Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: عفر

بُغَيبِغَةُ

Entries on بُغَيبِغَةُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
بُغَيبِغَةُ:
بالضم ثم الفتح، وياء ساكنة، وباء موحدة مكسورة، وغين أخرى، كأنه تصغير البغبغة، وهو ضرب من الهدير، والبغيبغة: البئر القريبة الرشاء، قال الراجز:
يا ربّ ماء لك بالأجبال، ... بغيبغ ينزع بالعقال،
أجبال طيّ الشمّخ الطوال، ... طمى عليه ورق الهدال
وقال ابن الأعرابي: البغيبغ ماء كان قامة أو نحوها، قال محمد بن يزيد في كتاب الكامل: رووا أنّ علي ابن أبي طالب، رضي الله عنه، لما أوصى الى ابنه الحسن في وقف أمواله وأن يجعل فيها ثلاثة من مواليه، وقف فيها عين أبي نيزر والبغيبغة، قال: وهذا غلط لأنّ وقفه هذين الموضعين كان لسنتين من خلافته، قلت أنا: وسنذكر عين أبي نيزر في باب العين من كتابنا هذا ونذكر صورة الكتاب الذي كتب في وقفها، وتحدّث الزبيريون أن معاوية كتب إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة: أما بعد فإن أمير المؤمنين قد أحبّ أن يردّ الألفة ويسلّ السخيمة ويصل الرّحم، فإذا وصل إليك كتابي فاخطب إلى عبد الله بن جــعفر ابنته أم كلثوم على يزيد ابن أمير المؤمنين وارغب له في الصداق، فوجّه مروان إلى عبد الله بن جــعفر فقرأ عليه كتاب معاوية وعرّفه ما في الألفة من إصلاح ذات البين، قال عبد الله:
إنّ خالها الحسين بينبع وليس ممن يفتأت عليه، فأنظرني إلى أن يقدم، وكانت أمّها زينب بنت عليّ ابن أبي طالب، رضي الله عنه، فلما قدم الحسين ذكر له ذلك عبد الله بن جــعفر، فقام من عنده ودخل على الجارية وقال: يا بنية إن ابن عمك القاسم ابن محمد بن جــعفر بن أبي طالب أحقّ بك، ولعلّك ترغبين في كثرة الصداق وقد نحلتك البغيبغات، فلما حضر القوم للاملاك تكلم مروان فذكر معاوية وما قصده من صلة الرحم وجمع الكلمة، فتكلم الحسين وزوّجها من القاسم بن محمد، فقال له مروان:
أغدرا يا حسين؟ فقال: أنت بدأت. خطب أبو محمد الحسن بن علي عائشة بنت عثمان بن عفان فاجتمعنا لذلك فتكلّمت أنت وزوّجتها من عبد الله بن الزبير، فقال مروان: ما كان ذاك، فالتفت الحسين إلى محمد ابن حاطب وقال: أنشدك الله أكان ذاك؟ فقال:
اللهمّ نعم، فلم تزل هذه الضيعة في يدي بني عبد الله بن جــعفر من ناحية أمّ كلثوم يتوارثونها حتى استخلف
المأمون، فذكر ذلك له فقال: كلا هذه وقف عليّ ابن أبي طالب على ولد فاطمة، فانتزعها من أيديهم وعوّضهم عنها وردّها إلى ما كانت عليه.

كَرْخُ البَصْرَة

Entries on كَرْخُ البَصْرَة in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
كَرْخُ البَصْرَة:
حدث أبو علي المحسن: قال القاسم بن علي بن محمد الكرخي وأخوه أبو أحمد وابناه جــعفر ومحمد تقلدوا الدنيا لأن القاسم تقلد كور الأهواز وتقلد مصر والشام وتقلد ديار ربيعة وتقلد ابنه جــعفر كور الأهواز وتقلد فارس وكرمان وتقلد الثغور وأشياء أخر وتقلد أبو جــعفر محمد بن القاسم الجبل وديوان السواد دفعات وقطعة من المشرق كبيرة وتقلد البصرة والأهواز مجموعة ثم تقلد عدة دواوين كبار جليلة بالحضرة ثم تقلد الوزارة للراضي ثم الوزارة للمتقي، وإذا أضيف إليهم من تقلد من وجوه أهلهم وكبارهم لم يخل بلد جليل من أن يكون واحد منهم يقلده، وإنما سموا الكرخيّين لأن أصلهم من ناحية الرستاق الأعلى بالبصرة في عراض المفتح تعرف بالكرخ باقية إلى الآن إلا أنها كالخراب لشدة اختلالها، وقد تقلد البصرة غير واحد منهم وقطعا من الأهواز، تقلد البصرة أبو أحمد أخو القاسم الكرخي وتقلد مصر أيضا وتقلد قطعة من الأهواز في أيام السلطان.. [1] أبو جــعفر الكرخي المعروف بالجرو، وهذا الرجل مشهور بالجلالة فيهم قديما وكان مقيما بالبصرة، قال:
وشاهدته أنا وهو شيخ كبير وقد اختلّت حاله فصار يلي الأعمال الصغار من قبل عمال البصرة، وكان أبو القاسم بن أبي عبد الله البريدي لما ملك البصرة صادره على مال أقرف به وسمّر يديه في حائط وهو قائم على كرسي، فلما سمرت يداه بالمسامير في الحائط نحّي الكرسي من تحته وسلّت أظافيره وضرب لحمه بالقضيب الفارسي ولم يمت ولا زمن، قال: ورأيته أنا بعد ذلك بسنين صحيحا، ولا عيب لهم إلا ما كانوا يرمون به من الغلوّ، فإن القاسم وولديه استفاض عنهم أنهم كانوا مخمّسة يعتقدون أن عليّا وفاطمة والحسن والحسين ومحمدا، صلى الله عليه وسلم، خمسة أشباح أنوار قديمة لم تزل ولا تزال، إلى غير ذلك من أقوال هذه النّخلة، وهي مقالة مشهورة، وكان القاسم ابنه من أسمح من رأينا في الطعام وأشدهم حرصا على المكارم وقضاء الحاجات، وكان لأبي جــعفر محمد بن القاسم على ما بلغني في غير عمل تقلده وخرج إليه [1]- هكذا في الأصل.
ستمائة دابة وبغل ونيف وأربعون طباخا ثم آلت حاله في آخر عمره إلى الفقر الشديد ومات بعد سنة 340 في منزله ببغداد.

مُؤتَةُ

Entries on مُؤتَةُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
مُؤتَةُ:
بالضم ثم واو مهموزة ساكنة، وتاء مثناة من فوقها، وبعضهم لا يهمزه، وأما ثعلب فإنه قال في الفصيح: موتة بمعنى الجنون غير مهموز، وأما البلد الذي قتل به جــعفر بن أبي طالب فإنه مؤتة بالهمزة، قلت: لم أظفر في قول بمعنى مؤتة مهموز فأما غير مهموز فقالوا هو الجنون، وقال النضر: الموتة الذي يصرع من الجنون أو غيره ثم يفيق، وقال اللحياني:
الموتة شبه الغشية، ومؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام، وقيل: موتة من قرى البلقاء في حدود الشام، وقيل: موتة من مشارف الشام وبها كانت تطبع السيوف وإليها تنسب المشرفية من السيوف، قال ابن السكيت في تفسير قول كثيّر:
إذا الناس ساموكم من الأمر خطّة ... لها خطمة فيها السمام المثمّل
أبى الله للشّمّ الأنوف كأنهم ... صوارم يجلوها بمؤتة صيقل
قال المهلبي: مآب وأذرح مدينتا الشراة، على اثني عشر ميلا من أذرح ضيعة تعرف بمؤتة بها قبر جــعفر ابن أبي طالب بعث النبي، صلّى الله عليه وسلّم، إليها جيشا في سنة ثمان وأمّر عليهم زيد بن حارثة مولاه وقال: إن أصيب زيد فجــعفر بن أبي طالب الأمير، وإن أصيب جــعفر فعبد الله بن رواحة، فساروا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها موتة فالتقى الناس عندها فلقيتهم الروم في جمع عظيم فقاتل زيد حتى قتل فأخذ الراية جــعفر فقاتل حتى قتل فأخذ الراية عبد الله بن رواحة فكانت تلك حاله فاجتمع المسلمون إلى خالد بن الوليد فانحاز بهم حتى قدم المدينة فجعل الصبيان يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرّار فررتم في سبيل الله! فقال النبي، صلّى الله عليه وسلّم: ليسوا بالفرّار لكنهم الكرّار إن شاء الله، وقال حسان ابن ثابت:
فلا يبعدنّ الله قتلى تتابعوا ... بموتة منهم ذو الجناحين جــعفر
وزيد وعبد الله هم خير عصبة ... تواصوا واسباب المنية تنظر.

التاجُ

Entries on التاجُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
التاجُ:
اسم لدار مشهورة جليلة المقدار واسعة الأقطار ببغداد من دور الخلافة المعظمة، كان أول من وضع أساسه وسماه بهذه التسمية أمير المؤمنين المعتضد، ولم يتم في أيامه فأتمه ابنه المكتفي، وأنا أذكر هاهنا خبر الدار العزيزة وسبب اختصاصها بهذا الاسم بعد أن كانت دور الخلافة بمدينة المنصور إلى أن أذكر قصة التاج وما يضامّه من الدور المعمورة المعظمة: كان أول ما وضع من الأبنية بهذا المكان قصر جــعفر بن يحيى ابن خالد بن برمك، وكان السبب في ذلك أن جــعفرا كان شديد الشغف بالشرب والغناء والتهتك، فنهاه أبوه يحيى فلم ينته، فقال: إن كنت لا تستطيع الاستتار فاتخذ لنفسك قصرا بالجانب الشرقي واجمع فيه ندماءك وقيانك وقضّ فيه معهم زمانك وابعد عن عين من يكره ذلك منك، فعمد جــعفر فبنى بالجانب الشرقي قصرا موضع دار الخلافة المعظمة اليوم وأتقن بناءه وأنفق عليه الأموال الجمّة، فلما قارب فراغه سار إليه في أصحابه وفيهم مؤنس بن عمران وكان عاقلا، فطاف به واستحسنه وقال كل من حضر في وصفه ومدحه وتقريظه ما أمكنه وتهيّأ له، هذا ومؤنس ساكت، فقال له جــعفر: ما لك ساكت لا تتكلم وتدخل معنا في حديثنا؟ فقال: حسبي ما قالوا، فعلم أن تحت قول مؤنس شيئا فقال: وأنت إذا فنك، فقد أقسمت لتقولن، فقال: أما إذا أبيت إلا أن أقول فيصير علي الحق، قال: نعم واختصر، فقال: أسألك بالله إن مررت الساعة بدار بعض أصحابك وهي خير من دارك هذه ما كنت صانعا؟ قال: حسبك فقد فهمت، فما الرأي؟ قال:
إذا صرت إلى أمير المؤمنين وسألك عن تأخرك فقل سرت إلى القصر الذي بنيته لمولاي المأمون. فأقام جــعفر في القصر بقية ذلك اليوم ثم دخل على الرشيد، فقال له: من أين أقبلت وما الذي أخّرك إلى الآن؟
فقال: كنت في القصر الذي بنيته لمولاي المأمون بالجانب الشرقي على دجلة، فقال له الرشيد: وللمأمون بنيته! قال: نعم يا أمير المؤمنين، لأنه في ليلة ولادته جعل في حجري قبل أن يجعل في حجرك واستخدمني أبي له فدعاني ذلك إلى أن اتخذت له بالجانب الشرقي قصرا لما بلغني من صحة هوائه ليصحّ مزاجه ويقوى ذهنه ويصفو، وقد كتبت إلى النواحي
باتخاذ فرش لهذا الموضع، وقد بقي شيء لم يتهيأ اتخاذه وقد عوّلنا على خزائن أمير المؤمنين، إما عارية أو هبة، قال: بل هبة، وأسفر إليه بوجهه ووقع منه بموقع وقال: أبى الله أن يقال عنك إلا ما هو لك أو يطعن عليك إلا يرفعك، وو الله لا سكنه أحد سواك ولا تمم ما يعوزه من الفرش إلا من خزائننا، وزال من نفس الرشيد ما كان خاطره وظفر بالقصر بطمأنينة، فلم يزل جــعفر يتردّد إليه أيام فرجه ومتنزّهاته إلى أن أوقع بهم الرشيد، وكان إلى ذلك الوقت يسمّى القصر الجــعفري، ثم انتقل إلى المأمون فكان من أحبّ المواضع إليه وأشهاها لديه، واقتطع جملة من البرية عملها ميدانا لركض الخيل واللعب بالصوالجة وحيّزا لجميع الوحوش وفتح له بابا شرقيّا إلى جانب البرية وأجرى فيه نهرا ساقه من نهر المعلّى وابتنى مثله قريبا منه منازل برسم خاصته وأصحابه سميت المأمونية، وهي إلى الآن الشارع الأعظم فيما بين عقدي المصطنع والزّرّادين، وكان قد أسكن فيه الفضل والحسن ابني سهل، ثم توجّه المأمون واليا بخراسان والمقام بها وفي صحبته الفضل والحسن، ثم كان الذي كان من إنفاذ العساكر ومقتل الأمين على يد طاهر بن الحسين ومصير الأمر إلى المأمون، فأنفذ الحسن بن سهل خليفة له على العراق، فوردها في سنة 198، ونزل في القصر المذكور وكان يعرف بالمأموني، وشفع ذلك أن تزوّج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل بمرو بولاية عمها الفضل، فلما قدم المأمون من خراسان في سنة 203 دخل إلى قصور الخلافة بالخلد وبقي الحسن مقيما في القصر المأموني إلى أن عمل على عرس بوران بفم الصّلح، ونقلت إلى بغداد وأنزلت بالقصر، وطلبه الحسن من المأمون فوهبه له وكتبه باسمه وأضاف إليه ما حوله، وغلب عليه اسم الحسن فعرف به مدة، وكان يقال له القصر الحسني. فلما طوت العصور ملك المأمون والقصور وصار الحسن بن سهل من أهل القبور، بقي القصر لابنته بوران إلى أيّام المعتمد على الله، فاستنزلها المعتمد عنه وأمر بتعويضها منه، فاستمهلته ريثما تفرغ من شغلها وتنقل مالها وأهلها، وأخذت في إصلاحه وتجديده ورمّه وأعادت ما دثر منه وفرشته بالفرش المذهبة والنمارق المقصبة وزخرفت أبوابه بالستور وملأت خزائنه بأنواع الطّرف مما يحسن موقعه عند الخلفاء ورتبت في خزائنه ما يحتاج إليه الجواري والخدم الخصيان، ثم انتقلت إلى غيره وراسلت المعتمد باعتماد أمره، فأتاه فرأى ما أعجبه وأرضاه واستحسنه واشتهاه وصار من أحبّ البقاع إليه، وكان يتردّد فيما بينه وبين سرّ من رأى فيقيم هناك تارة وهناك أخرى ثم توفي المعتمد، وهو أبو العباس أحمد بن المتوكل على الله بالقصر الحسني سنة 279، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أيام، وحمل إلى سامرّاء فدفن بها، ثم استولاه المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموفّق الناصر لدين الله أبي أحمد بن المتوكل، فاستضاف إلى القصر الحسني ما جاوره فوسّعه وكبّره وأدار عليه سورا واتخذ حوله منازل كثيرة ودورا واقتطع من البرية قطعة فعملها ميدانا عوضا من الميدان الذي أدخله في العمارة وابتدأ في بناء التاج وجمع الرجال لحفر الأساسات، ثم اتفق خروجه إلى آمد، فلما عاد رأى الدخان يرتفع إلى الدار فكرهه وابتنى على نحو ميلين منه الموضع المعروف بالثّريّا ووصل بناء الثريا بالقصر الحسني، وابتنى تحت القصر آزاجا من القصر إلى الثريا تمشي جواريه فيها وحرمه وسراريه، وما زال باقيا إلى الغرق الأول الذي صار ببغداد فعفا أثره. ثم مات المعتضد بالله في
سنة 289، وتولى ابنه المكتفي بالله فأتمّ عمارة التاج الذي كان المعتضد وضع أساسه بما نقضه من القصر المعروف بالكامل ومن القصر الأبيض الكسروي الذي لم يبق منه الآن بالمدائن سوى الإيوان، وردّ أمر بنائه إلى أبي عبد الله النقري وأمره بنقض ما بقي من قصر كسرى، فكان الآجرّ ينقض من شرف قصر كسرى وحيطانه فيوضع في مسنّاة التاج وهي طاعنة إلى وسط دجلة وفي قرارها، ثم حمل ما كان في أساسات قصر كسرى فبنى به أعالي التاج وشرفاته، فبكى أبو عبد الله النقري وقال: إن فيما نراه لمعتبرا، نقضنا شرفات القصر الأبيض وجعلناها في مسنّاة التاج ونقضنا أساساته فجعلناها شرفات قصر آخر، فسبحان من بيده كل شيء حتى الآجر! وبذيل منه:
كلدت حوله الأبنية والدور، من جملتها قبة الحمار، وإنما سميت بذلك لأنه كان يصعد إليها في مدرج حولها على حمار لطيف، وهي عالية مثل نصف الدائرة. وأما صفة التاج فكان وجهه مبنيّا على خمسة عقود كل عقد على عشرة أساطين خمسة أذرع، ووقعت في أيام المقتفي سنة 549 صاعقة فتأججت فيه وفي القبة وفي دارها التي كانت القبة أحد مرافقها، وبقيت النار تعمل فيه تسعة أيام، ثم أطفئت، وقد صيّرته كالفحمة، وكانت آية عظيمة، ثم أعاد المقتفي بناء القبة على الصورة الأولى ولكن بالجصّ والآجر دون الأساطين الرخام، وأهمل إتمامه حتى مات، وبقي كذلك إلى سنة 574، فتقدم أمير المؤمنين المستضيء بنقضه وإبراز المسناة التي بين يديه إلى أن تحاذى به مسناة التاج فشقّ أساسها ووضع البناء فيه على خطّ مستقيم من مسناة التاج، واستعملت أنقاض التاج مع ما كان أعدّ من الآلات من عمل هذه المسناة ووضع موضع الصحن الذي تجلس فيه الأئمة للمبايعة، وهو الذي يدعى اليوم التاج.

