان الْمَاضِي فَهِيَ تَقْتَضِي سبق زمَان الشيخوخة فِي الْبَعْض على زمَان شبابه وَلَيْسَ كَذَلِك قُلْنَا إِن قَوْلكُم الْمَذْكُور ينعكس إِلَى قَوْلنَا بعض من كَانَ شَابًّا شيخ لَا إِلَى مَا ذكرْتُمْ حَتَّى يرد الْمَنْع.
وَحَاصِل الْجَواب أَن الناقض وَقع فِي الْغَلَط لِأَن كلمة كَانَ فِي القَوْل الْمَذْكُور دَاخل فِي الْمَحْمُول وَهُوَ ظن أَنَّهَا رابطة وَقس عَلَيْهِ كل مَا كَانَ النِّسْبَة فِيهِ مَحْمُولا حَتَّى لَا يرد أَن كل ملك على سَرِير وكل وتد فِي الْحَائِط وكل مَاض كَانَ مُسْتَقْبلا صَادِقَة وَلَا تصدق عكوسها أَعنِي بعض السرير على ملك وَبَعض الْحَائِط فِي الوتد وَبَعض من فِي الْمُسْتَقْبل كَانَ مَاضِيا. فَإنَّك إِذا لاحظت أَن النِّسْبَة فِيهَا دَاخِلَة فِي الْمَحْمُول انْكَشَفَ لَك أَن عكوسها بعض من على السرير ملك وَبَعض مَا فِي الْحَائِط وتد وَبَعض مَا كَانَ مُسْتَقْبلا مَاض فَإِن قيل قَوْلنَا بعض النَّوْع إِنْسَان صَادِق مَعَ كذب عَكسه وَهُوَ بعض الْإِنْسَان نوع فَقَوْلهم الْمُوجبَة مُطلقًا أَي كُلية أَو جزئية تنعكس جزئية مَمْنُوع قُلْنَا قَوْلكُم بعض النَّوْع إِنْسَان كَاذِب فَلَا بُد وَأَن يكون عَكسه كَاذِبًا الْبَتَّةَ فَإِن قيل لم كَانَ القَوْل الْمَذْكُور كَاذِبًا قُلْنَا الدَّلِيل على كذبه صدق نقيضه أَعنِي لَا شَيْء من النَّوْع بِإِنْسَان فَإِن قيل لم كَانَ نقيضه الْمَذْكُور صَادِقا قُلْنَا لصدق لَا شي من الْإِنْسَان بِنَوْع وَهُوَ ينعكس إِلَى لَا شَيْء من النَّوْع بِإِنْسَان فَيكون هَذَا الْعَكْس صَادِقا أَيْضا.
وَلَا ريب فِي أَن هَذَا الْعَكْس نقيض ذَلِك القَوْل أَعنِي بعض النَّوْع إِنْسَان فَيكون كَاذِبًا لِأَن صدق قَضِيَّة يسْتَلْزم كذب نقيضه - فَإِن قيل إِن القَوْل الْمَذْكُور يترا أَي أَن يكون صَادِقا إِذْ الْأَنْوَاع كَثِيرَة وَالْإِنْسَان بعض مِنْهَا فَيَنْبَغِي أَن يصدق بعض النَّوْع إِنْسَان أَي مَفْهُوم الْإِنْسَان نوع من الْأَنْوَاع قُلْنَا السِّرّ فِي كذبه أَن الْحمل فِيهِ حمل مُتَعَارَف وَهُوَ يُفِيد أَن الْمَوْضُوع من أَفْرَاد الْمَحْمُول أَو مَا هُوَ فَرد لأَحَدهمَا فَرد لآخر كَمَا حققناه فِي الْحمل. وَلَا شكّ أَن بعض النَّوْع لَيْسَ من أَفْرَاد الْإِنْسَان حَتَّى يَصح بعض النَّوْع إِنْسَان - نعم مَفْهُوم الْإِنْسَان نوع من الْأَنْوَاع لأفراده فضلا عَن إِفْرَاده فَثَبت من هَا هُنَا أَن قَوْلنَا لَا شَيْء من الْإِنْسَان بِنَوْع صَادِق فَكَذَا عَكسه فَيكون نقيضه وَهُوَ بعض النَّوْع إنْسَانا كَاذِبًا وَهَذَا مُرَاد مَا ذكره قَاضِي محب الله فِي سلم الْعُلُوم بقوله والسر فِيهِ أَن الْمُعْتَبر فِي الْحمل الْمُتَعَارف صدق مَفْهُوم الْمَحْمُول لَا نفس مَفْهُومه.
وَاعْلَم أَن السالبة الدائمة تنعكس كنفسها وَاعْترض عَلَيْهِ الإِمَام فِي الملخص أَن السالبة الدائمة لَا تنعكس كنفسها محتجا عَلَيْهِ بِأَن الْكِتَابَة غير ضَرُورِيَّة للْإنْسَان فِي وَقت مَا لصدق قَوْلنَا لَا شي من الْإِنْسَان بكاتب بالإمكان فِي وَقت وكل مَا هُوَ مُمكن فِي وَقت يكون مُمكنا فِي كل وَقت وَإِلَّا لزم الانقلاب من الْإِمْكَان إِلَى الِامْتِنَاع الذاتي فَإِن سلب الْكِتَابَة عَن الْإِنْسَان مُمكن فِي جَمِيع الْأَوْقَات والممكن لَا يلْزم من فرض وُقُوعه محَال فليفرض وُقُوعه حَتَّى يصدق لَا شَيْء من الْإِنْسَان بكاتب دَائِما فَلَو انعكست السالبة الدائمة لزم صدق لَا شَيْء من الْكَاتِب بِإِنْسَان دَائِما وَهُوَ محَال وَهَذَا الْمحَال لم يلْزم من فرض وُقُوع الْمُمكن فَهُوَ من الانعكاس فَيكون محالا وَالْجَوَاب أَن قَوْلكُم لَا شَيْء من الْإِنْسَان بكاتب دَائِما كَاذِب لِأَنَّهُ لَا يلْزم من دوَام إِمْكَان سلب الْكِتَابَة عَن أَفْرَاد الْإِنْسَان إِمْكَان دَوَامه حَتَّى يكون صَادِقا فَهُوَ كَاذِب مَعَ عَكسه فَإِن قيل لم لَا يلْزم من دوَام إِمْكَان الشَّيْء إِمْكَان دَوَامه قُلْنَا إِن بَينهمَا فرقا بَينا وَالْأول لَا يسْتَلْزم الثَّانِي فَإنَّا إِذا قُلْنَا إِمْكَانه دَائِم الَّذِي مضمونه دوَام الْإِمْكَان كَانَ الدَّوَام ظرفا لإمكانه فَيلْزم أَن يكون متصفا بالإمكان غير منفك عَنهُ الاتصاف بِهِ وقتا من الْأَوْقَات كَمَا هُوَ مُقْتَضى مَاهِيَّة الْمُمكن، وَإِذا قُلْنَا دَوَامه مُمكن الَّذِي مضمونه إِمْكَان الدَّوَام كَانَ الدَّوَام ظرفا لوُجُوده على معنى أَن وجوده الدَّائِم الَّذِي هُوَ غير منفك عَنهُ وقتا من الْأَوْقَات مُمكن وَمن الْمَعْلُوم أَن الأول لَا يسْتَلْزم الثَّانِي لجَوَاز أَن يكون وجود الشَّيْء فِي الْجُمْلَة مُمكنا مستمرا دَائِما وَلَا يكون وجوده على وَجه الِاسْتِمْرَار والدوام مُمكنا بل مُمْتَنعا أَلا ترى أَن الْأُمُور الْغَيْر القارة كالزمان وَالْحَرَكَة إمكانها دَائِم ودوامها غير مُمكن لاقْتِضَاء ماهيتها التقضي وَعدم الِاجْتِمَاع وَقس عَلَيْهِ أزلية الْإِمْكَان وَإِمْكَان الأزلية فَإِن الأول غير الثَّانِي وَغير مُسْتَلْزم لَهُ وَالْحَاصِل أَن دوَام الْإِمْكَان لَازم لمفاد الممكنة الْعَامَّة وَإِمْكَان الدَّوَام لمفاد الدائمة الْمُطلقَة - وَقَالَ شَارِح التَّجْرِيد أَن القَوْل بِعَدَمِ التلازم حق لَا شُبْهَة فِيهِ مَشْهُور فِيمَا بَين الْقَوْم وَمَا قيل إِن إِمْكَانه إِذا كَانَ مستمرا أزلا لم يكن هُوَ فِي ذَاته مَانِعا من قبُول الْوُجُود فِي شَيْء من أَجزَاء الْأَزَل فَيكون عدم مَنعه فِيهِ أمرا مستمرا فِي جَمِيع الْأَجْزَاء فَإِذا نظر إِلَى ذَاته من حَيْثُ هُوَ لم يمْنَع من اتصافه بالوجود فِي شَيْء مِنْهَا بل جَازَ اتصافه بِهِ فِي كل مِنْهَا لَا بَدَلــا فَقَط بل ومعا أَيْضا وَجَوَاز الاتصاف بِهِ فِي كل مِنْهَا مَعًا هُوَ إِمْكَان اتصافه بالوجود المستمر فِي جَمِيع الْأَزَل بِالنّظرِ إِلَى ذَاته فأزلية الْإِمْكَان مستلزمة لِإِمْكَان الأزلية فمدفوع بِأَن قَوْله لَا بَدَلــا فَقَط بل ومعا أَيْضا مَمْنُوع كَمَا زعم شَارِح الْمطَالع وَالسَّيِّد السَّنَد قدس سره حَيْثُ قَالَا بِأَنَّهُمَا متلازمان. وَثَانِيها:

