Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: درهم

وَفِي

Entries on وَفِي in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
وَفِي
: (ي (} وَفَى بالعَهْدِ، كوَعَى) ، يَفِي ( {وَفاءً) ، بالمدِّ، فَهُوَ} وافٍ: (ضِدُّ غَدَرَ) ؛ كَمَا فِي الصِّحاح.
وَقَالَ غيرُهُ: {الوَفاءُ مَلازَمَةُ طرِيقِ المُواساةِ ومُحافَظَة عُهُودِ الخُلَطاء؛ (} كأوْفَى) ؛ قالَ ابنُ برِّي: وَقد جَمَعَهما طُفَيْل الغَنَوِيُّ فِي بيتٍ واحدٍ فِي قولهِ:
أَمَا ابْن طَوْقٍ فقد {أَوْفَى بذِمَّتهِ
كَمَا} وَفَى بقِلاصِ النَّجْمِ حادِيهاقال شَمِرٌ: يقالُ {وَفَى} وأَوْفَى، فَمنْ قالَ {وَفَى فإنَّه يقولُ تَمَّ كقَوْلكَ وَفَى لنا فلانٌ أَي تَمَّ لنا قَوْلُه وَلم يَغْدِر،} ووَفَى هَذَا الطَّعامُ قَفِيزاً، أَي تَمَّ قَفِيزاً؛ ومَنْ قالَ {أَوْفَى فمعْناهُ} أَوفانِي حَقِّي أَي أَتَمَّه وَلم يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْئا، وكَذلكَ {أَوْفَى الكَيْلَ أَي أَتَمَّه وَلم يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْئا.
قالَ أَبو الهَيْثم فيمَا رَدَّ بِهِ على شَمِرٍ: الَّذِي قالَ شمرٌ فِي} وَفَى {وأَوْفَى باطِلٌ لَا مَعْنى لَهُ إنَّما يقالُ} أَوْفَيْتُ بالعَهْدِ ووَفَيْتُ بالعَهْدِ. وكلُّ شيءٍ فِي كتابِ اللهاِ يقالُ مِن هَذَا فَهُوَ بالألفِ، قالَ اللهاِ تَعَالَى: { {أَوْفُوا بالعُقُود} ، {} أَوْفُوا بَعَهْدِي} ويقالُ: وَفَى الشيءُ ووَفَى الكَيْلُ، أَي تَمَّ، {وأَوْفَيْتُه أَنا أَي أَتْمَمْتُه، قالَ اللهاُ: {أَوْفُوا الكَيْلَ} ، انتَهَى.
(و) } وَفَى (الشَّيءُ {وُفِيّاً، كصُلِيَ) : أَي (تَمَّ وكَثُرَ) ؛ نقلَهُ الجَوْهرِي؛ (فَهُوَ} وَفِيٌّ {ووافٍ) بمعْنًى واحِدٍ، وَفِي الصِّحاح} الوَفِيُّ: {الوَافِي، انتَهَى.
وكلُّ شيءٍ بَلَغَ تمامَ الكَمالِ فقد} وَفَى وتَمَّ (و) مِنْهُ وَفَى (الــدِّرْهَمُ المِثْقالَ) إِذا (عَدَلَهُ) فَهُوَ {وافٍ.
قَالَ شيْخُنا: وَفِي لَحْنِ العَوام لأبي بكْرٍ الزَّبيدِي أنَّهم يقولونَ دِرْهَمٌ وافٍ للزَّائِدِ وَزْنه، وإنَّما هُوَ الَّذِي لَا يزيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَهُوَ الَّذِي وَفَى بزِنَتِه، أَي فَلَا يقالُ: وَفَى أَي كَثُرَ وزادَ؛ وَقد يقالُ إنَّه يَصْدقُ على الزائِدِ أنَّه} وَفَى بزِنَتِهِ؛ فتأَمَّل.
( {وأَوْفَى عَلَيْهِ: أَشْرَفَ) واطَّلَعَ؛ وَمِنْه حديثُ كَعْبِ بنِ مالِكٍ: (} أَوْفَى على سَلْع) .
(و) (أَوْفَى (فلَانا حَقَّهُ) : إِذا (أَعْطاهُ {وافِياً،} كوفَّاهُ) {تَوْفِيَةً؛ نقلَهُ الجَوْهري.
وَقَالَ غيرُهُ: أَي أَكْمَلَهُ؛ (} ووَافاهُ) {مُوافاةً كَذلكَ؛ وَقد جاءَ فاعَلْتُ بمَعْنَى أَفْعَلْتُ وفَعَلْتُ فِي حُرُوفٍ بمعْنًى واحِدٍ؛ تَعاهَدْتُ الشيءَ وتعَهَّدْته وباعَدْته وأَبْعَدْتُه، وقارَبْتُ الصبيَّ وقَرَبْتُه، وَهُوَ يُعاطِيني الشيءَ ويُعْطِيني؛ وَمِنْه المُوافاةُ الَّتِي يَكْتُبها كتَّابُ دَواوِيْن الخَراجِ فِي حساباتِهم؛ (} فاسْتَوْفاهُ {وتَوَفَّاهُ) ، أَي لم يَدَعْ مِنْهُ شَيْئا، فهُما مُطاوِعانِ} لأوْفاهُ {ووَفاهُ} ووَافاهُ.
(و) من المجازِ: أَدْرَكَتْه ( {الوَفاةُ) : أَي (المَوْتُ) والمَنِيَّةُ.
} وتُوفِّيَ فلانٌ: إِذا ماتَ.
( {وتَوفَّاهُ اللهاُ) ، عزَّ وجلَّ: إِذا (قَبَضَ) نَفْسَه؛ وَفِي الصِّحاحِ، (رُوْحَهُ) .
وَقَالَ غيرُهُ: تَوَفِّي الميتِ} اسْتِيفَاء مُدَّتهِ الَّتِي وُفِيتْ لَهُ وعَدَد أَيَّامِه وشُهُورِه وأَعْوامِه فِي الدُّنْيا؛ وَمِنْه قولهُ تَعَالَى: {الله {يَتَوفَّى الأَنْفُسَ حِين مَوْتِها} ، أَي} يَسْتَوفي مُدَد آجالِهم فِي الدُّنْيا، وقيلَ: يَسْتَوفي تَمامَ عَددِهم إِلَى يَوْم القِيامَةِ.
وأَمَّا تَوَفِّي النَّائم فَهُوَ اسْتِيفَاء وَقْت عَقْلِه وتَميزه إِلَى أَنْ نامَ.
وَقَالَ الزجَّاجُ فِي قولهِ تَعَالَى: {قُلْ {يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ المَوْتِ} ، قالَ: هُوَ مِن تَوْفِيةِ العَدَدِ، تَأْوِيلُه أَي يَقْبِضُ أَرْواحَكم أَجْمَعِين فَلَا ينقُصُ واحِد مِنْكم، كَمَا تقولُ: قد} اسْتَوْفَيْتُ مِن فلانٍ {وتَوَفَّيْت مِنْهُ مَالِي عَلَيْهِ، تأْوِيلُه أَي لم يَبْقَ عَلَيْهِ شيءٌ.
وقولُه تَعَالَى: {حَتَّى إِذا جاءَتْهم رُسُلُنا} يَتَوَفَّوْنَهم} ؛ قالَ الزجَّاجُ: فِيهِ، واللهاُ أَعْلَم، وَجْهان: يكونُ حَتَّى إِذا جاءَتْهم ملائِكَةُ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم سَأَلُوهم عنْدَ المُعايَنةِ فيَعْتَرِفونَ عنْدَ مَوّتِهم أنَّهم كَانُوا كافِرِينَ، لأنَّهم قَالُوا لهُم: {أَيْنَما كُنْتُم تدْعُونَ مِن دون ااِ؟ قَالُوا: ضَلُّوا عنَّا} أَي بطلوا وذَهَبُوا، ويجوزُ أَنْ يكونَ، واللهاُ أَعْلم، حَتَّى إِذا جاءَتْهم ملائِكَةُ العَذابِ يَتَوَفَّوْنَهم، فيكونُ يَتَوَفَّوْنَهم فِي هَذَا المَوْضِع على ضَربَيْن: أَحَدُهما يَتَوَفَّوْنَهم عَذَاباً وَهَذَا كَمَا تقولُ: قد قَتَلْتُ فلَانا بالعَذابِ وَإِن لم يَمتْ، ودَليلُ هَذا القَوْل قولهُ تَعَالَى: {ويأْتِيه الموتُ مِن كلِّ مَكانٍ وَمَا هُوَ بمَيِّتٍ} ، قالَ: ويجوزُ أَنْ يكونَ {يَتَوَفَّوْنَ عِدَّتهم، وَهُوَ أَضْعَفُ الوَجْهَيْن؛ وَالله أَعْلَم.
(و) مِن المجازِ: (} وافَيْتُ العامَ) : أَي (حَجَجْتُ) ؛ نقلَهُ الزَّمَخْشري.
صارَتِ {المُوافَاةُ عنْدَهم اسْماً للحَجِّ كَمَا قَالُوا نَزَلْت أَي أَتَيْت مِنَي؛ قالَهُ الصَّاغاني.
(و) } وافَيْتُ (القَوْمَ: أَتَيْتُهُم) ، كأَنَّه أَتاهُم فِي المِيعادِ، ( {كأَوْفَيْتُهُم.
(} والمُوِفِيَةُ) ، كمُحْسِنَةٍ؛ وَفِي التكْملَةِ بفتْح الميمِ؛ (ة) قُرْبَ بِلادِ؛ كَذَا فِي التكْملَةِ؛ فِيهَا نخيلاتٌ، نقلَهُ الحفْصِي عَن الأصْمعي؛ قالَهُ ياقوتُ.
(و) {المُوَفِّيَةُ (كمُحَدِّثةٍ: اسْمُ طَيْبَةَ، صلى الله على ساكِنِها وَسلم) ، كأنَّها سُمِّيَتْ بذلكَ لأنَّها} اسْتَوْفَتْ حَظَّها مِن الشَّرَفِ.
( {والوَفاءُ) ، مَمْدودٌ: (ع) ، فِي شِعْرِ الحارِثِ بنِ حِلِّزة عَن ياقوت.
قُلْتُ: هُوَ قولهُ:
فالمُحَيَّاةُ فالصِّفاحُ فَأَعْنا
قُ قَنانٍ فعاذِبٌ} فالوَفاءُ ( {والمِيفاءُ) ، كمِحْرابٍ؛ كَذَا فِي النسخِ والصَّحيحُ أنَّه مَقْصورٌ كَمَا هُوَ نَصُّ التَّهذيبِ والتّكْملةِ؛ (طَبَقُ التَّنُّورِ) . قالَ رجلٌ مِن العَرَبِ لطَبَّاخِه: خَلِّبْ} مِيفاكَ حَتَّى يَنْضَجَ الرَّوْدَقُ، قالَ: خَلِّبْ أَي طَبِّقْ، والرَّوْدَقُ الشِّواءُ.
(و) أيْضاً: (إرَةٌ تُوَسَّعُ للخُبْزِ) ، أَي لخبْز الملةِ.
(و) أَيْضاً: (بَيْتٌ يُطْبَخُ فِيهِ الآجُرُّ) ؛ رَواهُ أَبُو الخطَّابِ عَن ابنِ شُمَيْل.
(و) أَيْضاً: (الشَّرَفُ مِن الأَرْض) يُوفَى عَلَيْهِ؛ ( {كالمِيفاةِ) ؛ وهُما مَقْصورانِ (} والوَفْىُ) ، وَهُوَ بفَتْح فسكونٍ وضُبِطَ فِي سائِرِ النسخِ كغَنِيَ وَهُوَ غَلَطٌ، والدليلُ على ذلكَ قولُ كثيرٍ:
وإنْ طُوِيَتْ من دونه الأَرضُ وانْبَرَى
لنُكْبِ الرِّياح {وَفْيُها وصغِيرُها (} وأَوْفَى بنُ مَطَرٍ وعبدُ اللهاِ بنُ أَبي {أَوْفَى) عَلْقَمَة بنِ خالِدِ بنِ الحارِثِ الأَسْلَمي، أَبو مُعاوِيَةَ أَو أَبو إبْراهيمَ أَو أَبو محمدٍ، (صَحابِيَّانِ) ، رضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا؛ هَكَذَا فِي سائِرِ النّسخ والصَّوابُ أنَّ أَوْفَى بنَ مَطَرٍ شاعِرٌ وليسَتْ صُحْبَةٌ كَمَا هُوَ نصُّ التكْملةِ فتأَمَّل.
(} وتَوافَى القَوْمُ: تَتامُّوا) نقلَهُ الجَوْهرِي.
( {والوَفاءُ: الطُّولُ) وتَمامُ العَمُرِ. (يقالُ: ماتَ فلانٌ وأنْتَ} بوَفاءٍ، أَي بطُولِ عُمُرِ) وتَمامِه، (تَدْعُو لَهُ بذلَكَ) ؛ عَن ابنِ الأعْرابي؛ وَفِي التكملةِ: أَي تَسْتَوفِي عُمرَكَ.
( {والوَافِي: دِرْهَمٌ: أَرْبَعَةُ دَوانِيقَ) .
وقالَ شمِرٌ: بَلَغَني عَن ابنِ عُيَيْنة أنَّه قالَ:} الوَافِي دِرْهَمٌ دانِقانِ؛ وقالَ غيرُهُ: هُوَ الَّذِي وَفَى مِثْقالاً؛ وَقد تقدَّمَ عَن أبي بكْرٍ الزَّبيدي قرِيباً.
وممَّا يُسْتدركُ عَلَيْهِ:
{الوَفْيُ بِفَتْح فسكونٍ: مَصْدَرُ وَفَى يَفِي، سَمَاعا، وَبِه فُسِّر قولُ الهُذَلي:
إذْ قَدَّمُوا مائَة واسْتَأْخَرَتْ مِائةً
} وَفْياً وزادُوا على كِلْتَيْهِما عَدَدا قَالَ ابنُ سِيدَه: وَقد يجوزُ أَنْ يكونَ قِياساً غَيْرَ مسموعٍ، فإنَّ أَبا عليَ قد حكَى أنَّ للشاعِرَ أَنْ يأْتي لكلِّ فَعَلَ بفَعْلٍ وَإِن لم يُسْمَع.
{والوَفيُّ، كغَنِيَ: الَّذِي يُعْطِي الحقَّ ويأْخُذُ الحقَّ، والجَمْعُ} أَوْفياءُ.
{وأَوْفَى اللهاُ بأُذُنِه: أَظْهَرَ صِدْقَه فِي إخْباره عمَّا سَمِعَتْ أُذُنه.
ورجُلٌ} وَفِيٌّ {ومِيفاءٌ: ذُو} وَفاءٍ، وَقد {وَفَى بنَذْرِهِ،} وأَوْفاهُ {وأَوْفى بِهِ؛ قالَ اللهاُ تَعَالَى: {} يُوفُونَ بالنَّذْرِ} .
وحكَى أَبو زيْدٍ: {وفَّى نَذرَه} وأَوْفَاهُ، أَي أَبْلَغَه.
وقولهُ تَعَالَى: {وإبراهيمَ الَّذِي وَفَّى} ؛ فِيهِ وَجْهانِ: أَحَدُهما: أَي بَلَّغَ أَن ليسْت تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؛ وَالثَّانِي: {وَفَّى بِمَا أُمِرَ بِهِ وَمَا امْتُحِنَ بِهِ مِن ذَبْحِ ولدِه، وَهُوَ أَبْلَغُ مَنْ} وَفَى، لأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أَعْظَمِ المِحَنِ.
{وتَوافَيْنا فِي المِيعادِ،} ووَافَيْته فِيهِ، {وتَوَفَّى المُدَّة: بَلَغَها واسْتَكْمَلَها.
} وأَوْفى المَكانَ: أَتاهُ؛ قالَ أَبو ذُؤَيْب:
أُنادِي إِذا {أُوفِي مِن الأرضِ مَرْبَأً
لأنِّي سَمِيعٌ لَوْ أُجابُ بَصِيرُو} وأَوفِي فِيهِ: أُشْرِفُ.
{ووَفَى رِيشُ الجَناح فَهُوَ} وافٍ.
{والوَافِي مِن الشِّعْر مَا} اسْتَوْفَى فِي الاسْتِعمالِ عِدَّةَ أَجْزائِه فِي دَائِرتِه، وَقيل: هُوَ كلُّ جزءٍ يمكنُ أَن يدْخلَه الزِّحافُ فسَلِمَ مِنْهُ.
وإنَّه {لَمِيفاءٌ على الأَشْرافِ: أَي لَا يزَالُ} يُوفِي عَلَيْهَا.
وعَيرٌ {مِيفاءٌ على الإكام: إِذا كانَ مِن عادَتهِ أَن يُوفيَ عَلَيْهَا؛ قالَ حميدٌ الأرْقَط يَصِفُ حِماراً:
أَحْقَبَ، مِيفاءٍ على الرُّزونِ نقلَهُ الجَوْهرِي.
} والمِيفاةُ: المَوْضِعُ الَّذِي {يُوفي فَوْقه البازِي لإِيناس الطَّيْر أَو غيرِه.
} وأَوْفَى على الخَمْسين: أَي زادَ؛ وكانَ الأصْمعي يُنْكرُه ثمَّ عَرَفَه.
وقالَ الزَّمَخْشري: {أَوْفَى على المِائَةِ: زادَ عَلَيْهَا؛ وَهُوَ مجازٌ.
} وتَوَفَّيْتُ عَدَدَ القَوْمِ: إِذا عَدَدْتهم كلَّهمْ، وأَنْشَدَ أَبو عبيدَةَ لمَنْظورٍ العَنْبري:
إنَّ بَني الأَدْرَدِ لَيْسُوا مِنْ أَحَدْ
وَلَا {تَوَفَّاهُمْ قُرَيشٌ فِي العَدَدْأَي لَا تَجْعَلهم قُرَيشٌ تَمامَ عَدَدِهم لَا} تَسْتَوفي بهم عدَدَهم.
{ووَافاه حِمامُه: أَدْرَكَه؛ وَكَذَا كِتابُه.
ووَزَنَ لَهُ بالوَافِيَةِ: أَي بالصَّنْجةِ التَّامة} والمُوافِيُّ المُفاجِيءُ؛ وَمِنْه قولُ بِشْر:
كأنَّ الأَتْحَمِيَّةَ قامَ فِيهَا
لحُسْنِ دَلالِها رَشأٌ! مُوافِي قالَهُ أَبو نَصْرٍ الباهِلِي واسْتَدَلَّ بقولِ الشاعرِ:
وكأَنَّما {وَافاكَ يومَ لقِيتَها
من وَحْش وَجْرَة عاقِدٌ مُتَرَبِّبُأَي فَاجَأَك؛ ــوقيلَ:} مُوافِي أَي قد وَافَى جِسْمه جِسْمَ أُمِّه، أَي صارَ مِثْلَها.
{والمُوفِيَات: بنَجْدٍ بالحمى مِن جِبالِ بَني جَعْفرٍ، قالَ الشاعرُ:
أَلا هَلْ إِلَى شُرْبٍ بناصِفَةِ الْحمى
وقَيْلولَة} بالموفيات سَبِيل {والمُسْتَوْفي مِن الكِتابِ والحِسابِ مَعْروفٌ، وَقد عُرِفَ بِهِ جماعَةٌ، مِنْهُم: أَبو الحَسَنِ عليُّ بنُ أَبي بكْرِ بنِ أَبي زيْدٍ النَّيْسابُورِي رَوَى عَن إسْمعيل بنِ عبْدِ الرحمانِ العصايدي وَعنهُ نجْمُ الدِّيْن الرَّازِي المُلَقَّبُ بالدّايَة.
} وأَوْفَى بنُ دلهمٍ العَدَوِيُّ محدِّثٌ ثِقةٌ مِن رِجالِ التَّرْمذي.
وأَبو {الوَفا: كُنْيَةُ جماعَةٍ مِن المحدِّثِين وغيرِهم.
} ووَفاءُ بنُ شريحٍ المَصْرِي تابِعيٌّ عَن رُوَيْفعِ بنِ ثابِتٍ وَعنهُ زِيادُ بنُ نُعَيْم.

