من منازل بني عذرة، قال النابغة يمدحهم:
وقد قلت للنعمان، يوم لقيته، ... يريد بني حنّ ببرقة صادر
خنب: الخِنَّابُ: الضَّخْمُ الطويلُ من الرجالِ، ومنهم مَن لم
يُقَيِّدْ؛ وهو أَيضاً: الأَحْمَق الـمُخْتَلِجُ مرَّةً هُنا، ومَرَّةً هُنا.
والخِنَّابُ: الضَّخْمُ الأَنفِ، وهذا مـما جاءَ على أَصلِه شاذّاً، لأَن
كلَّ ما كان على فِعَّالٍ من الأَسْماءِ، أُبْدِلَ من أَحدِ حَرْفَيْ تَضْعِيفِه ياء، مثل دِينارٍ وقِيراطٍ، كَراهِيَة أَنْ يَلْتَبِس بالمــصادِرِــ، إِلاَّ أَن يكونَ بالهاء، فيَخْرُجَ على أَصلِه، مثلَ دِنَّابةٍ وصِنَّارَةٍ، ودِنَّامةٍ وخِنَّابةٍ، لأَنه الآن قد أُمِنَ التِباسُه بالـمَــصادِرِ.التهذيب: يقال رجل خِنَّأْبٌ، مكسورُ الخاءِ، مُشَدَّدُ النون، مهموز: وهو الضَّخْمُ في عَبالةٍ، والجمع خَنانِبُ. ويقال: الخِنَّأْبُ من الرجالِ: الأَحْمَقُ الـمُتَصَرِّفُ، يختلج هكذا مرَّة، وهكذا مرَّة أَي يذهب.الأَزهري، الليث: الخُنَّأْبةُ، الخاءُ رفعٌ والنون شديدةٌ، وبعد النون همزة، وهي طَرَفُ الأَنـْفِ، وهما الخُنَّأْبَتانِ، قال: والأَرْنَبة تحت
الخُنَّأْبةِ. وقال ابن سيده: الخِنَّابة الأَرْنَبَةُ العظيمة، وقيل:
طَرَفُ الأَرْنَبةِ من أَعلاها، بينها وبين النُّخْرَة. والخِنَّابَتانِ:
طَرَفا الأَنـْفِ من جانِبَيْه، والأَرْنَبَة: ما تَحْتَ الخِنَّابة، والعَرْتَمَة: أَسْفَلُ من ذلك، وهي حَدُّ الأَنـْفِ، والرَّوْثَة تَجْمَعُ ذلك كلَّه، وهي الـمُجْتَمعة قُدَّامَ المارِنِ، وبعضهم يقول: العَرْتَمَة ما بين الوَتَرة والشَّفَةِ، والخِنَّابة حرفُ الـمُنْخُر، وهما الخنَّابتان. وقيل خِنَّابَتَا الأَنـْفِ: خَرْقاهُ عن يَمينٍ وشِمال، بينهما الوَتَرةُ؛ قال الراجز:
أَكْوي ذَوي الأَضْغان كَيّاً مُنْضِجا، منهم، وذَا الخِنَّابــــــــــةِ العَفَنْجَجَا
ويقال: الخِنَّأْبة، بالهمز. وفي حديث زيدِ بنِ ثابت، في الخِنَّابَتَيْنِ إِذا خُرِمَتَا، قال: في كلِّ واحدةٍ ثُلُثُ دِيةِ الأَنـْفِ، هما بالكسر والتشديد، جانِبا الـمُنْخُرَيْنِ، عن يَمينِ الوَتَرةِ وشمالِها، وهَمَزَها الليث، وأَنكرها الأَصمعي. قال أَبو منصور: الهمزةُ التي ذكرها
الليث في الخِنَّابة والخِنَّاب لا تَصحُّ عِندي إِلاَّ أَن تُجْتَلَب، كما
أُدخِلَتْ في الشَّمْأَلِ، وغِرقِئِ البَيْضِ، وليستْ بأَصْلِيَّة. قال أَبو منصور: وأَما الخُنَّأْبةُ، بالهمز وضم الخاءِ، فإِن أَبا العباس روى
عن ابن الأَعرابي، قال الخِنَّابَتانِ، بكسر الخاءِ وتشديد النون، غير مهموز، هما سَمَّا الـمُنْخُرَيْن، وهما الـمُنْخُرانِ، والخَوْرَمَتانِ، قال: هكذا ذكرهما أَبو عبيد في كتاب الخيل؛ وروى سَلَمة عن الفرَّاءِ أَنه قال: الخِنَّابُ، والخِنَّبُ الطويلُ. قال: ولا أَعرف الهمز لأَحد في هذه الحروف.
والخَنَبُ: كالخُنانِ في الأَنـْفِ، وقد خَنِبَ خَنَباً.
والخِنْبُ: مَوْصِلُ أَسافِلِ أَطْرافِ الفخِذَيْنِ،
وأَعالي الساقَيْنِ. والخِنْبُ: باطِنُ الرُّكْبةِ؛ وقيل: هو فُروجُ ما بين الأَضْلاع، وجمعُ ذلك كلِّه أَخْنابٌ؛ قال رؤْبة:
عُوجٌ دِقاقٌ، من تَحَنِّي الأَخْناب
الفرَّاءُ: الخِنْبُ، بكسر الخاءِ: ثِنْيُ الرُّكْبَة، وهو الـمَأْبِضُ.
وخَنِبَتْ رِجْلُه، بالكسر: وهَنَتْ. وأَخْنَبَها هو: أَوْهَنَها، وأَخْنَبْتُها أَنا؛ قال ابن أَحمر:
أَبي الذي أَخْنَبَ رِجْلَ ابن الصَّعِقْ، * إِذ كانتِ الخَيْلُ كعِلْباءِ العُنُقْ
قال ابن بري: قال أَبو زكريا الخطيب التبريزي: هذا البيت لتميم بن العَمَرَّدِ بنِ عامِرِ بن عبدِشَمْسٍ، وكان العَمَرَّد طَعَن يَزيدَ بنَ
الصَّعِقِ، فأَعْرَجَه. قال ابن بري: وقد وَجَدته أَيضاً في شعر ابن أَحمر الباهلي.
ابن الأَعرابي: أَخْنَبَ رجلَه قَطَعَها.
وخَنِبَ الرَّجُلُ: عَرِجَ.
واخْتَنَبَ القومُ: هَلَكُوا(1)
(1 قوله «واختنب القوم هلكوا» نقل الصاغاني عن الزجاج أخنب القوم هلكوا أيضاً.)
أَبو عمرو: الـمَخْنَبة القطيعة.
وجاريةٌ خَنِبة: غَنِجة رَخيمة. وظَبْيةٌ خَنِبة أَي عاقدة عُنُقَها،
وهي رابضة لا تَبْرَحُ مَكانَها، كأَن الجارية شُبِّهَتْ بها؛ وقال:
كأَنها عَنْزُ ظِباءٍ خَنِبَهْ، * ولا يَبِيتُ بَعْلُها على إِبَهْ
الإِبةُ: الرِّيبةُ. ويقال: رأَيتُ فلاناً على خَنْبةٍ وخَنْعةٍ، ومثله:
عَقِرَ وبَقِرَ، ومثله: ما ذُقْتُ عَلُوساً ولا بَلُوساً، وجئْ به من
عَسِّكَ وبَسِّكَ، فعاقَب العَينُ الباءَ.
شمر: الخَنَباتُ الغَدْرُ والكَذِبُ.
ويقال: لَنْ يَعْدَمَكَ من اللئيم خَنابةٌ أَي شَرٌّ. والخَنَابةُ: الأَثَر القبيحُ. قال ابنُ مقبل:
ما كنتُ مَولى خَناباتٍ، فَآَتِيَها، * ولا أَلِمْنا لقَتْلى ذَاكُمُ الكَلِمِ
ويروى جَناباتٍ. يقول: لست أَجنبياً منكم؛ ويروى خَناناتٍ، بِنُونَيْن، وهي كالخَناباتِ. ورجل ذُو خَنَبَاتٍ وخَبَناتٍ: وهو الذي يصلح مَرَّةً، ويفسدُ أُخْرى.
نسب: النَّسَبُ: نَسَبُ القَراباتِ، وهو واحدُ الأَنْسابِ. ابن سيده:
النِّسْبةُ والنُّسْبَةُ والنَّسَبُ: القَرابةُ؛ وقيل: هو في الآباء خاصَّةً؛ وقيل: النِّسْبَةُ مصدرُ الانْتِسابِ؛ والنُّسْبَةُ: الاسمُ. التهذيب: النَّسَبُ يكون باللآباءِ، ويكونُ إِلى البلاد، ويكون في الصِّناعة، وقد
اضْطُرَّ الشاعر فأَسكن السين؛ أَنشد ابن الأَعرابي:
يا عَمْرُو، يا ابنَ الأَكْرَمِـينَ نَسْبا، * قَدْ نَحَبَ الـمَجْدُ عليك نَحْبا
النَّحْبُ هنا: النَّذْرُ، والـمُراهَنة، والـمُخاطَرة أَي لا يُزايلُك، فهو لا يَقْضِـي ذلك النَّذْرَ أَبداً؛ وجمع النَّسَب أَنْسابٌ.