التّخصيص

Entries on التّخصيص in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّخصيص:
[في الانكليزية] P articularization
[ في الفرنسية] P articularisation
هو في اللغة تمييز بعض الجملة بحكم.
ولذا يقال خصّ فلان بكذا كذا في كشف البزدوي. وفي عرف النحاة تقليل الاشتراك الحاصل في النكرات، وتقليل الاشتراك الحاصل في المعارف عندهم لا يسمّى توضيحا، بل التوضيح عندهم رفع الاحتمال الحاصل في المعرفة وهذا هو المراد بالتخصيص والتوضيح في قولهم: الوصف قد يكون للتخصيص وقد يكون للتوضيح. وقد يطلق التخصيص على ما يعمّ تقليل الاشتراك ورفع الاحتمال، وتحقيق ذلك أنّ الوصف في النكرات إنما يقلّل الاحتمال والاشتراك، وفي المعارف يرفعه بالكلية، فإنّ رجلا في قولك رجل عالم كان يحتمل على سبيل الــبدلــية جميع أفراده، وبذكر العالم قد زال الاحتمال حيث علم أن ليس المراد غير العالم، وبقي الاحتمال بالنسبة إلى أفراد العالم. وأما زيد في قولك زيد التاجر عند اشتراكه بين التاجر وغيره فكان محتملا لهما، وبذكر الوصف ارتفع ذلك الاحتمال بالكليّة.
لا يقال قد يرتفع الاحتمال بذكر الوصف في النكرات كما إذا لم يكن الموصوف إلّا واحدا، وقد لا يرتفع في المعارف كما إذا كان الموصوف بالتجارة من المسمين بزيد متعددا، لأنّا نقول مفهوم النكرة الموصوفة كلّي وإن كان منحصرا في فرد بحسب الواقع فلم يرتفع الاحتمال بالكليّة نظرا إلى المفهوم، وعند كون الموصوف بالتجارة من المسمين بزيد متعددا يجب ذكر الصفة الرافعة للاحتمال لأنه إنما يستعمل في واحد منهم بعينه وذكر الوصف لدفع مزاحمة الغير ليتعين المراد، فيجب ذكر ما يعين المراد بخلاف النكرة فإنها تستعمل في مفهومها الكلّي. ولذا تكون حقيقة وإن قيّدت بوصف لا توجد إلّا في واحد. ثم كون الوصف رافعا للاحتمال في سائر المعارف محلّ تردّد.
اعلم أنّ الاشتراك والاحتمال إمّا معنوي أي ناشئ من المعنى كما في النكرات وإما لفظي أي ناشئ من اللفظ، سواء كان بحسب الأوضاع المتعدّدة كما في المشترك اللفظي بالقياس إلى أفراد معنى واحد فهو ناشئ من المعنى من قبيل الاشتراك المعنوي، أو بحسب وضع واحد كما في سائر المعارف. فإنّ المعرّف بلام العهد الخارجي مثلا كالرجل يصلح أن يطلق على خصوصية كلّ فرد من المفهومات الخارجية إمّا لأنه موضوع بإزاء تلك الخصوصيات وضعا عاما وإمّا لأنه موضوع لمعنى كلّي ليستعمل في جزئياته لا فيه. وأيّا ما كان فالاحتمال ناشئ من اللفظ فقال السيّد السّند: الظاهر أنهم أرادوا الاشتراك المعنوي، لأنّ التقليل إنّما يتصور فيه بلا تمحّل كما في رجل عالم فلا تكون جارية في قولنا عين جارية صفة مخصصة، وقد يتمحّل فيحمل الاشتراك على ما هو أعمّ من المعنوي واللفظي وتجعل جارية صفة مخصصة لأنها قللت الاشتراك بأن رفعت مقتضى الاشتراك اللفظي وهو احتمال العين لمعانيه [وعينت معنى واحدا] فلم يبق في عين جارية إلّا الاشتراك المعنوي بين أفراد ذلك المعنى. وصاحب الأطول قال: الظاهر أنّ التخصيص محمول على إزالة الاشتراك لفظيا كان أو معنويا إمّا في الجملة أو بالكلية، إلّا أنه فسّر بتقليل الاشتراك لأنه الغالب في التخصيص، وقلّما يبلغ مرتبة الإزالة بالكليّة.
فإن قلت الرجل العالم خير من الجاهل في صورة الاستغراق لا يتصور أن يكون لتقليل الاحتمال، إذ لا احتمال للمستغرق بل لتقليل الشمول، فهل يجعل تقليل الشمول من التخصيص؟ قلت: قرينة الاستغراق تقوم بعد الوصف فالوصف لتقليل الاحتمال والقرينة لتعمّم ما رفع فيه بعض الاحتمال، فيكون الوصف فيه مخصصا. فإن قلت لا يتمّ ذلك في كلّ رجل عالم، قلت: دخل الكلّ على الموصوف، ولذا لا يمكن وصف الكلّ بل يجب إجراء الوصف على المضاف إليه ولو جعل تقليل الاشتراك عبارة عن رفع الاحتمال أو إزالة بعض الشمول لأنّ مقتضى الاشتراك قد يكون الشمول وإن كان الأكثر الاحتمال لهان الأمر انتهى.
وفي عرف أهل المعاني هو القصر وسيجيء. وفي عرف الأصوليين يطلق على معان. منها قصر العام على بعض مسمياته، وهذا مصطلح الشافعية والمالكية. فقيل المراد بالمسميات أجزاء المسمّى للقطع بأنّ الآحاد كزيد وعمرو مثلا ليس من أفراد مسمّى الرجال إذ مسمّاه ما فوق الاثنين من هذا الجنس، لكنّ التحقيق على ما يجيء في لفظ العام أنها الآحاد التي دلّ العام عليها باعتبار أمر اشتركت فيه، وهو معنى مسميات العام لا أفراد مدلوله.
