Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: توضح

التنبيه، في فروع الشافعية

Entries on التنبيه، في فروع الشافعية in 1 Arabic dictionary by the author Kâtip Çelebi / Ḥājī Khalīfa, Kashf al-Ẓunūn ʿan Asāmī al-Kutub wa-l-Funūn
التنبيه، في فروع الشافعية
للشيخ، أبي إسحاق: إبراهيم بن علي الفقيه، الشيرازي، الشافعي.
المتوفى: سنة 476، ست وسبعين وأربعمائة.
وهو: أحد الكتب الخمس المشهورة المتداولة، بين الشافعية، وأكثرها تداولا.
كما صرح به النووي في (تهذيبه)، أخذه من تعليقة:
الشيخ، أبي حامد، المروزي.
بدأ في تصنيفه: في أوائل رمضان، سنة 452، اثنتين وخمسين وأربعمائة.
ولبعضهم في مدحه:
يا كوكبا ملأ البصائر نوره * من ذا رأى لك في الأنام شبيها
كانت خواطرنا نياما برهة *فرزقن من تنبيهه تنبيها
وله: شروح كثيرة.
منها:
شرح: صاين الدين: عبد العزيز بن عبد الكريم الجيلي، المعروف: (بالمعيد).
المتوفى: سنة....
وسماه: (الموضح).
إلا أنه لا يجوز الاعتماد على ما فيه من النقول، لأن بعض الحساد حسده عليه، فدس فيه، فأفسده.
صرح به: النووي، وابن الصلاح.
وشرح: أبي طاهر الكرخي، الشافعي.
وهو كبير.
في أربع مجلدات.
وشرح: الإمام، أبي الحسن: محمد بن مبارك، المعروف: بابن الخل الشافعي.
المتوفى: سنة 552، اثنتين وخمسين وخمسمائة.
وهو: مجلد.
سماه: (توجيه التنبيه).
وهو: أول من تكلم على التنبيه.
وليس في شرحه تصوير المسألة، لكنه عللها بعبارة مختصرة.
وشرح: الإمام، أبي العباس: أحمد بن الإمام: موسى ابن يونس الموصلي.
المتوفى: سنة 622، اثنتين وعشرين وستمائة.
قال ابن خلكان: شرع بإربل.
واستعار منها: نسخة من (التنبيه) عليها حواش مفيدة.
بخط الشيخ، رضي الدين: سليمان بن المظفر الجيلي.
المتوفى: سنة 631، إحدى وثلاثين وستمائة.
ورأيت بعد ذلك: قد نقل الحواشي كلها في شرحه. انتهى.
وشرح: الإمام، تاج الدين: عبد الرحمن بن إبراهيم، المعروف: بالفركاح، الشافعي.
المتوفى: سنة 690، تسعين وستمائة.
وسماه: (الإقليد، لدر التقليد).
وقف قبل وصوله إلى كتاب (النكاح).
ولم يكمله.
وشرح: ولده، برهان الدين: إبراهيم بن الفركاح.
المتوفى: سنة 729، تسع وعشرين وسبعمائة.
وهي: تعليقة حافلة.
قال الأسنوي: إنه كبير الحجم، قليل الفائدة بالنسبة إلى حجمه، كأنه حاطب ليل.
جمع فيه: بين الغث والسمين.
وشرح: شمس الدين: محمد بن عبد الرحمن الحضرمي.
المتوفى: سنة 613.
سماه: (الإكمال، لما وقع في التنبيه من الإشكال والإجمال).
ذكره: التاج السبكي. وقال: و(الإكمال) لا أعرفه.
وشرح: موفق الدين: حمزة بن يوسف الحموي، الشافعي.
المتوفى: سنة 670، سبعين وستمائة.
أجاب فيه: عن الإشكالات الواردة عليه.
وسماه: (المبهت).
وشرح: الشيخ، نجم الدين: محمد بن عقيل البالسي، الشافعي.
المتوفى: سنة 729، تسع وعشرين وسبعمائة.
وشرح: الإمام، علم الدين: عبد الكريم بن علي العراقي، الشافعي.
المتوفى: سنة 704، أربع وسبعمائة.
وشرح: شمس الدين: محمد بن أبي منصور، المعروف: بابن السبتي.
فرغ عن تأليفه: سنة 706، ست وسبعمائة.
وشرح: شهاب الدين: أحمد بن العامري اليمني، الشافعي.
المتوفى: سنة 721، إحدى وعشرين وسبعمائة.
وشرح: كمال الدين: أحمد بن عيسى بن رضوان العسقلاني، المعروف: بابن القليوبي.
المتوفى: سنة 689، تسع وثمانين وستمائة.
وشرح: الشيخ: علي بن أبي الحزم القرشي، المعروف: بابن النفيس، المتطبب، الشافعي.
المتوفى: سنة 687، سبع وثمانين وستمائة.
وشرح: علاء الدين: علي بن عبد الكافي السبكي.
المتوفى: سنة 747، سبع وأربعين وسبعمائة.
وهو كبير.
في أربع مجلدات.
وشرح: جلال الدين: أحمد بن عبد الرحمن الكندي.
المتوفى: سنة سبع وسبعين وستمائة.
وشرح: أحمد بن كشاسب الدزماري.
المتوفى: سنة 643، ثلاث وأربعين وستمائة.
وهو: في مجلد.
سماه: (رفع التمويه، عن مشكل التنبيه).
وشرح: الحافظ، زكي الدين: عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، الشافعي.
المتوفى: سنة 656، ست وخمسين وستمائة.
وشرح: الإمام، محيي الدين: يحيى بن شرف بن مري بن الحسن النووي، الشافعي.
المتوفى: سنة 676، ست وسبعين وستمائة.
وهو: شرح غريب.
سماه: (التحرير).
ذكر فيه: أن (التنبيه) من الكتب المباركة النافعة، فينبغي أن يعتنى بتحريره، وتهذيبه.
ومن ذلك نوعان:
أهمهما ما يفتي به، وتصحيح ما ترك المصنف تصحيحه، أو خولف فيه، أو جزم بما هو خلاف المذهب، وأنكر عليه.
قال: وقد جمعت ذلك في كراس قبل هذا.
والثاني: بيان لغاته، وضبط ألفاظه.
ذكر فيه: جميع ما يتعلق بألفاظه.
وعلى (التحرير) : (نكت).
للشريف، عز الدين: حمزة بن أحمد الحسيني، الدمشقي، الشافعي.
المتوفى: سنة 863، ثلاث وستين وثمانمائة. (874)
سماها: (الإيضاح).
وشرح: الشيخ، مجد الدين: أبي بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز السنكلومي، الشافعي.
المتوفى: سنة 740، أربعين وسبعمائة.
وهو: شرح كبير، حسن.
لخصه من: الرافعي، وابن الرفعة.
وسماه: (تحفة النبيه، في شرح التنبيه).
وشرح: القاضي، جمال الدين: محمد بن عبد الله الريمي، اليمني، الشافعي.
المتوفى: سنة 791، إحدى وتسعين وسبعمائة.
قال الأشرف إسماعيل، صاحب اليمن في (تاريخه) : وفي غرة ذي الحجة، سنة 788، ثمان وثمانين وسبعمائة، حمل إلينا القاضي: جمال الدين، كتابه المسمى: (بالتفقيه، في شرح التنبيه)، فأمرنا أن يحمل على رؤوس المتفقهة.
وكان أربعة وعشرين مجلدا.
فحبوناه: بثمانية وأربعين ألف درهم. انتهى.
وشرح: ضياء الدين: محمد بن إبراهيم المناوي.
المتوفى: سنة 746، ست وأربعين وسبعمائة.
وشرح: عماد الدين: محمد (هو: جمال الدين: عبد الرحيم) بن الحسين، الأسنوي.
المتوفى: سنة 777، سبع وسبعين وسبعمائة.
سماه: (تصحيح التنبيه).
وشرح: قطب الدين: محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي.
المتوفى: سنة 722، اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وله: (شرح) آخر.
ليس بتام.
و (نكت) أيضا.
وشرح: بدر الدين: محمد بهادر بن عبد الله الزركشي.
المتوفى: سنة 794، أربع وتسعين وسبعمائة.
وشرح: نجم الدين: محمد بن علي البالسي، الشافعي.
المتوفى: سنة 804، أربع وثمانمائة.
وشرح: نجم الدين: محمد بن علي الشافعي.
المتوفى: سنة 804، أربع وثمانمائة.
وشرح: شرف الدين: عبد الله بن محمد الفهري، التلمساني.
المتوفى: سنة 644.
وشرح: نجم الدين: أحمد بن محمد بن علي، المعروف: بابن الرفعة الشافعي.
المتوفى: سنة 716، ست عشرة وسبعمائة.
وهو: شرح كبير.
في نحو: عشرين مجلدا.
لم يعلق على (التنبيه) مثله.
مشتمل على: غرائب، وفوائد كثيرة.
سماه: (كفاية النبيه).
قال اليافعي: إن المجد السنكلومي: انتخبه.
في ست مجلدات.
وقد سبق.
و (مختصر الكفاية).
لشهاب الدين، أبي العباس: أحمد بن لؤلؤ بن النقيب الشافعي.
المتوفى: سنة 769، تسع وستين وسبعمائة.
وشرح: أحمد بن عيسى العسقلاني.
سماه: (الإشراق، في شرح تنبيه أبي إسحاق).
مجلد.
وشرح: الإمام، محب الدين: أحمد بن عبد الله الطبري، المكي.
المتوفى: سنة 694، أربع وتسعين وستمائة.
وهو: شرح مبسوط.
في عشرة أسفار كبار.
إلا أنه ربما يختار الوجوه الضعيفة.
صرح بذلك اليافعي في (تاريخه).
وله: (نكت على التنبيه) : كبرى، وصغرى.
وله: (مختصر التنبيه).
سماه: (مسلك النبيه، في تلخيص التنبيه).
وهو كبير.
وله: (مختصر) آخر.
وهو صغير.
سماه: (تحرير التنبيه، لكل طالب نبيه).
ومنها:
شرح: تقي الدين: أبي بكر بن محمد الحصني، الشافعي.
المتوفى: سنة 829، تسع وعشرين وثمانمائة.
وشرح: الإمام، أبي حفص: عمر بن علي بن الملقن الشافعي.
المتوفى: سنة 804، أربع وثمانمائة.
وهو كبير.
سماه: (الكفاية).
وله: (أمنية النبيه، فيما يرد على التصحيح والتنبيه).
مجلد.
وله: في أدلته (الخلاصة).
