Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: إعلام

علم الْمصدر

Entries on علم الْمصدر in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
علم الْمصدر: بِفَتْح الأول وَالثَّانِي هُوَ اسْم الْمصدر كالسبحان فَإِنَّهُ علم التَّسْبِيح مَوْضُوع لَهُ كوضع الْــإِعْلَام لَا مصدر فَمَعْنَاه لفظ التَّسْبِيح وَمعنى التَّسْبِيح بِالْفَارِسِيَّةِ (باكى يادكردن) كالإسلام اسْم التَّسْلِيم، والوجهة اسْم التَّوَجُّه فَإِن أردْت زِيَادَة الْبَيَان فَانْظُر فِي السبحان.

الإخبار

Entries on الإخبار in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الإخبار:
[في الانكليزية] Narration
[ في الفرنسية] Recitation ،narration
هو عند المحدّثين مرادف للتّحديث. وقيل مغاير له. وعند أهل العربية يطلق على الخبر وهو الكلام الذي لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه. وقد يطلق على إلقاء هذا الكلام وهو فعل المتكلّم أي الكشف والــإعلام وهذا ظاهر.
وأما المعنى الأول فقد قال سعد الملّة في التلويح في تعريف أصول الفقه المركّب التّام المحتمل للصدق والكذب يسمّى من حيث اشتماله على الحكم قضية، ومن حيث احتماله الصدق والكذب خبرا، ومن حيث إفادته الحكم إخبارا، ومن حيث كونه جزء من الدّليل مقدمة، ومن حيث يطلب بالدّليل مطلوبا، ومن حيث يحصّل من الدليل نتيجة، ومن حيث يقع في العلم ويسأل عنه مسألة. فالذات واحدة وإختلاف العبارات باختلاف الاعتبارات، انتهى.

أفعال القلوب

Entries on أفعال القلوب in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
أفعال القلوب:
[في الانكليزية] Verbs of doubt and certitude
[ في الفرنسية] Les verbes de doute et de certitude
وتسمّى أفعال الشكّ واليقين أيضا، وهي عند النحاة ظننت وحسبت وخلت وزعمت وعلمت ورأيت ووجدت. وتسميتها بأفعال القلوب ظاهر. وأما تسميتها بأفعال الشكّ واليقين فكأنّهم أرادوا بالشكّ الظنّ وإلّا فلا شيء من هذه الأفعال بمعنى الشك، أي تساوي الطرفين، فهذه سبعة أفعال تشترك في أنها موضوعة للحكم بتعلّق شيء بشيء على صفة، فلذا اقتضت مفعولين، وفائدتها الــإعلام بأنّ النسبة حاصلة عمّا دلّ عليه الفعل من علم أو ظن، والحصر في السبعة باعتبار مدلوله النوعي، فإنّ بعضها للظنّ وبعضها للعلم وبعضها مشترك فيهما، فذكر من كل نوع ما هو المشهور منه، هكذا في الفوائد الضيائية وحاشيته للمولوي عبد الحكيم. والفرق بين مفعولي هذه الأفعال وبين مفعولي باب أعطيت أنّ المفعول الثاني فيها عين الأول وأن المفعول الثاني في باب أعطيت غير الأول كما هو المشهور. ومما يشبه أفعال القلوب في مجرد نصب جزئي الاسمية لا في خواصّها من الإلغاء والتعليق اتخذ وصيّر وجعل وترك وشعر ودرى وألفى وتوهّم وهب بمعنى أحسب كما في الوافي واللب.

الإقامة

Entries on الإقامة in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الإقامة: هي الــإعلام بشروع في الصلاة بألفاظ عيَّنها الشارع، وامتازت عن الأذان بلفظ الإقامة.
الإقامة:
[في الانكليزية] Accomplishing the prayer ،installation
[ في الفرنسية] Accomplissement de la priere ،installation
عند أهل الشرع هي الــإعلام بالشروع في الصلاة بألفاظ عيّنها الشارع، وامتازت عن الأذان بلفظ الشروع، كذا في الكرماني شرح صحيح البخاري. وفي البرجندي الإقامة في الأصل مصدر سمّي بها في الشرع الأذان الثاني لما أنها سبب لقيام الناس إلى الصلاة، وألفاظه هي ألفاظ الأذان بعينها إلّا أنه يزاد فيها: قد قامت الصلاة مرتين بعد الحيعلتين. وعند أهل الهيئة عبارة عن كون الكوكب في موضع من فلك البروج واقفا غير متحرّك. قالوا مما يعرض للكواكب المتحيّرة الرجوع وهو حركتها إلى خلاف التوالي، والاستقامة وهي حركتها إلى التوالي، والإقامة وهي كونها أياما في موضع واحد من فلك البروج. وفي كفاية التعليم إذا رجع كوكب لآخر أو وصل إلى الاستقامة فإنّه يقع في حدّ الإقامة. ويقال لحدّ الإقامة رباط الكوكب انتهى كلامه.
بيان ذلك أن الكوكب إذا كان في أعلى التدوير أي فوق البعدين الأوسطين بحسب المسير لا بحسب المسافة كانت حركة مركزه موافقة في الجهة لحركة مركز تدويره، فيرى الكوكب مستقيما سريع الحركة إلى التوالي لأن مركز الكوكب يتحرك حينئذ إلى التوالي بمجموع حركتي الحامل والتدوير، فإذا قرب الكوكب من أسفل التدوير أي من الحضيض وما يقرب منه جعل يميل إلى خلاف التوالي لما تقرر أن حركة التدوير على مركزه، وأن حركة أسفله تخالف في الجهة حركة أعلاه قطعا لعدم شموله للأرض، لكنه ما دام حركة مركز الكوكب على أسفل محيط التدوير إلى خلاف التوالي يكون أقل من حركة التدوير إلى التوالي يرى الكوكب مستقيما لكن بطيء السير في الاستقامة، فإذا تساوت الحركتان يرى الكوكب مقيما في موضع معيّن إذ بمقدار ما يحركه الحامل إلى التوالي يرده التدوير إلى خلافه فيرى في مقامه واقفا ولا يحسّ بحركته، فإذا زادت حركة مركز الكوكب على حركة مركز التدوير يرى الكوكب راجعا متحركا إلى خلاف التوالي بمقدار فضل حركة التدوير على حركة الحامل ثم الكوكب بعد الرجعة يقيم ثانيا في الجانب الآخر من التدوير إذا تساوت الحركتان، ويستقيم بعد الوقوف إذا اتفقت الحركتان في الجهة. فالكوكب في أعلى التدوير مستقيم وفي غاية سرعة الحركة إلى التوالي، ثم يبطئ في الاستقامة حتى يقيم، ثم يرجع متدرجا من البطء في الرجوع إلى السرعة فيه؛ وغاية سرعته في الرجوع في حضيض التدوير، ومن هناك يتدرج من السرعة إلى البطء فيه حتى يقيم ثانيا ثم يستقيم متدرجا من البطء في الاستقامة إلى السرعة فيها، وغاية السرعة في الاستقامة في ذروة التدوير التي فرضناها مبدأ في حركة مركز الكوكب على محيط التدوير، فظهر أنّ الكوكب يتم دورة في فلكه من غير إختلاف يقع له بالنسبة إلى فلكه فليس له في الحركة إسراع ولا إبطاء ولا رجوع ولا وقوف في نفس الأمر، بل كل ذلك بحسب رؤيتنا لتركّب في الحركات وإختلاف الأوضاع.
ولما كانت حركة مركز القمر على منطقة التدوير أقل من حركة مركز تدويره على منطقة الحامل لا يرى القمر راجعا ولا واقفا إذ لا تساوي حركة التدوير حركة الحامل في الرؤية حتى يرى القمر واقفا فضلا عن أن تزيد على حركة الحامل حتى يرى راجعا، بل قد يرى بطيء السير إذا خالفت حركة مركز جرمه في الجهة حركة مركز تدويره، وذلك إذا كان القمر في أعلى التدوير. وإذا توافقت الحركتان في الجهة يرى سريعا في الاستقامة وذلك إذا كان القمر في أسفل التدوير. هكذا في شروح الملخص وتصانيف عبد العلي البرجندي.