وانْتَسَبَ واسْتَنْسَبَ: ذَكَرَ نَسَبه. أَبو زيد: يقال للرجل إِذا سُئِلَ عن نَسَبه: اسْتَنْسِبْ لنا أَي انْتَسِبْ لنا حتى نَعْرِفَك.
ونَسَبَهُ يَنْسُبُهُ ويَنْسِـبُهُ (1)
(1 قوله «ونسبه ينسبه» بضم عين المضارع وكسرها والمصدر النسب والنسب كالضرب والطلب كما يستفاد الأوّل من الصحاح والمختار والثاني من المصباح واقتصر عليه المجد ولعله أهمل الأول لشهرته واتكالاً على القياس، هذا في نسب القرابات وأما في نسيب الشعر فسيأتي أن مصدره النسب محركة والنسيب.) نَسَباً: عَزاه. ونَسَبه: سَـأَله أَن يَنْتَسِبَ. ونَسَبْتُ فُلاناً إِلى أَبيه أَنْسُبه وأَنْسِـبُهُ نَسْباً إِذا رَفَعْتَ في نَسَبه إِلى جَدِّه الأَكبر. الجوهري: نَسَبْتُ الرجلَ أَنْسبُه، بالضم، نِسْبةً ونَسْباً إِذا ذَكَرْتَ نَسَبه، وانْتَسَبَ إِلى أَبيه أَي اعْتَزَى. وفي الخبر: أَنـَّها نَسَبَتْنا، فانْتَسَبْنا لها،
رواه ابن الأَعرابي. وناسَبَه: شَرِكَه في نَسَبِه. والنَّسِـيبُ: الـمُناسِبُ، والجمع نُسَباءُ وأَنْسِـباءُ؛ وفلانٌ يناسِبُ فلاناً، فهو نَسِـيبه أَي قَريبه.
وتَنَسَّبَ أَي ادَّعَى أَنه نَسِـيبُكَ. وفي المثل: القَريبُ مَن
تَقَرَّبَ، لا مَنْ تَنَسَّبَ.
ورجل نَسِـيبٌ مَنْسُوب: ذو حَسَبٍ ونَسَبٍ. ويقال: فلانٌ نَسِـيبي، وهم أَنْسِـبائي.
والنَّسَّابُ: العالم بالنَّسَب، وجمعه نَسَّابونَ؛ وهو النَّسَّابةُ؛ أَدخَلوا الهاءَ للمبالغة والمدح، ولم تُلْحَقْ لتأْنيثِ الموصوف بما هي
فيه، وإِنما لَحِقَتْ لإِعْلام السامع أَن هذا الموصوفَ بما هي فيه قد بَلَغَ الغايةَ والنهاية، فجَعَل تأْنيثَ الصفة أَمارة لِـما أُريد من تأْنيث الغايةِ والمبالغةِ، وهذا القولُ مُسْتَقْصًى في عَلاَّمة؛ وتقول: عندي ثلاثةُ نَسَّاباتٍ وعَلاَّماتٍ، تُريد ثلاثةَ رجالٍ، ثم جئتَ بنَسَّاباتٍ نَعْتاً لهم. وفي حديث أَبي بكر، رضي اللّه عنه: وكان رجلاً نَسَّابةً؛ النَّسَّابةُ: البليغ العالم بالأَنسابِ.
وتقول: ليس بينهما مُناسَبة أَي مُشاكَلةٌ. ونَسَبَ بالنساءِ، يَنْسُبُ، ويَنْسِبُ نَسَباً ونَسِـيباً، ومَنْسِـبة: شَبَّبَ (1)
(1 قوله «ومنسبة شبب إلخ» عبارة التكملة المنسب والمنسبة (بكسر السين فيهما بضبطه) النسيب في الشعر. وشعر منسوب فيه نسيب والجمع المناسيب.) بهنّ في الشعْر وتَغزَّل. وهذا الشِّعْر أَنْسَبُ من هذا أَي أَرَقُّ نَسِـيباً، وكأَنهم قد قالوا: نَسيبٌ ناسِبٌ، على المبالغة، فبُني هذا منه. وقال شمر: النَّسِـيبُ رَقيقُ الشِّعْر في النساءِ؛ وأَنشد:
هَلْ في التَّعَلُّلِ من أَسْماءَ مَن حُوبِ، * أَم في القَريضِ وإِهْداءِ الـمَناسِـيبِ؟
وأَنْسَبَتِ الريحُ: اشْتَدَّتْ، واسْتافَتِ التُّرابَ والـحَصى.
والنَّيْسَبُ والنَّيْسَبانُ: الطريقُ المستقيم الواضحُ؛ وقيل: هو الطريقُ الـمُسْتَدِقُّ، كطَريق النَّمْل والـحَيَّةِ، وطريقِ حُمُر الوَحْش إِلى مَواردها؛ وأَنشد الفرّاء لدُكَينٍ:
عَيْناً، تَرى الناسَ إِليه نَيْسَبا، * من صادرٍ أَو وارِدٍ، أَيْدي سَبَا
قال، وبعضهم يقول: نَيْسَم، بالميم، وهي لغة. الجوهري: النَّيْسَبُ الذي تراه كالطَّريق من النمل نفسها، وهو فَيْعَلٌ؛ وقال دُكَيْنُ بنُ رَجاء الفُقَيْميُّ:
عَيْناً ترى الناسَ إِليها نَيْسَبا
قال ابن بري والذي في رَجزه:
مُلْكاً، تَرَى الناسَ إِليه نَيْسَبا، * من داخِلٍ وخارجٍ، أَيْدي سَبَا(2)
(2 قوله «وقال ابن بري إلخ» وعبارة التكملة والرواية ملكاً إلخ أي اعطه ملكاً.)
ويروى من صادر أَو وارد. وقيل: النَّيْسَبُ ما وُجِدَ من أَثر الطريق.
ابن سيده: والنَّيْسَبُ طريقُ النمل إِذا جاءَ منها واحدٌ في إِثرِ آخر.
وفي النوادر: نَيْسَبَ فلانٌ بين فلانٍ وفلانٍ نَيْسَبةً إِذا أَدْبَرَ وأَقْبَلَ بينهما بالنميمة وغيرها.
ونُسَيْبٌ: اسم رجل ؛عن ابن الأَعرابي وحده.
نشب: نَشِبَ الشيءُ في الشيءِ، بالكسر، نَشَباً ونُشوباً ونُشْبةً: لم
يَنْفُذْ؛ وأَنْشَبَه ونَشَبَه؛ قال:
هُمُ أَنْشَبُوا صُمَّ القَنا في صُدُورِهِم، * وبِـيضاً تَقِـيضُ البَيْضَ من حيثُ طائرُهْ
وأَنْشَبَ البازي مَخالِـبَه في الأَخيذَة. ونَشِبَ فلانٌ مَنْشَبَ سَوْءٍ إِذا وَقَعَ فيما لا مَخْلَص منه؛ وأَنشد:
وإِذا الـمَنِـيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها، * أَلْفَيْتَ كلَّ تَميمةٍ لا تَنْفَعُ
ونَشَّبَ في الشيءِ، كنَشَّمَ؛ حكاهما اللحياني، بعد أَن ضَعَّفَهما.
قال ابن الأَعرابي قال الحرث بن بَدْرٍ الغُدانيُّ: كنتُ مَرَّةً نُشْبَةً، وأَنا اليوم عُقْبَةٌ أَي كنتُ مَرَّةً إِذا نَشِـبْتُ أَي عَلِقْتُ بـإِنسان لَقِـيَ مني شرّاً، فقد أَعْقَبْتُ اليومَ، ورَجَعْتُ. والـمِنْشَبُ، والجمعُ الـمَناشِبُ: بُسْرُ الخَشْوِ. قال ابن الأَعرابي: الـمِنْشَبُ الخَشْوُ؛ يقال: أَتَوْنا بخَشْوٍ مِنْشَبٍ يأْخُذُ بالـحَلْق.الليث: نَشِبَ الشيءُ في الشيءِ نَشَباً، كما يَنْشَبُ الصَّيْدُ في الـحِـبالة. الجوهري: نَشِبَ الشيءُ في الشيءِ، بالكسر، نُشوباً أَي عَلِقَ فيه؛ وأَنْشَبْتُه أَنا فيه أَي أَعْلَقْتُه، فانْتَشَب؛ وأَنْشَبَ الصائدُ: أَعْلَقَ. ويقال: نَشِـبَت الحربُ بينهم؛ وقد ناشَبه الحرْبَ أَي نابَذَه. وفي حديث العباس، يوم حُنَيْنٍ: حتى تَناشَبُوا حَولَ رسول اللّه، صلى اللّه عليه وسلم، أَي تَضامُّوا، ونَشِبَ بعضُهم في بعض أَي دَخَلَ وتَعَلَّقَ. يقال: نَشِبَ في الشيءِ إِذا وَقَعَ فيما لا مَخْلَص له منه.