مجلد.
وله شرح آخر.
سماه: (غنية الفقيه).
في أربع مجلدات.
وشرح آخر.
سماه: (هادي النبيه).
في مجلد.
واختصره:
في جزء.
للحفظ.
سماه: (إرشاد النبيه، إلى تصحيح التنبيه).
وهو: غريب في بابه.
ذكره السخاوي: في (الضوء).
وشرح: شمس الدين: محمد.... الخطيب، الشربتي.
المتوفى: سنة 977، سبع وسبعين وتسعمائة.
(وتصحيح التنبيه).
لجمال الدين: محمد بن الحسين الأسنوي، الشافعي.
المتوفى: سنة 777، سبع وسبعين وسبعمائة.
وهو مختصر.
سماه: (تذكرة النبيه).
أوله: (الحمد لله رب العالمين... الخ).
قال: إن تصحيح (التنبيه) للنووي، وجدته قد أهمل في كثير، فحينئذ جردت المهملات، وجمعتها في: تأليف، سميته: (بالتنقيح).
ثم استخرت في تأليف جامع، كتبت فيه ما أهملته في (التنقيح).
وميزت الزيادات التي من قبلي.
وكان الفراغ منه: في شعبان، سنة 838، ثمان وثلاثين وسبعمائة، بالقاهرة.
وشرح: القاضي، تقي الدين: أبي بكر بن أحمد، المعروف: بابن قاضي شهبة، الشافعي، الدمشقي.
المتوفى: سنة 851، إحدى وخمسين وثمانمائة.
وله: (نكت على التنبيه) أيضا.
وشرح: الشيخ، زين الدين: سريجا بن محمد الملطي، ثم المارديني، الشافعي.
المتوفى: سنة 788، ثمان وثمانين وسبعمائة.
سماه: (نصح الفقيه).
وهو: أربعة أجزاء.
وشرح: قطب الدين: محمد بن محمد الخيضري، الشافعي.
المتوفى: سنة 894، أربع وتسعين وثمانمائة.
سماه: (مجمع العشاق، على توضح تنبيه الشيخ أبي إسحاق).
قال السخاوي: ومن تسميته يعلم حاله. انتهى.
وشرح: الشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
وهو: شرح ممزوج.
سماه: (الوافي).
لكنه لم يكمله.
وله: مختصر الأصل.
وعلى (التنبيه) تعليقة:
لبرهان الدين الفزاري.
سماها: (الإقليد).
صرح به: الأسنوي.
وللتنبيه: مختصرات، منها:
مختصر: تاج الدين: عبد الرحيم بن محمد الموصلي.
المتوفى: سنة 671، إحدى وسبعين وستمائة.
سماه: (النبيه، في اختصار التنبيه).
وله: (التنويه في فضل التنبيه).
ومختصر: الشيخ، جلال الدين: محمد بن أحمد المحلي، الشافعي.
المتوفى: سنة 864، أربع وستين وثمانمائة.
ومختصر: أبي الفرج: مفضل بن مسعود التنوخي.
سماه: (اللباب).
ومختصر: شرف الدين، أبي القاسم: هبة الله بن عبد الرحيم، البارزي، الحموي، الشافعي.
المتوفى: سنة 738، ثمان وثلاثين وسبعمائة.
ومن الشروح:
(شرح: تهذيب التنبيه).
لعماد الدين: إسماعيل بن إبراهيم بن شرف المقدسي.
المتوفى: سنة 852، اثنتين وخمسين وثمانمائة.
و (للتنبيه) منظومات، منها:
نظم: أبي عبد الله: محمد بن عبد الله الشيباني، اليمني.
ونظم: جعفر بن أحمد السراج.
المتوفى: سنة 500، خمسمائة.
ونظم: سعيد الدين: عبد العزيز بن أحمد الديري.
المتوفى: سنة 697، سبع وتسعين وستمائة.
وله: (دقائق التنبيه).
ونظم: ضياء الدين: علي بن سليم الأذرعي.
في: ستة عشر ألف بيت.
ونظم: الشيخ، الإمام: حسين بن عبد العزيز بن الحسين السباعي، خطيب حمص.
ونظم: الشهاب: أحمد بن سيف الدين بيلبك، الظاهري.
المتوفى: سنة 753.
سماه: (الروض النزيه، في نظم التنبيه).
وعلى (التنبيه) نكات، منها:
نكت: كمال الدين: أحمد بن عمر بن أحمد النسائي، القاهري.
المتوفى: سنة 757، سبع وخمسين وسبعمائة.
و (نكت: ابن أبي الصيف اليمني).

علم الجبر والمقابلة

Entries on علم الجبر والمقابلة in 2 Arabic dictionaries by the authors Ṣiddīq Ḥasan Khān, Abjad al-ʿUlūm and Kâtip Çelebi / Ḥājī Khalīfa, Kashf al-Ẓunūn ʿan Asāmī al-Kutub wa-l-Funūn
علم الجبر والمقابلة
وهو: من فروع علم الحساب، لأنه يعرف فيه كيفية استخراج مجهولات عددية من معلومات مخصوصة.
ومعنى الجبر: زيادة قدر ما نقص من الجملة المعادلة بالاستثناء في الجملة الأخرى ليتعادلا.
معنى المقابلة: إسقاط الزائد من إحدى الجملتين للتعادل.
وبيانه: أنهم اصطلحوا على أن يجعلوا للمجهولات مراتب من نسبة تقتضي ذلك:
أولها: العدد، لأنه به يتعين المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة المجهول إليه.
وثانيها: الشيء، لأن كل مجهول، فهو من حيث إبهامه شيء، وهو أيضاً جذر لما يلزم من تضعيفه في المرتبة الثانية.
وثالثها: المال، وهو مربع مبهم، فيخرج العمل المفروض إلى معادلة بين مختلفين، أو أكثر من هذه الأجناس، فيقابلون بعضها ببعض، ويجبرون ما فيها من الكسر، حتى يصير صحيحاً، ويؤول إلى الثلاثة التي عليها مدار الجبر، وهي العدد، والشيء، والمال.
توضيحه: أن كل عدد يضرب في نفسه، يسمى بالنسبة إلى حاصل ضربه في نفسه شيئاً في هذا العلم، ويفرض هناك كل مجهول يتصرف فيه شيئاً أيضاً، ويسمى الحاصل من الضرب بالقياس إلى العدد المذكور مالاً في العلم.
فإن كان في أحد المتعادلين من الأجناس استثناء كما في قولنا: عشرة إلا شيئاً، يعدل أربعة أشياء.
فالجبر: رفع الاستثناء بأن يزاد مثل المستثنى على المستثنى فيه، فيجعل عشرة كاملة، كأنه يجبر نقصانها، ويزاد مثل المستثنى على عديله كزيادة الشيء في المثال، بعد جبر العشرة على أربعة أشياء حتى تصير خمسة.
وإن كان في الطرفين أجناس من متماثلة، فالمقابلة أن تنقص الأجناس من الطرفين بعدة واحدة.
وقيل: هي تقابل بعض الأشياء ببعض على المساواة، كما في المثال المذكور، إذا قوبلت العشرة بالخمسة على المساواة.
وسمي العلم بهذين العملين: علم الجبر والمقابلة، لكثرة وقوعهما فيه، وأكثر ما انتهت المعادلة عندهم إلى ست مسائل، لأن المعادلة بين عدد وجذر، أي شيء ومال، مفردة أو مركبة، تجيء ستة.
قال ابن خلدون: وقد بلغنا أن بعض أئمة التعاليم من أهل المشرق أنهى المعادلات إلى أكثر من هذه الستة، وبلغها إلى فوق العشرين، واستخرج لها كلها أعمالاً وثيقة ببراهين هندسية. انتهى.
قال الفاضل: عمر بن إبراهيم الخيامي: إن أحد المعاني التعليمية من الرياضي هو: الجبر والمقابلة، وفيه ما يحتاج إلى أصناف من المقدمات معتاصة جداً متعذر حلها.
أما المتقدمون: فلم يصل إلينا منهم كلام فيها لعلهم لم يتفطنوا لها بعد الطلب والنظر، أولم يضطر البحث إلى النظر فيها، أو لم ينقل إلى لساننا كلامهم.
وأما المتأخرون: فقد عنَّ لهم تحليل المقدمة التي استعملها أرخميدس في الرابع من الثانية في الكرة، والأسطوانة بالجبر، فتؤدي إلى كعاب، وأموال، وأعداد متعادلة، فلم يتفق له حلها بعد أن أنكر فيها ملياً، فجزم بأنه ممتنع، حتى تبع أبو جعفر الخازن، وحلها بالقطوع المخروطية، ثم افتقر بعده جماعة من المهندسين إلى عدة أصناف منها فبعضهم حل البعض. انتهى.
قيل: أول من صنف فيه:
الأستاذ، أبو عبد الله: محمد بن موسى الخوارزمي.
وكتابه فيه معروف، مشهور.
وصنف بعده أبو كامل: شجاع بن أسلم كتابه: (الشامل) وهو من أحسن الكتب فيه.
ومن أحسن شروحه، شرح القرشي.
ومن الكتب المؤلفة فيه...
علم الجبر والمقابلة
هو: من فروع علم الحساب لأنه: علم يعرف فيه كيفية استخراج مجهولات عديدية بمعادلتها المعلومات مخصوصة على وجه مخصوص.
ومعنى الجبر: زيادة قدر ما نقص من الجملة المعادلة بالاستثناء في الجملة الأخرى لتتعادلا. ومعنى المقابلة: إسقاط الزائد من إحدى الجملتين للتعادل.
وبيانه: أنهم اصطلحوا على أن يجعلوا للمجهولات مراتب من نسبة تقتضي ذلك بطريق التضعيف بالضرب.
أولها: العدد لأنه به يتعين المطلوب المجهول باستخراجه من نسبة للمجهول إليه.
وثانيها: الشيء لأن كل مجهول فهو من حيث إبهامه: شيء وهو أيضا: جذر لما يلزم من تضعيفه في المرتبة الثانية.
وثالثها: المال وهو: مربع مبهم وما بعد ذلك فعلى نسبة الأس في المضروبين.
ثم يقع العمل للفروض في المسئلة فيخرج العمل المفروض إلى معادلة بين مختلفين أو أكثر من هذه الأجناس فيقابلون بعضها ببعض ويجبرون ما فيها من الكسر حتى يصير صحيحا ويحطون المراتب إلى أقل الأسوس إن أمكن حتى يؤول إلى الثلاثة التي عليها مدار الجبر عندهم وهي: العدد والشيء والمال.