ولولا أنهم جوّزوا التخصيص بمثل الاستثناء إلى الواحد لجاز جعل مسمّيات صيغة الجمع هي الجماعات لا الآحاد، فيتناول التعريف ما اريد به جميع المسميات أولا ثم أخرج بعض كما في الاستثناء، وما لم يرد به إلّا بعض مسمياته ابتداء كما في غيره. فالمراد بالكافرين في مثل اقتلوا الكافرين إلّا أهل الذمّة، جميع الكفار ليصحّ إخراج أهل الذمّة، فيتعلق الحكم، فيكون القصر على البعض باعتبار الحكم فقط. وفي مثل اقتلوا الكافرين ولا تقتلوا أهل الذمّة يتبيّن أنّ المراد بالكافرين غير أهل الذمّة خاصّة، فيكون القصر على البعض باعتبار الدلالة والحكم جميعا، ويكون معنى القصر في الأول أنّ اللفظ الذي يتناول جميع المسمّيات قد اقتصر الحكم على بعضها، وفي الثاني أنّ اللفظ الذي كان يتناول في نفسه قد اقتصرت دلالتها على البعض خاصّة، وحينئذ يندفع ما يتوهّم من أنّ اللفظ إن كان على عمومه فلا قصر، وإن وجدت قرينة صارفة عنه فلا عموم ولا قصر.
وقال أبو الحسين هو إخراج بعض ما تناوله الخطاب. ويردّ عليه أنّ ما أخرج فالخطاب لم يتناوله. وأجيب بأنّ المراد ما يتناوله الخطاب بتقدير عدم المخصّص كقولهم خصص العام وهذا عام مخصّص. ولا شكّ أنّ المخصّص ليس بعام، لكن المراد به كونه عاما لولا تخصيصه، وهذا ظاهر في غير استثناء.
وأمّا في الاستثناء فاللفظ عام يتناول الجميع، وإن لم يكن الخطاب أي الحكم عاما فعبارة أبي الحسين يفتقر إلى هذا التأويل في الاستثناء وغيره، وفي الإخراج أيضا لاقتضائه سابقية الدخول. وقولنا قصر العام على بعض مسمياته إنّما يفتقر إليه في غير الاستثناء فيكون أولى.
وبعضهم لم يفرّق بين العام والخطاب فزعم أنّ عبارة أبي الحسين لا يفتقر إلى التأويل لأنّ الخطاب في نفسه متناول لذلك البعض المخرج.
وقيل هو تعريف أنّ العموم للخصوص والمراد بالتخصيص هو الاصطلاحي وبالخصوص اللغوي، كأنه قيل: التخصيص تعريف أنّ المراد باللفظ الموضوع لجميع الأفراد هو البعض منها فلا دور ولا تساوي [بين] الحدّ والمحدود في الجلاء والخفاء، باعتبار أنّ من عرف حصول الخصوص عرف تحصيل الخصوص وبالعكس لأنّ الخصوص اللغوي قد عرف والتخصيص الاصطلاحي بعد لم يعرّف.
وقيل هو بيان ما لم يرد باللفظ العام. ومنها قصر العام على بعض أفراده بكلام مستقل مقترن أي غير متراخ، وهذا مصطلح الحنفية. فبقيد الكلام خرج المخصص الغير الكلامي فإنه ليس بتخصيص اصطلاحي، نحو العقل في قوله تعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فإنّ العقل يخصص ذات الله تعالى. والحسّ في نحو قوله تعالى وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فإنّ الحسّ يخصص ما لم يكن في ملك بلقيس. والعادة في نحو لا يأكل الرأس فإنه لا يتناول رأس الطير مثلا وبقيد المستقل خرج غير المستقل وهو الكلام الذي يتعلق بصدر الكلام أي ما هو صدر ومقدّم في الاعتبار سواء كان مقدما في الذّكر أو لم يكن، فلا يردّ الشرط المقدم على الجزاء، فإنّه مؤخّر اعتبارا. وكذا لا يردّ الاستثناء المقدّم على المستثنى منه ونحو ذلك. ولا يكون تاما بنفسه حتى لو ذكر منفردا لا يفيد المعنى فإنّه ليس بتخصيص عند الحنفية، بل إن كان بإلّا وأخواتها فاستثناء، وإلّا فإن كان بأن يؤدي مؤدّاها فشرط، وإلّا فإن كان بإلى وما يفيد معناها فغاية، وإلّا فصفة أو غيرها. وبقيد المقترن خرج النسخ فإنّه إذا تراخى دليل التخصيص يسمّى نسخا لا تخصيصا. ومنها قصر العام على بعض أفراده بدلــيل مستقلّ وبهذا المعنى يطلق التخصيص أيضا عند الحنفية.
وبهذا الاعتبار يقال النسخ تخصيص، فله عندهم معنيان. ومما ينبغي أن يعلم أنّه ليس معنى القصر عند الحنفية ثبوت الحكم للبعض ونفيه عن البعض، فإنّ هذا قول بمفهوم الصفة والشرط وهو خلاف مذهبهم بل المراد من القصر أن يدلّ على الحكم في البعض ولا يدلّ في البعض الآخر لا نفيا ولا إثباتا حتى لو ثبت ثبت بدلــيل آخر، ولو انعدم انعدم بالعدم الأصلي وأنّه لا بدّ في التخصيص من معنى المعارضة، ولا يوجد ذلك في الدليل الغير المستقل فإنّ الاستثناء مثلا لبيان أنّه لم يدخل تحت الصدر، لا أنّ هناك حكمين، أحدهما معارض للآخر، كما يوجد في الدليل المستقل. ومنها قصر اللفظ على بعض مسمياته وإن لم يكن ذلك اللفظ عاما فهذا أعمّ من المعنى الأول. وهذا كما يقال للعشرة إنّه عام باعتبار تعدد آحاده مع القطع بأنّ آحاده ليست مسمياتها، وإنّما مسمياتها العشرات، فإذا قصر العشرة مثلا على خمسة بالاستثناء عنه قيل قد خصّص، وكذلك المسلمون للمعهودين نحو: جاءني مسلمون فأكرمت المسلمين إلّا زيدا فإنّهم يسمّون المسلمين عامّا والاستثناء عنه تخصيصا له.
اعلم أنّ التخصيص كما يطلق على القول كما عرفت كذلك قد يطلق تجوّزا على الفعل وكذلك النسخ، صرّح بذلك في العضدي في مباحث السنة.
تقسيم