كِرْمَانُ

Entries on كِرْمَانُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
كِرْمَانُ:
بالفتح ثم السكون، وآخره نون، وربما كسرت والفتح أشهر بالصحة، وكرمان في الإقليم الرابع، طولها تسعون درجة، وعرضها ثلاثون درجة:
وهي ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان، فشرقيّها مكران ومفازة ما بين مكران والبحر من وراء البلوص، وغربيّها أرض فارس، وشماليّها مفازة خراسان، وجنوبيّها بحر فارس، ولها في حدّ السيرجان دخلة في حد فارس مثل الكمّ وفيما يلي البحر تقويس، وهي بلاد كثيرة النخل والزرع والمواشي والضرع تشبّه بالبصرة في كثرة التمور وجودتها وسعة الخيرات، قال محمد بن أحمد البنّاء البشاري: كرمان إقليم يشاكل فارس في أوصاف ويشابه البصرة في أسباب ويقارب خراسان في أنواع لأنه قد تاخم البحر واجتمع فيه البرد والحرّ والجوز والنخل وكثرت فيه التمور والأرطاب والأشجار والثمار، ومن مدنه المشهورة جيرفت وموقان وخبيص وبمّ والسيرجان ونرماسير وبردسير وغير ذلك، وبها يكون التوتيا ويحمل إلى جميع البلاد، وأهلها أخيار أهل سنّة وجماعة وخير وصلاح إلا أنها قد تشعثت بقاعها واستوحشت معاملها وخربت أكثر بلادها لاختلاف الأيدي عليها وجور السلطان بها لأنها منذ زمن طويل خلت من سلطان يقيم بها إنما يتولّاها الولاة فيجمعون أموالها ويحملونها إلى خراسان، وكل ناحية أنفقت أموالها في غيرها خربت إنما تعمر البلدان بسكنى السلطان، وقد كانت في أيام السلجوقية والملوك القارونية من أعمر البلدان وأطيبها ينتابها الركبان ويقصدها كل بكر وعوان، قال ابن الكلبي:
سميت كرمان بكرمان بن فلوج بن لنطي بن يافث ابن نوح، عليه السّلام، وقال غيره: إنما سميت بكرمان بن فارك بن سام بن نوح، عليه السّلام، لأنه نزلها لما تبلبلت الألسن واستوطنها فسميت به، وقال ابن الفقيه: يقال إن بعض ملوك الفرس أخذ قوما فلاسفة فحبسهم وقال: لا يدخل عليهم إلا الخبز وحده، وخيروهم في أدم واحد فاختاروا الأترج، فقيل لهم: كيف اخترتموه دون غيره؟ فقالوا: لأن قشره الظاهر مشموم وداخله فاكهة وحمّاضه أدم وحبه دهن، فأمر بهم فأسكنوا كرمان، وكان ماؤها في آبار لا يخرج إلا من خمسين ذراعا، فهندسوه حتى أظهروه على وجه الأرض ثم غرسوا بها الأشجار فالتفّت كرمان كلها بالشجر فعرف الملك ذلك فقال: أسكنوهم الجبال، فأسكنوها فعملوا الفوّارات وأظهروا الماء على رؤوس الجبال، فقال الملك: اسجنوهم، فعملوا في السجن الكيمياء وقالوا: هذا علم لا نخرجه إلى أحد، وعملوا منه ما علموا أنه يكفيهم مدة أعمارهم ثم أحرقوا كتبهم وانقطع علم الكيمياء، وقد ذكر في بعض كتب الخراج عن بعض كتّاب الفرس أن الأكاسرة كانت تجبي السواد مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف درهم سوى ثلاثين ألف ألف من الوضائع لموائد الملوك، وكانوا يجبون فارس أربعين ألف ألف، وكانوا يجبون كرمان ستين ألف ألف درهم لسعتها وهي مائة وثمانون فرسخا في مثلها، وكانت كلها عامرة وبلغ من عمارتها
أن القناة كانت تجري من مسيرة خمس ليال، وكانت ذات أشجار وعيون وقنيّ وأنهار، ومن شيراز إلى السيرجان مدينة كرمان أربعة وستون فرسخا وهي خمسة وأربعون منبرا كبار وصغار، وأما في أيامنا هذه فقصبتها وأشهر مدنها جواشير، ويقال كواشير، وهي بردسير، وأما فتحها فإن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولّى عثمان بن العاص البحرين فعبر البحر إلى أرض فارس ففتحها ولقي مرزبان كرمان في جزيرة بركاوان فقتله فوهى أمر أهل كرمان ونخبت قلوبهم، فلما سار ابن عامر إلى فارس في أيام عثمان بن عفّان أنفذ مجاشع بن مسعود السلمي إلى كرمان في طلب يزدجرد، فهلك جيشه بميمند من مدن كرمان، وقيل من رساتيق فارس، ثم لما توجه ابن عامر إلى خراسان ولّى مجاشعا كرمان ففتح ميمند واستبقى أهلها وأعطاهم أمانا بذلك، وله بها قصر يعرف بقصر مجاشع، ثم فتح مجاشع بروخروه ثم أتي السيرجان مدينة كرمان فتحصن أهلها منه ففتحها عنوة، وقد كان أبو موسى الأشعري وجّه الربيع ابن زياد الحارثي ففتح ما حول السيرجان وصالح أهل بمّ والأندغان ثم نكث أهلها فافتتحها مجاشع بن مسعود وفتح جيرفت عنوة وسار في كرمان فدوّخها وأتى القفص وقد اجتمع إليه خلق ممن جلا من الأعاجم فواقعهم وظفر عليهم فهربت جماعة من أهل كرمان فركبوا البحر ولحق بعضهم بسجستان ومكران فأقطعت العرب منازلهم وأرضيهم فعمّروها وأدّوا العشر فيها واحتفروا القنيّ في مواضعها، فعند ذلك قال حمير السعدي:
أيا شجرات الكرم لا زال وابل ... عليكنّ منهلّ الغمام مطير
سقيتنّ ما دامت بنجد وشيجة، ... ولا زال يسعى بينكنّ غدير
ألا حبّذا الماء الذي قابل الحمى ... ومرتبع من أهلنا ومصير
وأيامنا بالمالكية، إنّني ... لهنّ على العهد القديم ذكور
ويا نخلات الكرخ لا زال ماطر ... عليكنّ مستنّ السحاب درور
سقيتنّ ما دامت بكرمان نخلة ... عوامر تجري بينهنّ نهور
لقد كنت ذا قرب فأصبحت نازحا ... بكرمان ملقى بينهنّ أدور
وولى الحجاج قطن بن قبيصة بن مخارق بن عبد الله بن شدّاد بن معاوية بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال الهلالي فارس وكرمان، وهو الذي انتهى إلى نهر فلم يقدر أصحابه على عبوره فقال: من جازه فله ألف درهمــ، فجازوه فوفى لهم، وكان ذلك أوّل يوم سميت الجائزة جائزة، وقال الجحّاف بن حكيم:
فدى للأكرمين بني هلال ... على علّاتهم أهلي ومالي
هم سنّوا الجوائز في معدّ ... فصارت سنّة أخرى الليالي
رماحهم تزيد على ثمان ... وعشر حين تختلف العوالي
وكرمان أيضا: مدينة بين غزنة وبلاد الهند وهي من أعمال غزنة: بينهما أربعة أيام أو نحوها، وبنيسابور محلة يقال لها مربّعة الكرمانية، ينسب إليها أبو يوسف يعقوب بن يوسف الكرماني النيسابوري الشيباني الفقيه
الحافظ المعروف بابن الأخرم، أطال المقام بمصر وكان بينه وبين المزني مكاتبة، سمع إسحاق بن راهويه وقتيبة ابن سعيد ويونس بن عبد الأعلى وغيرهم، وسمع بالعراق والشام وخراسان والجزيرة ومصر، روى عنه أبو حامد ابن الشرقي وعلي بن جمشاد العدل، توفي سنة 287.

الفقير

Entries on الفقير in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الفقير:
[في الانكليزية] Poor ،needy ،necessitous
[ في الفرنسية] Pauvre ،necessiteux
فعيل من فقر مقدّرا فإنّه لم يقل إلّا افتقر فهو فقير، ذكره ابن الأثير وغيره، فهو صاحب الفقر، والفقر الحاجة. وعند الحكماء الإشراقيين هو ما يتوقّف ذاته أو كمال له على غيره، والغني بخلافه وهو ما لا يتوقّف ذاته ولا كمال له على غيره.
اعلم أنّ صفات الشيء تنقسم إلى ما يكون له من ذاته وإلى ما يكون له بسبب الغير.
والأول ينقسم إلى ما لا تعرض له نسبة إلى الغير وهو الهيئات المتمكّنة من ذات الشيء كالشّكل، وإلى ما تعرض له نسبة إلى الغير وهي الهيئات الكمالية الإضافية، وهي كمالات للشيء في عينه ومبادئ إضافات له إلى غيره كالعلم والقدرة. والثاني الإضافات المحضة كالمبدئية والخالقية. فالغني المطلق وهو ما يكون غنيا من كلّ وجه لا ما يكون من وجه دون وجه، هو ما لا يتوقّف على غيره في ثلاثة أشياء في ذاته وفي هيئات متمكّنة في ذاته وفي هيئات كمالية له في نفسه كمالا يتغيّر، وهي مبادئ إضافات له إلى غيره. واحترز بقوله ولا كمال له عن الإضافة المحضة لتعلّقها بالغير وجوازها على الله تعالى، إذ لا يلزم من تغيّرها تغيّر في ذاته ولا من تغيّر معلومه. أمّا الأول فلأنّه إذا لم يبق زيد موجودا وبطلت إضافة المبدئية لا يلزم تغيّر في نفسه كما لا يتغيّر ذاتك من تغيّر الإضافة من انتقال ما على يمينك على يسارك. وأمّا الثاني فالسّرّ فيه أنّ علمه تعالى حضوري إشراقي لا يتصوّر في ذاته ليلزم التغيّر.
والفقير هو الذي يتوقّف على غيره في شيء من الثلاثة، وحاصل الغنى راجع إلى وجوب الوجود الذاتي، وحاصل الفقر إلى إمكان الوجود، كذا في شرح إشراق الحكمة. وعند السّالكين هو من لا غناء له إلّا بالحقّ كما قال الشبلي. وقال أهل المعرفة الفقر الأنس بالمعدوم والوحشة بالمعلوم. وقيل الفقر إظهار الغنى مع كمال المسكنة. وقيل الفقر عدم الأملاك وتخلية القلب مما خلت عنه اليد، أي لا يطلبه أيضا، فإنّ الطالب يكون مع مطلوبه وإن لم يجده. وقيل ليس الفقر عندهم الفاقة والعدم بل الفقر المحمود الثّقة بالله تعالى والرضى بما قسم. قال سهل: الفقير الصادق الذي لا يسأل ولا يردّ ولا يتجسّس. قال عبد الله الأنصاري: الفقر على ثلاثة أوجه:
اضطراري واختياري وحقيقي. والاضطراري كفارتي وعلامته الصّبر، وعقوبتي وعلامته الاضطرار، وقطيعتي وعلامته الشّكاية.
والاختياري درجتي وعلامته القناعة، وقربتي وعلامته الرضا، وكرامتي وعلامته الإيثار.
والحقيقي أيضا ثلاثة عدم الاحتياج إلى الخلق والاحتياج من الله والبراءة من كلّ ما دون الله.