توضحــيه: أن كل عدد يضرب في تفسير يمسي بالنسبة إلى حاصل ضربه في نفسه شيئا في هذا العلم يفرض هناك كل مجهول يتصرف فيه شيئا أيضا ويسمى الحاصل من الضرب: بالقياس إلى العدد المذكور مالا في هذا العلم فإن كان في أحد المتعادلين من الأجناس استثناء كما في قولنا: عشرة الأشياء يعدل أربعة اشياء.
فالجبر: رفع الإسنثناء: بأن يزاد مثل المستثنى على المستثنى منه فيجعل العشرة كاملة كأنه يجبر نقصانها أو يزاد مثل المستثنى على عديله كزيادة الشيء في المثال بعد جبر العشرة على أربعة أشياء حتى تصير خمسة.
وإن كان في الطرفين أجناس متماثلة: فالمقابلة أن تنقص الأجناس من الطرفين بعدة واحدة
وقيل: هي تقابل بعض الأشياء ببعض على المساواة كما في المثال المذكور إذا قوبلت العشرة بالخمسة على المساواة.
وسمي العلم بهذين العملين: علم الجبر والمقابلة لكثرة وقعهما فيه.
قال ابن خلدون: فإن كانت المعادلة بين واحد وواحد تعين فالمال والجذر يزول إبهامه بمعادلة العدد ويتعين.
والمال وإن عادل الجذور يتعين بعدتها وإن كانت المعادلة بين واحد واثنين أخرجه العمل الهندسي من طريق تفضيل الصرف في الاثنين.
وأكثر ما انتهت المعادلة عندهم إلى ست مسائل لأن المعادلة بين عدد وجزر أي شيء ومال مفردة أو مركبة تجيء ستة.
ومنفعته: استعلام المجهولات العددية إذا كانت معلومة العوارض ورياضة الذهن.
وأول من كتب هذا الفن أبو عبد الله الخوارزمي وبعده أبو كامل شجاع بن أسلم وجاء الناس على أثره فيه وكتابه في مسائله الست من أحسن الكتب الموضوعة فيه وشرحه كثير من أهل الأندلس فأجادوا.
ومن أحسن شروحه كتاب: القرشي وقد بلغنا أن بعض أئمة التعاليم من أهل المشرق أنهى المعادلات إلى أكثر من هذه الستة الأجناس وبلغها إلى فوق العشرين واستخرج لها كلها أعمالا وأتبعه ببراهين هندسية - والله يزيد في الخلق ما يشاء سبحانه وتعالى -. انتهى.
قال الشيخ عمر بن إبراهيم الخيامي: إن أحد المعاني التعليمية من الرياضي هو: الجبر والمقابلة وفيه ما يحتاج إلى أصناف من المقدمات معتاصة جدا متعذر حلها أما المتقدمون: فلم يصل إلينا منهم كلام فيها العلم لم يتفطنوا لها بعد الطلب والنظر أو لم يضطر البحث إلى النظر فيها ولم ينقل إلى لساننا كلامهم.
وأما المتأخرون: فقد عن لهم تحليل المقدمة استعملها أرخميدس في الرابعة من الثانية في الكرة والأسطوانة بالجبر فنادى إلى كتاب وأموال وأعداد متعادلة فلم يتفق له حلها بعد أن أنكر فيها مليا فجزم بأنه ممتنع حتى تبعه أبو جعفر الخازن وحلها بالقطوع المخروطية ثم افتقر بعده جماعة من المهندسين إلى عدة أصناف منها فبعضهم حل البعض. انتهى.
قال في: مدينة العلوم: ومن الكتب المختصرة فيه: نصاب الجبر لابن فلوس المارديني و: المفيد لابن المحلي الموصلي.
ومن المتوسطة: كتاب: الظفر للطوسي.
ومن المبسوطة: جامع الأصول لابن المحلي و: الكامل لأبي شجاع بن أسلم وبرهن السموك على مسائله بالبراهين العددية والهندسية و: أرجوزة ابن الياسمين و: شرحه مختصر نافع أورد فيه ما لا بد منه.
ومن الرسائل الوافية بالمقصود: رسالة شرف الدين محمد بن مسعود بن محمد المسعودي.

التّسلسل

Entries on التّسلسل in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّسلسل:
[في الانكليزية] Chronological order ،succession ،chain
[ في الفرنسية] ordre chronologique ،succession ،enchatnement

في اللغة الفارسية: الاتّصال وأن يجري الماء سائغا في الحلق. كما في المنتخب.
وعند المحدّثين عبارة عن توارد رجال إسناد الحديث واحدا فواحدا على حالة وصفة واحدة عند رواية ذلك الحديث، سواء كانت تلك الصفة للرواة قولا أو فعلا أو قولا وفعلا معا، أو كانت للإسناد في صيغ الأداء أو متعلّقة بزمن الرواية أو مكانها. وصيغ الأداء سمعت وحدّثني وأخبرني وقرأت عليه وقرئ عليه وأنا أسمع ونحوها، وهذا ما عليه الأكثرون. وقال الحاكم ومن أنواعه أنّ ألفاظ الأداء من جميع الرواة دالة على الاتصال. وإن اختلفت فقال بعضهم سمعت وبعضهم أخبرنا وبعضهم أنبأنا.
وأنواع التسلسل كثيرة خيرها ما فيه دلالة على الاتّصال وعدم التّدليس. والحديث الذي توارد رجال إسناده واحدا فواحدا على حالة واحدة إلخ يسمّى مسلسلا، فالتسلسل بالحقيقة صفة الإسناد. وقد يقع التسلسل في معظم الإسناد أي أكثره. فمثال التسلسل القولي قول الراوي سمعت فلانا قال سمعت فلانا إلخ، أو حدثنا فلان قال حدثنا فلان إلخ. ومثال الفعلي قوله دخلنا على فلان فأطعمنا تمرا قال دخلنا على فلان فأطعمنا تمرا إلخ. ومثال القولي والفعلي معا قوله حدثني فلان وهو آخذ بلحيته قال آمنت بالقدر خيره وشرّه وحلوه ومرّه قال: حدثني فلان وهو آخذ بلحيته قال آمنت بالقدر خيره وشرّه وحلوه ومرّه إلخ، هكذا في شرح النخبة وشرحه. وفي خلاصة الخلاصة المسلسل هو ما تتابع فيه رجال الإسناد عند رواية على صفة واحدة. وتلك الصفة إمّا في الرواة وهو على ضربين: قولي كقولهم سمعت فلانا أو أخبرنا فلان إلخ، وهو قسمان: الأول ما اتصل بالرسول صلى الله عليه وسلم ومنه مسلسل إني أحبك في حديث «اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». والثاني ما انقطع في آخره. وفعلي كحديث التشبيك باليد والعدّ بها والمصافحة وأشباهها. وإمّا في الرواية كالمسلسل باتفاق أسماء الرواة وأسماء آبائهم أو كناهم أو أنسابهم كسلسلة الأحمديين أو بلدانهم كسلسلة الدمشقيين المروية عن النووي، أو صفاتهم كالفقهاء في المتبايعان بالخيار. وأفضله ما دلّ على اتّصال السّماع ومن فضله زيادة الضبط انتهى. وعند الحكماء عبارة عن ترتّب أمور غير متناهية مجتمعة في الوجود والترتيب سواء كان الترتّب وضعيا أو عقليا، صرّح بذلك المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية في برهان امتناع كون كلّ من التصوّر والتصديق بجميع أفراده نظريا، وهذا تعريف للتسلسل المستحيل عند الحكماء.
وأمّا التسلسل مطلقا فهو ترتّب أمور غير متناهية عند الحكماء وكذا عند المتكلمين. وأمّا التّسلسل المستحيل عندهم فترتب أمور غير متناهية مجتمعة في الوجود. وبالجملة فاستحالة التّسلسل عند الحكماء مشروطة بشرطين اجتماع الأمور الغير المتناهية في الوجود والترتيب بينها إمّا وضعا أو طبعا. وعند المتكلمين ليست مشروطة بشرطين مذكورين، بل كلّ ما ضبطه الوجود يستحيل فيه التسلسل. ويؤيّده ما وقع في شرح حكمة العين أقسام التسلسل أربعة، لأنه إمّا أن لا تكون أجزاء السلسلة مجتمعة في الوجود أو تكون، والأوّل هو التسلسل في الحوادث، والثاني إمّا أن يكون بين تلك الأجزاء ترتّب طبيعي وهو كالتسلسل في العلل والمعلولات ونحوها من الصفات والموصوفات المترتبة الموجودة معا، أو وضعي وهو التسلسل في الأجسام، أو لم يكن بينها ترتّب وهو التسلسل في النفوس البشرية. والأقسام بأسرها باطلة عند المتكلّمين دون الأول، والرابع عند الحكماء انتهى.
وتلخيص ما قال الحكماء هو أنّه إذا كانت الآحاد موجودة معا بالفعل وكان بينها ترتّب أيضا، فإذا جعل الأول من إحدى الجملتين بإزاء الأول من الجملة الأخرى كان الثاني بإزاء الثاني قطعا، وهكذا فيتم التطبيق المستلزم للمحال بلا شبهة. وتقريره أن يقال لو تسلسلت الأمور المترتّبة الموجودة معا لأمكن أن تفرض هناك جملتان مبدأ إحداهما الواحد ومبدأ الأخرى ما فوق الواحد بمتناه، ثم يطبق مبدأ أحدهما على مبدأ الأخرى. فالأول من أحدهما بإزاء الأول من الأخرى والثاني بالثاني وهلمّ جرّا. فالناقصة إمّا مثل الزائدة واستحالتها ظاهرة. وإن لم تكن مثلها وذلك لا يتصوّر إلّا بأن يوجد جزء من التّامة لا يكون بإزائه جزء من الناقصة، وعند هذا الجزء تنقطع الناقصة فتكون متناهية والزائدة لا تزيد عليه إلّا بمتناه، والزائد على المتناهي بمتناه متناه، فيلزم تناهي الزائدة أيضا، هذا خلف. وهذا الدليل هو المسمّى ببرهان التطبيق. وأمّا إذا لم تكن الآحاد موجودة فلا يتمّ التطبيق لأنّ وقوع آحاد أحدهما بإزاء آحاد الأخرى ليس في الوجود الخارجي، إذ ليست مجتمعة في الخارج في زمان أصلا، وليس في الوجود الذهني لاستحالة وجودها مفصّلة في الذهن دفعة. ومن المعلوم أنّه لا يتصوّر وقوع بعضها بإزاء بعض إلّا إذا كانت موجودة معا تفصيلا إمّا في الخارج أو في الذهن. وكذا لا يتمّ التطبيق إذا كانت الآحاد موجودة معا إذ لا يلزم من كون الأول بإزاء الأول كون الثاني بإزاء الثاني والثالث بإزاء الثالث وهكذا لجواز أن تقع آحاد كثيرة من أحدهما بإزاء واحد من الأخرى، اللهم إلّا إذا لاحظ العقل كل واحد من الأولى واعتبره بإزاء واحد واحد من الأخرى. لكن العقل لا يقدر على استحضار ما لا نهاية له مفصّلة لا دفعة ولا في زمان متناه حتى يتصوّر التطبيق. ويظهر الخلف بل ينقطع التطبيق بانقطاع الوهم والعقل.
