Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: إقرار

الصُّلْح

Entries on الصُّلْح in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الصُّلْح: فِي اللُّغَة اسْم من الْمُصَالحَة وَهِي المسالمة بعد الْمُنَازعَة والموافقة وَبعد الْمُخَالفَة وَللَّه در النَّاظِم.
(صف كشيده هردو مزكانش بخون استاده اند ... )

(صلح خواهد شدّ كه مردم درميان افتاده اند ... )

وَفِي الشَّرْع عقد يرفع النزاع. وركنه الْإِيجَاب وَالْقَبُول، وَشَرطه أَن يكون الْبَدَل أَي الْمصَالح عَلَيْهِ مَالا مَعْلُوما إِذا احْتِيجَ إِلَى قَبضه وَإِلَّا لَو يشْتَرط معلومية. وَالصُّلْح على ثَلَاثَة أَقسَام صلح مَعَ إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ مَا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي. وَصلح مَعَ سُكُوته عَنهُ بِأَن لَا يقر وَلَا يُنكر. وَصلح مَعَ إِنْكَاره عَنهُ وَلكُل أَحْكَام فِي الْفِقْه. ثمَّ اعْلَم أَن الصُّلْح عَمَّا اسْتحق أَي وَجب وَلزِمَ بِعقد المداينة على بعض مَاله عَلَيْهِ من جِهَة أَخذ لبَعض حَقه وَإِسْقَاط للْبَاقِي لَا مُعَاوضَة لِأَن مُبَادلَة الْأَكْثَر بِالْأَقَلِّ لَا تجوز. وَمن قَوْلهم (أَخذ لبَعض حَقه) يعلم أَنه لَا بُد وَأَن يكون بدل الصُّلْح من جنس مَا اسْتحق. وَالْمرَاد بِعقد المداينة عقد يُوجب الدّين على الْمُدعى عَلَيْهِ بِأَن بَاعَ عبدا بِأَلف أَي لم ينْقد الثّمن وَلَكِن المُرَاد بِعقد المداينة هَا هُنَا كل أَمر يُوجب دينا سَوَاء كَانَ بيعا أَو غصبا أَو غير ذَلِك وَإِنَّمَا عبروه تَحَرُّزًا عَن سوء الظَّن بِحَال الْمُسلم وحملا لأَمره على الصّلاح فِي بَاب الصُّلْح.

الْعَوْرَة

Entries on الْعَوْرَة in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْعَوْرَة: سوءة النِّسَاء وَمَا يستحيي مِنْهُ. وعورة الرجل مَا تَحت سرته إِلَى ركبته ويروى مَا دون سرته حَتَّى تجَاوز رُكْبَتَيْهِ وَبِهَذَا تبين أَن السُّرَّة لَيست من عَورَة الرجل وَالركبَة مِنْهَا وَكلمَة إِلَى لغاية إِسْقَاط مَا وَرَاء الرّكْبَة لِأَن صدر الْكَلَام أَعنِي مَا تَحت رُكْبَتَيْهِ وَكَذَا مَا بَين سرته وَكَذَا مَا دون سرته يتَنَاوَل الرّكْبَة وَمَا دونهَا فلولا الرّكْبَة لاستوعب الحكم الْكل. فَعلم أَن هَذِه الْغَايَة لإِسْقَاط مَا وَرَاءَهَا. وَعند الشَّافِعِي رَحمَه الله السُّرَّة من الْعَوْرَة دون الرّكْبَة وبدن الْحرَّة كلهَا عَورَة إِلَّا وَجههَا وكفيها لَكِن على النَّاظر أَن لَا ينظر بِشَهْوَة وَهَذَا الْكَلَام بِظَاهِرِهِ يدل على أَن ظهر الْكَفّ عوره وَقَالَ شمس الْأَئِمَّة هَذَا غلط لِأَن الْكَفّ اسْم لباطن الْيَد وظاهرها لَا للرسغ وَمَعْنَاهَا بِالْفَارِسِيَّةِ (نيجه) قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْمَرْأَة عَورَة مستورة وَأما اسْتثِْنَاء العضوين الْمَذْكُورين فلدفع الْحَرج.
وَالْمرَاد بِالْمَرْأَةِ الْحرَّة لِأَنَّهَا تطلق على الْحرَّة عِنْد إِطْلَاقهَا لِأَنَّهَا أكمل أَفْرَاد الْمَرْأَة وَلِأَن الأهم بَيَان حكم الْحرَّة فَيَنْصَرِف إِلَيْهَا - وَفِي الْجَامِع الصَّغِير أَن قدم الْحرَّة أَيْضا لَيست بِعَوْرَة - وَالْأمة كَالرّجلِ وظهرها وبطنها عَورَة وَمَا سوى ذَلِك لَيْسَ بِعَوْرَة وَقَالَ الحبر الْمُحَقق أَبُو البركات صَاحب كنز الدقائق رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَاب ثُبُوت النّسَب والمعتدة أَن جحدت وِلَادَتهَا بِشَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ أَو لحبل ظَاهر أَو إِقْرَار بِهِ أَو تَصْدِيق الْوَرَثَة انْتهى.
فَإِن قيل كَيفَ يشْتَرط شَهَادَة رجلَيْنِ أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا يحل للرجل النّظر إِلَى مَوضِع الْولادَة قُلْنَا تقبل شَهَادَتهم لأَنهم لم يَقُولُوا تعمدنا النّظر لَكِن وَقع ذَلِك اتِّفَاقًا أَو هم رَأَوْا امْرَأَة فِي بَيت وَقد علمُوا أَنه لَيْسَ فِيهِ غَيرهَا ثمَّ أخرجت ولدا شهدُوا أَنَّهَا وَلدته على أَنا نقُول يُبَاح النّظر لتحمل الشَّهَادَة كَمَا فِي الزِّنَا - فَإِن شُهُود الزِّنَا لَو قَالُوا تعمدنا النّظر إِلَى فرج المزنية حسبَة حَتَّى يحل لنا أَدَاء الشَّهَادَة وَقَالُوا رَأَيْنَاهُ كالميل فِي المكحلة قبلت شَهَادَتهم وَإِن قَالُوا تعمدنا النّظر تلذذا لم تقبل شَهَادَتهم لأَنهم فسقوا بِهَذَا النّظر فَافْهَم.