وفي شرح الآداب: الفقر غير التصوّف فإنّ نهاية الفقر بداية التّصوف، كذا في خلاصة السلوك.
وفي التحفة المرسلة الغنى المطلق عندهم هو مشاهدة الله تعالى في نفسه جميع الشئون والاعتبارات الإلهية مع أحكامها ولوازمها على وجه كلّي جملي لاندراج الكلّ في بطون الذات ووحدته، كاندراج الأعداد في الواحد العددي، ويجيء في لفظ الكمال أيضا. ويقول في مجمع السلوك: إنّ ابن جلا قال: إنّ حقيقة الفقر هو ألّا يكون لك شيء. وإذا كان فلا تبال به.

ومعنى هذا الكلام، والله أعلم: هو ألّا تطلب غير الموجود، فإن وجد شيء فلا تطمئن إليه، حتى يستوي لديك الفقدان والوجدان. وإذا، فالفقر، عبارة عن العدم.
فائدة:
الفرق بين الفقر والزهد هو أنّه لو كان للفقير عدة أحذية، ففقره ليس تاما. وإن لم يوجد لديه أيّ سبب، ولكن نظره على حيلته وقوته واقع. ويظن أنّه يستطيع الحصول على بعض الأشياء بالحيلة أو بالقوّة ففقره أيضا ليس تاما. وأمّا إذا صدر منه النداء: لا حول ولا قوة، أي لا حيلة عندي، فإن وصل لهذا الحدّ ففقره صار تاما. وهذا بخلاف الزّهد الذي هو مجرّد ترك الحظوظ الفانية، وذلك على أمل إدراك النّعم والحظوظ الباقية. وهذا ما يقول له أهل المعرفة: بيع وشراء وسلم، انتهى كلامه.

ويقول في كشف اللغات: الفقر عند السّالكين عبارة عن الفناء في الله، وما تفضّلوا به أنّ الفقر سواء الوجه في الدارين، عبارة عن أنّ السّالك قد فني بكلّيته في الله بصورة لا يبقى منه في ظاهره ولا باطنه لا دنيا ولا آخرة. ويرجع إلى العدم الأصلي والذاتي، وذلك هو الفقر الحقيقي. ومن هنا قولهم: ثمّ الفقير فهو الله.
لأنّ هذا المقام هو إطلاق ذات الحقّ. وهنا غير اعتباري ولا استيعابي. وسواد الوجه هذا هو سواد أعظم، لأنّ السّواد الأعظم هو: كلما يطلبونه يكون فيه. وكلّما هو مفصّل في جميع الموجودات فهو في هذه المرتبة بطريق الإجمال كالشّجر في النواة، انتهى كلامه. ويقول في لطائف اللغات: الفقر بطور الصوفية مرادف للعشق. وقد مرّ بيان الفرق بين الفقر والتصوف في لفظة التصوف. وأمّا الفقهاء فاختلفوا في تفسيره، فقيل الفقير من له مال ما دون النصاب أي غير ما يبلغ نصابا، أي قدر مائتي درهم أو قيمتها فصاعدا فاضلا عن حاجته الأصلية، سواء كان ناميا أو لا وهو الصحيح. فالصّحة والاكتساب لا يمنعان من دفع الصدقة إليه كما في الاختيار. والمسكين من لا شيء له من المال وعنه أي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنّ الفقير من يسأل والمسكين من لا يسأل وهو قول الشافعي رحمة الله عليه أيضا. وفي الكافي أنّ الفقير هو الذي لا يسأل لأنّه يجد ما يكفيه في الحال والمسكين هو الذي يسأل لأنّه لا يجد شيئا، كذا روي عن أبي حنيفة رحمه الله أيضا، وهو أصحّ. والمذهب أنّ المسكين أسوأ حالا من الفقير وعليه عامة السلف. وقيل الفقير الزّمن المحتاج والمسكين الصحيح المحتاج كما في الزاهدي. وقيل الفقير من له أدنى شيء والمسكين من لا شيء له. وقيل الفقير من كان له ولعياله قوت يوم أو قدر على الكسب لهما، والمسكين من ليس له شيء ولم يقدر على الكسب كما في المضمرات. وقيل الفقير والمسكين كلاهما بمعنى واحد كما في النظم، وفائدة الاختلاف تظهر في الوقف والوصية. هكذا يستفاد من البرجندي وجامع الرموز في بيان مصرف الزكاة. ومنهما في باب الجزية اختلف الفقهاء في حدّ الغني والفقير والمتوسّط في مسئلة أخذ الجزية، فقال عيسى بن أبان إنّ الفقير هو الذي يعيش بكسب يده في كلّ يوم والمتوسّط من يحتاج إلى الكسب في بعض الأوقات والغني من لا يحتاج إليه أصلا. وقيل الفقير المحترف والمتوسّط من له مال ويعمل بنفسه والغني من له مال يعمل بأعوانه. وقيل الفقير من له أقل من مائتي درهم والمتوسّط من له الزائد عليه إلى أربع مائة والغني من له الزائد عليها. وقيل الفقير المكتسب والمتوسّط من له نصاب والغني من له عشرة آلاف درهم. وقيل الفقير من له أقلّ من النصاب والمتوسّط من له الزائد عليه إلى عشرة آلاف والغني من له الزائد عليها كما في النظم.
والصحيح في معرفة هؤلاء عرف كلّ بلد هو فيه. فمن عدّه الناس فقيرا أو متوسّطا أو غنيا في تلك البلدة فهو كذلك، وهو المختار كما في الاختيار. وهاهنا أقوال أخر ذكرت في البرجندي.

الْجِزْيَة

Entries on الْجِزْيَة in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْجِزْيَة: بِالْكَسْرِ اسْم لما يُؤْخَذ من أهل الذِّمَّة وَالْجمع الجزي مثل اللِّحْيَة واللحى. وَإِنَّمَا سميت بذلك لِأَنَّهَا تجزي عَن الذِّمِّيّ أَي تقضي وتكفي عَن الْقَتْل فَإِنَّهُ إِذا قبلهَا سقط عَنهُ الْقَتْل.

ثمَّ اعْلَم أَن الْجِزْيَة على نَوْعَيْنِ: أَحدهمَا: مَا تُوضَع بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْح فَلَا يعدل عَنْهَا. وَثَانِيهمَا: مَا وَضعه الإِمَام بالغلبة على الْكفَّار وتقريرهم على أملاكهم. وَللْإِمَام أَن يوضع على الْفَقِير المعتمل فِي كل سنة اثْنَي عشر درهمــا. وعَلى وسط الْحَال ضعفه وعَلى المكثر ضعفه. وَالصَّحِيح فِي معرفَة الْغَنِيّ وَالْوسط وَالْفَقِير عرف أهل بلد هُوَ فِيهِ فَمن عده النَّاس فَقِيرا أَو وسطا أَو غَنِيا فِي تِلْكَ الْبَلدة فَهُوَ كَذَلِك. وَاخْتلفُوا فِي مَعْرفَته هَؤُلَاءِ. قيل الْفَقِير المعتمل هُوَ الصَّحِيح الْقَادِر على الْكسْب المحترف. وَالْوسط الَّذِي لَهُ ضيَاع وَيعْمل بِنَفسِهِ وَالَّذِي لَا حَاجَة لَهُ إِلَى عمله لِكَثْرَة أَمْوَاله وغلمانه فَهُوَ الْغَنِيّ. وَقَالَ عيس بن ابان رَحمَه الله الْفَقِير هُوَ الَّذِي يَأْخُذ من كَسبه وَلَا غلَّة لَهُ. فَإِن كَانَ لَهُ غلَّة إِلَّا أَنَّهَا لَا تزيد على نَفَقَته فَهُوَ وسط الْحَال. فَإِذا زَادَت عَلَيْهِ فَهُوَ غَنِي وَقَالَ الْكَرْخِي رَحمَه الله (الْفَقِير) هُوَ الَّذِي يملك مِائَتي دِرْهَم أَو أقل (وَالْوسط) هُوَ الَّذِي يملك فَوق الْمِائَتَيْنِ إِلَى عشرَة آلَاف دِرْهَم. (وَالْمُكثر) هُوَ الَّذِي ملكه فَوق عشرَة آلَاف دِرْهَم. وَقَالَ قَاضِي خَان رَحمَه الله وَعَلِيهِ الِاعْتِمَاد وَقَالَ نصر بن أبي سَلام يعْتَبر فِيهِ عرف النَّاس فَمن يعدونه غَنِيا فَهُوَ غَنِي وَمن يعدونه فَقِيرا فَهُوَ فَقير.

المَكُّوك

Entries on المَكُّوك in 1 Arabic dictionary by the author Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya
المَكُّوك: طاسٌ يشرب به وفي "المحكم" طاس يشرب فيه أعلاه ضيقٌ ووسطه واسعٌ، مكيالً يسع صاعاً ونصفاً أو نصف رطل إلى ثمان أواقي أو نصف الويبة، والويبةُ: اثنان وعشرون أو أربعة وعشرون مُدّاً بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ثلاث كيلجات، والكيلجةُ: مناً وسبعة أثمان مناً، والمنُّ: رطلان، والرطلُ: اثنتا عشرة أُوقيّة، والأوقيّةُ: استارٌ وثُلُثا استار، والاستارُ: أربعة مثاقيل ونصف، والمثقالُ: درهم وثلاثة أسباع درهمــ، والــدرهمُ: دوانق والدانقُ: قيراطان، والقيراطُ: طُّسوجان، والطسوجُ: حبّتان، والحبَّة: سُدُس ثُمُن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءاً من درهم وجمعه المكاكيك كذا في الأقرب.

القَدُّ

Entries on القَدُّ in 1 Arabic dictionary by the author Firuzabadi, al-Qāmūs al-Muḥīṭ
القَدُّ: القَطْعُ المُسْتَأْصِلُ أو المُسْتَطيلُ، أو الشَّقُّ طُولاً،
كالاقْتِدادِ والتَّقْديدِ في الكُلِّ. وقد انْقَدَّ وتَقَدَّدَ.
وـ: جِلْدُ السَّخْلَةِ، ومنه:
"ما يَجْعَلُ قَدَّكَ إلى أديمِكَ"، أي: أيُّ شيءٍ يُضيفُ صَغيرَكَ إلى كبيركَ، يُضْرَبُ لِلمُتَعَدِّي طَوْرَهُ، ولِمَنْ يَقيسُ الحَقيرَ بالخَطيرِ، والسَّوْطُ، ومنه الحديثُ: "لَقابُ قَوْسِ أحدِكُمْ، ومَوْضِعُ قَدِّه في الجَنَّةِ، خَيْرٌ من الدُّنْيا وما فيها"، والقَدْر، وقامةُ الرَّجُلِ، وتَقْطيعُه، واعْتِدالُهُ، ج: أقُدٌّ وقِدادٌ وأقِدَّةٌ وقُدودٌ،
وـ: خَرْقُ الفلاةِ، وقَطْعُ الكَلامِ، وبالضم: سَمَكٌ بَحْرِيٌّ، وبالكسر: إِناءٌ من جلْدٍ، والسَّوْطُ، والسَّيْرُ يُقَدُّ من جلْدٍ غير مَدْبوغٍ.
والقِدَّةُ: واحِدُه، والطَّريقَةُ، وماءٌ لكِلابٍ، ويُخَفَّفُ، والفِرْقَةُ من الناسِ هَوَى كُلِّ واحِدٍ على حِدَة،
ومنه: {كُنَّا طرائِقَ قِدَداً} ، أي: فِرَقاً مُخْتَلِفَةً أهْواؤُها.
وقد تَقَدَّدُوا، والمِقَدُّ، كمِدَقٍّ: حَديدةٌ يُقَدُّ بها. وكمَرَدٍّ: الطريقُ، والمكانُ المُسْتَوِي،
وة بالأُرْدُنِّ يُنْسَبُ إليها الخَمْرُ، وغَلِطَ الجوهريُّ في تخفيفِ دالِها وذِكْرِها في مَقَدَ.
والشَّرابُ المَقَدِيُّ، بالتخفيف، غيرُ المَقَدِّيِّ. وكغُرابٍ: وجَعٌ في البَطْنِ،
وقَدْ قُدَّ، بالضم، وابنُ ثَعْلَبَةَ بنِ مُعاوِيَةَ من بَجيلَةَ. وكسحابٍ: القُنْفُذُ، واليَرْبوعُ. وكفُلْفُلٍ: جبلٌ به مَعْدِنُ البرامِ. وكزُبَيْرٍ: مُسَيْحٌ صغيرٌ، ورجلٌ، ووادٍ،
وع، وفَرَسُ قَيْسٍ الغاضِرِيِّ.
وقُدْقُداءُ، بالضم، ويفتحُ: ع.
والقَديدُ: اللَّحْمُ المُشَرَّرُ المُقَدَّدُ، أو ما قُطِعَ منه طِوالاً، والثَّوْبُ الخَلَقُ.
والقَديدِيُّونَ، ولا يُضَمُّ: تُبَّاعُ العَسْكَرِ من الصُّنَّاعِ، كالشَّعَّابِ والبَيْطارِ. ومِقْدادُ بنُ عَمْرٍو ابنُ الأَسْوَدِ: صحابِيٌّ، والأَسْوَدُ رَبَّاهُ أو تَبَنَّاهُ، فَنُسِبَ إليه، ويَلْحَنُ فيه قُرَّاءُ الحديثِ ظَنًّا أنه جَدُّه.
والقَيْدودُ: الناقَةُ الطويلةُ الظَّهْرِ، ج: قَياديد.
وتَقَدَّدَ: يَبِسَ،
وـ القومُ: تَفَرَّقوا،
وـ الثَّوْبُ: تَقَطَّعَ،
وـ الناقَةُ: هُزِلَتْ بعضَ الهُزالِ، أو كانتْ مَهْزولةً فابْتَدَأَتْ في السِّمَنِ.
واقْتَدَّ الأُمور: دَبَّرَها ومَيَّزَها.
واسْتَقَدَّ: اسْتَمَرَّ، واسْتَوَى،
وـ الإِبِلُ: اسْتَقامَتْ على وجْهٍ واحدٍ.
وقد، مُخَفَّفَةً: حَرْفِيَّةٌ واسْمِيَّةٌ، وهي على وجهين: اسمُ فِعْلٍ مُرادِفةٌ ليَكْفي.
قَدْكَ دِرْهَمٌــ، وقد زيْداً دِرْهَمٌــ، أي: يكفي، واسمٌ مُرادِفٌ لحَسْبُ، وتُسْتَعْمَلُ مَبْنِيَّةً غالباً، قدْ زَيْدٍ دِرْهَمٌــ، بالسكونِ، ومُعْرَبَةً، قدُ زَيْدٍ، بالرفعِ، والحَرْفِيَّةُ مُخْتَصَّةٌ بالفعلِ المُتَصَرِّفِ الخَبَرِيِّ المُثْبَتِ، المُجَرَّدِ من جازِمٍ وناصِبٍ وحرفِ تَنْفيسٍ، ولها سِتةُ مَعانٍ: التَّوَقُّعُ: قد يَقْدَمُ الغائِبُ، وتَقْريبُ الماضي من الحالِ: قد قامَ زيدٌ، والتحقيقُ:
{قد أفلح مَنْ زَكّاها} ، والنفي: قد كنتَ في خيرٍ فتَعْرِفَه، بنَصْبِ تَعْرِفَ، والتَّقْليلُ: قد يَصْدُقُ الكَذوبُ، والتَّكْثيرُ: قد أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنامِلُهُ.
وقولُ الجوهريِّ: وإن جَعَلْتَه اسْماً شَدَّدْتَه، غَلَطٌ، وإنما يُشَدَّدُ ما كان آخِرُهُ حَرْفَ عِلَّةٍ، تَقولُ في هُوَ: هُوَّ، وإنما شُدِّدَ لِئلاَّ يَبْقَى الاسمُ على حرْفٍ واحدٍ، لسكونِ حرفِ العِلَّةِ مع التَّنْوينِ. وأما قد، إذا سَمَّيْتَ بها تقولُ: قدٌ، ومَنْ مَنٌ، وعَنْ عَنٌ، بالتخفيف لا غيرُ، ونظيرُهُ يَدٌ ودَمٌ وشِبْهُهُ.