واســتوضح ذلك بتوهّم التطبيق بين جبلين ممتدين على الاستواء وبين أعداد الحصى فإنّك في الأول إذا طبّقت طرف أحد الجبلين على طرف الآخر كان ذلك كافيا في وقوع كل جزء من أحدهما بإزاء جزء من الثاني وليس الحال في أعداد الحصى كذلك، بل لا بدّ في التطبيق من اعتبار تفاصيلها.
وحاصل التلخيص أنّ التطبيق التفصيلي ممتنع في الأمور الغير المتناهية مطلقا، فلا يجري البرهان في شيء من الصور. فالمراد التطبيق الإجمالي وهو إنّما يجري في الأمور المجتمعة المترتبة دون غيرها. وأما المتكلمون فيقولون يجريان التطبيق في الأمور المتعاقبة أي الغير المجتمعة في الوجود كالحركات الفلكية وفي الأمور المجتمعة سواء كان بينها ترتّب طبعي كالعلل والمعلولات، أو وضعي كالأبعاد، أو لا يكون هناك ترتّب أصلا كالنفوس الناطقة المفارقة، وهذا هو الحقّ. وقول الحكماء إذ ليست مجتمعة في الخارج في زمان أصلا الخ، قلنا لا يخفى أنه لا يلزم من عدم اجتماع الآحاد في زمان عدمها مطلقا، فإنّ كل واحد منها موجود في زمانه وذلك لأنّ العدم اللاحق ليس سلب الوجود مطلقا، بل سلب الوجود في الزمان الثاني، وكذا العدم السابق ليس سلب الوجود في الزمان الأول، فالتطبيق يجري بين الآحاد المترتبة الغير المتناهية سواء كانت مجتمعة أو متعاقبة. وأيضا فالعدم السابق عدم مطلقا بحدوث العالم، والعدم اللاحق غيبوبة زمانية وليس عدما حقيقيا لأنّ رفع الشيء بعد ثبوته عن نفس الواقع محال يحكم به النظر الصحيح. فاللازم هاهنا هو الاجتماع بحسب الواقع لا بحسب الزمان. وما ظنوا أنّه لا بدّ هاهنا من تقدم أو تأخر إمّا وضعا أو طبعا، وهما من الإضافات المتكررة فيجب اجتماعهما واجتماع موصوفهما في وجود، وذلك الوجود ليس إلّا الوجود الخارجي لعدم اكتفاء الوجود الذهني الإجمالي في التطبيق وانتفاء الوجود الذهني التفصيلي مطلقا، كلام خال عن التحصيل، لأنّ ذلك الوجود هو الوجود الخارجي في نفس الواقع، والمتقدم والمتأخر مجتمعان في هذا الوجود، فإنّ كلا منهما موجود بهذا الوجود في زمانه.
وكونهما من الإضافات المتكررة لا يستدعي أن يكونا في زمان واحد، بل أن يكونا في الواقع معا، ألا ترى أنّ المعدات غير متناهية والمعدّ متقدم على معلوله بسب الوجود الخارجي وهما لا يجتمعان في زمان واحد.
وتحقيقه أنّ ما لا بدّ [منه] في التطبيق هو التقدّم والتأخر بمعنى منشأ الانتزاع، وهما لا يلزم أن يكونا مجتمعين في الزمان بل في الواقع. وكذا ما ظنّوا من أنّ في ربط الحادث بالقديم لا بدّ من التسلسل على سبيل التعاقب، لأنّ القديم ليس علّة تامة للحادث، وإلّا يلزم التخلّف، فيكون مع شرط حادث، وينتقل الكلام إليه وهكذا إلى غير النهاية ساقط عن درجة التحقيق، لأن أزليّة الإمكان لا تستلزم إمكان الأزلية. فالقديم علّة للحادث ولا يلزم التخلّف لامتناع وجوده في الأزل. لا يقال على تقدير التعاقب لا يحتاج إلى الترتب وإنما يحتاج إليه على تقدير الاجتماع لتحقّق التقدّم والتأخّر الزمانيين بين الآحاد المتعاقبة ولو بالفرض لأنّا نقول التطبيق يجري فيها من حيث إنها مجتمعة بحسب الوجود في نفس الواقع. ولا شكّ أنها بهذه الحيثية لا يلحقها التقدم والتأخر الزمانيان.
فإن قلت هذا حكم التطبيق في الزمانيات فما حكمه في الزمان على تقدير أن يكون بنفسه موجودا في الخارج أي لا برسمه الذي هو الآن السيّال فقط فإنه لتغيره الذاتي يلحقه التقدّم والتأخّر؟ قلت حكم التطبيق أنه على ذلك التقدير يجب أن يكون من حيث التغيّر متناهيا محدودا بحدود لجريان التطبيق فيه، فإما أن يمتنع التجاوز عن ذلك الحدّ منقطعا عنده كما في الجانب الماضي، فيكون من حيث الثّبات أيضا متناهيا في هذا، أو يمكن التجاوز عنه غير منقطع عنده كما في الجانب المستقبل فيكون من حيث الثبات غير متناه في ذلك الجانب، ولا يجري التطبيق فيه فتدبّر جدا. فثبت أنّ كل ما ضبطه الوجود يجري فيه التطبيق وما ليس ضبطه الوجود فلا، كمراتب الأعداد فإنها وهمية محضة فلا يكون ذهابها في التطبيق إلّا باعتبار الوهم، لكنه عاجز عن ملاحظة تلك الأمور الوهمية التي لا تتناهى، فتنقطع تلك الأمور بانقطاع الوهم عن تطبيقها. هكذا يستفاد من شرح المواقف وحاشيته للمولوي ميرزا زاهد في مرصد العلّة والمعلول في الموقف الثاني. وقد يراد بالتسلسل ما يعمّ الدور كما في حاشية جدّي على البيضاوي في تفسير قوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها.
تنبيه.
الحكم بجواز التسلسل في الأمور الاعتبارية ليس بصحيح على الإطلاق، وإنما ذلك فيما إذا كان منشأ وجود آحاد السلسلة مجرّد اعتبار العقل، وإن كان الاعتبار مطابقا لنفس الأمر كما في مراتب الأعداد فإنّ منشأها الوحدة وتكررها، وكذا كلّ ما تكرر نوعه بمجرد اعتبار العقل فإنه من الأمور الاعتبارية التي يجوز فيها التسلسل. وأمّا إذا كان منشأ وجود تلك السلسلة أمرا غير اعتبار العقل فالتسلسل فيها باطل، وإلّا لزم وجود الأمور الغير المتناهية في نفس الأمر ويجري فيها التطبيق عند المتكلمين. وعند الحكماء إذا كان ترتب واجتماع في ذلك الوجود ولا ينقطع حينئذ بانقطاع الاعتبار إذ لا مدخل لاعتبار العقل في وجودها. ولذا حكموا ببطلان التسلسل على تقدير نظرية كلّ من التصوّر والتصديق لاستلزامه وجود أمور غير متناهية في الذهن لعدم انقطاعه بانقطاع الاعتبار. هكذا حقق المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف في مرصد إثبات العلوم الضرورية. اعلم أنّ لإبطال التسلسل طرقا أخر منها ما مرّ في لفظ البرهان ومنها ما يسمّى ببرهان التضايف.
اعلم أنّ لإبطال التسلسل طرقا أخر منها ما مرّ في لفظ البرهان ومنها ما يسمّى ببرهان التضايف، وتقريره لو تسلسلت العلل إلى غير النهاية لزم زيادة عدد المعلولية على عدد العليّة، والتالي باطل، فكذا المقدّم. أمّا بيان الملازمة فهو أنّ آحاد السلسلة ما خلا المعلول الأخير لكلّ واحد منها عليّة بالنسبة إلى ما تحته ومعلولية بالنسبة إلى ما فوقه فيتكافأ عددهما فيما سواه، وبقيت معلولية المعلول الأخير زائدة فيزيد عدد المعلوليات الحاصلة في السلسلة الأولى على عدد العلّيات الواقعة منها بواحد.
ومنها ما يسمّى البرهان العرشي وتقريره أن يقال لو ترتّبت أمور غير متناهية كان ما بين مبدئها وكل واحد من الذي بعده متناهيا لأنه محصور بين حاصرين فيكون الكل متناهيا، لأنّ الكلّ لا يزيد على ما بين المبدأ ووكل واحد إلّا بالطرفين كذا في رسالة إثبات الواجب.

التوكيد والتكرير

Entries on التوكيد والتكرير in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
التوكيد والتكرير
التوكيد من أهم العوامل لبث الفكرة في نفوس الجماعات، وإقرارها في قلوبهم إقرارا، ينتهى إلى الإيمان بها، وقيمة التوكيد بدوام تكراره بالألفاظ عينها، ما أمكن ذلك، «فإذا تكرر الشيء رسخ في الأذهان رسوخا، تنتهى بقبوله حقيقة ناصعة» وللتكرار تأثير في عقول المستنيرين، وتأثيره أكبر في عقول الجماعات من باب أولى، والسبب في ذلك كون المكرر ينطبع في تجاويف الملكات اللاشعورية، التى تختمر فيها أسباب أفعال الإنسان، فإذا انقضى شطر من الزمن نسى الواحد منا صاحب التكرار، وانتهى بتصديق المكرر .
واستخدم القرآن التوكيد وسيلة لتثبيت المعنى في نفوس قارئيه، وإقراره في أفئدتهم، حتى يصبح عقيدة من عقائدهم.
وقد يكرر القرآن الجملة المؤكدة عدة مرات بألفاظها نفسها، علما منه بما لذلك.
