Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: يفعل

رَجَعَ

Entries on رَجَعَ in 4 Arabic dictionaries by the authors Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn, Ibn al-Athīr al-Jazarī, al-Nihāya fī Gharīb al-Ḥadīth wa-l-Athar, Firuzabadi, al-Qāmūs al-Muḥīṭ, and 1 more
رَجَعَ: يرجع إِذا كَانَ من الرجع يكون مُتَعَدِّيا. وَإِذا كَانَ من الرُّجُوع يكون لَازِما. فاحفظ فَإِنَّهُ ينفعك فِي كثير من الْمَوَاضِع.
(رَجَعَ)
فِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيّة» التَّرَاجُعُ بَيْنَ الخَليطَين:
أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مَثَلًا أَرْبَعُونَ بَقَرة، وللآخَرِ ثَلَاثُونَ وَمَالُهُمَا مُشْتَرَك، فيأخُذُ العاملُ عَنِ الْأَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَعَنِ الثَلَاثِينَ تَبِيعًا، فَيَرْجِعُ بَاذِلُ الْمُسِنَّةِ بِثَلَاثَةِ أَسْبَاعِهَا عَلَى خَلِيطِه، وباذِلُ التَّبِيع بأربعةِ أسباعِه عَلَى خَلِيطِه؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السِّنَّيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الشُّيُوعِ، كَأَنَّ الْمَالَ مِلْكُ وَاحِدٍ. وَفِي قَوْلِهِ: بِالسَّوِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ إِذَا ظَلَمَ أَحَدَهُمَا فَأَخَذَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى فَرْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى شَرِيكه، وَإِنَّمَا يَغْرَم لَهُ قِيمَةَ مَا يَخُصُّه مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ دونَ الزيادةِ. وَمِنْ أَنْوَاعِ التَّرَاجُعِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ رَجُلين أَرْبَعُونَ شَاةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْرفُ عينَ مالِه، فَيَأْخُذُ العامِل مِنْ غَنَم أحدِهما شَاةً، فَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاةٍ. وَفِيهِ دليلٌ عَلَى أَنَّ الخُلْطة تَصِحُّ مَعَ تَمْيِيزِ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ.
(هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ رَأى فِي إبِل الصَّدقة نَاقَةً كَوْماءَ، فسألَ عَنْهَا المُصَدِّق فَقَالَ: إنِّي ارْتَجَعْتُهَا بإبِل فسَكَتَ» الِارْتِجَاعُ: أَنْ يَقْدَم الرجُل بإبِله المِصْرَ فيَبِيعها ثُمَّ يَشترِي بثَمنِها غيرَها فَهِيَ الرِّجْعَةُ بِالْكَسْرِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الصَّدَقَةِ، إِذَا وَجَبَ غلى رَبّ المالِ سِنٌّ مِنَ الْإِبِلِ فَأَخَذَ مكانَها سِنًّا أخْرَى، فتِلك الَّتِي أخذَ رِجْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ ارْتَجَعَهَا من الذي وجَبَتْ عليه.
وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ «شكَتْ بنُو تَغْلِبَ إِلَيْهِ السَّنَة، فَقَالَ: كَيْفَ تَشْكون الْحَاجَةَ مَعَ اجْتِلاب المِهارةِ وارْتِجَاعِ الْبِكَارَةِ» أَيْ تَجْلُبُونَ أَوْلَادَ الْخَيْلِ فَتَبِيعُونَهَا وتَرْتَجِعُونَ بِأَثْمَانِهَا الْبِكَارَةَ لِلْقِنْيَةِ، يَعْنِي الإبِل.
(هـ) وَفِيهِ ذِكْرُ «رَجْعَة الطَّلَاقِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ» وتُفْتَح راؤُها وتُكْسر عَلَى المرَّة والحالِة، وَهُوَ ارْتِجَاعُ الزَّوْجةِ المُطَلَّقة غَيْرِ الْبَائِنَةِ إِلَى النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ استئْنافِ عَقْد.
وَفِي حَدِيثِ السُّحور «فَإِنَّهُ يُؤَذّن بِلَيْل؛ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ ويُوقِظَ نائِمَكم» القائمُ: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي صلاةَ اللَّيْلِ، ورُجُوعُهُ: عَودُه إِلَى نَومِه، أَوْ قُعودُه عَنْ صَلَاتِهِ إِذَا سَمِع الْأَذَانَ. ويَرْجِعُ:
فِعْلٌ قاصِر ومُتَعدٍّ، تَقُولُ رَجَعَ زيدٌ، ورَجَعْتُهُ أَنَا، وَهُوَ هَاهُنَا مُتَعدٍّ؛ ليُزاوج يُوقِظ.
(س) وَفِي صِفَةِ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَوْمَ الْفَتْحِ «أَنَّهُ كَانَ يُرَجِّعُ» التَّرْجِيعُ: تَرْدِيدُ القراءةِ، وَمِنْهُ تَرْجِيعُ الْأَذَانِ. وَقِيلَ هُوَ تقاربُ ضُرُوب الحَرَكات فِي الصَّوت. وَقَدْ حَكَى عَبْدُ الله ابن مُغَفَّل تَرْجِيعَهُ بمدِّ الصَّوت فِي القراءةِ نَحْوَ: آءْ آءْ آءْ، وَهَذَا إِنَّمَا حَصَل مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ يَوْمَ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَاكِبًا، فجَعَلت النَّاقَةُ تُحَرِّكُه وتُنَزِّيه، فحدَثَ التَّرْجِيعُ فِي صَوْته.
(س) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُرَجِّعُ» وَوَجْهُه أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حينئذٍ رَاكِبًا، فَلَمْ يَحدُث فِي قِراءتِه التَّرْجِيعُ.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَفَّلَ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُث» أَرَادَ بِالرَّجْعَةِ عَودَ طائفةٍ مِنَ الغُزاة إِلَى الغَزْو بَعْدَ قُفُولهم، فيُنَفِّلُهم الثُّلُثَ مِنَ الغَنيمةِ؛ لِأَنَّ نُهوضُهم بَعْدَ القُفول أشقُّ، والخَطَرُ فِيهِ أعظمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا مُسْتقصًى فِي حَرْفِ الباءِ. والرَّجْعَة: المرَّة مِنَ الرُّجُوعِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَن كَانَ لَهُ مالٌ يُبَلِّغُه حَجَّ بيْتِ اللهِ، أَوْ تجِب عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ فَلَمْ يَفْعلــ، سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الموتِ» أَيْ سألَ أَنْ يُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا ليُحْسِن العملَ، ويَستدْرِكَ مَا فَاتَ.
والرَّجْعَةُ: مَذْهَبُ قَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ معروفٌ عِنْدَهُمْ. وَمَذْهَبُ طائفةٍ مِنْ فِرَق الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُولِي الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَيِّتَ يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا وَيَكُونُ فِيهَا حَيًّا كَمَا كَانَ، وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مُستَتِر فِي السَّحاب، فَلَا يَخرج مَعَ مَنْ خَرَج مِنْ وَلدِه حَتَّى يُنادِيَ مُنادٍ مِنَ السَّمَاءِ: اخرُجْ مَعَ فُلان، ويشْهَدُ لِهَذَا المَذْهب السُّوءِ قَوْلُهُ تَعَالَى حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً
يُريدُ الكفارَ، نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى الهِداية وَالْإِيمَانِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ قَالَ للجَلاَّد: اضْرِب وارْجِعْ يَديك» قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَرْفَع يَديه إِذَا أَرَادَ الضَّرْب، كَأَنَّهُ كَانَ قَدْ رفَعَ يَده عِنْدَ الضَّرْب، فَقَالَ: ارْجِعْهَا إِلَى مَوضِعها.
(س) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ حِينَ نُعِيَ لَهُ قُثَم اسْتَرْجَعَ» أَيْ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. يُقَالُ مِنْهُ: رَجَّعَ واسْتَرْجَعَ. وَقَدْ تَكَرَّرَ ذكرُه فِي الْحَدِيثِ. (هـ) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْم» الرَّجِيعُ: العَذِرة والرَّوثُ، سمِي رَجِيعاً لِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى بَعْدَ أَنْ كَانَ طَعَامًا أَوْ عَلَفا.
(هـ) وَفِيهِ ذِكر «غَزْوة الرَّجِيعِ» وَهُوَ ماءٌ لهُذَيل.
رَجَعَ
رَجَعَ بنَفْسِه يَرْجِعُ رُجوعاً ومَرْجِعاً، كمَنزِلٍ، ومَرْجِعَةً، كمَنزِلَة. وَمِنْه قَوْله تَعالى: ثمّ إِلَىالرُّجوع، ومصدرُه واقِعاً الرَّجْع، يُقَال: رَجَعْتُه رَجْعَاً، فَرَجَع رُجوعاً. قَالَ شَيْخُنا: هَذَا هُوَ المشهورُ الْمَعْرُوف سَماعاً وَقِيَاسًا، وزعمَ بعض أنّ الرَجْعَ يكونُ مَصْدَراً للاّزِمِ أَيْضا. قلتُ: كَمَا هُوَ صَنيعُ صاحبِ المُحكَم، فإنّه سَرَدَه فِي جُملة مصادرِ اللاّزم. قَالَ الرَّاغِب: فمِنَ الرُّجوعِ قَوْله تَعالى: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى المدينةِ، فلمّا رَجَعوا إِلَى أبيهِم، ولمّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِه وإنْ قيل لكم ارْجِعوا فارْجِعوا وَمن الرَّجْع قَوْله تَعالى: فإنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طائفةٍ، وقَوْله تَعالى: ثمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُم يَصِحُّ أَن يكونَ من الرُّجوع، ويصحُّ أَن يكون من الرِّجْع. وقُرِئَ واتَّقُوا يَوْمَاً ترْجعون فِيهِ إِلَى الله بفتحِ التاءِ وضمِّها، وقولُه: لعلَّهُم يَرْجِعون أَي عَن الذَّنْب، وقَوْله تَعالى: وحَرامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكناها أنّهم لَا يَرْجِعون أَي حرَّمْنا عَلَيْهِم أَن يَتوبوا ويَرجِعوا عَن الذَّنْب تَنْبِيهاً على أنّه لَا تَوْبَةَ بعدَ)
المَوت، كَمَا قيل: ارْجِعوا وراءَكُم فالْتَمِسوا نُوراً وقَوْله تَعالى: بمَ يَرْجِعُ المُرسَلون فَمن الرُّجوع، أَو من رَجْعِ الجَواب، وقَوْله تَعالى: ثمّ توَلَّ عَنْهُم فانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعون فَمن رَجْعِ الجوابِ لَا غير، وَكَذَا قولُه: فناظِرَةٌ بمَ يَرْجِعُ المُرسَلون. قلتُ: وَمن المُتَعَدِّي حديثُ السَّحُور: فإنّه يُؤَذَّنُ بلَيلٍ ليَرْجِعَ قائِمُكُم ويوقِظَ نائِمَكم والقائمُ: هُوَ الَّذِي يُصلّي صَلاةَ اللَّيْل، ورُجوعُه: عَوْدُه إِلَى نَوْمِه، أَو قُعودُه عَن صَلاتِه إِذا سَمِعَ الْأَذَان.الرِّجْعَةُ، بالكَسر: حَواشِي الإبِلِ تُرْتَجَعُ من السُّوقِ، وَقَالَ خالدٌ: الرِّجْعَةُ: أَنْ تُدْخِلَ رُذالَ الإبلِ السُّوقَ وتَرجِعَ خِياراً. وَقَالَ بعضُهم: أَنْ تُدخِلَ ذُكوراً وتَرْجِعَ إِنَاثًا، وكذلكَ الرِّجْعَةُ فِي الصَّدَقَة، إِذا وجَبَ على رَبِّ المالِ سِنٌّ من الإبلِ فأَخذَ المُصَدِّقُ مكانَها سِنّاً أُخْرَى فوقَها أَو دونَها، فتلكَ الَّتِي أَخذَها رِجْعَةٌ، لأَنَّه ارتجَعَها من الَّتِي وجَبَتْ لَهُ، قَالَه أَبو عُبَيدٍ. يُقال: ناقَةٌ رِجْعُ سَفَرٍ، بِكَسْر الرَّاءِ، ورَجِيعُ سَفَرٍ: قد رَجَعَ فِيهِ) مِراراً. وَقَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ كِنايَةٌ عَن النَّضْوِ، وكّذا رَجُلٌ رِجْعُ سَفَرٍ، ورَجِيعُ سَفَرٍ. وباعَ فُلانٌ إبِلَهُ فارْتَجَعَ مِنْهَا رِجْعَةً صَالِحَة، بِالْكَسْرِ، إِذا صرَفَ أَثمانَها فِيمَا يَعودُ عَلَيْهِ بالعائدَةِ الصَّالِحَةِ، قَالَ الكُمَيْتُ يصفُ الأَثافِيّ:
(جُرْدٌ جِلادٌ مُعَطَّفاتٌ على ال ... أَوْرَقِ لَا رِجْعَةٌ وَلَا جَلَبُ)
قَالَ: وَإِن رَدَّ أَثمانَها إِلَى منزِلِه من غيرِ أَنْ يَشتَرِيَ بهَا سِنّاً، فليستْ برِجْعَةٍ. وَقَالَ اللِّحيانيُّ: ارْتَجَعَ فلانٌ مَالا، وَهُوَ أَن يبيعَ إبلَهُ المُسِنَّةَ والصِّغارَ، ثمَّ يشترِيَ الفَتِيَّةَ والبِكارَ، وَقيل: هُوَ أَن يبيعَ الذُّكورَ ويشتريَ الإناثَ، وعَمَّ مَرَّةً بِهِ، فَقَالَ: هُوَ أَن يبيعَ الشيءَ ثمَّ يشترِيَ مكانَه مَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّه أَفتى وأَصْلَحَ. قَالَ الرَّاغِبُ: واعْتُبِرَ فِيهِ معنى الرَّجْعِ تَقديراً، وإنْ لم يَحصُلْ فِيهِ ذلكَ عَيناً. وجاءَ فلانٌ برِجْعَةٍ حَسَنَةٍ، أَي بشيءٍ صالحٍ اشتراهُ مكانَ شيءٍ طالِح، أَو مَكَان شيءٍ قد كانَ دُونَه. والمَرْجُوعُ، والمَرْجُوعَةُ، بهاءٍ، والرَّجْعُ، والرَّجُوعَةُ، بفتحِهما، والرُّجْعَةُ، والرُّجْعانُ، والرُّجْعَى، بضمهنَّ: جَوابُ الرِّسالَةِ، يُقال: مَا كانَ من مَرْجُوعَةِ فُلانٍ ومَرْجوعِ فلانٍ عَلَيْك، أَي من مَردودِه وجَوابِه. قَالَ حسَّان رَضِي الله عَنهُ يَذْكُرُ رُسومَ الدِّيارِ:
(سأَلْتُها عَن ذاكَ فاسْتَعْجَمَتْ ... لمْ تَدْرِ مَا مَرْجُوعَةُ السّائلِ)
ويُقال: رَجَعَ إلىَّ الجَوابُ يَرْجِعُ رَجْعاً ورُجْعانً، ويقولونَ: هَل جاءَ رُجْعَةُ كِتابِك، ورُجعانُه، أَي جَوابُهُ، ويجوزُ رَجْعُه، بِالْفَتْح، وكُلُّ ذلكَ مَجازٌ. والرَّاجِعُ: المَرْأَةُ يَموتُ زَوجُها وتَرْجِعُ إِلَى أَهلِها، وأَمّا المُطَلَّقَةُ فَهِيَ المَرْدودَة، كَمَا فِي الصِّحاح والعُباب، كالمُراجِعِ. قَالَ الأَزْهَرِيّ: المُراجِعُ من النِّساءِ: الَّتِي يَموتُ زَوجُها، أَو يُطَلِّقُها فتَرْجِعُ إِلَى أَهلِها، وَيُقَال لَهَا أَيضاً راجِعٌ.
الرَّواجِعُ من النُّوقِ والأُتُنِ، يُقال: ناقَةٌ راجِعٌ، وأَتانٌ راجعٌ، وَهِي الَّتِي تَشولُ بذَنبِها، وتَجمَعُ قُطْرَيْها وتُوزِعُ بَوْلَها، وَفِي الصِّحاحِ بِبَوْلِها، فيُظَنُّ أَنَّ بهَا حَمْلاً، ثُمَّ تُخلِفُ، وَقد رجعَتْ تَرجِعُ رِجاعاً، بِالْكَسْرِ، وُجِدَ فِي بعض نُسَخِ الصِّحاح. رُجوعاً، وَهِي راجِعٌ: لَقِحَتْ، ثمَّ أَخلَفَتْ، لأَنَّها رجعَتْ عَمَّا رُجِيَ مِنْهَا، ونُوقٌ رَواجِعُ. وَقَالَ الأَصمعيُّ: إِذا ضُرِبَتِ النَّاقَةُ مِراراً فَلم تَلْقَحْ، فهيَ مُمارِنٌ، فإنْ ظَهَرَ لَهُم أَنَّها قد لَقِحَتْ، ثمَّ لمْ يكن بهَا حَمْلٌ، فَهِيَ راجِعٌ ومُخْلِفَةٌ، وَقَالَ القُطامِيُّ يصفُ نَجيبَةً:
(ومِنْ عَيرانَةٍ عَقَدَتْ عَلَيْهَا ... لَقاحاً ثُمَّ مَا كَسَرَتْ رِجاعا)