الصِّينُ

Entries on الصِّينُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
الصِّينُ:
بالكسر، وآخره نون: بلاد في بحر المشرق مائلة إلى الجنوب وشماليها الترك، قال ابن الكلبي عن الشرقي: سميت الصين بصين، وصين وبغرابنا بغبر بن كماد بن يافث، ومنه المثل: ما يدري شغر من بغر، وهما بالمشرق وأهلهما بين الترك والهند، قال أبو القاسم الزّجاجي: سميت بذلك لأن صين بن بغبر بن كماد أوّل من حلّها وسكنها، وسنذكر خبرهم ههنا، والصين في الإقليم الأوّل، طولها من المغرب مائة وأربع وستون درجة وثلاثون دقيقة، قال الحازمي:
كان سعد الخير الأندلسي يكتب لنفسه الصيني لأنّه سافر إلى الصين، وقال العمراني: الصين موضع بالكوفة وموضع أيضا قريب من الإسكندرية، قال المفجّع في كتاب المنقذ، وهو كتاب وضعه على مثال الملاحن لابن دريد: الصين بالكسر موضعان الصين الأعلى والصين الأسفل، وتحت واسط بليدة مشهورة يقال لها الصينية ويقال لها أيضا صينية الحوانيت، ينسب إليها صينيّ، منها الحسن بن أحمد ابن ماهان أبو عليّ الصيني، حدث عن أحمد بن عبيد الواسطي، يروي عنه أبو بكر الخطيب وقال: كان قاضي بلدته وخطيبها، وأمّا إبراهيم بن إسحاق الصيني فهو كوفيّ كان يتّجر إلى الصين فنسب إليها، وقال أبو سعد: وممن نسب إلى الصين أبو الحسن سعد الخير ابن محمد بن سهل بن سعد الأنصاري الأندلسي، كان يكتب لنفسه الصيني لأنّه كان قد سافر من المغرب إلى الصين، وكان فقيها صالحا كثير المال، سمع الحديث من أبي الخطّاب بن بطر القاري وأبي عبد الله الحسين بن محمد بن طلحة النّعّال وغيرهما، وذكره أبو سعد في شيوخه، ومات سنة 541، ولهم صينيّ آخر لا يدرى إلى أيّ شيء هو منسوب، وهو حميد ابن محمد بن علي أبو عمرو الشيباني يعرف بحميد الصيني، سمع السريّ بن خزيمة وأقرانه، روى عنه أبو سعيد بن أبي بكر بن أبي عثمان وغيره، وهذا شيء من أخبار الصين الأقصى ذكرته كما وجدته لا أضمن صحته فإن كان صحيحا فقد ظفرت بالغرض وإن كان كذبا فتعرف ما تقوّله الناس، فإن هذه بلاد شاسعة ما رأينا من مضى إليها فأوغل فيها وإنما يقصد التجار أطرافها، وهي بلاد تعرف بالجاوة على سواحل البحر شبيهة ببلاد الهند يجلب منها العود والكافور والسنبل والقرنفل والبسباسة والعقاقير والغضائر الصينيّة، فأمّا بلاد الملك فلم نر أحدا رآها، وقرأت في كتاب عتيق ما صورته: كتب إلينا أبو دلف مسعر بن مهلهل في ذكر ما شاهده
ورآه في بلاد الترك والصين والهند قال: إنّي لما رأيتكما يا سيّديّ، أطال الله بقاءكما، لهجين بالتصنيف مولعين بالتأليف أحببت أن لا أخلي دستوركما وقانون حكمتكما من فائدة وقعت إليّ مشاهدتها وأعجوبة رمت بي الأيّام إليها ليروق معنى ما تتعلّمانه السمع ويصبو إلى استيفاء قراءته القلب، وبدأت بعد حمد الله والثناء على أنبيائه بذكر المسالك المشرقية واختلاف السياسة فيها وتباين ملكها وافتراق أحوالها وبيوت عبادتها وكبرياء ملوكها وحكوم قوّامها ومراتب أولي الأمر والنهي لديها لأن معرفة ذلك زيادة في البصيرة واجبة في السيرة قد حضّ الله تعالى عليها أولي التيقظ والاعتبار وكلّفه أهل العقول والأبصار فقال، جلّ اسمه: أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الْأَرْضِ 12: 109، فرأيت معاونتكما لما وشج بيننا من الإخاء وتوكّد من المودّة والصفاء، ولما نبا بي وطني ووصل بي السير إلى خراسان ضاربا في الأرض أبصرت ملكها والموسوم بإمارتها نصر بن أحمد الساماني، عظيم الشأن كبير السلطان يستصغر في جنبه أهل الطّول وتخفّ عنده موازين ذوي القدرة والحول، ووجدت عنده رسل قالين بن الشخير ملك الصين راغبين في مصاهرته طامعين في مخالطته يخطبون إليه ابنته فأبى ذلك واستنكره لحظر الشريعة له، فلمّا أبى ذلك راضوه على أن يزوّج بعض ولده ابنة ملك الصين فأجاب إلى ذلك فاغتنمت قصد الصين معهم فسلكنا بلد الأتراك فأوّل قبيلة وصلنا إليها بعد أن جاوزنا خراسان وما وراء النهر من مدن الإسلام قبيلة في بلد يعرف بالخركاه فقطعناها في شهر نتغذّى بالبرّ والشعير، ثمّ خرجنا إلى قبيلة تعرف بالطخطاخ تغذّينا فيها بالشعير والدخن وأصناف من اللحوم والبقول الصحراويّة فسبرنا فيها عشرين يوما في أمن ودعة يسمع أهلها لملك الصين ويطيعونه ويؤدّون الإتاوة إلى الخركاه لقربهم إلى الإسلام ودخولهم فيه وهم يتّفقون معهم في أكثر الأوقات على غزو من بعد عنهم من المشركين، ثمّ وصلنا إلى قبيلة تعرف بالبجا فتغذّينا فيهم بالدخن والحمص والعدس وسرنا بينهم شهرا في أمن ودعة، وهم مشركون ويؤدّون الإتاوة إلى الطخطاخ ويسجدون لملكهم ويعظمون البقر ولا تكون عندهم ولا يملكونها تعظيما لها، وهو بلد كثير التين والعنب والزعرور الأسود وفيه ضرب من الشجر لا تأكله النار، ولهم أصنام من ذلك الخشب، ثمّ خرجنا إلى قبيلة تعرف بالبجناك طوال اللحى أولو أسبلة همج يغير بعضهم على بعض ويفترش الواحد المرأة على ظهر الطريق، يأكلون الدخن فقط، فسرنا فيهم اثني عشر يوما وأخبرنا أن بلدهم عظيم مما يلي الشمال وبلد الصقالبة ولا يؤدّون الخراج إلى أحد، ثم سرنا إلى قبيلة تعرف بالجكل يأكلون الشعير والجلبان ولحوم الغنم فقط ولا يذبحون الإبل ولا يقتنون البقر ولا تكون في بلدهم، ولباسهم الصوف والفراء لا يلبسون غيرهما، وفيهم نصارى قليل، وهم صباح الوجوه يتزوّج الرجل منهم بابنته وأخته وسائر محارمه، وليسوا مجوسا ولكن هذا مذهبهم في النكاح، يعبدون سهيلا وزحل والجوزاء وبنات نعش والجدي ويسمون الشعرى اليمانية ربّ الأرباب، وفيهم دعة ولا يرون الشّرّ، وجميع من حولهم من قبائل الترك يتخطفهم ويطمع فيهم، وعندهم نبات يعرف بالكلكان طيب الطعام يطبخ مع اللحم، وعندهم معادن البازهر وحياة الحبق، وهي بقر هناك، ويعملون من الدم والذاذي البرّي نبيذا يسكر سكرا شديدا، وبيوتهم من الخشب والعظام، ولا ملك لهم، فقطعنا بلدهم في أربعين يوما في أمن وخفض ودعة، ثم خرجنا إلى قبيلة
تعرف بالبغراج لهم أسبلة بغير لحى يعملون بالسلاح عملا حسنا فرسانا ورجّالة، ولهم ملك عظيم الشأن يذكر أنّه علويّ وأنّه من ولد يحيى بن زيد وعنده مصحف مذهّب على ظهره أبيات شعر رثي بها زيد، وهم يعبدون ذلك المصحف، وزيد عندهم ملك العرب وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، عندهم إله العرب لا يملّكون عليهم أحدا إلّا من ولد ذلك العلوي، وإذا استقبلوا السماء فتحوا أفواههم وشخصوا أبصارهم إليها، يقولون: إن إله العرب ينزل منها ويصعد إليها، ومعجزة هؤلاء الذين يملّكونهم عليهم من ولد زيد أنّهم ذوو لحى وأنهم قيام الأنوف عيونهم واسعة وغذاؤهم الدخن ولحوم الذكران من الضأن، وليس في بلدهم بقر ولا معز، ولباسهم اللبود لا يلبسون غيرها، فسرنا بينهم شهرا على خوف ووجل، أدّينا إليهم العشر من كل شيء كان معنا، ثمّ سرنا إلى قبيلة تعرف بتبّت فسرنا فيهم أربعين يوما في أمن وسعة، يتغذّون بالبرّ والشعير والباقلّى وسائر اللحوم والسموك والبقول والأعناب والفواكه ويلبسون جميع اللباس، ولهم مدينة من القصب كبيرة فيها بيت عبادة من جلود البقر المدهونة، فيه أصنام من قرون غزلان المسك، وبها قوم من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والهند ويؤدون الإتاوة إلى العلوي البغراجي ولا يملكهم أحد إلّا بالقرعة، ولهم محبس جرائم وجنايات، وصلاتهم إلى قبلتنا، ثمّ سرنا إلى قبيلة تعرف بالكيماك، بيوتهم من جلود، يأكلون الحمص والباقلّى ولحوم ذكران الضأن والمعز ولا يرون ذبح الإناث منها، وعندهم عنب نصف الحبة أبيض ونصفها أسود، وعندهم حجارة هي مغناطيس المطر يستمطرون بها متى شاءوا، ولهم معادن ذهب في سهل من الأرض يجدونه قطعا، وعندهم ماس يكشف عنه السيل ونبات حلو الطعم ينوّم ويخدّر، ولهم قلم يكتبون به، وليس لهم ملك ولا بيت عبادة، ومن تجاوز منهم ثمانين سنة عبدوه إلّا أن يكون به عاهة أو عيب ظاهر، فكان مسيرنا فيهم خمسة وثلاثين يوما ثم انتهينا إلى قبيلة يقال لهم الغزّ، لهم مدينة من الحجارة والخشب والقصب ولهم بيت عبادة وليس فيه أصنام، ولهم ملك عظيم الشأن يستأدي منهم الخراج، ولهم تجارات إلى الهند وإلى الصين ويأكلون البرّ فقط وليس لهم بقول، ويأكلون لحوم الضأن والمعز الذكران والإناث ويلبسون الكتّان والفراء ولا يلبسون الصوف، وعندهم حجارة بيض تنفع من القولنج وحجارة خضر إذا مرّت على السيف لم يقطع شيئا، وكان مسيرنا بينهم شهرا في أمن وسلامة ودعة، ثمّ انتهينا إلى قبيلة يقال لهم التغزغز، يأكلون المذكّى وغير المذكّى ويلبسون القطن واللبود، وليس لهم بيت عبادة، وهم يعظمون الخيل ويحسنون القيام عليها، وعندهم حجارة تقطع الدم إذا علّقت على صاحب الرعاف أو النزف، ولهم عند ظهور قوس قزح عيد، وصلاتهم إلى مغرب الشمس، وأعلامهم سود، فسرنا فيهم عشرين يوما في خوف شديد ثمّ انتهينا إلى قبيلة يقال لهم الخرخيز، يأكلون الدخن والأرز ولحوم البقر والضأن والمعز وسائر اللحوم إلّا الجمال، ولهم بيت عبادة وقلم يكتبون به، ولهم رأي ونظر، ولا يطفئون سرجهم حتى تطفأ موادّها، ولهم كلام موزون يتكلمون به في أوقات صلاتهم، وعندهم مسك، ولهم أعياد في السنة، وأعلامهم خضر، يصلّون إلى الجنوب ويعظمون زحل والزهرة ويتطيرون من المريخ، والسباع في بلدهم كثيرة، ولهم حجارة تسرج بالليل يستغنون بها عن المصباح ولا تعمل في غير بلادهم، ولهم ملك مطاع
لا يجلس بين يديه أحد منهم الّا إذا جاوز أربعين سنة، فسرنا فيهم شهرا في أمن ودعة ثمّ انتهينا الى قبيلة يقال لها الخرلخ، يأكلون الحمص والعدس ويعملون الشراب من الدخن ولا يأكلون اللحم إلّا مغموسا بالملح، ويلبسون الصوف، ولهم بيت عبادة في حيطانه صورة متقدّمي ملوكهم، والبيت من خشب لا تأكله النار، وهذا الخشب كثير في بلادهم، والبغي والجور بينهم ظاهر ويغير بعضهم على بعض، والزنا بينهم كثير غير محظور، وهم أصحاب قمار، يقامر أحدهم غيره بزوجته وابنه وابنته وأمه فما دام في مجلس القمار فللمقمور أن يفادى ويفكّ فإذا انصرف القامر فقد حصل له ما قمر به يبيعه من التجار كما يريد، والجمال والفساد في نسائهم ظاهر، وهم قليلو الغيرة، فتجيء ابنة الرئيس فمن دونه أو امرأته أو أخته الى القوافل إذا وافت البلد فتعرض للوجوه فإن أعجبها إنسان أخذته إلى منزلها وأنزلته عندها وأحسنت إليه وتصرّف زوجها وأخاها وولدها في حوائجه ولم يقربها زوجها ما دام من تريده عندها إلا لحاجة يقضيها ثم تتصرّف هي ومن تختاره في أكل وشرب وغير ذلك بعين زوجها لا يغيره ولا ينكره، ولهم عيد يلبسون الديباج ومن لا يمكنه رقّع ثوبه برقعة منه، ولهم معدن فضّة تستخرج بالزيبق، وعندهم شجر يقوم مقام الإهليلج قائم الساق وإذا طلي عصارته على الأورام الحارّة أبرأها لوقتها، ولهم حجر عظيم يعظمونه ويحتكمون عنده ويذبحون له الذبائح، والحجر أخضر سلقيّ، فسرنا بينهم خمسة وعشرين يوما في أمن ودعة ثم انتهينا إلى قبيلة يقال لهم الخطلخ، فسرنا بين أهلها عشرة أيّام، وهم يأكلون البرّ وحده ويأكلون سائر اللحوم غير مذكاة، ولم أر في جميع قبائل الترك أشدّ شوكة منهم، يتخطّفون من حولهم ويتزوّجون الأخوات، ولا تتزوّج المرأة أكثر من زوج واحد، فإذا مات لم تتزوّج بعده، ولهم رأي وتدبير، ومن زنى في بلدهم أحرق هو والتي يزني بها، وليس لهم طلاق، والمهر جميع ما ملك الرجل، وخدمة الولي سنة، وللقتل بينهم قصاص وللجراح غرم، فإن تلف المجروح بعد أن يأخذ الغرم بطل دمه، وملكهم ينكر الشرّ ولا يتزوّج فإن تزوّج قتل، ثم انتهينا إلى قبيلة يقال لها الختيان، يأكلون الشعير والجلبان ولا يأكلون اللحم إلا مذكى، ويزوّجون تزويجا صحيحا وأحكامهم أحكام عقلية تقوم بها السياسة، وليس لهم ملك، وكلّ عشرة يرجعون إلى شيخ له عقل ورأي فيتحاكمون إليه، وليس لهم جور على من يجتاز بهم، ولا اغتيال، ولهم بيت عبادة يعتكفون فيه الشهر والأقلّ والأكثر، ولا يلبسون شيئا مصبوغا، وعندهم مسك جيّد ما دام في بلدهم فإذا حمل منه تغير واستحال، ولهم بقول كثيرة في أكثرها منافع، وعندهم حيّات تقتل من ينظر إليها إلّا أنّها في جبل لا تخرج عنه بوجه ولا سبب، ولهم حجارة تسكّن الحمّى ولا تعمل في غير بلدهم، وعندهم بازهر جيّد شمعيّ فيه عروق خضر، وكان مسيرنا فيهم عشرين يوما، ثمّ انتهينا إلى بلد بهيّ فيه نخل كثير وبقول كثيرة وأعناب ولهم مدينة وقرى وملك له سياسة يلقّب بهي، وفي مدينتهم قوم مسلمون ويهود ونصارى ومجوس وعبدة أصنام، ولهم أعياد، وعندهم حجارة خضر تنفع من الرمد وحجارة حمر تنفع من الطحال، وعندهم النيل الجيّد القانئ المرتفع الطافي الذي إذا طرح في الماء لم يرسب، فسرنا فيهم أربعين يوما في أمن وخوف ثمّ انتهينا إلى موضع يقال له القليب فيه بوادي عرب ممّن تخلف عن تبّع لما غزا بلاد الصين، لهم مصايف ومشات في مياه ورمال،