من أثر في النفس، فتراه مثلا في سورة الشعراء يكرر الجملتين الآتيتين خمس مرات، من غير أن يغير من ألفاظهما حرفا، فقال على لسان بعض رسله: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (الشعراء 107، 108 و 126 و 144 و 163 و 179).
وهى وإن كانت مقولة على ألسنة عدة رسل، توحى لتكررها بعبارة واحدة، بصدق هؤلاء الرسل وتثبيت التصديق بهم.
ويؤكد القرآن صفات الله، حتى يستقر الإيمان بها في النفوس، وذلك هو الأساس الذى ينبنى عليه الدين، فتسمعه يقول مكررا ومؤكدا في كثير مما يكرره:
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة 20)، إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة 110)، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة 115)، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة 153)، فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (البقرة 158)، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (البقرة 173)، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة 190)، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة 195)، أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (البقرة 196)، أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة 209)، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة 222)، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة 181)، أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة 231)، أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (البقرة 267)، إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (آل عمران 5)، إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ (آل عمران 9)، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (الرعد 31)، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (آل عمران 199)، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (آل عمران 37)، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (العنكبوت 6)، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (آل عمران 119)، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (الأنفال 47)، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران 9).
فهذا التأكيد يقرر معانى هذه الصفات في النفس، وإذا تكررت هذه المعانى فى النفس انبثق منها العمل الصالح، المبنى على أساس من الإيمان المكين. وفي أحيان كثيرة يستغنى القرآن عن التوكيد بتكريرها في مواضع شتى، وهذا التكرير للصفات في المناسبات المختلفة مصدر توطيدها في النفس.
ويؤكد القرآن وعده ووعيده، فيكرر مؤكدا قوله: إن الله يحب المتقين، وإن الله مع المتقين، وفي مواضع شتى، وقوله: إن الله لا يحب الكافرين، وإن الله لا يهدى القوم الكافرين، وحينا يكتفى بالتكرير- كما قلنا- عن توكيد الجملة.
ويؤكد كل خبر هو مجال للشك أو الإنكار، وكلما توغل الخبر في ميدان الشك زادت ألوان المؤكدات، وتأمل لذلك قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (البقرة 11 - 14). أولا تراهم عند ما أنكروا الإفساد في الأرض والسفاهة، أكد اتصافهم بها بألا، وإن، وتعريف ركنى الجملة المؤذن بالقصر، وضمير الفصل. ولمّا كان إقرارهم للمؤمنين بالإيمان بألسنتهم مبعثا للشك في نفوس شياطينهم، دفعهم ذلك إلى تأكيدهم لهم الثبات على مبادئهم، وأنهم لا يبغون عنها حولا.
واقرأ قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا
بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
(يس 13 - 16). ألا ترى المرسلين قد أكدوا رسالتهم بإن، عند ما كذبهم أصحاب القرية، فلما لج هؤلاء في التكذيب، زادوا في تأكيد رسالتهم مؤكدا جديدا، هو اللام، وأشهدوا ربهم على صدق دعواهم. وللتوكيد أساليب كثيرة في القرآن الكريم، فمنها التوكيد المعنوى بكل وأجمع، كما في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (الحجر 30). وفائدة هذا اللون من التوكيد رفع ما يتوهم من عدم الشمول، وإنى أرى هنا ما رآه الفراء من أن كلهم أفادت ذلك، وأجمعون أفادت اجتماعهم على السجود، وأنهم لم يسجدوا متفرقين.
ومنها التوكيد اللفظى، بأن يكرر السابق لفظه، اسما كان، أو فعلا، أو اسم فعل، أو حرفا، أو جملة، كما ترى ذلك في قوله تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (الفجر 21). وقوله: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (الطارق 17). وقوله سبحانه:
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (المؤمنون 36). وقوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (المؤمنون 35)، وقوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (الشرح 5، 6)، وكثيرا ما تقترن الجملة الثانية بثم، كما في قوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (الانفطار 17، 18).
ومنه تأكيد الضمير المنفصل بمثله، كما قال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (النمل 3). وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل، فى قوله سبحانه: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (الأعراف 115)، وفي تأكيدهم ما يشعر بثقتهم بأنفسهم، وقوله تعالى: قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (طه 68). وفي ذلك تثبيت قلب موسى وبعث الطمأنينة إليه.
ومنه تأكيد الفعل بمصدره، ويكون ذلك في الأمور التى يتوهم فيها المجاز، فيأتى الفعل لرفع هذا التوهم، وتأمل ذلك في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (النساء 104)، فقد يطلق الكلام على الإيحاء، وينصرف الذهن إليه، فجاء المصدر لإزالة هذا التوهم.
وقوله تعالى: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (الطور 7 - 10). أو لا ترى أن اضطراب السماء، وسير الجبال، مما قد تتردد النفس في قبوله، فجىء بالمصدر تأكيدا لوقوعه. وقد يؤكد الفعل بمصدر فعل آخر نيابة عن المصدر، كما في قوله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (الجن 8). وفي ذلك دلالة على ما للتبتيل من أثر في استجلاب رضوان الله، فأمر به مؤكدا، ولعل السر فى العدول إلى هذا المصدر، هو المحافظة على النغمة الموسيقية للآية.
ومن ألوان التوكيد أن يكون في الجملة أداة من أدوات التوكيد، وهى إن، وأن، ولام الابتداء، والقسم، وألا الاستفتاحية، وهاء التنبيه، وكأن في تأكيد التشبيه، وضمير الشأن، وضمير الفصل، وقد، والسين، وسوف، والنونان في تأكيد الفعل، ودخول الأحرف الزائدة في الجملة، وتؤكد الجملة بذلك لتثبيت معناها وتوطيده في النفس، وكلما كان هذا المعنى مجالا للشك أو الإنكار، كان موضع التوكيد أنسب وأقوى، كما ذكرنا.
وقد يؤكد القرآن أمرا هو من البداهة بمكان، لأنه يرمى من وراء ذلك إلى هدف هام، تتبينه النفس عند ما تتدبر أمر هذا التوكيد، لترى ما موقعه، ولم كان، وتأمل قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (المؤمنون 15، 16). فلما كان تماديهم في الضلال يصرفهم عن التفكير المستقيم، المؤدى إلى الإيمان، بالله ورسله، واليوم الآخر، وكانت هذه الغفلة تلفتهم عن التفكير في مصيرهم، فكأنهم مخلدون لا يصيبهم موت ولا فناء- أكد نزول الموت بهم تأكيدين ليفكروا فيه، وفيما يتطلبه نزوله بهم، من عمل صالح ينفعهم بعد هذا الموت.
وقد يكون تقوية التوكيد لقصد الترغيب، كما ترى ذلك في قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة 54)، فتأكيد هذه الصفة بأربعة تأكيدات، لترغيب العباد في التوبة، والرجوع إلى الله سبحانه.
تدخل إن في الكلام، ففضلا عن تأكيدها لمعنى الجملة، تربط ما بعدها بما قبلها. قال عبد القاهر: «هل شىء أبين في الفائدة، وأدل على أن ليس سواء دخولها وألا تدخل من أنك ترى الجملة إذا هى دخلت، ترتبط بما قبلها وتأتلف معه، وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا وكأن أحدهم قد سبك فى الآخر، هذه هى الصورة، حتى إذا جئت إلى إن فأسقطتها، رأيت الثانى مبهما قد نبا عن الأول، وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به، ولا يكون منه بسبيل، حتى تجىء بالفاء .. ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة، وترد عليك الذى كنت تجد بإن من المعنى، وهذا الضرب كثير من التنزيل جدا، من ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (الحج 1)، وقوله عز اسمه: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (لقمان 17)، وقوله سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (التوبة 103)، ومن أبين ذلك قوله تعالى:
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (هود 37). وقد يتكرر في الآية الواحدة، كقوله عز اسمه: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (يوسف 53)، وهى على الجملة من الكثرة، بحيث لا يدركها الإحصاء». وإنما تقع إن موضع الفاء، إذا كانت جملتها توضح ما قبلها، وتبين وجه الفائدة فيه، كتلك الآيات التى أوردها عبد القاهر، فقوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (الحج 1). يبين سبب أمرهم بالتقوى في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ (الحج 1)، وكذلك إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (التوبة 103). بيان للسبب في طلب الصلاة لهم من النبى، ولكن ذلك لا يطرد في كل موضع، بل هناك ما لا يحصى من الجمل التى لا تقتضى الفاء، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الدخان 51، 52). فقبله إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (الدخان 50)، ولو أنك قلت:
«إن هذا ما كنتم به تمترون، إن المتقين في جنات وعيون» لم يكن كلاما ، وقوله تعالى: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (الأنبياء 100، 101). فلو أتينا مكان إن بالفاء لم تجد لها وجها، كما أنه لا يجوز المجيء بالفاء مكان إن في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (الحج 17).
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (الكهف 30).
لأن جملة إن الثانية خبر عن الأولى في الآيتين، والخبر لا يجوز عطفه على المبتدأ.
قال عبد القاهر : «ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف، ما لا تراه إذا هى لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث يصلح إلا بها، وذلك في مثل قوله: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (التوبة 120).
وقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ (التوبة 63). وقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ (الأنعام 54). وقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (المؤمنون 117).
وقوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (الحج 46).
فإن قلت أو ليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص 1). قيل: هو، وإن جاء هنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة مع الشرط والجزاء، بل تراه لا يجيء إلا بإن، على أنهم قد أجازوا في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ألا يكون الضمير للأمر».
ولما كان جواب السؤال والجمل التى تلقى في مواضيع الجدل مما يحتاج إلى إقراره في نفس السائل والمجادل وتثبيته في قلبهما، كانت الجملة التى تقع جوابا من المواضع التى تجىء فيها إن، كما في قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ (الكهف 83، 84). وقوله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (الشعراء 216). وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (الأنعام 56). فإذا كان الكلام جواب منكر حشد له أكثر من أداة واحدة للتوكيد.
وقد تدخل إن للدلالة على أن المتكلم كان يظن أمرا فحدث خلافه، فيأتى بهذا التوكيد ليرد على نفسه ظنه، وكأنه يريد لهذه النفس أن يستقر فيها هذا النبأ الجديد الذى لم تكن تتوقعه، بل تتوقع سواه، وكأنها تريد أن تخلى مكانا من القلب قد شغل بخاطر، لتحل فيه خاطرا جديدا، وتأمل قوله تعالى حكاية عن أم مريم: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ (آل عمران 36). فأم مريم كان الأمل يملأ قلبها في أن تلد ذكرا نذرته لله، ولطول ما شغلها هذا الأمل تجسم في خيالها، حتى صار كأنه حقيقة واقعة، فلما وضعت مريم فوجئت، فأرادت أن تقر هذا الأمر الجديد في قلبها، حتى تروض نفسها عليه، وتستسلم لما كان. وكذلك قوله تعالى: حكاية عن نوح عليه السلام: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (الشعراء 117). فلم يكن نوح يتوقع أن يكذبه قومه، وقد جاءهم من ربهم بالنور والهدى، فكان تكذيبهم صدمة له يريد أن يوطن عليها نفسه.