(لأوّلِ قَرْعَةٍ سَبَقَتْ إِلَيْهَا ... من الذَّوْدِ المَرابيعِ الضِّباعَى)
) أَرادَ أَنَّ النّاقةَ عقدَتْ عَلَيْهَا لَقاحاً، ثمَّ رَمَتْ بماءِ الفَحْلِ، وكسرَتْ ذَنبَها بعدَ مَا شالَتْ بِهِ.
الرِّجاعُ ككِتابٍ: الخِطامُ، أَو مَا وقعَ منهُ على أَنْفِ البَعيرِ. يُقال: رجَعَ فلانٌ على أَنْفِ بَعيرِه، إِذا انْفَسَخَ خَطْمُه، فرَدَّه عَلَيْهِ، ثمَّ يُسَمَّى الخِطامُ رِجاعاً، قَالَه ابنُ دُريد، ج: أَرْجِعَةٌ ورُجْعٌ، كجِرابٍ وأَجْرِبَةٍ، وكِتابٍ وكُتْبٍ. الرِّجاعُ: رُجوعُ الطَّيْرِ بعدَ قِطاعِها، كَمَا فِي الصِّحاحِ، زادَ الرَّاغِبُ: يَختَصُّ بِهِ. وَفِي اللِّسَان رَجَعَت الطَّيْرُ القَواطِعُ رَجْعاً ورِجاعاً، وَلها قِطاعٌ ورِجاعٌ.
من المَجازِ قولُه تَعَالَى: والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ، أَي ذاتِ المَطَرِ بعدَ المطَرِ، سُمِّيَ بِهِ لأَنَّه يَرجِع مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، وَقيل: لأَنَّه يتكَرَّر كلَّ سنةٍ ويَرْجِعُ، قَالَ ثعلَبٌ: تَرْجِعُ بالمَطَرِ سنة بعدَ سنةٍ، وَقَالَ اللِّحيانِيُّ: لِأَنَّهَا تَرجِعُ بالغَيْثِ، فَلم يَذكر سنة بعد سنة. وَقَالَ الفرَّاءُ: تَبتَدِئُ بالمَطَرِ، ثمَّ تَرجِعُ بِهِ كلَّ عَام. قيل: ذاتُ الرَّجْع، أَي ذاتُ النَّفْع، يُقال: لَيْسَ لي من فُلانٍ رَجْعٌ، أَي نَفعٌ وفائدةٌ، وتَقولُ: مَا هُوَ إلاّ سَجْعٌ، لَيْسَ تحتَه رَجْعٌ. الرَّجْعُ: نَباتُ الرَّبيعِ، كالرَّجيعِ. رَجْعٌ: اسْمٌ.
قَالَ الكِسائيُّ فِي قولِه تَعَالَى: والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ أَرادَ بالرَّجْع مَمْسَك الماءِ ومَحبِسَه، والجَمْعُ رُجْعانٌ، قَالَ غيرُه: الرَّجْعُ: الغَديرُ. قَالَ الرَّاغِب: إمّا تَسمِيَةً بالمَطَرِ الَّذِي فِيهِ، وإمّا لتَراجُعِ أَمواجِه وتَرَدُّدِه فِي مكانِه كالرَّجيع والرَّاجِعَةِ، قَالَ المُتَنَخِّلُ الهُذَلِيُّ يصفُ السَّيْفَ:
(أَبيَضُ كالرَّجْعِ رَسوبٌ إِذا ... مَا ثاخَ فِي مُحْتَفَلٍ يَخْتَلي)
قَالَ الليثُ: الرَّجْعُ: مَا امْتَدَّ فِيهِ السَّيْلُ كَذَا نصّ العُبابِ. وَقَالَ أَبو حنيفَةَ: الرَّجْعُ: مَا ارْتَدَّ فِيهِ السَّيْلُ ثمَّ نفَذَ، ج: رِجاعٌ، بالكسْرِ، ورُجْعانٌ، بالضَّمِّ، ورِجْعانٌ، بالكَسرِ، وأَنشدَ ابنُ الأَعرابيِّ:
(وعارَضَ أَطرافَ الصَّبا وكأَنَّه ... رِجاعُ غَديرٍ هَزَّهُ الرِّيحُ رائِعُ)
وَقَالَ غيرُه: الرِّجاعُ: جَمْعٌ، ولكنَّه نعَتَه بالواحِدِ الَّذِي هُوَ رائعٌ لأَنَّه على لفظِ الواحِد، وإنَّما قَالَ: رِجاعُ غَديرٍ ليفصلَه من الرّجاع الَّذِي هُوَ غير الغدير، إِذْ الرِّجاع من الأَسماء المُشترَكَةِ، وَقد يكون الرِّجاعُ الغديرَ الواحدَ، كَمَا قَالُوا فِيهِ: إخَاذٌ، وأَضافَه إِلَى نفسِه ليُبَيِّنَه أَيضاً بذلك: لأَن الرِّجاع، واحِداً كَانَ أَو جَمْعاً، من الأَسماء المُشترَكَةِ. الرَّجْعُ: الماءُ عامَّةً، وَقَالَ أَبو عُبيدةَ: الرَّجْعُ فِي كَلَام العرَبِ الماءُ، وأَنشدَ قولَ المُتَنَخِّل:
(أَبيَضُ كالرَّجْعِ رَسوبٌ إِذا ... مَا ثاخَ فِي مُحْتَفَلٍ يَخْتَلي)
الرَّجْعُ: الرَّوْثُ والنَّجْوُ لأَنَّه رجَعَ عَن حالِه الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَهَذَا رَجْعُ السَّبُعِ، أَي نَجوُه، وَهُوَ مَجاز. قَالَ الليثُ: الرَّجْعُ من الأَرضِ مَا امْتَدَّ فِيهِ السيلُُ بمَنزِلَةِ الحَجْرِ، قَالَ غيرُه: الرَّجْعُ:)
فوقَ التَّلْعَةِ وأَعلاها قبلَ أَن يَجتَمِعَ ماءُ التَّلْعَةِ وأَعلاها قبلَ أَنْ يَجْتَمِعَ ماءُ التَّلْعَةِ، ج: رُجْعانٌ، بالضَّمِّ، بمنزلَةِ الحُجْرانِ، وَقد كرَّرَ المُصنِّفُ هُنَا قَول الليثِ مرَّتينِ، وهما واحِدٌ، فلْيُتَنَبَّه لذلكَ.
الرَّجْعُ من الكَتِفِ: أَسفلُها، كالمَرْجِعِ، كمَنْزِلٍ، وَهُوَ مَا يَلِي الإبْطَ مِنْهَا من جِهَة مَنْبِضِ القَلْبِ، قَالَ رُؤْبَةُ: ونَطْعَنُ الأَعناقَ والمَراجِعا ويُقالُ: طعَنَه فِي مَرجِع كتِفَيْه، وكَواهُ عندَ رَجْعِ كتِفِه، ومَرجِع مِرْفَقِهِ، وَهُوَ مَجاز. الرَّجْعُ: خَطْوُ الدَّابَّةِ، أَو رَدُّها يدَيها فِي السَّيْرِ، وَهُوَ مَجاز، قَالَ أَبو ذؤَيْبٍ يصفُ رَجلاً جريئاً:
(يَعْدُو بِهِ نَهِشُ المُشاشِ كأَنَّهُ ... صَدَعٌ سليمٌ رَجْعُهُ لَا يَظْلَعُ)
الرَّجْعُ: خَطُّ الوَاشِمَةِ، قَالَ لَبيدٌ، رَضِي الله عَنهُ:
(أَوْ رَجْعُ واشِمَةٍ أُسِفَّ نَؤُورُها ... كِفَفاً تَعَرَّضَ فوقَهُنَّ وِشامُها)
كالتَّرجِيعِ، فيهمَا. يُقال: رَجَعَت الدَّابَّةُ يدَيْها فِي السَّيْر. ورَجَّعَ النَّقْشَ والوَشْمَ: رَدَّدَ خُطوطَهُما، وتَرجِيعُها: أَن يُعادَ عَلَيْهَا السَّوادُ مَرَّةً بعدَ أُخرى، قَالَ الشَّاعِر:
(كتَرْجيعِ وَشْمٍ فِي يَدَيْ حارِثِيَّةِ ... يَمانيَّةِ الأَصدافِ باقٍ نَؤُورُها)
قَالَ اللَّيْث: الرَّجيعُ من الكلامِ: المَردودُ إِلَى صاحبِه، زادَ الرَّاغِبُ: أَو المُكَرَّرُ. وَفِي الأَساس: إيّاكَ والرَّجيعَ من القولِ. وَهُوَ المُعادُ، وَهُوَ مَجازٌ. وَقَالَ غيرُه: رَجيعُ القَوْلِ: المُكَرَّرُ. منَ المَجاز: الرَّجيعُ: الرَّوْثُ، وذُو البَطْنِ، والنَّجْوُ، لأَنَّه رجَعَ عَن حالتِه الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَقد أَرْجَعَ الرَّجُلُ، وَهَذَا رَجيعُ السَّبَعِ ورَجْعُه، أَي نَجْوُه. وَفِي الحَدِيث: نُهِيَ أَنْ يُسْتَنْجَى بعَظْمٍ أَو رَجِيعٍ، الرَّجيعُ: يكونُ الرَوْثَ والعَذِرَةَ جَميعاً، وإنَّما سُمِّيَ رَجيعاً لأَنَّه رَجَعَ عَن حالِه الأَوَّل بعدَ أَنْ كانَ طَعاماً أَو علَفاً أَو غيرَ ذَلِك. وأَرْجَعَ من الرَّجيع، إِذا أَنْجَى. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الرَّجيعُ: كِنايَةٌ عَن ذِي البَطْنِ للإنسانِ وللدَّابَّةِ، وَهُوَ من الرُّجوعِ، ويكونُ بِمَعْنى الفاعِل، أَو من الرَّجْعِ، ويكونُ بِمَعْنى المَفعول. الرَّجيع: الجِرَّةُ تَجْتَرُّها الإبلُ ونَحوُها، لِرَجْعِهِ لَهَا إِلَى الأَكْلِ، وَهُوَ مَجازٌ، قَالَ الأَعشَى:
(وفلاةٍ كَأَنَّها ظَهْرُ تُرْسٍ ... ليسَ إلاّ الرَّجيعَ فِيهَا عَلاقُ)
يَقُول: لَا تجدُ الإبلُ فِيهَا عُلَقاً إلاَّ مَا تُرَدِّدُه من جِرَّتِها. وكُلُّ شيءٍ مُرَدَّدٍ من قولٍ أَو فعلٍ فَهُوَ رَجيعٌ، لأَنَّ معناهُ مَرْجوع، أَي مَردُود، وَمِنْه قيل للدَّابَّةِ الَّتِي تَرَدِّدُها فِي السَّفَرِ البَعير وَغَيره:)
هُوَ رَجيعُ سَفَرٍ، وَهُوَ الكالُّ من السَّفَرِ. وَهِي رَجيعَةٌ، بهاءٍ، قَالَ ذُو الرُّمَّة يصف نَاقَة:
(رَجيعَةُ أَسْفارٍ كَأَنَّ زِمامَها ... شُجاعٌ لَدى يُسْرَى الذِّراعَيْنِ مُطْرِقُ)
الرَّجِيعُ من الدَّوابِّ: المَهْزولُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ كِنايَةٌ عَن النَّضْوِ. الرَّجيعُ من الدَّوابِّ: مَا رَجَعْتَهُ من سَفَرٍ إِلَى سَفَرٍ، وَهُوَ الكالُّ، كَمَا فِي الصِّحاحِ، وَهُوَ بعَيْنِه القولُ الأَوَّلُ ج: رُجُعٌ، بضَمَّتينِ، وَالَّذِي فِي الصِّحاحِ: جَمْعُ الرَّجيعِ والرَّجيعَةِ: الرَّجائِع. قَالَ ابنُ دُريدٍ: الرَّجيعُ: الثَّوْبُ الخَلَقُ المُطَرَّى. قَالَ أَيضاً: الرَّجيعُ: ماءٌ لِهُذَيْلٍ، قَالَه أَبو سعيد: على سَبعَةِ أَمْيالٍ من الهَدَّةِ، والهَدَّةُ على سَبعَةِ أَميالٍ من عُسْفانَ، وَبِه غُدِرَ بمَرْثَدِ بنِ أَبي مَرْثَدٍ، كَنّازِ بنِ الحُصَيْنِ بنِ يَرْبُوع الغَنَوِيّ، رَضِي الله عَنهُ، شَهِدَ هُوَ وأَبوهُ بَدْراً، وَكَانَ أَبوه حَليفَ حَمْزَةَ، وسَرِيَّتِه لمّا بعثَها رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلَّم معَ رَهْطِ عَضَلٍ والقارَةِ، وَكَانَت هَذِه السَّرِيَّةُ فِي السّنة الخامِسَة من الهِجْرَةِ فِي صفَر فِي عَشَرَةٍ أَو سِتَّة، على الخِلاف، لمّا سأَلَه عَضَلٌ والقارَةُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهم مَنْ يُعَلِّمَهُم شرائعَ الْإِسْلَام، فأَرسلَ مَرْثَداً، وعاصِمَ بنَ ثَابت، وخُبَيْبَ بن عَدِيٍّ، وزيدَ بن الدَّثِنة، وخَالِد بن البُكَيْرِ، وعَبْد الله بن طَارق، وأَخاهُ لأُمِّه مُعَتِّبَ بنَ عُبَيْدٍ فغدَروا بهم فَقَتَلُوهُمْ، إلاّ خُبَيْبَ بنَ عَدِيٍّ، وزَيدَ بن الدّثِنَة فأَسروهُما، وباعوهما فِي مَكَّةَ فقتلوهُما، وصَلَّى خُبَيْبٌ قبل أَنْ يَقتلوه رَكعتينِ، فهوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ ذلكَ، كَذَا فِي مختصَرِ السِّيرَةِ للشَّمْسِ البِرْماوِيِّ، قَالَ البُرَيْقُ الهُذَلِيُّ:
(وإنْ أُمْسِ شَيْخاً بالرَّجيعِ ووِلْدَةٌ ... ويَصْبِحَ قَومِي دونَ دارِهُمُ مِصْرُ)
وَقَالَ حسَّان رَضِي الله عَنهُ يَرثِيهِم:
(صَلَّى الإلَهُ على الّذينَ تَتابَعوا ... يَوْمَ الرَّجيعِ فأُكْرِمُوا وأُثيبوا)
وَقَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:
(رَأَيْتُ وأَهلي بَوادِي الرَّجِي ... عِ فِي أَرْضِ قَيْلَةَ بَرْقاً مُلِيحا)
الرَّجيعُ: العَرَقُ، لأَنَّه كَانَ مَاء فرَجَعَ عرَقاً، قَالَ لَبيدٌ، رَضِي الله عَنهُ، يصف الإبِلَ:
(كَساهُنَّ الهَوَاجِرُ كُلَّ يَوْمٍ ... رَجيعاً فِي المَغابِنِ كالعَصِيمِ) شبَّه العرَقَ الأَصْفَرَ بعَصيمِ الحِنَّاءِ. الرَّجيعُ: الحَبْلُ الَّذِي نُقِضَ ثمَّ فُتِلَ ثانِيَةً، وَفِي المُفرَداتِ: حَبْلٌ رَجِيعٌ: أُعِيدَ بعدَ نَقْضِهِ، زادَ فِي اللِّسَان: وَقيل: كُلُّ مَا ثَنَيْتَه فَهُوَ رَجيعٌ. وكُلُّ طَعامٍ بَرَدَ، ثُمَّ أُعيدَ إِلَى النّار، فَهُوَ رَجيعٌ. الرَّجيعُ: فَأْسُ اللِّجامِ. الرَّجيعُ: البَخيلُ، كِلاهُما عَن ابنِ عَبّادٍ.)
الرَّجِيعَةُ: ماءٌ لِبَني أَسَدٍ، كَمَا فِي العُبابِ. ومَرْجَعَةٌ، كمَرْحَلَةٍ: عَلَمٌ من الأَعلامِ. وأَرْجَعَ الرَّجُلُ، إِذا أَهْوى بيَدِهِ إِلَى خَلْفِه لِيَتناوَلَ شَيْئا، نَقله الجَوْهَرِيُّ، وأَنشدَ لأَبي ذُؤَيْبٍ يصفُ صائداً:
(فبَدا لهُ أَقْرابُ هَذَا رائغاً ... عَجِلاً فعَيَّثَ فِي الكِنانَةِ يُرْجِعُ)
أَي أَقرابُ الفَحْلِ. وَقَالَ اللِّحْيانِيُّ: أَرْجَعَ الرَّجُل يديهِ، إِذا رَدَّهما إِلَى خَلْفِه ليتناوَلَ شَيْئا، وخَصَّه بعضُهم فَقَالَ: أَرْجَعَ يدَه إِلَى سيفِه ليَسْتَلَّه، أَو إِلَى كِنانَتِه لِيَأْخُذَ سَهماً أَهوى بهَا إِلَيْهِ. أَرْجَعَ فُلانٌ: رَمى بالرَّجيعِ، كأَنْجَى من النَّجْوِ. منَ المَجاز: أَرْجَعَ فِي المُصيبَةِ: قَالَ: إنّا لِلَّه وإنّا إليهِ راجِعُونَ قَالَ جَريرٌ:
(وأَرْجَعْتُ من عِرفانِ دارٍ كأَنَّها ... بقيَةُ وَشْمٍ فِي مُتونِ الأَشاجِعِ)
كرَجَّعَ تَرْجيعاً واسْتَرْجَعَ، نقلَهما الزَّمخشريُّ، واقْتَصَرَ الجَوْهَرِيّ على الأَخيرِ. ويُروَى قَول جَرير: ورَجَّعْتَ. وَفِي حَدِيث ابنِ عبّاسِ أَنَّه حينَ نُعِيَ لَهُ قُثَمُ اسْتَرْجَعَ. يُقال: أَرْجَعَ اللهُ تَعَالَى بيعَتَه، كَمَا يُقال: أَرْبَحَها. نَقله الجَوْهَرِيُّ. قَالَ الكِسائيُّ: أَرْجَعَت الإبِلُ، إِذا هُزِلَتْ ثمَّ سَمِنَت، كَذَا نَصُّ الصِّحاحِ والعُبابِ، وَفِي التَّهذيب: قَالَ الكِسائيُّ: إِذا هُزِلَت النّاقَةُ قيل: أَرْجَعَت.
وأَرْجَعَتِ النّاقَةُ فهِي مُرْجِعٌ: حَسُنَتْ بعدَ الهُزال. يُقال: جعلَها اللهُ سَفرَة مُرْجِعَة، كمُحْسِنَة، إِذا كَانَ لَهَا ثوابٌ وعاقِبَةٌ حَسَنَة. وَهُوَ مَجازٌ. يُقال: الشَّيْخُ يَمْرَضُ يَومَيْنِِ فَلَا يَرجِعُ شَهْراً، أَي لَا يَثوبُ إِلَيْهِ جسمُه وقوَّته شَهْراً. منَ المَجاز: التَّرجِيعُ فِي الأَذانِ: هُوَ تَكريرُ الشَّهادَتيْنِ جَهْراً بعدّ إخفائهما. هَكَذَا فَسَّره الصَّاغانِيُّ. التَّرْجيعُ أَيضاً: تَرديدُ الصَّوْتِ فِي الحَلْقِ فِي قراءَةٍ أَو غِناءٍ أَو زَمْرٍ، أَو غير ذَلِك مِمَّا يُتَرَنَّم بِهِ، وَقيل: التَّرْجِيع: هُوَ تَقارُبُ ضُروبِ الحَرَكات فِي الصَّوْت.
وَقد حَكَى عَبْد الله بنُ مُغَفَّلٍ تَرجيعَه بمَدِّ الصَّوْت فِي القراءَةِ نَحو: آآ آ. من المَجازِ: اسْتَرْجَعَ منهُ الشيءَ، إِذا أَخَذَ مِنْهُ مَا دفعَه إِلَيْهِ، وَيُقَال: اسْتَرْجَعَ الهِبَةَ، وارْتَجَعَها، إِذا ارْتَدَّها. وراجَعَهُ الكلامَ مُراجَعَةً ورِجاعاً: حاوَرَه إيّاه. وَقيل: عَاوَدَهُ. راجَعَت النّاقةُ رِجاعاً، إِذا كَانَت فِي ضَرْبٍ من السَّير. فرَجَعَتْ من سَيْرٍ إِلَى سَيْرٍ، سِواه، قَالَ البَعيثُ يصِفُ ناقتَه:
(وطُولُ ارتماءِ البيدِ بالبيدِ تعْتَلِي ... بهَا ناقَتي تَخْتَبُّ ثمَّ تُراجِعُ)
وممّا يُستدركُ عَلَيْهِ: الرَّجْعَةُ: المَرَّةُ من الرُّجوعِ. والرَّجْعَةُ: عَوْدُ طائِفَةٍ من الغُزاةِ إِلَى الغَزْوِ بعدَ قُفُولِهم. وقولُه تَعَالَى: إنَّهُ على رَجْعِهِ لَقادِرٌ قيل: على رَجْعِ الماءِ إِلَى الإحْلِيلِ، وَقيل: إِلَى الصُّلْبِ، وَقيل: إِلَى صُلْبِ الرَّجُلِ وتَريبَةِ المَرأَةِ. وَقيل: على إعادَتِه حَيّاً بعدَ موتِه وبِلاهُ، وَقيل:)
على بَعْثِ الإنسانِ يومَ القِيامَةِ. وَالله سبحانَه وَتَعَالَى أَعلمُ بِمَا أَرادَ. ويُقال: أَرْجَعَ اللهُ همَّهُ سُروراً، أَي أَبْدَلَ هَمَّه سُروراً. وحَكَى سِيبَوَيْهٍ: رَجَعَه وأَرْجَعَهُ ناقَتَه: بَاعهَا مِنْهُ ثمَّ أَعطاهُ إيّاها لِيَرْجِعَ عَلَيْهَا. وَهَذِه عَن اللِّحيانيِّ وَهَذَا كَمَا تقولُ أَسْقَيْتُكَ إهاباً. وتَفَرَّقوا فِي أَوَّل النَّهار، ثمَّ تَراجَعوا مَعَ اللَّيْل، أَي رَجَعَ كُلٌّ إِلَى مَحَلِّه. وتَرَجع فِي صَدْري كَذَا: أَي تَرَدَّد، وَهُوَ مَجازٌ.
ورَجَّعَ الْبَعِير فِي شِقْشِقَتِه: هَدَرَ. ورَجَّعَتِ النَّاقةُ فِي حَنينِها: قطَّعَتْه. ورَجَّعَ الحَمامُ فِي غِنائه، واسْتَرْجَعَ كَذَلِك. ورَجَّعَتِ القَوْسُ: صَوَّتَت، عَن أَبي حنيفةَ. ورَجَّعَ الكِتابَةَ: أَعادَ عَلَيْهَا مَرَّةً أُخرى. والمَرْجُوعُ: الّذي أُعيدَ سَوادُهُ، والجَمْعُ المَراجِيعُ، قَالَ زُهَيْرٌ: مَراجِيعُ وَشْمٍ فِي نَواشِرِ مِعْصَمِ ورَجَعَ إِلَيْهِ: كَرَّ، ورَجَعَ عَلَيْهِ. ويُقالُ: خالَفني ثمَّ رجَعَ إِلَى قَولي، وصَرَمَني ثمَّ رَجَعَ يُكَلِّمُني.
وَمَا رُجِعَ إِلَيْهِ فِي خَطْبٍ إلاّ كفى. وكُلٌّ من الثَّلاثَةِ مَجاز. وارْتَجعَ كَرَجَعَ. وارْتَجعَ على الغَريم والمُتَّهَم: طالَبَه. وارْتَجعَ إليَّ الأمرَ: ردَّه إليَّ. أنشدَ ثعلبٌ:
(أَمُرْتَجِعٌ لي مِثلَ أيّامِ حَمَّةٍ ... وأيّامِ ذِي قارٍ علَيَّ الرَّواجِعُ)
وارْتَجعَ المرأةَ: راجَعَها. وارْتَجعَتْ المرأةُ جِلْبابَها: إِذا رَدَّتْه على وَجْهِها، وتَجَلَّلَتْ بِهِ.
والرُّجْعى، والمَرْجَعانيُّ من الدّوابِّ: نِضْوُ سفَرٍ، الأخيرةُ عامِيّة. وَقَالَ ابْن السِّكِّيت: الرَّجيعَة: بعيرٌ ارْتَجعْتَه، أَي اشتَريْتَه من أجلابِ النَّاس، لَيْسَ من البلدِ الَّذِي هُوَ بِهِ، وَهِي الرَّجائع، قَالَ مَعْنُ بنُ أَوْسٍ المُزْنيُّ:
(على حينَ مَا بِي من رِياضٍ لصَعْبَةٍ ... وبَرَّحَ بِي أَنْقَاضُهُنَّ الرَّجائعُ)
وسفَرٌ رَجيعٌ: مَرْجُوعٌ فِيهِ مِراراً، عَن ابْن الأَعْرابِيّ. وَيُقَال للإيابِ من السفَر: سفَرٌ رَجيعٌ، قَالَ القُحَيْف:
(وأَسقي فِتْيَةً ومُنَفَّهاتٍ ... أَضَرَّ بنِقْيِها سفَرٌ رَجيعُ)
والرَّجْع: الغِرْسُ يكون فِي بَطْنِ الْمَرْأَة، يخرجُ على رأسِ الصبِيِّ. وقَوْله تَعالى: يَرْجِعُ بَعْضُهم إِلَى بعضٍ القَولَ أَي يتَلاوَمون. والرَّجيع: الشِّواءُ يُسَخَّنُ ثانِيَةً، عَن الأَصْمَعِيّ. ورَجْعُ الرَّشْقِ فِي الرَّمْي: مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ. والرَّواجِع: الرِّياحُ المُختَلِفة لمَجيئِها وذَهابِها. وَكَذَا رَواجِعُ الْأَبْوَاب. وَلَيْسَ لهَذَا البَيعِ مَرْجُوعٌ، أَي لَا يُرْجَعُ فِيهِ، وَهُوَ مَجاز. وَيُقَال: هَذَا مَتاعٌ مُرْجِعٌ، أَي لَهُ مَرْجُوعٌ. حَكَاهُ الجَوْهَرِيّ عَن ابْن السِّكِّيت. وَقَالَ الأَصْبَهانيُّ فِي الْمُفْردَات: دابَّةٌ لَهَا) مَرْجُوعٌ: يمكنُ بَيْعُها بعد الاسْتِعمال. وَيُقَال: هَذَا أَرْجَعُ فِي يَدي من هَذَا، أَي أَنْفَع، وَهُوَ مَجاز.
وَفِي النوادِر: يُقَال: طعامٌ يُسْتَرْجَعُ عَنهُ وتفسيرُ هَذَا فِي رَعْيِ المَال، وطعامِ النَّاس: مَا نَفَعَ مِنْهُ واسْتُمْرِئَ فسَمِنوا عَنهُ. والرَِّجْعَة، بالكَسْر والفَتْح: إبل تَشْتَريها الأعرابُ لَيست من نِتاجِهم، وَلَيْسَت عَلَيْهَا سِماتُهم. وارْتَجعَها: اشْتَرَاهَا. والتَّراجُع بَين الخَليطَيْن: أَن يكون لأحدِهما مَثَلاً أَرْبَعونَ بَقَرَةً، وللآخَرِ ثَلَاثُونَ، ومالُهما مُشتَرَكٌ، فيأخذُ العاملُ عَن الْأَرْبَعين مُسِنَّةً، وَعَن الثَّلَاثِينَ تَبيعاً، فيرجعَ باذلُ المُسنَّة بِثَلَاثَة أَسْبَاعِها على خَليطِه، وباذلُ التَّبيعِ بأربعةِ أَسْبَاعِه على خَليطِه لأنّ لكلِّ واحدٍ من السِّنَّيْنِ واجِبٌ على الشُّيُوع، كأنَّ المالَ مُلْكُ واحدٍ. والرِّجَع، كعِنَبٍ: أَن يبيعَ الذُّكورَ وَيَشْتَرِي الإناثَ، كأنّه مصدر، وَقَالَ ابنُ برِّيّ: وجَمعُ رِجْعَةٍ رِجَع، وَقيل لحَيٍّ من الْعَرَب: بمَ كَثُرَتْ أموالُكم فَقَالُوا: أوصانا أَبونَا بالنُّجَعِ والرُّجَع، وَقَالَ ثَعْلَب: بالنِّجَعِ والرِّجَع، وفَسَّرَه بأنّه: بَيْعُ الهَرْمَى، وشِراءُ البِكارَةِ الفَتِيّة، وَقد فُسِّر بأنّه بيعُ الذُّكورِ وشراءُ الْإِنَاث، وكِلاهما ممّا يَنْمِي عَلَيْهِ المالُ، وأرجع إبِلا: شَراها وباعَها على هَذِه الْحَالة.
والرّاجِعَة: الناقةُ تُباعُ ويُشتَرى بثمَنِها مِثلُها، فالثانيةُ راجِعَةٌ ورَجيعَةٌ، قَالَ عليُّ بنُ حَمْزَة: الرَّجيعَة: أَن يُباعَ الذكَرُ ويُشترى بثمنِه الْأُنْثَى، فالأنثى هِيَ الرَّجيعَة، وَقد ارْتَجَعْتُها وَتَرَجَّعْتُها وَرَجَعْتُها. وَحكى اللِّحْيانيّ: جاءتْ رِجْعَةُ الضِّياع، أَي مَا تعودُ بِهِ على صاحبِها من غَلَّةٍ، وَيُقَال: سَيفٌ نَجيعُ الرَّجْعِ والرَّجيع، إِذا كَانَ ماضِياً فِي الضَّريبة، قَالَ لَبيدٌ يصفُ السَّيْف:
(بأَخْلَقَ مَحْمُودٍ نَجيحٍ رَجيعُهُ ... وأَخْشَنَ مَرْهُوبٍ كريمِ المآزِقِ)
وَيُقَال للمريضِ إِذا ثابَتْ إِلَيْهِ نَفْسُه بعد نُهوكٍ من العِلَّة: راجِعٌ، ورجلٌ راجِعٌ: إِذا رَجَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُه بعد شِدّةِ ضَنى. ورَجَعَ الكلبُ فِي قَيْئِه: عادَ فِيهِ. وراجَعَ الرجلُ: رَجَعَ إِلَى خيرٍ أَو شرٍّ.
وتَراجَعَ الشيءُ إِلَى خَلفٍ، نَقَلَه الجَوْهَرِيّ. ورَجَعَتِ الناقةُ تَرْجِعُ رِجاعاً، إِذا أَلْقَتْ وَلَدَها لغيرِ تَمامٍ، عَن أبي زَيْدٍ. وَقيل: هُوَ أَن تَطْرَحَه مَاء. والرّاجِعَة: الناشِغَةُ من نَواشِغِ الْوَادي، قَالَه ابنُ شُمَيْل، أَي المَجرى من مَجاريه. والرَّجْع: ماءٌ لهُذَيْلٍ غَلَبَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الأَزْهَرِيّ: قَرَأْتُ بخطِّ أبي الهَيثَم حَكَاهُ عَن الأسَديِّ قَالَ: يَقُولُونَ للرَّعْد: رَجْعٌ. ورَجيع: اسمُ ناقةِ قَالَ جَريرٌ:
(إِذا بَلَّغَتْ رَحْلِي رَجيعُ أَمَلَّها ... نُزولي بالمَوْماةِ ثمّ ارْتِحالِيَا)
والرَّجَّاع: الكثيرُ الرُّجوعِ إِلَى اللهُ تَعَالَى. ورَجَعَ الحَوضُ إِلَى إزائِه: كَثُرَ ماؤُه. وتَراجَعَتْ أَحْوَالُ فلانٍ. وَهُوَ مَجاز. وراجَعَه فِي مُهِمَّاتِه: حاوَرَه. وانْتقَص القُرُّ، ثمّ تَراجَع. وسُمِّي البَرَدُ) رَجْعَاً لرَدِّ مَا تَناولَه من المَاء. والرِّجْعَة، بالكَسْر: الحُجّة، عَن ابنِ عَبَّاد.
رَجَعَ يَرْجِعُ رُجوعاً ومَرْجِعاً، كمَنْزِلٍ، ومَرْجِعَةً، شاذَّانِ، لأنّ المَصادِرَ من فَعَلَ يَفْعِلُ إنما تكونُ بالفتح،
ورُجْعَى ورُجْعاناً، بضمهما: انْصَرَفَ،
وـ الشيءَ عن الشيءِ، وإليه رَجْعاً ومَرْجَعاً، كمَقْعَدٍ ومَنْزِلٍ: صَرَفَه ورَدَّه،
كأرْجَعَه،
وـ كلامي فيه: أفادَ،
وـ العَلَفُ في الدابةِ: نَجَعَ.
وجاءني رُجْعَى رِسالَتِي، كبُشْرَى، أي: مَرْجوعُها.
ويؤمِنُ بالرَّجْعَةِ، أي: بالرُّجوعِ إلى الدُّنْيا بعدَ الموتِ، وبالكسرِ والفتح: عَوْدُ المُطَلِّقِ إلى مُطَلَّقَتِهِ، وبالكسر: حَواشي الإِبِلِ تُرْتَجَعُ من السوقِ.
وناقةٌ رِجْعُ سَفَرٍ،
ورَجيعُ سَفَرٍ: قد رَجَعَ فيه مِراراً.
وباعَ إبِلَهُ فارْتَجَعَ منها رِجْعَةً صالِحَةً، بالكسرِ: إذا صَرَفَ أثْمانَها فيما يَعودُ عليه بالعائِدَةِ الصالِحَةِ.
والمَرْجُوعُ، وبهاءٍ،
والرَّجْعُ والرَّجُوعَةُ، بفَتْحِهِما،
والرُّجْعَةُ والرُّجْعانُ والرُّجْعَى بِضَمِّهِنَّ: جَوابُ الرِسالَةِ.
والراجِعُ: المَرْأةُ يموتُ زَوْجُها وتَرْجِعُ إلى أهْلِها،
كالمُراجِعِ،
وـ من النُّوقِ والأتُنِ: التي تَشُولُ بذَنَبِها وتَجْمَعُ قُطْرَيْها وتُوزغُ بَوْلَها، فَيُظَنُّ أنّ بها حَمْلاً، وقد رَجَعَتْ تَرْجعُ رِجاعاً، بالكسر. وككِتابٍ: الخِطامُ، أو ما وقَعَ منه على أنْفِ البَعِيرِ، ج: أرْجِعَةٌ ورُجْعٌ، ورُجوعُ الطَّيْرِ بعدَ قِطاعِها.
والرَّجْعُ: المَطَرُ بعدَ المَطَرِ، والنَّفْعُ، ونَباتُ الرَّبِيعِ، واسمٌ، ومَمْسَكُ الماءِ، والغَديرُ،
كالرَّجيعِ والراجِعَةِ، ط أو ما امْتَدَّ فيه السَّيْلُ ثم نَفَذَ ط، ج: رِجاعٌ ورِجْعانٌ ورُجْعانٌ، أو الماءُ عامَّةً، والرَّوْثُ،
وـ من الأرضِ: ما امْتَدَّ فيه السَّيْلُ،
وـ: فَوْقَ التَّلْعَة، ج: رُجْعانٌ، بالضم،
وـ من الكَتِفِ: أسْفَلُها،
كالمَرْجِعِ، كمَنْزِلٍ، وخَطْوُ الدابَّةِ، أو رَدُّها يَدَيْها في السَّيْرِ، وخَطُّ الواشِمَةِ،
كالتَّرْجيعِ فيهما.
والرَّجيعُ من الكلامِ: المَرْدُودُ إلى صاحِبِه، والرَّوْثُ، وذُو البَطْنِ، والجِرَّةُ تَجْتَرُّها الإِبِلُ ونحوُها، وكلُّ مُرَدَّدٍ، والبَعيرُ الكالُّ من السَّفَرِ، وهي: بهاءٍ، أو المَهْزولُ، أو ما رَجَعْتَه من سَفَرٍ، ج: رُجُعٌ، بضمتينِ، (والثوبُ الخَلَقُ المُطَرَّى) ، وماءٌ لهُذَيْلٍ على سَبْعَةِ أمْيالٍ من الهَدَّةِ، وبه غُدِرَ بِمَرْثَدِ ابنِ أبي مَرْثَدٍ وسَرِيَّتِهِ لَمَّا بَعَثَها صلى الله عليه وسلم مع رَهْطِ عَضَلٍ والقارَةِ فَغَدَروا بهم،
وـ: العَرَقُ، والحَبْلُ نُقِضَ ثم فُتِلَ ثانِيَةً، وكلُّ طَعامٍ بَرَدَ ثم أُعِيدَ إلى النارِ، وفأسُ اللِّجامِ، والنَّخيلُ، وبهاءٍ: ماءٌ لِبَنِي أسَدٍ.
ومَرْجَعَةٌ، كمَرْحَلَةٍ: عَلَمٌ.
وأرجَعَ: أهْوَى بيَدِه إلى خَلْفِهِ ليَتَنَاوَلَ شيئاً،
وـ فلانٌ: رَمَى بالرَّجِيعِ،
وـ في المُصيبَةِ: قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعونَ،
كرَجَّعَ واسْتَرْجَعَ،
وـ اللهُ تعالى بَيْعَتَه: أرْبَحَها،
وـ الإِبِلُ: هُزِلَتْ ثم سَمِنَتْ.
وسَفْرَةٌ مُرْجِعَةٌ، كمُحْسِنَةٍ: لها ثَوابٌ وعاقِبَةٌ حَسَنَةٌ،
والشيخُ يَمْرَضُ يومَيْنِ فلا يَرْجِعُ شَهْراً: لا يَثوبُ إليه جِسْمُه وقُوَّتُهُ.
والتَّرْجيعُ في الأذانِ: تَكريرُ الشَّهادَتَيْنِ جَهْراً بعدَ إخْفائِهما، وتَرْديدُ الصوتِ في الحَلْقِ.
واسْتَرْجَعَ منه الشيءَ: أخَذَ منه ما دَفَعَه إليه.
وراجَعَه الكلامَ: عاوَدَه،
وـ الناقةُ: رَجَعَتْ من سَيْرٍ إلى سَيْرٍ.