التخصيص بالمعنى الأول:
قالوا المخصّص ينقسم إلى متّصل ومنفصل لأنّه إمّا أن لا يستقل بنفسه أو يستقل، والأول المتصل والثاني المنفصل. والمخصّص المتصل خمسة: الاستثناء والشرط والصفة والغاية وبدل البعض نحو جاءني القوم أكثرهم. والمنفصل إمّا كلام أو غيره كالعقل نحو خالق كل شيء، فإنّ العقل هو المخصّص للشيء بما سوى الله تعالى، وتخصيص الصبي والمجنون من خطابات الشرع من هذا القبيل، وكالحسّ نحو أوتيت من كل شيء، وكالعادة نحو لا نأكل رأسا فإنه يقع على ما يتعارف أكله مشويا، وكالتشكيك نحو كل مملوك لي حرّ لا يقع على المكاتب؛ فهذا أي التخصيص بالمستقل تخصيص اتفاقا بين الحنفية والشافعية والمالكية، بخلاف التخصيص بغير المستقل فإنه مختلف فيه كما عرفت. هذا كلّه هو المستفاد من كشف البزدوي والتلويح والعضدي وحاشية التفتازاني.

إزاء

Entries on إزاء in 1 Arabic dictionary by the author Muḥammad al-Fattinī, Majmaʿ Biḥār al-Anwār fī Gharāʾib al-Tanzīl wa Laṭāʾif al-Akhbār
[إزاء] نه: في قصة موسى عليه السلام أنه وقف "بإزاء" الحوض وهو مصب الدلو، وعقره مؤخره. غ: وما بينهما عضده. نه وفيه: فرفع يديه حتى "أزنا" شحمة أذنيه أي حاذتا، والإزاء المحاذاة والمقابلة، ويقال وازتا. ومنه: "فوازينا" العدو أي قابلناهم. ك ومنه: قد "أزى" بعض بني الزبير يعني في السن و"خبيب" روى بالرفع بدل من البعض، وبالجر بدل من ولد، وله أي لعبد الله تسعة بنين. باب الهمزة مع السين