الْقِصَّة

Entries on الْقِصَّة in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْقِصَّة: أَن هَذَا الرجل ذهب إِلَى الْمُفْتِي مُحَمَّد الْعَارِف وَمَعَهُمْ الرِّوَايَات المستخرجة على انْتِقَال من الْمَذْهَب، فَقَالَ الْمُفْتِي الْعَارِف أَن لَا حَاجَة للانتقال عَن الْمَذْهَب، وَقد استخرجت رِوَايَة جَوَاز هَذَا النِّكَاح على مَذْهَبنَا.
وَلما كَانَت هَذِه الرِّوَايَة قد أرْسلت إِلَى القَاضِي مَعَ هَذَا الشَّخْص. وَلما رأى القَاضِي هَذِه الرِّوَايَة بالخط الشريف أجْرى النِّكَاح، وَلما كَانَ مُحَمَّد كَمَال وَبِنَاء على فَتْوَى الْمُفْتِي ورسالته قد أوقع النِّكَاح. فَجَاءَنِي هَذَا الرجل بعد وُقُوع النِّكَاح وعَلى الشماتة وَقَالَ لقد أَعْطَانِي الْمفْتُون فَتْوَى وأجريت النِّكَاح، وَكَذَلِكَ وصلني ذَلِك عَن طَرِيق النَّقْل، وحينها استدعي الْمُفْتِي مُحَمَّد الْعَارِف وَسُئِلَ من أَيْن أَعْطَيْت رِوَايَة جَوَاز هَذَا النِّكَاح، فأظهر أَن هَذِه الرِّوَايَة مَكْتُوبَة فِي (فُصُول الْعِمَادِيّ) وَهِي (وَلَو قضى بِجَوَاز نِكَاح مزنية الْأَب أَو مزنية الابْن لَا ينفذ عِنْد أبي يُوسُف لِأَن الْحَادِثَة مَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الْكتاب، وَعند مُحَمَّد ينفذ، وَمَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا، أَنه قَالَ الْحَرَام لَا يحرم الْحَلَال يُؤَيّد قَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ مُجْتَهدا فِيهِ فَينفذ حكمه، كَذَا ذكر فِي الْمُحِيط) .
قيل إِن هَذِه الرِّوَايَة لَيست محصورة فِي (فُصُول الْعِمَادِيّ) وَلكنهَا مَوْجُودَة فِي كتب أُخْرَى. وَلكنهَا لَا تدل على مقصودكم، أما لماذا، لِأَن الْمَذْكُور فِي هَذِه الرِّوَايَة هُوَ نَفاذ الْقَضَاء فِي مزنية الْأَب أَو مزنية الابْن وَلَيْسَ جَوَاز نِكَاحهَا، وَإِذا كَانَت الْعبارَة (لَو نكح أحد بمزنية الْأَب) فَإِنَّهَا تُؤدِّي هَذَا الْمَعْنى، وَلَكِن الْعبارَة هِيَ (لَو قضى) وَالْقَضَاء فِي اصْطِلَاح الْفُقَهَاء مَشْرُوط بالدعوة أَو الْقَضِيَّة، وتريد دَعْوَى سبق النِّكَاح. يَعْنِي أَن النِّكَاح قد سبق، وَوَقع بَين الزَّوْجَيْنِ دَعْوَى لجِهَة الْمهْر أَو النَّفَقَة وأمثال ذَلِك، وترافعوا لَدَى القَاضِي، وَأخذ القَاضِي حكما بِنَاء على بَيِّنَة أَو أَي من الْحجَج الشَّرْعِيَّة. فَهَذَا الحكم يُقَال لَهُ الْقَضَاء. وَلَيْسَ كل مَا قَالَه القَاضِي بِصِيغَة الْأَمر هُوَ قَضَاء. كَأَن يَقُول مثلا ضع الإبريق فِي بَيت الْخَلَاء، فَهَذَا لَيْسَ قَضَاء بالاصطلاح الشَّرْعِيّ فالقضاء بحاجة إِلَى الِاصْطِلَاح الْعرفِيّ.
وَهَذَا الْمَعْنى هُوَ الْمُتَعَارف على اصْطِلَاحه لَدَى الْعلمَاء ومشهور فِيمَا بَينهم، وَمَعَ هَذَا فقد صرح بعض المصنفين عَن هَذِه الْمَسْأَلَة حَتَّى لَا يَقع أحد فِي الْغَلَط. كَمَا فِي (حسب الْمُفْتِينَ) إِذا قضى القَاضِي مُجْتَهدا فِيهِ وَهُوَ لَا يعلم بذلك الْأَصَح أَنه يجوز قَضَاؤُهُ وَأَن ينفذ إِذا علم بِكَوْنِهِ مُجْتَهدا فِيهِ، قَالَ شمس الْأَئِمَّة، وَهَذَا ظَاهر الْمَذْهَب وَهَا هُنَا شَرط لنفاذ الْقَضَاء فِي الْمُجْتَهد فِيهِ وَهُوَ أَن يصير الحكم حَادِثَة فتجري فِيهِ خُصُومَة صَحِيحَة بَين يَدي القَاضِي من خصم على خصم، وَفِي الْبَحْر الرَّائِق هَا هُنَا شَرط لنفاذ الْقَضَاء فِي المجتهدات وَهُوَ أَن تصير حَادِثَة تجْرِي بَين القَاضِي من خصم على خصم حَتَّى لَو فَاتَ هَذَا الشَّرْط لَا ينفذ الْقَضَاء لِأَنَّهُ فَتْوَى) .
وَالْأَصْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هُوَ أَنه إِذا اخْتلف المجتهدون فِي الْقَضِيَّة، ترجع إِلَى القَاضِي وَيظْهر القَاضِي حكمه بِخِلَاف مذْهبه. عِنْد الإِمَام أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه إِذا حكم سَاهِيا فَينفذ. وَإِذا كَانَ عَامِدًا فَإِن فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَعند الصاحبين نَافِذ مُطلقًا سَاهِيا كَانَ أم عَامِدًا. وَأَصْحَاب الْمُتُون مثل (وفاية الرِّوَايَة) وَغَيره وَأَصْحَاب الشُّرُوح مثل (الْهِدَايَة) وَشرح (الْوِقَايَة) وَغَيره وعَلى قَول الصاحبين هُوَ فَتْوَى، وَكتب الشَّيْخ كَمَال الدّين بن همام فِي (فتح الْقَدِير) حَاشِيَة (الْهِدَايَة) إِنَّه فِي زَمَاننَا الْفَتْوَى على قَول الْأَصْحَاب لِأَنَّهُ فِي هَذَا الزَّمن كل من يحكم بِخِلَاف مذْهبه، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَو لَيْسَ خَالِيا من الطمع. إِذا فِي هَذِه الْحَادِثَة إِذا تحقق الْقَضَاء الَّذِي اصْطلحَ عَلَيْهِ الْعلمَاء، فَإِن نَفاذ الْقَضَاء على الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة يثبت، وَلَكِن بقول الصاحبين فَإِن قَضَاء الْمُفْتِي لَا ينفذ فِي جَوَاز النِّكَاح، وَلَا إِمْكَان.
وعلاوة على ذَلِك فَإِن فِي نَفاذ مثل هَذَا الْقَضَاء شَرطه اجْتِهَاد القَاضِي حَتَّى لَا ينفذ قَضَاء من قضى وَهُوَ غير مُجْتَهد عِنْد الإِمَام والصاحبين. وَهَذَا الِاشْتِرَاط يفهم من كَلَام صَاحب (الْهِدَايَة) وَكَذَلِكَ صرح صَاحب (الْفَتْح الْقَدِير) وَغَيره من الْمُحَقِّقين، (هَذَا كُله فِي القَاضِي الْمُجْتَهد فَأَما الْمُقَلّد فَإِنَّمَا ولاه ليحكم بِمذهب أبي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مثلا فَلَا يملك الْمُخَالفَة فَيكون معزولا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذَلِك الحكم) .
وَكَذَلِكَ مَعَ أَن هَذِه الرِّوَايَة لَا دلَالَة لَهَا على الْمَقْصُود، فَإِنَّهَا لَيست خَالِيَة من الضعْف لِأَنَّهَا تخَالف الْقَاعِدَة الْكُلية الْمَذْكُورَة فِي جَمِيع الْمُتُون والشروح، مَعَ وجود أَن الْعلمَاء صَرَّحُوا أَن رِوَايَات الْمُتُون مُقَدّمَة على رِوَايَات الشُّرُوح، وَرِوَايَات الشُّرُوح مُقَدّمَة على رِوَايَات فَتَاوَى الْخُصُوص. وَكتب أَيْضا أَن تَصْحِيح صَاحب الْهِدَايَة مقدم على الآخرين، وَبعد الَّتِي واللتيا، لما فهم الْمُفْتِي (الْمَذْكُور سَابِقًا) وَأدْركَ سوء فهمه وَعرف أَن مَدْلُول الرِّوَايَة هُوَ نَفاذ الْقَضَاء وَلَيْسَ زواج النِّكَاح، قَالَ هَذَا خطأ القَاضِي لِأَنَّهُ أذن بِالنِّكَاحِ وَلَيْسَ مني لأنني أَعْطَيْت سَابِقًا فَتْوَى نَفاذ قَضَاء هَذَا النِّكَاح ومضمون الرِّوَايَة شَرْطِيَّة، والشرطية صَادِقَة، حَتَّى وَلَو لم يتَحَقَّق مَا تقدم. قيل إِنَّه هُنَا لَا يسري صدق الشّرطِيَّة، وَيجب الْمُطَابقَة بَين سُؤال، فالمستفتي يسْأَل عَن جَوَاز النِّكَاح، وَأَنت تجيب عَن نَفاذ الْقَضَاء. وَإِذا كتبت فِي جَوَاب الاستفتاء الْمَذْكُور (كل مَا يخرج من السَّبِيلَيْنِ ينْقض الْوضُوء) فَإِن الرِّوَايَة فِي نَفسهَا صَحِيحَة وَلكنهَا من حَيْثُ الْمُطَابقَة كَاذِبَة. وعَلى قَول مولوي فِي المثنوي:
(أيتها الْخَالَة بطريقة سَيِّئَة أَصبَحت خالا ... )
أَي على صدق هَذِه الشّرطِيَّة فَلَا يمكننا اجراء أَحْكَام الْخَال على الْخَالَة. وَقد قيل كَذَلِك فِي نَفاذ الْقَضَاء على مَدْلُول الرِّوَايَة كَلَام، لِأَنَّهُ مُخَالف للمتون والشروح الَّتِي فِيهَا الْفَتَاوَى على قَول الصاحبين، وَنُخَالِف الْمُحَقِّقين الَّذين اشترطوا الِاجْتِهَاد وعدوا الافتاء على رِوَايَة غير الْمُفْتِي بِخِلَاف آدَاب الْإِفْتَاء وَالدّين. قَالَ لقد أتيت (السبهري) بالمفتي الثَّانِي، وَقد جَاءَ كل من الْمُفْتِي الْمَذْكُور مَعَ مُحَمَّد يحيى الَّذِي أصبح الْمُفْتِي الثَّانِي وَأصْبح الْحل وَالْعقد فِي الْقَضَاء بِيَدِهِ مَعَ مُحَمَّد كَامِل الَّذِي وصلت إِلَيْهِ خُلَاصَة افتاء الْمُفْتِي الثَّانِي وَلما فهم القَاضِي والمفتيان أَن معنى الرِّوَايَة بِخِلَاف ذَلِك الَّذِي بنوا عَلَيْهِ الْعَمَل، فبدل مُحَمَّد يحيى مجْرى الْوَاقِعَة مقررا بقوله بِمَا أَن هَذَا النِّكَاح قد انْعَقَد أَمَامه وترافعوا لَدَيْهِ، فَحكم القَاضِي بِجَوَازِهِ وموافقته لمَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي وَحكم بِهِ، قيل فِي جَوَابه، لماذا هَذَا التَّحْرِير فِي التَّقْرِير، أَولا لقد أعْطى القَاضِي الْإِذْن الَّذِي بِمُوجبِه انْعَقَد النِّكَاح، وَلم ينْعَقد أَولا النِّكَاح وَبعد ذَلِك ترافعوا أَمَام القَاضِي. وَمن الاتفاقات الجيدة، كَانَ الْمُفْتِي مُحَمَّد الْعَارِف قد حضر، وَفِي الْوَقْت نَفسه حضر فَجْأَة ذَلِك الشَّخْص المبتلي، وَمن أجل الْآخِرَة وَحَتَّى لَا يحور النَّاس تَقْرِيره بعد أَن سمعُوا معنى الرِّوَايَة كَانَ يجب أَخذ الْــإِقْرَار من ذَلِك الرجل المبتلي على مَا حدث فَسئلَ هَذَا الرجل المبتلي عَمَّا إِذا أَخذ الْإِذْن من القَاضِي أَولا وَبعد ذَلِك عقد النِّكَاح أم أَنه عقد النِّكَاح ثمَّ جَاءَ إِلَى القَاضِي ليَأْخُذ مِنْهُ حكما بِجَوَازِهِ، فَقَالَ أَولا حصلت على الرِّوَايَة وَبِنَاء عَلَيْهَا اعطاني القَاضِي الْإِذْن وبموجب ذَلِك عقد مُحَمَّد كَامِل عقد النِّكَاح، فَلَمَّا ثَبت كذب مُحَمَّد يحيى وتحويره للتقرير، أَخذ الْمُفْتِي الْعَارِف شَاهدا وَقيل لَهُ أَن لَا تكْتم الشَّهَادَة. وَمَا سمعته من هَذَا الرجل صباحا أعده وقله، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَن أظهر مَا سَمعه. وَكَذَلِكَ قيل لمُحَمد يحيى على تَقْدِير أَن النِّكَاح كَانَ سَابِقًا لإذن القَاضِي، فَكيف لَهُ أَن يُعْطي حكما بِجَوَاز هَذَا النِّكَاح. لِأَن الثَّابِت عِنْد الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بالزنى، وَهَذَا النِّكَاح غير جَائِز عِنْد أَي وَاحِد مِنْهُم، وَمهما كَانَ القَاضِي مُجْتَهدا فَلَا يجوز لَهُ أَن يحكم بِمَا يُخَالف الْعلمَاء الثَّلَاثَة.
وَقد جَاءَ التَّنْصِيص على أَنه (إِذا اتّفق أَصْحَابنَا أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله تَعَالَى فِي مَسْأَلَة، لَا يسع القَاضِي أَن يخالفهم وَلَا يبقي ذَلِك محلا للِاجْتِهَاد، وَإِن اخْتلفُوا فِي مَسْأَلَة فِيمَا بَينهم قَالَ عَامَّة مَشَايِخنَا رَحِمهم الله إِن كَانَ القَاضِي من أهل الِاجْتِهَاد يجْتَهد، فَإِن وَقع اجْتِهَاده على قَول الْوَاحِد أَخذ بقوله وَيتْرك قَول الْمثنى وَإِن كَانَ فِي الْمثنى أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى) وَالرِّوَايَة الْمَذْكُورَة لَا تدل على أَنه يجوز للْقَاضِي أَن يُعْطي حكما بِجَوَاز هَذَا النِّكَاح. وَلكنهَا تدل على أَنه على تَقْدِير أَنه حكم، فَإِن حكمه ينفذ كَمَا هِيَ الْعبارَة (لَو قضى القَاضِي _ الخ) وَهُوَ نَص صَرِيح وَكتب الْفِقْه مشحونة بأمثال هَذِه الْعبارَة. مثل (لَو وطئ رجل دبر امْرَأَة وَلَو وطئ فرج بَهِيمَة فَعَلَيهِ الْغسْل) فَهَذِهِ الْعبارَات تدل على وجوب الْغسْل على تَقْدِير الوطئ فِي الدبر أَو فِي فرج الْبَهِيمَة، أم تدل على جَوَاز الوطئ فِي الدبر أَو فِي فرج الْبَهِيمَة. وَبعد تَقولُونَ إِن القَاضِي حكم بعد سَماع المرافعة وعَلى تَقْدِير صدق هَذَا القَوْل من أَيْن كَانَ للْقَاضِي أَن يحكم، وَمَا هُوَ الدَّلِيل الَّذِي حكم بِهِ. بعد ذَلِك اعتذروا وَمضى مَا سَمِعُوهُ.) انْتهى) .