الإيمان

Entries on الإيمان in 4 Arabic dictionaries by the authors Hamiduddin Farahi, Mufradāt al-Qurʾān, Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, and 1 more
الإيمان: بالكسرِ في اللغة: التصديق بالقلب، وفي الشرع: هو الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان وقد مرَّ. قيل: من شهد وعمل ولم يعتقد فهو منافق، ومن شهد ولم يعمل واعتقد فهو فاسق، ومن أخلَّ بالشهادة فهو كافر.
والأيمان- بالفتح-: جمع اليمين وسيأتي.
الإيمان: أحينا وأمِتْنا عليه يَا أرحمَ الرَّاحمين- هو تصديق سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في جميع ما جاء به عن الله تعالى مما عُلِم مجيئه ضرورة كذا في "الدر المختار" يعني أن الإيمان هو الاعتماد والوثوق بالرسول في كل ما جاء به علماً وعملاً والإقرار إما شرط أو شطر. قال النسفي في "العقائد" "الإيمان والإسلام واحد". قال العلاَّمة التفتازاني في شرحه: "لأن الإسلام هو الخضوعُ والانقياد، بمعنى قَبول الأحكام والإذعان بها وذلك حقيقةُ التصديق ويؤيده قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)} [الذاريات:35، 36].
قلت: هذا إذا كان الإسلامُ على الحقيقة، أما إذا كان على الاستسلام فقط أو على الخوف من القتل فهو غير الإيمان وذلك لقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14]. 
الإيمان
هو من الأمن، فالإيمان هو: الاعتماد، ومن هاهنا: "آمَنَ بهِ" : أيقن به. [والفرق بين "الإيمان" و "الإيقان" أن "الإيمان": تصديق وتسليم، وضده: التكذيب، والجحود، والكفر. و "الإيقان" ضده: الظن والشك. فليس كلُّ مَن أيقن صَدَّقَ، بل ربّما يكذّب المرءُ عُتوّاً ومكابرةً وقد أيقن بالشيء، كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه:
{فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} .
وكذلك ليس كلُّ من آمن فقد أيقن، فربَّما يؤمنُ الرجلُ بغلبة الظنِّ، ثمَّ يوفقه اللهُ، فيخرج عن الظن، ولكن لا يكمل الإيمان إلا بالإيقان. فالإيمان جزءان: علم وتسليم، وبكمالهما يكمل] .
و"آمَنَ لَه": أذعن لقوله. ["آمَنَه": أعطاه الأمن] فهذا هو الأصل لغةً.
[وهو اصطلاح ديني قديم. في العبرانية؟؟؟؟ (أمن) معناه: الصدق والاعتماد، والمتعدي منه: إيمان وتصديق وتثبّت. ومنه؟؟؟؟ (آمين) كلمة تصديق] . ثم علّمنا القرآنُ فروعَ هذا الأصل:
فمنها أن المؤمن لا بد أن يتوكل على الله، كما قال تعالى:
{زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
ومنها أن الإيمان لكونه جزماً واعتقاداً لا بد أن يسوق إلى العمل، كما قال تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} .
الإيمان:
[في الانكليزية] Faith ،belief
[ في الفرنسية] Foi ،croyance
هو في اللغة التصديق مطلقا. واختلفت فيه أهل القبلة على أربع فرق. الفرقة الأولى قالوا الإيمان فعل القلب فقط، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين: أحدهما أنه تصديق خاص وهو التصديق بالقلب للرسول عليه السلام فيما علم مجيئه به ضرورة من عند الله. فمن صدّق بوحدانية الله تعالى بالدليل ولم يصدّق بأنه مما علم به مجيء الرسول من عند الله لم يكن هذا التصديق منه إيمانا. ثم ما لوحظ إجمالا كالملائكة والكتب والرسل كفى الإيمان به إجمالا، وما لوحظ تفصيلا كجبرئيل وموسى والإنجيل اشترط الإيمان به تفصيلا. فمن لم يصدّق بمعيّن من ذلك فهو كافر. ثم التقييد بالضرورة لإخراج ما لا يعلم بالضرورة كالاجتهاديات، فإن منكرها ليس بكافر وعدم تقييد التصديق بالدليل لاشتمال اعتقاد المقلّد إذ إيمانه صحيح عند الأكثر وهو الصحيح.
والتصديق اللغوي هو اليقيني على ما يجيء في محله. فالظني ليس بكاف في الإيمان، وهذا قول جمهور العلماء، فإنّ الإيمان عندهم هو التصديق الجازم الثابت.