التَّوْبَة

Entries on التَّوْبَة in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
التَّوْبَة: فِي اللُّغَة الرُّجُوع يُقَال تَابَ وأناب إِذا رَجَعَ. وَإِذا أسْند إِلَى العَبْد أُرِيد رُجُوعه عَن الزلة إِلَى النَّدَم. وَإِذا أسْند إِلَى الله تَعَالَى أُرِيد رُجُوع نعمه والطافه إِلَى عباده قَالَ الله تَعَالَى {ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا} . أَي رَجَعَ عَلَيْهِم بالتفضل والأنعام ليرجعوا إِلَى الطَّاعَة والانقياد. وَفِي الشَّرْع هِيَ الندامة على الْمعْصِيَة لكَونهَا مَعْصِيّة وَإِنَّمَا قيدنَا بذلك لِأَن الندامة على الْمعْصِيَة لإضرارها بِبدنِهِ وإخلالها بعرضه أَو مَاله أَو نَحْو ذَلِك لَا يكون تَوْبَة فَلَو نَدم على شرب الْخمر وَالزِّنَا للصداع وخفة الْعقل وَزَوَال المَال وَالْعرض لَا يكون تَائِبًا وَهَذِه الندامة لَا تسمى تَوْبَة. وَأما النَّدَم لخوف النَّار أَو طمع الْجنَّة فَإِن كَانَ بقبح الْمعْصِيَة وَكَونهَا مَعْصِيّة كَانَ تَوْبَة وَإِلَّا فَلَا. وَإِن نَدم بقبح الْمعْصِيَة مَعَ عرض آخر فَإِن كَانَ جِهَة الْقبْح بِحَيْثُ لَو انْفَرَدت لتحَقّق النَّدَم فتوبة وَإِلَّا فَلَا. وَإِن تَابَ عِنْد مرض الْمَوْت أَو مرض مخوف فَإِن كَانَت التَّوْبَة والندامة بقبح الْمعْصِيَة يكون تَائِبًا وَإِلَّا فَلَا. كَمَا فِي الْآخِرَة عِنْد مُعَاينَة النَّار فَيكون بِمَنْزِلَة إِيمَان الْيَأْس. وَالظَّاهِر من كَلَام النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قبُول تَوْبَة الْمَرِيض فِي الْمَرَض الْمخوف مَا لم تظهر عَلَامَات الْمَوْت. وَالْمرَاد بهَا غرغرة الْمَوْت وسكرته. والندم التحزن والتوجع على أَن فعل وتمني كَونه لم يفعل. وَلَا بُد للتائب من التحزن والتوجع فَإِن مُجَرّد التّرْك لَيْسَ بتوبة لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام النَّدَم تَوْبَة. هَذَا وَسَائِر التفاصيل فِي شرح الْمَقَاصِد.
وَاعْلَم أَنه لَا بُد فِي التَّوْبَة من النَّدَم والعزم على ترك المعاودة فِي الْمُسْتَقْبل عِنْد الخطور والاقتدار فالعزم لَيْسَ على عُمُومه فَلَا يرد أَنه لَا يَصح من الْمَجْبُوب الْعَزْم على ترك الزِّنَا وَلَا من الْأَخْرَس الْعَزْم على ترك الْقَذْف. فَالْحَاصِل أَن الْوَاجِب الْعَزْم على أَن لَا يفعل على تَقْدِير الْقُدْرَة حَتَّى يجب على من عرض لَهُ الآفة أَن يعزم على أَن لَا يفعل لَو فرض وجود الْقُدْرَة. وَبِهَذَا يشْعر مَا قَالَ فِي المواقف أَن الزَّانِي الْمَجْبُوب إِذا نَدم وعزم أَن لَا يعود على تَقْدِير الْقُدْرَة فَهُوَ تَوْبَة عندنَا خلافًا لأبي هَاشم وَفِي كشكول الشَّيْخ بهاء الدّين العاملي فِي الحَدِيث إِذا بلغ الرجل أَرْبَعِينَ سنة وَلم يتب مسح إِبْلِيس على وَجهه وَقَالَ بِأبي وَجه لَا يفلح. التواجد: استدعاء الوجد تكلفا بِضَرْب اخْتِيَار وَلَيْسَ يصاحبه كَمَال الوجد فَإِن بَاب التفاعل فِي الْأَكْثَر لإِظْهَار صفة لَيست مَوْجُودَة كالتغافل والتجاهل. وَقد أنكرهُ قوم لما فِيهِ من التَّكْلِيف والتصنع. وَأَجَازَهُ آخَرُونَ لمن يقْصد بِهِ تَحْصِيل الوجد. وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِن لم تبكوا فتباكوا. وَأَرَادَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِهِ التباكي مِمَّن يستعد للبكاء لَا تباكي الغافل اللاهي.

لا

Entries on لا in 12 Arabic dictionaries by the authors Ibn Manẓūr, Lisān al-ʿArab, Al-Khalīl b. Aḥmad al-Farāhīdī, Kitāb al-ʿAin, Firuzabadi, al-Qāmūs al-Muḥīṭ, and 9 more
لا
ربما تأتي قبل الفعل لإثبات ضده كقوله:
{لا يُحِبُّ اَلظَلِمِينَ} .
أي يبغضهم :
ومنه قوله تعالى:
{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} .
أي يبطل ما علموه ، ويعلموا خلافه: وهو أن يعلموا أنهم لا يقدرون . والدليل على معنى الإثبات ما جاء من قوله:
{وأنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} .

لا: الليث: لا حَرْفٌ يُنْفَى به ويُجْحَد به، وقد تجيء زائدة مع اليمين

كقولك لا أُقْسِمُ بالله. قال أَبو إِسحق في قول الله عز وجل: لا

أُقْسِمُ بيومِ القيامة، وأَشْكالِها في القرآن: لا اختلاف بين الناس أَن

معناه أُقْسِمُ بيوم القيامة، واختلفوا في تفسير لا فقال بعضهم لا لَغْوٌ،

وإِن كانت في أَوَّل السُّورة، لأَن القرآن كله كالسورة الواحدة لأَنه متصل

بعضه ببعض؛ وقال الفرّاء: لا ردٌّ لكلام تقدَّم كأَنه قيل ليس الأَمر

كما ذكرتم؛ قال الفراء: وكان كثير من النحويين يقولون لا صِلةٌ، قال: ولا

يبتدأُ بجحد ثم يجعل صلة يراد به الطرح، لأَنَّ هذا لو جاز لم يُعْرف خَبر

فيه جَحْد من خبر لا جَحْد فيه، ولكن القرآن العزيز نزل بالردّ على

الذين أَنْكَروا البَعْثَ والجنةَ والنار، فجاء الإِقْسامُ بالردّ عليهم في

كثير من الكلام المُبْتدإ منه وغير المبتدإ كقولك في الكلام لا واللهِ لا

أَفعل ذلك، جعلوا لا، وإِن رأَيتَها مُبتدأَةً، ردًّا لكلامٍ قد مَضَى،

فلو أُلْغِيَتْ لا مِمّا يُنْوَى به الجوابُ لم يكن بين اليمين التي تكون

جواباً واليمين التي تستأْنف فرق. وقال الليث: العرب تَطرح لا وهي

مَنْوِيّة كقولك واللهِ أضْرِبُكَ، تُريد والله لا أَضْرِبُكَ؛ وأَنشد:

وآلَيْتُ آسَى على هالِكِ،

وأَسْأَلُ نائحةً ما لَها

أَراد: لا آسَى ولا أَسأَلُ. قال أَبو منصور: وأَفادَنِي المُنْذري عن

اليزِيدي عن أَبي زيد في قول الله عز وجل: يُبَيِّن اللهُ لكم أَن

تَضِلُّوا؛ قال: مَخافَة أَن تَضِلُّوا وحِذارَ أَن تَضِلوا، ولو كان يُبَيّنُ

الله لكم أَنْ لا تَضِلوا لكان صواباً، قال أَبو منصور: وكذلك أَنْ لا

تَضِلَّ وأَنْ تَضِلَّ بمعنى واحد. قال: ومما جاء في القرآن العزيز مِن هذا

قوله عز وجل: إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السمواتِ والأَرضَ أَنْ تَزُولا؛ يريد

أَن لا تزولا، وكذلك قوله عز وجل: أَن تَحْبَطَ أَعمالُكم وأَنتم لا

تَشْعُرون؛ أَي أَن لا تَحْبَطَ، وقوله تعالى: أَن تقولوا إِنما أُنْزِلَ

الكتابُ على طائفَتَيْنِ مِن قَبْلنا؛ معناه أَن لا تقولوا، قال: وقولك

أَسأَلُك بالله أَنْ لا تقولَه وأَنْ تَقُولَه، فأَمَّا أَنْ لا تقولَه

فجاءَت لا لأَنك لم تُرد أَن يَقُوله، وقولك أَسأَلك بالله أَن تقوله سأَلتك

هذا فيها معنى النَّهْي، أَلا ترى أَنك تقول في الكلام والله أَقول ذلك

أَبداً، والله لا أَقول ذلك أَبداً؟ لا ههنا طَرْحُها وإِدْخالُها سواء

وذلك أَن الكلام له إِباء وإِنْعامٌ، فإِذا كان من الكلام ما يجيء من باب

الإِنعام موافقاً للإٍباء كان سَواء وما لم يكن لم يكن، أَلا ترى أَنك

تقول آتِيكَ غَداً وأَقومُ معك فلا يكون إِلا على معنى الإِنعام؟ فإذا قلت

واللهِ أَقولُ ذلك على معنى واللهِ لا أَقول ذلك صَلَحَ، وذلك لأَنَّ

الإِنْعام واللهِ لأَقُولَنَّه واللهِ لأَذْهَبَنَّ معك لا يكون واللهِ أَذهب

معك وأَنت تريد أَن تفعل، قال: واعلم أَنَّ لا لا تكون صِلةً إِلاَّ في

معنى الإِباء ولا تكون في معنى الإِنعام. التهذيب: قال الفراء والعرب

تجعل لا صلة إِذا اتصلت بجَحْدٍ قبلَها؛ قال الشاعر:

ما كانَ يَرْضَى رسولُ اللهِ دِيْنَهُمُ،

والأَطْيَبانِ أَبو بَكْرٍ ولا عُمَر

أَرادَ: والطَّيِّبانِ أَبو بكر وعمر. وقال في قوله تعالى: لِئلاَّ

يَعْلَمَ أَهْلُ الكتابِ أَنْ لا يَقْدِرُونَ على شيء من فَضْلِ اللهِ؛ قال:

العرب تقول لا صِلةً في كلّ كلام دخَل في أَوَّله جَحْدٌ أَو في آخره جحد

غير مُصرَّح، فهذا مما دخَل آخِرَه الجَحْدُ فجُعلت لا في أَوَّله

صِلةً، قال: وأَما الجَحْدُ السابق الذي لم يصرَّحْ به فقولك ما مَنَعَكَ أَن

لا تَسْجُد، وقوله: وما يُشْعِرُكُمْ أَنها إِذا جاءت لا يُؤْمِنون،

وقوله عز وجل: وحَرامٌ على قَرْيةٍ أَهْلَكْناها أَنهم لا يَرْجِعُون؛ وفي

الحَرام معنى جَحْدٍ ومَنْعٍ، وفي قوله وما يُشْعركم مثله، فلذلك جُعِلت لا

بعده صِلةً معناها السُّقوط من الكلام، قال: وقد قال بعضُ مَن لا يَعرف

العربية، قال: وأُراه عَرْضَ بأَبِي عُبيدة، إِن معنى غير في قول الله عز

وجل: غير المغضوب عليهم، معنى سِوَى وإِنَّ لا صلةٌ في الكلام؛ واحتج

بقوله:

في بئْرِ لا حُورٍ سرى وما شَعَرْ

بإِفْكِه، حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ جَشَرْ

قال: وهذا جائز لأَن المعنى وقَعَ فيما لا يتبيَّنْ فيه عَمَلَه، فهو

جَحْدُ محض لأَنه أَراد في بئرِ ما لا يُحِيرُ عليه شيئاً، كأَنك قلت إِلى

غير رُشْد توجَّه وما يَدْرِي. وقال الفراء: معنى غير في قوله غير

المغضوب معنى لا، ولذلك زِدْتَ عليها لا كما تقول فلان غيرُ مُحْسِنٍ ولا

مُجْمِلٍ، فإِذا كانت غير بمعنى سِوَى لم يجز أَن تَكُرّ عليه، أَلا ترَى أَنه

لا يجوز أَن تقول عندي سِوَى عبدِ الله ولا زيدٍ؟ وروي عن ثعلب أَنه سمع

ابن الأَعرابي قال في قوله:

في بئر لا حُورٍ سرى وما شَعَر

أَراد: حُؤُورٍ أَي رُجُوع، المعنى أَنه وقع في بئرِ هَلَكةٍ لا رُجُوعَ

فيها وما شَعَرَ بذلك كقولك وَقع في هَلَكَةٍ وما شَعَرَ بذلك، قال:

ويجيء لا بمعنى غير؛ قال الله عز وجل: وقِفُوهُمْ إِنَّهم مسؤُولون ما لكم

لا تَناصَرُون؛ في موضع نصب على الحال، المعنى ما لكم غيرَ مُتناصِرين؛

قاله الزجاج؛ وقال أَبو عبيد: أَنشد الأَصمعي لساعدة الهذلي:

أَفَعَنْك لا بَرْقٌ كأَنَّ وَمِيضَه

غابٌ تَسَنَّمه ضِرامٌ مُثْقَبُ

قال: يريد أَمِنك بَرْقٌ، ولا صلة. قال أَبو منصور: وهذا يخالف ما قاله

الفراء إِن لا لا تكون صلة إِلا مع حرف نفي تقدَّمه؛ وأَنشد الباهلي

للشماخ:

إِذا ما أَدْلَجْتْ وضَعَتْ يَداها،

لَها الإِدْلاج لَيْلَه لا هُجُوعِ

أَي عَمِلَتْ يَداها عَمَلَ الليلةِ التي لا يُهْجَعُ فيها، يعني الناقة

ونَفَى بلا الهُجُوعَ ولم يُعْمِلْ، وترك هُجُوع مجروراً على ما كان

عليه من الإِضافة؛ قال: ومثله قول رؤبة:

لقد عرَفْتُ حِينَ لا اعْتِرافِ

نَفى بلا وترَكَه مجروراً؛ ومثله:

أَمْسَى بِبَلْدَةِ لا عَمٍّ ولا خال

وقال المبرد في قوله عز وجل: غَيْرِ المَغْضوبِ عليهم ولا الضالِّين؛

إِنما جاز أَن تقع لا في قوله ولا الضَّالين لأَن معنى غير متضمن معنى

النَّفْي، والنحويون يُجيزون أَنتَ زيداً غَيْرُ ضارِبٍ لأَنه في معنى قولك

أَنتَ زيداً لا ضارِبٌ، ولا يجيزون أَنت زيداً مِثْلُ ضارِب لأَن زيداً من

صلة ضارِبٍ فلا تتقدَّم عليه، قال: فجاءت لا تُشَدِّد من هذا النفي الذي

تضمنه غيرُ لأَنها تُقارِبُ الداخلة، أَلا ترى أَنك تقول جاءَني زيد

وعمرو، فيقول السامع ما جاءَك زيد وعَمرو؟ فجائز أَن يكون جاءَه أَحدُهما،

فإِذا قال ما جاءَني زيد ولا عمرو فقد تَبَيَّن أَنه لم يأْت واحد منهما.

وقوله تعالى: ولا تَسْتَوي الحَسَنةُ ولا السَّيِّئةُ؛ يقارب ما ذكرناه

وإِن لم يَكُنْه. غيره: لا حرفُ جَحْد وأَصل ألفها ياء، عند قطرب، حكاية

عن بعضهم أَنه قال لا أَفعل ذلك فأَمال لا. الجوهري: لا حرف نفي لقولك

يَفْعَل ولم يقع الفعل، إِذا قال هو يَفْعَلُ غَداً قلت لا يَفْعَلُ غداً،

وقد يكون ضدّاً لبَلَى ونَعَمْ، وقد يكون للنَّهْي كقولك لا تَقُمْ ولا

يَقُمْ زيد، يُنهى به كلُّ مَنْهِيٍّ من غائب وحاضِر، وقد يكون لَغْواً؛

قال العجاج:

في بِئرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ

وفي التنزيل العزيز: ما مَنَعَك أَن لا تَسْجُد؛ أَي ما منعك أَن

تسْجُد، وقد يكون حرفَ عطف لإِخراج الثاني مما دخل فيه الأَول كقولك رأَيت

زيداً لا عَمراً، فإَن أَدْخَلْتَ عليها الواو خَرَجَتْ من أَن تكون حَرْفَ

عطفٍ كقولك لم يقم زيد ولا عمرو، لأَن حُروف النسق لا يَدخل بعضُها على

بعض، فتكون الواو للعطف ولا إِنما هي لتأْكيد النفي؛ وقد تُزاد فيها التاء

فيقال لاتَ؛ قال أَبو زبيد:

طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أَوانٍ

وإِذا استقبلها الأَلف واللام ذهبت أَلفه كما قال:

أَبَى جُودُه لا البُخْلَ، واستَعْجلتْ نَعَمْ

بهِ مِنْ فَتًى، لا يَمْنَعُ الجُوعَ قاتِلَهْ

قال: وذكر يونس أَن أَبا عمرو بن العلاء كان يجرّ البُخل ويجعل لا

مُضافة إِليه لأَنَّ لا قد تكون للجُود والبُخْلِ، أَلا ترى أَنه لو قيل له

امْنَعِ الحَقَّ فقال لا كان جُوداً منه؟ فأَمَّا إِنْ جَعَلْتَها لغواً

نصَبْتَ البُخل بالفعل وإِن شئت نصَبْتَه على البدل؛ قال أَبو عمرو: أَراد

أَبَى جُودُه لا التي تُبَخِّلُ الإِنسان كأَنه إِذا قيل له لا تُسْرِفُ

ولا تُبَذِّرْ أَبَى جُوده قولَ لا هذه، واستعجلت نعم فقال نَغَم

أَفْعلُ ولا أَترك الجُودَ؛ قال: حكى ذلك الزجاج لأَبي عمرو ثم قال: وفيه قولان

آخران على رواية مَن روى أَبَى جُودُه لا البُخْل: أَحدهما معناه أَبَى

جُوده البُخْلَ وتَجعل لا صِلةً كقوله تعالى: ما منَعك أَن لا تَسْجُدَ،

ومعناه ما منعكَ أَن تسجُدَ، قال: والقول الثاني وهو حَسَن، قال: أرى أَن

يكون لا غيرَ لَغْوٍ وأَن يكون البُخل منصوباً بدلاً من لا، المعنى: أبي

جُودُه لا التي هي للبُخْل، فكأَنك قلت أَبَى جُوده البُخْلَ وعَجَّلَتْ

به نَعَمْ. قال ابن بري في معنى البيت: أَي لا يَمْنَعُ الجُوعَ

الطُّعْمَ الذي يَقْتُله؛ قال: ومن خفض البُخْلَ فعلى الإِضافةِ، ومَن نصب

جَعَله نعتاً للا، ولا في البيت اسمٌ، وهو مفعول لأَبَى، وإِنما أَضاف لا إِلى

البُخل لأَنَّ لا قد تكون للجُود كقول القائل: أَتَمْنَعُني من عَطائك،

فيقول المسؤول: لا، ولا هنا جُودٌ. قال: وقوله وإِن شئت نصبته على البدل،

قال: يعني البخل تنصبه على البدل من لا لأَن لا هي البُخل في المعنى،

فلا يكون لَغْواً على هذا القول.

لا الناهية: هي التي يطلب بها ترك الفعل وإسناد الفعل إليها مجازًا؛ لأن الناهي هو المتكلم بواسطتها.
لا: تكونُ نافِيَةً، وهي على خَمْسَةِ أوْجُهٍ: عامِلَةٌ عَمَلَ إنَّ، وعَمَلَ ليس، ولا تَعْمَلُ إلا في النَّكِراتِ، كقولِهِ:
مَنْ صَدَّ عن نِيرانِها ... فأَنَا ابنُ قَيْسٍ لا بَراح
وتكونُ عاطِفةً بِشَرْطِ أن يَتَقَدَّمَها إثْباتٌ: كجاءَ زَيْدَ لا عَمْرٌو، أو أمْرٌ: كاضْرِبْ زَيْداً لا عمْراً، وأن يَتَغَايَرَ مُتعاطِفاها، فلا يجوزُ: جاءَنِي رجلٌ لا زَيْدٌ، لأنه يَصْدُقُ على زيدٍ اسمُ الرَّجُلِ، وتكونُ جَوَاباً مُناقضاً لِنَعَمْ، وتُحْذَفُ الجُمَلُ بعدَها كثيراً، وتُعْرَضُ بين الخافِضِ والمَخْفوضِ، نحوُ: جِئْتُ بِلا زادٍ، وغَضِبْتُ من لا شيءٍ، وتكونُ مَوْضوعةً لِطَلَبِ التَّرْكِ، وتَخْتَصُّ بالدُّخولِ على المُضارِعِ، وتَقْتَضِي جَزْمَهُ واسْتِقْبالَه: {لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أوْلِياءَ} وتكونُ زائِدةً: {ما مَنَعَكَ إذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ألاَّ تَتَّبِعَني} ، {ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ} ، {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أهلُ الكِتابِ} .
ل ا: لَا حَرْفُ نَفْيٍ لِقَوْلِكَ يَفْعَلُ وَلَمْ يَقَعِ الْفِعْلُ. إِذَا قَالَ: هُوَ يَفْعَلُ غَدًا قُلْتَ: لَا يَفْعَلُ غَدًا. وَقَدْ يَكُونُ ضِدًّا لِبِلَى وَنَعَمْ. وَقَدْ يَكُونُ لِلنَّهْيِ كَقَوْلِكَ: لَا تَقُمْ وَلَا يَقُمْ زَيْدٌ يُنْهَى بِهِ كُلُّ مَنْهِيٍّ مِنْ غَائِبٍ وَحَاضِرٍ. وَقَدْ يَكُونُ لَغْوًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] أَيْ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ. وَقَدْ يَكُونُ حَرْفَ عَطْفٍ لِإِخْرَاجِ الثَّانِي مِمَّا دَخَلَ فِيهِ الْأَوَّلُ كَقَوْلِكَ: رَأَيْتُ زَيْدًا لَا عَمْرًا، فَإِنْ أَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْوَاوَ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ حَرْفَ عَطْفٍ كَقَوْلِكَ: لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو لِأَنَّ حُرُوفَ الْعَطْفِ لَا يَدْخُلُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَتَكُونُ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَلَا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وَقَدْ تُزَادُ فِيهَا التَّاءُ فَيُقَالُ: لَاتَ كَمَا سَبَقَ فِي [ل ي ت] وَإِذَا اسْتَقْبَلَهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ ذَهَبَتْ أَلِفُهَا لَفْظًا كَقَوْلِكَ: الْجِدُّ يَرْفَعُ لَا الْجَدُّ. 
لا: لا: حرف يُنْفَى به ويُجْحَد، وقد تَجيءُ زائدةً، وإنّما تَزيدها العَرَبُ مع اليَمين، كقولك: لا أُقْسِمُ باللَّه لأُكْرِمَنّك، إنّما تُريد: أُقْسِمُ باللَّه.. وقد تَطْرَحُها العَرَبُ وهي مَنْويّة، كقولك، واللَّهِ أَضْرِبُك، تريد: واللَّه لا أضربك، قالت الخنساء :

فآليتُ آسَى على هالك ... وأسأل باكية مالها

أي: آلت لا آسَى، ولا أسأل. فإِذا قلت: لا واللَّه أكرمُك كان أبين، فإِنْ قلت: لا واللَّه لا أكرمك كان المعنى واحداً. وفي القرآن: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ، وفي قراءة أخرى: أَنْ تَسْجُدَ والمعنى واحد.. وتقول: أَتَيْتُك لتغضبَ عليّ أيْ: لئلاّ تَغْضَبَ عليّ. وقال ذو الرّمّة :

كأنّهنّ خوافي أَجْدلٍ قَرِمٍ ... ولَّى ليسبقَه بالأَمْعَزِ الخَرَبُ

أي: لئلاّ يسبقه، وقال:

ما كان يَرْضَى رسولُ الله فعلهم والطيبان أبو بكرِ ولا عُمَرُ 

صار (لا) صلة زائدة، لأنّ معناه: والطّيّبان أبو بكر وعمر. ولو قلت: كان يرضى رسول الله فعلهم والطبيان أبو بكر ولا عمر لكان مُحالاً، لأنّ الكلام في الأوّل واجبٌ حَسَنٌ، لأنّه جحود، وفي الثّاني متناقض. وأمّا قَوْلًه: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ف (لا) بمعنى (لم) كأنّه قال: فلم يَقْتَحِمِ العَقَبة. ومثله قوله عز وجل: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى  ، إلاّ أنّ (لا) بهذا المعنى إذا كُرِّرت أَفْصَحُ منها إذا لم تُكَرَّرْ، وقد قال أميّة :

وأيُّ عبدٍ لك لا ألما

أي: لم تُلْمِمْ. [وإذا جعلتَ (لا) اسماً قلت ] : هذه لاءٌ مكتوبة، فتَمُدُّها لِتَتِمَّ الكلمة اسماً، ولو صَغّرت قلت: هذه لُوَيّة مَكتوبَةٌ إذا كانت صغيرة الكِتْبة غير جليلة.
[لا] لا: حرف نفى لقولك يفعل ولم يقع الفعل، إذا قال هو يفعل غدا . وقد يكون ضدا لبلى ونعم. وقد يكون للنهى، كقولك: لا تقم ولا يقم زيد، ينهى به كل منهى من غائب أو حاضر. وقد يكون لغوا. قال العجاج:

في بئر لا حور سرى وما شعر  وقال تعالى: (ما منعك أن لا تسجد) أي ما منعك أن تسجد. وقد يكون حرف عطف لاخراج الثاني مما دخل فيه الاول، كقولك: رأيت زيدا لا عمرا. فإن أدخلت عليها الواو خرجت من أن تكون حرف عطف، كقولك: لم يقم زيد ولا عمرو ; لان حروف النسق لا يدخل بعضها على بعض، فتكون الواو للعطف ولا إنما هي لتوكيد النفى. وقد تزاد فيه التاء فيقال: لات، وقد ذكرناه في باب التاء. وإذا استقبلها الالف واللام ذهبت ألفه، كما قال: أبى جوده لا البخل واستعجلت نعم * به من فتى لا يمنع الجوع قاتله وذكر يونس أن أبا عمرو بن العلاء كان يجر البخل ويجعل لا مضافة إليه، لان لا قد تكون للجود وللبخل، ألا ترى أنه لو قيل له امنع الحق فقال لا، كان جودا منه. فأما إن جعلتها لغوا نصبت البخل بالفعل , وإن شئت نصبته على البدل. وقولهم: إما لى فافعل كذا، بالامالة، أصله إن لا، وما صلة، ومعناه إن لا يكون ذلك الامر فافعل كذا. وأما قول الكميت: كلا وكذا تغميضة ثم هجتم * لدى حين أن كانوا إلى النوم أفقرا فيقول: كان نومهم في القلة والسرعة كقول القائل: لا وذا. و (لو) : حرف تمن، وهو لامتناع الثاني من أجل امتناع الأوَّل، تقول: لَوْ جِئتني لأكرمتك. وهو خلافُ إنْ التي للجزاء، لانها توقع الثاني من أجل وجود الاول. وأما (لولا) فمركبة من معنى إنْ ولَوْ، وذلك أنْ لولا يمنع الثاني من أجل وجود الأول، تقول: لولا زيدٌ لهلكنا، أي امتنع وقوع الهلاك من أجل وجود زيد هناك. وقد تكون بمعنى هَلاَّ، كقول الشاعر : تَعُدَّونَ عَقْرَ النيبِ أفضلَ مجدِكم * بنى ضَوْطرى لولا الكَمِيَّ المقنعا وهو كثير في القرآن. وإن جعلت لو اسماً شدَّدته فقلت قد أكثرتَ من اللو ; لان حروف المعاني والاسماء الناقصة إذا صيرت أسماء تامة، بإدخال الالف واللام عليها أو بإعرابها، شدد ما هو منها على حرفين ; لانه يزاد في آخره حرف من جنسه فيدغم ويصرف، إلا الالف فإنك تزيد عليها مثلها فتمدها، لانها تنقلب عند التحريك لاجتماع الساكنين همزة، فتقول في لا: كتبت لاء جيدة. قال أبو زبيد: ليتَ شعري وأين منِّيَ لَيْتٌ * إنَّ لَيْتاً وإنَّ لوًّا عَناءُ
لا
«لَا» يستعمل للعدم المحض. نحو: زيد لا عالم، وذلك يدلّ على كونه جاهلا، وذلك يكون للنّفي، ويستعمل في الأزمنة الثّلاثة، ومع الاسم والفعل غير أنه إذا نفي به الماضي، فإمّا أن لا يؤتى بعده بالفعل، نحو أن يقال لك: هل خرجت؟ فتقول: لَا، وتقديره: لا خرجت.
ويكون قلّما يذكر بعده الفعل الماضي إلا إذا فصل بينهما بشيء. نحو: لا رجلا ضربت ولا امرأة، أو يكون عطفا. نحو: لا خرجت ولَا ركبت، أو عند تكريره. نحو: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [القيامة/ 31] أو عند الدّعاء. نحو قولهم: لا كان، ولا أفلح، ونحو ذلك. فممّا نفي به المستقبل قوله: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ [سبأ/ 3] وفي أخرى: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ [يونس/ 61] وقد يجيء «لَا» داخلا على كلام مثبت، ويكون هو نافيا لكلام محذوف وقد حمل على ذلك قوله: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة/ 1] ، فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ [المعارج/ 40] ، فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الواقعة/ 75] ، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [النساء/ 65] وعلى ذلك قول الشاعر: لا وأبيك ابنة العامريّ
وقد حمل على ذلك قول عمر رضي الله عنه- وقد أفطر يوما في رمضان فظنّ أنّ الشمس قد غربت ثم طلعت-: لا، نقضيه ما تجانفنا لإثم فيه، وذلك أنّ قائلا قال له قد أثمنا فقال لا، نقضيه. فقوله: «لَا» ردّ لكلامه قد أثمنا، ثم استأنف فقال: نقضيه . وقد يكون لَا للنّهي نحو: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات/ 11] ، وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ [الحجرات/ 11] ، وعلى هذا النّحو: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ [الأعراف/ 27] ، وعلى ذلك: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ [النمل/ 18] ، وقوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة/ 83] فنفي قيل تقديره: إنهم لا يعبدون، وعلى هذا: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [البقرة/ 84] وقوله:
ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ [النساء/ 75] يصحّ أن يكون «لا تقاتلون» في موضع الحال : ما لكم غير مقاتلين. ويجعل «لَا» مبنيّا مع النّكرة بعده فيقصد به النّفي. نحو: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [البقرة/ 197] ، [وقد يكرّر الكلام في المتضادّين ويراد إثبات الأمر فيهما جميعا. نحو أن يقال: ليس زيد بمقيم ولا ظاعن. أي: يكون تارة كذا وتارة كذا، وقد يقال ذلك ويراد إثبات حالة بينهما. نحو أن يقال: ليس بأبيض ولا أسود] ، وإنما يراد إثبات حالة أخرى له، وقوله: لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ [النور/ 35] .
فقد قيل معناه: إنها شرقيّة وغربيّة . وقيل معناه:
مصونة عن الإفراط والتّفريط. وقد يذكر «لَا» ويراد به سلب المعنى دون إثبات شيء، ويقال له الاسم غير المحصّل. نحو: لا إنسان، إذا قصدت سلب الإنسانيّة، وعلى هذا قول العامّة:
لا حدّ. أي: لا أحد.

لا التي تكون للتبرئة: النحويون يجعلون لها وجوهاً في نصب المُفرد

والمُكَرَّر وتنوين ما يُنوَّنُ وما لا يُنوَّن، والاخْتِيارُ عند جميعهم

أَن يُنصَب بها ما لا تُعادُ فيه كقوله عز وجل: أَلم ذلك الكتابُ لا

رَيْبَ فيه؛ أَجمع القراء على نصبه. وقال ابن بُزرْج: لا صلاةَ لا رُكُوعَ

فيها، جاء بالتبرئة مرتين، وإِذا أَعَدْتَ لا كقوله لابَيْعَ لا بَيْعَ فيه

ولا خُلَّة ولا شفاعة فأَنتَ بالخيار، إِن شئت نصبت بلا تنوين، وإِن شئت

رَفَعْتَ ونوَّنْتَ، وفيها لُغاتٌ كثيرة سوى ما ذكرتُ جائزةٌ عندهم.

وقال الليث: تقول هذه لاء مَكْتوبةٌ فتَمُدُّها لتَتِمَّ الكلمة اسماً، ولو

صغرت لقلت هذه لُوَيَّةٌ مكتوبة إِذا كانت صغيرة الكِتْبة غيرَ جَليلةٍ.

وحكى ثعلب: لَوَّيْت لاء حَسَنَةً عَمِلْتها، ومدَّ لا لأَنه قد صيَّرَها

اسماً، والاسمُ لا يكون على حرفين وَضْعاً، واخْتارَ الأَلف من بين حروف

المَدِّ واللين لمكان الفَتْحة، قال: وإِذا نسبت إِليها قلت لَوَوِيٌّ

(* قوله« لووي إلخ» كذا في الأصل وتأمله مع قول ابن مالك:

وضاعف الثاني من ثنائي * ثانيه ذو لين كلا ولائي)

وقصِيدةٌ لَوَوِيَّةٌ: قافِيَتُها لا. وأَما قول الله عز وجل: فلا

اقْتَحَمَ العَقَبةَ، فلا بمعنى فَلَمْ كأَنه قال فلم يَقْتَحِمِ العَقَبةَ،

ومثله: فلا صَدَّقَ ولا صَلَّى، إِلاَّ أَنَّ لا بهذا المعنى إِذا

كُرِّرَتْ أَسْوَغُ وأَفْصَحُ منها إِذا لم تُكَرَّرْ؛ وقد قال الشاعر:

إِنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِرْ جَمَّا،

وأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمَّا؟

وقال بعضهم في قوله: فلا اقْتَحَمَ العَقَبةَ؛ معناها فما، وقيل:

فَهَلاَّ، وقال الزجاج: المعنى فلم يَقْتَحِم العقبةَ كما قال فلا صَدَّق ولا

صَلَّى ولم يذكر لا ههنا إِلاَّ مرة واحدة، وقلَّما تتَكَلَّم العرب في

مثل هذا المكان إِلاَّ بلا مَرَّتَيْنِ أَو أَكثر، لا تكاد تقول لا

جِئْتَني تُريد ما جِئْتَني ولا نري صلح

(*قوله «نري صلح» كذا في الأصل بلا نقط

مرموزاً له في الهامش بعلامة وقفة.) والمعنى في فلا اقْتَحَمَ موجود لأَن

لا ثابتة كلها في الكلام، لأَن قوله ثم كان من الذين آمنوا يَدُلُّ على

معنى فلا اقْتَحَمَ ولا آمَنَ، قال: ونحوَ ذلك قال الفراء، قال الليث:

وقد يُرْدَفُ أَلا بِلا فيقال أَلا لا؛ وأَنشد: فقامَ

يَذُودُ الناسَ عنها بسَيْفِه

وقال: أَلا لا من سَبيلٍ إِلى هِنْدِ

ويقال للرجل: هل كان كذا وكذا؟ فيقال: أَلا لا ؛ جَعَلَ أَلا تَنْبيهاً

ولا نفياً. وقال الليث في لي قال: هما حَرْفانِ مُتباينان قُرِنا

واللامُ لامُ الملكِ والياء ياء الإضافة؛ وأَما قول الكميت:

كَلا وكَذا تَغْمِيضةً ثمَّ هِجْتُمُ

لَدى حين أَنْ كانُوا إِلى النَّوْمِ، أَفْقَرا

فيقول: كانَ نَوْمُهم في القِلَّةِ كقول القائل لا وذا، والعرب إِذا

أَرادوا تَقْلِيل مُدَّة فِعْلٍ أَو ظهور شيء خَفِيَ قالوا كان فِعْلُه

كَلا، وربما كَرَّروا فقالوا كلا ولا؛ ومن ذلك قول ذي الرمة:

أَصابَ خَصاصةً فبَدا كَليلاً

كلا، وانْغَلَّ سائرُه انْغِلالا

وقال آخر:

يكونُ نُزولُ القَوْمِ فيها كَلا ولا

[لا] ن: "لا" وقرة عيني! هي زائدة أو نافية لمحذوف، أي لا شيء غير ما أقول. وكذا ح: "لا" أريد أن أخبركم عن نبيكم، لا زائدة، أو المعنى: لا أريد الخبر عنه بل أعظكم من عند نفسي، لكني الآن أزيدكم على ما أردت بحديثه صلى الله عليه وسلم. وح: "لا" وهو يدافعه الأخبثان، أي لا صلاة لمصل وهو يدافعه، وروى برك "لا" فهو مبتدأ ويدافعه خبره، والجملة معطوفة على أخرى، وفيه حذف أي لا صلاة حين يدافعه. وح: "لا" إنا ظننا، أي لا مانع إلا توهم أن البعض قائم فنزعجه. وح: "لا" عليكم أن لا تفعلوا، أي ما عليكم ضرر في ترك العزل، فإن ما قدر يكون وما لا فلا، فلا فائدة في العزل ولا ضرر في تركه. ك: أي ليس عدم الفعل واجبًا عليكم، وقيل: "لا" زائدة، أي لا بأس عليكم في فعله، قوله: نصيب سبيًا، أي نجامع الإماء المسبية. ن: "لا" إلا بالمعروف، أي لا حرج، ثم ابتدأ فقال: إلا بالمعروف، أو معناه: لا حرج إذا لم تنفقي إلا بالمعروف. وح: "لا" ها الله إذا لا نعمد إلى أسد، صوابه: ذا- بلا ألف، أي هذا يميني، وها- بالمد والقصر، ويلزم الجر بعدها لأنها بمعنى واو القسم، ونعمد- بنون التكلم، وكذا فنعطيك. ط: لا- نفي لكلام الرجل، ولا يعمد- جواب القسم، أي لا يقصد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أسد قتال فيأخذ سلبه، فيعطيك- بالنصب،أي لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر للذم وللتعجب ودفعًا للعين. وح "لا" واستغفر الله، أي استغفر الله إن كان الأمر على خلاف ذلك، وهو إن لم يكن يمينًا لكن شابهه حيث أكد الكلام وقرره. وح: "لا" هو حرام، أي لا تبيعوها فإن بيعه حرام، وأما الانتفاع به حلال عند الشافعي وأصحابه خلافًا للجمهور. وح: "لا" يكسب عبد مال حرام فيتصدق به فيقبل، هما بالرفع عطفًا على يكسب أي لا يكون اجتماع الكسب والتصدق سببًا للقبول. وح: ابسط يدك فلأبايعك، اللام مقحمة، أو الفاء مقحمة واللام للتعليل للأمر، ويحتمل كون اللام مفتوحة بتقدير: فإني أبايعك، والفاء جزائية. وح: "فلا" عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، أي لا يتفاوت حال موته يهوديًا أو نصرانيًا بل هي سواء في كفران النعمة، وهو تشديد.
باب لي
(لا) - قوله تَبارك وتعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى}
: أي لَم يَتصدَّق، ولم يُصَلِّ، وأكثَر مَا تجىء مكررة
- في الحديث: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ "
: أي لَم يُؤمِنْ. ومنه قَول عُمَر - رضي الله عنه -: "وأَىُّ عَبدٍ لكَ لَا ألَمَّا "
: أي لم يُلِمَّ بالذّنب.
وقد تَجِيءُ "لاَ" زَائِدة نحو قوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ}
: أىَ ليَعْلَم أهل الكتاب، وهي من حُروُف العَطْفِ، وتُزادُ فيها التَّاء فيخفض بها، كقَول الشاعِرِ:
* طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاتَ أَوَانٍ * - في حديث أبى قَتادةَ وغَيْره: "إِمَّا لا فلا تَفعَلُوا"
فالعَربُ تُمِيل هذه اللام؛ وقد تُكْتَب بالياء فيُغْلَط فيه، فيظنُّونَها لى التي هي قَرِينَةُ لك، وليس كذلك، ذكره الميداني.
- في حديث بَريرَةَ - رَضى الله عنها - مِن طَرِيق هِشَام بن عُرْوةَ: "اشْتَرِطى لَهُم الوَلَاءَ "
قيل: إنّ هذه اللَّفظَةَ غِيرُ محْفُوظَةٍ، ولَوْ صَحَّتْ لَكانَ معناهَا: لا تُبالِى بقَولِهم لا أَن تَشْتَرِطِيهِ لَهُم، فَيكُون خلفاً لِمَوعودِ شَرْطٍ، وَكان المُزَنيّ يتأوّله فيقُول: [معناه] : اشْتَرطِى عليهم، كمَا قالَ تعالى: {لَهُمُ اللَّعْنَةُ} : أي عليهم.
ولِلَّام وُجُوهٌ صُنِّفَ فيها كُتُبٌ مُفرَدةٌ:
قال الطحاوىُّ: هذه اللَّفْظَة لم نَجِدْها إلَّا في رِوَاية مَالِك وجَرِير بن عبد الحَميدِ، عن هِشَام بن عُرْوَة، ويزيد بن رُومَان، عن عُرْوَةَ. وقيل: هو كقَولَه تعالى: {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} : أي عليها. وهو قول عبد الملِكِ بن هِشَام النّحوى. قال مُحمَّد بن العَبَّاس: فَذَكَرتُ ذلك لأَحمَدَ بن أبى عِمْرَان، فَقال: قد كَان مُحمّد بن شُجَاع يحمل ذلك على الوَعِيد الذي ظاهِرُه الأَمرُ وباطنه النَّهى.
- ومنه قوله تعالَى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ..} الآية. وَقولُه تعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} ؛ وقال: أَلا تَراه قد أَتْبَع ذلك صُعُودَ المِنبَر وخُطبتَه بِقَوله: "مَا بَال رِجَالٍ يَشتَرِطُون .. " الحديث، ثم أتبع ذلك بِقَوله عليه الصّلاة وَالسّلام: "إنما الوَلَاءُ لمن أعْتِق" وَذكر أبو بكرٍ الأثرم؛ أنّه سَأل أحمدَ بنَ حَنبَل - رحمه الله -: عن وجهه، فقال: نُرى - والله أعلَم -: أنَّ هذا كَانَ [قَدْ ] تَقدَّم مِن النبىّ - صلّى الله عليه وسلّم - القولُ فيه، فتقدَّم هؤلاء على نَهى النَّبىِّ - صلَّى الله عليه وسلّم - فقالَ: اشتَرِطى لهم. قال: قلتُ له: فَكأنّه عندك، لمّا تقَدَّمُوا على نَهْىِ النَّبِىّ - صلّى الله عليه وسلّم [وخلافِه ]. كان هذا تَغلِيظاً مِن النّبىّ - صلّى الله عليه وَسلم وغَضَباً، فقال: هكَذَا هو عِندنا - والله تعالى أعلم.
أخبرنا هِبَة الله السَّيِّدى [إجازَةً ]، أنا أبو بكر البَيْهَقِى، أنا الحاكم أبو عبد الله، أخبرني أبو أحمد بن أبى الحسَن، أنا عبد الرحمَنِ - يعنى - ابن محمد، ثنا أبى، ثنا حَرمَلة، سمعتُ الشافعىَّ - رحمه الله - يقول: في حديث النّبىّ - صلَّى الله عليه وسلّم - حَيثُ قال: اشتَرطِى لهم الوَلاء. معناه: اشترطى عليهم الولاء. قال الله - عزّ وجلّ - {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ}
: أي عليهم اللَّعْنة.
قال الحاكِمُ: ثنا الأصَمُّ، أنا الرّبيع، قال الشّافِعى: حَدِيثُ يحيى بن مَعين ، عن عَمْرَة، عن عائشةَ: أثبَتُ من حديث هِشَامٍ، وأَحسِبُه غلط في قوله: "واشتَرِطى لهم الوَلاءَ". وأحْسِبُ حديث عَمْرَةَ: أنَّ عائشة كانت شرطت لهم بِغَير أمْرِ النَّبى - صلّى الله عليه وسلّم -، وهي تَرى ذلك يَجوز، فأَعْلَمها رسولُ الله - صلّى الله عليه وسلّم - أَنَّها إن أَعتَقتْها فالوَلَاء لها، وقال: لا يَمْنَعَنْك عنها مَا تقدَّم من شرطِكِ، ولا أَرَى أنّه أَمرَها أن تشتَرِط لهم ما لا يَجوُز.
لَا
: (! لَا: تكونُ نافِيَةً) ، أَي حَرْفٌ يُنْفَى بِهِ ويُجْحَدُ بِهِ، وأَصْلُ ألِفِها ياءٌ عنْدَ قُطْرب حِكايَةً عَن بعضِهم أَنَّه قالَ: لَا أَفْعَلُ ذلكَ فأمالَ لَا.
وقالَ اللَّيْثُ: يقالُ: هَذِه لَا مَكْتُوبةٌ، فتَمُدُّها لتتم الكَلِمة اسْماً، وَلَو صَغَّرْتَ لقُلْتَ: هَذِه لُوَيَّةٌ مَكْتوبَةٌ إِذا كانتْ صَغِيرَة الكتبةِ غَيْر جَلِيلةٍ.
وحكَى ثَعْلب لَوَّيْتُ لاءً حَسَنَةً عَمِلْتُها، ومَدَّلا لأنَّه قد صَيَّرها اسْماً، والاسْمُ لَا يكونُ على حَرْفَيْن وضعا، واخْتَار الألِفَ مِن بينِ حُروفِ المَدِّ واللِّين لمَكانِ الفَتْحةِ؛ قالَ: وَإِذا نَسَبْتَ إِلَيْهَا قلْتَ: لَوَوِيٌّ. وقَصِيدَةٌ لَوَوِيَّةٌ: قافِيَتُها لَا.
(وَهِي على خَمْسةِ أَوْجُهٍ) .
الأوَّل: (عامِلَةٌ عَمَلَ إنَّ) ، وإنَّما يَظْهَرُ نَصْب اسْمِها إِذا كانَ خافِضاً نَحْو: لَا صاحِبَ جُودٍ مَمْقوتٌ، وَمِنْه قولُ المُتَنبِّي:
فَلَا ثَوْبَ مَجْدٍ غَيْرُ ثَوْبِ ابنِ أَحْمد
على أَحَدٍ إلاَّ بلُؤْمٍ مُرقع أَو رافِعاً نَحْو: لَا حَسَناً فِعْلُه مَذْمومٌ؛ أَو ناصِباً لَا طالِعاً جَبَلاً حاضِرٌ؛ وَمِنْه لَا خَيْرَ مِن زيْدٍ عنْدَنا؛ وقولُ المتنبِّي:
قفَا قَليلاً بهَا عليّ فَلَا
أَقَلّ مِن نَظْرةٍ أُزوَّدُها (و) الثَّاني: عامِلَةٌ (عَمَلَ ليسَ) ، وَهُوَ نَفْيُ غَيْر الْعَام نَحْو: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ وَلَا امْرأَةً، والفَرْقُ بينَ نَفْي الْعَام ونَفْي غَيْر الْعَام أنَّ نَفْيَ العامِ نَفْيٌ للجِنْسِ تقولُ: لَا رَجُل فِي الدارِ أَي ليسَ فِيهَا مِن جِنْسِه أَحَدٌ؛ ونَفْيَ غَيْر الْعَام نَفْيٌ للجُزْءِ فإنَّ قوْلَكَ: لَا رَجُل فِي الدَّارِ! وَلَا امْرأَة، يَجوزُ أَنْ يكونَ فِي الدَّارِ رَجُلانِ أَو رِجالٌ وامْرأَتانِ أَو نِساءٌ. (وَلَا تَعْمَلُ إلاَّ فِي النّكِراتِ كقولهِ) ، أَي الشَّاعِر وَهُوَ سعْدُ بنُ ناشبٍ، وقيلَ سعْدُ بنُ مالِكٍ يُعَرِّضُ بالحارِثِ بنِ عبَّادٍ اليَشْكُري وَكَانَ قد اعْتَزَلَ حَرْبَ تَغْلب وبَكْر ابْنَي وائِلٍ:
(مَنْ صَدَّ عَن نِيرانَها (فأَنَا ابنُ قَيْسٍ لَا بَراح) والقَصِيدَةُ مَرْفوعَةٌ وفيهَا يقولُ: بِئْسَ الخِلائِفُ بَعدنَا
أَولادُ يَشْكُر واللّقاحِوأَرادَ باللّقاحِ بَني حنيفَةَ وتقدَّمَ للمصنِّفِ فِي الحاءِ. وقَوْلُهم: لَا بَراح مَنْصوبٌ كقَوْلهم: لَا رَيْبَ، ويَجوزُ رَفْعه فتكونُ لَا بِمَنْزِلَة ليسَ.
قُلْتُ: وَهَذِه عِنْدَهم تُسَمَّى لَا التَّبْرِئةِ، وَلها وُجُوهٌ فِي نَصْبِ الْمُفْرد والمُبكَرَّ وتَنْوِين مَا يُنَوَّن وَمَا لَا يُنَوَّن كَمَا سَيَأتي؛ والاخْتِيارُ عنْدَ جمِيعِ النّحويِّين أَن يُنْصَبَ بهَا مَا لَا يُعادُ فِيهِ كَقَوْلِه، عزَّ وجلَّ: {ألم، ذلكَ الكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} ، أَجْمع القُراءُ على نَصْبِه.
وَفِي المِصْباح: وجاءَتْ بمعْنَى ليسَ نَحْو: لَا فِيهَا غُول، أَي ليسَ فِيهَا؛ وَمِنْه قولُهم: لَا هَاء الله ذَا، أَي ليسَ واللهاِ ذَا، والمعَنْى لَا يكونُ هَذَا الأَمْر.
(و) الثَّالثُ: أنْ (تكونَ عاطِفَةً بشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَها إثْباتٌ: كجاءَ زَيْدٌ لَا عَمْرٌ و؛ أَو أمْرٌ: كاضْرِبْ زَيْداً لَا عَمْراً) ؛ أَو نِداءٌ نَحْو: يَا ابنَ أَخي لَا ابنَ عَمِّي. (و) بشَرْطِ (أَن يَتَغايَرَ مُتَعاطِفاها فَلَا يجوزُ جاءَني رجُلٌ لَا زَيْدٌ لأنَّه يَصْدُقُ على زيدٍ اسْمُ الرَّجُلِ) بخِلافِ جاءَني رجُلٌ لَا امْرأَة، وبشَرْط أَنْ لَا تَقْتَرِن بعاطِفٍ. فَهِيَ شُروطٌ ثلاثَةٌ ذكرَ مِنْهَا الشَّرْطَيْن وأغفلَ عَن الثالثِ، وَقد ذَكَرَه الجَوْهرِي وغيرُه كَمَا سَيَأْتي.
وَفِي المِصْباح: وتكونُ عاطِفَةً بعْدَ الأَمْرِ والدُّعاءِ والإِيجابِ، نَحْو: أَكْرِمْ زَيْداً لَا عَمْراً، واللهُمَّ اغْفِرْ لزَيْد، لَا عَمْرٍ و، وقامَ زَيْدٌ لَا عَمْرٌ و، وَلَا يجوزُ ظُهور فِعْل ماضٍ بعْدَها لئَلاَّ يلتبسُ بالدُّعاءِ، فَلَا يقالُ قامَ زَيْدٌ لَا قامَ عَمْرو. وَقَالَ ابنُ الدهان: وَلَا تَقَعُ بعْدَ كَلام مَنْفيَ لأنَّها تَنْفي عَن الثَّانِي مَا وَجَبَ للأوَّلِ، فَإِذا كانَ الأوَّلُ مَنْفيّاً فَمَاذَا يَنْفي، انتَهَى.
وَفِي الصِّحاح: وَقد تكونُ حَرْفَ عَطْفٍ لإخْراجِ الثَّانِي ممَّا دخلَ فِيهِ الأوَّل كقَوْلكَ: رَأَيْت زَيْداً لَا عَمْراً، فإنْ أَدْخَلْت عَلَيْهَا الْوَاو خَرَجَتْ مِن أَنْ تكونَ حَرْف عَطْفٍ كقَوْلكَ: لم يَقُمْ زَيْدٌ وَلَا عَمرو، لأنَّ حُرُوفَ النِّسَق لَا يَدْخلُ بعضُها على بعضٍ، فتكونُ الواوُ للعطْفِ وَلَا إنَّما هِيَ لتَوْكيدِ النَّفْي، انتَهَى.
وَفِي المِصْباح: قَالَ ابنُ السَّراج وتَبِعَه ابنُ جنِّي: مَعْنى لَا العاطِفَة التَّحْقيق للأَوّل والنَّفْي عَن الثَّانِي فتقولُ قامَ زَيْدٌ لَا عَمْرو، واضْرِبْ زَيْداً لَا عَمْراً، ولذلكَ لَا يجوزُ وُقُوعُها بعْدَ حُروفِ الاسْتِثْناءِ فَلَا يقالُ قامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْداً وَلَا عَمْراً، وشبْه ذلكَ، وذلكَ أَنَّها للإخْراجِ مماَّ دَخَلَ فِيهِ الأوَّل، والأوّل هُنَا مَنْفيٌّ، ولأنَّ الواوَ للعَطْفِ وَلَا للعَطْفِ وَلَا يَجْتَمِعُ حَرْفانِ بمعْنًى واحِدٍ، قالَ: والنَّفْي فِي جَمِيعِ العربِيَّةِ متّسقٌ بِلاَ إلاَّ فِي الاسْتِثْناءِ، وَهَذَا القسْمُ داخِلٌ فِي عُمومِ قَوْلهم لَا يَجوزُ وُقُوعها بعْدَ كَلامٍ مَنْفيَ. قالَ السّهيلي: ومِن شَرْط العَطْف أَن لَا يصدق المَعْطوف عَلَيْهِ على المَعْطوف فَلَا يَجوزُ قامَ رجُلٌ لَا زَيْدٌ، وَلَا قامَتِ امرأَةٌ لَا هِنْد، وَقد نَصّوا على جَوازِ اضْربْ رجُلاً لَا زَيْداً فيحتاجُ إِلَى الفَرْقِ، انتَهَى الغَرَض مِنْهُ، وللحافِظِ تَقِيّ الدِّيْن السّبكي فِي هَذِه المَسْأَلةِ رِسَالَة بالخُصوصِ سَمَّاها نَيْل العُلا فِي العَطْفِ! بِلا، وَهِي جَوابٌ عَن سؤالٍ لولدِه القاضِي بَهاء الدِّيْن أَبي حامِدٍ أَحْمد بن عليَ السَّبكي وَقد قَرَأَها الصَّلاح الصَّفدي على التَّقي فِي دِمَشْق سَنَة 753، وحَضَرَ القِراءَةَ جُمْلةٌ مِن الفُضَلاءِ وَفِي آخِرها حَضَرَه القاضِي تَاج الدِّيْن عَبْدُ الوَهاب وَلَدُ المصنِّف، وفيهَا يقولُ الصَّفدي مقرظاً:
يَا مَنْ غَدا فِي العِلْم ذَا همةٍ
عَظِيمة بالفَضْلِ تملا الملالم تَرْقَ فِي النَّحْوِ إِلَى رتْبَةٍ
سامِيَةٍ إلاَّ بنَيْلِ العُلاوسأَخْتَصِرُ لكَ السَّؤالَ والجَوابَ، وأَذْكر مِنْهُمَا مَا يَتَعلَّقُ بِهِ الغَرَض:
قالَ يُخاطِبُ وَلَدَه: سَأَلْتَ أَكْرَمَك اللهاُ عَن قامَ رجُلٌ لَا زَيْد، هَل يصحُّ هَذَا التَّرْكِيب، وأنَّ الشَّيْخ أَبَا حيَّان جَزَمَ بامْتِناعِهِامْتَنَع جاءَ رَجُل لَا زَيْد كَمَا قَالُوهُ فَهَل يَمْتَنِع ذلكَ فِي العامِّ والخاصِ مِثْل قامَ الناسُ لَا زَيْد، وكيفَ يمنعُ أَحدٌ مَعَ تَصْريح ابنِ مالِكٍ وغيرِه بغيَّةِ قامَ الناسُ وزَيْدٌ، ولأيِّ شيءٍ يَمْتَنع العَطْف بِلا فِي نَحْو مَا قامَ إلاَّ زَيْدٌ لَا عَمْرو، وَهُوَ عَطْفٌ على مُوجبٍ لأنَّ زَيْداً مُوجبٌ وتعْلِيلهم بِأَنَّهُ يلْزمُ نَفْيه مَرَّتَيْن ضَعِيف لأنَّ الإطْنابَ قد يَقْتَضِي مِثْلَ ذلكَ لَا سيَّما والنَّفْي الأوَّل عامٌّ والنَّفْي الثَّانِي خاصٌّ، فأَسْوأُ دَرَجاتِه أَنْ يكونَ مِثْل مَا قامَ الناسُ وَلَا زَيْد؛ هَذَا جُمْلةَ مَا تضمَّنَه كتابك فِي ذلكَ، بارَكَ اللهاُ فِيك.
والجَوابُ: أَمَّا الشَّرْط الَّذِي ذَكَره أَبو حيَّان فِي العَطْفِ بِلا، فقد ذَكَرَه أَيْضاً أَبو الحَسَنِ الأبدي فِي شَرح الجَزُوليَّة فقالَ: لَا يُعْطَفُ بِلا إلاَّ بشَرْطٍ وَهُوَ أَنْ يكونَ الكَلامُ الَّذِي قَبْلها يتضَمَّنُ بمفْهومِ الخِطابِ نَفْي الفِعْل عمَّا بَعْدَها، فيكونُ الأوَّل لَا يَتَناوَلُ الثَّانِي نَحْو قَوْله جاءَني رجُلٌ لَا امْرَأَة، وجاءَني عالِمٌ لَا جاهِلٌ، وَلَو قُلْتَ: مَرَرْتُ برجُلٍ لَا عَاقِل لم يجزْ لأنَّه ليسَ فِي مَفْهومِ الكَلامِ الأوَّل يَنْفِي الفِعْلَ عَن الثَّانِي، وَهِي لَا تَدْخُل إلاَّ لتَأْكيدِ النَّفْي فإنْ أَرَدْتَ ذلكَ المَعْنى جِئْتَ بغَيْر فتقولُ: مَرَرْتُ برَجُلٍ غَيْر عَاقِلَ وغَيْر زَيْد، ومَرَرْت بِزَيْدٍ لَا عَمْرو، لأنَّ الأوَّل لَا يَتَناوَلُ الثَّانِي.
وَقد تضمَّنَ كلامُ الأبدي هَذَا زِيادَةً على مَا قالَهُ السَّهيلي وأَبو حيَّان، وَهِي قَوْله: إنَّها لَا تَدْخُل إلاَّ لتَأْكِيدِ المنَّفْي، وَإِذا ثَبَتَ أَنَّ لَا لَا تَدْخُلُ إلاَّ لتَأْكيدِ النَّفْي اتَّضَحَ اشْتِراط الشَّرْط المَذْكُور، لأَنَّ مَفْهوم الخِطابِ اقْتَضَى فِي قولِكَ قامَ رجُلٌ نَفْيَ المَرْأَةِ فدَخَلَتْ لَا للتَّصْريحِ بِمَا اقْتضاهُ المَفْهُوم، وكذلكَ قامَ زَيْدٌ لَا عَمْرو، أمَّا قامَ رجُلٌ لَا زَيْد فَلم يَقْتضِ المَفْهوم نَفْي زَيْد فلذلكَ لم يجزْ العَطْفُ! بِلا لأنَّها لَا تكونُ لتَأْكِيدِ نَفْي بل لتأَسِيسِه، وَهِي وَإِن كانَ يُؤْتَى بهَا لتَأْسِيسِ النَّفْي فكذلكَ فِي نَفْيٍ يقصدُ تَأْكِيدُه بهَا بخِلافِ غيرِها مِن أَدَواتِ النَّفي كلَمْ وَمَا، وَهُوَ كَلامٌ حَسَنٌ.
وأَيْضاً تَمْثِيل ابْن السَّراج فإنَّه قالَ فِي كتابِ الأُصول: وَهِي تَقَعُ لإخْراجِ الثَّانِي ممَّا دَخَلَ فِيهِ الأوَّل، وذلكَ قَوْله: ضَرَبْت زيْداً لَا عَمْراً، ومَرَرْتُ برجُلٍ لَا امْرأَةٍ، وجاءَني زَيْدٌ لَا عَمْرو، فانْظُرْ أَمْثِلَته لم يَذْكُر فِيهَا إلاَّ مَا اقْتَضاهُ الشَّرْطُ المَذْكُور.
وأيْضاً تَمْثِيل جَماعَة مِن النُّحاة مِنْهُم ابْن الشَّجَري فِي الأمالِي قالَ: إنَّها تكونُ عاطِفَةً فتَشْركُ مَا بَعْدَها فِي إعْرابِ مَا قَبْلها وتَنْفي عَن الثَّانِي مَا ثَبَتَ للأوَّل كَقَوْلِك: خَرَجَ زَيْدٌ لَا بكر، ولَقِيتُ أَخاكَ لَا أَباكَ، ومَرَرْتُ بحَمِيكَ لَا أَبِيكَ، وَلم يَذْكُر أَحدٌ مِن النّحاةِ فِي أَمْثلتِه مَا كونُ الأوَّل فِيهِ يحتملُ أَن يَنْدرجَ فِيهِ الثَّانِي، وخَطَرَ لي فِي سَبَبِ ذلكَ أَمْران: أَحَدُهما: أَنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، فَهَذِهِ القاعِدَةُ تَقْتَضِي أنَّه لَا بُدَّ فِي المَعْطوفِ أنْ يكونَ غَيْرَ المَعْطوفِ عَلَيْهِ، والمُغايَرَةُ عنْدَ الإطْلاقِ تَقْتَضِي المُبايَنَةَ لأنَّها المَفْهومُ مِنْهَا عنْدَ أَكْثَر الناسِ وإنْ كانَ التَّحْقيقُ أنَّ بينَ الأعَمِّ والأخَصِّ والعامِّ والخاصِّ والجُزْء، والكُلِّ مغايَرَةً، ولكنَّ المُغايَرَةَ عنْدَمَعَ إرادَةِ مَدْلُول رَجُل فِي احْتِمالِه لزَيْد وغَيْره لَا فائِدَةَ فِيهِ، ونقولُ أنَّه مُتنَاقِضٌ لأنَّه إِن أَرَدْتَ الإخبْارَ بنَفْي قِيامِ زَيْد وبالإخْبار بقِيامِ رجُلٍ المُحْتمل لَهُ ولغيْرِه كانَ مُتَناقِضاً، وَإِن أَرَدْتَ الإخْبارَ بقِيامِ رجُلٍ غَيْر زَيْد كَانَ طَرِيقُك أَنْ تقولَ غَيْر زَيْد، فَإِن قُلْتَ لَا بمعْنَى غَيْر لم تَكُنْ عاطِفَةً، ونحنُ إنَّما نَتَكلَّمُ على العَاطِفَةِ، والفَرْقُ بَيْنهما أنَّ الَّتِي بمعْنَى غَيْر مُقَيّدَةٌ للأُولى مُبَيِّنَةٌ لوَصْفِه، والعاطِفَة مُبَيِّنة حُكماً جَدِيداً لغَيْرِه، فَهَذَا هُوَ الَّذِي خَطَرَ لي فِي ذلكَ وَبِه يُتَبَيَّنُ أنَّه لَا فَرْقَ بينَ قَوْلك قامَ رَجُلٌ لَا زَيْد، وقَوْلك قامَ زَيْدٌ لَا رَجُل، كِلاهُما مُمْتَنِعٌ إلاَّ أَن يُرادَ بالرَّجُلِ غَيْرُ زَيْدٍ فحينَئِذٍ يصحُّ فيهمَا إنْ كانَ يصحُّ وَضْع لَا فِي هَذَا المَوْضِع مَوْضِع غَيْر وَفِيه نَظَرٌ وتَفْصيلٌ سنَذْكُره، وإلاَّ فنَعْدلُ عَنْهَا إِلَى صِيغَةِ غَيْر إِذا أُرِيدَ ذلكَ المَعْنى.
وبَيْنَ العَطْفِ ومَعْنى غَيْر فَرْقٌ، وَهُوَ أنَّ العَطْفَ يَقْتضِي النَّفْيَ عَن الثَّانِي بالمَنْطوقِ وَلَا تعرض لَهُ للأوَّل إلاَّ بتَأْكِيدِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بالمَفْهوم إنْ سَلِم، ومَعْنى غَيْر يَقْتَضِي تَقْييِد الأوَّل وَلَا تعرض لَهُ للثَّانِي إلاَّ بالمَفْهومِ إِن جَعَلْتها صِفَةً، وإنْ جَعَلْتها اسْتِثْناءً فحُكْمُه حُكْم الاسْتِثْناء فِي أَنَّ الدَّلالَةَ هَل هِيَ بالمَنْطوقِ أَو بالمَفْهومِ وَفِيه بَحْثْ.
والتَّفْصِيلُ الَّذِي وَعَدْنا بِهِ هُوَ أنَّه يَجوزُ قامَ رجُلٌ غَيْر زَيْد، وامْررْ برَجُلٍ غَيْر عاقِلٍ، وَهَذَا رَجُل لَا امْرأَة، وَرَأَيْت طَويلا لَا قَصِيرا. وَلَا يجوز: هَذَا رجل غير زيد،! وَلَا: رَأَيْتُ طَويلاً غَيْر قَصِيرٍ، فإنْ كَانَا عَلَمْين جازَ فِيهِ لَا وغَيْر، وهذانِ الوَجْهانِ اللذانِ خَطَرَا لي زائِدَانِ على مَا قالَهُ السّهيلي والأبدي مِن مَفْهومِ الخِطابِ لأنَّه إنَّما يَأْتي على القَوْلِ بمَفْهومِ اللّقَبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عنْدَ الأُصُوليِّين، وَمَا ذَكَرْته يأْتي عَلَيْهِ وعَلى غَيْرِه على أنَّ الَّذِي قَالَاه أَيْضاً وَجْه حَسَن يَصِيرُ مَعَه العَطْف فِي حُكْمِ المُبَيّن لمعْنَى الأَول مِن انْفِرادِه بذلِكَ الحُكْم وَحْده والتَّصْريح بعَدَمِ مُشارَكَة الثَّانِي لَهُ فِيهِ وإلاَّ لكانَ فِي حُكْم كَلامٍ آخر مُسْتَقِل، وليسَ هُوَ المَسْأَلةُ وَهُوَ مطردٌ أَيْضاً فِي قوْلكَ قامَ رجُلٌ لَا زَيْد وَقَامَ زيدٌ لَا رَجُل، لأنَّ كُلاًّ مِنْهُمَا عنْدَ الأُصُولِيِّين لَهُ حُكْم اللّقَب، وَهَذَا الوَجْه مَعَ الوَجْهَيْن اللذينِ خَطَرَا لي إنَّما هُوَ فِي لَفْظَةٍ لَا خاصَّة لاخْتِصاصِها بسَعَةِ النَّفْي ونَفْي المُسْتَقْبَل على خِلافٍ فِيهِ وَوضع الكَلام فِي عَطْفِ المُفْرداتِ لَا عَطْف الجُمَل، فَلَو جِئْتَ مَكانَها بِمَا أَو لم أَو ليسَ وجَعَلْته كَلاماً مُسْتَقلاَّ لم يَأْتِ المَسْأَلة وَلم يَمْتَنع.
وأَمَّا قولُ البَيانيين فِي قَصْرِ المَوْصُوف إفْراداً زَيْد كاتِبٌ لَا شاعِرٌ فصَحِيح لَا مُنافَاة بَيْنه وبَيْنَ مَا قُلْناه، وقَوْلُهم عَدَم تَنافِي الوَصْفَيْن مَعْناه أنَّه يُمْكِنُ صِدْقهما على ذاتٍ واحِدَةٍ كالعالِمِ والجاهِلِ، فإنَّ الوَصْفَ بأحَدِما يَنْفي الوَصْفَ بالآخرِ لاسْتِحالَةِ اجْتماعِهما، وأَمَّا شَاعِرٌ وكاتِبٌ فالوَصْفُ بأحدِهما لَا يَنْفِي الوَصْفَ بالآخرِ لإِمْكانِ اجْتماعِهما فِي شاعِرٍ كَاتِب فإنَّه يَجِيءُ نَفْي الآخر إِذا أُرِيدَ قَصْر المَوْصُوف على أَحَدِهما بِمَا تَفْهمُه القَرائنُ وسِياقُ الكَلام؛ فَلَا يقالُ مَعَ هَذَا كيفَ يَجْتَمِعُ كَلامُ البَيانِيِّين مَعَ كَلامِ السَّهيلي والشَّيْخ لظُهورِ إمْكانِ اجْتِماعِهما، وأَمَّا قَوْلك قامَ رَجُلٌ وزَيْد فتَرْكِيبٌ صَحِيحٌ ومَعْناهُ قامَ رَجُل غَيْر زَيْد وزَيْد، واسْتَفَدْنا التَّقْييد مِن العَطْفِ لمَا قَدَّمْناه مِن أنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَة، فَهَذَا المُتكلِّمُأنَّ النَّفْيَ الأوَّل عامٌّ وَالثَّانِي خاصٌّ صَحِيحٌ لكنَّه ليسَ مِثْل جاءَ زَيْدٌ لَا عَمْرو، لمَا ذَكَرْنا أَنَّ النَّفْيَ فِي غَيْرِ زَيْدٍ مَفْهومٌ وَفِي عَمْرٍ ومَنْطوقٌ، وَفِي الناسِ المُسْتَثْنى مِنْهُ مَنْطوقٌ فخَالَفَ ذلِكَ الْبَاب، وقَوْلُك فأَسْوأُ دَرَجاتِه أنْ يكونَ مِثْل مَا قامَ النَّاس وَلَا زَيْد مَمْنُوع وليسَ مِثْله، لأنَّ العَطْفَ فِي وَلَا زَيْد ليسَ بِلا بل بالواوِ، وللعَطْفِ بِلا حُكْم يخصّه ليسَ للواوِ، وليسَ فِيهِ قوْلنا مَا قامَ الناسُ وَلَا زَيْد أَكْثَر مِن خاصّ بَعْدَ عَام. هَذَا مَا قدَّرَه اللهاُ لي مِن كتابَتِي جَوَابا للولدِ بارَكَ اللهاُ فِيهِ، واللهاُ أَعْلم.
قُلْتُ: هَذَا خلاصَةُ السُّؤالِ والجَوابِ نقَلْتُهما مِن نسخةٍ سَقِيمةٍ فليَكُنِ النَّاظِرُ فيمَا ذَكَرْت على أهبةِ التأَمّل فِي سِياقِ الألفاظِ فعَسَى أَن يَجِدَ فِيهِ نَقْصاً أَو مُخالفَةً.
ثمَّ قَالَ المصنِّفُ: (وتكونُ جَواباً مُناقضاً لنَعَمْ) وبَلَى، ونَصُّ الجَوْهرِي: وَقد تكونُ ضِدّاً لبَلَى ونَعَم؛ (وتُحْذَفُ الجُمَلُ بعدَها كثيرا وتُعْرَضُ بينَ الخافِضِ والمَخْفوضِ نحوُ: جِئْتُ بِلا زادٍ، وغَضِبْتُ من لَا شيءٍ) ، وحينَئِذٍ تكونُ بمعْنَى غَيْر لأنَّ المَعْنى جِئْتُ بغَيْرِ زادٍ بغيرِ شيءٍ يُغْضَبُ مِنْهُ، كَمَا فِي المِصْباح. وَعَلِيهِ حَمَلَ بعضُهم قولَه تَعَالَى: {وَلَا الضَّالِّين} على بَحْثٍ فِيهِ.
وَقَالَ المبرِّدُ: إنَّما جازَ أَن تَقَعَ لَا فِي قولِه: {وَلَا الضَّالِّين} ، لأنَّ مَعْنى غَيْر مُتَضمِّنٌ مَعْنى النَّفْي، فجاءَتْ لَا تُشَدِّدُ مِن هَذَا النَّفْي الَّذِي تضمنه غَيْرُ لأنَّها تُقارِبُ الدَّاخِلَة، أَلا تَرى أنَّك تقولُ جاءَني زَيْدٌ وعَمْرو، فيقولُ السَّامِعُ: مَا جاءَكَ زَيْد وعَمْرو؟ فجازَ أَن يكونَ جاءَهُ أَحدُهما، فَإِذا قالَ مَا جاءَني زَيْد وَلَا عَمْرو فقد بيَّن أنَّه لم يَأْتِه واحِدٌ مِنْهُمَا، انْتهى.
وَإِذا جُعِل غَيْر بمعْنَى سِوَى فِي الآيةِ كانتْ لَا صِلَةً فِي الكَلام، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبو عبيدَةَ، فتأَمَّل.
(و) الَّرابعُ: أنْ (تكونَ مَوْضوعةً لطَلَبِ الترْكِ) . قَالَ شيْخُنا: هَذَا مِن عَدَمِ مَعْرفةِ اصْطِلاحِ فإنَّ مُرادَه لَا الناِهيَة، انتَهَى.
قُلْتُ: يبعدُ هَذَا الظَّنَّ على المصنِّفِ وكأنَّه أَرادَ التَّفَنّنَ فِي التَّعْبيرِ.
وَفِي الصِّحاح: وَقد تكونُ للنَّهْي كَقَوْلِك: لَا تَقُمْ وَلَا يَقُمْ زَيْد، يُنْهى بِهِ كلُّ مَنْهيَ مِن غائِبٍ وحاضِرٍ.
(وتَخْتَصُّ بالدُّخولِ على المُضارِعِ وتَقْتَضِي جَزْمَهُ واسْتِقْبالَه) نَحْو: قَوْله تَعَالَى: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُم أَوْلياءَ} قَالَ صاحِبُ المِصْباح: لَا تكونُ للنَّهْي على مُقَابلةِ الأمْرِ لأنَّه يقالُ اضْرِبْ زَيْداً، فتقولُ: لَا تَضْرِبْه، ويقالُ اضْرِبْ زَيْداً وعَمْراً، فتقولُ: لَا تَضْرِبْ زَيْداً وَلَا عَمْراً بتَكْرِيرِها لأنَّه جوابٌ عَن اثْنَيْن فكَانَ مُطابقاً لمَا بُني عَلَيْهِ مِن حكْمِ الكَلامِ السابِقِ، فإنَّ قَوْلك اضْرِبْ زَيْداً وعَمْراً جُمْلتانِ فِي الأصْلِ، قَالَ ابنُ السَّراج: لَوْ قُلْت لَا تَضْرِبْ زَيْداً وعَمْراً لم يَكُنْ هَذَا نَهْياً عَن الاثْنَيْن على الحَقِيقَةِ لأنَّه لَوْ ضُرِبَ أَحدُهما لم يكُنْ مُخالِفاً، لأنَّ النَّهْيَ لَا يَشْملُهما، فَإِذا أَرَدْتَ الانْتهاءَ عَنْهُمَا جمِيعاً فنَهْيُ ذلكَ لَا تَضْرِبْ زَيْداً وَلَا عَمْراً فمَجِيئها هُنَا لانْتِظامِ النَّهْي بأَسْرِه وخُرُوجها إخْلال بِهِ، انتَهَى.
قَالَ صاحِبُ المِصْباح: ووَجْهُ ذلكَ أنَّ الأصْلَ لَا تَضْرِبْ زَيْداً وَلَا تَضْرِبْ عَمْراً لكنَّهم حذَفُوا الفِعْلَ الثَّانِي اتِّساعاً لدَلالَةِ المعْنى عَلَيْهِ، لأنَّ لَا النَّاهية لَا تَدْخُلُ إلاَّ على فِعْلٍ، فالجُمْلةُ الثانِيَةُ مُسْتقلةٌ بنَفْسِها مَقْصودَةٌ بالنَّهْي كالجُمْلةِ الأُولى، وَقد يَظْهَرُ الفِعْل وتُحْذَفُ لَا لفَهْم المَعْنى أَيْضاً نَحْو: لَا تَضْرِبْ زَيْداً وتَشْتم عَمْراً، وَمِنْه: لَا تأْكُلِ السَّمَك وتَشْرَب اللَّبَنَ، أَي لَا تَفْعَل واحِداً مِنْهُمَا؛ وَهَذَا بخِلافِ لَا تَضْربْ زَيْداً وعَمْراً حيثُ كانَ الظاهِرُ أَنَّ النَّهْي لَا يَشْملُهما لجَوازِ إرادَةِ الجَمْعِ بَيْنهما، وبالجُمْلةِ فالفَرْقُ غامِضٌ وَهُوَ أنَّ العامِلَ فِي لَا تأْكُلِ السَّمك وتَشْرب اللّبن مُتَعينٌ وَهُوَ لَا، وَقد يجوز حَذْف العامِلِ لقَرِينَةٍ، والعامِلُ فِي لَا تَضْرِب زَيْداً وعَمْراً غَيْرُ مُتَعّين إِذْ يَجوزُ أَنْ تكونَ الْوَاو بمعْنَى مَعَ فوَجَب إثْبات لَا رفْعاً للَّبْسِ؛ وَقَالَ بعضُ المُتَأخِّرين: يجوزُ فِي الشِّعْر لَا تَضْرِبْ زَيْداً وعَمْراً على إرادَةِ وَلَا عَمْراً؛ قالَ: وتكونُ لنَفْي الفِعْل، فَإِذا دَخَلَتْ على المُسْتَقْبل عَمَّتْ جَمِيعَ الأزْمِنَةِ إلاَّ إِذا خصَّ بقَيْدٍ ونَحْوِه، نَحْو: واللهاِ لَا أَقُومُ، وَإِذا دَخَلَتْ على الماضِي نَحْو: واللهاِ لَا قُمْت، قَلَبَتْ مَعْناه إِلَى الاسْتِقْبالِ وصارَ مَعْناه واللهاِ لَا أَقُومُ فإنْ أُريدَ الماضِي قيلَ واللهاِ مَا قُمْت، وَهَذَا كَمَا تَقْلِبُ لم مَعْنى المُسْتَقْبل إِلَى الماضِي نَحْو: لم أقُمْ، والمَعْنى مَا قُمْت.
(و) الْخَامِس: أَن (تكونَ زائِدَةً) للتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {مَا مَنَعَكَ إذْ رَأَيْتَهُم ضَلُّوا أَلاَّ تَتَّبِعَن} ، أَي أَن تَتَّبِعَني وَقَالَ الفرَّاء: العَرَبُ تقولُ لَا صِلَة فِي كلَ كَلامٍ دَخَلَ فِي أَوَّله جَحْدٌ أَو فِي آخرهِ جَحْدٌ غَيْر مُصَرَّح، فالجَحْدُ السابقُ الَّذِي لم يُصَرَّح بِهِ كقَوْلهِ تَعَالَى: {مَا مَنَعَك أنْ لَا تَسْجُدَ} ، أَي أنْ تَسْجُدَ.
وَقَالَ السّهيلي: أَي من السُّجودِ إِذْ لَو كانتْ غَيْر زائِدَةٍ لكانَ التَّقْديرُ مَا مَنَعَك مِن عَدَمِ السُّجودِ فيَقْتَضِي أنَّه سَجَدوا لأَمْرٍ بخِلافِه؛ وَقَوله تَعَالَى: {وَمَا يُشْعِرُكُم أَنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُون} ، أَي يُؤْمِنُون.
ومِثالُ مَا دَخَلَ الجَحْدُ آخِرَه قَوْله تَعَالَى: {لئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتابِ} أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شيءٍ مِن فَضْلِ اللهاِ قالَ: وأَمَّا قولهُ، عزَّ وجلَّ: {وحَرامٌ على قَرْيةٍ أهْلَكْناها أَنَّهم لَا يَرْجِعُونَ} ؛ فلأَنَّ فِي الحَرامِ مَعْنى جَحْدٍ ومَنْعٍ؛ قالَ: وَفِي قولهِ تَعَالَى: {وَمَا يُشْعِرُكُم} مِثْله، فلذلكَ جُعِلت بعْدَه صِلةً مَعْناها السُّقُوط مِن الكَلام.
وَقَالَ الجَوْهرِي: وَقد تكونُ لَا لَغْواً؛ وأَنْشَدَ للعجَّاج: فِي بئْرِ لَا حُورٍ سرى وَمَا شَعَرْ
بإفْكِه حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ جَشَرْوقال أَبو عبيدَةَ: إنَّ غَيْر فِي قولهِ تَعَالَى: {غَيْر المَغْضُوبِ عَلَيْهِم} ، بمعْنَى سِوَى. وإنَّ لَا فِي {وَلَا الضَّالِّين} صِلَةٌ، واحْتَجَّ بقولِ العجَّاج هَذَا.
قَالَ الفرَّاء: وَهَذَا جائِزٌ لأنَّ المَعْنى وقَعَ فيمَا لَا يتبيَّن فِيهِ عَمَلَه، فَهُوَ جَحْدٌ محْضٌ لأنَّه أَرادَ فِي بئْرِ مَاء لَا يُحِيرُ عَلَيْهِ شَيْئا، كأَنَّك قلْتَ إِلَى غَيْر رُشْدٍ توَجَّه وَمَا يَدْرِي؛ قالَ: وغَيْر فِي الآيةِ بمعْنَى لَا، ولذلكَ زِدْتَ عَلَيْهَا كَمَا تَقول فلانٌ غيرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ، فَإِذا كَانَت غَيْر بمعْنَى سِوَى لم يجزْ أَن يكُرَّ عَلَيْهِ، أَلا تَرَى أنَّه لَا يَجوزُ أَن يقولَ: عِنْدِي سِوَى عبدِ اللهاِ وَلَا زيدٍ؟ .
ورَوَى ثَعْلَب أَنَّه سَمِعَ ابنَ الأعْرابي يقولُ فِي قولِ العجَّاج: أَرادَ حُؤُورٍ أَي رُجُوع، المَعْنى أنَّه وَقَعَ فِي بئْرِ هَلَكةٍ لَا رجُوعَ فِيهَا وَمَا شَعَرَ بذلكَ.
وقولهُ تَعَالَى: {وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئةُ} ؛ قالَ المبرِّدُ: لَا صِلَةٌ، أَي والسَّيِّئَة؛ وقولُ الشاعرِ أَنْشَدَه الفرَّاء:
مَا كَانَ يَرْضَى رسولُ اللهاِ دِينَهُمُ
والأطْيَبانِ أَبو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ قالَ: أَرادَ وعُمَر، وَلَا صِلَةٌ، وَقد اتَّصَلَتْ بجَحْدٍ قَبْلها؛ وأنْشَدَ أَبو عبيدَةَ للشمَّاخ:
أعايش مَا لأَهْلِك لَا أَرَاهُمُ
يُضَيّعونَ الهِجَانَ مَعَ المضيّعِقال: لَا صِلَةٌ، والمَعْنى أَراهُم يُضَيِّعُونَ السّوامَ، وَقد غَلَّطُوه فِي ذلِكَ لأنَّه ظَنَّ أنَّه أَنْكَر عَلَيْهِم فَسادَ المالِ، وليسَ الأَمْرُ كَمَا ظَنَّ لأنَّ امْرأَتَه قالتْ لَهُ: لمَ تُشدِّدُ على نَفْسِك فِي العَيْشِ وتُكْرِم الإِبِلَ؟ فقالَ لَهَا: مَالِي أَرَى أَهْلَكِ يَتَعهَّدُونَ أَمْوالَهم وَلَا يُضَيِّعُونَها وأَنْتِ تَأْمُرِيني بإضاعَةِ المالِ؟ .
وَقَالَ أَبو عبيدٍ: أَنْشَدَ الأصْمعي لساعِدَةَ الهُذَلي:
أَفَعَنْكَ لَا بَرْقٌ كأَنَّ ومِيضَه
غابٌ تَسَنّمه ضِرامٌ مُثْقَبُقالَ يريدُ أمنك بَرْقٌ وَلَا صِلَةٌ.
وَقَالَ الأزْهري: وَهَذَا يُخالِفُ مَا قالَهُ الفرَّاءُ: إنَّ لَا لَا تكونُ صِلَةً إلاَّ مَعَ حَرْفِ نَفْي تقدَّمه.
وممَّا يُسْتدركُ عَلَيْهِ:
قد تَأْتي لَا جَواباً للاسْتِفْهامِ، يقالُ: هَل قامَ زَيْدٌ؟ فَيُقَال: لَا.
وتكونُ عاطِفَةً بعْدَ الأمْرِ والدُّعاءِ، نَحْو: أَكْرِمْ زَيْداً لَا عَمْراً، واللهُمَّ اغْفِرْ لزَيْدٍ لَا عَمْرو، وَلَا يَجوزُ ظُهورُ فِعْلٍ ماضٍ بَعْدَها لئَلاَّ يلتبسُ بالدُّعاء، فَلَا يقالُ: قامَ زَيْدٌ لَا قامَ عَمْرو.
وتكونُ عِوَضاً مِن حَرْفِ البَيانِ والقصَّة ومِن إحْدَى النُّونَيْن فِي أَنَّ إِذا خُفّف نَحْو قَوْله تَعَالَى: {أَفلا يَرونَ أَنْ لَا يرجعَ إِلَيْهِم قَوْلاً} .
وتكونُ للدُّعاءِ نَحْو: لَا سلم: وَمِنْه {وَلَا تحمل علينا إصْراً} ؛ وتَجْزمُ الفِعْلَ فِي الدُّعاءِ جَزْمه فِي النَّهْي.
وتكونُ مهيئةً نَحْو: لَوْلا زَيْد لكانَ كَذَا، لأنَّ لَو كانتْ تَلِي الفِعْل فلمَّا دَخَلَتْ لَا مَعهَا غَيَّرَتْ مَعْناها وَوليت الِاسْم.
وتَجِيءُ بمعْنَى غَيْر، كَقَوْلِه تَعَالَى: {مالكُم لَا تَناصَرُونَ} ، فإنَّه فِي مَوْضِع نَصْبٍ على الحالِ، المَعْنى مالَكُم غَيْر مُتناصِرِينَ، قالَهُ الزجَّاج.
وَقد تُزادُ فِيهَا التاءُ فيُقالُ لاتَ، وَقد مَرَّ للمصنِّفِ فِي التَّاءِ.
قَالَ أَبو زَيْدٍ: التاءُ فِيهَا صِلَةٌ، والعَرَبُ تَصِلُ هَذِه التَّاء فِي كَلامِها وتَنْزِعُها؛ والأصْلُ فِيهَا لَا، والمَعْنى لَيْسَ، وَيَقُولُونَ: مَا أَسْتَطِيعُ وَمَا أَسْطِيعُ، وَيَقُولُونَ ثُمَّتَ فِي مَوْضِع ثُمَّ، ورُبَّتَ فِي موضِع رُبَّ، وَيَا وَيْلَتنا وَيَا وَيْلنا.
وذَكَرَ أَبو الهَيْثم عَن نَصيرِ الرَّازِي أنَّه قالَ فِي قولِهم: لاتَ هَنّا أَي ليسَ حينَ ذلكَ، وإنَّما هُوَ لَا هَنَّا فأَنَّثَ لَا فقيلَ لاَةَ ثمَّ أُضِيفَ فتحوَّلَت الهاءُ تَاء، كَمَا أَنَّثُوا رُبَّ رُبَّتَ وثُمَّ ثُمَّتَ، قالَ: وَهَذَا قولُ الكِسائي: ويُنْصَبُ بهَا لأنَّها فِي مَعْنى ليسَ؛ وأَنْشَدَ الفرَّاء:
تَذَكَّر حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينا قالَ: ومِن العَرَبِ مَنْ يَخْفِضُ بلاتَ، وأَنْشَدَ: طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أَوانٍ
فأَجْبنا أَنْ ليسَ حِينَ بَقاءِونقلَ شَمِرٌ الإجْماعَ مِن البَصْرِيِّين والكُوفيِّين أَنَّ هَذِه التَّاءَ هاءٌ وُصِلَتْ بِلا لغَيْرِ مَعْنًى حادِثٍ.
وتأْتي لَا بمَعْنى ليسَ؛ وَمِنْه حديثُ العَزْل عَن النِّساءِ فَقَالَ: (لَا عَلَيْكم أَنْ لَا تَفْعَلُوا، أَي ليسَ عَلَيْكم) .
وَقَالَ ابنُ الأعْرابي: لاوَى فلانٌ فلَانا: إِذا خالَفَهُ.
وَقَالَ الفرَّاءُ: لاوَيْتُ قُلْت لَا.
قَالَ ابنُ الأعْرابي: يقالُ لَوْلَيْتُ بِهَذَا المَعْنى.
قُلْت: وَمِنْه قولُ العامَّة: إنَّ اللهاَ لَا يُحبُّ العَبْدَ اللاَّوي أَي الَّذِي يُكْثرُ قَوْلَ لَا فِي كِلامِه.
قَالَ اللّيْث: وَقد يُرْدَفُ أَلا بِلا فيُقال أَلا لَا؛ وأَنْشَدَ:
فقامَ يذُودُ الناسَ عَنْهَا بسَيْفِه
وَقَالَ أَلالا مِن سَبِيلٍ إِلَى هِنْدٍ ويقالُ للرَّجُلِ: هَل كانَ كَذَا وَكَذَا؟ فيُقالُ: أَلالا، جعلَ أَلا تَنْبِيهاً وَلَا نَفْياً؛ وأَمَّا قولُ الكُمَيْت:
كَلا وكَذا تَغْمِيضةً ثمَّ هِجْتُمْ
لَدَى حِين أَنْ كانُوا إِلَى النَّوْمِ أَفْقَرافيقولُ: كأَنَّ نَوْمَهم فِي القلَّةِ كقولِ القائِلِ لاوذا، والعَرَبُ إِذا أَرادُوا تَقْلِيلَ مُدَّة فِعْلٍ أَو ظُهورِ شيءٍ خَفِيٍ قَالُوا: كانَ فِعْلُه كَلا، ورُبَّما كَرَّرُوا فَقَالُوا: كَلا وَلَا؛ ومِنَ الأوَّل قولُ ذِي الرُّمّة:
أَصابَ خَصاصَةً فبَدا كَليلاً
كَلا وانْفَلَّ سائِرُه انْفِلالاومِن الثَّانِي قولُ الآخرِ:
يكونُ نُزولُ القَوْمِ فِيهَا كَلا وَلَا ومِن سَجَعاتِ الحَرِيرِي: فَلم يَكُنْ إلاَّ كَلا وَلَا، إشارَة إِلَى تَقْلِيلِ المدَّةِ ومنهَا فِي الحمصيةِ بُورِكَ فِيك مِن طَلا كَمَا بُورِكَ فِي لَا وَلَا، إشارَة إِلَى قولهِ تَعَالَى: {لَا شَرْقِيَّة وَلَا غَرْبِيَّة} .
وَيَقُولُونَ: إمّا نَعَم مُرِيحَة وإمَّا لَا مُرِيحَة، وَيَقُولُونَ: لَا إحْدَى الرَّاحَتَيْن، وَفِي قولِ الأبوصيري يَمْدَحُ النَّبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
نَبِيِّنا الآمِرُ الناهِي فَلَا أَحَد
أَبَرّ فِي قوْلِ لَا مِنْهُ وَلَا نَعَموقال آخَرُ:
لَوْلا التَّشَهُّدُ كانتْ لاءهُ نَعَمُ فمدَّها.
مهمة.
اخْتُلِفَ فِي لَا فِي مَواضِع مِن التَّنْزيلِ هَل هِيَ نافِيَةٌ أَو زائِدَةٌ:
الأوَّل: قولهُ تَعَالَى: {لَا أُقْسِمُ بيَوْم القِيامَةِ} ، قَالَ اللَّيْث: تأْتي لَا زائِدَة مَعَ اليَمِين كقَوْلِكَ لَا أُقْسِمُ باللهاِ. وَقَالَ الزجَّاج: لَا اخْتِلافَ بينَ الناسِ أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: {لَا أُقْسِمُ بيَوْم القِيامَةِ} وأشْكالِه فِي القُرْآنَ مَعْناهُ أَقْسِم، واخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ لَا فقالَ بعضٌ: لَا لَغْوٌ، وَإِن كَانَت فِي أَوَّل السُّورَةِ، لأنَّ القُرْآنِ كُلّه كالسُورَةِ الواحِدَةِ لأنَّه مُتَّصِلٌ بَعْضه ببعضٍ، وقالَ الفرَّاء: لَا رَدٌّ لكَلامٍ تقدَّمَ، كأنَّه قيلَ ليسَ الأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُم فَجَعلهَا نافِيَةً وَكَانَ يُنْكِرُ على مَنْ يقولُ إنَّها صِلَةٌ، وَكَانَ يقولُ لَا يبتدأُ بجَحْدٍ ثمَّ يجعلُ صِلَةً يُرادُ بِهِ الطَّرْح، لأنَّ هَذَا لَو جازَ لم يُعْرَف خَبَرٌ فِيهِ جَحْد مِن خَبَرٍ لَا جَحْدَ فِيهِ، ولكنَّ القُرْآنَ نزلَ بالرَّدِّ على الَّذين أَنْكَروا البَعْثَ والجنَّةَ والنارَ، فجاءَ الإقْسامُ بالرَّدِّ عَلَيْهِم فِي كثيرٍ مِن الكَلامِ المُبْتدأِ مِنْهُ وغَيْر المُبْتدأ كقَوْلكَ فِي الكَلامِ لَا واللهاِ لَا أَفْعَل ذَلِك، جَعَلُوا لَا، وَإِن رأَيْتَها مُبْتدأَةً، رَدًّا لكَلامٍ قد مَضَى، فَلَو أُلْغِيَتْ لَا ممَّا يُنْوَى بِهِ الجوابُ لم يَكُنْ بينَ اليَمِينِ الَّتِي تكونُ جَواباً وباليمين الَّتِي تُسْتَأْنفُ فَرْقٌ، انتَهَى.
وَقَالَ التَّقيُّ السَّبكي فِي رِسالَتِه المَذْكورَةِ عنْدَ قولِ الأَبدِي إنَّ لَا لَا تَدْخُلُ إلاَّ لتَأْكِيدِ النَّفْي مُعْتذراً عَنهُ فِي هَذِه المَقالَة بِما نَصَّه: ولعلَّ مُرادَه أنَّها لَا تَدْخُل فِي أثْناءِ الكَلامِ إلاَّ للنَّفْي المُؤَكّد بخِلافِ مَا إِذا جاءَتْ فِي أَوَّلِ الكَلامِ قد يُرادُ بهَا أَصْلُ النَّفْي كَقَوْلِه: لَا أُقْسِمُ وَمَا أَشْبَهه، انتَهَى.
فَهَذَا مَيْلٌ مِنْهُ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الفرَّاء. وَمِنْهُم مَنْ قَالَ إنَّها لمجَرَّدِ التَّوْكيدِ وتَقْوِيَةِ الكَلامِ، فتأَمَّل.
الثَّاني: قولهُ تَعَالَى: {قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُم عَلَيْكم أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا} ؛ فقيلَ: لَا نافِيَة، وَقيل: ناهِيَة، وَقيل: زائِدَةٌ، والجَمْيعُ مُحْتَمل، وَمَا خَبَرِيَّة بمعْنَى الَّذِي مَنْصُوبَة بأَتْلُ، و {حَرَّم رَبّكُم} صِلَةٌ، و {عَلَيْكم} مُتَعَلِّقٌ بحَرَّمَ.
الثَّالث: قوْلُه تَعَالَى: {وَمَا يُشْعِرُكُم أنَّها إِذا جاءَتْ لَا يُؤْمِنُون} ، فيمَنْ فَتَح الهَمْزَةَ، فقالَ الخليلُ والفارِسِيُّ: لَا زائِدَةٌ وإلاَّ لكانَ عُذراً لَهُم، أَي للكُفَّار؛ ورَدَّه الزجَّاجُ وقالَ: إنَّها نافِيَةٌ فِي قراءَةِ الكَسْرِ، فيجبُ ذلكَ فِي قِراءَةِ الفَتْح، وَقيل: نافِيَةٌ وحُذِفَ المَعْطوفُ أَي أَو أنَّهمُ يُؤْمِنُون. وقالَ الخليلُ مَرَّة: أَنّ بمعْنَى لعلَّ وَهِي لُغَةٌ فِيهِ.
الَّرابع: قولُه تَعَالَى: {وحَرامٌ على قَرْيةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهم لَا يَرْجِعُون} ؛ قيلَ زائِدَة، والمَعْنى مُمْتَنِعٌ على أَهْلِ قَرْيةٍ قَدَّرْنا إهْلاكَهم لكُفْرِهم أَنَّهم يَرْجِعُون عَن الكُفْرِ إِلَى القِيامَةِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِن تَقْريرِ الفرَّاء الَّذِي تقدَّم؛ وَقيل: نافِيَةٌ، والمَعْنى مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِم أَنَّهم لَا يَرْجِعُون إِلَى الآخِرَة.
الْخَامِس: قولهُ تَعَالَى: {وَلَا يَأْمُركُم أَنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبيِّين أَرْباباً} ، قُرىءَ فِي السَّبْع برَفْع {يَأْمركُم} ونَصْبِه، فمَنْ رَفَعَه قَطَعَه عمَّا قَبْلَه، وفاعِلُه ضَمِيرُه تَعَالَى أَو ضَمِيرُ الرَّسُولِ، وَلَا على هَذِه نافِيَةٌ لَا غَيْر؛ ومَنْ نَصَبَه فَهُوَ مَعْطوفٌ على {يُؤْتِيه ااُ الكِتابَ} ، وعَلى هَذَا لَا زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لمعْنَى النَّفْي.
السَّادس: قولُه تَعَالَى: {فَلَا اقْتَحَمَ العَقَبةَ} ، قيل: لَا بمعْنَى لم، ومِثْله فِي: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} ، إلاَّ لَا بِهَذَا المَعْنى إِذا كُرِّرَتْ أَسْوَغُ وأَفْصَحُ مِنْهَا إِذا لم تُكَرَّرْ؛ وَقد قالَ الشاعرُ:
وأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا؟ وَقَالَ بعضُهم: لَا فِي الآيةِ بمعْنَى مَا، وقيلَ: فَلَا بمعْنَى فهَلاَّ؛ ورَجَّح الزجَّاجُ الأوَّل.
مهمة وفيهَا فَوَائِد:
الأُولى: قولُ الشاعرِ:
أَبَى جُودُه لَا البُخْلَ واسْتَعْجلتْ نَعَمْ
بهِ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الجُوعَ قاتِلَهْذَكَرَ يونُسُ أَنَّ أَبا عَمْرو بنَ العَلاءِ كانَ يجرُّ البُخْل ويَجْعَل لَا مُضافَةً إِلَيْهِ، لأنَّ لَا قد تكونُ للجُودِ وللبُخْلِ، أَلا تَرى أَنه لَو قيلَ لَهُ امْنَعِ الحَقَّ فقالَ: لَا كانَ جُوداً مِنْهُ؟ فأَمَّا إنْ جَعَلْتها لَغْواً نصبْتَ البُخْلَ بالفِعْل وإنْ شِئْتَ نصبْتَه على البَدَلِ؛ قَالَ أَبو عَمْرو: أَرادَ أَبى جُودُه لَا الَّتِي تُبَخِّلُ الإِنْسانَ كأنَّه إِذا قيلَ لَا تُسْرِفْ وَلَا تُبَدِّرْ أَبى جُودُه قولَ لَا هَذِه، واسْتَعْجَلَتْ بهِ نَعَمْ فقالَ: نَعَمْ أَفْعَلْ وَلَا أَتْركُ الجُودَ.
قَالَ الزجَّاجُ: وَفِيه قولانِ آخَرانِ على رِوايَةِ مَنْ رَوَى أَبَى جُودُه لَا البُخْل بنَصْبِ اللامِ: أَحَدُهما مَعْناه أَبَى جُودُه البُخْلَ وتَجْعل لَا صِلَةً؛ وَالثَّانِي: أَنْ تكونَ لَا غَيْرَ لَغْوٍ ويكونُ البُخْلُ مَنْصوباً بَدَلاً مِن لَا، المَعْنى أَبَى جُودُه لَا الَّتِي هِيَ للبُخْلِ، فكأَنَّك قُلْتَ أَبَى جُودُه البُخْلَ وعَجَّلَتْ بهِ نَعَم.
وَقَالَ ابنُ برِّي: مَنْ خَفَضَ البُخْل فعَلَى الإضافَةِ، ومَنْ نَصَبَ جَعَلَه نَعْتاً للا، وَلَا فِي البَيْتِ اسْمٌ، وَهُوَ مَفْعولٌ لأَبَى، وإنَّما أَضافَ لَا إِلَى البُخْل لأنَّ لَا قد تكونُ للجُودِ، قَالَ: وقولهُ إنْ شِئْتَ نصبْتَه على البَدَلِ قَالَ: يَعْني البُخْل تَنْصبُه على البَدَلِ مِن لَا لأنَّ لَا هِيَ البُخْل فِي المَعْنى، فَلَا تكونُ لَغْواً على هَذَا القَوْلِ.
الثَّانِيَة: قَالَ اللّيْثُ: العَرَبُ تَطْرحُ لَا وَهِي مَنْوِيَّة كقولِكَ: واللهاِ أَضْربُكَ، تُريدُ واللهاِ لَا أَضْرِبُك؛ وأَنْشَدَ:
وآلَيْتُ آسَى على هالِكٍ
وأَسْأَلُ نائحةً مالَهاأَرادَ لَا آسَى وَلَا أَسْأَل.
قَالَ الأزْهري: وأفادَ ابنُ المُنْذرِي عَن اليَزِيدِي عَن أَبي زيدٍ فِي قولهِ تَعَالَى: {يُبَيِّن ااُ لكُم أَن تَضِلُّوا} ، قَالَ: مَخَافَة أَن تَضِلُّوا وحِذارِ أَن تَضِلُّوا، وَلَو كانَ أَنْ لَا تَضِلُّوا لكانَ صَواباً؛ قَالَ الأزْهرِي: وكَذلكَ أَن لَا تَضِلَّ وأَنْ تَضِلَّ بمعْنًى واحِدٍ، قَالَ: وممَّا جاءَ فِي القُرْآنِ مِن هَذَا: {أَنْ تَزُولا} ، يُريدُ أَنْ لَا تَزُولا، وكَذلكَ قولهُ تَعَالَى: {أَن تَحْبَطَ أَعْمالُكُم وأَنْتُم لَا تَشْعُرونَ} ، أَي أَنْ لَا تَحْبَطَ؛ وقولُه تَعَالَى: {أَن تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ على طائِفَتَيْن مِن قَبْلنا} ؛ مَعْناه أَنْ لَا تَقولُوا.
الثَّالثة: أَنْ لَا إِذا كانتْ لنَفْي الجِنْس جازَ حَذْفُ الاسْم لقَرِينَةٍ نَحْو: لَا عَلَيْك، أَي لَا بَأَسَ عَلَيْك، وَقد يُحْذَفُ الخَبَرُ إِذا كانَ مَعْلوماً نَحْو: لَا بَأْسَ.
الرَّابِعَة: أَنْشَدَ الباهِلي للشمَّاخ:
إِذا مَا أدَلَجَتْ وضَعَتْ يَدَاها
لَها الإدْلاجُ لَيْلَة لَا هُجُوعِأَي عَمِلَتْ يَداها عَمَلَ الليلةِ الَّتِي لَا تهْجَعُ فِيهَا، يَعْني الناقَةَ، ونَفَى بِلا الهُجُوعَ وَلم يُعْمِلْ، وتَرَكَ هُجُوع مَجْروراً على مَا كانَ عَلَيْهِ مِن الإضافَةِ؛ ومِثْلُه قولُ رُؤْبة:
لقد عرَفْتُ حِينَ لَا اعْتِرافِ نَفَى بِلا وتَرَكَه مَجْروراً؛ ومِثْلُه:
أَمْسَى ببَلْدَةِ لَا عَمَ وَلَا خالِ الخامِسةُ: قد تُحْذَفُ أَلفُ لَا تَخْفيفاً كقِراءَةِ مَنْ قَرَأَ: {واتَّقُوا فِتْنَةً لتصِيبَنَّ الَّذين ظَلَمُوا} ؛ خَرَّجَ على حَذْفِ أَلفِ لَا، والقِراءَةُ العامَّة لَا تصِيبَنَّ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا أَم واللهاِ فِي أَما واللهاِ.
السَّادسة: المَنْفِيُّ بِلا قد يكونُ وُجُوداً لاسْمٍ نَحْو: لَا إلَه إلاَّ الله، والمَعْنى لَا إلَه مَوْجودٌ أَو مَعْلومٌ إلاَّ اللهاُ، وَقد يكونُ النَّفْي بِلا نَفْي الصِّحَّة وَعَلِيهِ حَمَلَ الفُقهاءُ: (لَا نِكاحَ إلاَّ بوَلِيَ) ، وَقد يكونُ لنَفْي الفائِدِةٍ والانْتِفاعِ والشّبَه ونحوِه، نَحْو: لَا وَلَدَ لي وَلَا مالَ، أَي لَا وَلَدَ يشْبُهني فِي خُلْقٍ أَو كَرَمٍ وَلَا مالَ أَنْتَفِعُ بِهِ؛ وَقد يكونُ لنَفْي الكَمالِ، وَمِنْه: لَا وُضوءَ لمَنْ لم يُسَمِّ اللهاَ، وَمَا يَحْتمل المَعْنَيَيْن فالوَجْه تَقْديرُ نَفْي الصحَّةِ لانَّ نَفْيها أَقْرَبُ إِلَى الحَقِيقَةِ وَهِي نَفْي الوُجودِ، ولأنَّ فِي العَمَلِ بِهِ وَفاء بالعَمَلِ بالمَعْنى الآخر دون عكس.
السَّابعة: قَالَ ابنُ بُزُوْجَ: لَا صَلاةَ لَا رُكوعَ فِيهَا، جَاءَ بالتَّبْرِئةِ مَرَّتَيْن، وَإِذا أَعَدْتَ لَا كَقَوْلِه: {لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّة وَلَا شَفاعَةَ} فأَنْتَ بالخِيارِ إنْ شِئْتَ نَصَبْتَ بِلا تَنْوينٍ، وَإِن شِئْتَ رفعْتَ ونَوَّنْتَ، وفيهَا لُغاتٌ كثيرَةٌ سِوَى مَا ذَكَرْنا.
الثَّامنة: يقولونَ: الْقَ زَيْداً وإلاَّ فَلَا، مَعْناه وإلاَّ تَلْقَ زَيْداً فدَعْ؛ قالَ الشاعرُ:
فطَلِّقْها فلَسْتَ لَهَا بكُفْؤ
وإلاَّ يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُفأَضْمَرَ فِيهِ وإلاَّ تُطَلِّقْها يَعْلُ، وغَيْر البَيانِ أَحْسَن.
وسَيَأْتي قَوْلهم إمَّا لَا فافْعَل قرِيباً فِي بَحْثِ مَا.