الإسلام

Entries on الإسلام in 4 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya, Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya, and 1 more
الإسلام: أحْينا عَلَيه يا حَيُّ- هو الخضوعُ والانقيادُ لما أخبر به سيدنا الرسُول محمد - صلى الله عليه وسلم - قاله السيد.
الإسلام: في "الدر المختار" هو تصديق سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في جميع ما جاء عن الله تعالى مما علم مجيئه ضرورة أي بداهة.
الإسلام:
[في الانكليزية] Islam
[ في الفرنسية] L'Islam
هو لغة الطاعة والانقياد، ويطلق في الشرع على الانقياد إلى الأعمال الظاهرة، كما بين ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت».
وحاصل ذلك أن الإسلام شرعا هو الأعمال الظاهرة من التلفظ بكلمتي الشهادة والإتيان بالواجبات والانتهاء عن المنهيات. وعلى هذا المعنى، هو يغاير الإيمان وينفك عنه، إذ قد يوجد التصديق مع انقياد الباطن بدون الأعمال، وقد يطلق على الأعمال المشروعة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وخبر أحمد: «أيّ الإسلام أفضل؟ قال:
الإيمان»، وخبر ابن ماجة «قلت ما الإسلام قال تشهد أن لا إله إلّا الله وتشهد أنّ محمدا رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها حلوها ومرّها»، وعلى هذا هو يغاير الإيمان ولا ينفك عنه، أي عن الإيمان لاشتراطه لصحتها وهي لا تشترط لصحته خلافا للمعتزلة.
وأما الإسلام المأخوذ بالمعنى اللغوي الذي قد يستعمله به أهل الشرع أيضا فبينه وبين الإيمان تلازم في المفهوم، فلا يوجد شرعا إيمان بلا إسلام ولا عكسه وهو الظاهر.
وقيل بينهما ترادف لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد للأحكام بمعنى قبولها والإذعان بها، وذلك حقيقة التصديق، فيترادفان. فالإسلام يطلق على ثلاثة معان والإيمان أيضا يطلق شرعا على كلّ من تلك المعاني الثلاثة، وإذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدلّ على تغايرهما كما في قوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا الآية، وكما في بعض الأحاديث، فهو باعتبار أصل مفهوميهما، فإنّ الإيمان عبارة عن تصديق قلبي، والإسلام عبارة عن طاعة وانقياد ظاهر كما صرّح بذلك في شروح صحيح البخاري.
فصحّ ما قاله ابن عباس وغيره في تفسير هذه الآية أنهم لم يكونوا منافقين بل كان إيمانهم ضعيفا، ويدل عليه قوله تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية، الدالّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم، وحينئذ يؤخذ من الآية أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقصه. ومما يصرح به قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» وفيه قولان لأهل السنة، أحدهما هذا، والثاني لا ينفى عنه اسم الإيمان من أصله ولا يطلق عليه مؤمن لإيهامه كمال إيمانه، بل يقيّد فيقال: مؤمن ناقص الإيمان، وهذا بخلاف اسم الإسلام فإنه لا ينتفي بانتفاء ركن من أركانه ولا بانتفاء جميعها ما عدا الشهادتين. وكأنّ الفرق أنّ نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرة ظاهرة بخلاف نفي الإيمان. وحيث ورد ما يدلّ على اتحادهما كقوله تعالى فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما. ومن هاهنا قال كثيرون إنهما على وزان الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودلّ بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، وإن قرن بينهما تغايرا كما في خبر أحمد «الإسلام علانية والإيمان في القلب»، وحيث فسّر الإيمان بالأعمال فهو باعتبار إطلاقه على متعلقاته لما تقرر أنه تصديق بأمور مخصوصة، ومنه: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، واتفقوا على أنّ المراد به هنا الصلاة ومنه حديث وفد عبد القيس: «هل تدرون ما الإيمان شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمسا من المغنم» ففسّر فيه الإيمان بما فسر في حديث جبرائيل الإسلام، فاستفيد منهما إطلاق الإيمان والإسلام على الأعمال شرعا باعتبار أنها متعلقة مفهوميهما المتلازمين وهما التصديق والانقياد، فتأمّل ذلك حق التأمّل لتندفع به عنك الشكوك الواردة هاهنا. وممّا أطلق فيه الإيمان على الأعمال المشروعة ما روي «الإيمان اعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان». هذا كله خلاصة ما ذكر ابن الحجر في شرح الأربعين للنووي في شرح الحديث الثاني.
الإسلام:
[في الانكليزية] Name ،noun
[ في الفرنسية] Nom
بالكسر والضمّ لغة بمعنى اللفظ الدال على الشيء كما في قوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، كذا ذكر المولوي عصام الدين في حاشية الفوائد الضيائية. وحاصله أنه يطلق لغة على مقابل المهمل، كما صرّح به في باب منع الصرف. وفي شرح المقاصد: الاسم هو اللفظ المفرد الموضوع للمعنى وهو يعم جميع أنواع الكلمة، والمسمّى هو المعنى الذي وضع الاسم بإزائه، والتسمية هو وضع الاسم للمعنى. وقد يراد به ذكر الشيء باسمه، يقال سمّى زيدا ولم يسم عمروا، ولا خفاء في تغاير الأمور الثلاثة، انتهى. وفي جامع الرموز في جواز اليمين باسم الله تعالى: الاسم عرفا لفظ دال على الذات والصفة معا كالرحمن والرحيم، والله اسم دال على ذات الواجب فهو اسم للذات انتهى. وفي كشف اللغات: الاسم بالكسر والضم، هو بالفارسية: نام، وفي اصطلاح أهل السلوك:
ليس لفظا يدلّ على شيء بالوضع، بل هو اسم الذّات للمسمّى باعتبار الصّفة. والصّفة إمّا وجودية كالعليم والقدير أو عدميّة كالقدوس والسّلام يقول الشاعر:

العارفون الذين يعرفون علمنا يقولون: الصفة والذات هي الاسم انتهى.
اعلم أنه قد اشتهر الخلاف في أنّ الاسم هل هو نفس المسمّى أو غيره، ولا يشكّ عاقل في أنه ليس النزاع في لفظ ف ر س أنه هل هو نفس الحيوان المخصوص أو غيره فإن هذا ممّا لا يشتبه على أحد، بل النزاع في مدلول الاسم أهو الذات من حيث هي هي أم هو الذات باعتبار أمر صادق عليه عارض له ينبئ عنه؛ فلذلك قال الأشعري قد يكون الاسم أي مدلوله عين المسمّى أي ذاته من حيث هي نحو الله، فإنه اسم علم للذات من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره نحو الخالق والرازق ممّا يدلّ على نسبة إلى غيره. ولا شك أنّ تلك النسبة غيره وقد يكون لا هو ولا غيره كالعليم والقدير ممّا يدلّ على صفة حقيقية قائمة بذاته، فإنّ تلك الصفة لا هو ولا غيره عنده فهكذا الذات المأخوذة معها.