وقال بعضهم: عدم كفاية الظنّ القوي الذي لا يخطر معه النقيض محل كلام، وقد صرّح في شرح المواقف أنّ الظنّ الغالب الذي لا يخطر معه احتمال النقيض حكمه حكم اليقين في كونه إيمانا حقيقة فإن إيمان أكثر العوام من هذا القبيل. وأطفال المؤمنين وإن لم يكن لهم تصديق لكنهم مصدقون حكما لما علم من الدين ضرورة أنه عليه السلام كان يجعل إيمان أحد الأبوين إيمانا للأولاد.
والتصديق مع لبس الزنار بالاختيار كلا تصديق فيحكم بكفر هذا المصدّق. وقيل الكفر في مثل هذه الصورة أي في الصورة التي يكون التصديق مقرونا بشيء من أمارات التكذيب في الظاهر في حق إجراء أحكام الدنيا لا فيما بينه وبين الله تعالى، كذا في حاشية الخيالي للمولوي عبد الحكيم.
وحدّ الإيمان بما ذكرنا هو مختار جمهور الأشاعرة وعليه الماتريدية وأكثر الأئمة كالقاضي والأستاذ والحسين بن الفضل ووافقهم على ذلك الصالحي وابن الراوندي من المعتزلة. والقول الثاني أنه معرفة الله تعالى مع توحيده بالقلب. والإقرار باللسان ليس بركن فيه ولا شرط، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقرّ به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان.
وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فزعم أنها داخلة في حدّ الإيمان، وهذا بعيد عن الصواب لمخالفته ظاهر الحديث «بني الإسلام على خمس». والصواب ما حكاه الكعبي عن جهم أنّ الإيمان معرفة الله تعالى وكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد عليه السلام. وفي شرح المواقف قيل الإيمان هو المعرفة، فقوم بالله وهو مذهب جهم بن صفوان، وقوم بالله وبما جاءت به الرسل إجمالا وهو منقول عن بعض الفقهاء.
والفرقة الثانية قالوا إنّ الإيمان عمل باللسان فقط وهم أيضا فريقان: الأول أنّ الإقرار باللسان هو الإيمان فقط ولكن شرط في كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيمانا لا أنها داخلة في مسمّى الإيمان وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي. والثاني أنّ الإيمان مجرّد الإقرار باللسان وهو قول الكرّاميّة، وزعموا أنّ المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة.
والفرقة الثالثة قالوا إنّ الإيمان عمل القلب واللسان معا أي في الإيمان الاستدلالي دون الذي بين العبد وربه، وقد اختلف هؤلاء على أقوال: الأول أنه إقرار باللسان ومعرفة بالقلب وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء وبعض المتكلمين والثاني أنه التصديق بالقلب واللسان معا وهو قول أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي. وفي شرح المقاصد فعلى هذا المذهب من صدّق تقلبه ولم يتفق له الإقرار باللسان في عمره مرة لا يكون مؤمنا عند الله تعالى، ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود في النار، بخلاف ما إذا جعل اسما للتصديق فقط، فالإقرار حينئذ لإجراء الأحكام عليه فقط كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى انتهى كلامه. والمذهب الأخير موافق لما في الحديث «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان» كذا في حاشية الخيالي للمولوي عبد الحكيم. والثالث أنه إقرار باللسان وإخلاص بالقلب. ثم المعرفة بالقلب على قول أبي حنيفة مفسّرة بشيئين: الأول الاعتقاد الجازم سواء كان استدلاليّا أو تقليديّا، ولذا حكموا بصحة إيمان المقلّد وهو الأصح.
والثاني العلم الحاصل بالدليل، ولذا زعموا أن الأصح أنّ إيمان المقلّد غير صحيح. ثم هذه الفرقة اختلفوا، فقال بعضهم الإقرار شرط للإيمان في حق إجراء الأحكام حتى أنّ من صدّق الرسول عليه السلام فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى وإن لم يقرّ بلسانه وهو مذهب أبي حنيفة وإليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين وهو قول أبي منصور الماتريدي. ولا يخفى أنّ الإقرار لهذا الغرض لا بدّ أن يكون على وجه الــإعلام على الإمام وغيره من أهل الإسلام ليجروا عليه الأحكام، بخلاف ما إذا كان ركنا فإنه يكفي مجرّد التكلّم في العمر مرة، وإن لم يظهر على غيره كذا في الخيالي. وقال بعضهم هو ركن ليس بأصلي له بل هو ركن زائد، ولهذا يسقط حال الإكراه. وقال فخر الإسلام إنّ كونه زائدا مذهب الفقهاء وكونه لإجراء الأحكام مذهب المتكلمين.
والفرقة الرابعة قالوا إنّ الإيمان فعل بالقلب واللسان وسائر الجوارح وهو مذهب أصحاب الحديث ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي. وقال الإمام وهو مذهب المعتزلة والخوارج والزيدية. أما أصحاب الحديث فلهم أقوال ثلاثة: القول الأول أنّ المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وزعموا أنّ الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئا من الطاعات ما لم يوجد المعرفة والإقرار باللسان إيمانا ولا شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجحود والإنكار لأن اصل الطاعات الإيمان وأصل المعاصي الكفر والفرع لا يحصل بدون ما هو أصله وهو قول عبد الله بن سعد. والقول الثاني أن الإيمان اسم للطاعات كلها فرائضها ونوافلها، وهي بجملتها إيمان واحد، وأنّ من ترك شيئا من الفرائض فقد انتقض إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقض إيمانه. والقول الثالث أنّ الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.
وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أنّ الإيمان إذا عدّي بالباء فالمراد به في الشرع التصديق، يقال آمن بالله أي صدّق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، لا يقال فلان آمن بكذا إذا صلّى وصام، فالإيمان المتعدّي بالباء يجري على طريق اللغة، وإذا أطلق غير متعدّ فقد اتفقوا على أنه منقول نقلا ثانيا من التصديق إلى معنى آخر. ثم اختلفوا فيه على وجوه. الأول أنّ الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة أو من باب الاعتقادات أو الأقوال أو الأفعال وهذا قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار. والثاني أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل وهو قول أبي علي الجبائي وأبي هاشم. والثالث أنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد وهو قول النظّام وأصحابه، ومن قال شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب كل الكبائر.
وأما الخوارج فقد اتفقوا على أنّ الإيمان بالله يتناول معرفة الله تعالى ومعرفة كل ما نصب الله عليه دليلا عقليا أو نقليا، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر ونهي عنه صغيرا كان أو كبيرا.
وقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان ويقرب من مذهب المعتزلة مذهب الخوارج، ويقرب من مذهبهما مذهب السلف وأهل الأثر أنّ الإيمان عبارة عن مجموع ثلاثة أشياء: التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان، إلّا أنّ بين هذه المذاهب فرقا، وهو أن من ترك شيئا من الطاعات فعلا كان أو قولا خرج من الإيمان عند المعتزلة ولم يدخل في الكفر، بل وقع في مرتبة بينهما يسمّونها منزلة بين المنزلتين. وعند الخوارج دخل في الكفر لأن ترك كلّ واحد من الطاعات كفر عندهم. وعند السلف لم يخرج من الإيمان لبقاء أصل الإيمان الذي هو التصديق بالجنان. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال. ونقل عن الشافعي أنه قال الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل، فالمخلّ بالأول وحده منافق، وبالثاني وحده كافر، وبالثالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنّة.