يتكلمون بالعربيّة القديمة لا يعرفون غيرها ويكتبون بالحميرية ولا يعرفون قلمنا، يعبدون الأصنام، وملكهم من أهل بيت منهم لا يخرجون الملك من أهل ذلك البيت، ولهم أحكام، وحظر الزنا والفسق، ولهم شراب جيّد من التمر، وملكهم يهادي ملك الصين، فسرنا فيهم شهرا في خوف وتغرير، ثم انتهينا إلى مقام الباب، وهو بلد في الرمل تكون فيه حجبة الملك، وهو ملك الصين، ومنه يستأذن لمن يريد دخول بلد الصين من قبائل الترك وغيرهم، فسرنا فيه ثلاثة أيام في ضيافة الملك يغيّر لنا عند رأس كل فرسخ مركوب، ثم انتهينا إلى وادي المقام فاستؤذن لنا منه وتقدّمنا الرّسل فأذن لنا بعد أن أقمنا بهذا الوادي، وهو أنزه بلاد الله وأحسنها، ثلاثة أيام في ضيافة الملك، ثمّ عبرنا الوادي وسرنا يوما تامّا فأشرفنا على مدينة سندابل، وهي قصبة الصين وبها دار المملكة، فبتنا على مرحلة منها، ثم سرنا من الغد طول نهارنا حتى وصلنا إليها عند المغرب، وهي مدينة عظيمة تكون مسيرة يوم ولها ستون شارعا ينفذ كل شارع منها إلى دار الملك، ثم سرنا إلى باب من أبوابها فوجدنا ارتفاع سورها تسعين ذراعا وعرضه تسعين ذراعا وعلى رأس السور نهر عظيم يتفرّق على ستّين جزءا كلّ جزء منها ينزل على باب من الأبواب تتلقاه رحى تصبّه إلى ما دونها ثم إلى غيرها حتى يصبّ في الأرض ثمّ يخرج نصفه تحت السور فيسقي البساتين ويرجع نصفه إلى المدينة فيسقي أهل ذلك الشارع إلى دار الملك ثمّ يخرج في الشارع الآخر إلى خارج البلد فكل شارع فيه نهران وكلّ خلاء فيه مجريان كل واحد يخالف صاحبه، فالداخل يسقيهم والخارج يخرج بفضلاتهم، ولهم بيت عبادة عظيم، ولهم سياسة عظيمة وأحكام متقنة، وبيت عبادتهم يقال إنّه أعظم من مسجد بيت المقدس وفيه تماثيل وتصاوير وأصنام وبدّ عظيم، وأهل البلد لا يذبحون ولا يأكلون اللحوم أصلا، ومن قتل منهم شيئا من الحيوان قتل، وهي دار مملكة الهند والترك معا، ودخلت على ملكهم فوجدته فائقا في فنه كاملا في رأيه فخاطبه الرسل بما جاءوا به من تزويجه ابنته من نوح بن نصر فأجابهم إلى ذلك وأحسن إليّ وإلى الرسل وأقمنا في ضيافته حتى نجزت أمور المرأة وتمّ ما جهّزها به ثمّ سلمها إلى مائتي خادم وثلاثمائة جارية من خواص خدمه وجواريه وحملت إلى خراسان إلى نوح بن نصر فتزوّج بها، قال: وبلغنا أن نصرا عمل قبره قبل وفاته بعشرين سنة، وذلك أنّه حدّ له في مولده مبلغ عمره ومدة انقضاء أجله وأن موته يكون بالسّلّ وعرّف اليوم الذي يموت فيه، فخرج يوم موته إلى خارج بخارى وقد أعلم الناس أنّه ميّت في يومه ذلك وأمرهم أن يتجهزوا له بجهاز التعزية والمصيبة ليتصوّرهم بعد موته بالحال التي يراهم بها، فسار بين يديه ألوف من الغلمان الأتراك المرد وقد ظاهروا اللباس بالسواد وشقوا عن صدورهم وجعلوا التراب على رؤوسهم ثمّ تبعهم نحو ألفي جارية من أصناف الرقيق مختلفي الأجناس واللغات على تلك الهيئة ثمّ جاء على آثارهم عامة الجيش والأولياء يجنبون دوابّهم ويقودون قودهم وقد خالفوا في نصب سروجها عليها وسوّدوا نواصيها وجباهها حاثين التراب على رؤوسهم واتصلت بهم الرعية والتجار في غمّ وحزن وبكاء شديد وضجيج يقدمهم أولادهم ونساؤهم ثم اتصلت بهم الشاكرية والمكارون والحمالون على فرق منهم قد غيّروا زيّهم، وشهر نفسه بضرب من اللباس، ثم جاء أولاده يمشون بين يديه حفاة حاسرين والتراب على رؤوسهم وبين أيديهم وجوه كتّابه وجلّة خدمه ورؤساؤه وقواده، ثمّ أقبل القضاة والمعدلون والعلماء
يسايرونه في غمّ وكآبة وحزن، وأحضر سجلّا كبيرا ملفوفا فأمر القضاة والفقهاء والكتّاب بختمه فأمر نوحا ابنه أن يعمل بما فيه واستدعى شيئا من حسا في زبدية من الصيني الأصفر فتناول منه شيئا يسيرا ثمّ تغرغرت عيناه بالدموع وحمد الله تعالى وتشهّد وقال:
هذا آخر زاد نصر من دنياكم، وسار إلى قبره ودخله وقرأ عشرا فيه واستقرّ به مجلسه ومات، رحمه الله، وتولى الأمر نوح ابنه، قلت: ونحن نشك في صحة هذا الخبر لأن محدثنا به ربما كان ذكر شيئا فسأل الله أن لا يؤاخذه بما قال، ونرجع إلى كلام رسول نصر، قال: وأقمت بسندابل مدينة الصين مدة ألقى ملكها في الأحايين فيفاوضني في أشياء ويسألني عن أمور من أمور بلاد الإسلام، ثم استأذنته في الانصراف فأذن لي بعد أن أحسن إليّ ولم يبق غاية في أمري، فخرجت إلى الساحل أريد كله، وهي أوّل الهند وآخر منتهى مسير المراكب لا يتهيأ لها أن تتجاوزها وإلّا غرقت، قال: فلمّا وصلت إلى كله رأيتها وهي عظيمة عالية السور كثيرة البساتين غزيرة الماء ووجدت بها معدنا للرصاص القلعي لا يكون إلّا في قلعتها في سائر الدنيا، وفي هذه القلعة تضرب السيوف القلعية وهي الهندية العتيقة، وأهل هذه القلعة يمتنعون على ملكهم إذا أرادوا ويطيعونه إن أحبوا، ورسمهم رسم الصين في ترك الذباحة، وليس في جميع الدنيا معدن للرصاص القلعي إلّا في هذه القلعة، وبينها وبين مدينة الصين ثلاثمائة فرسخ، وحولها مدن ورساتيق وقرى، ولهم أحكام حبوس جنايات، وأكلهم البرّ والتمور، وبقولهم كلّها تباع وزنا وأرغفة خبزهم تباع عددا، وليس عندهم حمامات بل عندهم عين جارية يغتسلون بها، ودرهمــهم يزن ثلثي درهم ويعرف بالقاهري، ولهم فلوس يتعاملون بها، ويلبسون كأهل الصين الإفرند الصيني المثمن، وملكهم دون ملك الصين ويخطب لملك الصين، وقبلته إليه، وبيت عبادته له، وخرجت منها إلى بلد الفلفل فشاهدت نباته، وهو شجر عاديّ لا يزول الماء من تحته فإذا هبت الريح تساقط حمله فمن ذلك تشنجه وإنما يجتمع من فوق الماء، وعليه ضريبة للملك، وهو شجر حرّ لا مالك له وحمله أبدا فيه لا يزول شتاء ولا صيفا، وهو عناقيد فإذا حميت الشمس عليه انطبق على العنقود عدة من ورقه لئلّا يحترق بالشمس، فإذا زالت الشمس زالت تلك الأوراق، وانتهيت منه إلى لحف الكافور، وهو جبل عظيم فيه مدن تشرف على البحر منها قامرون التي ينسب إليها العود الرطب المعروف بالمندل القامروني، ومنها مدينة يقال لها قماريان، وإليها ينسب العود القماري، وفيه مدينة يقال لها الصنف، ينسب إليها العود الصنفي، وفي اللحف الآخر من ذلك الجبل مما يلي الشمال مدينة يقال لها الصّيمور، لأهلها حظّ من الجمال وذلك لأن أهلها متولدون من الترك والصين فجمالهم لذلك، وإليها تخرج تجارات الترك، وإليها ينسب العود الصيموري وليس هو منها إنّما هو يحمل إليها، ولهم بيت عبادة على رأس عقبة عظيمة وله سدنة وفيه أصنام من الفيروزج والبيجاذق، ولهم ملوك صغار، ولباسهم لباس أهل الصين، ولهم بيع وكنائس ومساجد وبيوت نار، لا يذبحون ولا يأكلون ما مات حتف أنفه، وخرجت إلى مدينة يقال لها جاجلّى على رأس جبل مشرف نصفها على البحر ونصفها على البرّ ولها ملك مثل ملك كله يأكلون البرّ والبيض ولا يأكلون السمك ولا يذبحون، ولهم بيت عبادة كبير معظّم، لم يمتنع على الإسكندر في بلدان الهند غيرها، وإليها يحمل الدارصيني ومنها يحمل إلى سائر الآفاق، وشجر
الدارصيني حرّ لا مالك له، ولباسهم لباس كله إلّا أنهم يتزيّنون في أعيادهم بالحبر اليمانية، ويعظمون من النجوم قلب الأسد، ولهم بيت رصد وحساب محكم ومعرفة بالنجوم كاملة، وتعمل الأوهام في طباعهم، ومنها خرجت إلى مدينة يقال لها قشمير وهي كبيرة عظيمة لها سور وخندق محكمان تكون مثل نصف سندابل مدينة الصين وملكها أكبر من ملك مدينة كله وأتم طاعة، ولهم أعياد في رؤوس الأهلّة وفي نزول النيرين شرفهما، ولهم رصد كبير في بيت معمول من الحديد الصيني لا يعمل فيه الزمان، ويعظمون الثّريّا، وأكلهم البرّ ويأكلون المليح من السمك ولا يأكلون البيض ولا يذبحون، وسرت منها إلى كابل فسرت شهرا حتى وصلت إلى قصبتها المعروفة بطابان، وهي مدينة في جوف جبل قد استدار عليها كالحلقة دوره ثلاثون فرسخا لا يقدر أحد على دخوله إلّا بجواز لأن له مضيقا قد غلّق عليه باب ووكل به قوم يحفظونه فما يدخله أحد إلّا بإذن، والإهليلج بها كثير جدّا، وجميع مياه الرساتيق والقرى التي داخل المدينة تخرج من المدينة، وهم يخالفون ملّة الصين في الذباحة ويأكلون السمك والبيض ويقتل بعضهم بعضا، ولهم بيت عبادة، وخرجت من كابل إلى سواحل البحر الهندي متياسرا فسرت إلى بلد يعرف بمندورقين منابت غياض القنا وشجر الصندل ومنه يحمل الطباشير، وذلك أن القنا إذا جفّ وهبّت عليه الريح احتك بعضه ببعض واشتدت فيه الحرارة للحركة فانقدحت منه نار فربما أحرقت منها مسافة خمسين فرسخا أو أكثر من ذلك فالطباشير الذي يحمل إلى سائر الدنيا من ذلك القنا، فأما الطباشير الجيد الذي يساوي مثقاله مائة مثقال أو أكثر فهو شيء يخرج من جوف القنا إذا هزّ، وهو عزيز جدّا، وما يفجر من منابت الطباشير حمل إلى سائر البلاد وبيع على أنّه توتيا الهند، وليس كذلك لان التوتيا الهندي هو دخان الرصاص القلعي، ومقدار ما يرتفع منه كلّ سنة ثلاثة أمنان أو أربعة أمنان ولا يتجاوز الخمسة، ويباع المنّ منه بخمسة آلاف درهم إلى ألف دينار، وخرجت منها إلى مدينة يقال لها كولم لأهلها بيت عبادة وليس فيه صنم وفيها منابت الساج والبقّم، وهو صنفان وهذا دون والآمرون هو الغاية، وشجر الساج مفرط العظم والطول ربّما جاوز مائة ذراع وأكثر، والخيزران والقنا بها كثير جدّا، وبها شيء من السّندروس قليل غير جيّد والجيّد منه ما بالصين، وهو من عرعر ينبت على باب مدينتها الشرقي، والسندروس شبه الكهربائيّة وأحلّها وفيها مغناطيس يجذب كل شيء إذا أحمي بالدّلك، وعندهم الحجارة التي تعرف بالسندانية يعمل بها السقوف، وأساطين بيوتهم من خرز أصلاب السمك الميت ولا يأكلونه، ولا يذبحون، وأكثرهم يأكل الميتة، وأهلها يختارون للصين ملكا إذا مات ملكهم، وليس في الهند طبّ إلّا في هذه المدينة، وبها تعمل غضائر تباع في بلداننا على أنّه صينيّ وليس هو صينيّ لأن طين الصين أصلب منه وأصبر على النار وطين هذه المدينة الذي يعمل منه الغضائر المشبه بالصيني يخمر ثلاثة أيام لا يحتمل أكثر منها وطين الصين يخمر عشرة أيام ويحتمل أكثر منها، وخزف غضائرها أدكن اللون وما كان من الصين أبيض وغيره من الألوان شفّافا وغير شفاف فهو معمول في بلاد فارس من الحصى والكلس القلعيّ والزجاج يعجن على البوائن وينفخ ويعمل بالماسك كما ينفخ الزجاج مثل الجامات وغيرها من الأواني، ومن هذه المدينة يركب إلى عمان، وبها راوند ضعيف العمل والصيني أجود منه، والراوند
قرع يكون هناك وورقه السادج الهندي، وإليها تنسب أصناف العود والكافور واللبان والقتار، وأصل العود نبت في جزائر وراء خطّ الاستواء، وما وصل إلى منابته أحد ولم يعلم أحد كيف نباته وكيف شجره ولا يصف إنسان شكل ورق العود وإنما يأتي به الماء إلى جانب الشمال، فما انقلع وجاء إلى الساحل فأخذ رطبا بكله وبقامرون أو في بلد الفلفل أو بالصنف أو بقماريان أو بغيرها من السواحل بقي إذا أصابته الريح الشمال رطبا أبدا لا يتحرّك عن رطبه، وهو المعروف بالقامروني المندلي، وما جف في البحر ورمي يابسا فهو الهندي المصمت الثقيل ومحنته أن ينال منه بالمبرد ويلقى على الماء فإن لم ترسب برادته فليس بمختار وإن رسبت فهو الخالص الذي ما بعده غاية، وما جفّ منه في مواضعه ونخر في البحر فهو القماري، وما نخر في مواضعه وحمله البحر نخرا فهو الصنفي، وملوك هذه المرافئ يأخذون ممن يجمع العود من السواحل ومن البحر العشر، وأمّا الكافور فهو في لحف جبل بين هذه المدينة وبين مندورقين مطلّ على البحر وهو لبّ شجر يشقّ فيوجد الكافور كامنا فيه فربما وجد مائعا وربما كان جامدا لأنّه صمغ يكون في لبّ هذا الشجر، وبها شيء من الإهليلج قليل والكابلي أجود منه لأن كابل بعيدة من البحر، وجميع أصناف الإهليلج بها وكل شجر مما نثرته الريح فجّا غير نضيج فهو الأصفر، وهو حامض بارد، وما بلغ وقطف في أوان إدراكه فهو الكابلي، وهو حلو حارّ، وما ترك في شجره في أيام الشتاء حتى يسود فهو الأسود مرّ حارّ، وبها معدن كبريت أصفر ومعدن نحاس يخرج من دخانه توتيا جيد، وجميع أصناف التوتيا كلها من دخان النحاس إلّا الهندي فإنّه كما ذكرنا يخرج من دخان الرصاص القلعي، وماء هذه المدينة وماء مندورقين من الصهاريج المختزن فيها من مياه الأمطار، ولا زرع فيها إلّا القرع الذي فيه الراوند فإنّه يزرع بين الشوك، وكذلك أيضا بطيخهم عزيز جدّا، وبها قنبيل يقع من السماء ويجمع بأخثاء البقر، والعربي أجود منه، وسرت من مدن السواحل إلى الملتان، وهي آخر مدن الهند ممّا يلي الصين وأوّلها ممّا يلينا وتلي أرض السند، وهي مدينة عظيمة جليلة القدر عند أهل الهند والصين لأنّها بيت حجهم ودار عبادتهم مثل مكّة عند المسلمين وبيت المقدس عند اليهود والنصارى، وبها القبة العظمى والبدّ الأكبر، وهذه القبة سمكها في السماء ثلاثمائة ذراع وطول الصنم في جوفها مائة ذراع، وبين رأسه وبين القبة مائة ذراع، وبين رجليه وبين الأرض مائة ذراع، وهو معلّق من جوفها لا بقائمة من أسفله يدعم عليها ولا بعلاقة من أعلاه تمسكه، قلت:
هذا هو الكذب الصراح لأن هذا الصنم ذكره المدائني في فتوح الهند والسند وذكر أن طوله عشرون ذراعا، قال أبو دلف: البلد في يد يحيى بن محمد الأموي هو صاحب المنصورة أيضا والسند كلّه في يده، والدولة بالملتان للمسلمين وملّاك عقرها ولد عمر بن علي بن أبي طالب، والمسجد الجامع مصاقب لهذه القبة، والإسلام بها ظاهر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بها شامل، وخرجت منها إلى المنصورة، وهي قصبة السند، والخليفة الأموي مقيم بها يخطب لنفسه ويقيم الحدود ويملك السند كلّه بره وبحره، ومنها إلى البحر خمسون فرسخا، وبساحلها مدينة الدّيبل، وخرجت من المنصورة إلى بغانين، وهو بلد واسع يؤدي أهله الخراج إلى الأموي وإلى صاحب بيت الذهب، وهو بيت من ذهب في صحراء تكون أربعة فراسخ ولا يقع عليها الثلج ويثلج ما حولها،
وفي هذا البيت رصد الكواكب، وهو بيت تعظمه الهند والمجوس، وهذه الصحراء تعرف بصحراء زردشت صاحب المجوس، ويقول أهل هذه البلدان:
إن هذه الصحراء متى خرج منها إنسان يطلب دولة لم يغلب ولم يهزم له عسكر حيثما توجه، ومنها إلى شهر داور ومنها إلى بغنين ومنها إلى غزنين وبها تتفرّق الطرق فطريق يأخذ يمنة إلى باميان وختلان وخراسان، وطريق يأخذ تلقاء القبلة إلى بست ثمّ إلى سجستان، وكان صاحب سجستان في وقت موافاتي إياها أبا جعفر محمد بن أحمد بن الليث وأمه بانويه أخت يعقوب بن الليث، وهو رجل فيلسوف سمح كريم فاضل، له في بلده طراز تعمل فيه ثياب، ويخلع في كل يوم خلعة على واحد من زوّاره ويقوّم عليه من طرازها بخمسة آلاف درهم ومعها دابّة النوبة ووليّ الحمام والمسند والمطرح ومسورتان ومخدّتان، وبذلك يعمل ثبت ويسلّم إلى الزائر فيستوفيه من الخازن، هذا آخر الرسالة.