ولم يَنْشَبْ أَنْ فَعَل كذا أَي لم يَلْبَثْ؛ وحقيقتُه لم يَتَعَلَّقْ بشيءٍ غيره، ولا اشتغل بسواه. وفي حديث عائشةَ وزينبَ: لم أَنْشَبْ أَن أَثْخَنْتُ عليها. وفي حديث الأَحْنَفِ: أَنَّ الناسَ نَشِـبُوا في قتل
عثمان أَي عَلِقُوا. يقال: نَشِـبَتِ الحرْبُ بينهم نُشُوباً: اشْتَبَكَتْ.
وفي الحديث: أَن رجلاً قال لشُرَيح: اشتريتُ سِمْسِماً، فنَشِبَ فيه
رجلٌ، يعني اشتراه؛ فقال شُرَيْحٌ: هو للأَوَّل؛ وقوله أَنشده ابن
الأَعرابي:
وتِلْكَ بَنُو عَدِيٍّ قد تَـأَلَّوْا، * فيا عَجَبا لناشبةِ الـمَحالِ!(1)
(1 قوله «قد تألوا إلخ» كذا بالأصل ونقله عنه شارح القاموس والذي في التهذيب قد تولوا.)
فسره فقال: ناشِـبةُ الـمَحالِ البَكْرَةُ التي لا تجْري (2)
(2 قوله «البكرة التي لا تجري» قال شارح القاموس ومنه يعلم ما في كلام المجد من الاطلاق في محل التقييد.) أَي امْتَنَعُوا منا، فلم يُعِـينُونا؛ شَبَّهَهُم في امتِناعِهِم عليه، بامتِناعِ البَكْرَة من الجَرْي.
والنُّشَّابُ: النَّبْلُ، واحدتُه نُشَّابة.
والناشِبُ: ذو النُّشَّاب، ومنه سمي الرجل ناشِـباً.
والناشِبةُ: قومٌ يَرْمونَ بالنُّشَّابِ.
والنُّشَّابُ: السِّهامُ. وقوم نَشَّابة: يَرْمُونَ بالنُّشَّابِ، كل ذلك على النَّسَب لأَنه لا فعل له، والنَّشَّابُ مُتَّخِذُه.
والنُّشَبةُ من الرجال: الذي إِذا نَشِبَ بشيءٍ، لم يَكَدْ يُفارِقُه.
والنَّشَبُ والـمَنْشَبةُ: المالُ الأَصيلُ من الناطقِ والصامت. أَبو
عبيد: ومن أَسماءِ المال عندهم، النَّشَبُ والنَّشَبَةُ؛ يقال: فلانٌ ذو
نَشَبٍ، وفلانٌ ما له نَشَبٌ. والنَّشَبُ: المالُ والعَقارُ.وأَنْشَبَتِ الريحُ: اشْتَدَّتْ وسافتِ الترابَ. وانْتَشَبَ فلانٌ طعاماً أَي جَمَعَه، واتَّخذ منه نُشَباً. وانْتَشَبَ حَطَباً: جَمَعَه؛ قال الكميت:
وأَنْفَدَ النملُ بالصَّرائم ما * جَمَّعَ، والحاطِـبون ما انتَشَبوا
ونُشْبَةُ: من أَسماءِ الذِّئْب. ونُشْبة، بالضم: اسم رجل، وهو نُشْبة بنُ غَيْظِ بنِ مُرَّةَ بنِ عَوف بنِ سعدِ بنِ ذِبْيانَ، واللّه أَعلم.
شنأ: الشَّناءة مثل الشَّناعةِ: البُغْضُ.
شَنِئَ الشيءَ وشَنَأَه أَيضاً، الأَخيرة عن ثعلب، يَشْنَؤُهُ فيهما
شَنْأً وشُنْأً وشِنْأً وشَنْأَةً ومَشْنَأً ومَشْنأَةً ومَشْنُؤَةً وشَنَآناً وشَنْآناً، بالتحريك والتسكين: أَبْغَضَه. وقرئَ بهما قوله تعالى:
ولا يَجْرِمَنَّكم شَنآنُ قوم. فمن سكَّن، فقد يكون مصدراً كَلَيَّان، ويكون صفة كَسَكْرانَ، أَي مُبْغِضُ قوم. قال الجوهري: وهو شاذ في اللفظ لأَنه لم يجئْ شيءٌ من المــصادر عليه. ومن حرَّك، فانما هو شاذ في المعنى لأَن فَعَلانَ إِنما هو من بِناءِ ما كان معناه الحركةَ والاضْطِرابَ كالضَّرَبانِ والخَفَقَانِ. التهذيب: الشَّنَآنُ مصدر على فَعَلان كالنَّزَوانِ والضَّرَبانِ. وقرأَ عاصم: شَنْآن، بإِسكان النون، وهذا يكون اسماً كأنه قال: ولا يَجْرِمَنَّكم بَغِيضُ قوم. قال أَبو بكر: وقد أَنكر هذا رجل من أَهل البصرة يُعرف بأَبي حاتم السِّجِسْتانِي معه تَعدٍّ شديدٌ وإِقدام على الطعْن في السَّلف. قال: فحكيت ذلك لأَحمد بن يحيى، فقال: هذا من ضِيقِ عَطَنِه وقلة معرفته، أَما سَمِعَ قولَ ذي الرُّمَّة:
فأَقْسِمُ، لا أَدْرِي أَجَوْلانُ عَبْرةٍ، * تَجُودُ بها العَيْنانِ، أَحْرَى أَمِ الصَّبْرُ
قال: قلت له هذا، وإِن كان مصدراً ففيه الواو. فقال: قد قالت العرب وَشْكانَ ذا إِهالةً وحَقْناً، فهذا مصدر، وقد أَسكنه، الشَّنانُ، بغير همز، مثل الشَّنَآنِ، وأَنشد للأَ حوص:
وما العيْشُ إِلاَّ ما تَلَذُّ وتَشْتَهي، * وإِنْ لامَ فيه ذُو الشَّنانِ وفَنَّدا
سلمة عن الفرّاءِ: من قرأَ شَنَآنُ قوم، فمعناهُ بُغْضُ
قومٍ. شَنِئْتُه شَنَآناً وشَنْآناً. وقيل: قوله شَنآنُ أَي بَغْضاؤُهم، ومَن قَرأَ شَنْآنُ قَوْم، فهو الاسم: لا يَحْمِلَنَّكم بَغِيضُ قَوْم.
ورجل شَنائِيةٌ وشَنْآنُ والأُنثى شَنْآنَةٌ وشَنْأَى. الليث: رجل
شَناءة وشَنائِيةٌ، بوزن فَعالةٍ وفَعالِية: مُبْغِضٌ سَيِّىءُ الخُلقُ.
وشُنِئَ الرجلُ، فهو مَشْنُوءٌ إِذا كان مُبْغَضاً، وإِن كان جميلاً.
ومَشْنَأٌ، على مَفْعَل، بالفتح: قبيح الوجه، أَو قبيح الـمَنْظَر، الواحد
والمثنى والجميع والمذكر والمؤنث في ذلك سواءٌ.
والمِشْناءُ، بالكسر ممدود، على مِثالِ مِفْعالٍ: الذي يُبْغِضُه
الناسُ. عن أَبي عُبيد قال: وليس بِحَسن لأَن المِشْناءَ صيغة فاعل، وقوله: الذي يُبْغِضُه الناسُ، في قوَّة المفعول، حتى كأَنه قال: المِشْناءُ الـمُبْغَضُ، وصيغة المفعول لا يُعَبَّر بها(1)
(1 قوله «لا يعبر بها إلخ» كذا في النسخ ولعل المناسب لا يعبر عنها بصيغة الفاعل.)
عن صيغة الفاعل، فأَمّا رَوْضةٌ مِحْلالٌ، فمعناه أَنها تُحِلُّ الناسَ، أَو تَحُلُّ بهم أَي تَجْعَلُهم يَحُلُّون، وليست في معنى مَحْلُولةٍ. قال ابن بري: ذكر أَبو عبيد أَنَّ الـمَشْنَأَ مثل الـمَشْنَعِ: القَبِيحُ الـمَنْظَر، وإِن كان مُحَبَّباً، والمِشْناءُ مثل المِشْناعِ: الذي يُبْغِضُه الناسُ، وقال علي بن حمزة: المِشْناءُ بالمدّ: الذي يُبْغِضُ الناسَ. وفي حديث أُم معبد: لا تَشْنَؤُه مِن طُولٍ. قال ابن الأَثير: كذا جاءَ في رواية أَي لا يُبْغَضُ لفَرْطِ طُولِهِ، ويروى لا يُتَشَنَّى من طُول، أُبْدل من الهمزة ياء.