قال الإمام: هذه في غاية الصعوبة لأن العمل إذا كان ركنا لا يتحقق الإيمان بدونه، فغير المؤمن كيف يخرج من النار ويدخل الجنة. قلت الإيمان في كلام الشارع قد جاء بمعنى أصل الإيمان وهو الذي لا يعتبر فيه كونه مقرونا بالعمل كما في قوله عليه السلام «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ورسله وتؤمن بالبعث والإسلام وأن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة» الحديث. وقد جاء بمعنى الإيمان الكامل وهو المقرون بالعمل وهو المراد بالإيمان المنفي في قوله عليه السلام «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» الحديث، وكذا كل موضع جاء بمثله. فالخلاف في المسألة لفظي لأنه راجع إلى تفسير الإيمان وأنه في أيّ المعنيين منقول شرعي، وفي أيهما مجاز ولا خلاف في المعنى فإنّ الإيمان المنجّي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين، والإيمان المنجّي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنة خلافا للمعتزلة والخوارج.
وبالجملة فالسلف والشافعي جعلوا العمل ركنا من الإيمان بالمعنى الثاني دون الأول، وحكموا مع فوات العمل ببقاء الإيمان بالمعنى الأول، وبأنه ينجو من النار باعتبار وجوده، وإن فات الثاني فاندفع الإشكال.
اعلم أنهم اختلفوا في التصديق بالقلب الذي هو تمام مفهوم الإيمان عند الأشاعرة أو جزء مفهومه عند غيرهم. فقيل هو من باب العلوم والمعارف فيكون عين التصديق المقابل للتصور. وردّ بأنّا نقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم بحقيقة رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم وما جاء به قال الله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ويَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ الآية. وأجيب بأنّا إنما نحكم بكفرهم لأن من أنكر منهم الرسالة أبطل تصديقه القلبي بتكذيبه اللساني، ومن لم ينكرها أبطله بترك الإقرار اختيارا، لأنّ الإقرار شرط لإجراء الأحكام على رأي، وركن الإيمان على رأي.
ولهذا لو حصل التصديق لأحد ومات من ساعته فجأة قبل الإقرار يكون مؤمنا إجماعا. لكن بقي شيء آخر وهو أنّ الإيمان مكلّف به والتكليف إنما يتعلق بالأفعال الاختيارية فلا بد أن يكون التصديق بالقلب اختياريا، والتصديق المقابل للتصوّر ليس اختياريا كما بيّن في موضعه.
وأجيب بأن التكليف بالإيمان تكليف بتحصيل أسبابه من القصد إلى النظر في آثار القدرة الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته وتوجيه الحواس إليها، وترتيب المقدمات المأخوذة، وهذه أفعال اختيارية. ولذا قال القاضي الآمدي: التكليف بالإيمان تكليف بالنظر الموصل إليه وهو فعل اختياري. وفيه أنه يلزم على هذا اختصاص التصديق بأن يكون علما صادرا عن الدليل.
وقيل هو أي التصديق من باب الكلام النفسي وعليه إمام الحرمين. وهكذا ذكر صدر الشريعة حيث قال: المراد
بالتصديق معناه اللغوي وهو أن ينسب الصدق إلى المخبر اختيارا لأنه إن وقع في القلب صدق المخبر ضرورة كما إذا شاهد أحد المعجزة ووقع صدق دعوى النبوة في قلبه ضرورة وقهرا من غير أن ينسب الصدق إلى النبي عليه السلام اختيارا، لا يقال في اللغة إنه صدّقه، فعلم أنّ المراد من التصديق إيقاع نسبة الصدق إلى المخبر اختيارا الذي هو كلام النفس ويسمّى عقد الإيمان. وظاهر كلام الأشعري أنه كلام النفس والمعرفة شرط فيه إذ المراد بكلام النفس الاستسلام الباطني والانقياد لقبول الأوامر والنواهي. وبالمعرفة إدراك مطابقة دعوى النبي للواقع أي تجليها للقلب وانكشافها له وذلك الاستسلام إنّما يحصل بعد حصول هذه المعرفة، ويحتمل أن يكون كل منهما ركنا. وقال بعض المحققين إنّ كلا من المعرفة والاستسلام خارج من مفهوم التصديق لغة، وهو نسبة الصدق بالقلب أو اللسان إلى القائل، لكنهما معتبران شرعا في الإيمان إمّا على أنهما جزءان لمفهومه شرعا، أو شرطان لإجراء أحكامه شرعا. والثاني هو الراجح لأن الأول يلزمه نقل الإيمان عن معناه اللغوي إلى معنى آخر شرعي، والنقل خلاف الأصل، فلا يصار إليه بغير دليل.
فائدة:
قيل الإيمان والإسلام مترادفان، وقيل متغايران. وقد سبق تفصيله في لفظ الإسلام.
فائدة:
الإيمان هل يزيد وينقص أو لا؟ اختلف فيه. فقيل لا يقبل الزيادة والنقصان لأنه حقيقة التصديق، وهو لا يقبلهما. وقيل لا يقبل النقصان لأنه لو نقص لانتفى الإيمان، ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى زادَتْهُمْ إِيماناً ونحوها. وقيل يقبلهما وهو مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفائها. وقال الإمام هذا البحث لفظي لأن المراد بالإيمان إن كان هو التصديق فلا يقبلهما لأنّ الواجب هو اليقين الغير القابل للتفاوت لعدم احتمال النقيض فيه، والاحتمال ولو بأبعد وجه ينافي اليقين. وإن كان المراد به الأعمال إمّا وحدها أو مع التصديق فيقبلهما وهو ظاهر. فإن قلت انتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل فكيف تتصوّر الزيادة والنقصان؟ قلت الأعمال ليست مما جعله الشارع جزءا من الإيمان حتى ينتفي بانتفائها الإيمان بل هي تقع جزءا منه إن وجدت. فما لم يوجد الأعمال فالإيمان هو التصديق والإقرار وإن وجدت كانت داخلة في الإيمان، فيزيد على ما كان قبل الأعمال.
وقيل الحق أنّ التصديق يقبلهما بحسب الذات وبحسب المتعلق، أمّا الأول فلقبوله القوة والضعف فإنه من الكيفيات النفسانية القابلة لهما كالفرح والحزن والغضب. وقولكم الواجب هو اليقين والتفاوت لاحتمال النقيض. قلنا لا نسلم أنّ التفاوت لذلك فقط إذ يجوز أن يكون بالقوة والضعف بلا احتمال النقيض. ثم الذي قلتم يقتضي أن يكون إيمان النبي عليه السلام وإيمان آحاد الأمة سواء وأنه باطل إجماعا ولقول إبراهيم عليه السلام وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فإنه يدل على قبول التصديق اليقيني للزيادة والنقصان. والظاهر أنّ الظن الغالب الذي لا يخطر معه احتمال النقيض بالبال حكمه حكم اليقين في كونه إيمانا حقيقة، فإنّ إيمان أكثر العوام من هذا القبيل. وعلى هذا فقبول الزيادة والنقصان واضح وضوحا تاما. وأمّا الثاني فإن التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال.
فائدة:
هل الإيمان مخلوق أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه مخلوق. وذكر عن أحمد بن حنبل وجمع من أصحاب الحديث أنهم قالوا الايمان غير مخلوق. وأحسن ما قيل فيه الإيمان إقرار، وهو مخلوق لأنه صنع العبد أو هداية وهي غير مخلوقة لأنها صنع الربّ. هذا خلاصة ما في العيني شرح صحيح البخاري والفتح المبين شرح الأربعين وشرح المواقف. وقد بقيت بعد أبحاث تركناها مخافة الإطناب، فإن شئت تحقيقها فارجع إلى العيني في أول كتاب الإيمان.