الرَّيّ

Entries on الرَّيّ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
الرَّيّ:
بفتح أوّله، وتشديد ثانيه، فإن كان عربيّا فأصله من رويت على الراوية أروي ريّا فأنا راو إذا شددت عليها الرّواء، قال أبو منصور:
أنشدني أعرابي وهو يعاكمني:
ريّا تميميّا على المزايد
وحكى الجوهري: رويت من الماء، بالكسر، أروى ريّا وريّا وروى مثل رضى: وهي مدينة مشهورة من أمّهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الفواكه والخيرات، وهي محطّ الحاجّ على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخا ومن قزوين إلى أبهر اثنا عشر فرسخا ومن أبهر إلى زنجان خمسة عشر فرسخا، قال بطليموس في كتاب الملحمة: مدينة الريّ طولها خمس وثمانون درجة، وعرضها سبع وثلاثون درجة وست وثلاثون دقيقة، وارتفاعها سبع وسبعون تحت ثماني عشرة درجة من السرطان خارجة من الإقليم الرابع داخلة في الإقليم الخامس، يقابلها مثلها من الجدي في قسمة النسر الطائر ولها شركة في الشعرى والغميصاء رأس الغول من قسمة سعد بلع، ووجدت في بعض تواريخ الفرس أن كيكاوس كان قد عمل عجلة وركّب عليها آلات ليصعد إلى السماء فسخر الله الريح حتى علت به إلى السحاب ثمّ ألقته فوقع في بحر جرجان، فلمّا قام كيخسرو بن سياوش بالملك حمل تلك العجلة وساقها ليقدم بها إلى بابل، فلمّا وصل إلى موضع الريّ قال الناس: بريّ آمد كيخسرو، واسم العجلة بالفارسيّة ريّ، وأمر بعمارة مدينة هناك فسميت الريّ بذلك، قال العمراني: الرّي بلد بناه فيروز ابن يزدجرد وسمّاه رام فيروز، ثمّ ذكر الرّي المشهورة بعدها وجعلهما بلدتين، ولا أعرف الأخرى، فأمّا الرّي المشهورة فإنّي رأيتها، وهي مدينة عجيبة الحسن مبنية بالآجر المنمق المحكم الملمع بالزرقة
مدهون كما تدهن الغضائر في فضاء من الأرض، وإلى جانبها جبل مشرف عليها أقرع لا ينبت فيه شيء، وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها، واتفق أنّني اجتزت في خرابها في سنة 617 وأنا منهزم من التتر فرأيت حيطان خرابها قائمة ومنابرها باقية وتزاويق الحيطان بحالها لقرب عهدها بالخراب إلّا أنّها خاوية على عروشها، فسألت رجلا من عقلائها عن السبب في ذلك فقال: أمّا السبب فضعيف ولكن الله إذا أراد أمرا بلغه، كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم، لأن أهل البلد كان نصفهم شيعة وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلّا شيعة وقليل من الحنفيين ولم يكن فيهم من الشافعيّة أحد، فوقعت العصبيّة بين السنّة والشيعة فتضافر عليهم الحنفية والشافعيّة وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف، فلمّا أفنوهم وقعت العصبيّة بين الحنفية والشافعيّة ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعيّة هذا مع قلّة عدد الشافعيّة إلّا أن الله نصرهم عليهم، وكان أهل الرستاق، وهم حنفية، يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم فلم يغنهم ذلك شيئا حتى أفنوهم، فهذه المحالّ الخراب التي ترى هي محالّ الشيعة والحنفية، وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية وهي أصغر محالّ الرّيّ ولم يبق من الشيعة والحنفية إلّا من يخفي مذهبه، ووجدت دورهم كلها مبنية تحت الأرض ودروبهم التي يسلك بها إلى دورهم على غاية الظلمة وصعوبة المسلك، فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات ولولا ذلك لما بقي فيها أحد، وقال الشاعر يهجو أهلها:
الرّيّ دار فارغه ... لها ظلال سابغة
على تيوس ما لهم ... في المكرمات بازغه
لا ينفق الشّعر بها ... ولو أتاها النّابغه
وقال إسماعيل الشاشي يذمّ أهل الرّيّ:
تنكّب حدّة الأحد ... ولا تركن إلى أحد
فما بالرّيّ من أحد ... يؤهل لاسم الأحد
وقد حكى الاصطخري أنّها كانت أكبر من أصبهان لأنّه قال: وليس بالجبال بعد الريّ أكبر من أصبهان، ثمّ قال: والرّيّ مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها وإن كانت نيسابور أكبر عوصة منها، وأمّا اشتباك البناء واليسار والخصب والعمارة فهي أعمر، وهي مدينة مقدارها فرسخ ونصف في مثله، والغالب على بنائها الخشب والطين، قال: وللرّيّ قرى كبار كلّ واحدة أكبر من مدينة، وعدّد منها قوهذ والسّدّ ومرجبى وغير ذلك من القرى التي بلغني أنها تخرج من أهلها ما يزيد على عشرة آلاف رجل، قال: ومن رساتيقها المشهورة قصران الداخل والخارج وبهزان والسن وبشاويه ودنباوند، وقال ابن الكلبي: سميت الريّ بريّ رجل من بني شيلان ابن أصبهان بن فلوج، قال: وكان في المدينة بستان فخرجت بنت ريّ يوما إليه فإذا هي بدرّاجة تأكل تينا، فقالت: بور انجير يعني أن الدّرّاجة تأكل تينا، فاسم المدينة في القديم بورانجير ويغيره أهل الرّيّ فيقولون بهورند، وقال لوط بن يحيى:
كتب عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، إلى عمار بن ياسر وهو عامله على الكوفة بعد شهرين من فتح
نهاوند يأمره أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلى الرّيّ ودستبى في ثمانية آلاف، ففعل وسار عروة لذلك فجمعت له الديلم وأمدوا أهل الرّيّ وقاتلوه فأظهره الله عليهم فقتلهم واستباحهم، وذلك في سنة 20 وقيل في سنة 19، وقال أبو نجيد وكان مع المسلمين في هذه الوقائع:
دعانا إلى جرجان والرّيّ دونها ... سواد فأرضت من بها من عشائر
رضينا بريف الرّيّ والرّيّ بلدة ... لها زينة في عيشها المتواتر
لها نشز في كلّ آخر ليلة ... تذكّر أعراس الملوك الأكابر
قال جعفر بن محمد الرازي: لما قدم المهديّ الرّيّ في خلافة المنصور بنى مدينة الرّيّ التي بها الناس اليوم وجعل حولها خندقا وبنى فيها مسجدا جامعا، وجرى ذلك على يد عمار بن أبي الخصيب، وكتب اسمه على حائطها، وتمّ عملها سنة 158، وجعل لها فصيلا يطيف به فارقين آجر، والفارقين: الخندق، وسمّاها المحمديّة، فأهل الرّيّ يدعون المدينة الداخلة المدينة ويسمون الفصيل المدينة الخارجة والحصن المعروف بالزينبدى في داخل المدينة المعروفة بالمحمدية، وقد كان المهدي أمر بمرمّته ونزله أيّام مقامه بالرّيّ، وهو مطلّ على المسجد الجامع ودار الإمارة، ويقال: الذي تولّى مرمّته وإصلاحه ميسرة التغلبي أحد وجوه قواد المهدي، ثمّ جعل بعد ذلك سجنا ثمّ خرب فعمره رافع بن هرثمة في سنة 278 ثمّ خرّبه أهل الرّيّ بعد خروج رافع عنها، قال:
وكانت الرّيّ تدعى في الجاهليّة أزارى فيقال إنّه خسف بها، وهي على اثني عشر فرسخا من موضع الرّيّ اليوم على طريق الخوار بين المحمدية وهاشمية الرّيّ، وفيها أبنية قائمة تدل على أنّها كانت مدينة عظيمة، وهناك أيضا خراب في رستاق من رساتيق الرّيّ يقال له البهزان، بينه وبين الرّيّ ستة فراسخ يقال إن الرّيّ كانت هناك، والناس يمضون إلى هناك فيجدون قطع الذهب وربّما وجدوا لؤلؤا وفصوص ياقوت وغير ذلك من هذا النوع، وبالرّيّ قلعة الفرّخان، تذكر في موضعها، ولم تزل قطيعة الرّيّ اثني عشر ألف ألف درهم حتى اجتاز بها المأمون عند منصرفه من خراسان يريد مدينة السلام فلقيه أهلها وشكوا إليه أمرهم وغلظ قطيعتهم فأسقط عنهم منها ألفي ألف درهم وأسجل بذلك لأهلها، وحكى ابن الفقيه عن بعض العلماء قال: في التوراة مكتوب الرّيّ باب من أبواب الأرض وإليها متجر الخلق، وقال الأصمعي: الرّيّ عروس الدنيا وإليه متجر الناس، وهو أحد بلدان الأرض، وكان عبيد الله ابن زياد قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقاص ولاية الرّيّ إن خرج على الجيش الذي توجّه لقتال الحسين ابن عليّ، رضي الله عنه، فأقبل يميل بين الخروج وولاية الرّيّ والقعود، وقال:
أأترك ملك الرّيّ والرّيّ رغبة، ... أم ارجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب وملك الرّيّ قرّة عين
فغلبه حبّ الدنيا والرياسة حتى خرج فكان من قتل الحسين، رضي الله عنه، ما كان. وروي عن جعفر الصادق، رضي الله عنه، أنّه قال: الرّيّ وقزوين وساوة ملعونات مشؤومات، وقال إسحاق بن سليمان: ما رأيت بلدا أرفع للخسيس من الرّيّ،
وفي أخبارهم: الريّ ملعونة وتربتها تربة ملعونة ديلمية وهي على بحر عجاج تأبى أن تقبل الحق، والرّيّ سبعة عشر رستاقا منها دنباوند وويمة وشلمبة، حدث أبو عبد الله بن خالويه عن نفطويه قال: قال رجل من بني ضبّة وقال المدائني:
فرض لأعرابي من جديلة فضرب عليه البعث إلى الري وكانوا في حرب وحصار، فلمّا طال المقام واشتدّ الحصار قال الأعرابي: ما كان أغناني عن هذا! وأنشأ يقول:
لعمري لجوّ من جواء سويقة ... أسافله ميث وأعلاه أجرع
به العفر والظّلمان والعين ترتعي ... وأمّ رئال والظّليم الهجنّع
وأسفع ذو رمحين يضحي كأنّه ... إذا ما علا نشزا، حصان مبرقع
أحبّ إلينا أن نجاور أهلنا ... ويصبح منّا وهو مرأى ومسمع
من الجوسق الملعون بالرّيّ كلّما ... رأيت به داعي المنيّة يلمع
يقولون: صبرا واحتسب! قلت: طالما ... صبرت ولكن لا أرى الصبر ينفع
فليت عطائي كان قسّم بينهم ... وظلّت بي الوجناء بالدّوّ تضبع
كأنّ يديها حين جدّ نجاؤها ... يدا سابح في غمرة يتبوّع
أأجعل نفسي وزن علج كأنّما ... يموت به كلب إذا مات أجمع؟
والجوسق الملعون الذي ذكره ههنا هو قلعة الفرّخان، وحدث أبو المحلّم عوف بن المحلم الشيباني قال: كانت لي وفادة على عبد الله بن طاهر إلى خراسان فصادفته يريد المسير إلى الحجّ فعادلته في العماريّة من مرو إلى الريّ، فلمّا قاربنا الرّيّ سمع عبد الله بن طاهر ورشانا في بعض الأغصان يصيح، فأنشد عبد الله بن طاهر متمثلا بقول أبي كبير الهذلي:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر، ... وغصنك ميّاد، ففيم تنوح؟
أفق لا تنح من غير شيء، فإنّني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطّت غربة دار زينب، ... فها أنا أبكي والفؤاد جريح
ثمّ قال: يا عوف أجز هذا، فقلت في الحال:
أفي كلّ عام غربة ونزوح؟ ... أما للنّوى من ونية فنريح؟