قَنْطَرَةُ البَرَدَان

Entries on قَنْطَرَةُ البَرَدَان in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
قَنْطَرَةُ البَرَدَان:
قد ذكر بردان في موضعه:
وهو محلّة ببغداد بناها رجل يقال له السّريّ بن الحطم صاحب الحطميّة قرية قرب بغداد، وقد نسب إلى هذه المحلة جماعة وافرة من المحدثين، منهم: الحكم بن موسى بن زهير أبو صالح القنطري نسائيّ الأصل، رأى مالك بن أنس وسمع يحيى بن حمزة، روى عنه الأئمة، والعباس بن الحسين أبو الفضل القنطري، سمع يحيى بن آدم وغيره روى عنه البخاري والمعمّري وعبد الله بن أحمد وغيرهم، ومحمد بن جــعفر بن الحارث الخزاز القنطري، حدث عن خالد بن عمرو القرشي، روى عنه أبو بكر بن خزيمة الإمام، وعليّ بن داود أبو الحسن التميمي القنطري، سمع سعيد بن أبي مريم وأبا صالح كاتب الليث وغيرهما، روى عنه إبراهيم الحربي وعبد الله البغوي ويحيى بن صاعد وغيرهم، ومحمد بن عليّ بن يحيى أبو بكر الصباغ القنطري، روى عن أحمد بن منيع البغوي، روى عنه إبراهيم بن أحمد الخرقي، وأحمد بن محمد القنطري، روى عن محمد بن عبيد ابن خشاب، روى عنه غلام الخلّال عبد العزيز بن جــعفر الحنبليّ، ومحمد بن العوّام بن إسماعيل الخباز القنطري، حدث عن منصور بن أبي مزاحم وشريح ابن يونس وغيرهما، روى عنه أبو عبد الله الحكيمي وأحمد بن كامل القاضي وغيرهما، ومحمد بن السري ابن سهل أبو بكر القنطري، سمع محمد بن بكار بن الرّيان وعثمان بن أبي شيبة وغيرهما، روى عنه أحمد ابن جــعفر بن سالم الختّلي ومحمد بن حميد المخرّمي وغيرهما، ومحمد بن داود بن يزيد أبو جــعفر التميمي القنطري أخو عليّ بن داود وهو الأكبر، سمع آدم بن أبي إياس وسعيد بن أبي مريم وغيرهما، روى عنه قاسم المطرّز ويحيى بن صاعد وغيرهما، وبكر بن أيوب بن أحمد بن عبد القادر أبو إسحاق القنطري، روى عن محمد بن حسان الأزرق، روى عنه أبو القاسم بن الثلّاج، وجــعفر بن محمد بن الحسن ابن الوليد بن السكن أبو عبد الله الصفّار القنطري، سمع الحسن بن عرفة، روى عنه أبو القاسم بن الثلاج، وأحمد بن مصعب بن شيرويه أبو منصور القنطري حدث عن سهل بن زنجلة، روى عنه عبد الصمد الطستي، ومحمد بن مسلم بن عبد الرحمن أبو بكر القنطري الزاهد كان يشبّه ببشر بن الحارث، وعثمان ابن سعيد ابن أخي علي بن داود القنطري، حدث عن يحيى بن الحسن القلانسي، روى عنه أبو الحسن علي ابن محمد بن أحمد المصري، ومحمد بن أحمد بن تميم أبو الحسن الخياط القنطري، حدث عن أحمد بن عبيد النرسي وغيره، وموسى بن نصر بن سلّام أبو عمران البزّاز القنطري، حدث عن عبد الله بن عون وغيره، روى عنه محمد بن مخلد ومحمد بن جــعفر المطيري وخيثمة بن سلمان وغيرهم.

بَرَاثا

Entries on بَرَاثا in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
بَرَاثا:
بالثاء المثلثة، والقصر: محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محوّل، وكان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة وقد خرب عن آخره، وكذلك المحلّة لم يبق لها أثر، فأما الجامع فأدركت أنا بقايا من حيطانه وقد خربت في عصرنا واستعملت في الأبنية، وفي سنة 329 فرغ من جامع براثا وأقيمت فيه الخطبة، وكان قبل مسجدا يجتمع فيه قوم من الشيعة يسبون الصحابة فكبسه الراضي
بالله وأخذ من وجده فيه وحبسهم وهدمه حتى سوّى به الأرض، وأنهى الشيعة خبره إلى بجكم الماكاني أمير الأمراء ببغداد فأمر بإعادة بنائه وتوسيعه وإحكامه، وكتب في صدره اسم الراضي، ولم تزل الصلاة تقام فيه إلى بعد الخمسين وأربعمائة ثم تعطلت إلى الآن.
وكانت براثا قبل بناء بغداد قرية يزعمون أن عليّا مرّ بها لما خرج لقتال الحرورية بالنهروان وصلى في موضع من الجامع المذكور، وذكر أنه دخل حماما كان في هذه القرية، وقيل: بل الحمام التي دخلها كانت بالعتيقة محلة ببغداد خربت أيضا، وينسب إلى براثا هذه أبو شعيب البراثي العابد، كان أول من سكن براثا في كوخ يتعبد فيه، فمرت بكوخه جارية من أبناء الكتّاب الكبار وأبناء الدنيا كانت ربّيت في القصور فنظرت إلى أبي شعيب فاستحسنت حاله وما كان عليه فصارت كالأسير له، فجاءت إلى أبي شعيب وقالت: أريد أن أكون لك خادمة، فقال لها: إن أردت ذلك فتعرّي من هيئتك وتجرّدي عما أنت فيه حتى تصلحي لما أردت، فتجردت عن كل ما تملكه ولبست لبسة النّسّاك وحضرته فتزوجها، فلما دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف كانت في مجلس أبي شعيب تقيه من النّدى، فقالت: ما أنا بمقيمة عندك حتى تخرج ما تحتك، لأني سمعتك تقول: إن الأرض تقول يا ابن آدم تجعل بيني وبينك حجابا وأنت غدا في بطني، فرماها أبو شعيب، ومكثت عنده سنين يتعبدان أحسن عبادة، وتوفيا على ذلك، وأبو عبد الله بن أبي جــعفر البراثي الزاهد أستاذ أبي جــعفر الكريني الصوفي، وله خبر مع زوجته يشبه الذي قبله، وهو ما قال حليم بن جــعفر:
كنا نأتي أبا عبد الله بن أبي جــعفر الزاهد، وكان يسكن براثا، وكان له امرأة متعبدة يقال لها جوهرة، وكان أبو عبد الله يجلس على جلّة خوص بحرانية وجوهرة جالسة حذاءه على جلة أخرى مستقبلي القبلة في بيت واحد، قال: فأتيناه يوما وهو جالس على الأرض وليست الجلة تحته، فقلنا: يا أبا عبد الله ما فعلت الجلّة التي كنت تجلس عليها؟ فقال: إن جوهرة أيقظتني البارحة فقالت: أليس يقال في الحديث إن الأرض تقول يا ابن آدم تجعل بيني وبينك سترا وأنت غدا في بطني؟ قال قلت: نعم، قالت: فأخرج هذه الجلال لا حاجة لنا فيها، فقمت والله وأخرجتها.
قلت: وقد ذكر الرجلين والقصتين الحافظ أبو بكر في تاريخه، ومحمد بن خالد بن يزيد بن غزوان أبو عبد الله البراثي والد أبي العباس، كان من أهل الدين والفضل والجلالة والنبل ذا حال من الدنيا حسنة معروفا بالبر واصطناع الخير، وكان صديقا لبشر ابن الحارث الحافي يأنس إليه في أموره ويقبل صلته، قال أبو محمد الزهري: سمعت إبراهيم الحربي يقول: والك يقع على أحد شيء من السماء، ولكن كان لبشر صديق أشار إلى أنه كان يقبل منه الصّلة ونحوها، روى الحديث عن هاشم بن بشير، روى عنه ابنه أبو العباس، وابنه أحمد بن محمد بن خالد أبو العباس البراثي، سمع عليّ بن الجعد وعبد الله بن عون الخرّاز وكامل بن طلحة ويحيى الحمّاني وأحمد بن إبراهيم الموصلي وشريح بن يونس والحسن بن حماد سجّادة وأبا محمد بن خالد وإسمعيل بن عليّ الخطبي ومحمد بن عمر الجعابي وأحمد بن جــعفر بن مسلم، وهو ثقة مأمون، قاله الدارقطني، وقال ابن قانع:
مات في سنة 300 وقيل سنة 302، وجــعفر بن محمد ابن عبد بقية أبو عبد الله المعروف بالبراثي، مروزي الأصل، حدث عن أبي عمر حفص الرّبالي ومحمد ابن الوليد البسري وإسمعيل بن أبي الحارث وزيد
ابن إسمعيل الصائغ وإبراهيم بن صالح الأدمي وإبراهيم ابن هانئ النيسابوري، روى عنه أبو حفص بن شاهين والمعافى بن زكرياء الجريري وأحمد بن منصور النّوشري وعبد الله بن عثمان الصّفّار، وكان ثقة، مات في سلخ جمادى الآخرة سنة 325، قاله ابن قانع. وبراثا أيضا قال أبو بكر الحافظ: قرية من سواد نهر الملك، منها أحمد بن المبارك بن أحمد أبو بكر البراثي، براثا نهر الملك يعرف بأبي الرّجال، سمع بالبصرة من عليّ بن محمد بن موسى التمّار البصري، سمع منه أبو بكر الخطيب وقال: كتبت عنه في قريته وكان صالحا من أهل القرآن كثير التعبّد، ومات سنة 430.