التّعقيد

Entries on التّعقيد in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّعقيد:
[في الانكليزية] Complication
[ في الفرنسية] Complication
كالتصريف عند أهل البيان كون الكلام غير ظاهر الدلالة على المراد لخلل إما في النظم وإما في الانتقال أي كونه غير ظاهر الدلالة مع أنّ المقصود من إيراده إعلام المرام، فخرج المتشابه إذ المقصود منه الابتلاء لا الإفهام، ولا يرد المشترك والمجمل أيضا إذ ليس فيهما خلل لا في النظم ولا في الانتقال كما فسّر به. والتعقيد مطلقا سواء كان لفظيا وهو الذي يكون بسبب خلل في النظم أو معنويا وهو الذي يكون بسبب خلل في الانتقال مخلّ بالفصاحة. وأورد عليه بأنّه لو كان مخلّا بالفصاحة لم يكن اللّغز والمعمّى عنه مقبولين مع أنّهما مما يورد في علم البديع. والجواب أنّ قبولهما ليس من حيث الفصاحة بل لاشتمالهما على دقّة يختبر بها أهل الفطن. ولما كان عدم ظهور الدلالة صادقا على عدم ظهورها لاشتمال الكلام على لفظ غريب أو مخالف للقياس مع أنّه ليس تعقيدا قيّد ذلك بقولنا لخلل. ثم إنّه ليس المراد بالنظم كون الألفاظ مترتبة المعاني متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل فإنّ النظم حينئذ شامل لرعاية ما يقتضيه علم المعاني وعلم البيان. والخلل فيه يشتمل التعقيد المعنوي والخطأ في تأدية المعنى، بل المراد بالنظم تركيب الألفاظ على وفق ترتيب يقتضيه إجراء أصل المعنى. والخلل في النظم بأن يخرج عن هذا التركيب إلى ما لا تشهد به قوانين النحو المشهورة أو إلى ما تشهد به لكن تحكم بأنّه على خلاف طبيعة المعنى فتخفى الدلالة لكثرة اجتماع خلاف الأصل الموجبة لتحيّر السامع. قال في الإيضاح:
فالكلام الخالي عن التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك إلّا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة لفظية أو معنوية.
فالتعقيد اللفظي ربما كان لضعف التأليف وربما كان مع الخلوص عنه بأن يكون على قوانين هي خلاف الأصل، فلا يكون اشتراط الخلوص عنه في تعريف فصاحة الكلام بعد ذكر الخلوص عن ضعف التأليف مستدركا كما توهم، ولا يكون وجود التعقيد اللفظي بلا مخالفة لقانون نحوي مشهور، مخالفا للحكم بأنّ مرجع الاحتراز عن التعقيد اللفظي هو النحو كما توهّم أيضا، لأنّ النحو يميز بين ما هو الأصل وبين ما هو خلاف الأصل، والاحتراز عنه بالاحتراز عن جمع كثير من خلاف الأصل. وأمّا أنّه هل يكون الضعف بدون التعقيد اللفظي أم لا، فالحق الثاني وإن توهّم بعض الأفاضل أنّه لا تعقيد في جاءني أحمد بالتنوين لأنّ جاءني أحمد يفيد مجيء أحمد ما لا الشخص المعيّن، فلا يكون ظاهر الدلالة على الشخص المعيّن المراد. مثاله قول الفرزدق في مدح خال هشام بن عبد الملك وهو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي:
وما مثله في النّاس إلّا مملّكا أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه.
أي ليس في الناس مثله حيّ يقاربه في الفضائل إلّا مملّك وهو الذي أعطي الملك والمال، يعني هشاما، أبو أمّه أي أبو أم ذلك المملّك، أبوه أي أبو إبراهيم الممدوح، أي لا يماثله أحد إلّا ابن أخته وهو هشام، ففيه فصل بين المبتدأ والخبر أعني أبو أمه أبوه بالأجنبي الذي هو حيّ، وبين الموصوف والصفة أعني حيّ يقاربه بالأجنبي الذي هو أبوه، وتقديم المستثنى أعني مملّكا على المستثنى منه أعني حيّ، ولهذا نصبه، وإلّا فالمختار البدل. فهذا التقديم شائع الاستعمال لكنه أوجب زيادة في التعقيد. والمراد بالخلل في الانتقال الخلل الذي ليس لخلل النظم وإلّا فعدم ظهور الدلالة لخلل في النظم إنّما هو لخلل في الانتقال. قال في الإيضاح والكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما يكون الانتقال فيه من معناه الأول إلى معناه الثاني الذي هو المراد به ظاهرا حتى يخيّل إلى السّامع أنّه فهمه من حاق اللفظ انتهى. والمراد أنّه فهمه قبل تمام الكلام لغاية ظهوره على زعمه. واعترض عليه بأنّه يفهم منه لزوم كون الجامع في الاستعارة ظاهرا، وقد ذكروا أنّ الجامع إذا ظهر بحيث يفهمها غير الخاصة تسمّى مبتذلة ويشترطون في قبولها أن يكون الجامع غامضا دقيقا. فبين الكلامين تدافع وأجيب بأنّ غموض الاستعارة ودقّة جامعها لا ينافي وضوح طريق الانتقال بأن لا يكون مانع لغوي أو عرفي، ولا يرد الإبهام الذي عدّ من المحسّنات للكلام البليغ، لأنّه إنّما يعدّ محسّنا عند وضوح القرينة الدالة على المراد.
والاعتراض بأنّ سهولة الانتقال ليست بشرط في قبول الكنايات وإلّا لزم خروج أكثر الكنايات المعتبرة عند القوم من حيّز الاعتبار خارج عن حيّز الاعتبار، لأنّ صعوبة الانتقال في تلك الكنايات إن أدّت إلى التعقيد فلا نسلّم اعتبارها عندهم. كيف وقد صرّحوا بأنّ المعمّى واللغز غير معتبرين عندهم لاشتمالهما على التعقيد.
واعترض أيضا أنّه يلزم أن لا يكون الكلام الخالي عن المعنى الثاني فصيحا لأنّه ليس له الخلوص عن التعقيد ودفعه بأنّ مثل هذا الكلام بمنزلة الساقط عن درجة الاعتبار عند البلغاء غير وجيه، لأنّ الكلام الخالي عن المجاز والكناية إذا روعي فيه المطابقة لمقتضى الحال كيف يكون ساقطا عن درجة الاعتبار إلّا أن يقال هو ساقط باعتبار الدلالة على المعنى، وإن كان معتبرا من حيث رعاية مقتضى الحال. وبعد يتجه عليه أنّ المعتبر في البلاغة سقوط ما ليس له معنى ثان بمعنى مقتضى الحال لا باعتبار الكون مجازا أو حقيقة. والأحسن أن يقال خصّ صاحب الإيضاح البيان الخالي عن التعقيد بما استعمل في المعنى المجازي لأنّه المحتاج إلى البيان والتوضيح. وأمّا الخلو عن التعقيد المعنوي لعدم معنى ثان فواضح لا حاجة إلى بيان هذا. مثال التعقيد المعنوي قول عباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكب عيناي الدموع لتجمدا.
فالشاعر قصد إلى أن يحصل المراد بأن يكون في الاستغناء عنه كالهارب ويري نفسه عنه معرضا. ومن هذا حكم بأنّ الحرص شؤم والحريص محروم. وقيل لو لم تطلب الرزق يطلبك. وفي الحديث «زر غبّا تزدد حبّا».
وبالجملة جعل سكب الدموع وهو البكاء كناية عمّا يلزم فراق المحبوبين من الحزن وأصاب لأنّه واضح الانتقال لأنه كثيرا ما يجعل دليلا عليه وجعل جمود العين كناية عن السرور قياسا على جعل السّكب بمقابله ولم يصب، لأنّ سكب الدموع قلّما يفارق الحزن بخلاف جمود العين فإنّه يعمّ أزمنة الخلوّ عن الحزن، سواء كان زمن السرور أو لا، فلا ينتقل منه إلى السرور بل إلى الخلوّ من الحزن. هذا كلّه خلاصة ما في المطول والأطول والچلپي وأبى القاسم.