لقد طلّح البين المشتّ ركائبي، ... فهل أرينّ البين وهو طليح؟
وأرّقني بالرّيّ نوح حمامة، ... فنحت وذو الشجو القديم ينوح
على أنّها ناحت ولم تذر دمعة، ... ونحت وأسراب الدّموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما، ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتضحي عصا الأسفار وهي طريح
فإنّ الغنى يدني الفتى من صديقه، ... وعدم الغنى بالمقترين نزوح
فأخرج رأسه من العمارية وقال: يا سائق ألق زمام البعير، فألقاه فوقف ووقف الخارج ثمّ دعا بصاحب
بيت ماله فقال: كم يضمّ ملكنا في هذا الوقت؟
فقال: ستين ألف دينار، فقال: ادفعها إلى عوف، ثمّ قال: يا عوف لقد ألقيت عصا تطوافك فارجع من حيث جئت، قال: فأقبل خاصة عبد الله عليه يلومونه ويقولون أتجيز أيّها الأمير شاعرا في مثل هذا الموضع المنقطع بستين ألف دينار ولم تملك سواها! قال: إليكم عني فإنّي قد استحييت من الكرم أن يسير بي جملي وعوف يقول: عسى جود عبد الله، وفي ملكي شيء لا ينفرد به، ورجع عوف إلى وطنه فسئل عن حاله فقال: رجعت من عند عبد الله بالغنى والراحة من النوى، وقال معن بن زائدة الشيباني:
تمطّى بنيسابور ليلي وربّما ... يرى بجنوب الرّيّ وهو قصير
ليالي إذ كلّ الأحبّة حاضر، ... وما كحضور من تحب سرور
فأصبحت أمّا من أحبّ فنازح ... وأمّا الألى أقليهم فحضور
أراعي نجوم اللّيل حتى كأنّني ... بأيدي عداة سائرين أسير
لعلّ الذي لا يجمع الشمل غيره ... يدير رحى جمع الهوى فتدور
فتسكن أشجان ونلقى أحبّة، ... ويورق غصن للشّباب نضير
ومن أعيان من ينسب إليها أبو بكر محمد بن زكرياء الرازي الحكيم صاحب الكتب المصنفة، مات بالرّيّ بعد منصرفه من بغداد في سنة 311، عن ابن شيراز، ومحمد بن عمر بن هشام أبو بكر الرازي الحافظ المعروف بالقماطري، سمع وروى وجمع، قال أبو بكر الإسماعيلي: حدّثني أبو بكر محمد بن عمير الرازي الحافظ الصدوق بجرجان، وربّما قال الثقة المأمون، سكن مرو ومات بها في سنة نيف وتسعين ومائتين، وعبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبو محمد ابن أبي حاتم الرازي أحد الحفّاظ، صنف الجرح والتعديل فأكثر فائدته، رحل في طلب العلم والحديث فسمع بالعراق ومصر ودمشق، فسمع من يونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والربيع بن سليمان والحسن بن عرفة وأبيه أبي حاتم وأبي زرعة الرازي وعبد الله وصالح ابني أحمد بن حنبل وخلق سواهم، وروى عنه جماعة أخرى كثيرة، وعن أبي عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا أحمد محمد بن محمد ابن أحمد بن إسحاق الحاكم الحافظ يقول: كنت بالرّيّ فرأيتهم يوما يقرؤون على محمد بن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل، فلمّا فرغوا قلت لابن عبدويه الورّاق: ما هذه الضحكة؟ أراكم تقرؤون كتاب التاريخ لمحمد بن إسماعيل البخاري عن شيخكم على هذا الوجه وقد نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم! فقال: يا أبا محمد اعلم أن أبا زرعة وأبا حاتم لما حمل إليهما هذا الكتاب قالا هذا علم حسن لا يستغنى عنه ولا يحسن بنا أن نذكره عن غيرنا، فأقعدا أبا محمد عبد الرحمن الرازي حتى سألهما عن رجل معه رجل وزادا فيه ونقصا منه، ونسبه عبد الرحمن الرازي، وقال أحمد بن يعقوب الرازي: سمعت عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي يقول: كنت مع أبي في الشام في الرحلة فدخلنا مدينة فرأيت رجلا واقفا على الطريق يلعب بحيّة ويقول: من يهب لي درهمــا حتى أبلع هذه الحيّة؟ فالتفت إليّ أبي وقال: يا بني احفظ دراهمك فمن أجلها تبلع الحيّات! وقال أبو يعلى الخليل بن عبد الرحمن بن أحمد الحافظ القزويني: أخذ عبد الرحمن بن أبي حاتم علم أبيه وعلم أبي زرعة وصنّف
منه التصانيف المشهورة في الفقه والتواريخ واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، وكان من الأبدال ولد سنة 240، ومات سنة 327، وقد ذكرته في حنظلة وذكرت من خبره هناك زيادة عمّا ههنا، وإسماعيل بن عليّ بن الحسين بن محمد بن زنجويه أبو سعد الرازي المعروف بالسمّان الحافظ، كان من المكثرين الجوّالين، سمع من نحو أربعة آلاف شيخ، سمع ببغداد أبا طاهر المخلص ومحمد بن بكران بن عمران، روى عنه أبو بكر الخطيب وأبو علي الحداد الأصبهاني وغيرهما، مات في الرابع والعشرين من شعبان سنة 445، وكان معتزليّا، وصنف كتبا كثيرة ولم يتأهّل قط، وكان فيه دين وورع، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن الجنيد أبو الحسين الرازي والد تمام بن محمد الرازي الحافظان ويعرف في الرّيّ بأبي الرستاقي، سمع ببلده وغيره وأقام بدمشق وصنف، وكان حافظا ثقة مكثرا، مات سنة 347، وابنه تمام بن محمد الحافظ، ولد بدمشق وسمع بها من أبيه ومن خلق كثير وروى عنه خلق، وقال أبو محمد بن الأكفاني: أنبأنا عبد العزيز الكناني قال: توفي شيخنا وأستاذنا تمام الرازي لثلاث خلون من المحرم سنة 414، وكان ثقة مأمونا حافظا لم أر أحفظ منه لحديث الشاميّين، ذكر أن مولده سنة 303، وقال أبو بكر الحداد: ما لقينا مثله في الحفظ والخبر، وقال أبو علي الأهوازي:
كان عالما بالحديث ومعرفة الرجال ما رأيت مثله في معناه، وأبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم ابن الحكم بن عبد الله الحافظ الرازي، قال الحافظ أبو القاسم: قدم دمشق سنة 347 فسمع بها أبا الحسين محمد بن عبد الله بن جعفر بن الجنيد الرازي والد تمام، وبنيسابور أبا حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال وأبا الحسن علي بن أحمد الفارسي ببلخ وأبا عبد الله بن مخلد ببغداد وأبا الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين الصابوني بمصر وعمر بن إبراهيم بن الحدّاد بتنّيس وأبا عبد الله المحاملي وأبا العباس الأصمّ، وحدث بدمشق في تلك السنة فروى عنه تمام وعبد الرحمن بن عمر بن نصر والقاضيان أبو عبد الله الحسين بن محمد الفلّاكي الزّنجاني وأبو القاسم التنوخي وأبو الفضل محمد بن أحمد بن محمد الجارودي الحافظ وحمزة بن يوسف الخرقاني وأبو محمد إبراهيم بن محمد بن عبد الله الزنجاني الهمداني وعبد الغني بن سعيد والحاكم أبو عبد الله وأبو العلاء عمر بن علي الواسطي وأبو زرعة روح بن محمد الرازي ورضوان بن محمد الدّينوري، وفقد بطريق مكّة سنة 375، وكان أهل الريّ أهل سنّة وجماعة إلى أن تغلب أحمد بن الحسن المارداني عليها فأظهر التشيع وأكرم أهله وقرّبهم فتقرّب إليه الناس بتصنيف الكتب في ذلك فصنف له عبد الرحمن بن أبي حاتم كتابا في فضائل أهل البيت وغيره، وكان ذلك في أيّام المعتمد وتغلبه عليها في سنة 275، وكان قبل ذلك في خدمة كوتكين ابن ساتكين التركي، وتغلب على الرّيّ وأظهر التشيع بها واستمرّ إلى الآن، وكان أحمد بن هارون قد عصى على أحمد بن إسماعيل الساماني بعد أن كان من أعيان قواده وهو الذي قتل محمد بن زيد الراعي فتبعه أحمد بن إسماعيل إلى قزوين فدخل أحمد بن هارون بلاد الديلم وأيس منه أحمد بن إسماعيل فرجع فنزل بظاهر الري ولم يدخلها، فخرج إليه أهلها وسألوه أن يتولّى عليهم ويكاتب الخليفة في ذلك ويخطب ولاية الرّيّ، فامتنع وقال: لا أريدها لأنّها
مشؤومة قتل بسببها الحسين بن علي، رضي الله عنهما، وتربتها ديلمية تأبى قبول الحقّ وطالعها العقرب، وارتحل عائدا إلى خراسان في ذي الحجة سنة 289، ثمّ جاء عهده بولاية الرّيّ من المكتفي وهو بخراسان، فاستعمل على الرّيّ من قبله ابن أخيه أبا صالح منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد فوليها ستّ سنين، وهو الذي صنف له أبو بكر محمد بن زكرياء الرازي الحكيم كتاب المنصوري في الطبّ، وهو الكنّاشة، وكان قدوم منصور إليها في سنة 290، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

الليقَة

Entries on الليقَة in 1 Arabic dictionary by the author Ibn Qutayba al-Dīnawarī, Risālat al-Khaṭṭ wa-l-Qalam
الليقَة
يُقالُ للصُّوفةِ والقُطنَةِ التي تكونُ في الدَّواة: لِيقة وتجمع أَليَاقَاً. وإنَّما سُمِّيَت: لِيقة؛ لأنَّها تَحبِسُ ما جُعِلَ فيها من السواد وتُمسكُهُ، مأخوذ من قولهم: "فلانٌ ما تَليقُ كَفُّهُ دِرهَمَــاً" أي: ما تحبسه فتمسكه. وكفٌّ ما يليقُ بها درهمٌ أي: ما تحبس ولا تستمسك. قال الرَّاجزُ:
كفَّاكَ: كَفٌّ مَا تليقُ دِرهَمــاً
جُواداً، وكَفٌّ تُعطِ بالسَّيفِ الدَّما
وروى أبو العبَّاس محمد بن يزيد المُبَرِّد قال: دخل الأصمعي على الرَّشيد بعدَ غَيبَةٍ غابها فقالَ: كيفَ حالك يا أَصمَعِيُّ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين ما ألاقتني أرضٌ. أي ما حبستني حتى خرجت عنها. فأمسكَ الرَّشيدُ. فلمَّا تفرَّق أهل المجلس قال له: ما معنى ألاقَتْني؟ قال: حبستني فقال الرَّشيد: لا تكلمني في مجلس العامَّة بما لا أعلمُ.
وتقولُ: أَلَقتُ الدَّواةَ فهي مُلاقَةٌ ولِقتُها فهي مَلِيقَةٌ إذا جمعتَ مِدادَها في صوفِها وقُطنِها.
وقولهم: "ما يليقُ هذا الأمرُ بصَفَرِي" أي: قلبي أي ما يُمسكه ويجتمع فيه وأنشدَ العامريُّ:
لعمرك إنَّ الحُبَّ يا أُمَّ مالكٍ ... بجسمي جزاني اللهُ منك لَلائقُ
ويًقالُ: لِقتُ الدَّواةَ وهي مَلِيقةٌ هذا إذا أصلحتَها وزدتَ في سَوادها فأما إذا لم تكن فيها لِيقةٌ فجعلتَ فيها لِيقةٌ فألَقتَهَا بالألف لا غير وإذا أمرتَ من ألقت قُلتَ: أَلِقْ دَواتَكَ بقطع الألف إلاقَةً وأنتَ مُلِيقٌ وإذا أمرتَ من قولك: "لقت" قلت: لِقِ الدَّواة ليقاً جيِّداً وأنتَ لاقٍ وقد أَمَهتَ اللِّيقةَ أُمِيهُها إماهةً فأنا مُمِيهٌ لها إذا أكثرتَ ماءَها وقد ماهَت فهي تماهُ وتموهُ وهي مائِهةٌ إذا كثر ماؤها.
ويُقالُ: صُفتُ الدَّواةَ أصُوفُها صَوفَاً: إذا جعلتَ فيها ليقةً من صوف وكَرْسَفْتُها أُكَرسِفُها كرسفةً وكرسافاً إذا جعلتَ فيها لِيقة كُرْسُفٍ وهو القُطنُ.