والتأكيد بإن أقوى من التوكيد باللام المؤكدة، واللام المؤكدة هى لام الابتداء فى قوله تعالى: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ (الحشر 13). وقوله سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم 4). وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (الليل 12، 13). ولام القسم، كما في قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا. (يوسف 91).
وهنا نقف عند قوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (مريم 66).
فقد يبدو أن اللام لا موضع لها هنا لأن الإنسان المتحدث منكر للبعث. ولكن التأمل يبين أن هذا الإنسان المنكر إنما يحكى ما حدثه به الرسول حين أكد له هذا البعث.
ومن أمثلة «ألا» التنبيهية التى تفيد التوكيد قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (البقرة 13) وقوله سبحانه: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ (هود 8). ومن أمثلة «ها» التنبيهية، ولم ترد في القرآن إلا داخلة على ضمير المخاطبين المخبر عنه باسم الإشارة- قوله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ (آل عمران 119).
ويبدو لى أن منشأ التوكيد في البدء بهاتين الأداتين يعود إلى ما فيهما من تنبيه السامع إلى ما سيرد بعدهما من أخبار، وتهيئته لسماعها، وذلك لا يكون إلا حيث يعتنى بهذه الأخبار، لتستقر في النفس ونثبت بها.
ويفيد ضمير الشأن التوكيد من ناحية أنه يثير النفس، ويدفعها إلى معرفة المراد منه، فإذا جاء تفسيره استقر هذا التفسير في النفس، وتأكد فيها، وليس بكثير استخدام هذا الضمير في القرآن، وإنما يكون في المواضع التى يراد بها تعظيم أمر وتفخيمه عن طريق إبهامه ثمّ إيضاحه. ومن أمثلته قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص 1). وفَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج 46). وفَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا (الأنبياء 97).
أما ضمير الفصل فهو كثير في القرآن، ومن أمثلته قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (النجم 43 - 52).
وقد استخدم القرآن هنا ضمير الفصل في الأفعال التى هى مظنة الاشتراك، كما ترى ذلك في جملة الإضحاك والإبكاء، والإماتة والإحياء والإغناء والإقناء، أما حيث لا تدعى الشركة فلا حاجة إلى هذا الضمير، كما ترى في جمل خلق الزوجين، والنشأة الأخرى، وإهلاك عاد الأولى.
ومن ذلك قوله تعالى: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (الشعراء 75 - 82)، وترى هنا ما رأيته في الآية الماضية من المجيء بضمير الفصل حيث يتوهم في الفعل شركة، كما في الهداية والإطعام والشفاء، أما حيث لا تتوهم تلك الشركة فلا يأتى ضمير الفصل كما في الخلق والإماتة والإحياء.
ويقوى التوكيد في ضمير الفصل حتى يدل على القصر والاختصاص، كما ترى ذلك في الآيتين السالفتين، فإن ضمير الفصل نفى الشركة، وجعل الفعل خاصا بالله وحده، وتلمس القصر الذى أفاده ضمير الفصل في قوله سبحانه على لسان عيسى: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (المائدة 117)، فبعد وفاة عيسى لم يكن الرقيب عليهم سوى الله وحده.
هذا وقد تحدث البلاغيون طويلا فيما تفيده الباء الزائدة في خبر ما، وليس، من تأكيد في الجملة، منشؤه ما للباء الزائدة من معان، منها المصاحبة، ففي قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (البقرة 144). وقوله تعالى: وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (المجادلة 10). ترى هذه الباء قد نفت كل صلة تربط بين الله والغفلة، فى الآية الأولى، وبين السحر والضير في الآية الثانية، فلا صحبة بينهما ولا تلاق.
... وكرر القرآن في سورة الرحمن نيفا وثلاثين مرة قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الرحمن 16). متسائلا عما يستطيع أن ينكره الجن والإنس مما أولاهما الله من نعم، فلعل في هذا السؤال المتكرر ما يثير في نفس سامعيه اليقين بأنه ليس من الصواب نكران نعم تكررت وآلاء توالت.
وهنا يحسن أن أقف مشيرا إلى ما قد يبدو حينا من أن لا وجه لهذا التساؤل بعد بعض آيات السورة، كما يتراءى ذلك في قوله سبحانه وتعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الرحمن 26 - 28)، فأى نعمة يذكر بها الجن والإنس في فناء هذا العالم؟
ولكن تأملا في هذه الآيات وما ورد من هذا السؤال بعد وصف اليوم الآخر وأهواله، يدل على أن مثل هذا السؤال سيوجه بعد فناء هذا العالم، فكأن القرآن يقرر أن سيلقى مثل هذا السؤال، يوم تنشق السماء، ويوم يعرف المجرمون بسيماهم، أفلا يجدر بالمرء أن يفكر طويلا، كما أوحى القرآن بذلك، فى تلك الآلاء والنعم، فيقوم بواجب الإيمان بالنعم وشكرها، حتى لا يقف موقف الجاحد لهذه النعم يوم يحاسب الله الثقلين.
وكررت في سورة المرسلات تلك الجملة المنذرة، وهى قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (المرسلات 19)، وإذا نظرنا إلى هذه السورة، وجدناها تتحدث عن وقوع اليوم الآخر، وتصفه، فلا جرم كرر هذا الإنذار عقب كل وصف له، أو فعل يقع فيه، أو عمل من الله يدل على قدرة، يحيى بها الناس بعد موتهم، وفي هذا التكرير ما يوحى بالرهبة، ويملأ القلب رعبا من التكذيب بهذا اليوم الواقع بلا ريب.
وفي سورة الشعراء، كررت الآية الكريمة، وهى قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الشعراء 8، 9). ثمانى مرات وكانت متمكنة من موضعها في كل مكان حلت فيه، فقد جاءت في هذه السورة أولا، بعد أن وجه القرآن نظرهم إلى الأرض، أو ليس فيما تنبته من كل زوج بهيج ما يثير فى النفس التأمل لمعرفة خالق الأرض ومحييها. واستمع إليه سبحانه يقول:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الشعراء 7 - 9).
ويكرر الآية في موضع آخر، تحدث فيه عن انفلاق البحر لموسى، ونجاته، وغرق فرعون، وتلك آية من أكبر دلائل قدرته سبحانه، فهى جديرة بتسجيلها والإشارة إليها. قال تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الشعراء 63 - 68).
وكررت تلك الآية ست مرات أخرى عقب كل ما يجدر أن يكون عظة يعتبر بها، كتصوير جند إبليس، وقد كبكبوا في جهنم، وأخذوا يختصمون فيما بينهم، ويقررون أنهم كانوا في ضلالة وعمى، ويتمنون لو عادوا ليصلحوا ما أفسدوه، أو ليس في ذلك من العظة ما ينهى عن مثل هذا المصير.
وكررها كذلك عقب قصة صالح ولوط وشعيب، لأن مصير أقوامهم حقيق بأن تتلقى منه العظات والعبر، وكأن تلك الآية المكررة تشير إلى مرحلة من القول، يحسن الوقوف عندها والتريث لتدبرها، وتأمل ما تحوى من دروس تستفاد مما مضى من حوادث التاريخ.
وختم الآية بوصفه تعالى بالعزة والرحمة فيه كل المناسبة للحديث عن مصير الكافر والمؤمن، فهو عزيز يعاقب الكافر، ورحيم بمن آمن.
وتجد الآية التى كررت في سورة القمر، وهى قوله سبحانه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (القمر 17 و 22 و 32 و 40) - منبهة في كل موضع وردت فيه، إلى أن ما سيأتى بعدئذ مما عنى القرآن بالحديث عنه، تذكرة وعظة، وهو لذلك جدير بالتأمل الهادئ والتدبر والادكار.
وقد يحدث التكرير في آيتين متواليتين، كما في قوله سبحانه: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (النساء 131، 132). وذلك لتثبيت الإيمان بغنى الله عن عبادة العابد، في قلوب الناس، ليقبلوا على العبادة مؤمنين بأنها لخيرهم وحدهم، بل قد يكون التكرير في الآية الواحدة وذلك لتثبيت المكرر في النفس، كما في قوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (الحشر 18)، وقوله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (آل عمران 42).
ويوحى التكرير في سورة «الكافرون» باليأس إلى قلوب من كفر من أن ينصرف الرسول عن دينه إلى ما كان يعبد هؤلاء الكفرة، فليتدبروا أمرهم بينهم مليّا، ليروا سر هذا الإصرار من محمد، فعساهم يدركون أن هذا السر هو أن الرسول على حق، فيما يدعو إليه، فلم ينصرف عنه إلى أديان لا سند لها من الصواب والحق.

الكلّي

Entries on الكلّي in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الكلّي:
[في الانكليزية] Universal ،general
[ في الفرنسية] Universel general
عند المنطقيين يطلق بالاشتراك على معان.
الأول الكلّي الحقيقي وهو المفهوم الذي لا يمنع نفس تصوّره من وقوع شركة كثيرين فيه، ويقابله الجزئي الحقيقي تقابل العدم والملكة، وهو المفهوم الذي يمنع نفس تصوّره من وقوع شركة كثيرين فيه. ولنوضّح تعريف الجزئي لأنّ مفهومه وجودي مستلزم لتصوّر مفهوم الكلّي، فنقول: قولهم يمنع نفس تصوّره أي يمنع من حيث إنّه متصوّر فلا يرد ما يقال إنّا لا نسلّم أنّ المانع للعقل من وقوع الشركة نفس تصوّر المفهوم بل المفهوم نفسه بشرط تصوّره وحصوله عنده لأنّ المانع ما هو في نظره وهو المعلوم دون العلم، وإنّما يدخل العلم في نظره إذا التفت إليه، كيف وأنّ الجزئي بمجرّد تصوّره لا يمنع وقوع الشركة سواء التفت في تصوّره أو لا، فدخل الجزئيات بأسرها في تعريف الكلّي.