التّكرير

Entries on التّكرير in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّكرير:
[في الانكليزية] Repetition ،pleonasm ،-
[ في الفرنسية] Repetition ،pleonasme ،
بالراء هو ذكر الشيء مرة فصاعدا بعد أخرى وكذا التكرار كما يستفاد من المطول في تعريف الفصاحة. وفي الاتقان التكرير من أنواع إطناب الزيادة وهو أبلغ من التأكيد، وهو من محاسن الفصاحة خلافا لبعض من غلط، وله فوائد. منها التقرير وقد قيل الكلام إذا تكرّر تقرّر. ومنها التأكيد. ومنها زيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقّي الكلام بالقبول ومنه وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ، يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ الآية، فإنّه كرر فيه النداء لذلك. ومنها إذا طال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ثانيا توطئة له وتجديدا لعهده، ومنه قوله تعالى وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إلى قوله فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا الآية. ومنها التعظيم والتهويل نحو الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فإن قلت هذا النوع أحد أقسام التأكيد الصناعي فإنّ منها التوكيد بتكرار اللفظ فلا يحسن عدّه نوعا مستقلا. قلت هو يجامعه ويفارقه ويزيد عليه وينقص عنه فصار أصلا برأسه، فإنّه قد يكون التأكيد تكرارا وقد لا يكون تكرارا، وقد يكون التكرير غير تأكيد صناعة وإن كان مفيدا للتأكيد معنى؛ ومنه ما وقع فيه الفصل بين المكررين فإنّ التأكيد لا يفصل بينه وبين مؤكده نحو اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ فالآية من باب التكرير لا التأكيد الصناعي. ومن التكرير نوع يسمّى بالترديد، وهو ما كان لتعدّد المتعلّق بأن يكون المكرر ثانيا متعلّقا بغير ما تعلّق به الأول كقوله اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية ومنه قوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ لتعلّق كلّ واحدة بما قبلها.