وفي حديث علي كرَّم اللّه وجه: ومُبْغِضٌ يَحْمِله شَنَآني على أَنْ
يَبْهَتَني.
وتَشانَؤُوا أَي تَباغَضوا، وفي التنزيل العزيز: إنَّ شانِئَك هو
الأَبْتر. قال الفرَّاءُ: قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم: إِنَّ
شانِئك أَي مُبْغِضَك وعَدُوَّكَ هو الأَبْتَر. أَبو عمرو: الشَّانِئُ:
الـمُبْغِضُ. والشَّنْءُ والشِّنْءُ: البِغْضَةُ. وقالَ أَبو عبيدة في قوله:
ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنآن قوم، يقال الشَّنَآن، بتحريك النون، والشَّنْآنُ، بإِسكان النون: البِغْضةُ.
قال أَبو الهيثم يقال: شَنِئْتُ الرجلَ أَي أَبْغَضْته. قال: ولغة رديئة
شَنَأْتُ، بالفتح. وقولهم: لا أَبا لشانِئك ولا أَبٌ أَي لِمُبْغِضِكَ.
قال ابن السكيت: هي كناية عن قولهم لا أَبا لك.
والشَّنُوءة، على فَعُولة: التَّقَزُّزُ من الشيءِ، وهو التَّباعدُ من
الأَدْناس. ورجل فيه شَنُوءة وشُنُوءة أَي تَقَزُّزٌ، فهو مرة صفة
ومرة اسم. وأَزدُ شَنُوءة، قبيلة مِن اليَمن: من ذلك، النسبُ إليه:
شَنَئِيٌّ، أَجْرَوْا فَعُولةَ مَجْرَى فَعِيلةَ لمشابهتها اياها من عِدّة
أَوجه منها: أَن كل واحد من فَعُولة وفَعِيلة ثلاثي، ثم إِن ثالث كل واحد منهما حرف لين يجري مجرى صاحبه؛ ومنها: أَنَّ في كل واحد من فَعُولة وفَعِيلة تاءَ التأْنيث؛ ومنها: اصْطِحابُ فَعُول وفَعِيل على الموضع الواحد نحوأَثُوم وأَثِيم ورَحُوم ورَحِيم، فلما استمرت حال فعولة وفعيلة هذا الاستمرار جَرَتْ واو شنوءة مَجرى ياءِ حَنِيفة، فكما قالوا حَنَفِيٌّ، قياساً، قالوا شَنَئِيءٌّ، قياساً. قال أَبو الحسن الأَخفش: فإِن قلت إنما جاءَ هذا في حرف واحد يعني شَنُوءة، قال: فإنه جميع ما جاءَ. قال ابن جني:
وما أَلطفَ هذا القولَ من أَبي الحسن، قال: وتفسيره أَن الذي جاءَ في فَعُولة هو هذا الحرف، والقياس قا بِلُه، قال: ولم يَأْتِ فيه شيءٌ يَنْقُضُه.
وقيل: سُمُّوا بذلك لشَنَآنٍ كان بينهم. وربما قالوا: أَزْد شَنُوَّة،
بالتشديد غير مهموز، ويُنسب إليها شَنَوِيٌّ، وقال:
نَحْنُ قُرَيْشٌ، وهُمُ شَنُوَّهْ، * بِنا قُرَيْشاً خُتِمَ النُّبُوَّهْ
قال ابن السكيت: أَزْدُ شَنُوءة، بالهمز، على فَعُولة ممدودة، ولا يقال شَنُوَّة. أَبو عبيد: الرجلُ الشَّنُوءة: الذي يَتَقَزَّزُ من الشيءِ.
قال: وأَحْسَبُ أَنَّ أَزْدَ شَنُوءة سمي بهذا. قال الليث: وأَزْدُ
شَنُوءة أَصح الأَزد أَصْلاً وفرعاً، وأَنشد:
فَما أَنْتُمُ بالأَزْدِ أَزْدِ شَنُوءة، * ولا مِنْ بَنِي كَعْبِ بنِ عَمْرو بن عامِرِ
أَبو عبيد: شَنِئْتُ حَقَّك: أَقْرَرْت به وأَخرَجْته من عندي. وشَنِئَ
له حَقَّه وبه: أَعْطاه إِيَّاه. وقال ثعلب: شَنَأَ إِليه حَقَّه: أَعطاه
إيَّاه وتَبَرَّأَ منه، وهو أَصَحُّ، وأَما قول العجاج:
زَلَّ بَنُو العَوَّامِ عن آلِ الحَكَمْ، * وشَنِئوا الـمُلْكَ لِمُلْكٍ ذي قِدَمْ
فإنه يروى لِمُلْكٍ ولِمَلْكٍ، فمن رواه لِمُلْكٍ، فوجهه شَنِئوا أَي
أَبْغَضُوا هذا الـمُلك لذلك الـمُلْكِ، ومَنْ رواه لِمَلْكٍ، فالأَجْودُ
شَنَؤوا أَي تَبَرَّؤُوا به إِليه. ومعنى الرجز أَي خرجوا من عندهم.
وقَدَمٌ: مَنْزِلةٌ ورِفْعةٌ. وقال الفرزدق:
ولَوْ كانَ في دَيْنٍ سِوَى ذا شَنِئْتُمُ * لَنا حَقَّنا، أَو غَصَّ بالماء شارِبُهْ
وشَنِئَ به أَي أَقَرَّ به. وفي حديث عائشة: عليكم بالـمَشْنِيئةِ
النافعةِ التَّلْبِينةِ، تعني الحَساء، وهي مفعولةٌ من شَنِئْتُ أَي
أَبْغَضْتُ. قال الرياشي: سأَلت الأَصمعي عن الـمَشْنِيئةِ، فقال: البَغِيضةُ.
قال ابن الأَثير في قوله: مَفْعُولةٌ من شَنِئْتُ إِذا أَبْغَضْتَ، في
الحديث. قال: وهذا البِناءُ شاذ. قان أَصله مَشْنُوءٌ بالواو، ولا يقال في مَقْرُوءٍ ومَوْطُوءٍ مَقرِيٌّ ومَوْطِيٌّ ووجهه أَنه لما خَفَّفَ الهمزة صارت ياءً، فقال مَشْنِيٌّ كَمَرْضيٍّ، فلما أَعادَ الهمزة اسْتَصْحَبَ الحالَ الـمُخَفَّفة. وقولها :التَّلْبينة: هي تفسير الـمَشْنِيئةِ، وجعلتها بَغِيضة لكراهتها. وفي حديث كعب رضي اللّه عنه: يُوشِكُ أَن يُرْفَعَ عنكم الطاعونُ ويَفِيضَ فيكم شَنَآنُ الشِّتاءِ. قيل: ما شَنآنُ الشِّتاءِ؟
قال: بَرْدُه؛ اسْتعارَ الشَّنآنَ للبَرْد لأَنه يَفِيضُ في الشتاء. وقيل:
أَراد بالبرد سُهولة الأَمر والرّاحَة، لأَن العرب تَكْنِي بالبرد عن
الرَّاحة، والمعنى: يُرْفَعُ عنكم الطاعونُ والشِّدَّةُ، ويَكثر فيكم
التَّباغُضُ والراحةُ والدَّعة.
وشَوانِئُ المال: ما لا يُضَنُّ به. عن ابن الأَعرابي من تذكرة أَبي علي قال: وأَرى ذلك لأَنها شُنِئَت فجِيدَ بها فأَخْرجه مُخرَج النَّسب، فجاءَ به على فاعل.
والشَّنَآنُ: من شُعَرائهم، وهو الشَّنَآنُ بن مالك، وهو رجل من بني معاوية من حَزْنِ بن عُبادةَ.