قال الآمدي: اتفق العقلاء على المغايرة بين التسمية والمسمّى، وذهب أكثر أصحابنا إلى أن التسمية هي نفس الأقوال الدالة، وإنّ الاسم هو نفس المدلول، ثم اختلف هؤلاء، فذهب ابن فورك وغيره إلى أن كل اسم فهو المسمّى بعينه. فقولك: الله دالّ على اسم هو المسمّى، وكذلك قولك عالم وخالق فإنه يدلّ على ذات الربّ الموصوف بكونه عالما وخالقا. وقال بعضهم من الأسماء ما هو عين كالموجود والذات ومنها ما هو غير كالخالق، فإنّ المسمّى ذاته، والاسم هو نفس الخلق وخلقه غير ذاته، ومنها ما ليس عينا ولا غيرا كالعالم فإن المسمّى ذاته والاسم علمه الذي ليس عين ذاته ولا غيرها. وتوضيح ذلك أنهم لم يريدوا بالتسمية اللفظ وبالاسم مدلوله كما يريدون بالوصف قول الواصف وبالصفة مدلوله، ثم إنّ ابن فورك ومن يوافقه اعتبروا المدلول المطابقي وأرادوا بالمسمّى ما وضع الاسم بإزائه، فأطلقوا القول بأن الاسم نفس المسمّى. والبعض أراد بالمسمّى ما يطلق عليه الاسم، وأخذ المدلول أعمّ من المطابقي واعتبر في أسماء الصفات المعاني المقصودة، فزعم أنّ مدلول الخالق الخلق وأنه غير ذات الخالق بناء على ما تقرّر من أنّ صفات الأفعال غير الموصوف، وأن الصفات التي لا عينه ولا غيره هي التي يمتنع انفكاكها عن موصوفها. ثم إنّ الأشعري أراد بالمسمّى ما يطلق عليه الاسم، أعني الذات، وأعتبر المدلول المطابقي وحكم بغيرية هذا المدلول أو بكونه لا هو ولا غيره باعتبار المدلول التضمني. وذهب المعتزلة إلى أنّ الاسم هو التسمية ووافقهم على ذلك بعض المتأخرين من أصحابنا. وذهب الأستاذ أبو نصر بن أيوب إلى أنّ لفظ الاسم مشترك بين التسمية والمسمّى، فيطلق على كل منهما ويفهم المقصود بحسب القرائن. ولا يخفى عليك أن النزاع على قول أبي نصر في لفظ اس م، وأنها تطلق على الألفاظ فيكون الاسم عين التسمية بالمعنى المذكور، أي القول الدال لا بمعنى فعل الواضع وهو وضع الاسم للمعنى، أو تطلق على مدلولاتها فيكون عين المسمّى، وكلا الاستعمالين ثابت، كما في قولك:

الأسماء والأفعال والحروف، وقوله تعالى:
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ أي مسمّاه، وقول لبيد: اسم السلام عليكما. وقال الإمام الرازي:
المشهور عن أصحابنا أن الاسم هو المسمّى، وعن المعتزلة أنه التسمية، وعن الغزالي أنه مغاير لهما لأن النسبة وطرفيها مغايرة قطعا، والناس قد طوّلوا في هذه المسألة، وهو عندي فضول لأن الاسم هو اللفظ المخصوص والمسمّى ما وضع ذلك اللفظ بإزائه، فنقول:
الاسم قد يكون غير المسمّى، فإنّ لفظ الجدار مغاير لحقيقة الجدار وقد يكون عينه، فإن لفظ الاسم اسم للفظ دال على معنى مجرّد عن الزمان، ومن جملة تلك الألفاظ لفظ الاسم، فيكون لفظ الاسم اسما لنفسه فاتّحد هاهنا الاسم والمسمّى. قال: فهذا ما عندي، هذا كله خلاصة ما في شرح المواقف والچلپي وما في تعليقات جدّي رحمة الله عليه.
التقسيم
اعلم أنّ الاسم الذي يطلق على الشيء إمّا أن يؤخذ من الذات بأن يكون المسمّى به ذات الشيء وحقيقته من حيث هي، أو من جزئها، أو من وصفها الخارجي، أو من الفعل الصادر عنه؛ ثم أنظر أيّها يمكن في حق الله تعالى، فالمأخوذ من الوصف الخارجي الداخل في مفهوم الاسم فجائز في حقه تعالى، سواء كان الوصف حقيقيا كالعليم، أو إضافيا كالماجد بمعنى العالي، أو سلبيا كالقدوس، وكذا المأخوذ من الفعل كالخالق. وأما المأخوذ من الجزء كالجسم للإنسان فمحال لانتفاء التركيب في ذاته، فلا يتصوّر له جزء حتى يطلق عليه اسمه. أمّا المأخوذ من الذات فمن ذهب إلى جواز تعقّل ذاته جوّز أن يكون له اسم بإزاء حقيقته المخصوصة، ومن ذهب إلى امتناع تعقّلها لم يجوّز لأن وضع الاسم لمعنى فرع تعقله ووسيلة إلى تفهيمه، فإذا لم يمكن أن يعقل ويفهم فلا يتصوّر اسم بإزائه. وفيه بحث لأن الخلاف في تعقّل كنه ذاته ووضع الاسم لا يتوقف عليه إذ يجوز أن يعقل ذاتا ما بوجه ما، ويوضع الاسم لخصوصية ويقصد تفهيمها باعتبار ما لا بكنهها، ويكون ذلك الوجه مصحّحا للوضع وخارجا عن مفهوم الاسم، كما في لفظ الله، فإنه اسم علم له موضوع لذاته من غير اعتبار معنى فيه، كذا في شرح المواقف.
وفي شرح القصيدة الفارضية في علم التصوف: الأسماء تنقسم باعتبار الذات والصفات والأفعال إلى الذاتية، كالله والصفاتية كالعليم والأفعالية كالخالق، وتنحصر باعتبار الأنس والهيبة عند مطالعتها في الجمالية كاللطيف والجلالية كالقهار. والصفات تنقسم باعتبار استقلال الذات بها إلى ذاتية وهي سبعة:
العلم والحياة والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، وباعتبار تعلّقها بالخلق إلى أفعالية، وهي ما عدا السبعة ولكل مخلوق سوى الإنسان حظ من بعض الأسماء دون الكلّ كحظ الملائكة من اسم السبّوح والقدّوس. ولذا قالوا نحن نسبّح بحمدك ونقدس لك، وحظّ الشيطان من اسم الجبار والمتكبر، ولذلك عصى واستكبر واختص الإنسان بالحظ من جميعها ولذلك أطاع تارة وعصى أخرى وقوله تعالى وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أي ركّب في فطرته من كل اسم من أسمائه لطيفة وهيّأه بتلك اللطائف للتحقّق بكل الأسماء الجلالية والجمالية، وعبّر عنهما بيديه فقال للإبليس ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ وكلّ ما سواه مخلوق بيد واحدة لأنه إمّا مظهر صفة الجمال كملائكة الرحمة أو الجلال كملائكة العذاب. وعلامة المتحقق باسم من أسماء الله أن يجد معناه في نفسه كالمتحقق باسم الحق علامته أن لا يتغيّر بشيء، كما لم يتغير الحلاج عند قتله تصديقا لتحققه بهذا الاسم انتهى. وفي الإنسان الكامل قال المحققون أسماء الله تعالى على قسمين يعني الأسماء التي تفيد في نفسها وصفا فهي عند النحاة أسماء لغوية: القسم الأول هي الذاتية كالأحد والواحد والفرد والصمد والعظيم والحيّ والعزيز والكبير والمتعال وأشباه ذلك. القسم الثاني هي الصفاتية كالعليم والقادر ولو كانت من الأسماء النفسية وكالمعطي والخلّاق ولو كانت من الأفعالية، انتهى.

فائدة:
اعلم أنّ تسميته تعالى بالأسماء توقيفية، أي يتوقف إطلاقها على الإذن فيه وليس الكلام في أسماء الأعلام الموضوعة في اللغات، إنما النزاع في الأسماء المأخوذة من الصفات والأفعال، فذهب المعتزلة والكرّامية إلى أنها إذ ادلّ العقل على اتصافه تعالى بصفة وجودية أو سلبية جاز أن يطلق عليه اسم يدلّ على اتصافه بها، سواء ورد بذلك الإطلاق إذن شرعي أو لا، وكذا الحال في الأفعال. وقال القاضي أبو بكر من أصحابنا كلّ لفظ دلّ على معنى ثابت لله تعالى جاز إطلاقه عليه بلا توقيف إذا لم يكن إطلاقه موهما لما لا يليق بكبريائه، ولذا لم يجز أن يطلق عليه لفظ العارف، لأن المعرفة قد يراد بها علم تسبقه غفلة، وكذا لفظ الفقيه والعاقل والفطن والطبيب ونحو ذلك. وقد يقال لا بدّ مع نفي ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم حتى يصحّ الإطلاق بلا توقيف. وذهب الشيخ ومتابعوه إلى أنه لا بدّ من التوقيف وهو المختار، وذلك للاحتياط فلا يجوز الاكتفاء في عدم إيهام الباطل بمبلغ إدراكنا، بل لا بدّ من الاستناد إلى إذن الشرع. فإن قلت من الأوصاف ما يمتنع إطلاقه عليه تعالى مع ورود الشرع بها كالماكر المستهزئ وغيرهما. أجيب بأنه لا يكفي في الإذن مجرّد وقوعها في الكتاب أو السنّة بحسب اقتضاء المقام وسياق الكلام، بل يجب أن يخلو عن نوع تعظيم ورعاية أدب، كذا في شرح المواقف وحواشيه.
والاسم عند أهل الجفر يطلق على سطر التكسير ويسمّى أيضا بالزّمام والحصّة والبرج، كذا في بعض الرسائل. وعند المنطقيين يطلق على لفظ مفرد يصح أن يخبر به وحده عن شيء، ويقابله الكلمة والأداة، ويجيء في لفظ المفرد. وعند النحاة يطلق على خمسة معان:

على ما في المنتخب حيث قال: اسم بالكسر والضم هو السّمة والعلامة على الشيء. وفي اصطلاح النحاة: يطلق الاسم على خمسة أشياء:
1 - الاسم، العلم، مقابل اللّقب والكنية.
2 - كلمة لا تحمل معنى وصفيا، وهي بهذا تقابل الصفة.
3 - كلمة لا تحمل معنى ظرفيا، وهي بهذا تقابل الظرف.
4 - كلمة تحمل معنى حاصل المصدر، وتستعمل كالمصدر.
5 - كلمة بدون إضافة كلمة أخرى إليها تدلّ على معنى ولا تدلّ على أيّ زمان من أزمنة الفعل من الماضي والمضارع والاستقبال، وهي بهذا الاصطلاح تقابل اصطلاح الفعل والحرف.
انتهى.
أما المعنى الأول فيجيء تحقيقه في لفظ العلم، ويطلق أيضا مرادفا للعلم كما يجيء هناك أيضا. وأما المعنى الثاني فقد صرّح به في شروح الكافية في باب منع الصرف في بحث الألف والنون المزيدتين. وأما المعنى الثالث فقد صرّحوا به أيضا هناك، وأيضا وقع في الضوء الظروف بعضها لازم الظرفية فيكون منصوبا أبدا نحو: عند وسوى، وبعضها يستعمل اسما وظرفا كالجهات الستّ، انتهى. وفي العباب ويستعمل إذا اسما صريحا مجرّدا عن معنى الظرفية أيضا، ويصير اسما مرفوع المحل بالابتداء أو مجروره أو منصوبه لا بالظرفية، نحو: إذا يقوم زيد إذا يقعد عمر، أي وقت قيام زيد وقت قعود عمر، فإذا هنا مبتدأ وخبر، انتهى.
فالاسم حينئذ مقابل للظرف بمعنى المفعول فيه. وأما المعنى الرابع فقد ذكر في تيسير القاري شرح صحيح البخاري في باب الاحتكار قال الاحتكار: هو شراء الغلّة في أوان الرّخص، لتباع فيما بعد عند غلائها. والحكرة هي اسم من فعل الاحتكار. وأيضا في جامع الرموز: الشبهة اسم من الاشتباه. وفي الصراح شبهة پوشيدگى كار. الخطأ في ستر العمل.
ثم أقول قال في بحر المعاني في تفسير قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ، الوقود بفتح الواو اسم لما يوقد به النار وهو الحصب وبالضم مصدر بمعنى الالتهاب انتهى. وهكذا في البيضاوي، وهذا صريح في أن الاسم قد يستعمل بمعنى الاسم الذي لا يكون مصدرا، سواء كان بمعنى الحاصل بالمصدر أو لم يكن إذ لا خفاء في عدم كون الوقود هاهنا بمعنى الحاصل بالمصدر، فينتقض الحصر في المعاني الخمسة حينئذ لخروج هذا المعنى من الحصر. وأما المعنى الخامس فشائع وتحقيقه أنهم قالوا الكلمة ثلاثة أقسام، لأنها إمّا أن تستقل بالمفهومية أو لا.
الثاني الحرف، والأول إمّا أن تدلّ بهيئتها على أحد الأزمنة الثلاثة أو لا. الثاني الاسم والأول الفعل، فالاسم ما دلّ على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، والفعل ما دلّ على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، والحرف ما دلّ على معنى في غيره. والضمير في قولهم في نفسه في كلا التعريفين إمّا راجع إلى ما، والمعنى ما دلّ على معنى كائن في نفس ما دلّ أي الكلمة؛ والمراد بكون المعنى في نفس الكلمة دلالتها عليه من غير حاجة إلى ضمّ كلمة أخرى إليها لاستقلاله بالمفهومية، وإما راجع إلى المعنى وحينئذ يكون المراد بكون المعنى في نفسه استقلاله بالمفهومية وعدم احتياجه في الانفهام إلى كلمة أخرى، فمرجع التوجيهين إلى أمر واحد وهو استقلال الكلمة بالمفهومية أي بمفهومية المعنى منه، وكذا الحال في قولهم في غيره في تعريف الحرف يعني أن الضمير إمّا عائد إلى ما، فيكون المعنى:
الحرف ما دلّ على معنى كائن في غير ما دلّ أي الكلمة لا في نفسه وحاصله أنه لا يدل بنفسه بل بانضمام كلمة أخرى إليها. وإمّا إلى المعنى فيكون المعنى: الحرف ما دلّ على معنى في غيره لا في نفسه بمعنى أنه غير تام في نفسه، أي لا يحصل ذلك المعنى من اللّفظ إلّا بانضمام شيء إليه، فمرجع هذين التوجهين إلى أمر واحد أيضا، وهو أن لا يستقل بالمفهومية.
ثم المعنى قد يكون إفراديا هو مدلول اللّفظ بانفراده وقد يكون تركيبيا يحصل منه عند التركيب فيضاف أيضا إلى اللّفظ، وإن كان معنى اللّفظ عند الإطلاق هو الإفرادي، ويشترك الاسم والفعل والحرف في أن معانيها التركيبية لا تحصل إلّا بذكر ما يتعلّق به من أجزاء الكلام، ككون الاسم فاعلا وكون الفعل مسندا مثلا مشروط بذكر متعلّقه، بخلاف الحرف، فإنّ معناه الإفرادي أيضا لا يحصل بدون ذكر المتعلق.
وتحقيق ذلك أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مبصراته. وأنت إذا نظرت في المرآة وشاهدت صورة فيها فلك، هناك حالتان: إحداهما أن تكون متوجها إلى تلك الصورة مشاهدا إياها قصدا جاعلا للمرآة حينئذ آلة في مشاهدتها، ولا شك أن المرآة حينئذ مبصرة في هذه الحالة لكنها ليست بحيث تقدر بإبصارها على هذا الوجه أن تحكم عليها وتلتفت إلى أحوالها. والثانية أن تتوجّه إلى المرآة نفسها وتلاحظها قصدا فتكون صالحة لأن تحكم عليها، وحينئذ تكون الصورة مشاهدة تبعا غير ملتفت إليها، فظهر أن في المبصرات ما يكون تارة مبصرا بالذات وأخرى آلة لإبصار الغير، واستوضح ذلك من قولك قام زيد.
ونسبة القيام إلى زيد إذ لا شك أنك مدرك فيهما نسبة القيام إلى زيد، إلّا أنها في الأول مدركة من حيث أنها حالة بين زيد والقيام وآلة لتعرف حالهما فكأنها مرآة تشاهدهما بها مرتبطا أحدهما بالآخر، ولهذا لا يمكنك أن تحكم عليها أو بها ما دامت مدركة على هذا الوجه.
وفي الثاني مدركة بالقصد ملحوظة في ذاتها بحيث يمكنك أن تحكم عليها وبها؛ فعلى الوجه الأول معنى غير مستقل بالمفهومية، وعلى الثاني معنى مستقل بها. وكما يحتاج إلى التعبير عن المعاني الملحوظة بالذات المستقلة بالمفهومية يحتاج إلى التعبير عن المعاني الملحوظة بالغير التي لا تستقل بالمفهومية.
إذا تمهّد هذا فاعلم أنّ الابتداء مثلا معنى هو حالة لغيره ومتعلّق به، فإذا لاحظه العقل قصدا وبالذات كان معنى مستقلا بنفسه ملحوظا في ذاته صالحا لأن يحكم عليه وبه، ويلزمه إدراك متعلّقه إجمالا وتبعا، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ الابتداء، ولك بعد ملاحظته على هذا الوجه أن تقيده بمتعلق مخصوص، فتقول مثلا ابتداء سير البصرة ولا يخرجه ذلك عن الاستقلال وصلاحية الحكم عليه وبه وعلى هذا القياس الأسماء اللازمة الإضافة كذو وأولو وفوق وتحت، وإذا لاحظه العقل من حيث هو حالة بين السير والبصرة وجعله آلة لتعرف حالهما كان معنى غير مستقل بنفسه، ولا يصلح أن يكون محكوما عليه ولا محكوما به، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ من. وهذا معنى ما قيل إنّ الحرف وضع باعتبار معنى عام وهو نوع من النسبة كالابتداء مثلا لكل ابتداء مخصوص معيّن النسبة لا تتعين إلّا بالمنسوب إليه، فما لم يذكر متعلق الحرف لا يتحصّل فرد من ذلك النوع هو مدلول الحرف، لا في العقل، وهو الظاهر، ولا في الخارج لأنّ مدلول الحرف فرد مخصوص من ذلك النوع، أعني ما هو آلة لملاحظة طرفيه ولا شك أنّ تحقق هذا الفرد في الخارج يتوقف على ذكر المتعلق. وما قيل الحرف ما يوجد معناه في غيره وأنّه لا يدلّ على معنى باعتباره في نفسه بل باعتباره في متعلقه، فقد اتضح أنّ ذكر المتعلق للحرف إنما وجب ليتحصّل معناه في الذهن إذ لا يمكن إدراكه إلّا بإدراك متعلقه إذ هو آلة لملاحظته فعدم استقلال الحرف بالمفهومية إنّما هو لقصور ونقصان في معناه، لا لما قيل من أنّ الواضع اشترط في دلالته على معناه الإفرادي ذكر متعلقه، إذ لا طائل تحته لأنّ هذا القائل إن اعترف بأنّ معاني الحروف هي النسب المخصوصة على الوجه الذي قررناه، فلا معنى لاشتراط الواضع حينئذ، لأن ذكر المتعلق أمر ضروري إذ لا يعقل معنى الحرف إلّا به، وإن زعم أنّ معنى لفظة من هو معنى الابتداء بعينه إلّا أنّ الواضع اشترط في دلالة من عليه ذكر المتعلّق ولم يشترط ذلك في دلالة لفظ الابتداء عليه، فصارت لفظة من ناقصة الدلالة على معناها غير مستقلة بالمفهومية لنقصان فيها؛ فزعمه هذا باطل. أمّا أولا فلأنّ هذا الاشتراط لا يتصوّر له فائدة أصلا بخلاف اشتراط القرينة في الدلالة على المعنى المجازي. وأمّا ثانيا فلأنّ الدليل على هذا الاشتراط ليس نصّ الواضع عليه كما توهّم لأنّ في تلك الدعوى خروجا عن الإنصاف، بل هو التزام ذكر المتعلّق في الاستعمال على ما يشهد به الاستقراء، وذلك مشترك بين الحروف والأسماء اللازمة الإضافة.
والجواب عن ذلك بأنّ ذكر المتعلق في الحرف لتتميم الدلالة وفي تلك الأسماء لتحصيل الغاية، مثلا كلمة ذو موضوعة بمعنى الصاحب ويفهم منها هذا المعنى عند الإطلاق، لكنها إنّما وضعت له ليتوصّل بها إلى جعل أسماء الأجناس صفة للمعارف أو للنكرات، فتحصيل هذه الغاية هو الذي أوجب ذكر متعلّقها، فلو لم يذكر لم تحصل الغاية عند إطلاقه بدون ذكر متعلّقه تحكّم بحت. وأمّا ثالثا فلأنّه يلزم حينئذ أن يكون معنى من مستقلا في نفسه صالحا لأن يحكم عليه وبه، إلّا أنّه لا ينفهم منها وحدها، فإذا ضمّ إليها ما يتمّ دلالتها وجب أن يصحّ الحكم عليه وبه وذلك مما لا يقول به من له أدنى معرفة باللغة وأحوالها.
وقيل الحرف ما دلّ على معنى ثابت في لفظ غيره، فاللام في قولنا الرجل مثلا يدل بنفسه على التعريف الذي في الرجل. وفيه بحث لأنّه إن أريد بثبوت معنى الحرف في لفظ غيره أنّ معناه مفهوم بواسطة لفظ الغير أي بذكر متعلّقه، فهذا بعينه ما قرّرناه سابقا، وإن أريد به أنه يشترط في انفهام المعنى منه لفظ الغير بحسب الوضع ففيه ما مرّ، وإن أريد به أنّ معناه قائم بلفظ الغير فهو ظاهر البطلان، وكذا إن أريد به قيامه بمعنى غيره قياما حقيقيا، ولأنه يلزم حينئذ أن يكون مثل السّواد وغيره من الأعراض حروفا لدلالتها على معان قائمة بمعاني ألفاظ غيرها، وإن أريد به تعلقه بمعنى الغير لزم أن يكون لفظ الاستفهام وما يشبهه من الألفاظ الدّالة على معان متعلّقة بمعاني غيرها حروفا، وكلّ ذلك فاسد.
وقيل الحرف ليس له معنى في نفسه بل هو علاقة لحصول معنى في لفظ آخر، وإنّ في قولك في الدار علامة لحصول معنى الظرفية في الدار، ومن في قولك خرجت من البصرة علامة لحصول معنى الابتداء في البصرة، وعلى هذا فقس سائر الحروف وهذا ظاهر البطلان.
ثمّ الاسم والفعل يشتركان في كونهما مستقلين بالمفهومية، إلّا أنهما يفترقان في أنّ الاسم يصلح لأن يقع مسندا ومسندا إليه، والفعل لا يقع إلّا مسندا، فإنّ الفعل ما عدا الأفعال الناقصة كضرب مثلا يدلّ على معنى في نفسه مستقل بالمفهومية وهو الحدث، وعلى معنى غير مستقل هو النسبة الحكمية الملحوظة من حيث أنها حالة بين طرفيها وآلة لتعرف حالهما مرتبطا أحدهما بالآخر. ولما كانت هذه النسبة التي هي جزء مدلول الفعل لا تتحصل إلّا بالفاعل وجب ذكره، كما وجب ذكر متعلّق الحرف، فكما أنّ لفظة من موضوعة وضعا عاما لكل ابتداء معين بخصوصه، كذلك لفظة ضرب موضوعة وضعا عاما لكل نسبة للحدث الذي دلّت عليه إلى فاعل بخصوصها، إلّا أن الحرف لمّا لم يدل إلّا على معنى غير مستقل بالمفهومية لم يقع محكوما عليه ولا محكوما به إذ لا بدّ في كل منهما أن يكون ملحوظا بالذات ليتمكن من اعتبار النسبة بينه وبين غيره، واحتاج إلى ذكر المتعلق رعاية لمحاذات الأفعال بالصور الذهنية، والفعل لمّا اعتبر فيه [الحدث] وضمّ إليه انتسابه إلى غيره نسبة تامة من حيث أنها حالة بينهما وجب ذكر الفاعل لتلك المحاذاة، ووجب أيضا أن يكون مسندا باعتبار الحدث إذ قد اعتبر ذلك في مفهومه وضعا ولا يمكن جعل ذلك الحدث مسندا إليه لأنه على خلاف وضعه. وأمّا مجموع معناه المركّب من الحدث والنسبة المخصوصة فهو غير مستقلّ بالمفهومية فلا يصلح أن يقع محكوما به فضلا عن أن يقع محكوما عليه كما يشهده التأمّل الصادق.
وأمّا الاسم فلما كان موضوعا لمعنى مستقل ولم تعتبر معه نسبة تامة لا على أنه منسوب إلى غيره ولا بالعكس صحّ الحكم عليه وبه.
فإن قلت كما أنّ الفعل يدل على حدث ونسبة إلى فاعل على ما قررته كذلك اسم الفاعل يدلّ على حدث ونسبة إلى ذات، فلم يصح كون اسم الفاعل محكوما عليه دون الفعل؟. قلت لأنّ المعتبر في اسم الفاعل ذات ما من حيث نسب إليه الحدث، فالذات المبهمة ملحوظة بالذات، وكذلك الحدث. وأمّا النسبة فهي ملحوظة لا بالذات، إلّا أنها تقييدية غير تامة ولا مقصودة أصلية من العبارة تقيدت بها الذات المبهمة وصار المجموع كشيء واحد، فجاز أن يلاحظ فيه تارة جانب الذات أصالة فيجعل محكوما عليه وتارة جانب الوصف أي الحدث أصالة فيجعل محكوما به. وأمّا النسبة التي فيه فلا تصلح للحكم عليها ولا بها، لا وحدها ولا مع غيرها، لعدم استقلالها، والمعتبر في الفعل نسبة تامة تقتضي انفرادها مع طرفيها من غيرها وعدم ارتباطها به، وتلك النسبة هي المقصودة الأصلية من العبارة فلا يتصور أن يجري في الفعل ما جرى في اسم الفاعل، بل يتعيّن له وقوعه مسندا باعتبار جزء معناه الذي هو الحدث.
فإن قلت قد حكموا بأنّ الجملة الفعلية في: زيد قام أبوه محكوما بها. قلت في هذا الكلام يتصور حكمان: أحدهما الحكم بأن أبا زيد قائم، والثاني أن زيدا قائم الأب، ولا شكّ أن هذين الحكمين ليسا بمفهومين منه صريحا بل أحدهما مقصود والآخر تبع، فإن قصد الأول لم يكن زيد بحسب المعنى محكوما عليه بل هو قيد يتعين به المحكوم عليه، وإن قصد الثاني كما هو الظاهر فلا حكم صريحا بين القيام والأب، بل الأب قيد للمسند الذي هو القيام، إذ به يتم مسندا إلى زيد. ألا ترى أنك لو قلت: قام أبو زيد وأوقعت النسبة بينهما لم يرتبط بغيره أصلا، فلو كان معنى قام أبوه ذلك القيام لم يرتبط بزيد قطعا فلم يقع خبرا، ومن ثمّ تسمع النحاة يقولون قام أبوه جملة وليس بكلام، وذلك لتجريده عن إيقاع النسبة بين طرفيه بقرينة ذكر زيد مقدما، وإيراد ضميره فإنها دالة على الارتباط الذي يستحيل وجوده مع الإيقاع، وهذا الذي ذكر من التحقيق هو المستفاد من حواشي العضدي، ومما ذكره السيّد الشّريف في حاشية المطول في بحث الاستعارة التبعية.
ثم إنه لما عرف اشتراك الاسم والفعل في الاستقلال بالمفهومية فلا بد من مميّز بينهما فزيد قيد عدم الاقتران بأحد الأزمنة الثلاثة في حدّ الاسم احترازا عن الفعل، ولا يخرج من الحدّ لفظ أمس وغد والصبوح والغبوق ونحو ذلك، لأنّ معانيها الزمان لا شيء آخر يقترن بالزمان كما في الفعل. ثم المراد بعدم الاقتران أن يكون بحسب الوضع الأول فدخل فيه أسماء الأفعال لأنها جميعا إما منقولة عن المصادر الأصلية سواء كان النقل صريحا نحو رويد فإنه قد يستعمل مصدرا أيضا، أو غير صريح نحو هيهات فإنه وإن لم يستعمل مصدرا إلّا أنّه على وزن قوقاة مصدر قوقى، أو عن المصادر التي كانت في الأصل أصواتا نحو صه، أو عن الظرف، أو الجار والمجرور نحو أمامك زيد وعليك زيد، فليس شيء منها دالة على أحد الأزمنة الثلاثة بحسب الوضع الأول. وخرج عنه الأفعال المنسلخة عن الزمان وهي الأفعال الجوامد كنعم وبئس وعسى وكاد لاقتران معناها بالزمان بحسب الوضع الأول، وكذا الأفعال المنسلخة عن الحدث كالأفعال الناقصة لأنها تامّات في أصل الوضع منسلخات عن الحدث، كما صرح به بعض المحققين في الفوائد الغياثية. وخرج عنه المضارع أيضا فإنه بتقدير الاشتراك بين الحال والاستقبال لا يدلّ إلّا على زمان واحد، فإنّ تعدد الوضع معتبر في المشترك ويعلم من هذا فوائد القيود في تعريف الفعل.