بُسْت

Entries on بُسْت in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
بُسْت:
بالضم: مدينة بين سجستان وغزنين وهراة، وأظنّها من أعمال كابل، فإن قياس ما نجده من أخبارها في الأخبار والفتوح كذا يقتضي، وهي من البلاد الحارة المزاج، وهي كبيرة، ويقال لناحيتها
اليوم: كرم سير، معناه النواحي الحارة المزاج، وهي كثيرة الأنهار والبساتين إلّا أن الخراب فيها ظاهر، وسئل عنها بعض الفضلاء فقال: هي كتثنيتها يعني بستان، وقد خرج منها جماعة من أعيان الفضلاء، منهم: الخطابي أبو سليمان أحمد بن محمد البستي صاحب معالم السنن وغريب الحديث وغير ذلك، وكان من الأئمة الأعيان، ذكرت أخباره وأشعاره في كتاب الأدباء من جمعي فأغنى، وإسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل أبو محمد القاضي البستي، سمع هشام بن عمّار وهشام بن خالد الأزرق وقتيبة بن سعيد وغيرهم، روى عنه أبو جــعفر محمد بن حيّان وأبو حاتم احمد ابن عبد الله بن سهل بن هشام البستيّان وغيرهما، مات سنة 307، وأبو الفتح علي بن محمد ويقال ابن أحمد بن الحسين بن محمد بن عبد العزيز البستي الشاعر الكاتب صاحب التجنيس، سمع أبا حاتم بن حبّان، روى عنه الحاكم أبو عبد الله، مات ببخارى في سنة 400، وقال عمران بن موسى بن محمد بن عمران الطّولقي في أبي الفتح البستي:
إذا قيل: أيّ الأرض في الناس زينة؟ ... أجبنا وقلنا: أبهج الأرض بستها
فلو أنني أدركت يوما عميدها ... لزمت يد البستيّ دهرا، وبستها
وقال كافور بن عبد الله الإخشيدي الخصيّ اللّيثي الصّوري:
ضيّعت أيامي ببست، وهمّتي ... تأبى المقام بها على الخسران
وإذا الفتى في البؤس أنفق عمره، ... فمن الكفيل له بعمر ثان؟
وأبو حاتم محمد بن حبّان بن معاذ بن معبد بن سعيد ابن شهيد التميمي، كذا نسبه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد البخاري المعروف بغنجار، ووافقه غيره إلى معبد، ثم قال: ابن هدبة بن مرة بن سعد ابن يزيد بن مرة بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن أدّ ابن طابخة بن الياس بن مضر الامام العلامة الفاضل المتقن، كان مكثرا من الحديث والرحلة والشيوخ، عالما بالمتون والأسانيد، أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره، ومن تأمّل تصانيفه تأمّل منصف علم أن الرجل كان بحرا في العلوم، سافر ما بين الشاش والإسكندرية، وأدرك الأئمة والعلماء والأسانيد العالية، وأخذ فقه الحديث والفرض على معانيه عن إمام الأئمة أبي بكر ابن خزيمة، ولازمه وتلمذ له، وصارت تصانيفه عدّة لأصحاب الحديث غير أنها عزيزة الوجود، سمع ببلده بست أبا أحمد إسحاق بن ابراهيم القاضي وأبا الحسن محمد بن عبد الله ابن الجنيد البستي، وبهراة أبا بكر محمد بن عثمان بن سعد الدارمي، وبمرو أبا عبد الله وأبا عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن سليمان السعدي وأبا يزيد محمد بن يحيى بن خالد المديني، وبقرية سنج أبا علي الحسين بن محمد بن مصعب السنجي وأبا عبد الله محمد بن نصر بن ترقل الهورقاني، وبالصغد بما وراء النهر أبا حفص عمر بن محمد بن يحيى الهمداني، وبنسإ أبا العباس الحسن بن سفيان الشيباني ومحمد بن عمر بن يوسف ومحمد بن محمود بن عدي النسويّين، وبنيسابور أبا العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم السرّاج الثّقفي وأبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه الأزدي، وبأرغيان أبا عبد الله محمد بن المسيب بن إسحاق الأرغياني، وبجرجان عمران بن موسى بن
مجاشع وأحمد بن محمد بن عبد الكريم الوزّان الجرجانيين، وبالرّيّ أبا القاسم العبّاس بن الفضل بن عاذان المقري وعلي بن الحسن بن مسلم الرّازي، وبالكرج أبا عمارة أحمد بن عمارة بن الحجاج الحافظ والحسين بن إسحاق الأصبهاني، وبعسكر مكرم أبا محمد عبد الله بن أحمد بن موسى الجواليقي المعروف بعبدان الأهوازي، وبتستر أبا جــعفر أحمد بن محمد بن يحيى بن زهير الحافظ، وبالأهواز أبا العباس محمد بن يعقوب الخطيب، وبالأبلّة أبا يعلى محمد بن زهير والحسين بن محمد بن بسطام الأبليّيّن، وبالبصرة أبا خليفة الفضل بن الحباب الجمحي وأبا يحيى زكرياء ابن يحيى الساجي وأبا سعيد عبد الكريم بن عمر الخطّابي، وبواسط أبا محمد جــعفر بن أحمد بن سنان القطّان والخليل بن محمد الواسطي ابن بنت تميم بن المنتصر، وبقم الصّلح عبد الله بن قحطبة بن مرزوق الصّلحي، وبنهر سابس قرية من قرى واسط خلّاد ابن محمد بن خالد الواسطي، وببغداد أبا العباس حامد ابن محمد بن شعيب البلخي وأبا أحمد الهيثم بن خلف الدّوري وأبا القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، وبالكوفة أبا محمد عبد الله بن زيدان البجلي، وبمكة أبا بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الفقيه صاحب كتاب الأشراف في اختلاف الفقهاء، وأبا سعيد المفضل بن محمد بن إبراهيم الجندي، وبسامرّا علي بن سعيد العسكري عسكر سامرّا، وبالموصل أبا يعلى أحمد بن علي بن المثنّى الموصلي وهارون بن المسكين البلدي وأبا جابر زيد بن علي ابن عبد العزيز بن حيّان الموصلي وروح بن عبد المجيب الموصلي، وببلد سنجار علي بن إبراهيم بن الهيثم الموصلي، وبنصيبين أبا السّري هاشم بن يحيى النصيبيني ومسدد بن يعقوب بن إسحاق الفلوسي، وبكفرتوثا من ديار ربيعة محمد بن الحسين بن أبي معشر السّلمي، وبسرغامرطا من ديار مضر أبا بدر أحمد بن خالد بن عبد الملك بن عبد الله بن مسرّح الحرّاني، وبالرافقة محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن فروخ البغدادي، وبالرّقة الحسين بن عبد الله بن يزيد القطّان، وبمنبج عمر بن سعيد بن سنان الحافظ وصالح بن الأصبغ بن عامر التنوخي، وبحلب علي بن أحمد بن عمران الجرجاني، وبالمصيصة أبا طالب أحمد بن داود بن محسن بن هلال المصيصي، وبأنطاكية أبا علي وصيف بن عبد الله الحافظ، وبطرسوس محمد بن يزيد الدّرقي وإبراهيم بن أبي أمية الطرسوسي، وبأذنة محمد بن علان الأذني، وبصيداء محمد بن أبي المعافى بن سليمان الصّيداوي، وببيروت محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي المعروف بمكحول، وبحمص محمد بن عبيد الله بن الفضل الكلاعي الراهب، وبدمشق أبا الحسن أحمد ابن عمير بن جوصاء الحافظ وجــعفر بن أحمد بن عاصم الأنصاري وأبا العباس حاجب بن أركين الفرغاني الحافظ، وبالبيت المقدس عبد الله بن محمد بن مسلم المقدسي الخطيب، وبالرّملة أبا بكر محمد بن الحسن ابن قتيبة العسقلاني، وبمصر أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي وسعيد بن داود بن وردان المصري وعلي بن الحسين بن سليمان المعدّل وجماعة كثيرة من أهل هذه الطبقة سوى من ذكرناهم، روى عنه الحاكم أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الله ابن مندة الأصبهاني وأبو عبد الله محمد بن أحمد الغنجار الحافظ البخاري وأبو علي منصور بن عبد الله بن خالد الذّهلي الهروي وأبو مسلمة محمد بن محمد ابن داود الشافعي وجــعفر بن شعيب بن محمد السمرقندي والحسن بن منصور الأسفيجابي والحسن بن محمد بن سهل الفارسي وأبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن
هارون الزّوزني وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله بن خشنام الشّروطي وجماعة كثيرة لا تحصى.
أخبرنا القاضي الإمام أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري الحرستاني اذنا عن أبي القاسم زاهر بن طاره الشّحّامي عن أبي عثمان سعيد البحتري قال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: أبو حاتم البستي القاضي كان من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال، صنف فخرج له من التصنيف في الحديث ما لم يسبق إليه، وولي القضاء بسمرقند وغيرها من المدن ثم ورد نيسابور سنة 334، وحضرناه يوم جمعة بعد الصلاة فلما سألناه الحديث نظر إلى الناس وأنا أصغرهم سنّا فقال:
استمل، فقلت: نعم، فاستمليت عليه، ثم أقام عندنا وخرج إلى القضاء بنيسابور وغيرها وانصرف إلى وطنه، وكانت الرحلة بخراسان إلى مصنّفاته.
أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي شفاها قال:
أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي اذنا عن أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت كتابة قال: ومن الكتب التي تكثر منافعها إن كانت على قدر ما ترجمها به واضعها مصنّفات أبي حاتم محمد بن حبّان البستي التي ذكرها لي مسعود بن ناصر السّجزي ووقفني على تذكرة بأسمائها، ولم يقدّر لي الوصول إلى النظر فيها لأنها غير موجودة بيننا ولا معروفة عندنا، وأنا أذكر منها ما استحسنته سوى ما عدلت عنه واطرحته: فمن ذلك كتاب الصحابة خمسة أجزاء وكتاب التابعين اثنا عشر جزءا وكتاب اتباع التابعين خمسة عشر جزءا وكتاب اتباع التابعين خمسة عشر جزءا وكتاب تبع الاتباع سبعة عشر جزءا وكتاب تبّاع التبع عشرون جزءا وكتاب الفصل بين النقلة عشرة أجزاء وكتاب علل أوهام أصحاب التواريخ عشرة أجزاء وكتاب علل حديث الزّهري عشرون جزءا وكتاب علل حديث مالك عشرة أجزاء وكتاب علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه عشرة أجزاء وكتاب علل ما استند إليه أبو حنيفة عشرة أجزاء وكتاب ما خالف الثّوريّ شعبة ثلاثة أجزاء وكتاب ما انفرد فيه أهل المدينة من السّنن عشرة أجزاء وكتاب ما انفرد به أهل مكة من السنن عشرة أجزاء وكتاب ما عند شعبة عن قتادة وليس عند سعيد عن قتادة جزآن وكتاب غرائب الأخبار عشرون جزءا وكتاب ما أغرب الكوفيون عن البصريين عشرة أجزاء وكتاب ما أغرب البصريون عن الكوفيين ثمانية أجزاء وكتاب أسامي من يعرف بالكنى ثلاثة أجزاء وكتاب كنى من يعرف بالاسامي ثلاثة أجزاء وكتاب الفصل والوصل عشرة أجزاء وكتاب التمييز بين حديث النضر الحدّاني والنضر الحزّاز جزآن وكتاب الفصل بين حديث أشعث بن مالك وأشعث بن سوار جزآن وكتاب الفصل بين حديث منصور بن المعتمر ومنصور ابن راذان ثلاثة أجزاء وكتاب الفصل بين مكحول الشامي ومكحول الأزدي جزء وكتاب موقوف ما رفع عشرة أجزاء وكتاب آداب الرجالة جزآن وكتاب ما أسند جنادة عن عبادة جزء وكتاب الفصل بين حديث نور بن يزيد ونور بن زيد جزء وكتاب ما جعل عبد الله بن عمر عبيد الله بن عمر جزآن وكتاب ما جعل شيبان سفيان أو سفيان شيبان ثلاثة أجزاء وكتاب مناقب مالك بن أنس جزآن وكتاب مناقب الشافعي جزآن وكتاب المعجم على المدن عشرة أجزاء وكتاب المقلّين من الحجازيين عشرة أجزاء وكتاب المقلّين من العراقيين عشرون جزءا وكتاب الأبواب المتفرّقة ثلاثون جزءا وكتاب الجمع بين الأخبار المتضادّة جزآن وكتاب وصف
المعدل والمعدّل جزآن وكتاب الفصل بين حدثنا وأخبرنا جزء وكتاب وصف العلوم وأنواعها ثلاثون جزءا وكتاب الهداية إلى علم السنن، قصد فيه إظهار الصناعتين اللتين هما صناعة الحديث والفقه، يذكر حديثا ويترجم له ثم يذكر من يتفرّد بذلك الحديث ومن مفاريد أيّ بلد هو ثم يذكر كل اسم في إسناده من الصحابة إلى شيخه بما يعرف من نسبته ومولده وموته وكنيته وقبيلته وفضله وتيقّظه ثم يذكر ما في ذلك الحديث من الفقه والحكمة، فإن عارضه خبر ذكره وجمع بينهما، وإن تضادّ لفظه في خبر آخر تلطّف للجمع بينهما حتى يعلم ما في كل خبر من صناعة الفقه والحديث معا، وهذا من أنبل كتبه وأعزّها، قال أبو بكر الخطيب: سألت مسعود بن ناصر يعني السّجزي فقلت له: أكلّ هذه الكتب موجودة عندكم ومقدور عليها ببلادكم؟ فقال: إنما يوجد منها الشيء اليسير والنزر الحقير، قال: وقد كان أبو حاتم ابن حبان سبّل كتبه ووقفها وجمعها في دار رسمها لها، فكان السبب في ذهابها مع تطاول الزمان ضعف السلطان واستيلاء ذوي العيث والفساد على أهل تلك البلاد، قال الخطيب: ومثل هذه الكتب الجليلة كان يجب أن يكثر بها النسخ فيتنافس فيها أهل العلم ويكتبوها ويجلّدوها إحرازا لها، ولا أحسب المانع من ذلك كان إلا قلّة معرفة أهل تلك البلاد بمحلّ العلم وفضله وزهدهم فيه ورغبتهم عنه وعدم بصيرتهم به، والله أعلم، قال الإمام تاج الإسلام: وحصل عندي من كتبه بالإسناد المتصل سماعا كتاب التقاسيم والأنواع خمسة مجلدات، قرأتها على أبي القاسم الشّحّامي عن أبي الحسن النّخاني عن أبي هارون الزّوزني عنه، وكتاب روضة العقلاء، قرأته على حنبل السّجزي عن أبي محمد النّوني عن أبي عبد الله الشروطي عنه، وحصل عندي من تصانيفه غير مسندة عدّة كتب: مثل كتاب الهداية إلى علم السنن من أوله قدر مجلدين، وله، وهو أشهر من هذه كلّها، كتاب الثقات وكتاب الجرح والتعديل وكتاب شعب الإيمان وكتاب صفة الصلاة، أدرك عليه في كتاب التقاسيم فقال: في أربع ركعات يصلّيها الإنسان ستمائة سنّة عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أخرجناها بفصولها في كتاب صفة الصلاة فأغنى ذلك عن نظمها في هذا النوع من هذا الكتاب، قال أبو سعد: سمعت أبا بكر وجيه بن طاهر الخطيب بقصر الريح سمعت با محمد الحسن بن أحمد السمرقندي سمعت أبا بشر عبد الله بن محمد بن هارون سمعت عبد الله بن محمد الاستراباذي يقول: أبو حاتم بن حبان البستي كان على قضاء سمرقند مدّة طويلة، وكان من فقهاء الدين وحفّاظ الآثار والمشهورين في الأمصار والأقطار، عالما بالطبّ والنجوم وفنون العلم، ألّف كتاب المسند الصحيح والتاريخ والضعفاء والكتب الكثيرة من كلّ فنّ، أخبرتني الحرّة زينب الشعرية اذنا عن زاهر بن طاهر عن أحمد بن الحسين الإمام، سمعت الحافظ أبا عبد الله الحاكم يقول: أبو حاتم بن حبان داره التي هي اليوم مدرسة لأصحابه ومسكن للغرباء الذين يقيمون بها من أهل الحديث والمتفقّهة، ولهم جرايات يستنفقونها داره، وفيها خزانة كتبه في يدي وصيّ سلّمها إليه ليبذلها لمن يريد نسخ شيء منها في الصفة من غير أن يخرجه منها، شكر الله له عنايته في تصنيفها وأحسن مثوبته على جميل نيته في أمرها بفضله ورأفته.
وأخبرني القاضي أبو القاسم الحرستاني في كتابه قال:
أخبرني وجيه بن طاهر الخطيب بقصر الريح اذنا سمعت الحسن بن أحمد الحافظ سمعت أبا بشر
النيسابوري يقول سمعت أبا سعيد الإدريسي يقول سمعت أبا حامد أحمد بن محمد بن سعيد النيسابوري الرجل الصالح بسمرقند يقول: كنّا مع أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في بعض الطريق من نيسابور وكان معنا أبو حاتم البستي، وكان يسأله ويؤذيه، فقال له محمد بن إسحاق بن خزيمة: يا بارد تنحّ عنّي لا تؤذني، أو كلمة نحوها، فكتب أبو حاتم مقالته، فقيل له: تكتب هذا؟ فقال: نعم أكتب كلّ شيء يقوله، أخبرني الخطيب أبو الحسن السديدي مشافهة بمرو قال: أخبرني أبو سعد اذنا أخبرنا أبو عليّ إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي إجازة سمعت والدي سمعت الحاكم أبا عبد الله يقول:
سمعت أبا عليّ الحسين بن عليّ الحافظ وذكر كتاب المجروحين لأبي حاتم البستي فقال: كان لعمر بن سعيد بن سنان المنبجي ابن رحل في طلب الحديث وأدرك هؤلاء الشيوخ وهذا تصنيفه، وأساء القول في أبي حاتم، قال: الحاكم أبو حاتم كبير في العلوم وكان يحسد لفضله وتقدّمه، ونقلت من خطّ صديقنا الإمام الحافظ أبي نصر عبد الرحيم بن النفيس بن هبة الله بن وهبان السّلمي الحديثي، وذكر أنه نقله من خطّ أبي الفضل أحمد بن علي بن عمرو السليماني البيكندي الحافظ من كتاب شيوخه، وكان قد ذكر فيه ألف شيخ في باب الكذّابين، قال: وأبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد البستي قدم علينا من سمرقند سنة 330 أو 329، فقال لي: أبو حاتم سهل ابن السري الحافظ لا تكتب عنه فإنه كذّاب، وقد صنف لأبي الطيب المصعبي كتابا في القرامطة حتى قلّده قضاء سمرقند، فلما أخبر أهل سمرقند بذلك أرادوا أن يقتلوه فهرب ودخل بخارى وأقام دلّالا في البزّازين حتى اشترى له ثيابا بخمسة آلاف درهم إلى شهرين، وهرب في الليل وذهب بأموال الناس، قال: وسمعت السليماني الحافظ بنيسابور قال لي:
كتبت عن أبي حاتم البستي؟ فقلت: نعم، فقال.
إياك أن تروي عنه فإنه جاءني فكتب مصنّفاتي وروى عن مشايخي ثم إنه خرج إلى سجستان بكتابه في القرامطة إلى ابن بابو حتى قبله وقلّده أعمال سجستان فمات به، قال السليماني: فرأيت وجهه وجه الكذّابين وكلامه كلام الكذابين، وكان يقول:
يا بني اكتب: أبو حاتم محمد بن حبان البستي إمام الائمة، حتى كتبت بين يديه ثم محوته، قال أبو يعقوب إسحاق بن أبي إسحاق القرّاب: سمعت أحمد ابن محمد بن صالح السجستاني يقول: توفي أبو حاتم محمد بن أحمد بن حبان سنة 354، وعن شيخنا أبي القاسم الحرستاني عن أبي القاسم الشّحّامي عن أبي عثمان سعيد بن محمد البحتري، سمعت محمد بن عبد الله الضّبّيّ يقول: توفي أبو حاتم البستي ليلة الجمعة لثماني ليال بقين من شوّال سنة 354، ودفن بعد صلاة الجمعة في الصّفّة التي ابتناها بمدينة بست بقرب داره، وذكر أبو عبد الله الغنجار الحافظ في تاريخ بخارى أنه مات بسجستان سنة 354، وقبره ببست معروف يزار إلى الآن، فإن لم يكن نقل من سجستان إليها بعد الموت وإلّا فالصواب أنه مات ببست.