كون: الكَوْنُ: الحَدَثُ، وقد كان كَوْناً وكَيْنُونة؛ عن اللحياني
وكراع، والكَيْنونة في مصدر كانَ يكونُ أَحسنُ. قال الفراء: العرب تقول في
ذوات الياء مما يشبه زِغْتُ وسِرْتُ: طِرْتُ طَيْرُورَة وحِدْتُ حَيْدُودَة
فيما لا يحصى من هذا الضرب، فأَما ذوات الواو مثل قُلْتُ ورُضْتُ،
فإِنهم لا يقولون ذلك، وقد أَتى عنهم في أَربعة أَحرف: منها الكَيْنُونة من
كُنْتُ، والدَّيْمُومة من دُمْتُ، والهَيْعُوعةُ من الهُواع،
والسَّيْدُودَة من سُدْتُ، وكان ينبغي أَن يكون كَوْنُونة، ولكنها لما قَلَّتْ في
مــصادر الواو وكثرت في مــصادر الياءِ أَلحقوها بالذي هو أَكثر مجيئاً منها، إِذ
كانت الواو والياء متقاربتي المخرج. قال: وكان الخليل يقول كَيْنونة
فَيْعولة هي في الأَصل كَيْوَنونة، التقت منها ياء وواوٌ والأُولى منهما
ساكنة فصيرتا ياء مشددة مثل ما قالوا الهَيِّنُ من هُنْتُ، ثم خففوها فقالوا
كَيْنونة كما قالوا هَيْنٌ لَيْنٌ؛ قال الفراء: وقد ذهب مَذْهباً إِلا
أَن القول عِندي هو الأَول؛ وقول الحسن بن عُرْفُطة، جاهليّ:
لم يَكُ الحَقُّ سوَى أَنْ هاجَهُ
رَسْمُ دارٍ قد تَعَفَّى بالسَّرَرْ
إِنما أَراد: لم يكن الحق، فحذف النون لالتقاء الساكنين، وكان حكمه إِذا
وقعت النون موقعاً تُحَرَّكُ فيه فتَقْوَى بالحركة أَن لا يَحْذِفَها
لأَنها بحركتها قد فارقت شِبْهَ حروف اللِّينِ، إِذ كُنَّ لا يَكُنَّ إِلا
سَوَاكِنَ، وحذفُ النون من يكن أَقبح من حذف التنوين ونون التثنية
والجمع، لأَن نون يكن أَصل وهي لام الفعل، والتنوين والنون زائدان، فالحذف
منهما أَسهل منه في لام الفعل، وحذف النون أَيضاً من يكن أَقبح من حذف النون
من قوله: غير الذي قد يقال مِلْكذب، لأَن أَصله يكون قد حذفت منه الواو
لالتقاء الساكنين، فإِذا حذفت منه النون أَيضاً لالتقاء الساكنين أَجحفت
به لتوالي الحذفين، لا سيما من وجه واحد، قال: ولك أَيضاً أَن تقول إِن من
حرفٌ، والحذف في الحرف ضعيف إِلا مع التضعيف، نحو إِنّ وربَّ، قال: هذا
قول ابن جني، قال: وأَرى أَنا شيئاً غير ذلك، وهو أَن يكون جاء بالحق
بعدما حذف النون من يكن، فصار يكُ مثل قوله عز وجل: ولم يكُ شيئاً؛ فلما
قَدَّرَهُ يَك، جاء بالحق بعدما جاز الحذف في النون، وهي ساكنة تخفيفاً،
فبقي محذوفاً بحاله فقال: لم يَكُ الحَقُّ، ولو قَدَّره يكن فبقي محذوفاً،
ثم جاء بالحق لوجب أَن يكسر لالتقاء الساكنين فيَقْوَى بالحركة، فلا يجد
سبيلاً إِلى حذفها إِلا مستكرهاً، فكان يجب أَن يقول لم يكن الحق، ومثله
قول الخَنْجَر بن صخر الأَسدي:
فإِنْ لا تَكُ المِرآةُ أَبْدَتْ وَسامةً،
فقد أَبْدَتِ المِرآةُ جَبْهةَ ضَيْغَمِ
يريد: فإِن لا تكن المرآة. وقال الجوهري: لم يك أَصله يكون، فلما دخلت
عليها لم جزمتها فالتقى ساكنان فحذفت الواو فبقي لم يكن، فلما كثر
استعماله حذفوا النون تخفيفاً، فإِذا تحركت أَثبتوها، قالوا لم يَكُنِ الرجلُ،
وأَجاز يونس حذفها مع الحركة؛ وأَنشد:
إِذا لم تَكُ الحاجاتُ من همَّة الفَتى،
فليس بمُغْنٍ عنكَ عَقْدُ الرَّتائِمِ
ومثله ما حكاه قُطْرُب: أَن يونس أَجاز لم يكُ الرجل منطلقاً؛ وأَنشد
بيت الحسن بن عُرْفُطة:
لم يَكُ الحَقُّ سوى أَن هاجَه
والكائنة: الحادثة. وحكى سيبوية: أَنا أَعْرِفُكَ مُذْ كنت أَي مذ
خُلِقْتَ، والمعنيان متقاربان. ابن الأَعرابي: التَّكَوُّنُ التَّحَرُّك، تقول
العرب لمن تَشْنَؤُه: لا كانَ ولا تَكَوَّنَ؛ لا كان: لا خُلِقَ، ولا
تَكَوَّن: لا تَحَرَّك أَي مات. والكائنة: الأَمر الحادث. وكَوَّنَه
فتَكَوَّن: أَحدَثَه فحدث. وفي الحديث: من رآني في المنام فقد رآني فإِن
الشيطان لا يتَكَوَّنُني، وفي رواية: لا يتَكَوَّنُ على صورتي
(* قوله «على
صورتي» كذا بالأصل، والذي في نسخ النهاية: في صورتي، أَي يتشبه بي ويتصور
بصورتي، وحقيقته يصير كائناً في صورتي) . وكَوَّنَ الشيءَ: أَحدثه. والله
مُكَوِّنُ الأَشياء يخرجها من العدم إلى الوجود. وبات فلان بكِينةِ سَوْءٍ
وبجِيبةِ سَوْءٍ أَي بحالة سَوءٍ. والمكان: الموضع، والجمع أَمْكِنة
وأَماكِنُ، توهَّموا الميم أَصلاً حتى قالوا تَمَكَّن في المكان، وهذا كما
قالوا في تكسير المَسِيل أَمْسِلة، وقيل: الميم في المكان أَصل كأَنه من
التَّمَكُّن دون الكَوْنِ، وهذا يقويه ما ذكرناه من تكسيره على
أَفْعِلة؛ وقد حكى سيبويه في جمعه أَمْكُنٌ، وهذا زائد في الدلالة على أَن وزن
الكلمة فَعَال دون مَفْعَل، فإن قلت فان فَعَالاً لا يكسر على أَفْعُل إلا
أَن يكون مؤنثاً كأَتانٍ وآتُنٍ. الليث: المكان اشتقاقُه من كان يكون،
ولكنه لما كثر في الكلام صارت الميم كأَنها أَصلية، والمكانُ مذكر، قيل:
توهموا
(* قوله «قيل توهموا إلخ» جواب قوله فان قيل فهو من كلام ابن سيده،
وما بينهما اعتراض من عبارة الازهري وحقها التأخر عن الجواب كما لا
يخفى) . فيه طرح الزائد كأَنهم كَسَّروا مَكَناً وأَمْكُنٌ، عند سيبويه، مما
كُسِّرَ على غير ما يُكَسَّرُ عليه مثلُه، ومَضَيْتُ مَكانتي ومَكِينَتي
أي على طِيَّتي. والاستِكانة: الخضوع. الجوهري: والمَكانة المنزلة.
وفلانٌ مَكِينٌ عند فلان بَيِّنُ المكانة. والمكانة: الموضع. قال تعالى: ولو
نشاءُ لمَسَخْناهم على مَكانتهم؛ قال: ولما كثرلزوم الميم تُوُهِّمت
أَصلية فقيل تَمَكَّن كما قالوا من المسكين تَمَسْكَنَ؛ ذكر الجوهري ذلك في
هذه الترجمة، قال ابن بري: مَكِينٌ فَعِيل ومَكان فَعال ومَكانةٌ فَعالة
ليس شيء منها من الكَوْن فهذا سهوٌ، وأَمْكِنة أَفْعِلة، وأَما تمسكن فهو
تَمَفْعل كتَمَدْرَع مشتقّاً من المِدْرَعة بزيادته، فعلى قياسه يجب في
تمكَّنَ تمَكْونَ لأَنه تمفْعل على اشتقاقه لا تمكَّنَ، وتمكَّنَ وزنه
تفَعَّلَ، وهذا كله سهو وموضعه فصل الميم من باب النون، وسنذكره هناك.