التنكير والتعريف

Entries on التنكير والتعريف in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
التنكير والتعريف
وقفت طويلا عند الاسم النكرة، أتبين ما قد يدل عليه التنكير من معنى، ودرست ما ذكر العلماء من معان، قالوا إن هذا التنكير يفيدها، وبدا لى من هذا التأمل الطويل أن النكرة يراد بها، واحد من أفراد الجنس، ويؤتى بها، عند ما لا يراد تعيين هذا الفرد، كقوله سبحانه: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (القصص 20). فليس المراد هنا تعيين الرجل، ولكن يراد هنا أن يصل إلى موسى نبأ الائتمار عليه بالقتل.
والنكرة بعدئذ تفيد معناها مطلقا من كل قيد، أما ما يذكره علماء البلاغة من معان استفيدت من النكرة، فإنها لم تفدها بطبيعتها، وإنما استفادتها من المقام الذى وردت فيه، فكأنما المقام هو الذى يصف النكرة، ويحدد معناها، فكلمة حياة مثلا تدل على معناها المجرد، والمقام يهبها معنى التحقير حينا، والتعظيم حينا آخر، والنوعية من موضع ثالث، ولنقف قليلا عند بعض الآيات التى ورد فيها الاسم نكرة، نتبين مدى الجمال في وروده.
قال تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ (البقرة 96). أولا ترى أن المراد هنا بيان حرص هؤلاء الناس على مطلق حياة، وأنها غالية عندهم كل الغلو، لا يعنيهم أن تكون تلك الحياة رفيعة أو وضيعة، ولهذا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، ومن هنا جاء التنديد بهم، لأن الإنسان المثالى، لا يريد الحياة، إلا إذا كانت رفيعة صالحة.
وقال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة 179). وهنا تجد المراد كذلك مطلق حياة يستفيدها المجتمع من حكم القصاص، هى تلك التى يظفر بها من يرتدع عن القتل، ولا يقدم عليه خوفا، أن تناله يد القانون فيقتل، فهذا الحكم العادل، استزاد به المجتمع حياة بعض الأفراد الذين كانوا عرضة للقتل قصاصا.
وقال تعالى: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (آل عمران 183، 184). فالرسل منكرة لا تدل على أكثر من معنى المرسلين والكثرة إنما استفيدت من هذه الصيغة من جموع التكثير، الدالة على هذه الكثرة، أما التعظيم فلا يستفاد من التنكير، وإنما يستفاد من وصف هؤلاء الرسل، بأنهم جاءوا بالبينات، فالمقام هو الذى عظم هؤلاء الرسل، وقد تأتى الكلمة نفسها في مقام آخر، ويكون ما يحيط بها دالا على حقارتها وضعتها، مما يدل على أن التنكير في ذاته لا يؤذن بتعظيم ولا تحقير.
وقال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (البقرة 279). فكلمة حرب منكرة، لا تدل على أكثر من حقيقتها، وإذا كان ثمة تعظيم لهذه الحرب فمنشؤه وصفها بأنها من الله ورسوله، وإن حربا يثيرها الله، جديرة أن تبعث في النفس أشد ألوان الفزع والرعب.
وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة 72). فلا تحمل كلمة رضوان في الآية معنى أكثر من العطف، أما أن يدل التنكير هنا على التقليل لا تفيده النكرة وحدها، وإن كان معنى الآية يحتمل، أن قليل رضوان الله أكبر من الجنات والمساكن الطيبة، لأن النكرة تطلق على القليل والكثير فما يطلق عليه رضوان قل أو كثر، أكبر مما أثيبوا به.
ودل المقام على تعظيم الاسم المنكر، فى قوله تعالى: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (الأعراف 113). ذلك أنهم يطلبون مكافأة على عمل ضخم يقومون به، هو إبطال دعوة موسى، والإبقاء على دين فرعون، أو لا يكون ثواب ذلك عظيما يناسبه.
كما دل المقام على تعظيم الذكر، فى كل آية وردت فيها تلك الكلمة منكرة، كقوله تعالى: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا (الأعراف 63).
وقوله تعالى: وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (يوسف 104). فوصفه حينا بأنه من الله، وحينا بأنه ذكر للعالمين، وحينا بأنه مبارك، يؤذن بعظمة هذا الذكر وجلال قدره.
كما دل المقام على التقليل في قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (الجاثية 32). ألا ترى أن جحدهم للساعة، لا يؤذن إلا بظن ضئيل في وجودها يتردد في رءوسهم. وقد تكون الكلمة النكرة موحية بمعنى حقير إلى النفس، كما في قوله تعالى: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (الكهف 37). وقوله سبحانه: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (عبس 17 - 19).
ولأن النكرة لا تدل على شىء معين، كان استخدامها في بعض المقام مثيرا للشوق والرغبة في المعرفة، كما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (الصف 10). ولأنها تدل على القليل والكثير كانت بعد النفى لقصد العموم وعلى ذلك قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ (البقرة 2).
وتحدث العلماء عن تنكير السلام الصادر من الله في قوله سبحانه: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (يس 58). وقوله: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (الصافات 79). وقوله:
سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (الصافات 130). وقوله: وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (مريم 15). وقوله: قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ (هود 48). والذى أحسه فى هذا التعبير أن المقام هنا يدل على تعظيم هذا السلام الصادر منه سبحانه، والمقام ينبئ بهذا التعظيم ويشير إليه.
وتستخدم ألوان المعارف في القرآن الكريم في مواضعها الدقيقة الجديرة بها:
فيستخدم الضمير الذى يجمع بين الاختصار الشديد، والارتباط المتين، بين جمل الآية بعضها وبعض، ومن روائع استخدام ضمير المخاطب، أن يأتى به مخاطبا كل من يستطاع الخطاب معه، عند ما يكون الأمر من الوضوح بمكان، ومن ذلك قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (السجدة 12).
وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (سبأ 51). فكأن سوء حالهم من الوضوح لدرجة ظهوره لكل أحد.
وعادة القرآن في ضمائر الغيبة أنها تتفق إذا كان مرجعها واحدا، حتى لا يتشتت الذهن ولا يغمض المعنى، ولذا كانت الضمائر كلها تعود إلى موسى، فى قوله سبحانه: إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (طه 38، 39). وما بعدها. وليس من قوة النظم في شىء أن يعود بعض هذه الضمائر على موسى وبعضها الآخر على التابوت. كما تعود الضمائر كلها إلى الله في قوله تعالى:
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الفتح 9).
فإن اتحد الضميران، وكانا يعودان إلى مختلفين، كان المقام يحددهما تحديدا واضحا؛ ومن ذلك قوله سبحانه: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (الكهف 22). فضمير فيهم يرجع إلى أهل الكهف، وضمير منهم يرجع إلى ما رجع إليه ضمير سيقولون. ولكن الكثير في الاستعمال القرآنى أن يخالف بين الضمائر إذا تعدد مرجعها لسهولة التمييز كما في قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (التوبة 36).
فضمير منها وهو لاثنى عشر شهرا، أتى به مفردا، وضمير منهن وهو للأربعة، أتى به جمعا، وكلا الأمرين جائز في كليهما، ولكن سنة القرآن إذا أعاد الضمير على جمع ما لا يعقل، أعاده مفردا إذا كان لأكثر من عشرة، وجمعا إذا كان لأقل منها .
وإذا كان مرجع الضمير مفرد اللفظ جمع المعنى، راعى الأسلوب القرآنى اللفظ أولا، والمعنى ثانيا عند تعدد الضمير، وذلك أجمل في السياق من العكس، وتأمل ذلك في قوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (البقرة 8). وقوله سبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً (الأنعام 25)، فإن هذا الأسلوب حديثا عن كل فرد من أفراد هذا المجموع أولا، ثم حديثا عنه في جماعة ثانيا.