المفارق

Entries on المفارق in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
المفارق:
[في الانكليزية] Accident ،separated ،abstract
[ في الفرنسية] Accident ،separe ،abstrait
بكسر الراء هو عند المنطقيين هو العرض الغير اللازم. وعند الحكماء والمتكلّمين هو الممكن الذي لا يكون متحيّزا ولا حالّا في المتحيّز ويسمّى بالمجرّد أيضا، وقد سبق. وقد يراد به الأعمّ الشامل للواجب والممكن كما يجيء في لفظ الواحدة. التقسيم:
قالوا الجواهر المفارقة أي الغائبة عن الحسّ إمّا أن تكون مؤثّرة في الأجسام أو مدبّرة لها، أو لا تكون مؤثّرة ولا مدبّرة. والأول أي الجواهر المجرّدة المؤثّرة في الأجسام هي العقول السماوية عند الحكماء والملأ الأعلى في عرف حملة الشرع. والثاني أي الجواهر المجرّدة المدبّرة للأجسام العلوية أي الفلكية وهي النفوس الفلكية عند الحكماء والملائكة السماوية عند أهل الشرع والملائكة السّفلية تدبّر عالم العناصر، وهي إمّا أن تكون مدبّرة للبسائط الأربعة العنصرية وأنواع الكائنات وهم يسمّون ملائكة الأرض، وإليه أشار صاحب الوحي صلوات الله عليه والسلام وقال جاءني ملك البحار وملك الجبال وملك الأمطار وملك الأرزاق. وإمّا أن تكون مدبّرة للأشخاص الجزئية وتسمّى نفوسا أرضية كالنفوس الناطقة.
والثالث أي الجواهر المجرّدة التي لا تكون مؤثّرة في الأجسام ولا مدبّرة لها تنقسم إلى خيّر بالذات وهم الملائكة الكروبيّون بتخفيف الراء أي الملائكة المقرّبون وهم الملائكة المهيمنون المستغرقون في أنوار جلال الله سبحانه بحيث لا يتفرّغون معه لشيء أصلا، لا لتدبير الأجسام ولا لتأثير فيها، وإلى شرّير بالذات وهم الشياطين، وإلى مستعدّ للخير والشرّ وهم الجنّ.
والظاهر من كلام الحكماء أنّ الجنّ والشياطين هم النفوس البشرية المفارقة عن الأبدان، إن كانت شرّيرة كانت شديدة الانجذاب إلى ما يشاكلها من النفوس البشرية الشّريرة، فتتعلّق ضربا من التعلّق بأبدانها، وتعاونها على أفعال الشّرّ، فذلك هو الشيطان، وإن كانت خيّرة كان الأمر بالعكس وهي الجنّ. وأكثر المتكلّمين لمّا أنكروا الجواهر المجرّدة قالوا الملائكة والجنّ والشياطين أجسام لطيفة قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة. وأوائل المعتزلة أنكروها لأنّها إن كانت لطيفة وجب أن لا تكون قوية على شيء من الأفعال وأن يفسد تركيبها بأدنى سبب، وإن كانت كثيفة وجب أن نشاهدها وإلّا لأمكن أن تكون بحضرتنا جبال لا نراها. وأجيب بأنّه لما لا يجوز أن تكون لطيفة بمعنى عدم اللون لا بمعنى رقّة القوام. ولئن سلّم أنّها كثيفة لكن لا نسلّم أنّها يجب أن تراها لأنّ رؤية الكثيف عند الحضور غير واجب، كيف وقد يفيض عليها القادر المختار مع لطافتها ورقتها قوة عظيمة فإنّ القوة لا تتعلّق بالقوام ولا بالجثة.
ألا ترى أنّ قوام الإنسان دون قوام الحديد والحجر، ونرى بعضهم يفتل الحديد ويكسر الحجر ويصدر عنه ما لا يمكن أن يستند إلى غلظ القوام، ونرى الحيوانات مختلفة في القوة اختلافا ليس بحسب اختلاف القوام والجثة كما في الأسد مع الحمار. ثم إنّ القائلين بأنّها أجسام تتشكّل بأي شكل شاءت وتقدر على أن تلج في بواطن الحيوانات وتنفذ في منافذها الضيّقة نفوذ الهواء المستشفّ بعد اتفاقهم على أنّها من أصناف المكلّفين مثل الإنسان، اختلفوا في اختلافها بالنوع. ونقل عن المعتزلة أنّهم قالوا الملائكة والجنّ والشياطين يتّحدون في النوع ويختلفون بأفعالهم، أمّا الذين لا يفعلــون إلّا الخير فهم الملائكة وأمّا الذين لا يفعلــون إلّا الشّرّ فهم الشيطان، وأمّا الذين يفعلــون تارة الخير وتارة الشّر فهم الجنّ، ولذلك عدّ إبليس تارة في الملائكة وتارة في الجنّ، وأكثر ما ذكرنا هو المستفاد من شرح الطوالع وبعضه من شرح المواقف.
فائدة:
في تهذيب الكلام ولا يمنع ظهور الكلّ أي جميع المجرّدات على بعض الأبصار في بعض الأحوال. 