البيّنات

Entries on البيّنات in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
البيّنات:
[في الانكليزية] Evident proofs ،testemony
[ في الفرنسية] Preuves evidentes ،temoignage
جمع بينة وهي عند أهل الجفر يطلق على ما سوى أول الحروف من اسم حرفي وتسمّى بالغرائز أيضا وقد سبق في بيان البسط. وعند الفقهاء يطلق على الشهادة فإنهم قالوا إنّ الحجة في الشرع على ثلاثة أقسام البينة والــإقرار والنكول كذا في الأشباه.

البيهشيّة

Entries on البيهشيّة in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
البيهشيّة:
[في الانكليزية] Al -Bayhachiyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Bayhachiyya (secte)
هي فرقة من الخوارج أصحاب بيهش بن الهيصم بن جابر. قالوا الإيمان هو الــإقرار والعلم بالله وبما جاء به الرسول، فمن وقع فيما لا يعرف أحلال أم حرام فهو كافر، لوجوب الفحص عليه حتى يعلم الحق. وقيل لا يكفر حتى يرفع أمره إلى الإمام فيحدّه، وكلّ ما ليس فيه حدّ فهو مغفور. وقيل لا حرام إلا ما في قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ الآية. وقيل إذا كفر الإمام كفرت الرعية حاضرا أو غائبا. وقالوا الأطفال كآبائهم إيمانا وكفرا. وقيل السّكر من شراب حلال لا يؤاخذ صاحبه مما قال وفعل بخلاف السّكر من شراب حرام. وقيل السّكر مع الكبيرة كفر. ووافقوا القدرية في إسناد أفعال العباد إليهم، كذا في شرح المواقف. 