الرَّيّ

Entries on الرَّيّ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
الرَّيّ:
بفتح أوّله، وتشديد ثانيه، فإن كان عربيّا فأصله من رويت على الراوية أروي ريّا فأنا راو إذا شددت عليها الرّواء، قال أبو منصور:
أنشدني أعرابي وهو يعاكمني:
ريّا تميميّا على المزايد
وحكى الجوهري: رويت من الماء، بالكسر، أروى ريّا وريّا وروى مثل رضى: وهي مدينة مشهورة من أمّهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الفواكه والخيرات، وهي محطّ الحاجّ على طريق السابلة وقصبة بلاد الجبال، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخا ومن قزوين إلى أبهر اثنا عشر فرسخا ومن أبهر إلى زنجان خمسة عشر فرسخا، قال بطليموس في كتاب الملحمة: مدينة الريّ طولها خمس وثمانون درجة، وعرضها سبع وثلاثون درجة وست وثلاثون دقيقة، وارتفاعها سبع وسبعون تحت ثماني عشرة درجة من السرطان خارجة من الإقليم الرابع داخلة في الإقليم الخامس، يقابلها مثلها من الجدي في قسمة النسر الطائر ولها شركة في الشعرى والغميصاء رأس الغول من قسمة سعد بلع، ووجدت في بعض تواريخ الفرس أن كيكاوس كان قد عمل عجلة وركّب عليها آلات ليصعد إلى السماء فسخر الله الريح حتى علت به إلى السحاب ثمّ ألقته فوقع في بحر جرجان، فلمّا قام كيخسرو بن سياوش بالملك حمل تلك العجلة وساقها ليقدم بها إلى بابل، فلمّا وصل إلى موضع الريّ قال الناس: بريّ آمد كيخسرو، واسم العجلة بالفارسيّة ريّ، وأمر بعمارة مدينة هناك فسميت الريّ بذلك، قال العمراني: الرّي بلد بناه فيروز ابن يزدجرد وسمّاه رام فيروز، ثمّ ذكر الرّي المشهورة بعدها وجعلهما بلدتين، ولا أعرف الأخرى، فأمّا الرّي المشهورة فإنّي رأيتها، وهي مدينة عجيبة الحسن مبنية بالآجر المنمق المحكم الملمع بالزرقة
مدهون كما تدهن الغضائر في فضاء من الأرض، وإلى جانبها جبل مشرف عليها أقرع لا ينبت فيه شيء، وكانت مدينة عظيمة خرب أكثرها، واتفق أنّني اجتزت في خرابها في سنة 617 وأنا منهزم من التتر فرأيت حيطان خرابها قائمة ومنابرها باقية وتزاويق الحيطان بحالها لقرب عهدها بالخراب إلّا أنّها خاوية على عروشها، فسألت رجلا من عقلائها عن السبب في ذلك فقال: أمّا السبب فضعيف ولكن الله إذا أراد أمرا بلغه، كان أهل المدينة ثلاث طوائف: شافعية وهم الأقل، وحنفية وهم الأكثر، وشيعة وهم السواد الأعظم، لأن أهل البلد كان نصفهم شيعة وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلّا شيعة وقليل من الحنفيين ولم يكن فيهم من الشافعيّة أحد، فوقعت العصبيّة بين السنّة والشيعة فتضافر عليهم الحنفية والشافعيّة وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف، فلمّا أفنوهم وقعت العصبيّة بين الحنفية والشافعيّة ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها للشافعيّة هذا مع قلّة عدد الشافعيّة إلّا أن الله نصرهم عليهم، وكان أهل الرستاق، وهم حنفية، يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم فلم يغنهم ذلك شيئا حتى أفنوهم، فهذه المحالّ الخراب التي ترى هي محالّ الشيعة والحنفية، وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية وهي أصغر محالّ الرّيّ ولم يبق من الشيعة والحنفية إلّا من يخفي مذهبه، ووجدت دورهم كلها مبنية تحت الأرض ودروبهم التي يسلك بها إلى دورهم على غاية الظلمة وصعوبة المسلك، فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات ولولا ذلك لما بقي فيها أحد، وقال الشاعر يهجو أهلها:
الرّيّ دار فارغه ... لها ظلال سابغة
على تيوس ما لهم ... في المكرمات بازغه
لا ينفق الشّعر بها ... ولو أتاها النّابغه
وقال إسماعيل الشاشي يذمّ أهل الرّيّ:
تنكّب حدّة الأحد ... ولا تركن إلى أحد
فما بالرّيّ من أحد ... يؤهل لاسم الأحد
وقد حكى الاصطخري أنّها كانت أكبر من أصبهان لأنّه قال: وليس بالجبال بعد الريّ أكبر من أصبهان، ثمّ قال: والرّيّ مدينة ليس بعد بغداد في المشرق أعمر منها وإن كانت نيسابور أكبر عوصة منها، وأمّا اشتباك البناء واليسار والخصب والعمارة فهي أعمر، وهي مدينة مقدارها فرسخ ونصف في مثله، والغالب على بنائها الخشب والطين، قال: وللرّيّ قرى كبار كلّ واحدة أكبر من مدينة، وعدّد منها قوهذ والسّدّ ومرجبى وغير ذلك من القرى التي بلغني أنها تخرج من أهلها ما يزيد على عشرة آلاف رجل، قال: ومن رساتيقها المشهورة قصران الداخل والخارج وبهزان والسن وبشاويه ودنباوند، وقال ابن الكلبي: سميت الريّ بريّ رجل من بني شيلان ابن أصبهان بن فلوج، قال: وكان في المدينة بستان فخرجت بنت ريّ يوما إليه فإذا هي بدرّاجة تأكل تينا، فقالت: بور انجير يعني أن الدّرّاجة تأكل تينا، فاسم المدينة في القديم بورانجير ويغيره أهل الرّيّ فيقولون بهورند، وقال لوط بن يحيى:
كتب عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، إلى عمار بن ياسر وهو عامله على الكوفة بعد شهرين من فتح
نهاوند يأمره أن يبعث عروة بن زيد الخيل الطائي إلى الرّيّ ودستبى في ثمانية آلاف، ففعل وسار عروة لذلك فجمعت له الديلم وأمدوا أهل الرّيّ وقاتلوه فأظهره الله عليهم فقتلهم واستباحهم، وذلك في سنة 20 وقيل في سنة 19، وقال أبو نجيد وكان مع المسلمين في هذه الوقائع:
دعانا إلى جرجان والرّيّ دونها ... سواد فأرضت من بها من عشائر
رضينا بريف الرّيّ والرّيّ بلدة ... لها زينة في عيشها المتواتر
لها نشز في كلّ آخر ليلة ... تذكّر أعراس الملوك الأكابر
قال جــعفر بن محمد الرازي: لما قدم المهديّ الرّيّ في خلافة المنصور بنى مدينة الرّيّ التي بها الناس اليوم وجعل حولها خندقا وبنى فيها مسجدا جامعا، وجرى ذلك على يد عمار بن أبي الخصيب، وكتب اسمه على حائطها، وتمّ عملها سنة 158، وجعل لها فصيلا يطيف به فارقين آجر، والفارقين: الخندق، وسمّاها المحمديّة، فأهل الرّيّ يدعون المدينة الداخلة المدينة ويسمون الفصيل المدينة الخارجة والحصن المعروف بالزينبدى في داخل المدينة المعروفة بالمحمدية، وقد كان المهدي أمر بمرمّته ونزله أيّام مقامه بالرّيّ، وهو مطلّ على المسجد الجامع ودار الإمارة، ويقال: الذي تولّى مرمّته وإصلاحه ميسرة التغلبي أحد وجوه قواد المهدي، ثمّ جعل بعد ذلك سجنا ثمّ خرب فعمره رافع بن هرثمة في سنة 278 ثمّ خرّبه أهل الرّيّ بعد خروج رافع عنها، قال:
وكانت الرّيّ تدعى في الجاهليّة أزارى فيقال إنّه خسف بها، وهي على اثني عشر فرسخا من موضع الرّيّ اليوم على طريق الخوار بين المحمدية وهاشمية الرّيّ، وفيها أبنية قائمة تدل على أنّها كانت مدينة عظيمة، وهناك أيضا خراب في رستاق من رساتيق الرّيّ يقال له البهزان، بينه وبين الرّيّ ستة فراسخ يقال إن الرّيّ كانت هناك، والناس يمضون إلى هناك فيجدون قطع الذهب وربّما وجدوا لؤلؤا وفصوص ياقوت وغير ذلك من هذا النوع، وبالرّيّ قلعة الفرّخان، تذكر في موضعها، ولم تزل قطيعة الرّيّ اثني عشر ألف ألف درهم حتى اجتاز بها المأمون عند منصرفه من خراسان يريد مدينة السلام فلقيه أهلها وشكوا إليه أمرهم وغلظ قطيعتهم فأسقط عنهم منها ألفي ألف درهم وأسجل بذلك لأهلها، وحكى ابن الفقيه عن بعض العلماء قال: في التوراة مكتوب الرّيّ باب من أبواب الأرض وإليها متجر الخلق، وقال الأصمعي: الرّيّ عروس الدنيا وإليه متجر الناس، وهو أحد بلدان الأرض، وكان عبيد الله ابن زياد قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقاص ولاية الرّيّ إن خرج على الجيش الذي توجّه لقتال الحسين ابن عليّ، رضي الله عنه، فأقبل يميل بين الخروج وولاية الرّيّ والقعود، وقال:
أأترك ملك الرّيّ والرّيّ رغبة، ... أم ارجع مذموما بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب وملك الرّيّ قرّة عين
فغلبه حبّ الدنيا والرياسة حتى خرج فكان من قتل الحسين، رضي الله عنه، ما كان. وروي عن جــعفر الصادق، رضي الله عنه، أنّه قال: الرّيّ وقزوين وساوة ملعونات مشؤومات، وقال إسحاق بن سليمان: ما رأيت بلدا أرفع للخسيس من الرّيّ،
وفي أخبارهم: الريّ ملعونة وتربتها تربة ملعونة ديلمية وهي على بحر عجاج تأبى أن تقبل الحق، والرّيّ سبعة عشر رستاقا منها دنباوند وويمة وشلمبة، حدث أبو عبد الله بن خالويه عن نفطويه قال: قال رجل من بني ضبّة وقال المدائني:
فرض لأعرابي من جديلة فضرب عليه البعث إلى الري وكانوا في حرب وحصار، فلمّا طال المقام واشتدّ الحصار قال الأعرابي: ما كان أغناني عن هذا! وأنشأ يقول:
لعمري لجوّ من جواء سويقة ... أسافله ميث وأعلاه أجرع
به الــعفر والظّلمان والعين ترتعي ... وأمّ رئال والظّليم الهجنّع
وأسفع ذو رمحين يضحي كأنّه ... إذا ما علا نشزا، حصان مبرقع
أحبّ إلينا أن نجاور أهلنا ... ويصبح منّا وهو مرأى ومسمع
من الجوسق الملعون بالرّيّ كلّما ... رأيت به داعي المنيّة يلمع
يقولون: صبرا واحتسب! قلت: طالما ... صبرت ولكن لا أرى الصبر ينفع
فليت عطائي كان قسّم بينهم ... وظلّت بي الوجناء بالدّوّ تضبع
كأنّ يديها حين جدّ نجاؤها ... يدا سابح في غمرة يتبوّع
أأجعل نفسي وزن علج كأنّما ... يموت به كلب إذا مات أجمع؟
والجوسق الملعون الذي ذكره ههنا هو قلعة الفرّخان، وحدث أبو المحلّم عوف بن المحلم الشيباني قال: كانت لي وفادة على عبد الله بن طاهر إلى خراسان فصادفته يريد المسير إلى الحجّ فعادلته في العماريّة من مرو إلى الريّ، فلمّا قاربنا الرّيّ سمع عبد الله بن طاهر ورشانا في بعض الأغصان يصيح، فأنشد عبد الله بن طاهر متمثلا بقول أبي كبير الهذلي:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر، ... وغصنك ميّاد، ففيم تنوح؟
أفق لا تنح من غير شيء، فإنّني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطّت غربة دار زينب، ... فها أنا أبكي والفؤاد جريح
ثمّ قال: يا عوف أجز هذا، فقلت في الحال:
أفي كلّ عام غربة ونزوح؟ ... أما للنّوى من ونية فنريح؟
لقد طلّح البين المشتّ ركائبي، ... فهل أرينّ البين وهو طليح؟
وأرّقني بالرّيّ نوح حمامة، ... فنحت وذو الشجو القديم ينوح
على أنّها ناحت ولم تذر دمعة، ... ونحت وأسراب الدّموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما، ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتضحي عصا الأسفار وهي طريح
فإنّ الغنى يدني الفتى من صديقه، ... وعدم الغنى بالمقترين نزوح
فأخرج رأسه من العمارية وقال: يا سائق ألق زمام البعير، فألقاه فوقف ووقف الخارج ثمّ دعا بصاحب
بيت ماله فقال: كم يضمّ ملكنا في هذا الوقت؟
فقال: ستين ألف دينار، فقال: ادفعها إلى عوف، ثمّ قال: يا عوف لقد ألقيت عصا تطوافك فارجع من حيث جئت، قال: فأقبل خاصة عبد الله عليه يلومونه ويقولون أتجيز أيّها الأمير شاعرا في مثل هذا الموضع المنقطع بستين ألف دينار ولم تملك سواها! قال: إليكم عني فإنّي قد استحييت من الكرم أن يسير بي جملي وعوف يقول: عسى جود عبد الله، وفي ملكي شيء لا ينفرد به، ورجع عوف إلى وطنه فسئل عن حاله فقال: رجعت من عند عبد الله بالغنى والراحة من النوى، وقال معن بن زائدة الشيباني:
تمطّى بنيسابور ليلي وربّما ... يرى بجنوب الرّيّ وهو قصير
ليالي إذ كلّ الأحبّة حاضر، ... وما كحضور من تحب سرور
فأصبحت أمّا من أحبّ فنازح ... وأمّا الألى أقليهم فحضور
أراعي نجوم اللّيل حتى كأنّني ... بأيدي عداة سائرين أسير
لعلّ الذي لا يجمع الشمل غيره ... يدير رحى جمع الهوى فتدور
فتسكن أشجان ونلقى أحبّة، ... ويورق غصن للشّباب نضير
ومن أعيان من ينسب إليها أبو بكر محمد بن زكرياء الرازي الحكيم صاحب الكتب المصنفة، مات بالرّيّ بعد منصرفه من بغداد في سنة 311، عن ابن شيراز، ومحمد بن عمر بن هشام أبو بكر الرازي الحافظ المعروف بالقماطري، سمع وروى وجمع، قال أبو بكر الإسماعيلي: حدّثني أبو بكر محمد بن عمير الرازي الحافظ الصدوق بجرجان، وربّما قال الثقة المأمون، سكن مرو ومات بها في سنة نيف وتسعين ومائتين، وعبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبو محمد ابن أبي حاتم الرازي أحد الحفّاظ، صنف الجرح والتعديل فأكثر فائدته، رحل في طلب العلم والحديث فسمع بالعراق ومصر ودمشق، فسمع من يونس بن عبد الأعلى ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والربيع بن سليمان والحسن بن عرفة وأبيه أبي حاتم وأبي زرعة الرازي وعبد الله وصالح ابني أحمد بن حنبل وخلق سواهم، وروى عنه جماعة أخرى كثيرة، وعن أبي عبد الله الحاكم قال: سمعت أبا أحمد محمد بن محمد ابن أحمد بن إسحاق الحاكم الحافظ يقول: كنت بالرّيّ فرأيتهم يوما يقرؤون على محمد بن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل، فلمّا فرغوا قلت لابن عبدويه الورّاق: ما هذه الضحكة؟ أراكم تقرؤون كتاب التاريخ لمحمد بن إسماعيل البخاري عن شيخكم على هذا الوجه وقد نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم! فقال: يا أبا محمد اعلم أن أبا زرعة وأبا حاتم لما حمل إليهما هذا الكتاب قالا هذا علم حسن لا يستغنى عنه ولا يحسن بنا أن نذكره عن غيرنا، فأقعدا أبا محمد عبد الرحمن الرازي حتى سألهما عن رجل معه رجل وزادا فيه ونقصا منه، ونسبه عبد الرحمن الرازي، وقال أحمد بن يعقوب الرازي: سمعت عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي يقول: كنت مع أبي في الشام في الرحلة فدخلنا مدينة فرأيت رجلا واقفا على الطريق يلعب بحيّة ويقول: من يهب لي درهما حتى أبلع هذه الحيّة؟ فالتفت إليّ أبي وقال: يا بني احفظ دراهمك فمن أجلها تبلع الحيّات! وقال أبو يعلى الخليل بن عبد الرحمن بن أحمد الحافظ القزويني: أخذ عبد الرحمن بن أبي حاتم علم أبيه وعلم أبي زرعة وصنّف
منه التصانيف المشهورة في الفقه والتواريخ واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار، وكان من الأبدال ولد سنة 240، ومات سنة 327، وقد ذكرته في حنظلة وذكرت من خبره هناك زيادة عمّا ههنا، وإسماعيل بن عليّ بن الحسين بن محمد بن زنجويه أبو سعد الرازي المعروف بالسمّان الحافظ، كان من المكثرين الجوّالين، سمع من نحو أربعة آلاف شيخ، سمع ببغداد أبا طاهر المخلص ومحمد بن بكران بن عمران، روى عنه أبو بكر الخطيب وأبو علي الحداد الأصبهاني وغيرهما، مات في الرابع والعشرين من شعبان سنة 445، وكان معتزليّا، وصنف كتبا كثيرة ولم يتأهّل قط، وكان فيه دين وورع، ومحمد بن عبد الله بن جــعفر بن عبد الله بن الجنيد أبو الحسين الرازي والد تمام بن محمد الرازي الحافظان ويعرف في الرّيّ بأبي الرستاقي، سمع ببلده وغيره وأقام بدمشق وصنف، وكان حافظا ثقة مكثرا، مات سنة 347، وابنه تمام بن محمد الحافظ، ولد بدمشق وسمع بها من أبيه ومن خلق كثير وروى عنه خلق، وقال أبو محمد بن الأكفاني: أنبأنا عبد العزيز الكناني قال: توفي شيخنا وأستاذنا تمام الرازي لثلاث خلون من المحرم سنة 414، وكان ثقة مأمونا حافظا لم أر أحفظ منه لحديث الشاميّين، ذكر أن مولده سنة 303، وقال أبو بكر الحداد: ما لقينا مثله في الحفظ والخبر، وقال أبو علي الأهوازي:
كان عالما بالحديث ومعرفة الرجال ما رأيت مثله في معناه، وأبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم ابن الحكم بن عبد الله الحافظ الرازي، قال الحافظ أبو القاسم: قدم دمشق سنة 347 فسمع بها أبا الحسين محمد بن عبد الله بن جــعفر بن الجنيد الرازي والد تمام، وبنيسابور أبا حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال وأبا الحسن علي بن أحمد الفارسي ببلخ وأبا عبد الله بن مخلد ببغداد وأبا الفوارس أحمد بن محمد بن الحسين الصابوني بمصر وعمر بن إبراهيم بن الحدّاد بتنّيس وأبا عبد الله المحاملي وأبا العباس الأصمّ، وحدث بدمشق في تلك السنة فروى عنه تمام وعبد الرحمن بن عمر بن نصر والقاضيان أبو عبد الله الحسين بن محمد الفلّاكي الزّنجاني وأبو القاسم التنوخي وأبو الفضل محمد بن أحمد بن محمد الجارودي الحافظ وحمزة بن يوسف الخرقاني وأبو محمد إبراهيم بن محمد بن عبد الله الزنجاني الهمداني وعبد الغني بن سعيد والحاكم أبو عبد الله وأبو العلاء عمر بن علي الواسطي وأبو زرعة روح بن محمد الرازي ورضوان بن محمد الدّينوري، وفقد بطريق مكّة سنة 375، وكان أهل الريّ أهل سنّة وجماعة إلى أن تغلب أحمد بن الحسن المارداني عليها فأظهر التشيع وأكرم أهله وقرّبهم فتقرّب إليه الناس بتصنيف الكتب في ذلك فصنف له عبد الرحمن بن أبي حاتم كتابا في فضائل أهل البيت وغيره، وكان ذلك في أيّام المعتمد وتغلبه عليها في سنة 275، وكان قبل ذلك في خدمة كوتكين ابن ساتكين التركي، وتغلب على الرّيّ وأظهر التشيع بها واستمرّ إلى الآن، وكان أحمد بن هارون قد عصى على أحمد بن إسماعيل الساماني بعد أن كان من أعيان قواده وهو الذي قتل محمد بن زيد الراعي فتبعه أحمد بن إسماعيل إلى قزوين فدخل أحمد بن هارون بلاد الديلم وأيس منه أحمد بن إسماعيل فرجع فنزل بظاهر الري ولم يدخلها، فخرج إليه أهلها وسألوه أن يتولّى عليهم ويكاتب الخليفة في ذلك ويخطب ولاية الرّيّ، فامتنع وقال: لا أريدها لأنّها
مشؤومة قتل بسببها الحسين بن علي، رضي الله عنهما، وتربتها ديلمية تأبى قبول الحقّ وطالعها العقرب، وارتحل عائدا إلى خراسان في ذي الحجة سنة 289، ثمّ جاء عهده بولاية الرّيّ من المكتفي وهو بخراسان، فاستعمل على الرّيّ من قبله ابن أخيه أبا صالح منصور بن إسحاق بن أحمد بن أسد فوليها ستّ سنين، وهو الذي صنف له أبو بكر محمد بن زكرياء الرازي الحكيم كتاب المنصوري في الطبّ، وهو الكنّاشة، وكان قدوم منصور إليها في سنة 290، والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب.