وقد لا تجد في الآية مرجعا للضمير، ولكنك تحس بوضوح معناه أيما وضوح، لدلالة المقام على هذا المرجع، ومن ذلك قوله سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (الرحمن 26)، فالضمير في عليها يعود إلى الأرض، من غير أن يجرى لها ذكر، ولكنك لا تجد حرجا ولا مشقة في إدراك معناه.
وقد يضع القرآن الاسم الظاهر موضع الضمير، لأمور تلمسها في كل مكان حدث فيه هذا الوضع، وتأمل قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت 19، 20). فوضع الله مكان ضميره لأن هذا الاسم يوحى بالجلال، المؤذن بيسر بدء الخلق عليه، وقدرته على إنشاء النشأة الآخرة.
وقوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى
الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها
(التوبة 25، 26). ففي إظهار المؤمنين بدل أن يقول ثمّ أنزل الله سكينته عليكم، إظهار لمن ثبت منهم في مظهر من يستحق اسم المؤمن الحقيقى.
وقوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (سبأ 43). فأظهر الذين كفروا بدل الإتيان بضمير يعود عليهم، لما في ذلك من إبرازهم متعنتين جاحدين، لا يرعون ما يجب أن يكون للحق، من حسن القبول والرضا به، والاطمئنان إليه، وفي ذلك تشنيع عليهم، وتصوير لمدى ضلالهم ومكابرتهم، وعلى هذا المنهج جاء قوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (ص 1 - 4). وهو بذلك يشير إلى أن هذا القول لا يكون إلا من كافر يخفى الحق ولا يقربه.
ومما استخدمه القرآن ضمير الشأن أو القصة، وهو ضمير لا مرجع له، تسمعه النفس فتتهيأ لسماع ما يأتى بعده، لأن الأسلوب العربى لا يأتى بهذا الضمير إلا في المواطن التى يكون فيها أمر مهم، تراد العناية به، فيكون هذا الضمير أداة للتنبيه، يدفع المرء إلى الإصغاء، فإذا وردت الجملة بعده استقرت في النفس واطمأن إليها الفؤاد.
واستمع إلى قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص 1). أو لا ترى الشوق يحفز السامع عند ما يصغى إلى هذا الضمير- إلى أن يدرك ما يراد به، فإذا وردت الجملة ثبتت في النفس، وقرت في القلب.
وقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج 46).
تجد للضمير هنا من الإثارة وتثبيت المعنى، ما يبين عن فضل هذا الضمير، وما يمنحه الأسلوب من قوة وحسن بيان.
ويستخدم القرآن العلم ولم يستخدم الكنية إلا في قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (المسد 1)، وفي اختيار هذه الكنية من الذم، ما ليس في الاسم، وهذا هو السر في اختيارها، وقل استخدامه كذلك للقب، ومنه استخدام إسرائيل، لقب يعقوب، ومعناه عبد الله، وقيل صفوة الله، ولم تخاطب اليهود في القرآن إلا ب «يا بنى إسرائيل» . ومنه المسيح، لقب لعيسى، قيل معناه الصديق، وقيل الذى لا يمسح ذا عاهة إلا برئ .
ويأتى اسم الإشارة للقرب في القرآن، مؤذنا بقربه، قربا لا يحول دون الانتفاع به، ومن هنا أوثر هذا النوع من أسماء الإشارة، فى قوله سبحانه: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (الإسراء 9)، أو لا ترى أن المقام هنا مقام حديث عن هاد، يقود إلى أقوم الطرق، ولأن يكون هذا الهادى قريبا أنجح لرسالته، وأقطع لعذر من ينصرف عن الاسترشاد بهديه، بينما استخدم اسم الإشارة للبعيد، مشيرا إلى القرآن نفسه عند ما تحدث عن بعده عن الريب، فكان الحديث عنه باسم الإشارة البعيد، أنسب في الدلالة على ذلك. ويستخدم اسم الإشارة للقريب تنبيها على ضعة المشار إليه، كما في قوله تعالى: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (الأنبياء 36)، وقوله سبحانه: وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (الفرقان 41)، وكأن في اسم الإشارة للقريب، ما يشير إلى أن هذا الشخص القريب منا، والذى نعلم من أموره ما نعلم، لا تقبل منه دعوى الرسالة، ولا يليق به أن يذكر آلهتنا بسوء.
ويستخدم اسم الإشارة للبعيد أحيانا ليدل على ارتفاع مكانته، وبعده عن أن يكون موضع الأمل والرجاء، كما في قوله سبحانه، على لسان امرأة العزيز: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (يوسف 32)، أو ليدل على ما يجب أن يكون عليه من بعد في المكان والمنزلة، ولعل من ذلك قوله تعالى: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران 175).
وفي اسم الإشارة لون من الإيجاز والتنبيه معا، عند ما يشير إلى موصوف بصفات عدة، فينبنى الحكم على هذه الصفات، كما في قوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (الأنفال 2 - 4).
ويأتى القرآن بالاسم الموصول، عند ما تكون صلته هى التى عليها مدار الحكم، كما في قوله سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
(النساء 122). وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (آل عمران 91).
والمجيء باسم الموصول، فضلا عما ذكرناه، يثير في النفس الشوق إلى معرفة الخبر، وقد تكون الصلة نفسها ممهدة لهذا الخبر ودالة عليه، واقرأ قوله تعالى:
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (التوبة 20 - 22). أو لا ترى في الصلة ما يوحى إليك بأنه قد أعد لهم خير عظيم، يناسب إيمانهم وهجرتهم، وجهادهم بأموالهم وأنفسهم.
ومن خصائص اسم الموصول استطاعته أن يخفى تحته اسم المذنب، وفي ذلك من الرجاء في هدايته، ما ليس في إفشاء اسمه وفضيحته، وتأمل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (الحج 8)، وقوله تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ (العنكبوت 10)، وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (لقمان 6).
ففي هذا وغيره ذم لمن يتصف بذلك، ودعوة له في صمت إلى الإقلاع والكف، ومن ذلك قوله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (البقرة 204). وجاء قوله تعالى بعده: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (البقرة 207). ليكون في مقابلته، حتى تكون الموازنة قوية جلية، تدفع إلى العمل الصالح ابتغاء مرضاة الله.
وقد يعدل القرآن عن العلم إلى الاسم الموصول، إذا كان فيه زيادة تقرير لأمر يريده القرآن، كما في قوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ (يوسف 23).
ألا ترى في ذكر اسم الموصول زيادة تقرير لعفته، فهو في بيتها، ووسائل إغرائه موفورة عندها، وهو تحت سلطانها، ولن تفهم هذه المعانى إذا جاء باسمها.
ويستخدم اسم الموصول كذلك، لإظهار أن الأمر لا يستطاع تحديده بوصف، مهما بولغ فيه، تلمس ذلك في قوله تعالى: قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (الشعراء 18، 19). وقوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (طه 78). وفي ذلك ترك للخيال يسبح ليكمل الصورة ويرسمها.
ويستخدم القرآن التعريف بأل، فتكون للعهد حينا، وللجنس حينا آخر، ومن أجمل مواقعها فيه أن تستخدم لاستغراق خصائص الجنس، كما في قوله تعالى:
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة 2). فكأنه قال ذلك هو الكتاب المستكمل لخصائص جنسه، فهو الكتاب الكامل.
وتأتى الإضافة في القرآن أحيانا لتعظيم المضاف كقوله تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (النمل 88). أو تحقيره كما في قوله سبحانه:
أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (المجادلة 19).
وقد يعدل عن الإضافة، حيث يبدو في ظاهر الأمر أن المقام لها، كما في قوله سبحانه على لسان إبراهيم لأبيه: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (مريم 45). فالعدول عن إضافة العذاب إلى الرحمن لعدم التجانس بينهما، فالمناسب للعذاب أن يضاف إلى الجبار، أو المنتقم مثلا، لا إلى مصدر النعم، أما السر في وصف العذاب بأنه من الرحمن، فالإشارة إلى أن العذاب إنما كان، لأنه كفر بمن كان مصدرا للنعمة، ولم يقم بواجب شكره. 