المغالبة

Entries on المغالبة in 3 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
المغالبة: قياس فاسد إما من جهة الصورة وإما من جهة المادة وإما من جهة المعنى.
المغالبة:
[في الانكليزية] Verb which shows the radical of another one
[ في الفرنسية] Verbe qui montre le radical d'un autre verbe
عند الصرفيين هو أن يذكر بعد المفاعلة فعل ثلاثي مجرّد لبيان غلبة أحد الطرفين المتشاركين في أصل الفعل وتبنى على فعلته أفعله أي بفتح العين في الماضي وضمّها في المضارع، نحو كارمني فكرمته أكرمه إلّا المثال الواوي وما عينه ولامه ياء فإنّه أفعله بالكسر، ثم باب المغالبة ليس بقياسي فلا يقال بارعني فبرعته أبرعه، بل هذا الباب مسموع كثيرا، هكذا يستفاد من أصول الأكبري والرضي شرح الشافية.
المغالبة: عِنْد عُلَمَاء الصّرْف مَا يذكر بعد المفاعلة مُسْندًا إِلَى الْغَالِب. أَي الْمَقْصُود بَيَان الْغَلَبَة فِي الْفِعْل الَّذِي جَاءَ بعد المفاعلة على الآخر. فَإِذا قلت كارمني اقْتضى أَن يكون من غَيْرك إِلَيْك كرم مثل مَا كَانَ مِنْك إِلَيْهِ فَإِن غلبته فِي الْكَرم وَأَرَدْت بَيَانه فتبنيه على فعل بِفَتْح الْعين وَــيفْعل بِضَم الْعين. وَإِن كَانَ من غير هَذَا الْبَاب نَحْو كارمني فكرمته يكارمني فَأكْرمه وضاربني فضربته يضاربني فأضربه. فَهَذَا لقد ضَربته وضربك وَلَكِنَّك غلبته فِي الضَّرْب - وَيجوز أَن لَا يكون ضَربته وَلَا ضربك ولكنكما ضربتما غير كَمَا لتغلبه فِي ذَلِك أَو ليغلبك وَكَذَا الْبَوَاقِي. وَهَذَا معنى قَوْلهم وَبَاب المغالبة يبْنى على فعلته أَفعلهُ. وَالْحَاصِل أَنه إِذا صدر مِنْك فعل وَصدر من غَيْرك أَيْضا مثل ذَلِك الْفِعْل. أَو تقصد صدوره فِي الِاسْتِقْبَال كَذَلِك فطريقه أَن تَجِيء بِالْفِعْلِ الْمَاضِي أَو الْمُضَارع من بَاب المفاعلة من ذَلِك الْفِعْل ثمَّ تَجِيء بعده بِالْفِعْلِ الْمَاضِي على الأول والمضارع على الثَّانِي من بَاب نصر. وَإِن كَانَ ذَلِك الْفِعْل من غَيره إِلَّا معتل الْفَاء واويا كَانَ نَحْو وعد أَو يائيا نَحْو يسر فَإِنَّهُ لَا ينْقل إِلَى يفعل بِالضَّمِّ لِئَلَّا يلْزم خلاف لغتهم إِذْ لم يَجِيء مِنْهُ مِثَال مضموم الْعين فَيُقَال واعدني فوعدته يواعدني أعده. وَإِلَّا معتل أَو اللَّام اليائيين فَإِنَّهُ لَا ينْقل إِلَى يفعل بِالضَّمِّ بل يبْقى على الْكسر. يُقَال بايعني فَبِعْته يبايعني أبيعه وراماني فرميته يراماني أرميه إِذْ لم يَجِيء أجوف وَلَا نَاقص يَأْبَى من يفعل بِالضَّمِّ لِأَنَّك لَو ضممت عينه لانقلب الْيَاء واوا فيلتبس بذوات الْوَاو.

علم السحر

Entries on علم السحر in 1 Arabic dictionary by the author Ṣiddīq Ḥasan Khān, Abjad al-ʿUlūm
علم السحر
هو: علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأشياء خفية قاله في كشاف اصطلاحات الفنون.
وفي كشف الظنون: هو ما خفي سببه وصعب استنابطه لأكثر العقول.
وحقيقته: كل ما سحر العقول وانقادت إليه النفوس بخدعة وتعجب واستحسان فتميل إلى إصغاء الأقوال والأفعال الصادرة عن الساحر.
فعلى هذا التقدير هو: علم باحث عن معرفة الأحوال الفلكية وأوضاع الكواكب وعن ارتباط كل منها مع الأمور الأرضية من المواليد الثلاثة على وجه خاص ليظهر من ذلك الارتباط والامتزاج عللها وأسبابها وتركيب الساحر في أوقات المناسبة من الأوضاع الفلكية والأنظار الكوكبية بعض المواليد ببعض فيظهر ما جل أثره وخفي سببه من أوضاع عجيبة وأفعال غريبة تحيرت فيها العقول وعجزت عن حل خفاها أفكار الفحول.
أما منفعة هذا: العلم فالاحتراز عن عمله لأنه محرم شرعا إلا أن يكون لدفع ساحر يدعي النبوة فعند ذلك يفترض وجود شخص قادر لدفعه بالعمل ولذلك قال بعض العلماء:
إن تعلم السحر فرض كفاية وإباحة الأكثرون دون عمله إلا إذا تعين لدفع المتنبي.
واختلف الحكماء في طرق السحر:
فطريق الهند: بتصفية النفس وطريق النبط: بعمل العزائم في بعض الأوقات المناسبة.
وطريق اليونان: بتسخير روحانية الأفلاك والكواكب.
وطريق العبرانيين والقبط والعرب: بذكر بعض الأسماء المجهولة المعاني فكأنه قسم من العزائم زعموا أنهم سخروا الملائكة القاهرة للجن. فمن الكتب المؤلفة في هذا الفن: الإيضاح للأندلسي والبساطين لاستخدام الأنس وأرواح الجن والشياطين وبغية الناشد ومطلب القاصد على طريقة العبرانيين والجمهرة أيضا ورسائل أرسطو إلى الإسكندر وغاية الحكيم للمجريطي وكتاب طيماؤس وكتاب الوقوفات للكواكب على طريقة اليونانيين وكتاب سحر النبط لابن وحشية وكتاب العمي على طريقة العبرانيين ومرآة المعاني في إدراك العالم الإنساني على طريقة الهند انتهى ما في كشف الظنون
وفي تاريخ ابن خلدون علم السحر والطلسمات هو: علم بكيفية استعدادات تقتدر النفوس البشرية بها على التأثيرات في عالم العناصر إما بغير معين أو بمعين من الأمور السماوية والأول هو: السحر والثاني: هو الطلسمات.
ولما كانت هذه العلوم مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من كوكب أو غيره كانت كتبها كالمفقود بين الناس إلا ما وجد في كتب الأمم الأقدمين فيما قبل نبوة موسى عليه السلام مثل: النبط والكلدانيين فإن جميع من تقدمه من الأنبياء لم يشرعوا الشرائع ولا جاؤوا بالأحكام إنما كانت كتبهم مواعظ توحيد الله وتذكير بالجنة والنار وكانت هذه العلوم في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين وفي أهل مصر من القبط وغيرهم وكان لهم فيها التأليف والآثار ولم يترجم لنا من كتبهم فيها إلا القليل مثل:
الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فأخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا فيه ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل: مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طمطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرهم.
ثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة فتصفح كتب القوم واستخرج الصناعة وغاص على زبدتها واستخرجها ووضع فيها غيرها من التآليف وأكثر الكلام فيها وفي صناعة السيمياء لأنها من توابعها لأن إحالة الأجسام النوعية من صورة إلى أخرى إنما يكون بالقوة النفسية لا بالصناعة العملية فهو من قبيل السحر ثم جاء مسلمة بن أحمد المجريطي إمام أهل الأندلس في التعاليم والسحريات فلخص جميع تلك الكتب وهذبها وجمع طرقها في كتابه الذي سماه غاية الحكيم ولم يكتب أحد في هذا العلم بعده ولنقدم هنا مقدمة يتبين بها حقيقة السحر وذلك أن النفوس البشرية وإن كانت واحدة بالنوع فهي مختلفة بالخواص وهي أصناف كل صنف مختص بخاصية واحدة بالنوع لا توجد في الصنف الآخر وصارت تلك الخواص فطرة وجبلة لصنفها.
فنفوس الأنبياء عليهم السلام لها خاصية تستعد بها للمعرفة الربانية ومخاطبة الملائكة عليهم السلام عن الله - سبحانه وتعالى - كما مر وما يتبع ذلك من التأثير في الأكوان واستجلاب روحانية الكواكب للتصرف فيها والتأثير بقوة نفسانية أو شيطانية.
فأما تأثير الأنبياء فمدد إلهي وخاصية ربانية ونفوس الكهنة لها خاصية الاطلاع على المغيبات بقوى شيطانية وهكذا كل صنف مختص بخاصية لا توجد في الآخر.
والنفوس الساحرة على مراتب ثلاثة يأتي شرحها:
فأولها: المؤثرة بالهمة فقط من غير إله ولا معين وهذا هو الذي تسميه الفلاسفة: السحر.
والثاني: بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد ويسمونه: الطلسمات وهو أضعف رتبة من الأول. والثالث: تأثير في القوى المتخيلة يعمد صاحب هذا التأثير إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف ويلقي فيها أنواعا من الخيالات والمحاكات وصورا مما يقصده من ذلك ثم ينزلها إلى الحسن من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه فينظر الراؤون كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك كما يحكي عن بعضهم أنه يرى البساتين والأنهار والقصور وليس هناك شيء من ذلك ويسمى هذا عند الفلاسفة: الشعوذة أو الشعبذة هذا تفصيل مراتبه.
ثم هذه الخاصية تكون في الساحرة بالقوة شأن القوى البشرية كلها وإنما تخرج إلى الفعل بالرياضة ورياضة السحر كلها إنما تكون بالتوجه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل فهي لذلك وجهه إلى غير الله وسجود له والوجهة إلى غير الله كفر فلهذا كان السحر كفرا والكفر من مواده وأسبابه كما رأيت ولهذا اختلف الفقهاء في قتل الساحر هل هو لكفره السابق على فعله أو لتصرفه بالإفساد وما ينشأ عنه من الفساد في الأكوان والكل حاصل منه.
ولما كانت المرتبتان الأوليان من السحر لهما حقيقة في الخارج والمرتبة الأخيرة الثالثة لا حقيقة لها اختلف العلماء في السحر هل هو حقيقة أو إنما هو تخييل؟
فالقائلون بأن له حقيقة: نظروا إلى المرتبتين الأوليين.
والقائلون بأن لا حقيقة له: نظروا إلى المرتبة الثالثة الأخيرة فليس بينهم اختلاف في نفس الأمر بل إنما جاء من قبل اشتباه هذه المراتب والله أعلم.
واعلم أن وجود السحر لا مرية فيه بين العقلاء من أجل التأثير الذي ذكرناه وقد نطق به القرآن قال الله تعالى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} .
وسحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعلــه وجعل سحره في مشط ومشاقة وجف طلعة ودفن في بئر ذروان فأنزل الله عز وجل عليه في المعوذتين {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} .
قالت عائشة رضي الله عنها: فكان لا يقرأ على عقدة من تلك العقد التي سحر فيها إلا انحلت.
وأما وجود السحر في أهل بابل وهم الكلدانيون من النبط والسريانيون فكثير ونطق به القرآن وجاءت به الأخبار
وكان للسحر في بابل ومصر زمان بعثه موسى عليه السلام أسواق نافقة ولهذا كانت معجزة موسى من جنس ما يدعون ويتناغون فيه وبقي من آثار ذلك في البرابي بصعيد مصر شواهد دالة على ذلك ورأينا بالعيان من يصور صورة الشخص المسحور بخواص أشياء مقابلة لما نواه وحلوله موجودة بالمسحور وأمثال تلك المعاني من أسماء وصفات في التأليف والتفريق
ثم يتكلم على تلك الصورة التي أقامها مقام الشخص المسحور عينا أو معنى ثم ينفث من ريقه بعد اجتماعه في فيه بتكرير مخارج تلك الحروف من الكلام السوء ويعقد على ذلك المعنى في سبب أعده لذلك تفاؤلا بالعقد واللزام وأخذ العهد على من أشرك به من الجن في نفثه في فعله ذلك استشعارا للعزيمة ولتلك البنية والأسماء السيئة روح خبيثة تخرج منه مع النفخ متعلقة بريقه الخارج من فيه بالنفث فتنزل عنها أرواح خبيثة ويقع عن ذلك بالمسحور ما يحاوله الساحر.
وشاهدنا أيضا من المنتحلين للسحر عمله من يشير إلى كساء أو جلد ويتكلم عليه في سره فإذا هو مقطوع مترف ويشير إلى بطون الغنم كذلك في مراعيها بالبعج فإذا أمعاؤها ساقطة من بطونها إلى الأرض.
وسمعنا أن بأرض الهند لهذا العهد من يشير إلى إنسان فيتحتت قلبه ويقع ميتا وينقب عن قلبه فلا يوجد في حشاه ويشير إلى الرمانة وتفتح فلا يوجد من حبوبها شيء.
وكذلك سمعنا أن بأرض السودان وأرض الترك من يسحر السحاب فيمطر الأرض المخصوصة.
وكذلك رأينا من عمل الطلسمات عجائب في الأعداد المتحابة وهي رك رف د أحد العددين مائتان وعشرون والآخر مائتان وأربعة وثمانون.
ومعنى المتحابة: أن أجزاء كل واحد التي فيه من نصف وثلث وربع وسدس وخمس وأمثالها إذا جمع كان مساويا للعدد الآخر صاحبه فيسمى لأجل ذلك: المتحابة.
ونقل أصحاب الطلسمات: أن لتلك الأعداد أثرا في الإلفة بين المتحابين واجتماعهما إذا وضع لهما مثالان أحدهما بطالع الزهرة وهي في بيتها أو شرفها ناظرة إلى القمر نظر مودة وقبول ويجعل طالع الثاني سابع الأول ويضع على أحد التمثالين أحد العددين والآخر على الآخر ويقصد بالأكثر الذي يراد ائتلافه أعني المحبوب ما أدري الأكثر كمية أو الأكثر أجزاء فيكون لذلك من التأليف العظيم بين المتحابين ما لا يكاد ينفك أحدهما عن الآخر قاله صاحب الغاية وغيره من أئمة هذا الشأن وشهدت له التجربة.
وكذا طابع الأسد ويسمى أيضا: طابع الحصى وهو أن يرسم في قالب هذا الطابع صورة أسد شائلا ذنبه عاضا على حصاة قد قسمها بنصفين وبين يديه صورة حية منسابة من رجليه إلى قبالة وجهه فاغرة فاها إلى فيه وعلى ظهره صورة عقرب تدب ويتحين برسمه حلول الشمس بالوجه الأول أو الثالث من الأسد بشرط صلاح النيرين وسلامتهما من النحوس فإذا وجد ذلك وعثر عليه طبع في ذلك الوقت في مقدار المثقال فما دونه من الذهب وغمس بعد في الزعفران محلولا بماء الورد ورفع في خرقة حرير صفراء فإنهم يزعمون أن لممسكه من العز على السلاطين في مباشرتهم وخدمتهم وتسخيرهم له ما لا يعبر عنه وكذلك السلاطين فيه من القوة والعز على من تحت أيديهم ذكر ذلك أيضا أهل هذا الشأن في الغاية وغيرها وشهدت له التجرية.
وكذلك وفق المسدس المختص بالشمس ذكروا أنه يوضع عند حلول الشمس في شرفها وسلامتها من النحوس وسلامة القمر بطالع ملوكي يعتبر فيه نظر صاحب العاشر لصاحب الطالع نظر مودة وقبول ويصلح فيه ما يكون في مواليد الملوك من الأدلة الشريفة ويرفع خرقة حرير صفراء بعد أن يغمس في الطيب فزعموا أنه له أثرا في صحابة الملوك وخدمتهم ومعاشرتهم وأمثال ذلك كثيرة.
وكتاب الغاية لمسلمة بن أحمد المجريطي هو مدون هذه الصناعة وفيه استيفاؤها وكمال مسائلها. وذكر لنا1 أن الإمام الفخر بن الخطيب وضع كتابا في ذلك وسماه: بالسر المكتوم وإنه بالمشرق يتداوله أهله ونحن لم نقف عليه والإمام لم يكن من أئمة هذا الشأن فيما نظن ولعل الأمر بخلاف ذلك وبالمغرب صنف من هؤلاء المنتحلين لهذه الأعمال السحرية يعرفون بالبعاجين وهم الذين ذكرت أولا أنهم يشيرون إلى الكساء أو الجلد فيتخرق ويشيرون إلى بطون الغنم بالبعج فتنبعج ويسمى أحدهم لهذا العهد باسم: البعاج لأن أكثر ما ينتحل من السحر بعج الأنعام يرتب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها وهم متسترون بذلك في الغاية خوفا على أنفسهم من الحكام لقيت منهم جماعة وشاهدت من أفعالهم هذه بذلك وأخبروني أن لهم وجهة ورياضة خاصة بدعوات كفرية وإشراك روحانيات الجن والكواكب سطرت فيها صحيفة عندهم تسمى الخزيرية يتدارسونها وإن بهذه الرياضة والوجهة يصلون إلى حصول هذه الأفعال لهم وإن التأثير الذي لهم إنما هو فيما سوى الإنسان الحر من المتاع والحيوان والرقيق يعبرون عن ذلك بقولهم: إنما انفعل فيما تمشي فيه الدراهم أي: ما يملك ويباع ويشترى من سائر الممتلكات هذا ما زعموه وسألت بعضهم فأخبرني به.
وأما أفعالهم فظاهرة موجودة وقفنا على الكثير منها وعاينتها من غير ريبة في ذلك هذا شأن السحر والطلسمات وآثارهما في العالم
فأما الفلاسفة ففرقوا بين السحر والطلسمات بعد أن أثبتوا أنهما جميعا أثر للنفس الإنسانية واستدلوا على وجود الأثر للنفس الإنسانية بأن لها آثارا في بدنها على غير المجرى الطبعي وأسبابه الجسمانية بل آثار عارضة من كيفيات الأرواح تارة كالسخونة الحادثة عن الفرح والسرور من جهة التصورات النفسانية أخرى كالذي يقع من قبل التوهم فإن الماشي على حرف حائط أو على حبل منتصب إذا قوي عنده توهم السقوط سقط بلا شك ولهذا تجد كثيرا من الناس يعودون أنفسهم ذلك حتى يذهب عنهم هذا الوهم فتجدهم يمشون على حرف الحائط والحبل المنتصب ولا يخافون السقوط فثبت أن ذلك من آثار النفس الإنسانية وتصورها للسقوط من أجل الوهم وإذا كان ذلك أثرا للنفس في بدنها من غير الأسباب الجسمانية الطبيعية فجائز أن يكون لها مثل هذا الأثر في غير بدنها إذ نسبتها إلى الأبدان في ذلك النوع من التأثير واحدة لأنها غير حالة في البدن ولا منطبعة فيه فثبت أنها مؤثرة في سائر الأجسام.
وأما التفرقة عندهم بين السحر والطلسمات فهو: أن السحر لا يحتاج الساحر فيه إلى معين وصاحب الطلسمات يستعين بروحانيات الكواكب وأسرار الأعداد وخواص الموجودات وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر كما يقوله المنجمون.
ويقولون: السحر اتحاد روح بروح. والطلسم: اتحاد روح بجسم.
ومعناه عندهم: ربط الطبائع العلوية السماوية بالطبائع السفلية.
والطبائع العلوية هي: روحانيات الكواكب ولذلك يستعين صاحبه في غالب الأمر بالنجامة.
والساحر عندهم: غير مكتسب لسحره بل هو مفطور عندهم على تلك الجبلة المختصة بذلك النوع من التأثير.
والفرق عندهم بين المعجزة والسحر أن المعجزة إلهية تبعث في النفس ذلك التأثير فهو مؤيد بروح الله على فعله ذلك والساحر إنما يفعل ذلك من عند نفسه وبقوته النفسانية وبإمداد الشياطين في بعض الأحوال.
فبينهما الفرق في المعقولية والحقيقة والذات في نفس الأمر وإنما نستدل نحن على التفرقة بالعلامات الظاهرة وهي: وجود المعجزة لصاحب الخير وفي مقاصد الخير وللنفوس المتمحضة للخير والتحدي بها على دعوى النبوة والسحر إنما يوجد لصاحب الشر وفي أفعال الشر في الغالب من التفريق بين الزوجين وضرر الأعداء وأمثال ذلك وللنفوس المتمحضة للشر
هذا هو الفرق بينهما عند الحكماء الإلهيين وقد يوجد لبعض المتصوفة وأصحاب الكرامات تأثير أيضا في أحوال العالم وليس معدودا من جنس السحر وإنما هو بالإمداد الإلهي لأن طريقتهم ونحلتهم من آثار النبوة وتوابعها ولهم في المدد الإلهي حظ على قدر حالهم وإيمانهم وتمسكهم بكلمة الله وإذا اقتدر أحد منهم على أفعال الشر فلا يأتيها لأنه متقيد فيما يأتيه ويذره للأمر الإلهي فما لا يقع لهم فيه الإذن لا يأتونه بوجه ومن أتاه منهم فقد عدل عن طريق الحق وربما سلب حاله.
ولما كانت المعجزة بإمداد روح الله والقوى الإلهية فلذلك لا يعارضها شيء من السحر وانظر شأن سحرة فرعون مع موسى في معجزة العصا كيف تلقفت ما كانوا يأفكون وذهب سحرهم واضمحل كأن لم يكن وكذلك لما أنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في المعوذتين {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} قالت عائشة رضي الله عنها: فكان لا يقرؤها على عقدة من العقد التي سحر فيها إلا انحلت فالسحر لا يثبت مع اسم الله وذكره.
وقد نقل المؤرخون أن زركش كاويان وهي راية كسرى كان فيه الوفق المئيني العددي منسوجا بالذهب في أوضاع فلكية رصدت لذلك الوفق ووجدت الراية يوم قتل رستم بالقادسية واقعة على الأرض بعد انهزام أهل فارس وشتاتهم وهو الطلسمات والأوفاق مخصوص بالغلب في الحروب وإن الراية التي يكون فيها أو معها لا تنهزم أصلا إلا أن هذه عارضها المدد الإلهي من إيمان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتمسكهم بكلمة الله فانحل معها كل عقد سحري ولم يثبت وبطل ما كانوا يعملون.
وأما الشريعة فلم تفرق بين السحر والطلسمات وجعلتهما بابا واحدا محظورا لأن الأفعال إنما أباح لنا الشارع منها ما يهمنا في ديننا الذي فيه صلاح آخرتنا أو في معاشنا الذي فيه صلاح دنيانا وما لا يهمنا في شيء منهما فإن كان فيه ضرر ونوع ضرر كالسحر الحاصل ضرره بالوقوع يلحق به الطلسمات لأن أثرهما واحد وكالنجامة التي فيها نوع ضرر باعتقاد التأثير فتفسد العقيدة الإيمانية برد الأمور إلى غير الله تعالى فيكون حينئذ ذلك الفعل محظورا على نسبته في الضرر وإن لم يكن مهما علينا ولا فيه ضرر فلا أقل من أن تركه قربة إلى الله فإن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه فجعلت الشريعة باب السحر والطلسمات والشعوذة بابا واحدا لما فيها من الضرر وخصته بالحظر والتحريم.
وأما الفرق عندهم بين المعجزة والسحر: فالذي ذكره المتكلمون أنه راجع إلى التحدي وهو دعوى وقوعها على وفق ما ادعاه قالوا: والساحر مصروف عن مثل هذا التحدي فلا يقع منه وقوع المعجزة على وفق دعوى الكاذب غير مقدور لأن دلالة المعجزة على الصدق عقلية لأن صفة نفسها التصديق فلو وقعت مع الكذب لاستحال الصادق كاذبا وهو محال فإذا لا تقع المعجزة مع الكاذب بإطلاق.
وأما الحكماء: فالفرق بينهما عندهم كما ذكرناه فرق ما بين الخير والشر في نهاية الطرفين فالساحر لا يصدر منه الخير ولا يستعمل في أسباب الخير وصاحب المعجزة لا يصدر منه الشر ولا يستعمل في أسباب الشر فكأنهما على طرفي النقيض في أصل فطرتهم والله يهدي من يشاء وهو القوي العزيز لا رب سواه.
ومن قبيل هذه التأثيرات النفسانية الإصابة بالعين وهو تأثير من نفس المعيان عندما يستحسن بعينه مدركا من الذوات أو الأحوال ويفرط في استحسانه وينشأ عن ذلك الاستحسان حينئذ أنه يروم معه سلب ذلك الشيء عمن اتصف به فيؤثر فساده وهو جبلة فطرية أعني هذه الإصابة بالعين.
والفرق بينها وبين التأثيرات وإن كان منها ما لا يكتسب أن صدورها راجع إلى اختيار فاعلها والفطري منها قوة صدروها لا نفس صدروها ولهذا قالوا: القاتل بالسحر أو بالكرامة يقتل والقاتل بالعين لا يقتل وما ذلك إلا لأنه ليس مما يريده ويقصده أو يتركه وإنما هو مجبور في صدوره عنه والله أعلم بما في الغيوب ومطلع على ما في السرائر انتهى كلام ابن خلدون ومن عينه نقلت هنا وفي كل موضع من هذا الكتاب والله تعالى الموفق للحق والصواب.