شَبَّبَ

Entries on شَبَّبَ in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
شَبَّبَ
: (} الشَّبَابُ: الفَتَاءُ) والحَدَاثَةُ ( {كالشَّبِيبَة. وَقد} شَبَّ) الغُلامُ ( {يَشِبُّ) } شَبَاباً، {وشُبُوباً،} وشَبِيباً،! وأَشَبَّهُ اللهُ، {وأَشَبَّ اللهُ قَرْنَه بمَعْنًى، والأَخِيرُ مَجَازٌ والقَرْنُ زِيَادَةٌ فِي الكَلَامِ.
وَقَالَ مُحَمَّد بنُ حَبيب: زَمَنُ الغُلُومِيَّة سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً مُنْذُ يُولَدُ إِلى أَن يَسْتَكْمِلَها، ثمَّ زَمَنُ} الشَّبَابِيَّة مِنْهَا إِلَى أَنْ يَسْتَكْمِلَ إِحْدَى وخَمْسِينَ سنة، ثمَّ هُوَ شَيُخٌ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.
وَقيل: {الشَّابُّ: البَالِغُ إِلَى أَنْ يُكَملِّ ثَلَاثِين. وَقيل: ابنُ سِتَّ عَشَرَةَ إِلى اثْنَتَيْن وثَلَاثِين، ثُمَّ هُوَ كَهْلٌ. انْتهى.
(و) } الشَّبَاب (جمع {شَابّ) ، قَالُوا: وَلَا نَظِير لَه (} كالشُّبَّان) بالضَّمِّ كفَارِس وفُرْسَان. وَقَالَ سِيبَوَيْه: أُجْرِي مُجْرَى الاسْم نَحْو حاجِر وحُجْرَان. {والشَّبَابُ: اسمٌ للجَمْع. قَالَ:
وَلَقَد غَدَوْتُ بسَابِحٍ مَرِحٍ
وَمَعِي شَبَابٌ كُلُّهمْ أَخْيَلْ
وزَعَم الخَلِيلُ أَنَّه سَمِعَ أَعْرَابِيًّا فَصِيحاً يَقُولُ: إِذَا بَلَغ الرجلُ سِتِّين فإِيّاه وإِيَّا} الشَّوَابِّ. وَمن جُموُعه {شَبَبَةٌ ككَتَبَةٍ. تَقُولُ: مررْتُ بِرِجَالٍ شَبَبَة أَي} شُبَّان. وَفِي حَدِيث بَدْرٍ: (لَمَّا بَرَزَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ والوَلِيدُ بَر إِلَيْهِم شَبَبَةٌ من الأَنْصَارِ) أَي شُبَّانٌ وَاحِدُهم شَابٌّ. . وَفِي حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: (كُنْتُ أَنَا وابْنُ الزُّبَيْرِ فِي شَبَبَة مَعَنَا) .
(و) الشَّبَابُ {والشَّبِيبَةْ: (أَوَّلُ الشيءِ) . يُقَال: فعَلَ ذَلِكَ فِي} شَبِيبَتِه. وسَقَى اللهُ عَصْرَ {الشَّبِيبَة وعُصُورَ} الشَّبَائِبِ. ومِنَ المَجَاز: لَقِيتُ فُلَاناً فِي شابِ النَّهَار، وقَدِم فِي شَبَاب الشَّهْر، أَي فِي أَوَّلِه. جِئتُك فِي شَبَابِ النَّهَارِ وبِشَبَاب نَهَارٍ، عَنِ اللِّحْيَانِيّ. أَي أَوَّلِهِ.
(و) الشِّبَابُ بالكَسْرِ: مَا {شُبَّ بِهِ أَي أُوقِد،} كالشَّبُوبِ) بالفَتْح.
قَالَ الجَوْهَرِيُّ: {الشَّبُوب (بِالْفَتْح) : مَا يُوقَدُ بِهِ النَّارُ (و) شَبَّ النَّارَ والحَرْبَ: أَوقدها} يَشُبُّها {شَبًّا} وشُبُوباً. {وشَبَبْتُها.} وَشَبَّةُ النَّارِ: اشْتِعَالها. ومِنَ المَجَازِ والكِنَايَة شَبَّتِ الحَرْبُ بَيْنَهُم، وتَقُولُ عِنْدَ إِحْيَاءِ النَّارِ:
{تشَبَّبى} تَشَبُّبَ النَّمِيمَه
جَاءَتْ بهَا تَمْراً إِلَى تَمِيمَه
وَهُوَ كَقَوْلهم: أَوْقَدَ بِالنَمِيمَة نَاراً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: حُكِي عَنْ أَبِي عَمرو بْنِ العَلَاءِ أَنَّه قَالَ: ( {شُبَّت النارُ} وشَبَّتُ) هِي نَفْسُها ( {شَبًّا} وشُبُوباً، لَازِمٌ) و (مُتَعَدَ) . والمَصْدَرُ الأَوَّل للمُتعَدِّي والثَّانِي لِلَّازِم. قَالَ: (وَلَا يُقَالُ {شَابَّة بَلْ مَشْبُوبَة) .
(و) شَبَّ (الفَرَسُ} يَشِبُّ) بالكَسْرِ ( {ويَشُبُّ) بالضَّمِّ (} شِبَاباً {وشَبِيباً} وشُبُوباً) بِالضَّمِّ: (رَفَعَ يَدَيْهِ) جَمِيعًا كأَنَّها تَنْزُو نَزَوَانا، ولَعِبَ وقَمَّصَ، وكَذَلك إِذا حَرَن. تَقول: بَرِئْتُ إِلَيْك مِنْ {شِبَابه} وشَبِيبِه وعِضَاضِه وعَضِيضه قَالَ ذُو الرُّمَّة:
بِذِي لَجَبٍ تُعَارِضُهُ بُرُوقٌ
{شُبُوبَ البُلْق تَشْتَعَلُ اشْتِعَالا
بِذِي لجب يَعْنِي الرَّعْد، أَي كَمَا تَشِبُّ الخَيْلُ فيَسْتَبِينُ بَيَاضُ بَطْنِهَا.
(و) من الْمجَاز: شَبَّ (الخِمَارُ والشَّعَرُ لونَها) أَي (زَادَا فِي حُسْنِها و) بَصِيصِها و (أَظْهَرَا جَمَالَهَا) . وَيُقَال: شَبَّ لونَ المَرأَة خَمَارٌ أَسْوَدُ لَبِسَتْه أَي زَادَ فِي بياضِها ولَوْنِهَا فحَسَّنَها لأَن الضِّدَّ يَزِيدُ فِي ضِدِّه ويُبْدِي مَا خَفِي مِنْه، ولِذلِك قَالُوا:
وبِضِدهَا تَتَمَيَّز الأَشْيَاءُ
وَقَالَ رَجُلٌ جَاهِلِيٌّ مِنْ طَيِّء:
مُعْلَنْكِسٌ شَبَّ لَهَا لَوْنَها
كَمَا يَشُبُّ البَدْرَ لَوْنُ الظَّلَام
يقُول: كَمَا يَظْهَرُ لَوْنُ البَدْرِ فِي اللَّيْلَةِ المُظْلِمَة.
(و) مِنَ المَجَازِ: (} أَشَبَّ) الرجل بَنِينَ إِذَا (شَبَّ وَلَدُه) . ويُقَالُ: {أَشَبَّتْ فُلانَةُ أَوْلادَاً إِذا شَبَّ لَهَ أَوْلَادٌ.
(و) مِنَ المَجَازِ: (} الشَّبُوبُ) بالفتْح (المُحَسِّن للشَّيْءِ) . يُقَالُ: هَذَا! شَبُوبٌ لِهذَا أَي يَزِيدُ فِيهِ ويُحَسِّنُه. وَفِي الحَدِيث (أَنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وسَلَّم ائْتَزَرَ بِبُرْدَةٍ سَوْدَاءَ، فعل سَوادُهَا يَشَبُّ بياضَه، وجَعَلَ بياضُه يَشُبُّ سَوَادَهَا) . قَالَ شَمر: يَشُبّ أَيْ يَزْهَاه ويُحَسِّنُه ويُوقِدُه.
وَفِي رِوَايَة أَنَّه لَبِسَ مِدْرَعَةً سَوْدَاءَ، فَقَالَت عَائِشَةُ: مَا أَحْسَنَهَا عَلَيْكَ، يَشُبُّ سَوَادُهَا بَيَاضَك، وبَيَاضُك سَوَادَهَا) أَي تُحَسِّنُه ويُحَسِّنُها.
وَفِي حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ (إِنَّه يَشُبُّ الوَجْهَ) أَي يُلوِّنه ويُحَسِّنُه، أَي الصَّبِر.
وَفِي حَدِيثِ عُمَر رَضِي الله عَنْه فِي الجَوَاهِر الَّتي جَاءَتْه مِنْ فَتْح نَهَاوَنْد: (يَشّبّ بَعْضُهَا بَعْضاً) .
(و) {الشَّبُوبُ: (الفرسُ تَجُوز رِجلاه يدَيْه) ، وَهُوَ عَيْبٌ. وَقَالَ ثَعْلَب: هُوَ} الشَّبِيبُ.
(و) الشَّبُوبُ: (مَا تُوقَدُ بِهِ النَّارُ) وَقد تَقَدَّم هَذَا، فَهُوَ تكْرَار.
(والشَّابُّ من الثِّيرَانِ والغَنَم) {كالمِشَبِّ. قَالَ الشَّاعِرُ:
بمَوْرِكَتَيْن من صَلَوَيْ مِشَبَ
مِنَ الثِّيرَانِ عَقْدُهُمَا جَمِيلُ
(أَو) الشَّابُّ: (المُسِنّ، كالشَّبَبِ) مُحَرَّكَةً. عِبَارَة الجوهريّ:} الشَّبَبُ: المُسِنُّ من ثيرانِ الوَحشِ الَّذي انْتَهى أَسْنَانُه. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الشَّبَبُ: الثَّورُ الَّذِي انْتَهَى شَبَاباً، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي انْتَهى تَمَامُه وَذَكَاؤُه مِنْهَا، وكَذَلك الشَّبُوبُ، الأُنْثَى شَبُوبُ أَيْضاً (والمِشَبُّ) بالكَسْرِ رُبمَا قَالُوا بِه. وقَال أَبُو عَمْرو: القَرْهَبُ: المُسِنُّ مِن الثِّيرَان، والشَّبُوبُ: الشَّابُّ. قَالَ أَبُو حَاتم وَابْن شُمَيْلٍ: إِذَا أَحَالَ وفُصِلَ فَهُوَ دَبَبٌ، والأُنْثَى دَبَبَةٌ، ثمَّ شَبَبٌ والأُنْثَى شَبَبَةٌ.
( {والشَّبُّ: الإِيقَادُ كالشُّبُوب) بالضَّمّ شَبَّ النَّارَ والحَرْبَ. وقَدْ تَقَدَّم.
(و) } الشَّبُّ: (ارتفَاعُ كُلِّ شَيْءٍ) . يُقَالُ: شَبَّ، إِذا رَفَعَ، وشَبَّ، إِذا أَلْهَبَ، حَكَاه أَبُو عَمْرو.
(و) الشَّبُّ: (حجَارَةٌ) يُتَّخَذ مِنْهَا (الزَّاجُ) وَمَا أَشْبَهَه. وأجوَدُه مَا جُلِبَ مِنَ اليَمَن؛ وَهُوَ شَبٌّ أَبْيَضُ لَهُ بَصِيصٌ شَدِيدٌ. قَالَ:
أَلَا لَيْتَ عَمِّي يَوْمَ فُرِّقَ بَيْنَنَا
سُقَى السَّمّ ممْزُوجاً بِشَبِّ يَمَانِي
ويروى {بِشَبَ يَمَانِي.
(و) الشَّبُّ: (دَوَاءٌ م) . ويُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخ دَاءٌ مَعْرُوفٌ وَهُو خَطَأٌ. (وَفِي حدِيث أَسْمَاءَ أَنَّها دَعَتْ بِمِرْكَن وشَبَ يَمَانٍ) . الشَّبُّ: حَجَر مَعْرُوفٌ يُشْبِه الزَّاجَ يُدْبَغُ بِه الجُلُودُ.
(و) شَبٌّ: (ع باليَمَن) وَهُوَ شَقٌّ فِي أَعْلَى جَبَل جُهَيْنَة بهَا، قَالَه الصَّاغَانِيُّ.
(ومحمدُ بنُ هِلَالِ بْنِ بِلَالٍ) ثِقَةٌ عَنْ أَبِي قُمَامَة جَبَلَة بْن مُحَمَّد أَوْرَدَه عَبْد الغَنِيّ. (وأَحْمَدُ بن القَاسِم) عَن الحَارِثِ بْنِ أَبِي سامة وعَنْه المُعَافى بْنِ زَكَرِيَّا الجَرِيرِيّ. (والحَسَنُ بْنُ) مُحَمَّده بْنِ (أَبِي ذَرَ البَصْرِيّ عَن مسبح بن حاتِم (} الشُّبِّيُّون: مُحَدِّثُونَ) .
(و) حَكَى ابنُ الأَعْرَابِيّ: رَجُلٌ شَبٌّ و (امرأَة شَبَّةٌ) أَي (شَابَّةٌ) .
(و) من الْمجَاز: ( {أشِبّ) لي الرجلُ} إِشْبَاباً، إِذَا رَفَعْتَ طَرْفَك فَرَأَيْتَهُ من غَيْر أَنْ تَرْجُوَه أَو تَحْتَسِبَ. قَالَه أَبو زَيْد. وَقَالَ المَيْدَانيّ: أَصْلُه مِنْ شَبَّ الغُلَامُ إِذَا تَرَعْرَع. قَالَ الهُذَلِيُّ:
حَتْى أُشِبَّ لَهَا رَامٍ بمُحْدَلَةٍ
نَبْعٍ وَبِيضٍ نَوَاحِيهِنّ كالسَّجَم