وكان ويكون: من الأَفعال التي ترفع الأَسماء وتنصب الأَخبار، كقولك كان
زيد قائماً ويكون عمرو ذاهباً، والمصدر كَوْناً وكياناً. قال الأَخفش في
كتابه الموسوم بالقوافي: ويقولون أَزَيْداً كُنْتَ له؛قال ابن جني:
ظاهره أَنه محكيّ عن العرب لأَن الأَخفش إنما يحتج بمسموع العرب لا بمقيس
النحويين، وإذا كان قد سمع عنهم أَزيداً كنت له، ففيه دلالة على جواز
تقديم خبر كان عليها، قال: وذلك انه لا يفسر الفعل الناصب المضمر إلا بما
لو حذف مفعوله لتسلط على الاسم الأَول فنصبه، أَلا تَراكَ تقول أَزيداً
ضربته، ولو شئت لحذفت المفعول فتسلطتْ ضربت هذه الظاهرة على زيد نفسه
فقلت أَزيداً ضربت، فعلى هذا قولهم أَزيداً كنت له يجوز في قياسه أَن تقول
أَزيداً كُنْتَ، ومثَّل سيبويه كان بالفعل المتعدِّي فقال: وتقول
كُنّاهْم كما تقول ضربناهم، وقال إذا لم تَكُنْهم فمن ذا يَكُونُهم كما تقول
إذا لم تضربهم فمن ذا يضربهم، قال: وتقول هو كائِنٌ ومَكُونٌ كما تقول
ضارب ومضروب. غيره: وكان تدل على خبر ماضٍ في وسط الكلام وآخره، ولا
تكون صلَةً في أَوَّله لأَن الصلة تابعة لا متبوعة؛ وكان في معنى جاء
كقول الشاعر:
إذا كانَ الشِّتاءُ فأَدْفئُوني،
فإنَّ الشَّيْخَ يُهْرِمُه الشِّتاءُ
قال: وكان تأْتي باسم وخبر، وتأْتي باسم واحد وهو خبرها كقولك كان
الأَمْرُ وكانت القصة أي وقع الأَمر ووقعت القصة، وهذه تسمى التامة
المكتفية؛ وكان تكون جزاءً، قال أَبو العباس: اختلف الناس في قوله تعالى: كيف
نُكَلِّمُ من كان في المَهْدِ صبيّاً؛ فقال بعضهم: كان ههنا صلة،
ومعناه كيف نكلم من هو في المهد صبيّاً، قال: وقال الفراء كان ههنا شَرْطٌ
وفي الكلام تعَجبٌ، ومعناه من يكن في المهد صبيّاً فكيف يُكَلَّمُ، وأَما
قوله عز وجل: وكان الله عَفُوّاً غَفُوراً، وما أَشبهه فإن أَبا إسحق
الزجاج قال: قد اختلف الناس في كان فقال الحسن البصري: كان الله عَفُوّاً
غَفُوراً لعباده. وعن عباده قبل أَن يخلقهم، وقال النحويون البصريون:
كأَنَّ القوم شاهَدُوا من الله رحمة فأُعْلِمُوا أَن ذلك ليس بحادث وأَن
الله لم يزل كذلك، وقال قوم من النحويين: كانَ وفَعَل من الله تعالى
بمنزلة ما في الحال، فالمعنى، والله أَعلم،. والله عَفُوٌّ غَفُور؛ قال أَبو
إسحق: الذي قاله الحسن وغيره أَدْخَلُ في العربية وأَشْبَهُ بكلام العرب،
وأَما القول الثالث فمعناه يؤُول إلى ما قاله الحسن وسيبويه، إلاَّ أن
كون الماضي بمعنى الحال يَقِلُّ، وصاحبُ هذا القول له من الحجة قولنا
غَفَر الله لفلان بمعنى لِيَغْفِر الله، فلما كان في الحال دليل على
الاستقبال وقع الماضي مؤدِّياً عنها استخفافاً لأَن اختلاف أَلفاظ الأَفعال إنما
وقع لاختلاف الأَوقات. وروي عن ابن الأَعرابي في قوله عز وجل: كُنتُم
خَيْرَ أُمَّة أُخرجت للناس؛ أَي أَنتم خير أُمة، قال: ويقال معناه كنتم
خير أُمة في علم الله. وفي الحديث: أَعوذ بك من الحَوْر بعد الكَوْنِ، قال
ابن الأَثير:الكَوْنُ مصدر كان التامَّة؛ يقال: كان يَكُونُ كَوْناً أَي
وُجِدَ واسْتَقَرَّ، يعني أَعوذ بك من النقص بعد الوجود والثبات، ويروى:
بعد الكَوْرِ، بالراء، وقد تقدم في موضعه. الجوهري: كان إذا جعلته عبارة
عما مضى من الزمان احتاج إلى خبر لأَنه دل على الزمان فقط، تقول: كان
زيد عالماً، وإذا جعلته عبارة عن حدوث الشيء ووقوعه استغنى عن الخبر لأَنه
دل على معنى وزمان، تقول: كانَ الأَمْرُ وأَنا أَعْرفُه مُذْ كان أَي
مُذْ خُلِقََ؛ قال مَقَّاسٌ العائذيّ:
فِداً لبَني ذُهْلِ بن شَيْبانَ ناقَتي،
إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أَشْهَبُ
قوله: ذو كواكب أَي قد أَظلم فبَدَتْ كواكبُه لأَن شمسه كسفت بارتفاع
الغبار في الحرب، وإذا كسفت الشمس ظهرت الكواكب؛ قال: وقد تقع زائدة
للتوكيد كقولك كان زيد منطلقاً، ومعناه زيد منطلق؛ قال تعالى: وكان الله
غفوراً رحيماً؛ وقال أَبو جُندب الهُذَلي:
وكنتُ، إذ جاري دعا لمَضُوفةٍ،
أُشَمِّرُ حتى يَنْصُفَ الساقَ مِئْزَري
وإنما يخبر عن حاله وليس يخبر بكنت عمَّا مضى من فعله، قال ابن بري عند
انقضاء كلام الجوهري، رحمهما الله: كان تكون بمعنى مَضَى وتَقَضَّى، وهي
التامة، وتأْتي بمعنى اتصال الزمان من غير انقطاع، وهي الناقصة، ويعبر
عنها بالزائدة أَيضاً، وتأْتي زائدة، وتأَتي بمعنى يكون في المستقبل من
الزمان، وتكون بمعنى الحدوث والوقوع؛ فمن شواهدها بمعنى مضى وانقضى قول
أَبي الغول:
عَسَى الأَيامُ أَن يَرْجِعـ
نَ قوماً كالذي كانوا
وقال ابن الطَّثَرِيَّة:
فلو كنتُ أَدري أَنَّ ما كانَ كائنٌ،
وأَنَّ جَدِيدَ الوَصْلِ قد جُدَّ غابِرُهْ
وقال أَبو الأَحوصِ:
كم مِن ذَوِي خُلَّةٍ قبْلي وقبْلَكُمُ
كانوا، فأَمْسَوْا إلى الهِجرانِ قد صاروا
وقال أَبو زُبَيْدٍ:
ثم أَضْحَوْا كأَنهُم لم يَكُونوا،
ومُلُوكاً كانوا وأَهْلَ عَلاءِ
وقال نصر بن حجاج وأَدخل اللام على ما النافية:
ظَنَنتَ بيَ الأَمْرَ الذي لو أَتَيْتُه،
لَمَا كان لي، في الصالحين، مَقامُ
وقال أَوْسُ بن حجَر:
هِجاؤُكَ إلاَّ أَنَّ ما كان قد مَضَى
عَليَّ كأَثْوابِ الحرام المُهَيْنِم
وقال عبد الله بن عبد الأَعلى:
يا لَيْتَ ذا خَبَرٍ عنهم يُخَبِّرُنا،
بل لَيْتَ شِعْرِيَ، ماذا بَعْدَنا فَعَلُوا؟
كنا وكانوا فما نَدْرِي على وَهَمٍ،
أَنَحْنُ فيما لَبِثْنا أَم هُمُ عَجِلُوا؟
أَي نحن أَبطأْنا؛ ومنه قول الآخر:
فكيف إذا مَرَرْتَ بدارِ قَوْمٍ،
وجيرانٍ لنا كانُوا كرامِ
وتقديره: وجيرانٍ لنا كرامٍ انْقَضَوْا وذهب جُودُهم؛ ومنه ما أَنشده
ثعلب:
فلو كنتُ أَدري أَنَّ ما كان كائنٌ،
حَذِرْتُكِ أَيامَ الفُؤادُ سَلِيمُ
(* قوله «أيام الفؤاد سليم» كذا بالأصل برفع سليم وعليه ففيه مع قوله
غريم اقواء).
ولكنْ حَسِبْتُ الصَّرْمَ شيئاً أُطِيقُه،
إذا رُمْتُ أَو حاوَلْتُ أَمْرَ غَرِيمِ
ومنه ما أَنشده الخليل لنفسه:
بَلِّغا عنِّيَ المُنَجِّمَ أَني
كافِرٌ بالذي قَضَتْه الكَواكِبْ،
عالِمٌ أَنَّ ما يكُونُ وما كا
نَ قَضاءٌ من المُهَيْمِنِ واجِبْ
ومن شواهدها بمعنى اتصالِ الزمانِ من غير انقطاع قولُه سبحانه وتعالى:
وكان الله غفوراً رحيماً؛ أي لم يَزَلْ على ذلك؛ وقال المتلمس:
وكُنَّا إذا الجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّه،
أَقَمْنا له من مَيْلِهِ فتَقَوَّما
وقول الفرزدق:
وكنا إذا الجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّه،
ضَرَبْْناه تحتَ الأَنْثَيَينِ على الكَرْدِ
وقول قَيْسِ بن الخَطِيم:
وكنتُ امْرَأً لا أَسْمَعُ الدَّهْرَ سُبَّةً
أُسَبُّ بها، إلاَّ كَشَفْتُ غِطاءَها
وفي القرآن العظيم أَيضاً: إن هذا كان لكم جَزاءً وكان سَعْيُكُم
مَشْكُوراً؛ فيه: إنه كان لآياتِنا عَنِيداً؛ وفيه: كان مِزاجُها زَنْجبيلاً.