التّصريع

Entries on التّصريع in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّصريع:
[في الانكليزية] Leonine rhyme
[ في الفرنسية] Rime leonine
كالتصريف عند البلغاء جعل العروض مقفاة تقفية الضرب وهو من أنواع السجع على القول بجريانه في النظم. قال ابن الأثير:
التصريع ينقسم إلى سبع مراتب. الأولى أن يكون كل مصراع مستقلا بنفسه في فهم معناه ويسمّى التصريع الكامل كقول امري القيس:
أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي والثانية أن يكون الأول [غير محتاج] إلى الثاني، فإذا جاء جاء مرتبطا به كقوله أيضا:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل.
والثالثة أن يكون المصراعان بحيث يصحّ وضع كل منهما موضع الآخر كقول ابن الحجاج:
من شروط الصّبوح في المهرجان خفّة الشرب مع خلو المكان. والرابعة أن لا يفهم معنى الأول إلّا بالثاني ويسمّى التصريع الناقص كقول أبي الطيب:
مغانى الشعب طيبا في المغاني بمنزلة الربيع من الزمان.
والخامسة أن يكون التصريع بلفظة واحدة في المصراعين ويسمّى التصريع المكرّر، وهو ضربان: لأنّ الألفاظ إمّا متحدة المعنى في المصراعين كقول عبيد:
وكل ذي غيبة يئوب وغائب الموت لا يئوب.
وهذا أنزل درجة، وإمّا مختلفة المعنى لكونه مجازا كقول أبي تمام:
فتى كان شربا للعفاة ومرتعا فأصبح للهندية البيض مرتعا.
والسادسة أن يكون المصراع الأول معلّقا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني ويسمّى التعليق كقول إمرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الإصباح منك بأمثل.
لأنّ الأول [معلق] بصبح وهذا معيب جدّا. والسابعة أن يكون التصريع في البيت مخالفا لقافيته ويسمّى التصريع المشطور كقول أبي نواس:
أقلني قد ندمت من الذنوب وبالــإقرار عدت من الجحود فصرّع بالباء ثم قفّاه بالدال، انتهى كلامه.
ولا يخفى أنّ السابعة خارجة مما نحن فيه كذا في المطول في بيان السجع.

الثّوبانية

Entries on الثّوبانية in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الثّوبانية:
[في الانكليزية] Al -Thaubaniyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Thaubaniyya (secte)
فرقة من المرجئة أصحاب ثوبان المرجئ، قالوا الإيمان هو المعرفة والــإقرار بالله وبرسوله وبكل ما لا يجوز في العقل أن يعقله. وأما ما جاز في العقل أن يعقله فليس الاعتقاد به من الإيمان، وهؤلاء كلهم على أنّه تعالى لو عفا في القيامة عن عاص لعفا عن كل من هو مثله، وكذا لو أخرج واحدا من النار لأخرج كل من هو مثله، ولم يجزموا بخروج المؤمنين من النار. وقد جمع ابن غيلان منهم بين الإرجاء والقدر أي إسناد أفعال العباد إلى العباد، وقال بالخروج حيث زعم جواز أن لا يكون الإمام قرشيا، كذا في شرح المواقف.

الثّومنية

Entries on الثّومنية in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الثّومنية:
[في الانكليزية] Al -Thumaniyya (sect)
[ في الفرنسية] Al -Thumaniyya (secte)
فرقة من المرجئة أصحاب أبي معاذ الثومن، قالوا الإيمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والــإقرار بما جاء به الرسول وترك كله أو بعضه كفر وليس بعضه إيمانا ولا بعض إيمان. وكل معصية لم يجمع على أنها كفر فصاحبه يقال فيه إنه فسق وعصى ولا يقال إنه فاسق. ومن ترك الصلاة مستحلا كفر ومن تركها بنية القضاء لا يكفر. ومن قتل نبيا أو لطمه كفر لأنه دليل لتكذيبه وبغضه، وبه قال ابن الراوندي وبشر المريسي. وقال السجود للصنم ليس كفرا بل علامة الكفر، كذا في شرح المواقف.

الجنّ

Entries on الجنّ in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الجنّ:
[في الانكليزية] Djinn ،jinn ،demon
[ في الفرنسية] Dijinn ،demon
بالكسر وتشديد النون بمعنى پري، وهو خلاف الإنس. الواحد منه جنّي بكسرتين كذا في الصّراح. وفي تهذيب الكلام زعم الحكماء أنّ الملائكة هم العقول المجرّدة والنفوس الفلكية والجنّ أرواح مجرّدة لها تصرف في العنصريات، والشيطان القوّة المتخيلة. ولا يمتنع ظهور الكل أي الملائكة والجنّ والشياطين على بعض الأبصار وفي بعض الأحوال انتهى.
اعلم أنّ الناس قديما وحديثا اختلفوا في ثبوت الجنّ ونفيه. وفي النقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره وذلك لأنّ أبا علي بن سينا قال: الجنّ حيوان هوائي يتشكّل بأشكال مختلفة. ثم قال: وهذا شرح الاسم. فقوله وهذا شرح الاسم يدل على أنّ هذا الحدّ شرح للمراد من هذا اللفظ وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج. وأمّا جمهور أرباب الملل والمصدّقين بالأنبياء فقد اعترفوا بوجود الجنّ، واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات، ويسمّونها الأرواح السّفلية وزعموا أنّ الأرواح السفلية أسرع إجابة لأنها ضعيفة. وأما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة لأنها أقوى.