مِنَ المَجَازِ أَيْضاً: أُشِبَّ لِي كَذَا (أُتِيح) لي ( {كشُبّ بالضَّمِّ) أَي عَلَى مَا لَمْ يسَمَّ فَاعِلُه (فِيهما) أَي فِي المَعْنَيَيْن.
(و) فِي المَثَل: (أَعْيَيتنِي (من} شُبَّ إِلَى دُبَّ) بضَمِّهما ويُنَوَّنَان، أَيْ مِنْ أَنْ! شَبَبْتُ إِلَى أَنْ دَبَبْتُ عَلَى العَصَا. يَجْعَل ذَلِك بمَنْزِلَةِ الاسْمِ بإِدْخَال مِنْ عَلَيْهِ وإِنْ كَانَ فِي الأَصْل فِعْلاً. يُقَالُ ذلِكَ للرَّجُل والمَرْأَة كَمَا قِيل: نَهَى النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم عَن قِيلَ وقَالَ. ومَا زَال على خُلُق وَاحِدٍ من شُبَ إِلَى دُبَ. قَالَ:
قَاَتْ لَهَا أُخْتٌ لَهَا نَصَحت
رُدِّي فُؤَادَ الهائِم الصَّبِّ
قَالَتْ ولِمْ قَالَتْ أَذَاكَ وَقَدْ
علِّقْتُكُم شُبًّا إِلَى دُبِّ
وَقد تَقَدَّم مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ (فِي د ب ب) .
(و) مِنَ المَجَازِ: ( {التَّشْبِيبُ) وهُوَ فِي الأَصْل ذكْرُ أَيَّام الشَّبابِ واللَّهْوِ والغَزَل وَيَكُونُ فِي ابتداءِ القَصَائد، سُمِّي ابتداؤُها مُطْلَقاً وإِن لَمْ يَكُن فِيه ذكرُ الشَّبَاب.
وَفِي لِسَان الْعَرَب:} تَشْبِيبُ الشِّعْر: تَرْقِيقُ أَوله بِذكْر النِّسَاءِ: وَهُوَ من تَشْبِيبِ النَّار وتَأْرِيثِهَا. {وشَبَّبَ بالمَرأَة: قَالَ فِيهَا الغَزَلَ والنَّسِيبَ.} وَيتَشَبَّبُ بِهَا: يَنْسُبُ بِهَا.
{والتشْبِيبُ: (النَّسِيبُ بالنِّسَاء) أَي بِذِكْرِهِنِ. وَفِي حَدِيثِ عبْدِ الرَّحْمَن بْنِ أَبِي بَكْر (أَنَّه كَانَ} يُشَبَّبُ بِلَيْلَى بِنْتِ الجُودِيِّ فِي شِعْرِهِ) .
وَفِي الأَسَاسِ فِي بَابِ المَجَازِ: قَصِيدَةٌ حَسَنَةُ الشَّبَابِ أَي التَّشْبِيب. وَكَانَ جريرٌ أَرَقَّ النَّاس {شَبَاباً. قَالَ الأَخْفَش: الشَّبَابُ: قَطِيعَةٌ لجَرِير دونَ الشُّعَرَاء.} وشَبَّب قصيدتَه بِفُلَانَةَ، انْتَهى. وَفِي حَدِيث أُمِّ مَعْبد: (فَلَمَّا سَمِع حَسّان شِعْرَ الهَاتِف {شَبَّبَ يُجَاوِبه) أَي ابتدأَ فِي جَوَابِه، من تَشْبِيبِ الكُتُب، وَهُو الابْتِدَاء بهَا والأَخْذُ فِيهَا، ولَيْسَ من تَشْبِيبٍ بالنِّسَاءِ فِي الشّعْرِ.
(} والشِّبَابُ بِالْكَسْرِ: النَّشَاط) أَي نَشَاطُ الفَرَسِ (ورَفْعُ اليَدَيْنِ) مِنْهُ جَمِيعًا. ( {وأَشْبَبْتُه) أَنَا أَي الْفرس إِذا (هَيَّجْتُه) .
(و) } أَشبّ (الثورُ: أَسَنَّ، فَهُوَ {مُشِبٌّ) بِالضَّمِّ، وَمثله فِي التَّهْذِيب. (و) رُبمَا قَالُوا: إِنَّه (} مشبٌّ) بكَسْرِ الْمِيم، وهذَا هُوَ الصَّوَابُ. . وضُبِط فِي بَعْضِ النُّسَخ بِضَمَ ففَتْح. وناقَةٌ {مُشِبَّة، وَقد أَشَبَّت. قَالَ أُسَامَةُ الهُذَلِيّ:
أَقَامُوا صُدُورَ مُشِبَّاتِها
بَواذِخَ يَقْتَسِرونَ الصِّعَابَا
أَي أَقَامُوا هذِه الإِبِل على القَصْدِ. (والمُشِبّ) بالضَّم: (الأَسَدُ) الكَبِيرُ. (ونِسْوَةٌ) } شَوَابُّ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: نِسْوَةٌ ( {شَبَائِبُ) فِي معنى (شَوَابَّ) . وأَنشد:
عَجَائِزاً يَطْلُبْنَ شَيْئاً ذَاهِبا
يَخْضِبْنَ بالحِنَّاءِ شَيْباً شَائِبَا
يَقُلْنَ كُنَّا مَرَّة} شَبَائِبَا
وَقَالَ الأَزْهَرِيّ: شَبَائِبُ جَمعُ شَبَّة لَا جَمْعُ شَابَّة مثل ضَرّة وضَرَائِر.
(و) عَن أَبي عَمرو؛ ( {شَبْشَبَ) الرجلُ إِذا (تَمَّمَ) .
(و) عَن ابْن الأَعْرَابِيّ: (} الشَّوْشَبُ) من أَسْمَاءِ (العَقْرَب) وسَيَأْتي. (و) الشَّوْشَبُ: (القَمْلُ) والأُنْثَى شَوْشَبَة.
وشَبَّذَا زَيْد أَي حَبَّذَا، كاه ثعْلَب.
(وشُبَّان كَرُمّان) سَيَأْتي ذِكْرُهُ (ي ش ب ن) بِنَاءً على أَنَّ نُونَه أَصْلِيّة وَهُوَ (لَقَبُ جَــعْفَرِ بن حسن) بن فَرْقَد، هَكَذَا فِي النّسخ، والصَّوَاب جَــعْفَر بْن جِسْرِ بْنِ فَرْقَد البَصْرِيّ، سمِعَ أَبَاه. وفَاتَه أَبُو جَــعْفَر أَحْمَدُ بْنُ الحُسَيْنِ البَغْدَادِيّ المُؤَذِّن، يُعْرَف {بِشُبَّان شَيْخٌ لمُخَلد الباقرجيّ، هَكَذَا ضَبَطَه الحَافِظ. (و) } الشَّبَّانُ (بِالفَتْح) لَقَبُ (عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّد) بن جَــعْفَر بن المُؤْمِن، ويُعْرَفُ بابْنِ شَبَّان (العَطَّار) ، رَوَى عَن النجّاد. ( {وشَبَّةُ،} وشَبَّابٌ) كَكَتَّانٍ (وشَبِيبٌ) كأَمِيرٍ: (أَسْمَاءُ) رِجَال. (وشَبَابَةُ بنُ المُعْتَمِر) : شَيْخٌ كُوفِيٌّ عَن قَتَادَة.
(و) شَبَابَةُ (بْنُ سَوَّار، م) مَعْرُوف من رِجَالِ الصَّحِيحَيْن. وشَبَابَةُ: بطْنٌ من) بني (فَهْم) بْنِ مَالِك (نَزَلُوا السَّرَاةَ أَو الطَّائِفَ) سَمَّاهم أَبُو حَنِيفة فِي كِتَابِ النَّبات. وَفِي الصَّحاح: بَنُو شَبابَة: قَوْمٌ بالطَّائِف. قُلْتُ: ومِنْهُم هَانِىء بنُ المُتَوَكِّل مَوْلَى ابْنِ شَبَابة وغَيْره.
وَمن سَجَعَاتِ الأَسَاس: (كَانَ عَصْرُ شَبَابِي أَحْلَى مِنَ العَسَلِ الشَّبَابِي. نِسْبَةً إِلَى (بني) شَبَابَةَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. .
(و) شَبَابٌ (كَسَحَابٍ: لقبُ خَلِيفَةَ بْنِ الخَيَّاط الحَافِظِ) العُصْفُرِيّ حَدَّثَ عَنِ الحُسِينِ العَطَّار المَصِيصِيّ وَغَيره. (وابُنُ شَبَابٍ: جَمَاعَةٌ) ، مِنْهُم الحَارِثُ بْنُ شَبَاب جَدُّ ذِي الإِصْبَع حُرْثَان بن مُحَرِّثٍ العَدْوَانِيّ الشَّاعر. ( {وشَبُّوبَةُ: اسْم جَمَاعَة. ومُحَمَّد بن عمر بن شَبُّوبَة} الشَّبُّوبيّ) نِسْبَة إِلى الجَدِّ، وَهُوَ (رَاوِي) الجَامع (الصحِيح عَن) الإِمَام مُحَمَّد بْنِ مَطَر (الفَرَبْرِيّ) ، وَعنهُ سَعِيد بْنِ أَبِي سَعِيد الصُّوفِيّ وغَيْره. وفَاتَه عبد الخَالق بْنُ أَبِي القَاسِم بْنِ مُحَمَّد بْن {شَبُّوبَة} الشَّبُّوبِيّ من شُيُوخ بن السَّمْعَانيّ. (ومُعَلَّى بنُ سَعِيد {الشَّبِيبيّ: مُحَدِّث) ، وَهُوَ رَاوي حِكَايَة الهِمْيان.
(و) } شُبَيْب (كزُبَيْرٍ بْنُ الحَكَم بْنِ مينَاءَ، فَرْدٌ) . قُلْتُ: وَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّوَاب شُبَيْثٌ آخِره ثاءُ مُثَلَّثَة، وَقد ذَكَرَه على الصَّوَاب فِي الثَّاءِ المُثَلَّثَة كَمَا سَيَأْتِي. ولَيْتَ شِعْرِي إِذَا كَانَ بِالمُوَحَّدة كَما وَهِم كَيفَ يَكُنُ فَرْداً فاعْرِفْ ذَلِكَ.
(وشَبٌّ) بِلَا لَام: (ع، بِالْيمن) وَقد تَقَدَّم، فَهُوَ تكْرَار مَعَ مَا قَبْلَه.
وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْه:
مَا جَاءَ فِي حَدِيث شُرَيْح: (تَجُوزُ شهَادَةُ الصِّبْيَان عَلَى الكِبَار يُستشَبُّون) أَي يُسْتَشْهَدُ من شَبَّ وكبِرَ مِنْهُم إِذا بَلَغَ. كأَنَّه يَقُولُ: إِذَا تَحَمَّلُوهَا فِي الصِّبَا وأَدَّوْهَا فِي الكِبَرِ جَازَ.
ومِنَ المَجَازِ: رَجُلٌ {مَشْبُوبٌ جَمِيلٌ حَسَنُ الوَجْه كَأَنَّه أُوقِدَ. قَال ذُو الرُّمَّة:
إِذا الأَرْوَعُ} المَشْبُوبُ أَضْحَى كَأَنَّه
على الرَّحْلِ مِمَّا مَنَّه السيرُ أَحْمَقُ وَقَالَ العَجَّاج:
ومِنْ قُرَيْشٍ كُلُّ مَشْبُوبٍ أَغَرُّ
وَرجل مَشْبُوبٌ: إِذَا كانَ ذَكِيَّ الفُؤَادِ شَهْماً.
وَمن الْمجَاز: طَلَعَت {المَشْبُوبَتَان: الزُّهَرَتَان؛ وهما الزُّهَرَةُ والمُشْتَرِي لحُسْنِهما وإِشْرَاقهما، أَنْشَد ثَعْلَب:
وعَنْسٍ كأَلْوَاح الإِرَانِ نَسَأْتُهَا
إِذَا قِيلَ} للمَشْبُوبَتَيْنِ هُمَاهُمَا
وَفِي كِتَابِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيه وسَلَّم لِوَائِل بْن حُجْر: (إِلَى الأَقْيَال العَبَاهِلَة والأَرْوَاعِ {المَشَابِيب) أَي السَّادَة الرُّءُوسِ الزُّهْرِ الأَلْوَان، الحِسَانِ المَنَاظِر، وَاحِدُهُم مَشْبُوبٌ، كأَنَّمَا أُوقِدَتْ أَلْوَانُهم بِالنَّارِ. وَفِي حدِيثِ سُرَاقَة: (} اسْتَشِبُّوا عَلَى أَسْوُقِكِم فِي البَوْل) . يَقُول: استَوْفِزُوا عَلَيْهَا، وَلَا تُسِفُّوا من الأَرض، أَي وَلَا تَسْتَقِرُّوا بِجَمَيع أَبْدَانِكم وتَدْنوا مِنْهَا. هُوَ مِنْ شَبَّ الفَرَسُ إِذَا رَفَع يَدَيْهِ جَميعاً من الأَرْضِ.
وَفِي الأَساس، مِنَ المَجَازِ: وهُوَ مُشَبَّب الأَظَافِر؛ مُحَدَّدُهَا كَأَنَّها تَلْتَهِب لحِدَّتِها.
وعبدُ اللهِ بْنُ الشَّبَّاب، ككَتَّان: صَحَابِيٌّ. وكغُرَاب أُبو شَباب خَدِيجُ بنُ سَلامَة عَقَبِيّ، وَابْنه! شُبَاب وُلِد لَيْلَة العَقَبَة، وأُمُّه أُمُّ شُبَاب لَهَا صُحْبَةٌ أَيْضاً. وعُمَرُ بْنُ شَبَّة بنِ عُبَيْدَةَ النميريّ: مُحَدِّثٌ أَخْبَارِيُّ مَشْهُور. وشَبَابَةُ أَيضاً: بَطْنٌ مِنْ قَيْسٍ.