ومن أَقسام كان الناقصة أَيضاً أَن تأْتي بمعنى صار كقوله سبحانه: كنتم
خَيْرَ أُمَّةٍ؛ وقوله تعالى: فإذا انْشَقَّتِ السماءُ فكانت وَرْدَةً
كالدِّهانِ؛ وفيه: فكانت هَبَاءً مُنْبَثّاً؛ وفيه: وكانت الجبالُ
كَثِيباً مَهِيلاً؛ وفيه: كيف نُكَلِّمُ من كانَ في المَهْدِ صَبِيّاً؛ وفيه:
وما جَعَلْنا القِبْلَةَ التي كُنْتَ عليها؛ أَي صِرْتَ إليها؛ وقال ابن
أَحمر:
بتَيْهاءَ قَفْرٍ، والمَطِيُّ كأَنَّها
قَطا الحَزْنِ، قد كانَتْ فِراخاً بُيوضُها
وقال شَمْعَلَةُ بن الأَخْضَر يصف قَتْلَ بِسْطامِ ابن قَيْسٍ:
فَخَرَّ على الأَلاءَة لم يُوَسَّدْ،
وقد كانَ الدِّماءُ له خِمارَا
ومن أَقسام كان الناقصة أَيضاً أن يكون فيها ضميرُ الشأْن والقِصَّة،
وتفارقها من اثني عشر وجهاً لأَن اسمها لا يكون إلا مضمراً غير ظاهر، ولا
يرجع إلى مذكور، ولا يقصد به شيء بعينه، ولا يؤَكد به، ولا يعطف عليه،
ولا يبدل منه، ولا يستعمل إلا في التفخيم، ولا يخبر عنه إلا بجملة، ولا
يكون في الجملة ضمير، ولا يتقدَّم على كان؛ ومن شواهد كان الزائدة قول
الشاعر:
باللهِ قُولُوا بأَجْمَعِكُمْ:
يا لَيْتَ ما كانَ لم يَكُنِ
وكان الزائدةُ لا تُزادُ أَوَّلاً، وإنما تُزادُ حَشْواً، ولا يكون لها
اسم ولا خبر، ولا عمل لها؛ ومن شواهدها بمعنى يكون للمستقبل من الزمان
قول الطِّرمَّاح بن حَكِيمٍ:
وإني لآتِيكُمْ تَشَكُّرَ ما مَضَى
من الأَمْرِ، واسْتِنْجازَ ما كانَ في غَدِ
وقال سَلَمَةُ الجُعْفِيُّ:
وكُنْتُ أَرَى كالمَوْتِ من بَيْنِ سَاعَةٍ،
فكيفَ بِبَيْنٍ كانَ مِيعادُه الحَشْرَا؟
وقد تأْتي تكون بمعنى كان كقولِ زيادٍ الأَعْجَمِ:
وانْضَخْ جَوانِبَ قَبْرِهِ بدِمائها،
ولَقَدْ يَكُونُ أَخا دَمٍ وذَبائِح
ومنه قول جَرِير:
ولقد يَكُونُ على الشَّبابِ بَصِيرَا
قال: وقد يجيء خبر كان فعلاً ماضياً كقول حُمَيْدٍ الأَرْقَطِ:
وكُنْتُ خِلْتُ الشَّيْبَ والتَّبْدِينَا
والهَمَّ مما يُذْهِلُ القَرِينَا
وكقول الفرزدق:
وكُنَّا وَرِثْناه على عَهْدِ تُبَّعٍ،
طَوِيلاً سَوارِيه، شَديداً دَعائِمُهْ
وقال عَبْدَةُ بنُ الطَّبِيبِ:
وكانَ طَوَى كَشْحاً على مُسْتَكِنَّةٍ،
فَلا هُوَ أَبْداها ولم يَتَجَمْجَمِ
وهذا البيت أَنشده في ترجمة كنن ونسبه لزهير، قال: ونقول كانَ كَوْناً
وكَيْنُونة أَيضاً، شبهوه بالحَيْدُودَة والطَّيْرُورة من ذوات الياء،
قال: ولم يجيء من الواو على هذا إلا أَحرف: كَيْنُونة وهَيْعُوعة
ودَيْمُومة وقَيْدُودَة، وأَصله كَيْنُونة، بتشديد الياء، فحذفوا كما حذفوا من
هَيِّنٍ ومَيُِّتٍ، ولولا ذلك لقالوا كَوْنُونة لأَنه ليس في الكلام
فَعْلُول، وأَما الحيدودة فأَصله فَعَلُولة بفتح العين فسكنت. قال ابن بري:
أَصل كَيّنُونة كَيْوَنُونة، ووزنها فَيْعَلُولة، ثم قلبت الواو ياء فصار
كَيّنُونة، ثم حذفت الياء تخفيفاً فصار كَيْنُونة، وقد جاءت بالتشديد
على الأَصل؛ قال أَبو العباس أَنشدني النَّهْشَلِيُّ:
قد فارَقَتْ قَرِينَها القَرِينَه،
وشَحَطَتْ عن دارِها الظَّعِينه
يا ليتَ أَنَّا ضَمَّنَا سَفِينه،
حَتَّى يَعُودَ الوَصْل كَيّنُونه
قال: والحَيْدُودَة أَصل وزنها فَيْعَلُولة، وهو حَيْوَدُودَة، ثم فعل
بها ما فعل بكَيْنونة. قال ابن بري: واعلم أَنه يلحق بباب كان وأَخواتها
كل فِعْلٍ سُلِبَ الدِّلالةَ على الحَدَث، وجُرِّدَ للزمان وجاز في
الخبر عنه أَن يكون معرفة ونكرة، ولا يتم الكلام دونه، وذلك مثل عادَ
ورَجَعَ وآضَ وأَتى وجاء وأَشباهها كقول الله عز وجل: يَأْتِ بَصيراً؛ وكقول
الخوارج لابن عباس: ما جاءت حاجَتُك أَي ما صارت؛ يقال لكل طالب أَمر
يجوز أَن يَبْلُغَه وأَن لا يبلغه. وتقول: جاء زيدٌ الشريفَ أَي صار زيدٌ
الشريفَ؛ ومنها: طَفِق يفعل، وأَخَذ يَكْتُب، وأَنشأَ يقول، وجَعَلَ يقول.
وفي حديث تَوْبةِ كَعْبٍ: رأَى رجلاً لا يَزُول به السَّرابُ فقال كُنْ
أَبا خَيْثَمة أَي صِرْهُ. يقال للرجل يُرَى من بُعْدٍ: كُن فلاناً أَي
أَنت فلان أَو هو فلان. وفي حديث عمر، رضي الله عنه: أَنه دخل المسجد
فرأَى رجلاً بَذَّ الهيئة، فقال: كُنْ أَبا مسلم، يعني الخَوْلانِيَّ.