وحاصل الرّد أنّ المراد هذا لكن أسند المنع إلى التصوّر مجازا إسناد الفعل إلى الشرط، ومعنى تصوّر المفهوم حصول المفهوم نفسه لا صورته فلا يرد أنّ التصوّر حصول صورة الشيء في العقل فصار معنى تصوّر المفهوم حصول صورة المفهوم، فيلزم أن يكون للمفهوم مفهوم. وقد يقال إنّ مفهوم المفهوم عينه كوجود الوجود، والتقييد بالتصوّر يفيد قطع النظر عن الخارج، والتقييد بالنفس يفيد قطع النظر عن البرهان فلم يغن أحدهما عن الآخر، فيجب التقييد بهما لئلّا ينتقض التعريفان طردا وعكسا إذ لو لم يعتبر في تعريفهما التصوّر لصارت الكلّيات الفرضية التي يمتنع صدقها على شيء من الأشياء بالنظر إلى الخارج لا بالنظر إلى مجرّد تصوّرها مثل اللاشيء واللاوجود جزئية، ولو لم يعتبر النفس فيهما لدخل واجب الوجود في الجزئي لامتناع الشركة فيه بحسب الخارج بالبرهان. ومعنى شركة كثيرين فيه مطابقته لها، ومعنى المطابقة لكثيرين أنّه لا يحصل من تعقل كلّ واحد منها أثر متجدّد، فإنّا إذا رأينا زيدا وجرّدناه عن مشخّصاته حصل منه في أذهاننا الصورة الإنسانية المعراة عن اللواحق، فإذا رأينا بعد ذلك خالدا وجرّدناه لم يحصل منه صورة أخرى في العقل ولو انعكس الأمر في الرؤية كان حصول تلك الصورة من خالد دون زيد، واســتوضح ما أشرنا إليه من خواتم منتقشة انتقاشا واحدا، فإنّك إذا ضربت واحدا منها على الشمع انتقش بذلك النقش ولا ينتقش بعد ذلك ينقش آخر إذا ضربت عليه الخواتم الأخر، ولو سبق ضرب المتأخّر لكان الحاصل منه أيضا ذلك النقش بعينه فنسبته إلى تلك الخواتم نسبة الكلّي إلى جزئياته. فإن قيل الصورة الحاصلة من زيد في ذهن واحد من الطائفة الذين تصوّروه مطابقة لباقي الصور الحاصلة في أذهان غيره ضرورة أنّ الأشياء المطابقة لشيء واحد متطابقة فيلزم أن تكون تلك الصورة كلّية. قلت الكلّية مطابقة الحاصل في العقل لكثيرين هو ظلّ لها ومقتض لارتباطها، فإنّ الصور الإدراكية تكون أظلالا إمّا للأمور الخارجية أو لصور أخرى ذهنية. ومن البيّن أنّ الصورة الحاصلة في أذهان تلك الطائفة ليس بعضها فرعا لبعضها بل كلها أظلال لأمر واحد خارجي هو زيد. فإن قيل الصورة العقلية مرتسمة في نفس شخصية ومشخّصة بتشخّصات ذهنية فكيف تكون كلّية؟ قلت للصورة معنيان: الأول كيفية تحصل في العقل هي آلة ومرآة لمشاهدة ذي الصورة والثاني المعلوم التمييز بواسطة تلك الصورة في الذهن، ولا شكّ أنّ الصورة بالمعنى الأول صورة شخصية في نفس شخصية والكلّية ليست عارضة لها بل للصورة الحاصلة بالمعنى الثاني، فإنّ الكلّية لا تعرض لصورة الحيوان التي هي عرض حال في العقل بل للحيوان المتميّز بتلك الصورة. وكما أنّ الصورة الحالة مطابقة لأمور كثيرة كذلك الماهية المتميّزة بها مطابقة لتلك الأمور ومن لوازم هذه المطابقة أنّ الصورة إذا وجدت في الخارج وتشخّصت بتشخّص فرد من أفرادها كانت عينه وإذا وجد فرد منها في الذهن وتجرّد عن مشخّصاته كانت عين الصورة، أعني الماهية، وليس هذا الكلام ثابتا للصورة الحالة في القوة العاقلة لأنّها موجودة في الخارج وعرض، والعرض يستحيل أن يكون عين الأفراد الجوهرية، واختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات فالمعنيان للصورة مختلفان بالماهية.
هذا الجواب عند من يقول بأنّ المرتسم في العقل صور الأشياء وأشباحها المخالفة في الحقيقة لماهياتها. وأمّا عند من يقول بأنّ المرتسم فيها ماهياتها فجوابه أنّ الصورة الحاصلة في العقل إذا أخذت معراة عن التشخّصات العارضة بسبب حلولها في نفس شخصية كانت مطابقة لكثيرين بحيث لو وجدت في الخارج كانت عين الأفراد، وإذا حصلت الأفراد في الذهن كانت عينها على الوجه الذي صوّرناه. فإن قلت التصوّر حصول صورة الشيء في العقل والصورة العقلية كلّية فاستعمال التصوّر في حدّ الجزئي غير مستقيم. وأيضا المقسم أعني المفهوم الذي هو ما حصل في العقل لا يتناول الجزئي. قلت لا نسلّم أنّ الصورة العقلية كلّية فإنّ ما يحصل في النفس قد يكون بآلة وواسطة وهي الجزئيات وقد لا يكون بآلة وهي الكليات، والمدرك ليس إلّا النفس إلّا أنّه قد يكون إدراكه بواسطة وذلك لا ينافي حصول الصورة المدركة في النفس، وهذا عند من يقول بأنّ صور الجزئيات الجسمانية مرتسمة في النفس الناطقة أيضا. وأمّا عند من يقول بأنّها مرتسمة في آلاتها من الحواس فالجواب عنه أن يقال إنّ التصوّر هو حصول صورة الشيء عند العقل لا في العقل، وكذا المفهوم ما حصل عنده لا فيه، فإن كان كلّيا فصورته في العقل وإن كان جزئيا فصورته في آلته.
فائدة:
المعتبر في الكلّي إمكان فرض صدقه على كثرين سواء كان صادقا أو لم يكن، وسواء فرض العقل صدقه أو لم يفرض قط. لا يقال فلنفرض الجزئي صادقا على أشياء كما نفرض صدق اللاشيء عليها لأنّا نقول فرض صدق اللاشيء فرض ممتنع بالإضافة، فالفرض ممكن والمفروض ممتنع، وفرض الجزئي فرض ممتنع بالوصفية. فالفرض أيضا ممتنع كالمفروض.
والثاني الكلّي الإضافي وهو ما اندرج تحته شيء آخر في نفس الأمر وهو أخصّ من الكلّي الحقيقي بدرجتين: الأولى أنّ الكلّي الحقيقي قد لا يمكن اندراج شيء تحته كما في الكلّيات الفرضية ولا يتصوّر ذلك في الإضافي، والثانية أنّ الكلّي الحقيقي ربما أمكن اندراج شيء تحته ولم يندرج بالفعل لا ذهنا ولا خارجا، ولا بد في الإضافي من الاندراج بالفعل ويقابله تقابل التضايف الجزئي الإضافي. فعلى هذا الجزئي الإضافي ما اندرج بالفعل تحت شيء ولو قلنا الجزئي الإضافي ما أمكن اندراجه تحت شيء، كأنّ الكلّي الإضافي ما أمكن اندراج شيء تحته، ويكون أيضا أخصّ من الكلّي الحقيقي لكن بدرجة واحدة وهي الدرجة الأولى ولا يصحّ أن يقال الجزئي الإضافي ما أمكن فرض اندراجه تحت شيء آخر حتى يلزم أن يكون الكلّي الإضافي ما أمكن فرض اندراج شيء آخر تحته فيرجع إلى معنى الحقيقي لأنّه لا يقال للفرس إنّه جزئي إضافي للإنسان مع إمكان فرض الاندراج. وقيل الكلّي ليس له إلّا مفهوم واحد وهو الحقيقي والجزئي له مفهومان، والحقّ هو الأول. ثم اعلم أنّ البعض شرط في الجزئي الإضافي تحت أعمّ عموما من وجه مطلقا فاندراجه تحت الأعم من وجه لا يسمّى جزئيا إضافيا، وبعضهم أطلق الأعم وقال سواء كان أعم مطلقا أو من وجه وكان المذهب الأول هو الحقّ.
فائدة:
النسبة بين الجزئي الحقيقي والكلّي حقيقيا كان أو إضافيا مباينة كلّية وهو ظاهر وبين الجزئي الحقيقي والجزئي الإضافي أنّ الإضافي أعم مطلقا من الحقيقي لصدقهما على زيد وصدق الإضافي فقط على كلّي مندرج تحت كلّي آخر، كالحيوان بالنسبة إلى الجسم وبين الكلّي الحقيقي والكلّي الإضافي، على عكس هذا أي الحقيقي أعمّ من الإضافي وبين الكلّي حقيقيا كان أو إضافيا وبين الجزئي الإضافي أنّ الجزئي الإضافي أعمّ من الكليين من وجه لصدقهما في الإنسان وصدق الجزئي الإضافي دونهما في زيد وبالعكس في الجنس العالي.
والثالث اللفظ الدال على المفهوم الكلّي فإنّ الكلّي والجزئي كما يطلقان على المفهوم فيقال المفهوم إمّا كلّي أو جزئي كذلك يطلقان على اللفظ الدال على المفهوم الكلّي والجزئي بالتبعية والعرض تسمية للدال باسم المدلول.