بَغْدَادُ

Entries on بَغْدَادُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
بَغْدَادُ:
أم الدنيا وسيدة البلاد، قال ابن الأنباري:
أصل بغداد للأعاجم، والعرب تختلف في لفظها إذ لم يكن أصلها من كلامهم ولا اشتقاقها من لغاتهم، قال بعض الأعاجم: تفسيره بستان رجل، فباغ بستان وداد اسم رجل، وبعضهم يقول: بغ اسم للصنم، فذكر أنه أهدي إلى كسرى خصيّ من المشرق فأقطعه إياها، وكان الخصيّ من عباد الأصنام ببلده فقال: بغ داد أي الصنم أعطاني، وقيل: بغ هو البستان وداد أعطى، وكان كسرى قد وهب لهذا الخصي هذا البستان فقال: بغ داد فسميت به، وقال حمزة بن الحسن: بغداد اسم فارسي معرّب عن باغ داذويه، لأن بعض رقعة مدينة المنصور كان باغا لرجل من الفرس اسمه داذويه، وبعضها أثر مدينة دارسة كان بعض ملوك الفرس اختطّها فاعتل فقالوا:
ما الذي يأمر الملك أن تسمى به هذه المدينة؟ فقال:
هلدوه وروز أي خلّوها بسلام، فحكي ذلك للمنصور فقال: سميتها مدينة السلام، وفي بغداد سبع لغات:
بغداد وبغدان، ويأبى أهل البصرة ولا يجيزون بغداذ في آخره الذال المعجمة، وقالوا: لأنه ليس في كلام العرب كلمة فيها دال بعدها ذال، قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق: فقلت لأبي إسحاق إبراهيم بن السري فما تقول في قولهم خرداد؟ فقال: هو فارسي ليس من كلام العرب، قلت أنا: وهذا حجة من قال بغداد فإنه ليس من كلام العرب، وأجاز الكسائي بغداد على الأصل، وحكى أيضا مغداذ ومغداد ومغدان، وحكى الخارزنجي: بغداد بدالين مهملتين، وهي في اللغات كلها تذكّر وتؤنث، وتسمى مدينة السلام أيضا، فأما الزوراء: فمدينة المنصور خاصة، وسميت مدينة السلام لأن دجلة يقال لها وادي السلام، وقال موسى بن عبد الحميد النسائي:
كنت جالسا عند عبد العزيز بن أبي روّاد فأتاه رجل فقال له: من أين أنت؟ فقال له: من بغداد، فقال:
لا تقل بغداد فإن بغ صنم وداد أعطى، ولكن قل مدينة السلام، فإن الله هو السلام والمدن كلها له، وقيل: إن بغداد كانت قبل سوقا يقصدها تجار أهل الصين بتجاراتهم فيربحون الرّبح الواسع، وكان اسم ملك الصين بغ فكانوا إذا انصرفوا إلى بلادهم قالوا:
بغ داد أي إن هذا الربح الذي ربحناه من عطية
الملك، وقيل إنما سميت مدينة السلام لأن السلام هو الله فأرادوا مدينة الله، وأما طولها فذكر بطلميوس في كتاب الملحمة المنسوب إليه أن مدينة بغداد طولها خمس وسبعون درجة وعرضها أربع وثلاثون درجة داخلة في الإقليم الرابع، وقال أبو عون وغيره: إنها في الإقليم الثالث، قال: طالعها السماك الأعزل، بيت حياتها القوس، لها شركة في الكف الخضيب ولها أربعة أجزاء من سرّة الجوزاء تحت عشر درج من السرطان، يقابلها مثلها من الجدي عاشرها مثلها من الحمل عاقبتها مثلها من الميزان، قلت أنا: ولا شك أن بغداد أحدثت بعد بطليموس بأكثر من ألف سنة ولكني أظنّ أن مفسري كلامه قاسوا وقالوا، وقال صاحب الزيج: طول بغداد سبعون درجة، وعرضها ثلاث وثلاثون درجة وثلث، وتعديل نهارها ست عشرة درجة وثلثا درجة، وأطول نهارها أربع عشرة ساعة وخمس دقائق، وغاية ارتفاع الشمس بها ثمانون درجة وثلث، وظلّ الظهر بها درجتان، وظل العصر أربع عشرة درجة، وسمت القبلة ثلاث عشرة درجة ونصف، وجهها عن مكة مائة وسبع عشرة درجة، في الوجود ثلاثمائة درجة، هذا كله نقلته من كتب المنجمين ولا أعرفه ولا هو من صناعتي، وقال أحمد ابن حنبل: بغداد من الصّراة إلى باب التبن، وهو مشهد موسى الكاظم بن جــعفر الصادق بن محمد الباقر ابن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد ابن الإمام علي ابن أبي طالب، ثم زيد فيها حتى بلغت كلواذى والمخرّم وقطربّل، قال أهل السير: ولما أهلك الله مهران بأرض الحيرة ومن كان معه من العجم استمكن المسلمون من الغارة على السواد وانتقضت مسالح الفرس وتشتت أمرهم واجترأ المسلمون عليهم وشنوا الغارات ما بين سورا وكسكر والصراة والفلاليج والأستانات، قال أهل الحيرة للمثنى: إن بالقرب منا قرية تقوم فيها سوق عظيمة في كل شهر مرة فيأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد، يقال لها بغداد، وكذا كانت إذ ذاك، فأخذ المثنى على البرّ حتى أتى الأنبار، فتحصّن فيها أهلها منه، فأرسل إلى سفروخ مرزبانها ليسير إليه فيكلّمه بما يريد وجعل له الأمان، فعبر المرزبان إليه، فخلا به المثنى وقال له: أريد أن أغير على سوق بغداد وأريد أن تبعث معي أدلّاء فيدلّوني الطريق وتعقد لي الجسر لأعبر عليه الفرات، ففعل المرزبان ذلك، وقد كان قطع الجسر قبل ذلك لئلا تعبر العرب عليه، فعبر المثنى مع أصحابه وبعث معه المرزبان الأدلاء، فسار حتى وافى السوق صحوة، فهرب الناس وتركوا أموالهم فأخذ المسلمون من الذهب والفضة وسائر الأمتعة ما قدروا على حمله ثم رجعوا إلى الأنبار، ووافى معسكره غانما موفورا، وذلك في سنة 13 للهجرة، فهذا خبر بغداد قبل أن يمصّرها المنصور، لم يبلغني غير ذلك.

فصل
في بدء عمارة بغداد، كان أول من مصّرها وجعلها مدينة المنصور بالله أبو جــعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ثاني الخلفاء، وانتقل إليها من الهاشمية، وهي مدينة كان قد اختطّها أخوه أبو العباس السّفّاح قرب الكوفة وشرع في عمارتها سنة 145 ونزلها سنة 149، وكان سبب عمارتها أن أهل الكوفة كانوا يفسدون جنده فبلغه ذلك من فعلهم، فانتقل عنهم يرتاد موضعا، وقال ابن عيّاش: بعث المنصور روّادا وهو بالهاشمية يرتادون له موضعا يبني فيه مدينة ويكون الموضع واسطا رافقا بالعامة والجند، فنعت له موضع قريب من
بارمّا، وذكر له غذاؤه وطيب هوائه، فخرج إليه بنفسه حتى نظر إليه وبات فيه، فرأى موضعا طيبا فقال لجماعة، منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب المرزباني وعبد الملك بن حميد الكاتب: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: طيب موافق، فقال: صدقتم ولكن لا مرفق فيه للرعية، وقد مررت في طريقي بموضع تجلب إليه الميرة والامتعة في البرّ والبحر وأنا راجع إليه وبائت فيه، فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي وللناس، قال: فأتى موضع بغداد وعبر موضع قصر السلام ثم صلى العصر، وذلك في صيف وحرّ شديد، وكان في ذلك الموضع بيعة فبات أطيب مبيت وأقام يومه فلم ير إلا خيرا فقال: هذا موضع صالح للبناء، فإن المادة تأتيه من الفرات ودجلة وجماعة الأنهار، ولا يحمل الجند والرعية إلا مثله، فخطّ البناء وقدّر المدينة ووضع أول لبنة بيده فقال: بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنوا على بركة الله، وذكر سليمان بن مختار أن المنصور استشار دهقان بغداد، وكانت قرية في المربّعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي، وما زالت داره قائمة على بنائها إلى أن خرب كثير مما يجاورها في البناء، فقال: الذي أراه يا أمير المؤمنين أن تنزل في نفس بغداد، فإنك تصير بين أربعة طساسيج: طسّوجان في الجانب الغربي وطسّوجان في الجانب الشرقي، فاللذان في الغربي قطربل وبادوريا، واللذان في الشرقي نهر بوق وكلواذى، فإن تأخرت عمارة طسوج منها كان الآخر عامرا، وأنت يا أمير المؤمنين على الصّراة ودجلة، تجيئك بالميرة من القرب وفي الفرات من الشام والجزيرة ومصر وتلك البلدان، وتحمل إليك طرائف الهند والسند والصين والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك ميرة أرمينية وأذربيجان وما يتصل بها في تامرّا، وتجيئك ميرة الموصل وديار بكر وربيعة وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر والقنطرة لم يصل إليك عدوك، وأنت قريب من البرّ والبحر والجبل، فأعجب المنصور هذا القول وشرع في البناء، ووجه المنصور في حشر الصّنّاع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط فأحضروا، وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، فجمعهم وتقدم إليهم أن يشرفوا على البناء، وكان ممن حضر الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة الإمام، وكان أول العمل في سنة 145، وأمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين ذراعا، وأن يجعل في البناء جرز القصب مكان الخشب، فلما بلغ السور مقدار قامة اتّصل به خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، فقطع البناء حتى فرغ من أمره وأمر أخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن ابن حسن.
وعن علي بن يقطين قال: كنت في عسكر أبي جــعفر المنصور حين سار إلى الصراة يلتمس موضعا لبناء مدينة، قال: فنزل الدير الذي على الصراة في العتيقة فما زال على دابته ذاهبا جائيا منفردا عن الناس يفكر، قال: وكان في الدير راهب عالم فقال لي: لم يذهب الملك ويجيء؟ قلت: إنه يريد أن يبني مدينة، قال: فما اسمه؟ قلت: عبد الله بن محمد، قال: أبو من؟ قلت: أبو جــعفر، قال:
هل يلقب بشيء؟ قلت: المنصور، قال: ليس هذا الذي يبنيها، قلت: ولم؟ قال: لأنا قد وجدنا في كتاب عندنا نتوارثه قرنا عن قرن أن الذي يبني
هذا المكان رجل يقال له مقلاص، قال: فركبت من وقتي حتى دخلت على المنصور ودنوت منه، فقال لي: ما وراءك؟ قلت: خير ألقيه إلى أمير المؤمنين وأريحه من هذا العناء، فقال: قل، قلت:
أمير المؤمنين يعلم أن هؤلاء معهم علم، وقد أخبرني راهب هذا الدير بكذا وكذا، فلما ذكرت له مقلاص ضحك واستبشر ونزل عن دابته فسجد وأخذ سوطه وأقبل يذرع به، فقلت في نفسي: لحقه اللجاج، ثم دعا المهندسين من وقته وأمرهم بخط الرماد، فقلت له: أظنّك يا أمير المؤمنين أردت معاندة الراهب وتكذيبه، فقال: لا والله ولكني كنت ملقّبا بمقلاص وما ظننت أن أحدا عرف ذلك غيري، وذاك أننا كنا بناحية السراة في زمان بني أمية على الحال التي تعلم، فكنت أنا ومن كان في مقدار سنّي من عمومتي وإخوتي نتداعى ونتعاشر، فبلغت النوبة إليّ يوما من الأيام وما أملك درهما واحدا فلم أزل أفكر وأعمل الحيلة إلى أن أصبت غزلا لداية كانت لهم، فسرقته ثم وجّهت به فبيع لي واشتري لي بثمنه ما احتجت إليه، وجئت إلى الداية وقلت لها:
افعلي كذا واصنعي كذا، قالت: من أين لك ما أرى؟ قلت: اقترضت دراهم من بعض أهلي، ففعلت ما أمرتها به، فلما فرغنا من الأكل وجلسنا للحديث طلبت الداية الغزل فلم تجده فعلمت أني صاحبه، وكان في تلك الناحية لص يقال له مقلاص مشهور بالسرقة، فجاءت إلى باب البيت الذي كنا فيه فدعتني فلم أخرج إليها لعلمي أنها وقفت على ما صنعت، فلما ألحّت وأنا لا أخرج قالت: اخرج يا مقلاص، الناس يتحذّرون من مقلاصهم وأنا مقلاصي معي في البيت، فمزح معي إخوتي وعمومتي بهذا اللقب ساعة ثم لم أسمع به إلا منك الساعة فعلمت أن أمر هذه المدينة يتم على يدي لصحة ما وقفت عليه، ثم وضع أساس المدينة مدوّرا وجعل قصره في وسطها وجعل لها أربعة أبواب وأحكم سورها وفصيلها، فكان القاصد إليها من الشرق يدخل من باب خراسان والقاصد من الحجاز يدخل من باب الكوفة والقاصد من المغرب يدخل من باب الشام والقاصد من فارس والأهواز وواسط والبصرة واليمامة والبحرين يدخل من باب البصرة.
قالوا: فأنفق المنصور على عمارة بغداد ثمانية عشر ألف ألف دينار، وقال الخطيب في رواية: إنه أنفق على مدينته وجامعها وقصر الذهب فيها والأبواب والأسواق إلى أن فرغ من بنائها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين ألف درهم، وذاك أن الأستاذ من الصّنّاع كان يعمل في كل يوم بقيراط إلى خمس حبّات والروزجاري بحبتين إلى ثلاث حبات، وكان الكبش بدرهم والحمل بأربعة دوانيق والتمر ستون رطلا بدرهم، قال الفضل بن دكين: كان ينادى على لحم البقر في جبانة كندة تسعون رطلا بدرهم، ولحم الغنم ستون رطلا بدرهم، والعسل عشرة أرطال بدرهم، قال: وكان بين كل باب من أبواب المدينة والباب الآخر ميل، وفي كل ساف من أسواف البناء مائة ألف لبنة واثنان وستون ألف لبنة من اللبن الجــعفري، وعن ابن الشّروي قال: هدمنا من السور الذي يلي باب المحوّل قطعة فوجدنا فيها لبنة مكتوبا عليها بمغرة:
وزنها مائة وسبعة عشر رطلا، فوزناها فوجدناها كذلك.
وكان المنصور كما ذكرنا بنى مدينته مدوّرة وجعل داره وجامعها في وسطها، وبنى القبة الخضراء فوق إيوان، وكان علوّها ثمانين ذراعا، وعلى رأس القبة صنم على صورة فارس في يده رمح، وكان السلطان إذا رأى أن ذلك الصنم قد استقبل بعض الجهات ومدّ
الرمح نحوها علم أن بعض الخوارج يظهر من تلك الجهة، فلا يطول عليه الوقت حتى ترد عليه الأخبار بأن خارجيّا قد هجم من تلك الناحية، قلت أنا:
هكذا ذكر الخطيب وهو من المستحيل والكذب الفاحش، وإنما يحكى مثل هذا عن سحرة مصر وطلسمات بليناس التي أوهم الأغمار صحتها تطاول الأزمان والتخيل أن المتقدّمين ما كانوا بني آدم، فأما الملة الإسلامية فإنها تجلّ عن مثل هذه الخرافات، فإن من المعلوم أن الحيوان الناطق مكلف الصنائع لهذا التمثال لا يعلم شيئا مما ينسب إلى هذا الجماد ولو كان نبيّا مرسلا، وأيضا لو كان كلما توجهت إلى جهة خرج منها خارجيّ لوجب أن لا يزال خارجيّ يخرج في كل وقت لأنها لا بدّ أن تتوجه إلى وجه من الوجوه، والله أعلم، قال: وسقط رأس هذه القبة سنة 329، وكان يوم مطر عظيم ورعد هائل، وكانت هذه القبة تاج البلد وعلم بغداد ومأثرة من مآثر بني العباس، وكان بين بنائها وسقوطها مائة ونيف وثمانون سنة، ونقل المنصور أبوابها من واسط، وهي أبواب الحجّاج، وكان الحجاج أخذها من مدينة بإزاء واسط تعرف بزندورد، يزعمون أنها من بناء سليمان بن داود، عليه السلام، وأقام على باب خراسان بابا جيء به من الشام من عمل الفراعنة وعلى باب الكوفة بابا جيء به من الكوفة من عمل خالد القسري وعمل هو بابا لباب الشام، وهو أضعفها، وكان لا يدخل أحد من عمومة المنصور ولا غيرهم من شيء من الأبواب إلّا راجلا إلا داود بن عليّ عمه، فإنه كان متفرّسا وكان يحمل في محفّة، وكذلك محمد المهدي ابنه، وكانت تكنس الرحاب في كل يوم ويحمل التراب إلى خارج، فقال له عمه عبد الصمد: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب، فلم يأذن له، فقال: يا أمير المؤمنين عدني بعض بغال الرّوايا التي تصل إلى الرّحاب، فقال: يا ربيع بغال الروايا تصل إلى رحابي تتخذ الساعة قنيّ بالساج من باب خراسان حتى تصل إلى قصري، ففعل ومدّ المنصور قناة من نهر دجيل الآخذ من دجلة وقناة من نهر كرخايا الآخذ من الفرات وجرّهما إلى مدينته في عقود وثيقة، من أسفلها محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها، فكانت كل قناة منها تدخل المدينة وتنفذ في الشوارع والدروب والأرباض، تجري صيفا وشتاء لا ينقطع ماؤها في شيء من الأوقات، ثم أقطع المنصور أصحابه القطائع فعمّروها وسميت بأسمائهم، وقد ذكرت من ذلك ما بلغني في مواضعه حسب ما قضى به ترتيب الحروف، وقد صنّف في بغداد وسعتها وعظم رفعتها وسعة بقعتها وذكر أبو بكر الخطيب في صدر كتابه من ذلك ما فيه كفاية لطالبه.