مَرْوُ الشاهِجَان

Entries on مَرْوُ الشاهِجَان in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
مَرْوُ الشاهِجَان:
هذه مرو العظمى أشهر مدن خراسان وقصبتها، نصّ عليه الحاكم أبو عبد الله في
تاريخ نيسابور مع كونه ألّف كتابه في فضائل نيسابور إلا أنه لم يقدر على دفع فضل هذه المدينة، والنسبة إليها مروزيّ على غير قياس، والثوب مرويّ على القياس، وبين مرو ونيسابور سبعون فرسخا ومنها إلى سرخس ثلاثون فرسخا وإلى بلخ مائة واثنان وعشرون فرسخا اثنان وعشرون منزلا، أما لفظ مرو فقد ذكرنا أنه بالعربية الحجارة البيض التي يقتدح بها إلا أن هذا عربيّ ومرو ما زالت عجمية ثم لم أر بها من هذه الحجارة شيئا البتّة، وأما الشاهجان فهي فارسية معناها نفس السلطان لأن الجان هي النفس أو الروح والشاه هو السلطان، سميت بذلك لجلالتها عندهم، وقد روي عن بريدة بن الحصيب أحد أصحاب النبي، صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال: قال لي رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم:
يا بريدة إنه سيبعث من بعدي بعوث فإذا بعثت فكن في بعث المشرق ثم كن في بعث خراسان ثم كن في بعث أرض يقال لها مرو إذا أتيتها فانزل مدينتها فإنه بناها ذو القرنين وصلّى فيها عزيز، أنهارها تجري بالبركة، على كل نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهلها السوء إلى يوم القيامة، فقدمها بريدة غازيا وأقام بها إلى أن مات وقبره بها إلى الآن معروف عليه راية رأيتها، قال بطليموس في كتاب الملحمة: مدينة مرو الرقة، كذا قال، طولها سبع وستون درجة، وعرضها أربعون درجة، في الإقليم الخامس، طالعها العقرب تحت ثماني عشرة درجة من السرطان، يقابلها مثلها في الجدي، بيت ملكها مثلها من الحمل، بيت عاقبتها مثلها من الميزان، كذا قال بطليموس، وقد تقدم ذكرها عند ذكر الأقاليم أنها في الإقليم الرابع، قال أبو عون إسحاق بن علي في زيجه: مرو في الإقليم الرابع، طولها أربع وثمانون درجة وثلث، وعرضها سبع وثلاثون درجة وخمس وثلاثون دقيقة، وشنّع على أهل خراسان وادّعي عليهم البخل كما زعم ثمامة أن الديك في كل بلد يلفظ ما يأكله من فيه للدجاجة بعد أن حصل إلا ديكة مرو فإنها تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحبّ، وهذا كذب بيّن ظاهر للعيان لا يقدم على مثله إلا الوقّاع البهّات الذي لا يتوقّى الفضوح والعار وما ديكة مرو إلا كالدّيكة في جميع الأرض، قالوا:
ولما ملك طهمورث بنى قهندز مرو وبنى مدينة بابل وبنى مدينة ابرايين بأرض قوم موسى ومدينة بالهند في رأس جبل يقال له أوق، قال: وأمرت حماي بنت أردشير بن إسفنديار لما ملكت ببناء الحائط الذي حول مرو، وقال: إن طهمورث لما بنى قهندز مرو بناه بألف رجل وأقام لهم سوقا فيها الطعام والشراب فكان إذا أمسى الرجل أعطي درهمــا فاشترى به طعامه وجميع ما يحتاج إليه فتعود الألف درهم إلى أصحابه، فلم يخرج له في البناء إلا ألف درهمــ، وقال بعضهم:
مياسير مرو من يجود لضيفه ... بكرش فقد أمسى نظيرا لحاتم
ومن رسّ باب الدار منكم بقرعة ... فقد كملت فيه خصال المكارم
يسمّون بطن الشاة طاووس عرسهم، ... وعند طبيخ اللحم ضرب الجماجم
فلا قدّس الرحمن أرضا وبلدة ... طواويسهم فيها بطون البهائم
وكان المأمون يقول: يستوي الشريف والوضيع من مرو في ثلاثة أشياء: الطّبيخ النارنك والماء البارد لكثرة الثلج بها والقطن اللين، وبمرو الرّزيق، بتقديم الراء على الزاي، والماجان: وهما نهران كبيران حسنان يخترقان شوارعها ومنهما سقي أكثر ضياعها، وقال إبراهيم بن شمّاس الطالقاني: قدمت على عبد الله بن المبارك من سمرقند إلى مرو فأخذ بيدي فطاف بي حول سور مدينة مرو ثم قال لي:
يا إبراهيم من بنى هذه المدينة؟ قلت: لا أدري يا أبا عبد الرحمن، قال: مدينة مثل هذه لا يعرف من بناها! وقد أخرجت مرو من الأعيان وعلماء الدين والأركان ما لم تخرج مدينة مثلهم، منهم:
أحمد بن محمد بن حنبل الإمام وسفيان بن سعيد الثوري، مات وليس له كفن واسمه حيّ إلى يوم القيامة، وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك وغيرهم، وكان السلطان سنجر بن ملك شاه السّلجوقي مع سعة ملكه قد اختارها على سائر بلاده وما زال مقيما بها إلى أن مات وقبره بها في قبّة عظيمة لها شباك إلى الجامع وقبتها زرقاء تظهر من مسيرة يوم، بلغني أن بعض خدمه بناها له بعد موته ووقف عليها وقفا لمن يقرأ القرآن ويكسو الموضع، وتركتها أنا في سنة 616 على أحسن ما يكون، وبمرو جامعان للحنفية والشافعية يجمعهما السور، وأقمت بها ثلاثة أعوام فلم أجد بها عيبا إلا ما يعتري أهلها من العرق المديني فإنهم منه في شدة عظيمة قلّ من ينجو منه في كل عام، ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات لما في أهلها من الرّفد ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة بها، فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف لم أر في الدنيا مثلها كثرة وجودة، منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني أو عتيق بن أبي بكر وكان فقّاعيّا للسلطان سنجر وكان في أول أمره يبيع الفاكهة والريحان بسوق مرو ثم صار شرابيّا له وكان ذا مكانة منه، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكمالية لا أدري إلى من تنسب، وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور في مدرسته، ومات المستوفي هذا في سنة 494، وكان حنفيّ المذهب، وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحاق في مدرسته وخزانتان للسمعانيين وخزانة أخرى في المدرسة العميدية وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها والخزائن الخاتونية في مدرستها والضميرية في خانكاه هناك، وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلّد وأكثر بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها، وأنساني حبها كل بلد وألهاني عن الأهل والولد، وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن، وكثيرا ما كنت أترنّم عند كوني بمرو بقول بعض الأعراب:
أقمريّة الوادي التي خان إلفها ... من الدهر أحداث أتت وخطوب
تعالي أطارحك البكاء فإننا ... كلانا بمرو الشاهجان غريب
ثم أضفت إليها قول أبي الحسين مسعود بن الحسن الدمشقي الحافظ وكان قدم مرو فمات بها في سنة 543:
أخلّاي إن أصبحتم في دياركم ... فإني بمرو الشاهجان غريب
أموت اشتياقا ثم أحيا تذكّرا، ... وبين التراقي والضلوع لهيب
فما عجب موت الغريب صبابة، ... ولكن بقاه في الحياة عجيب
إلى أن خرجت عنها مفارقا وإلى تلك المواطن ملتفتا وامقا فجعلت أترنم بقول بعضهم:
ولما تزايلنا عن الشعب وانثنى ... مشرّق ركب مصعد عن مغرّب
تيقّنت أن لا دار من بعد عالج ... تسرّ، وأن لا خلّة بعد زينب
ويقول الآخر:
ليال بمرو الشاهجان وشملنا ... جميع سقاك الله صوب عهاد
سرقناك من ريب الزمان وصرفه، ... وعين النوى مكحولة برقاد
تنبّه صرف الدهر فاستحدث النوى، ... وصيّرنا شتّى بكل بلاد
ولن تعدم الحسناء ذامّا، فقد قال بعض من قدمها من أهل العراق فحنّ إلى وطنه:
وأرى بمرو الشاهجان تنكّرت ... أرض تتابع ثلجها المذرور
إذ لا ترى ذا بزّة مشهورة ... إلّا تخال بأنه مقرور
كلتا يديه لا تزايل ثوبه ... كلّ الشتاء كأنه مأسور
أسفا على برّ العراق وبحره! ... إنّ الفؤاد بشجوه معذور
وكنّا كتبنا قصيدة مالك بن الريب متفرّقة وأحلنا في كل موضع على ما يليه ولم يبق منها إلا ذكر مرو وبها تتمّ فإنه قال بعد ما ذكر في السّمينة:
ولما تراءت عند مرو منيتي، ... وحلّ بها سقمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي: ارفعوني فإنني ... يقرّ بعيني إن سهيل بدا ليا
فيا صاحبي رحلي دنا الموت فانزلا ... برابية إني مقيم لياليا
أقيما عليّ اليوم أو بعض ليلة، ... ولا تعجلاني قد تبيّن شانيا
وقوما إذا ما استلّ روحي فهيّئا ... لي السدر والأكفان ثمّ ابكيانيا
وخطّا بأطراف الأسنّة مضجعي، ... وردّا على عينيّ فضل ردائيا
ولا تحسداني، بارك الله فيكما، ... من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
خذاني فجرّاني ببردي إليكما، ... فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
وقد كنت عطّافا إذا الخيل أحجمت ... سريعا لدى الهيجا إلى من دعانيا
وقد كنت محمودا لدى الزاد والقرى ... وعن شتم ابن العمّ والجار وانيا
وقد كنت صبّارا على القرن في الوغى، ... ثقيلا على الأعداء عضبا لسانيا
وطورا تراني في رحى مستديرة ... تخرّق أطراف الرماح ثيابيا
وما بعد هذه الأبيات ذكر في الشبيك، وبمرو قبور أربعة من الصحابة، منهم: بريدة بن الحصيب والحكم بن عمرو الغفاري وسليمان بن بريدة في قرية من قراها يقال لها فني ويقال لها فنين وعليه علم، رأيت ذلك كله والآخر نسيته، فأما رستاق مرو فهو أجلّ من المدن وكثيرا ما سمعتهم يقولون رجال مرو من قراها، وقال بعض الظرفاء يهجو
أهل مرو:
لأهل مرو أياد مشهورة ومروّة ... لكنها في نساء صغارهنّ الصّبوّة
يبذلن كل مصون على طريق الفتوّة ... فلا يسافر إليها إلا فتى فيه قوّة
وإليها ينسب عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله أبو بكر القفّال المروزي وحيد زمانه فقها وعلما، رحل إلى الناس وصنف وظهرت بركته وهو أحد أركان مذهب الشافعي وتخرّج به جماعة وانتشر علمه في الآفاق، وكان ابتداء اشتغاله بالفقه على كبر السن، حدثني بعض فقهاء مرو بفنين من قراها أن القفّال الشاشي صنع قفلا ومفتاحا وزنه دانق واحد فأعجب الناس به جدّا وسار ذكره وبلغ خبره إلى القفّال هذا فصنع قفلا مع مفتاحه وزنه طسّوج وأراه الناس فاستحسنوه ولم يشع له ذكر فقال يوما لبعض من يأنس إليه: ألا ترى كلّ شيء يفتقر إلى الحظ؟ عمل الشاشي قفلا وزنه دانق وطنّت به البلاد، وعملت أنا قفلا بمقدار ربعه ما ذكرني أحد! فقال له: إنما الذكر بالعلم لا بالأقفال، فرغب في العلم واشتغل به وقد بلغ من عمره أربعين سنة وجاء إلى شيخ من أهل مرو وعرّفه رغبته فيما رغب فيه فلقّنه أول كتاب المزني، وهو: هذا كتاب اختصرته، فرقي إلى سطحه وكرّر عليه هذه الثلاثة ألفاظ من العشاء إلى أن طلع الفجر فحملته عينه فنام ثم انتبه وقد نسيها فضاق صدره وقال: أيش أقول للشيخ؟
وخرج من بيته فقالت له امرأة من جيرانه: يا أبا بكر لقد أسهرتنا البارحة في قولك هذا كتاب اختصرته، فتلقنها منها وعاد إلى شيخه وأخبره بما كان منه، فقال له: لا يصدّنّك هذا عن الاشتغال فإنك إذا لازمت الحفظ والاشتغال صار لك عادة، فجدّ ولازم الاشتغال حتى كان منه ما كان فعاش ثمانين سنة أربعين جاهلا وأربعين عالما، وقال أبو المظفّر السمعاني: عاش تسعين سنة ومات سنة 417، ورأيت قبره بمرو وزرته، رحمه الله تعالى، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي أحد أئمة الفقهاء الشافعية ومقدّم عصره في الفتوى والتدريس، رحل إلى أبي العباس بن شريح وأقام عنده وحصل الفقه عليه وشرح مختصر المزني شرحين وصنف في أصول الفقه والشروط وانتهت إليه رياسة هذا المذهب بالعراق بعد ابن شريح ثم انتقل في آخر عمره إلى مصر وتوفي بها لسبع خلون من رجب سنة 340 ودفن عند قبر الشافعي، رضي الله عنه.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.