التقسيم:
للكلّي تقسيمات الأول الكلّي الحقيقي إمّا أن يكون ممتنع الوجود في الخارج أو ممكن الوجود، الأول كشريك الباري، والثاني إمّا أن لا يوجد منه شيء في الخارج أو يوجد، والأول كالعنقاء، والثاني إمّا يكون الموجود منه واحدا أو كثيرا، والأول إمّا أن يكون غيره ممتنعا كواجب الوجود أو ممكنا كالشمس عند من يجوّز وجود شمس أخرى، والثاني إمّا أن يكون متناهيا كالكواكب السبعة أو غير متناه كالنفوس الناطقة، والمعتبر في حمل الكلّي على جزئياته حمل المواطأة. الثاني الكلّي إمّا جنس أو نوع أو فصل أو خاصة أو عرض عام، وبيان كلّ منها في موضعه الثالث الكلّي إمّا طبيعي أو منطقي أو عقلي فإنّ مفهوم الحيوان مثلا غير كونه كلّيا وإلّا فالنسبة نفس المنتسب وغير المركّب منهما، والأول هو الطبيعي والثاني المنطقي والثالث العقلي. بيان ذلك أنّ مفهوم الحيوان مثلا وهو الجوهر القابل للابعاد الثلاثة النامي الحسّاس المتحرّك بالإرادة معنى في نفسه، ومفهوم الكلّي المسمّى بالكلّي المنطقي وهو ما لا يمنع تصوّره عن فرض الشركة فيه من غير إشارة إلى شيء مخصوص معنى آخر بالضرورة وليس جزءا من المعنى الأول لإمكان تعقّله بالكنه مع الذهول عن الثاني، ولا لازما له من حيث هو هو وإلّا امتنع اتصافه بكونه جزئيا حقيقيا، وكذا مفهوم الجزئي مفهوم خارج عن مفهوم الحيوان وغير لازم من حيث ذاته، وإلّا لم يوجد منه إلّا شخص. ثم إنّ معنى الحيوان لا يتصف في الخارج بأنّه كلّي أي مشترك حتى يكون ذاتا واحدة بالحقيقة في الخارج موجودة في كثيرين لأنّه يلزم حينئذ اتصاف الأمر الواحد الحقيقي بأوصاف متضادة ولا يتصف أيضا في الذهن بالكلّية المفسّرة بالشركة لأنّ المرتسم في نفس شخصية يمتنع أن يكون هو بعينه مشتركا بين أمور متعدّدة. نعم الطبيعة الحيوانية إذا حصلت في الذهن عرض لها نسبة واحدة متشابهة إلى أمور كثيرة بها يحملها العقل على واحد واحد منها، فهذا العارض هو الكلّية ونسبة الحيوان إليه نسبة الثوب إلى الأبيض، فكما أنّ الثوب له معنى والأبيض له معنى آخر فكذلك الحيوان كما عرفت. فالمفهوم الذي يصدق عليه مفهوم الكلّي سمّي كلّيا طبيعيا لأنّه طبيعة ما من الطبائع، ومفهوم الكلّي العارض له يسمّى كلّيا منطقيا لأنّ المنطقي إنّما يبحث عنه والمجموع المركّب من المعروض والعارض يسمّى كلّيا عقليا لعدم تحقّقه إلّا في الذهن والعقل. وإنّما قلنا الحيوان مثلا لأنّ هذه الاعتبارات الثلاثة لا تختص بالحيوان بل تعمّ سائر الطبائع ومفهومات الكلّيات الخمس، فنقول مفهوم الكلّي من حيث هو كلّي طبيعي والكلي العارض للمحمول عليه منطقي والمجموع المركّب منهما عقلي، وعلى هذا فقس الجنس الطبيعي والمنطقي والعقلي والنوع الطبيعي والمنطقي والعقلي إلى غير ذلك.
وهاهنا بحث وهو أنّ الحيوان من حيث هو لو كان كلّيا طبيعيا لكان كلّيته بطبيعة فيلزم كون الأشخاص كلّيات، وأيضا الكلّي الطبيعي إن أريد به طبيعة من الطبائع فلا امتياز بين الطبيعيات، وإن أريد به الطبيعة من حيث إنها معروضة للكلّية فلا يكون الحيوان من حيث هو كلّيا طبيعيا بل لا بدّ من قيد العروض، فالكلّي الطبعي هو الحيوان لا باعتبار الطبيعة بل من حيث إذا حصل في العقل صلح لأن يكون مقولا على كثيرين، وقد نصّ عليه الشيخ في الشفاء. والفرق حينئذ بين الطبيعي والعقلي أنّ هذا العارض في العقلي معتبر بحسب الجزئية وفي الطبيعي بحسب العروض، فالتحقيق أنّا إذا قلنا الحيوان مثلا كلّي أن يكون هناك أربع مفهومات: طبيعة الحيوان من حيث هي هي ومفهوم الكلّي والحيوان من حيث إنّه يعرض له الكلّية والمجموع المركّب منهما، فالحيوان من حيث هو هو ليس بأحد الكلّيات وهو الذي يعطي ما تحته حدّه واسمه.
اعلم أنّ الكلّي المنطقي من المعقولات الثانية ومن ثمّ لم يذهب أحد إلى وجوده في الخارج، وإذا لم يكن المنطقي موجودا لم يكن العقلي موجودا بقي الطبيعي اختلف فيه.
فمذهب المحقّقين ومنهم الشيخ أنّه موجود في الخارج بعين وجود الأفراد فالوجود واحد بالذات والموجود اثنان وهو عارض لهما من حيث الوحدة. ومن ذهب إلى عدمية التعيّن قال بمحسوسيته أيضا، وهو الحقّ. وذهب شرذمة من المتكلّمين والمتفلسفين إلى أنّ الموجود هو الهوية البسيطة والكلّيات منتزعات عقلية كما في السلّم ثم الكلّي الطبيعي الموجود في الخارج لا يخلو إمّا أن يعتبر في وجوده العيني وهو الكلّي مع الكثرة أو في وجوده العلمي، ولا يخلو إمّا أن يكون وجوده العلمي من الجزئيات وهو الكلّي بعد الكثرة أو وجود الجزئيات منه، وهو الكلّي قبل الكثرة، وفسّر الكلّي قبل الكثرة بالصورة المعقولة في المبدأ الفيّاض ويسمّى علما فعليا كمن تعقّل شيئا من الأمور الصناعية ثم يجعله مصنوعا. قال الشيخ: لمّا كان نسبة جميع الأمور الموجودة إلى الله تعالى وإلى الملائكة نسبة المصنوعات التي عندنا إلى النفس الصانعة، كان علم الله والملائكة بها موجودا قبل الكثرة، وفسّر الكلّي مع الكثرة بالطبيعة الموجودة في ضمن الجزئيّات لا بمعنى أنّها جزء لها في الخارج كما يتبادر من العبارة، إذ ليس في الخارج شيء واحد عام بل إنّها جزء لها في العقل متّحدة الوجود معها في الخارج، ولهذا أمكن حملها عليها، وفسّر الكلّي بعد الكثرة بالصورة المنتزعة عن الجزئيات المشخّصات كمن رأى أشخاص الناس واستثبت الصورة الإنسانية في الذهن، ويسمّى علما انفعاليا، وقد سبق ما يتعلّق بهذا في لفظة العلم.
فائدة:
كلّ مفهوم إذا نسب إلى مفهوم آخر سواء كانا كلّيين أو جزئيين أو أحدهما كلّيا والآخر جزئيا، فالنسبة بينهما منحصرة في أربع:
المساواة والعموم مطلقا ومن وجه والمباينة الكلّية، وذلك لأنّهما إن لم يتصادقا على شيء أصلا فهما متباينان تباينا كلّيا، وإن تصادقا فإن تلازما في الصدق فهما متساويان وإلّا فإن استلزم صدق أحدهما صدق الآخر فبينهما عموم وخصوص مطلقا والملزوم أخصّ مطلقا واللازم أعمّ مطلقا، وإن لم يستلزم فبينهما عموم وخصوص من وجه، وكلّ منهما أعمّ من الآخر من وجه، وهو كونه شاملا للآخر ولغيره، وأخصّ منه من وجه وهو كونه مشمولا للآخر.
فالمساواة بينهما أن يصدق كلّ منهما بالفعل على كلّ ما صدق عليه الآخر سواء وجب ذلك الصدق أو لا، فمرجعهما إلى موجبتين كلّيتين مطلقتين عامّتين. ومعنى تلازمهما في الصدق أنّه إذا صدق أحدهما على شيء في الجملة صدق عليه الآخر كذلك. ومعنى استلزام الأخصّ للأعمّ على هذا القياس، فمرجع العموم المطلق إلى موجبة كلّية مطلقة عامة وسالبة جزئية دائمة.
والحاصل أنّ التلازم عبارة عن عدم الانفكاك من الجانبين والاستلزام عن عدمه من جانب واحد، فعدم الاستلزام من الجانبين عبارة عن الانفكاك بينهما، فلا بدّ في العموم من وجه من ثلاث صور، فمرجعه إلى موجبة جزئية مطلقة وسالبتين جزئيتين دائمتين. والمباينة الكلّية بينهما أن لا يتصادقا على شيء واحد أصلا، سواء كان أمكن تصادقهما عليه أو لا، فمرجعهما إلى سالبتين كليّتين دائمتين، وأمّا المباينة الجزئية التي هي عبارة عن صدق كلّ من المفهومين بدون الآخر في الجملة فمندرجة تحت العموم من وجه أو المباينة الكلّية إذ مرجعها إلى سالبتين جزئيتين. فإن لم يتصادقا في صورة أصلا فهو التباين الكلّي وإلّا فعموم من وجه.
واعلم أنّ المعتبر في مفهوم النّسب التحقّق والصدق في نفس الأمر وإلّا لم ينضبط فإنّه إن فسّر التباين بامتناع التصادق كان مرجعه إلى سالبتين كليتين ضروريتين وحينئذ يجب أن يكتفى في سائر الأقسام بعد امتناع التصادق، فيلزم أن يندرج في التساوي مفهومان لم يتصادقا على شيء أصلا، لكن يمكن فرض صدق كلّ منهما على كلّ ما صدق عليه الآخر. وفي العموم المطلق مفهومان يمكن صدق أحدهما على كلّ ما صدق عليه الآخر بدون العكس مع أنّهما لم يتصادقا على شيء. وفي العموم من وجه مفهومان يمكن تصادقهما وانفكاك كلّ منهما عن الآخر، إمّا بدون التصادق أو معه بدون الانفكاك، وكلّ ذلك ظاهر الفساد. وهذا الذي ذكرنا في المفردات. وأمّا في القضايا فالمعتبر في مفهوم النّسب الوجود والتحقّق لا الصدق.
فائدة:
نقيضا المتساويين متساويان ونقيض الأعمّ مطلقا أخصّ من نقيض الأخصّ مطلقا، وبين نقيضي الأعمّ والأخصّ من وجه مباينة جزئية، وكذا بين نقيضي المتباينين، والنّسبة بين أحد المتساويين ونقيض الآخر وبين نقيض الأعمّ وعين الأخصّ مطلقا هي المباينة الكلّية، وبين عين الأعم ونقيض الأخصّ كالحيوان واللاإنسان هي العموم من وجه، وأحد المتباينين أخصّ من نقيض الآخر مطلقا، والأعمّ من وجه ينفكّ عن نقيض صاحبه حيث جامعه، فإمّا أن يكون أعمّ منه مطلقا كالحيوان مع نقيض اللاإنسان أو من وجه كالحيوان مع نقيض الأبيض، كل ذلك ظاهر بأدنى تأمّل.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.