فلنذكر الآن ما ورد في مدح بغداد
ومن عجيب ذلك ما ذكره أبو سهل بن نوبخت قال:
أمرني المنصور لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع، ففعلت فإذا الطالع في الشمس وهي في القوس، فخبّرته بما تدلّ النجوم عليه من طول بقائها وكثرة عمارتها وفقر الناس إلى ما فيها ثم قلت: وأخبرك خلّة أخرى أسرك بها يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قلت: نجد في أدلة النجوم أنه لا يموت بها خليفة أبدا حتف أنفه، قال: فتبسم وقال الحمد لله على ذلك، هذا من فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولذلك يقول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى:
أعاينت في طول من الأرض أو عرض، ... كبغداد من دار بها مسكن الخفض
صفا العيش في بغداد واخضرّ عوده، ... وعيش سواها غير خفض ولا غضّ
تطول بها الأعمار، إنّ غذاءها ... مريء، وبعض الأرض أمرأ من بعض
قضى ربّها أن لا يموت خليفة ... بها، إنه ما شاء في خلقه يقضي
تنام بها عين الغريب، ولا ترى ... غريبا بأرض الشام يطمع في الغمض
فإن جزيت بغداد منهم بقرضها، ... فما أسلفت إلّا الجميل من القرض
وإن رميت بالهجر منهم وبالقلى، ... فما أصبحت أهلا لهجر ولا بغض
وكان من أعجب العجب أن المنصور مات وهو حاجّ، والمهدي ابنه خرج إلى نواحي الجبل فمات بما سبذان بموضع يقال له الرّذّ، والهادي ابنه مات بعيساباد قرية أو محلّة بالجانب الشرقي من بغداد، والرشيد مات بطوس، والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي، والمأمون مات بالبذندون من نواحي المصّيصة بالشام، والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر وباقي الخلفاء ماتوا بسامرّا، ثم انتقل الخلفاء إلى التاج من شرقي بغداد كما ذكرناه في التاج، وتعطّلت مدينة المنصور منهم.
وفي مدح بغداد قال بعض الفضلاء: بغداد جنة الأرض ومدينة السلام وقبة الإسلام ومجمع الرافدين وغرّة البلاد وعين العراق ودار الخلافة ومجمع المحاسن والطيبات ومعدن الظرائف واللطائف، وبها أرباب الغايات في كل فنّ، وآحاد الدهر في كل نوع، وكان أبو إسحاق الزّجّاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية، وكان أبو الفرج الببغا يقول: هي مدينة السلام بل مدينة الإسلام، فإنّ الدولة النبوية والخلافة الإسلامية بها عشّشتا وفرّختا وضربتا بعروقهما وبسقتا بفروعهما، وإنّ هواءها أغذى من كل هواء وماءها أعذب من كل ماء، وإنّ نسيمها أرقّ من كل نسيم، وهي من الإقليم الاعتدالي بمنزلة المركز من الدائرة، ولم تزل بغداد موطن الأكاسرة في سالف الأزمان ومنزل الخلفاء في دولة الإسلام، وكان ابن العميد إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد، فإن فطن بخواصّها وتنبّه على محاسنها وأثنى عليها جعل ذلك مقدّمة فضله وعنوان عقله، ثم سأله عن الجاحظ، فإن وجد أثرا لمطالعة كتبه والاقتباس من نوره والاغتراف من بحره وبعض القيام بمسائله قضى له بأنه غرّة شادخة في أهل العلم والآداب، وإن وجده ذامّا لبغداد غفلا عما يحب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن، ولما رجع الصاحب عن بغداد سأله ابن العميد عنها، فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد، فجعلها مثلا في الغاية في الفضل، وقال ابن زريق الكاتب الكوفي:
سافرت أبغي لبغداد وساكنها ... مثلا، قد اخترت شيئا دونه الياس
هيهات بغداد، والدنيا بأجمعها ... عندي، وسكان بغداد هم الناس
وقال آخر:
بغداد يا دار الملوك ومجتنى ... صوف المنى، يا مستقرّ المنابر
ويا جنّة الدنيا ويا مجتنى الغنى، ... ومنبسط الآمال عند المتاجر
وقال أبو يعلى محمد بن الهبّارية: سمعت الشيخ الزاهد أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآباذي يقول: من دخل بغداد وهو ذو عقل صحيح وطبع معتدل مات بها أو بحسرتها، وقال عمارة بن عقيل ابن بلال بن جرير:
ما مثل بغداد في الدنيا ولا الدين، ... على تقلّبها في كلّ ما حين
ما بين قطربّل فالكرخ نرجسة ... تندى، ومنبت خيريّ ونسرين
تحيا النفوس بريّاها، إذا نفحت، ... وخرّشت بين أوراق الرّياحين
سقيا لتلك القصور الشاهقات وما ... تخفي من البقر الإنسيّة العين
تستنّ دجلة فيما بينها، فترى ... دهم السّفين تعالى كالبراذين
مناظر ذات أبواب مفتّحة، ... أنيقة بزخاريف وتزيين
فيها القصور التي تهوي، بأجنحة، ... بالزائرين إلى القوم المزورين
من كلّ حرّاقة تعلو فقارتها، ... قصر من الساج عال ذو أساطين
وقدم عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس إلى بغداد فرأى كثرة الناس بها فقال: ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلّا ظننت أن الناس قد نودي فيهم، ووجد على بعض الأميال بطريق مكة مكتوبا:
أيا بغداد يا أسفي عليك! ... متى يقضى الرجوع لنا إليك؟
قنعنا سالمين بكلّ خير، ... وينعم عيشنا في جانبيك
ووجد على حائط بجزيرة قبرص مكتوبا:
فهل نحو بغداد مزار، فيلتقي ... مشوق ويحظى بالزيارة زائر
إلى الله أشكو، لا إلى الناس، إنه ... على كشف ما ألقى من الهمّ قادر
وكان القاضي أبو محمد عبد الوهّاب بن علي بن نصر المالكي قد نبا به المقام ببغداد فرحل إلى مصر، فخرج البغداديون يودّعونه وجعلوا يتوجعون لفراقه، فقال: والله لو وجدت عندكم في كل يوم مدّا من الباقلّى ما فارقتكم، ثم قال:
سلام على بغداد من كلّ منزل، ... وحقّ لها منّي السلام المضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلى لها، ... وإني بشطّي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليّ برحبها، ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه، ... وأخلاقه تنأى به وتخالف
ولما حج الرشيد وبلغ زرود التفت إلى ناحية العراق وقال:
أقول وقد جزنا زرود عشيّة، ... وكادت مطايانا تجوز بنا نجدا
على أهل بغداد السلام، فإنني ... أزيد بسيري عن ديارهم بعدا
وقال ابن مجاهد المقري: رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: دعني مما فعل الله بي، من أقام ببغداد على السّنّة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة، وعن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه: أيا يونس دخلت بغداد؟ فقلت: لا، فقال: أيا يونس ما رأيت الدنيا ولا الناس، وقال طاهر بن المظفّر بن طاهر الخازن:
سقى الله صوب الغاديات محلّة ... ببغداد، بين الخلد والكرخ والجسر
هي البلدة الحسناء، خصّت لأهلها ... بأشياء لم يجمعن مذ كنّ في مصر
هواء رقيق في اعتدال وصحّة، ... وماء له طعم ألذّ من الخمر
ودجلتها شطّان قد نظما لنا ... بتاج إلى تاج، وقصر إلى قصر
ثراها كمسك، والمياه كفضّة، ... وحصباؤها مثل اليواقيت والدّر
قال أبو بكر الخطيب: أنشدني أبو محمد الباقي قول الشاعر:
دخلنا كارهين لها، فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
فقال يوشك هذا أن يكون في بغداد، قيل وأنشد لنفسه في المعنى وضمنه البيت:
على بغداد معدن كلّ طيب، ... ومغنى نزهة المتنزّهينا:
سلام كلما جرحت بلحظ ... عيون المشتهين المشتهينا
دخلنا كارهين لها، فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ الديار بنا، ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا
قال محمد بن عليّ بن حبيب الماوردي: كتب إليّ أخي من البصرة وأنا ببغداد:
طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قدما إليها، وإن عاقت معاذير
وكيف صبري عنها، بعد ما جمعت ... طيب الهواءين ممدود ومقصور؟
وقلّد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر اليمن، فلما أراد الخروج قال:
أيرحل آلف ويقيم إلف، ... وتحيا لوعة ويموت قصف؟
على بغداد دار اللهو منّي ... سلام ما سجا للعين طرف
وما فارقتها لقلى، ولكن ... تناولني من الحدثان صرف
ألا روح ألا فرج قريب، ... ألا جار من الحدثان كهف
لعلّ زماننا سيعود يوما، ... فيرجع آلف ويسر إلف
فبلغ الوزير هذا الشعر فأعفاه، وقال شاعر يتشوق بغداد:
ولما تجاوزت المدائن سائرا، ... وأيقنت يا بغداد أني على بعد
علمت بأنّ الله بالغ أمره، وأن قضاء الله ينفذ في العبد وقلت، وقلبي فيه ما فيه من جوى، ودمعي جار كالجمان على خدّي: ترى الله يا بغداد يجمع بيننا فألقى الذي خلّفت فيك على العهد؟
وقال محمد بن عليّ بن خلف النيرماني:
فدى لك يا بغداد كل مدينة ... من الأرض، حتى خطّتي ودياريا
فقد طفت في شرق البلاد وغربها، ... وسيّرت خيلي بينها وركابيا
فلم أر فيها مثل بغداد منزلا، ... ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرقّ شمائلا، ... وأعذب ألفاظا، وأحلى معانيا
وقائلة: لو كان ودّك صادقا ... لبغداد لم ترحل، فقلت جوابيا:
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم، ... وترمي النوى بالمقترين المراميا

في ذمّ بغداد
قد ذكره جماعة من أهل الورع والصلاح والزهّاد والعبّاد، ووردت فيها أحاديث خبيثة، وعلّتهم في الكراهية ما عاينوه بها من الفجور والظلم والعسف، وكان الناس وقت كراهيتهم للمقام ببغداد غير ناس زماننا، فأما أهل عصرنا فأجلس خيارهم في الحشّ وأعطهم فلسا فما يبالون بعد تحصيل الحطام أين كان المقام، وقد ذكر الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ من ذلك قدرا كافيا، وكان بعض الصالحين إذا ذكرت عنده بغداد يتمثل:
قل لمن أظهر التنسّك في النا ... س وأمسى يعدّ في الزّهّاد:
الزم الثغر والتواضع فيه، ... ليس بغداد منزل العبّاد
إن بغداد للملوك محلّ، ... ومناخ للقارئ الصياد
ومن شائع الشعر في ذلك:
بغداد أرض لأهل المال طيّبة، ... وللمفاليس دار الضّنك والضيق
أصبحت فيها مضاعا بين أظهرهم، ... كأنني مصحف في بيت زنديق
ويروى للطاهر بن الحسين قال:
زعم الناس أن ليلك يا بغ ... داد ليل يطيب فيه النسيم
ولعمري ما ذاك إلّا لأن خا ... لفها، بالنهار، منك السّموم
وقليل الرّخاء يتّبع الش ... دة، عند الأنام، خطب عظيم
وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له يمدح سرّ من رأى ويصف خرابها ويذم بغداد: كتبت من بلدة قد أنهض الله سكانها وأقعد حيطانها، فشاهد اليأس فيها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر، فكأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر، وقد تمزقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حقّ جوار، فحالها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا، على أنها وإن جفيت معشوقة السّكنى، وحبيبة المثوى،
كوكبها يقظان، وجوّها عريان، وحصباؤها جوهر، ونسيمها معطّر، وترابها أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنيء، وشرابها مريء، لا كبلدتكم الوسخة السماء، الومدة الماء والهواء، جوها غبار، وأرضها خبار، وماؤها طين، وترابها سرجين، وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز، فكم من شمسها من محترق، وفي ظلّها من عرق، صيقة الديار، وسيئة الجوار، أهلها ذئاب، وكلامهم سباب، وسائلهم محروم، وما لهم مكتوم، ولا يجوز إنفاقه، ولا يحل خناقه، حشوشهم مسايل، وطرقهم مزابل، وحيطانهم أخصاص، وبيوتهم أقفاص، ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول، والدهر يسير بالمقيم، ويمزج البؤس بالنعيم، وله من قصيدة:
كيف نومي وقد حللت ببغ ... داد، مقيما في أرضها، لا أريم
ببلاد فيها الركايا، علي ... هن أكاليل من بعوض تحوم
جوها في الشتاء والصيف دخّا ... ن كثيف، وماؤها محموم
ويح دار الملك التي تنفح المس ... ك، إذا ما جرى عليه النسيم
كيف قد أقفرت وحاربها الدّه ... ر، وعين الحياة فيها البوم
نحن كنا سكانها، فانقضى ذا ... لك عنا، وأي شيء يدوم
وقال أيضا:
أطال الهمّ في بغداد ليلي، ... وقد يشقى المسافر أو يفوز
ظللت بها، على رغمي، مقيما ... كعنّين تعانقه عجوز
وقال محمد بن أحمد بن شميعة البغدادي شاعر عصري فيها:
ودّ أهل الزوراء زور، فلا ... تغترر بالوداد من ساكنيها
هي دار السلام حسب، فلا يط ... مع منها، إلّا بما قيل فيها
وكان المعتصم قد سأل أبا العيناء عن بغداد وكان سيّء الرأي فيها، فقال: هي يا أمير المؤمنين كما قال عمارة بن عقيل:
ما أنت يا بغداد إلّا سلح، ... إذا اعتراك مطر أو نفح،
وإن جففت فتراب برح
وكما قال آخر:
هل الله من بغداد، يا صاح، مخرجي، ... فأصبح لا تبدو لعيني قصورها
وميدانها المذري علينا ترابها ... إذا شحجت أبغالها وحميرها
وقال آخر:
أذمّ بغداد والمقام بها، ... من بعد ما خبرة وتجريب
ما عند سكّانها لمختبط ... خير، ولا فرجة لمكروب
يحتاج باغي المقام بينهم ... إلى ثلاث من بعد تثريب:
كنوز قارون أن تكون له، ... وعمر نوح وصبر أيوب
قوم مواعيدهم مزخرفة ... بزخرف القول والأكاذيب
خلّوا سبيل العلى لغيرهم، ... ونافسوا في الفسوق والحوب
وقال بعض الأعراب:
لقد طال في بغداد ليلي، ومن يبت ... ببغداد يصبح ليله غير راقد
بلاد، إذا ولّى النهار، تنافرت ... براغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة شهب البطون، كأنها ... بغال بريد أرسلت في مذاود
وقرأت بخط عبيد الله بن أحمد بن جخجخ قال أبو العالية:
ترحّل فما بغداد دار إقامة، ... ولا عند من يرجى ببغداد طائل
محلّ ملوك سمتهم في أديمهم، ... فكلهم من حلية المجد عاطل
سوى معشر جلّوا، وجلّ قليلهم ... يضاف إلى بذل النّدى، وهو باخل
ولا غروان شلّت يد الجود والندى ... وقلّ سماح من رجال ونائل
إذا غطمط البحر الغطامط ماؤه ... فليس عجيبا أن تفيض الجداول
وقال آخر:
كفى حزنا، والحمد لله أنّني ... ببغداد قد أعيت عليّ مذاهبي
أصاحب قوما لا ألذّ صحابهم، ... وآلف قوما لست فيهم براغب
ولم أثو في بغداد حبّا لأهلها، ... ولا أنّ فيها مستفادا لطالب
سأرحل عنها قاليا لسراتها، ... وأتركها ترك الملول المجانب
فإن ألجأتني الحادثات إليهم ... فأير حمار في حرامّ النوائب
وقال بعضهم يمدح بغداد ويذمّ أهلها:
سقيا لبغداد ورعيا لها، ... ولا سقى صوب الحيا أهلها
يا عجبا من سفل مثلهم، ... كيف أبيحوا جنّة مثلها
وقال آخر:
اخلع ببغداد العذارا، ... ودع التنسّك والوقارا
فلقد بليت بعصبة ... ما إن يرون العار عارا
لا مسلمين ولا يهو ... د ولا مجوس ولا نصارى
وقدم بعض الهجريّين بغداد فاستوبأها وقال:
أرى الريف يدنو كل يوم وليلة، ... وأزداد من نجد وساكنه بعدا
ألا إن بغدادا بلاد بغيضة ... إليّ، وإن أمست معيشتها رغدا
بلاد ترى الأرواح فيها مريضة، ... وتزداد نتنا حين تمطر أو تندى
وقال أعرابيّ مثل ذلك:
ألا يا غراب البين ما لك ثاويا ... ببغداد لا تمضي، وأنت صحيح؟
ألا إنما بغداد دار بليّة، ... هل الله من سجن البلاد مريح؟
وقال أبو يعلى بن الهبّارية أنشدني جدّي أبو الفضل محمد بن محمد لنفسه:
إذا سقى الله أرضا صوب غادية، ... فلا سقى الله غيثا أرض بغداد
أرض بها الحرّ معدوم، كأنّ لها ... قد قيل في مثل: لا حرّ بالوادي
بل كلّ ما شئت من علق وزانية ... ومستحدّ وصفعان وقوّاد
وقال أيضا أبو يعلى بن الهبارية: أنشدني معدان التغلبي لنفسه:
بغداد دار، طيبها آخذ ... نسيمه مني بأنفاسي
تصلح للموسر لا لامرئ ... يبيت في فقر وإفلاس
لو حلّها قارون ربّ الغنى، ... أصبح ذا همّ ووسواس
هي التي توعد، لكنها ... عاجلة للطاعم الكاسي
حور وولدان ومن كلّ ما ... تطلبه فيها، سوى الناس
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.