سَنَنَ

Entries on سَنَنَ in 1 Arabic dictionary by the author Ibn al-Athīr al-Jazarī, al-Nihāya fī Gharīb al-Ḥadīth wa-l-Athar
(سَنَنَ)
قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ «السُّنَّة» وَمَا تصرَّف مِنْهَا. وَالْأَصْلُ فِيهَا الطَّرِيقَةُ والسِّيرة. وَإِذَا أُطْلِقَت فِي الشَّرع فَإِنَّمَا يُرادُ بِهَا مَا أمَر بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَهَى عَنْهُ ونَدَب إِلَيْهِ قَوْلًا وفِعْلا، مِمَّا لَمْ يَنْطق بِهِ الكِتابُ العزيزُ. وَلِهَذَا يُقَالُ فِي أدِلَّة الشَّرع الكِتابُ والسُّنَّة، أَيِ الْقُرْآنُ والحديث. (س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّمَا أُنَسَّى لِأَسُنَّ» أَيْ إِنَّمَا أُدْفَعُ إِلَى النِّسيان لأَسُوق النَّاسَ بالهِدَاية إِلَى الطَّرِيق المُسْتَقيم، وأُبِّينَ لَهُمْ مَا يَحْتاَجُون أَنْ يَفْعَلُــوا إِذَا عَرَض لَهُمُ النّسيانُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ سَنَنْتُ الإبلَ إِذَا أحْسنت رِعْيتهاَ والقيامَ عَلَيْهَا.
وَمِنْهُ حَدِيثُ «أَنَّهُ نَزَل المُحصَّب وَلَمْ يَسُنَّه» أَيْ لَمْ يَجْعَلْهُ سُنَّة يُعْمل بِهَا. وَقَدْ يَفْعلُ الشَّيْءَ لِسَبَبٍ خاصٍّ فَلَا يعُمّ غَيره. وَقَدْ يَفْعل لِمَعْنَى فَيزُول ذَلِكَ المَعْنى وَيَبْقَى الْفِعْلُ عَلَى حَالِهِ مُتَّبعاً، كقَصْر الصَّلَاةِ فِي السَّفر لِلْخَوْفِ، ثُمَّ استمرَّ القَصْر مَعَ عَدَم الخَوف.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «رَمَل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ» أَيْ أَنَّهُ لَمْ يَسُنَّ فِعْلَه لِكاَفَّة الأمَّة، وَلَكِنْ لسَبب خاصٍّ، وَهُوَ أَنْ يُرِى المُشْركين قُوَّة أَصْحَابِهِ، وَهَذَا مذهبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وغَيرُه يَرَى أَنَّ الرَّمَل فِي طَوَاف القُدوم سُنَّة.
وَفِي حَدِيثِ مُحَلِّم بْنِ جَثَّامة «اسْنُنِ اليومِ وغَيِّر غَدًا» أَيِ أعْمَل بسُنَّتك الَّتِي سَنَنْتَهَا فِي القِصاَص، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا شِئْتَ أَنْ تُغَير فَغيَّر: أَيْ تُغَير مَا سَنَنْت. وَقِيلَ تُغَير: مِنْ أخذِ الغِيَر، وَهِيَ الدِّية.
وَفِيهِ «إِنَّ أكبَرَ الْكَبَائِرِ أَنْ تُقاَتِل أَهْلَ صَفْقَتك، وتُبدِّل سُنَّتَك» أَرَادَ بتَبْديل السُّنة أَنْ يَرْجِعَ أعْرابيا بَعْدَ هِجْرته.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ الْمَجُوسِ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهلِ الْكِتَابِ» أَيْ خْذُوهم عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وأجْرُوهم فِي قَبُول الجِزْية مِنْهُمْ مُجْراهُم.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «لَا يُنْقض عهدُهم عَنْ سُنَّةِ ما حل» أَيْ لَا يُنْقض بسَعْى ساعْ بالنَّمِيمة وَالْإِفْسَادِ، كَمَا يُقَالُ: لَا أُفْسِد مَا بَيْني وَبَيْنَكَ بِمَذَاهِبِ الْأَشْرَارِ وطُرُقِهم فِي الفَسادِ. والسُّنَّةُ الطَريقة، والسَّنَنُ أَيْضًا.
(هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَلَا رجُلٌ يَرُدّ عنَّا مِنْ سَنَنِ هَؤُلَاءِ» .
(س) وَفِي حَدِيثِ الْخَيْلِ «اسْتَنَّتْ شَرَفا أَوْ شَرَفَين» اسْتَنَّ الفَرَس يَسْتَنُّ اسْتِنَاناً: أَيْ عَدَا لِمَرَحِه ونشاَطِه شَوْطًا أَوْ شَوْطَيْنِ وَلَا رَاكِب عَلَيْهِ. (هـ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إِنَّ فَرَس الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَله» .
(س) وَحَدِيثُ عُمَرَ «رأيتُ أَبَاهُ يَسْتَنُّ بسَيْفه كَمَا يَسْتَنُّ الْجَمَلُ» أَيْ يَمْرحُ ويَخْطُر بِهِ.
وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(س) وَفِي حَدِيثِ السِّواك «أَنَّهُ كَانَ يَسْتَنُّ بِعُودٍ مِنْ أرَاك» الِاسْتِنَانُ: اسْتعمال السِّواك، وَهُوَ افْتِعاَل مِنَ الْأَسْنَانِ: أَيْ يُمِرُّه عَلَيْهَا.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْجُمُعَةِ «وَأَنْ يَدَّهِن ويَسْتَنَّ» .
(س) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فأخذتُ الجَريدَة فَسَنَنْتُهُ بِهَا» أَيْ سَوّكْته بِهَا. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِيهِ «أعْطُوا الرُّكُبَ أَسِنَّتَهَا» قَالَ أَبُو عُبيد : إِنْ كَانَتِ اللَّفْظَةُ مَحْفُوظَةً فَكَأَنَّهَا جَمْعُ الْأَسْنَانِ. يُقَالُ لِمَا تَأْكُلُهُ الْإِبِلُ وتَرعاه مِنَ العُشْب سِنٌّ وجَمْعه أَسْنَانٌ، ثُمَّ أَسِنَّةٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ : الْأَسِنَّةُ جَمْعُ السِّنَانِ لَا جَمْع الأسْنان، تَقُولُ الْعَرَبُ: الحَمْضُ يَسُنَّ الْإِبِلَ عَلَى الخُلَّة: أَيْ يُقوّيها كَمَا يُقوىّ السَّنُّ حَدّ السِّكين. فالحمْض سِنَانٌ لَهَا عَلَى رَعْى الخُلَّة. والسِّنَانُ الِاسْمُ، وَهُوَ القُوّة.
واسْتَصوب الْأَزْهَرِيُّ القَوْلين مَعًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: السِّنُّ الْأَكْلُ الشَّدِيدُ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: أَصَابَتِ الإبلُ سِنّاً مِنَ الرِّعْى إِذَا مَشَقت مِنْهُ مَشقا صَالحا. ويُجمع السِّنُّ بِهَذَا الْمَعْنَى أَسْنَاناً [ثُمَّ تُجْمع الْأَسْنَانُ أَسِنَّة ] . مِثْلُ كِنٍّ وأكْناَن وأكنَّة .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «الْمَعْنَى أعْطُوها مَا تَمْتَنع بِهِ من النّحر؛ لأن صاحبها إذا أحسن رعيتها سمنَت وحَسُنت فِي عَيْنِهِ فيَبْخَل بِهَا مِنْ أَنْ تُنْحر، فشَبه ذَلِكَ بالأسِنَّة فِي وُقُوعِ الامتناع بها» . هَذَا عَلَى أنَّ المُراد بِالْأَسِنَّةِ جمعْ سِنَانٍ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا جَمْعُ سِنٍّ فَالْمَعْنَى أمْكنوها مِنَ الرِّعي.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أعْطُوا السِّنَّ حظَّها مِنَ السِّنِّ» أَيْ أعْطُوا ذَوَات السِّنِّ وَهِيَ الدَّوابُّ حظَّها مِنَ السِّن وَهُوَ الرِّعي.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «فأمْكِنوا الرِّكاب أَسْنَاناً» أَيْ تَرْعى أسْناَنا.
وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «أمَرَني أَنْ آخُذ مِنْ كُل ثَلَاثِينَ مِنَ البقَر تِبيعاً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّة» قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: البقرة والشاة يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ المُسِنِّ إِذَا أثْنَيا، وتُثْنَيان فِي السَّنَة الثَّالِثَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَى إِسْنَانِهَا كِبَرها كالرجُل المُسِنِّ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ طُلوع سِنّها فِي السَّنة الثَّالِثَةِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «يُنْفَى مِنَ الضَّحَايَا الَّتِي لَمْ تُسْنَنْ» رَوَاهُ القُتَيْبي بِفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى، قَالَ: وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَنْبُت أسْنانها، كَأَنَّهَا لَمْ تُعْطَ أَسْنَانًا، كَمَا يُقَالُ لَمْ يُلْبَن فُلَانٌ إِذَا لَمْ يُعْط لَبناً. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَهِمَ فِي الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا المحفوظُ عَنْ أَهْلِ الثَّبْت والضبْط بِكَسْرِ النُّونِ، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي الْعَرَبِيَّةِ. يُقَالُ لَمْ تُسْنِنْ وَلَمْ تُسِنَّ. وَأَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يُضَحَّى بِأُضْحِيَّةٍ لَمْ تُثْنِ:
أَيْ لَمْ تَصِرْ تَنَّية، فَإِذَا أثْنَت فَقَدْ أَسَنَّتْ. وَأَدْنَى الأسْناَن الإثْناَءُ.
(س) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّهُ خَطب فذَكر الرِّبا فَقَالَ: إِنَّ فِيهِ أَبْوَابًا لَا تَخْفى عَلَى أحدٍ مِنْهَا السَّلّم فِي السِّنِّ» يَعْنِي الرقيقَ والدوابَّ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْحَيَوَانِ. أرادَ ذواتَ السِّنِّ. وسِنُّ الْجَارِحَةِ مُؤَنَّثة. ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ للعُمْر استدِلاَلاً بِهَا عَلَى طُوله وقِصَره. وبَقيَتْ عَلَى التأنيْث.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ:
باَزِلُ عَامَيْن حَدِيثٌ سِنِّي أَيْ أَنَا شابٌ حَدَثٌ فِي العُمر، كَبِير قَوِىٌّ فِي العَقْل والعِلمْ.
(هـ) وَحَدِيثُ عُثْمَانَ «وجاوزتُ أَسْنَانَ أَهْلِ بَيْتِي» أَيْ أعْمارهم. يُقَالُ فُلَانٌ سِنُّ فلانَ، إِذَا كَانَ مثْله في السّنّ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ ذِي يَزَن «لأُوطِئَنَّ أَسْنَانَ العرَب كَعْبَة» يُرِيد ذَوِي أسْناَنهم، وَهُمُ الأكَابِر والأشْرَاف.
[هـ] وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «صَدَقني سِنَّ بَكْرِه» هَذَا مَثَلٌ يُضرب للصَّادِق فِي خبَره، وَيَقُولُهُ الإنسانُ عَلَى نَفْسه وَإِنْ كَانَ ضَارًّا لَهُ. وأصلهُ أَنَّ رجُلا ساَوَمَ رَجلا فِي بَكْرٍ ليشْتَريه، فَسَأَلَ صَاحِبَهُ عَنْ سِنِّهِ فَأَخْبَرَهُ بِالْحَقِّ، فَقَالَ المُشْتَري: صَدَقَني سِنَّ بَكْره.
وَفِي حديثُ بَوْل الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ «فدعاَ بدَلْو مِنْ مَاءٍ فَسَنَّهُ عَلَيْهِ» أَيْ صَبَّه. والسَّنُّ الصَّبُّ فِي سُهُولة. وَيُرْوَى بِالشِّينِ. وَسَيَجِيءُ.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْخَمْرِ «سَنَّهَا فِي الْبَطْحَاءِ» .
(هـ) وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ يَسُنُّ المْاءَ عَلَى وجْهه وَلَا يَشُنُّه» أَيْ كَانَ يَصُبُّه وَلَا يُفَرِّقه عَلَيْهِ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ مَوْتِهِ «فَسُنُّوا عَلىَّ التُّرابــَ سَنّاً» أَيْ ضَعُوه وضْعا سَهْلا.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ حضَّ عَلَى الصَّدَقة، فَقَامَ رَجل قَبِيحُ السُّنَّة» : السُّنَّةُ: الصُّورةُ، وَمَا أقْبل عَلَيْكَ مِنَ الْوَجْهِ. وَقِيلَ سُنَّةُ الْخَدِّ: صَفْحته.
(س) وَفِي حَدِيثِ بَرْوَعَ بنْتِ واشِقٍ «وَكَانَ زوجُها سُنَّ فِي بِئْرٍ» أَيْ تَغيَّر وأنْتَن، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: «مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» *
أَيْ مُتَغَيّر. وَقِيلَ أَرَادَ بسُنَّ أَسِنَ بِوَزْنِ سَمِعَ، وَهُوَ أَنْ يَدُورَ رأسُه مِنْ رِيح كَرِيهة شَمَّها ويُغْشَى عَلَيْهِ.

قَمح

Entries on قَمح in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
قَمح
: (القَمْح: البُرّ) حينَ يَجْرِي الدَّقِيقُ فِي السُّنْبُل، وَقيل: من لدُنِ الإِنضاجِ إِلى الاكتناز، وَهِي لُغة شامِيّة، وأَهل الْحجاز قد تَكلَّمُوا بهَا، وَقد تَكرّر ذِكْرُه فِي الحَدِيث، وقيلَ لُغَةٌ قِبطيَّة، نَقله شَيخنَا، وَالصَّوَاب الأَوّل، كَمَا فِي (الْمِصْبَاح) وَغَيره.
(و) القَمْح مَصدرُ (قَمِحَه، كسَمِعَه) ، أَي السَّوِيقَ (، استَفَّه، كاقْتَمَحَه) واقتمحَهُ أَيضاً: أَخَذَه فِي رَاحَتِه فَلَطَعه، كَذَا فِي (الأَساس) و (اللِّسَان) .
(والقَمِيحَة: الجُوَارِش) ، بضمّ الْجِيم، هاكذا فِي النُّسخ، وَفِي بَعْضهَا بِزِيَادَة النُّون فِي آخِره. والقَمِيحة أَيضاً: السَّفُوفُ من السَّويق وَغَيره.
(و) الاسمُ (القُمْحَة، بالضّمّ) ، كاللُّقْمَة. والقُحْمَةُ: (مِلْءُ الفَمِ مِنْهُ) ، أَي من السَّويقِ أَو من الماءِ، كَمَا صَرَّح بِهِ غيرُ وَاحِد.
(والقُمُّحَانُ، كعُنْفُوان وتُفتَح الْمِيم) ، وَهِي رِوَايَة البصرّيين فِي قَول النَّابغة الْآتِي: (الوَرْسُ) أَو الذَّرِيرةُ نَفْسُها، (أَو كالذَّرِيرة يَعلو الخَمْرَ) ، وَهُوَ زَبَدُهَا، (و) قيل: هُوَ (الزَّعْفَرَانُ، وكالقُمْحَة، بالضَّمّ فِي الكُلّ) ، وَقيل هُوَ طِيبٌ. قَالَ النَّابغة: إِذا فُضّتْ خَوَاتِمُه عَلاَهُ
يَبِيسُ القُمَّحَانِ من المُدَامِ
يَقُول: إِذا فُتِحَ رَأْسُ الحُبّ من حِنبَاب الخَمْر العَتِيقةِ رَأَيتَ عَلَيْهَا بَيَاضاً يَتَغَشَّاها مِثْلَ الذَّرِيرةِ. قَال أَبو حنيفةَ: لَا أَعلم أَحداً من الشُّعَرَاءِ ذَكَرَ القُمَّحَان غَيْرَ النّابِغَة. قَالَ: وَكَانَ النالبغةُ يأْتِي المدينةَ ويُنْشِد بهَا النّاسَ ويَسمع مِنْهُم، وَبهَا جَماعةُ الشعراءِ.
(و) فِي (الصِّحَاح) و (الأَساس) و (اللِّسَان) نقلا عَن أَبي عُبَيْدٍ: (قَمَحَ البَعِيرُ قُمُوحاً) ، وقَمَه يَقْمَه قُمُوهاً، إِذا (رَفَعَ رأْسه عِنْد الحَوْضِ وامتَنَعَ مِن الشُّرْب) رِيًّا، (كتقَمَّحَ وانْقَمَحَ) وقَامَحَ، الأَخِيرَة من (الأَساس) و (اللِّسَان) .
قَالَ أَبو زيد: تقَمَّحَ فُلانٌ من الماءِ، إِذا شَرِب الماءَ وَهُوَ مُتكارِهٌ، (فَهُوَ) بعيرٌ (قامِحٌ) ، يُقَال: شَرِب فتقَمَّحَ وانقمَحَ بِمَعْنى. و (ج) قُمَّحٌ (كَرُكّه. و) قد (قَامَحَتْ إِبلُك) ، إِذا (وَرَدَتْ فَلم تَشْرَبْ) ورَفَعَتْ رؤُوسَها (لِداءٍ) يكون بهَا (أَو، بَرْد) ماءٍ، أَوريَ أَو عِلَّة. (وَهِي ناقةٌ مُقَامِحٌ) ، بِغَيْر هاءٍ (وإِبلٌ مُقامِحَةٌ) وقِمَاحٌ، على طَرْح الزائدِ. قَالَ بِشْرُ بن أَبي خازمٍ يَذكر سَفينةً ورُكْبانَها:
ونَحْنُ على جَوَانِبها قُعُودٌ
نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإِبلِ القِمَاحِ
(و) من الْمجَاز: (أَقْمَحَ) الرّجلُ، إِذا (رَفَع رأْسَه وغَصِّ بَصَرَه) ، قَالَه الزَّجَّاج، وَرَوَاهُ سَلَمَةُ عَن الفرّاءِ. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {7. 004 فَهِيَ الى الاءَذقان. . مقمحون} (يس: 8) وَفِي حَدِيث عليَ كرَّم الله وَجهَه، قَالَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (سَتَقْدَمُ على الله أَنتَ وشِيعَتُك راضينَ مَرْضِيِّين، ويَقْدَمُ عَلَيْك عَدُوُّك غِضَاباً مُقمَحِين) ثمَّ جمَعَ يدَه إِلى عُنقِه يُريهم كَيفَ الإِقماحُ، وَهُوَ رَفْعُ الرأْسِ وغَضُّ البَصر.
(و) أَقْمَحَ (بأَنْفِهِ: شَمَخَ) وَرَفَعَ رأْسَه لَا يكَاد يَضَعُه، فكأَنَّه ضِدّ.
(و) أَقمَحَ (السُّنْبُلُ: جَرَى فِيهِ الدَّقِيقُ) ، تَقول: قد جَرَى القمْحُ فِي السُّنبُل وَقد أَمَحَ البُرُّ. قَالَ الأَزهَرِيّ وَقد أَنضَجَ ونَضِجَ.
(و) من الْمجَاز: أَمَحَ (الغُلُّ الأَسِيرَ) ، إِذا (تَرَكَ رأْسَه مَرفُوعاً لضِيقِه) ، فَهُوَ مُقْمَح، وذالك إِذا لم يَترُكه عَمودُ الغُلُّ الَّذِي يَنخُس ذَقَنَهُ أَن يُطَأْطىء رأْسَه، كَمَا فِي (الأَساس) . وَقَالَ ابْن الأَثير: قَوْله تَعَالَى: {7. 004 فَهِيَ الى الاءَذقان} (هِيَ كِنايةٌ عَن الأَيدِي لَا عنِ الأَعناقِ، لأَنّ الغُلّ يَجْعَل اليدَ تلى الذَّقنَ والعُنُقَ وَهُوَ مُقاربٌ للذَّقن. قَالَ الأَزهريّ: وأَراد عزّ وجلّ أَنّ أَيديَهم لما غُلّتْ عِنْد أَعناقهم رَفعَت الأَغلالُ أَذقَانَهم ورؤُسَهم صُعُداً كالإِبل الرّافعةِ رُءُوسها.
(وشَهْرَا قُمَاحٍ، ككِتَاب وغُرَابِ) : شَهْرَا الكانُونِ، لأَنَّهما يُكْرَه فيهمَا شُرْبُ الماءُ إِلاّ عَلَى ثْفلٍ، قَالَ مَالك بن خالدٍ الهُذَليّ:
فَتًى مَا ابْنُ الأَغرِّ إِذَا شَتَوْنَا
وحُبَّ الزّادُ فِي شَهْرَيْ قُمَاحٍ
رُوِي بالوَجهين، وَقيل سُمِّيَ بذالك لأَنّ الإِبِلَ فيهمَا تُقَامِحُ عَن الماءِ فَلَا تَشْربُه. قَالَ الأَزهريُّ: هُمَا (أَشَدُّ مَا يَكُونُ من البَرْدِ) ، سَمِّيا بذالك لِكَرَاهَة كلِّ ذِي كَبِد شُرْبَ الماءِ فيهمَا، ولأَنّ الإِبل لَا تَشرب فيهمَا إِلاّ تعذيراً، وَقَالَ شَمِرٌ: يُقَال لشَهْرَيْ قُماح: شَيْبَانُ ومِلْحَانُ.
(والقمْحَى والقِمْحَاة، بكسرِهما: الفَسْشَةُ) ، بالفَتْح، و (والقِمْحَانَةُ، بِالْكَسْرِ: مَا بينَ القَمَحْدُوَةِ ونُقْرَةِ القَفَا) .
(و) من الْمجَاز (قَمَّحَهُ تَقميحاً) ، إِذا (دفَعَه بالقَليل عَنْ كثيرٍ) مِمَّا (يَجِبُ لَهُ) . كَمَا يفعل الأَميرُ الظالمُ بِمن يَغْزُو مَعَه، يَرْضَخُه أَدنى شَيْءٍ ويَستأْثر عَلَيْهِ بالغَنيمَة. كَذَا فِي (الأَساس) .
(والقامِحُ: الكَارِعُ للماءِ لأَيَّةِ عِلَّةٍ كَانَت) ، كالعِيافة لَهُ أَو قِلّة ثُفْلٍ فِي جَوْفه أَو غيرِ ذالك ممّا ذكرَ.
(و) عَن الأَزهريّ: قَالَ اللَّيْث: القامِح (من الإِبلِ مَا اشْتَدّ عَطشُه حتّى فَتَرَ شَديداً) . وبَعيرٌ مُقمَحٌ وَقد قَمَحَ يَقْمَحٌ منشِدّة العَطش قُموحاً، وأَقْمحَه العَطشُ فَهُوَ مُقمَح. قَالَ الله تَعَالَى: {7. 004 فَهِيَ الى الاءَذقان. . مقمحون} : خاشعون لَا يَرفَعُون أَبصارَهم.
قَالَ الأَزهريّ: كلُّ مَا قالَه اللَّيث فِي تَفْسِير القامح والمُقَامِح، وَفِي تَفْسِير قَوْله عزّ وجلّ {فَهُم مُّقْمَحُونَ} فَهُوَ خَطأٌ، وأَهل العربيّة والتفسيرِ على غيرِه. فأَمّا المُقامِح فإِنّه رُوِيَ عَن الأَصمعيّ أَنه قَالَ: بعيرٌ مُقَامِحٌ وناقَةٌ مُقَامِحٌ، إِذَا رَفَعَ رأْسَه عَن الأَصمعيّ أَنه قَالَ: بعيرٌ مُقَامِحٌ وناقَةٌ مُقَامِحٌ، إِذَا رَفَعَ رأْسَه عَن الحَوْضِ وَلم يَشْرَبْ وَجمعه قِماحٌ. ورُوِيَ عَن الأَصمعيّ أَنّه قَالَ: التَّقَمُّح: كراهَةُ الشُّرْب قَالَ: وأَما قَوْله تَعَالَى: {فَهُم مُّقْمَحُونَ} فإِنّ سَلمةَ روَى عَن الفرّاءِ أَنه قَالَ: المُقْمَح الغاضُّ بصرَه بعد رَفْعِ رأْسه. وَقد مرّ شيءٌ مِنْهُ.
(واقْتَمَحَ، البُرُّ: صَار قَمْاً نَضْيجاً) هَكَذَا فِي سَائِر النّسخ، وَالَّذِي فِي (اللِّسَان) وَغَيره: أَقمَحَ البُرُّ، كَمَا تَقول أَنضَجَ، صَرَّحَ بِهِ الأَزهريّ وغيرُه، فَلْينْظر ذالك.
(و) اقتَمحَ (النَّبِيذَ) والشَّرَابَ واللَّبنَ والماءَ: (شَرِبَه) كقَمِحَه.
وَقَالَ ابْن شُميل: إِنّ فُلاناً لقَمُوحٌ للنَّبِيذ، أَي شَرُوبٌ لَهُ. وإِنّه لقَحُوفٌ للنَّبيذ. وقَمِحَ السَّوِيقَ قمْحاً، وأَمّا الخُبْز والتّمر فَلَا يُقَال فيهمَا قَمِحَ، إِنّما يُقَال القَمْحُ فِيمَا يُسَفُّ. وَفِي الحَدِيث (أَنّه كانَ إِذا اشتَكَى تَقَمَّحَ كَفًّا من حَبَّةِ السَّوداءِ) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
قَالَ اللَّيْث: يُقَال فِي مثَلٍ (الظمأُ القامح خيرٌ من الرِّيِّ الفاضِح) . قَالَ الأَزهريّ: وهاذا خلافُ مَا سمِعناه من الْعَرَب، والمسموع مِنْهُم الظمأُ الفادِحُ خير من الرِّيِّ الفاضِح) ومعناهُ الْعَطش الشّاقّ خيرٌ من رِيَ يَفضَح صاحبَه.
وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي قَول أُمِّ زَرْع: (وعِندَه أَقُولُ فَلَا أُقَبَّح، وأَشرَبُ فأَتقمَّح) ، أَي أَروَى حتّى أَدَعَ الشُّرْبع.، أَرادَتْ أَنّهَا تَشْرب حتّى تروَى وتَرْفَعَ رَأْسَهَا. ويُروَى بالنُّون. قَالَ الأَزهَريّ: وأَصْل التقَمُّح فِي الماءِ، فاستعارَتْه للّبَنِ، أَرادَت أَنَّهَا تَرْوَى من اللبَن حَتَّى تَرفَع رأْسَها عَن شُرْبِه كَمَا يَفْعَلُ البَعِيرُ إِذا كرِعَ شُرْبَ الماءِ.
وَمن الأَساس فِي الْمجَاز: قَوْلهم: وَمَا أَصابَت الإِبلُ إِلاّ قَمِيحَةً من كلإٍ: شيْئاً من اليابِس تَسْتَفُّه. والقَمْحَة نَهْرٌ أَوّلَ هَجَرَ. والقَمْحَة: قَرْيَة بالصَّعِيد.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.