ورجل كُنْتِيٌّ: كبير، نسب إلى كُنْتُ. وقد قالوا كُنْتُنِيٌّ، نسب إلى
كُنْتُ أَيضاً، والنون الأَخيرة زائدة؛ قال:
وما أَنا كُنْتِيٌّ، ولا أَنا عاجِنُ،
وشَرُّ الرِّجال الكُنْتُنِيُّ وعاجِنُ
وزعم سيبويه أَن إخراجه على الأَصل أَقيس فتقول كُونِيٌّ، على حَدِّ ما
يُوجِبُ النَّسَبَ إلى الحكاية. الجوهري: يقال للرجل إذا شاخ هو
كُنْتِيٌّ، كأَنه نسب إلى قوله كُنْتُ في شبابي كذا؛ وأَنشد:
فأَصْبَحْتُ كُنْتِيّاً، وأَصْبَحْتُ عاجِناً،
وشَرُّ خِصَالِ المَرْءِ كُنْتُ وعاجِنُ
قال ابن بري: ومنه قول الشاعر:
إذا ما كُنْتَ مُلْتَمِساً لِغَوْثٍ،
فلا تَصْرُخْ بكُنْتِيٍّ كبِيرِ
فَلَيْسَ بِمُدْرِكٍ شيئاً بَسَعْيِ،
ولا سَمْعٍ، ولا نَظَرٍ بَصِيرِ
وفي الحديث: أَنه دخل المسجدَ وعامَّةُ أَهله الكُنْتِيُّونَ؛ هم
الشُّيوخُ الذين يقولون كُنَّا كذا، وكانَ كذا، وكنت كذا، فكأَنه منسوب إلى
كُنْتُ. يقال: كأَنك والله قد كُنْتَ وصِرْتَ إلى كانَ أَي صرتَ إلى أَن
يقال عنك: كانَ فلان، أَو يقال لك في حال الهَرَم: كُنْتَ مَرَّةً كذا، وكنت
مرة كذا. الأَزهري في ترجمة كَنَتَ: ابن الأَعرابي كَنَتَ فلانٌ في
خَلْقِه وكان في خَلْقِه، فهو كُنْتِيٌّ وكانِيُّ. ابن بُزُرْج: الكُنْتِيُّ
القوي الشديد؛ وأَنشد:
قد كُنْتُ كُنْتِيّاً، فأَصْبَحْتُ عاجِناً،
وشَرُّ رِجال الناسِ كُنْتُ وعاجِنُ
يقول: إذا قام اعْتَجَن أَي عَمَدَ على كُرْسُوعه، وقال أَبو زيد:
الكُنْتِيُّ الكبير؛ وأَنشد:
فلا تَصْرُخْ بكُنْتِيٍّ كبير
وقال عَدِيُّ بن زيد:
فاكتَنِتْ، لا تَكُ عَبْداً طائِراً،
واحْذَرِ الأَقْتالَ مِنَّا والثُّؤَرْ
قال أَبو نصر: اكْتَنِتْ ارْضَ بما أَنت فيه، وقال غيره: الاكْتناتُ
الخضوع؛ قال أَبو زُبَيْدٍ:
مُسْتَضْرِعٌ ما دنا منهنَّ مُكْتَنِتٌ
للعَظْمِ مُجْتَلِمٌ ما فوقه فَنَعُ
قال الأَزهري: وأَخبرني المنذري عن أَبي الهيثم أَنه قال لا يقال
فَعَلْتُني إلا من الفعل الذي يتعدَّى إلى مفعولين، مثل ظَنَنْتُني ورأَيْتُني،
ومُحالٌ
أَن تقول ضَرَبْتُني وصَبَرْتُني لأَنه يشبه إضافة الفعل إلى ني، ولكن
تقول صَبَرْتُ نفسي وضَرَبْتُ نَفْسِي، وليس يضاف من الفعل إلى ني إلاّ
حرف واحد وهو قولهم كُنْتي وكُنْتُني؛ وأَنشد:
وما كُنْتُ كُنْتِيّاً، وما كُنْت عاجِناً،
وشَرُّ الرجالِ الكُنْتُنِيُّ وعاجِنُ
فجمع كُنْتِيّاً وكُنْتُنيّاً في البيت. ثعلب عن ابن الأَعرابي: قيل
لصَبِيَّةٍ من العرب ما بَلَغَ الكِبَرُ من أَبيك؟ قالت: قد عَجَنَ وخَبَزَ
وثَنَّى وثَلَّثَ وأَلْصَقَ وأَوْرَصَ وكانَ وكَنَتَ. قال أَبو العباس:
وأَخبرني سلمة عن الفراء قال: الكُنْتُنِيُّ في الجسم، والكَانِيُّ في
الخُلُقِ. قال: وقال ابن الأَعرابي إذا قال كُنْتُ شابّاً وشجاعاً فهو
كُنْتِيٌّ، وإذا قال كانَ لي مال فكُنْتُ أُعطي منه فهو كانِيٌّ. وقال ابن
هانئ في باب المجموع مُثَلَّثاً: رجل كِنْتَأْوٌ ورجلان كِنْتَأْوان ورجال
كِنْتَأْوُونَ، وهو الكثير شعر اللحية الكَثُّها؛ ومنه:
جَمَلٌ سِنْدَأْوٌ وسِنْدَأْوان وسِندَأْوُونَ، وهو الفسيح من الإبل في مِشْيَتِه، ورجل
قَنْدَأْوٌ ورجلان قِنْدَأْوان ورجال قَنْدَأْوُون، مهموزات. وفي الحديث:
دخل عبد الله بن مسعود المسجدَ وعامة أَهله الكُنْتِيُّون، فقلتُ: ما
الكُنْتِيُّون؟ فقال: الشُّيُوخُ الذين يقولون كانَ كذا وكذا وكُنْتُ، فقال
عبد الله: دارَتْ رَحَى الإسلام عليَّْ خمسةً وثَلاثين، ولأَنْ تَمُوتَ
أَهلُ دارِي أَحَبُّ إليَّ من عِدَّتِهم من الذِّبَّان والجِعْلانِ. قال
شمر: قال الفراء تقول كأَنَّك والله قد مُتَّ وصِرْتَ إلى كانَ، وكأَنكما
مُتُّمَا وصرتما إلى كانا، والثلاثة كانوا؛ المعنى صِرْتَ إلى أَن يقال
كانَ وأَنت ميت لا وأَنت حَيٌّ، قال: والمعنى له الحكاية على كُنْت مَرَّةً
للمُواجهة ومرة للغائب، كما قال عز من قائلٍ: قل للذين كفروا
ستُغْلَبُون وسَيُغْلَبُون؛ هذا على معنى كُنْتَ وكُنْتَ؛ ومنه قوله: وكُلُّ أَمْرٍ
يوماً يَصِيرُ كان. وتقول للرجل: كأَنِّي بك وقد صِرْتَ كانِيّاً أَي
يقال كان وللمرأَة كانِيَّة، وإن أَردت أَنك صرت من الهَرَم إلى أَن يقال
كُنْت مرة وكُنْت مرة، قيل: أَصبحتَ كُنْتِيّاً وكُنْتُنِيّاً، وإنما قال
كُنْتُنِيّاً لأَنه أَحْدَثَ نوناً مع الياء في النسبة ليتبين الرفع، كما
أَرادوا تَبين النَّصبِ في ضَرَبني، ولا يكون من حروف الاستثناء، تقول:
جاء القوم لا يكون زيداً، ولا تستعمل إلى مضمراً فيها، وكأَنه قال لا
يكون الآتي زيداً؛ وتجيء كان زائدة كقوله:
سَراةُ بَني أَبي بَكْرٍ تَسامَوْا
على كانَ المُسَوَّمةَِ العِرابِ
أَي على المُسوَّمة العِراب. وروى الكسائي عن العرب: نزل فلان على كان
خَتَنِه أَي نزَل على خَتَنِه؛ وأَنشد الفراء:
جادَتْ بكَفَّيْ كانَ من أَرمى البَشَرْ
أَي جادت بكفَّي من هو من أَرمى البشر؛ قال: والعرب تدخل كان في الكلام
لغواً فتقول مُرَّ على كان زيدٍ؛ يريدون مُرَّ فأَدخل كان لغواً؛ وأَما
قول الفرزدق:
فكيفَ ولو مَرَرْت بدارِِ قومٍ،
وجِيرانٍ لنا كانوا كِرامِ؟
ابن سيده: فزعم سيبويه أَن كان هنا زائدة، وقال أَبو العباس: إن تقديره
وجِيرانٍ كِرامٍ كانوا لنا، قال ابن سيده: وهذا أَسوغ لأَن كان قد عملت
ههنا في موضع الضمير وفي موضع لنا، فلا معنى لما ذهب إليه سيبويه من أَنها
زائدة هنا، وكان عليه كَوْناً وكِياناً واكْتانَ: وهو من الكَفالة. قال
أَبو عبيد: قال أَبو زيد اكْتَنْتُ به اكْتِياناً والاسم منه الكِيانةُ،
وكنتُ عليهم أَكُون كَوْناً مثله من الكفالة أَيضاً ابن الأَعرابي: كان
إذا كَفَل. والكِيانةُ: الكَفالة، كُنْتُ على فلانٍ أكُونُ كَوْناً أَي
تَكَفَّلْتُ به. وتقول: كُنْتُكَ وكُنْتُ إياك كما تقول ظننتك زيداً
وظَنْنتُ زيداً إِياك، تَضَعُ المنفصل موضع المتصل في الكناية عن الاسم والخبر،
لأَنهما منفصلان في الأَصل، لأَنهما مبتدأ وخبر؛ قال أَبو الأَسود
الدؤلي:
دَعِ الخمرَ تَشربْها الغُواةُ، فإنني
رأيتُ أَخاها مُجْزِياً لمَكانِها
فإن لا يَكُنها أَو تَكُنْه، فإنه
أَخوها، غَذَتْهُ أُمُّهُ بلِبانِها
يعني الزبيب. والكَوْنُ: واحد الأَكْوان.
وسَمْعُ الكيان: كتابٌ للعجم؛ قال ابن بري: سَمْعُ الكيان بمعنى سَماعِ
الكِيان، وسَمْعُ بمعنى ذِكْرُِ الكيان، وهو كتاب أَلفه أَرَسْطو.
وكِيوانُ زُحَلُ: القولُ فيه كالقول في خَيْوان، وهو مذكور في موضعه، والمانع
له من الصرف العجمة، كما أَن المانع لخَيْوان من الصرف إنما هو التأْنيث
وإرادة البُقْعة أَو الأَرض أَو القَرْية. والكانونُ: إن جعلته من الكِنِّ
فهو فاعُول، وإن جعلته فَعَلُولاً على تقدير قَرَبُوس فالأَلف فيه
أَصلية، وهي من الواو، سمي به مَوْقِِدُ النار.