تَلَّهُ 

Entries on تَلَّهُ  in 1 Arabic dictionary by the author Ibn Fāris, Maqāyīs al-Lugha
(تَلَّهُ) التَّاءُ وَاللَّامُ وَالْهَاءُ لَيْسَ أَصْلًا فِي نَفْسِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ تَلِهَ إِذَا تَحَيَّرَ، ثُمَّ يَقُولُونَ إِنَّ التَّاءَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ. وَقَالُوا: التَّلَهُ بَدَلٌ مِنَ التَّلَفِ، وَهُوَ ذَاكَ، وَيُنْشِدُونَ:

بِهِ تَمَطَّتْ غَوْلَ كُلِّ مَتْلَهِ

وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ: " كُلِّ مِيلِهِ " قَالَ: وَهِيَ الْبِلَادُ الَّتِي تُوَلِّهُ الْإِنْسَانَ. وَالْوَالِهُ: الْمُتَحَيِّرُ.

طَعِمَ

Entries on طَعِمَ in 1 Arabic dictionary by the author Ibn al-Athīr al-Jazarī, al-Nihāya fī Gharīb al-Ḥadīth wa-l-Athar
(طَعِمَ)
(س) فِيهِ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ» يُقَالُ أَطْعَمَتِ الشَّجَرة إِذَا أَثْمَرَتْ، وأَطْعَمَتِ الثمرةُ إِذَا أدْركت. أَيْ صارَت ذَات طَعْم وَشَيْئًا يُؤْكل مِنْهَا. ورُوي «حَتَّى تُطْعَمَ» أَيْ تُؤْكل، وَلَا تُؤْكل إِلَّا إِذَا أدْركت.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الدَّجّال «أخْبرُوني عَنْ نَخْل بَيْسَانَ هَل أَطْعَمَ؟» أَيْ هَل أثْمَرَ.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «كرِجْرِجَة الماءِ لَا تُطْعِمُ» أَيْ لَا طَعْمَ لَهَا. يُقَالُ أَطْعَمَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا صار لها طَعْم. والطَّعْم بالفتح: ما يُؤَدِّيه ذَوقُ الشَّيْءِ مِنْ حَلاوةٍ وَمَرَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ حاصلٌ ومَنْفَعة. والطُّعْم بِالضَّمِّ: الأكلُ. ويُروى «لَا تَطَّعِم» بِالتَّشْدِيدِ. وَهُوَ تَفْتَعِلُ مِنَ الطَّعْم، كتَطَّرد مِنَ الطَّرْدِ.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي زمْزَم «انَّها طَعَامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقم» أَيْ يَشبَعُ الإنسانُ إِذَا شَرِبَ ماءَها كَمَا يَشْبع مِنَ الطَّعَام.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْكِلَابِ «إِذَا وَرَدْن الحَكَر الصَّغير فَلَا تَطْعَمْهُ» أَيْ لَا تَشْرَبه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَدْرٍ «مَا قَتلنا أَحَدًا بِهِ طَعْمٌ، مَا قَتَلْنا إِلَّا عَجَائز صُلعاً» هَذِهِ اسْتعارة:
أَيْ قَتَلْنَا مَنْ لَا اعْتِدَاَد بِهِ وَلَا مَعْرفة لَهُ وَلَا قَدْر. وَيَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الطَّاءِ وَضَمُّهَا، لِأَنَّ الشيءَ إِذَا لَمْ يكُن فِيهِ طُعْمٌ وَلَا لَهُ طَعْمٌ فَلَا جَدْوى فِيهِ لِلْآكِلِ وَلَا مَنْفَعة.
(هـ) وَفِيهِ «طَعَام الْوَاحِدِ يكْفِي الِاثْنَيْنِ، وطَعَام الِاثْنَيْنِ يكْفِي الأْرَبعة» يَعْنِي شِبَعُ الواحدِ قُوتُ الِاثْنَيْنِ، وشِبَعُ الِاثْنَيْنِ قُوتُ الْأَرْبَعَةِ. ومثلُه قَوْلُ عُمَر عَامَ الرَّمادة: لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أُنْزِل عَلَى أَهْلِ كلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدهم، فإنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِك عَلَى نِصْفِ بَطْنه. (هـ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَة ثُمَّ قَبَضه جَعَلها لِلَّذي يقومُ بعدَه» الطُّعْمَة بِالضَّمِّ: شِبه الرِّزْق، يُريدُ بِهِ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الفيءِ وَغَيْرِهِ. وجمعُها طُعَم.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مِيرَاثِ الْجَدِّ «إِنَّ السُّدُس الآخرَ طُعْمَة» أَيْ أَنَّهُ زيادَةٌ عَلَى حَقِّه.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «وقِتَالٌ عَلَى كَسب هَذِهِ الطُّعْمَة» يَعْنِي الْفَيْءَ وَالْخَرَاجَ. والطِّعْمَة بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ: وَجْه المَكسب. يُقَالُ هُوَ طَيِّب الطُّعْمَة وخَبيث الطُّعْمَة، وَهِيَ بِالْكَسْرِ خاصَّةً حالةُ الْأَكْلِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلمة «فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بعدُ» أَيْ حَالَتِي فِي الْأَكْلِ.
(هـ س) وَفِي حَدِيثِ المُصَرَّاة «مَنِ ابْتاع مُصَرَّاةً فَهُوَ بخيْر النَّظَرين، إِنْ شَاءَ أمْسَكَها وَإِنْ شاءَ رَدَّها وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَام لَا سَمْراء» الطَّعَام: عامٌّ فِي كُلِّ مَا يُقْتَات مِنَ الحنْطَة والشَّعير وَالتَّمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَحَيْثُ اسْتَثْنَى مِنْهُ السَّمْراء وَهِيَ الحنْطة فَقَدْ أَطْلَقَ الصَّاعَ فِيمَا عَدَاها مِنَ الأَطْعِمَة، إِلَّا أنَّ العُلماء خصُّوه بِالتَّمْرِ لأمْرَيْن: أحدُهما أَنَّهُ كَانَ الْغَالِبَ عَلَى أَطْعِمَتِهِم، وَالثَّانِي أنَّ مُعْظَم رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا جاءَت صَاعًا مِنْ تَمر، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ «مِنْ طَعَام» ثُمَّ أعقَبه بالاستِثْناء فَقَالَ «لَا سَمْراء» ، حَتَّى إِنَّ الفُقَهاء قَدْ تَرَدَّدُوا فِيمَا لَوْ أَخْرَجَ بَدَلَ التَّمْرِ زَبِيبًا أَوْ قُوتاً آخَرَ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَبِع التَّوقيف، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآه فِي مَعْنَاهُ إِجْرَاءً لَهُ مُجْرى صَدَقَةِ الفِطْر. وَهَذَا الصاعُ الَّذِي أَمَرَ بردِّه مَعَ المُصَرَّاة هُوَ بَدَلٌ عَنِ اللَّبن الَّذِي كَانَ فِي الضَّرْع عِنْدَ العَقْد. وَإِنَّمَا لَمْ يجب ردّعين اللّبن أو مثله أو قيمت لأنَّ عَين اللَّبن لَا تَبْقى غَالِبًا، وَإِنْ بَقِيَتْ فَتَمْتزج بِآخَرَ اجْتمع فِي الضَّرْع بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى تَمَامِ الْحَلْبِ. وَأَمَّا المِثْلِيَّةُ فلأنَّ القَدْر إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بمِعيارِ الشَّرع كَانَتِ الْمُقَابَلَةُ مِنْ بَابِ الرِّبا، وَإِنَّمَا قُدّرَ مِنَ التَّمر دُون النَّقْد لفَقْدِه عندهُم غَالِبًا، وَلِأَنَّ التَّمْرَ يُشارك اللَّبن فِي المَالِيَّة والقُوتِيَّة. وَلِهَذَا المَعنى نصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ المُصَرَّّاة بِعَيب آخَرَ سِوَى التَّصْرِيَةِ رَد مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْر لأجْل اللَّبن.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «كُنَّا نخْرِج زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» قِيلَ أَرَادَ بِهِ البُرّ. وَقِيلَ التَّمر، وَهُوَ أشْبَه، لِأَنَّ البُرَّ كَانَ عِنْدهم قَلِيلًا لَا يَتَّسِع لإخْراج زَكَاةِ الفِطر. وَقَالَ الخليلُ: إنَّ الْعَالِيَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الطَّعَام هُوَ البُرُّ خاصَّة.
(س) وَفِيهِ «إِذَا اسْتَطْعَمَكُم الإمامُ فأَطْعِمُوه» أَيْ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ فِي قِرَاءةِ الصَّلاةِ واسْتَفْتَحكم فافْتَحُوا عَلَيه ولَقِّنُوه، وَهُوَ مِنْ بَاب التَّمثِيل تَشْبيهاً بالطَّعَام، كأنَّهم يُدْخِلُون القِراءةَ فِي فِيهِ كَمَا يُدْخَل الطَّعَام.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «فاسْتَطْعَمْتُه الحديثَ» أَيْ طلبتُ مِنْهُ أَنْ يُحَدِّثني وَأَنْ يُذِيقَني طَعْمَ حَدِيثه.