قال في عروس الأفراح فإن قلت: إذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك بإطناب بل هي ألفاظ بكل أريد به غير ما أريد بالآخر؟ قلت:
إذا قلنا العبرة لعموم اللفظ فكلّ واحد أريد به ما أريد بالآخر، ولكن كرّر ليكون نصا فيما يليه وظاهرا في غيره. فإن قلت يلزم التأكيد؟ قلت:
والأمر كذلك، ولا يرد عليه أنّ التأكيد لا يزداد على ثلاثة لأنّ ذلك في التأكيد الذي هو تابع، أمّا ذكر الشيء في مقامات متعدّدة أكثر من ثلاثة فلا يمتنع. ومن أمثلة ما يظن تكرارا وليس منه فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ثم قال فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ثم قال وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فإنّ المراد بكل واحد من هذه الأذكار غير المراد بالآخر. فالأول الذكر في المزدلفة عند الوقوف بقزح وقوله وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ إشارة إلى تكرّره ثانيا. وثالثا ويحتمل أن يراد به طواف الإفاضة منه بدليل تعقيبه بقوله فَإِذا قَضَيْتُمْ والذكر الثالث إشارة إلى رمي جمرة العقبة والذكر الأخير لرمي أيام التشريق. ومن ذلك تكرير الأمثال الواقعة في القرآن كقوله وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة بالمستوقد نارا ثم ضربه بأصحاب الصيّب ومن ذلك تكرير القصص الواقعة في القرآن كقصة آدم وموسى ونوح وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام. وفي تكرير القصص فوائد. منها أنّ في كل موضع زيادة شيء لم يذكر في الذي قبله، أو إبدال كلمة بأخرى لنكتة وهي عادة البلغاء. ومنها أنّ في إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة ما لا يخفى من الفصاحة. ومنها أنّ الدواعي لا تتوفر على نقلها لتوفرها على نقل الأحكام، فلذا كررت القصص دون الأحكام. ومنها أنّه تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثله ثم أوضح الأمر في عجزهم بأن كرّر ذكر القصة في مواضع إعلامــا بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأيّ نظم جاءوا وبأي عبارة عبّروا. ومنها أنه لما تحداهم قال فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فلو ذكرت القصة في موضع واحد فقط لقال العربي ائتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه، انتهى ما في الإتقان.

التّنوين

Entries on التّنوين in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّنوين:
[في الانكليزية] Morphemes» un ،an ،in «،added at the end of the indefite noun
[ في الفرنسية] Morphemes un ،an ،in ،ajoutes a la fin du nom indefini
هو في الأصل مصدر نونته أي أدخلته نونا. وفي اصطلاح النحاة نون ساكنة تتبع حركة آخر الكلمة لا لتأكيد الفعل. فقولهم ساكنة أي بذاتها فلا تضرّها الحركة العارضة مثل عادا الأولى وهي شاملة لنون من ولدن، فخرجت بقولهم تتبع حركة آخر الكلمة. وإنّما لم يقل تتبع الآخر لأنّ المتبادر من متابعتها الآخر لحوقها به من غير تخلّل شيء، وهاهنا الحركة متخلّلة بين آخر الكلمة والتنوين. ولم يقل آخر الاسم ليشمل تنوين الترنّم في الفعل. والقيد الأخير لإخراج نون التأكيد الخفيفة، كذا في الفوائد الضيائية.

وفي المغني: النون تأتي على أربعة أوجه. الأول نون التأكيد وهي خفيفة وثقيلة، وهما أصلان عند البصريين. وقال الكوفيون الثقيلة أصل. قال الخليل: التوكيد بالثقيلة أبلغ وتختصان بالفعل.
والثاني نون الإناث نحو يذهبن وهي اسم خلافا للمازني. والثالث نون الوقاية وتسمّى نون عماد أيضا وهي تلحق قبل ياء المتكلم المنتصبة بواحد من ثلاثة: الفعل واسم الفعل والحرف لحفظ حركة ما قبلها، ولذا سمّيت نون وقاية.
والرابع التنوين وهو نون ساكنة زائدة تلحق آخر الكلمة بغير توكيد فخرج نون حسن ونون لنسفعا وأقسامه خمسة. تنوين التمكن وهو اللاحق للاسم المعرب المنصرف إعلامــا ببقائه على أصله ويسمّى تنوين الأمكنية. وتنوين الصرف أيضا كزيد ورجل. وتنوين التنكير وهو اللاحق لبعض الأسماء المبنية فرقا بين معرفتها ونكرتها كصه ومه. وتنوين المقابلة كمسلمات جعل في مقابلة لنون في مسلمين، وقيل هو عوض من الفتحة نصبا، وقيل وهو تنوين التمكن. وتنوين العوض وهو اللاحق عوضا من حرف أصلي أو زائد أو مضاف إليه مفردا وجملة كتنوين جوار عوض من الياء المحذوفة وجندل فإنه عوض من ألف جنادل، قاله ابن مالك. ونحو كل وبعض إذا قطعا عن الإضافة، ونحو يومئذ. وتنوين الترنّم وهو اللاحق للقوافي المطلقة بدلا من حروف الإطلاق وهو الألف والياء والواو.
والذي صرّح به سيبويه وغيره من المحققين أنه جيء به لقطع الترنم وهو التغني الذي يحصل بحروف الإطلاق لقبولها مدّ الصوت، فإذا أنشدوا ولم يترنّموا جاءوا بالنون في مكانها، ولا يختص هذا التنوين بالاسم. وزاد الأخفش والعروضيون تنوينا سادسا سمّوه الغالي بالغين المعجمة وهو اللاحق للقوافي المقيّدة، سمّي به لتجاوزه حدّ الوزن ويسمّي الأخفش الحركة التي قبلها غلوا، وفائدته الفرق بين الوقف والوصل.
وجعله ابن بعيش من نوع تنوين الترنّم زاعما أن الترنّم يحصل نفسها لأنها حرف أغن. وأنكر الزجاج والسيرافي ثبوت هذا التنوين البتة لأنه يكسر الوزن. واختار هذا ابن مالك. وزعم أبو الحجاج بن مغرور أنّ ظاهر كلام سيبويه في المسمّى تنوين الترنّم أنه نون عرضت من المدّة وليس بتنوين. وزعم مالك في التّحفة أنّ
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج 1 520 التنوين: ..... ص: 519

جعله ابن بعيش من نوع تنوين الترنّم زاعما أن الترنّم يحصل نفسها لأنها حرف أغن. وأنكر الزجاج والسيرافي ثبوت هذا التنوين البتة لأنه يكسر الوزن. واختار هذا ابن مالك. وزعم أبو الحجاج بن مغرور أنّ ظاهر كلام سيبويه في المسمّى تنوين الترنّم أنه نون عرضت من المدّة وليس بتنوين. وزعم مالك في التّحفة أنّ تسمية اللاحق للقوافي المطلقة والمقيدة تنوينا مجاز وإنّما هو نون أخرى زائدة، ولهذا لا يختص بالاسم ويجامع الألف واللام ويثبت في الوقف. وزاد بعضهم سابعا وهو تنوين الضرورة وهو اللاحق لما لا ينصرف والمنادى المضموم.
وثامنا هو التنوين الشاذ وفائدته مجرد تكثير اللفظ. وذكر ابن الخبّاز في شرح الجزولية أن أقسام التنوين عشرة وجعل كلا من تنوين المنادي وتنوين صرف ما لا ينصرف قسما برأسه. والعاشر تنوين الحكاية مثل ان تسمّي رجلا لعاقلة لبيبة انتهى.
والنون عند الصوفية عبارة عن انتقاش صور المخلوقات بأحوالها وأوصافها كما هي عليه جملة واحدة. وذلك الانتقاش هو عبارة عن كلمة الله لها كن، فهي تكون على حسب ما جرى به القدر في اللوح المحفوظ الذي هو مظهر لكلمة الحضرة، لأنّ كل ما يصدر من لفظ كن فهو تحت حيطة اللوح المحفوظ، فلذا قلنا إنّ النون مظهر لكلام الله تعالى وكناية عن اللوح المحفوظ، فهو كتاب الله أيضا، والتوضيح في الإنسان الكامل في باب الصفة.