واختلف المثبتون على قولين: منهم من زعم أنها ليست أجساما ولا حالة فيها، بل جواهر قائمة بأنفسها. قالوا ولا يلزم من هذا تساويها لذات الإله لأنّ كونها ليست أجساما ولا جسمانية سلوب، والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية. وقالوا ثم إنّ هذه الذوات بعد اشتراكها في هذه السلوب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد اشتراكها في الحاجة إلى المحلّ. فبعضها خيّرة محبة للخيرات وبعضها شريرة محبّة للشرور والآفات. ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلّا الله تعالى. وقالوا: وكونها موجودات مجرّدة لا يمنع من كونها عالمة بالجزئيات قادرة على الأفعال. وهذه الأرواح يمكنها أن تسمع وتبصر وتعلم الأحوال الجزئية وتفعل الأفعال وتعقل الأحوال المخصوصة. ولما ذكرنا أنّ ماهياتها مختلفة لا جرم لم يبعد في أنواعها أن يكون نوع منها قادرا على أفعال شاقّة عظيمة يعجز عنها قوى البشر ولا يبعد أن يكون لكلّ نوع منها تعلّق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم. وكما أنّه دلت الدلائل الطبيّة أي المذكورة في علم الطب على أنّ المتعلّق الأول للنفس الناطقة أجسام بخارية لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم وهي المسمّى بالروح القلبي والروح الحيواني، ثم بواسطة تعلّق النفس للأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح، لم يبعد أيضا أن يكون لكلّ واحد من هؤلاء الجنّ تعلّق بجزء من أجزاء الهواء ويكون ذلك الجزء من الهواء هو المتعلّق الأول لذلك الروح، ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلّق وتصرف في تلك الأجسام الكثيفة.
ومن النّاس من ذكر في الجنّ طريقة أخرى فقال: هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن، فبسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلّق ما بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن فإنّ الجنسية علّة الضّمّ، فإن اتفقت هذه الحالة في النفس الخيّرة سمي ذلك المعين ملكا وتلك الإعانة إلهاما، وإن اتفقت في النفس الشريرة سمّي ذلك المعين شيطانا وتلك الإعانة وسوسة. ومنهم من زعم أنها أجسام. والقائلون بهذا اختلفوا على قولين: منهم من زعم أنّ الأجسام مختلفة في ماهياتها إنما المشترك بينها صفة واحدة، وهو كونها بأسرها في الحيّز والمكان والجهة، وكونها قابلة للأبعاد الثلاثة، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في الماهية، وإلّا يلزم أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية، مع أنّ الحق عند الحكماء أنّه ليس للأعراض قدر مشترك بينها من الذاتيات إذ لو كان كذلك لكان ذلك المشترك جنسا لها وحينئذ لا تكون الأعراض التسعة أجناسا عالية، بل كانت أنواع جنس. فلما كان الحال في الأعراض كذلك فلم لا يجوز أن يكون الحال في الأجسام أيضا كذلك، فإنّه كما أنّ الأعراض مختلفة في تمام الماهية متساوية في وصف عرضي، وهو كونها عارضة لمعروضاتها، فكذلك الأجسام مختلفة في الماهيات متساوية في الوصف العرضي المذكور. وهذا الاحتمال لا دافع له أصلا.
فلمّا ثبت هذا الاحتمال ثبت أنّه لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن يكون مخالفا لسائر أنواع الهواء في الماهية، ثم تكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علما مخصوصا وقدرة على أفعال عجيبة من التّشكّل بأشكال مختلفة ونحوه. وعلى هذا يكون القول بالجن وقدرتها على التّشكل ظاهر الاحتمال.
ومنهم من قال الأجسام متساوية في تمام الماهية والقائلون بهذا أيضا فرقتان. الأولى الذين زعموا أنّ البنية ليست شرطا للحياة وهو قول الأشعري وجمهور أتباعه. وأدلتهم في هذا الباب ظاهرة قريبة. قالوا لو كانت البنية شرطا للحياة لكان إمّا أن يقوم بالجزءين حياة واحدة فيلزم قيام العرض الواحد بالكثير وأنه محال، وإمّا أن يقوم بكل جزء منها حياة على حدّة، وحينئذ فإمّا أن يكون كلّ واحد من الجزءين مشروطا بالآخر في قيام الحياة فيلزم الدور، أو يكون أحدهما مشروطا بالآخر في قيام الحياة وبالعكس فيلزم الدور أيضا، أو يكون أحدهما مشروطا بالآخر من غير عكس فيلزم الترجيح بلا مرجّح، أو لا يكون شيء منهما مشروطا بالآخر وهو المطلوب. وإذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجواهر الفردة علما بأمور كثيرة وقدرة على أشياء شاقّة شديدة وإرادة إليها.
فظهر القول [بإمكان] بوجود الجنّ سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة، وسواء كانت أجرامهم صغيرة أو كبيرة. الثانية الذين زعموا أنّ البنية شرط للحياة وأنّه لا بدّ من صلابة في الجثة حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة، وهو قول المعتزلة. وقالوا لا يمكن أن يكون المرء حاضرا والموانع مرتفعة والشرائط من القرب والبعد حاصلا وتكون الحاسة سليمة، ومع هذا لا يحصل الإدراك المتعلّق بتلك الحاسة بل يجب حصول ذلك الإدراك حينئذ، وإلّا لجاز أن يكون بحضرتنا جبال لا نراها وهذا سفسطة. وقال الأشاعرة يجوز أن لا يحصل ذلك الإدراك لأنّ الجسم الكبير لا معنى له إلّا تلك الأجزاء المتألّفة، وإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء، فإمّا أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء أو لا يكون. فإن كان الأول لزم الدور لأنّ الأجزاء متساوية، وإن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على ذلك القدر من المسافة تكون ممكنة. ثم من المعلوم أنّ ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضمّ إليه سائر الجواهر، فإنّه لا يرى فعلمنا أنّ حصول الرؤية عند اجتماع جملة الشرائط لا يكون واجبا بل جائزا، فعلى هذا قول المعتزلة بثبوت الملك والجنّ مشكل فإنّهم إن كانوا موصوفين بالكثافة والصلابة فوجب عندهم رؤيتهم، مع أنه ليس كذلك. فإنّ جمعا من الملائكة عندهم وعند الأشاعرة حاضرون أبدا وهم الحفظة والكرام الكاتبون ويحضرون أيضا عند قبض الأرواح، وقد كانوا يحضرون عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإنّ أحدا من القوم ما كان يراهم. وكذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا فإن وجب رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها، وإن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم، وإن كانوا موصوفين بالقوة الشديدة مع عدم الكثافة والصلابة فقد بطل مذهبهم. وقولهم البنية شرط للحياة إن قالوا إنّها أجسام لطيفة روحانية ولكنها للطافتها لا تقدر على الأفعال الشاقة، فهذا إنكار بصريح القرآن، فإنّ القرآن دلّ على أنّ قوتها عظيمة على الأفعال الشاقة.
وبالجملة فحالهم في الــإقرار بالملك والجنّ مع هذه المذاهب عجيب. هكذا في التفسير الكبير في تفسير سورة الجن. وما يتعلّق بهذا يجئ في لفظ المفارق. وفي الينابيع قيل العقلاء ثلاثة أصناف الملائكة والجنّ والإنس. فالملائكة خلقت من النور والإنس خلق من الطين والجن خلق من النار. فالجن خلقوا رقاق الأجسام بخلاف الملائكة والإنس. ورووا أنّ النبي عليه السلام قال: (الجن ثلاثة أقسام: قسم منها: له ريش كالطيور تطير. وآخر على هيئة الأفعى والكلب، وثالث على هيئة النّاس، ويستطيعون التشكل بأي شكل يريدون). وفي الإنسان الكامل: اعلم أنّ سائر الجنّ على اختلاف أجناسهم كلهم على أربعة أنواع: فنوع عنصريون ونوع ناريون ونوع هوائيون ونوع ترابيون. فأما العنصريون فلا يخرجون عن عالم الأرواح وتغلب عليهم البساطة، وهم أشد قوة. سمّوا بهذا الاسم لقوة مناسبتهم بالملائكة، وذلك لغلبة الأمور الروحانية على الأمور الطبيعية السفلية [منهم،] ولا ظهور لهم إلّا في الخواطر. قال تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ ولا يترأون إلّا للأولياء. وأما الناريون فيخرجون من عالم الأرواح غالبا وهم متنوعون في كل صورة، أكثر ما يناجون الإنسان في عالم المثال فيفعلون به ما يشاءون في ذلك العالم، وكيد هؤلاء شديد.
فمنهم من يحمل الشخص بهيكله فيرفعه إلى موضعه، ومنهم من يقيم معه فلا يزال الرائي مصروعا ما دام عنده. وأما الهوائيون فإنّهم يترأون في المحسوس يقابلون الروح فتنعكس صورتهم على الرائي فيصرع. وأما الترابيون فإنّهم يلبّسون الشخص ويضرونه برائحتهم، وهؤلاء أضعف الجنّ قوة ومكرا انتهى.
فائدة: قد يطلق لفظ الجنّ على الملائكة والروحانيين لأنّ لفظ الجنّ مشتق من الاستتار، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعينين، فصارت كأنها مستترة من العيون، فلهذا أطلق لفظ الجنّ عليها. وبهذا المعنى وقع في قوله وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ.
فائدة: قال أصحابنا الأشاعرة الجنّ يرون الإنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق الإدراك في عيون الإنس. وقالت المعتزلة الوجه في أنّ الإنس لا يرون الجنّ أنّ الجنّ لرقة أجسامهم ولطافتها لا يرون، ولو زاد الله في أبصارنا قوة لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا، ولو أنه تعالى كثّف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم أيضا. فعلى هذا كون الإنس مبصرا للجنّ موقوف عندهم إمّا على ازدياد كثافة أجسام الجنّ أو على ازدياد قوة إبصار الإنس.
فائدة جليلة: الإنسان قد يصير جنا في عالم البرزخ بالمسخ، وهذا تعذيب وغضب من الله تعالى على من شاء، كمن كان يمسخ في الأمم السابقة والقرون الماضية قردة وخنازير، إلّا أنّه قد رفع هذا العذاب عن هذه الأمة المرحومة في عالم الشهادة ببركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلّا ما هو من علامات الساعة الكبرى. فقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن يكون في هذه الأمة مسخ وخسف وقذف عند القيامة، وذلك أي مسخ الإنسان جنا في البرزخ يكون غالبا في الكفار والمؤمنين الظالمين المؤذين والزانين والمغلمين سيما إذا ماتوا أو قتلوا على جنابة. وكذا المرتدين غير تائبين إذا ماتوا غير تائبين. وليس كل من كان كذلك يكون ممسوخا بل من شاء الله تعالى مسخه وعذابه. والمسخ لا يكون في الصلحاء والأولياء أصلا وإن ماتوا على جنابة. ويكون المسخ في القيامة كثيرا كما ورد أنّ كلب أصحاب الكهف يصير بلعما والبلعم يجعل كلبا ويدخل ذلك في الجنة ويلقى هذا في النار. ومن هذا القبيل جعل رأس من رفع ووضع رأسه في الصلاة قبل الإمام رأس حمار. ومنه مسخ آخذ الرّشوة وآكل الربا وواضع الأحاديث وأمثال ذلك كثير، كذا في شرح البرزخ لملا معين.
فائدة: اختلفوا: هل من الجنّ رسول أم لا فقال ضحّاك إنّ من الجنّ رسلا كالإنس بدليل قوله تعالى وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ وقوله تعالى وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا الآية. قال المفسرون فيه استئناس الإنسان بالإنسان أكمل من استئناسه بالملك، فاقتضى حكمة الله تعالى أن يجعل رسول الإنس من الإنس لتكميل الاستئناس، فهذا السبب حامل في الجنّ فيكون رسول الجنّ من الجنّ.
والأكثرون قالوا ما كان من الجنّ رسول البتة وإنّما كان الرسول من بني آدم، واحتجوا بالإجماع هو بعيد لأنه كيف ينعقد الإجماع مع حصول الاختلاف. واستدلّوا أيضا بقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً الآية، فإنّهم اتفقوا على أنّ المراد بالاصطفاء النبوّة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهذا القوم.
فائدة: لا يجب أن يكون كل معصية تصدر من إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة الشيطان، وإلّا لزم التسلسل والدور في هؤلاء الشياطين، فوجب الانتهاء إلى قبيح أول ومعصية سابقة حصلت بلا واسطة وسوسة شيطان آخر.
ثم نقول الشياطين كما أنّهم يلقون الوسواس إلى الإنس فقد يوسوس بعضهم بعضا. فقيل الأرواح إمّا ملكية وإمّا أرضية والأرضية منها طيبة طاهرة ومنها خبيثة قذرة شريرة تأمر المعاصي والقبائح وهم الشياطين. ثم إنّ تلك الأرواح الطيبة كما تأمر النّاس بالطاعات والخيرات فكذلك قد تأمر بعضهم بعضا بها، وكذلك الأرواح الخبيثة كما تأمر الناس بالمعصية كذلك تأمر بعضهم بعضا بها. ثم إنّ صفات الطّهر كثيرة وصفات الخبث أيضا كذلك. وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية، وبحسب تلك المجانسة والمشابهة ينضم الجنس إلى جنسه. فإن كان ذلك من باب الخير كان الحامل عليه ملكا يقويه وذلك الخاطر إلهام.
وإن كان من باب الشّر كان الحامل عليه شيطانا يقويه وذلك الخاطر وسوسة، فلا بد من المناسبة. ومتى لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين البشرية وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام بالنفوس البشرية، هكذا يستفاد من التفسير الكبير في تفسير سورة الجنّ والأنعام والأعراف.
فائدة: اختلف الناس في حكم الجنّ، هل هم من أهل الجنّة أو النّار؟ فالكفار هم من أهل النّار باتفاق. وأمّا المؤمنون منهم فيقول أبو حنيفة رحمه الله هم ناجون من النّار ولا يدخلون الجنة، بل يفنون كالحيوانات الأخرى؛ وثمّة قول آخر بأنّهم يدخلون الجنة. كذا في الينابيع.
} Twitter/X
Please support The Arabic Lexicon by donating on the home page to help cover server costs (note: the previous text here was outdated).
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.