عَتَرَ 

Entries on عَتَرَ  in 1 Arabic dictionary by the author Ibn Fāris, Maqāyīs al-Lugha
(عَتَرَ) الْعَيْنُ وَالتَّاءُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْأَصْلُ وَالنِّصَابُ، وَالْآخَرُ التَّفَرُّقُ.

فَالْأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ أَنَّ عِتْرَ كُلِّ شَيْءٍ: نِصَابُهُ. قَالَ: وَعِتْرَةُ الْمِسْحَاةِ: خَشَبَتُهَا الَّتِي تُسَمَّى يَدَ الْمِسْحَاةِ. قَالَ: وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: عِتْرَةُ فُلَانٍ، أَيْ مَنْصِبُهُ. وَقَالَ أَيْضًا: هُمْ أَقْرِبَاؤُهُ، مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. هَذَا قَوْلُ الْخَلِيلِ فِي اشْتِقَاقِ الْعِتْرَةِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْعِتْرَةِ مَا نَذْكُرُهُ مِنْ بَعْدُ.

وَالْأَصْلُ الثَّانِي: الْعِتْرُ، قَالَ قَوْمٌ: هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الْمَرْزَنْجُوشُ. قَالَ: وَهُوَ لَا يَنْبُتُ إِلَّا مُتَفَرِّقًا. قَالَ: وَقِيَاسُ عِتْرَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُمْ أَقْرِبَاؤُهُ مُتَفَرِّقِي الْأَنْسَابِ، هَذَا مِنْ أَبِيهِ وَهَذَا مِنْ نَسْلِهِ كَوَلَدِهِ. وَأَنْشَدَ فِي الْعِتْرِ: فَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أُقِيمَ خِلَافَهُمْ ... لِسِتَّةِ أَبْيَاتٍ كَمَا يَنْبُتُ الْعِتْرُ

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّفَرُّقِ، وَهُوَ وَجْهٌ جَمِيلٌ فِي قِيَاسِ الْعِتْرَةِ.

وَمِمَّا يُشْبِهُهُ عِتْرُ الْمِسْكِ، وَهِيَ حَصَاةٌ تَكُونُ مُتَفَرِّقَةً فِيهِ. وَلَعَلَّ عِتْرَ الْمِسْكِ أَنْ تَكُونَ عَرَبِيَّةً صَحِيحَةً فَإِنَّهَا غَيْرُ بَعِيدَةٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ نَسْمَعْهَا مِنْ عَالِمٍ.

وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُهُمْ: عَتَرَ الرُّمْحُ فَهُوَ يَعْتِرُ عَتْرًا وَعَتَرَانًا، إِذَا اضْطَرَبَ وَتَرَأَّدَ فِي اهْتِزَازٍ. قَالَ:

وَكُلُّ خَطِّيٍّ إِذَا هُزَّ عَتَرْ

وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ مِنَ الْبَابِ لِأَنَّهُ إِذَا هُزَّ خُيِّلَ أَنَّهُ تَتَفَرَّقُ أَجْزَاؤُهُ. وَهَذَا مُشَاهَدٌ، فَإِنْ صَحَّ مَا تَأَوَّلْنَاهُ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ بَابِ الْإِبْدَالِ يَكُونُ مِنْ عَسَلٍ، وَتَكُونُ التَّاءُ بَدَلًــا مِنَ السِّينِ وَالرَّاءُ بَدَلًــا مِنَ اللَّامِ.

وَمِمَّا يَصْلُحُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا: الْعَتِيرَةُ; لِأَنَّ دَمَهَا يُعْتَرُ، أَيْ يُسَالُ حَتَّى يَتَفَرَّقَ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَاتِرُ: الَّذِي يَعْتِرُ شَاةً فَيَذْبَحُهَا، كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، يَذْبَحُهَا ثُمَّ يَصُبُّ دَمَهَا عَلَى رَأْسِ الصَّنَمِ، فَتِلْكَ الشَّاةُ هِيَ الْعَتِيرَةُ وَالْمَعْتُورَةُ، وَالْجَمْعُ عَتَائِرُ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: الْعَتِيرُ هُوَ الصَّنَمُ الَّذِي تُعْتَرُ لَهُ الْعَتَائِرُ فِي رَجَبٍ. وَأَنْشَدَ لِزُهَيْرٍ: فَزَلَّ عَنْهَا وَأَوْفَى رَأْسَ مَرْقَبَةٍ ... كَمَنْصَبِ الْعِتْرِ دَمَّى رَأْسَهُ النُّسُكُ

فَإِنْ كَانَ صَحِيِحًا هَذَا فَهُوَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ أَفْصَحَ الشَّاعِرُ بِقِيَاسِهِ حَيْثُ قَالَ:

كَمَنْصِبِ الْعِتْرِ دَمَّى رَأْسَهُ النُّسُكُ
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.