ويقول في لطائف اللغات: النون في اصطلاح الصوفية عبارة عن العلم الإجمالي للحضرة الأحديّة. وهي عند بعضهم كناية عن العقل الكلّي، وعند صاحب الفتوحات المكية (ابن عربي) فهي عبارة عن العرش العظيم، وعند فريق آخر كناية عن بحر النور. ومرجع الجميع واحد. ويقول في كشف اللغات: النون في اصطلاح المتصوفة اسم من أسماء الله تعالى وهو تجلّي الحقّ بالاسم الظاهر في كلّ مجمع الأكوان.

السّورة

Entries on السّورة in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
السّورة:
[في الانكليزية] Chapter of the Koran
[ في الفرنسية] Chapitre du Coran
بالضم في الشرع بعض قرآن يشتمل على آي ذو فاتحة وخاتمة وأقلها ثلاث آيات كذا قال الجعبري. والسّور بالضم وسكون الواو وفتحها الجمع. وقيل السورة الطائفة المترجمة توقيفا أي الطائفة من القرآن المسمّاة باسم خاص بتوقيف من النبي صلّى الله عليه وسلم. وقد ثبتت أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار. وقيل السورة بعض من كلام منزّل مبين أوله وآخره إعلامــا من الشارع قرآنا كان أو غيره، بدليل ما يقال سورة الزبور وسورة الإنجيل هكذا في التلويح. قال القتبي: السورة تهمز ولا تهمز. فمن همزها جعلها من أسارت أي أفضلت من السؤر وهو الباقي من الشراب في الإناء كأنّها قطعة من القرآن. ومن لم يهمزها وجعلها من المعنى المتقدّم سهّل همزتها. ومنهم من شبهها بسورة النبأ أي القطعة منه أي منزلة بعد منزلة. وقيل من سور المدينة لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسّور، ومنه السّوار لإحاطته بالساعد. وقيل لارتفاعها لأنّها كلام الله والسورة المنزّلة الرفيعة. وقيل لتركيب بعضها على بعض من التسوّر بمعنى التصاعد والتركّب ومنه: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ كذا في الإتقان، وممن لم يهمزها صاحب الصراح حيث جعلها أجوف. والسورة عند الصوفية عبارة عن الصور الذاتية الكمالية وهي تجلّيات الكمال كذا في الإنسان الكامل في باب أم الكتاب.
فائدة:
قسم القرآن إلى أربعة أقسام وجعل لكلّ قسم منه اسم. أخرج أحمد وغيره من حديث واثلة بن الأسقع أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:
(أعطيت مكان التوراة السّبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني وفضّلت بالمفصّل). قالت جماعة:
السبع الطوال أوّلها البقرة وآخرها براءة. لكن أخرج الحاكم والنّسائي وغيرهما عن ابن عباس قال: السبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، قال الراوي وذكر السابعة فنسيتها. وفي رواية صحيحة عند أبي حاتم وغيره عن مجاهد وسعيد بن جبير أنها يونس، وفي رواية عند الحاكم أنها الكهف.
والمئون ما وليها سمّيت بذلك لأنّ كلّ سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها. والمثاني ما ولي المئين لأنّها تثنيها أي كانت بعدها فهي لها ثوان والمئون لها أوائل. وقال الفرّاء هي السّور التي آيها أقل من مائة آية لأنها تثنى أكثر مما تثنى الطوال والمئون. وقد تطلق المثاني على القرآن كلّه وعلى الفاتحة. والمفصّل ما ولي المثاني من قصار السّور سمّي بذلك لكثرة الفصول التي بين السّور بالبسملة. وقيل لقلّة المنسوخ منه، ولهذا يسمّى بالمحكم أيضا وآخره سورة الناس بلا نزاع. واختلف في أوّله، فقيل الحجرات، وقيل القتال، وقيل الجاثية، وقيل الصّافات، وقيل الصف، وقيل تبارك، وقيل الفتح، وقيل الرحمن، وقيل الإنسان، وقيل سبّح، وقيل الضّحى. وعبارة الراغب في مفرداته المفصّل من القرآن السبع الأخير.
اعلم أنّ للمفصّل طوالا وأوساطا وقصارا. قال ابن معن: وطواله إلى عمّ، وأوساطه منها إلى الضحى، وقصاره منها إلى آخر القرآن، وهذا أقرب ما قيل فيه كذا في الإتقان. وفي جامع الرموز المفصّل السبع الأخير وطواله من الحجرات. وقيل من ق، وقيل من النّجم، وقيل من الفتح. وفي المنية قال الأكثرون من سورة محمد إلى البروج طوال، ومن البروج إلى سورة لم يكن، وقيل إلى البلد أوساط، ومنها أي من لم يكن إلى الآخر، وقيل من البلد إلى الآخر قصار. وفي النهاية من الحجرات إلى عبس ثم التكوير إلى والضحى ثم ألم نشرح إلى الآخر انتهى. قال في الإتقان: وفي جمال القراء قال بعض السلف في القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائش وديابيج ورياض. فميادينه ما افتتح بالم، وبساتينه ما أفتتح بالر، ومقاصيره الحامدات، وعرائشه المسبّحات، وديابيجه آل حم، ورياضه المفصّل، وقالوا والطواسين والطواسيم أو آل حم والحواميم. وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال: الحواميم ديباج القرآن. قال السخاوي:
وقوارع القرآن الآيات التي يتعوّذ بها سمّيت بها لأنها تقرع للشيطان وتدفعه وتقمعه كآية الكرسي والمعوذتين ونحوهما. وفي مسند أحمد من حديث معاذ بن أنس مرفوعا: (آية العزّ الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا): الآية.
فائدة:
عدد سور القرآن مائة وأربعة عشر بإجماع من يعتدّ به. وقال في الإتقان وتعديد الآي من معضلات القرآن، فإنّ من آياته طويلا وقصيرا، ومنه ما ينقطع ومنه ما ينتهي إلى تمام الكلام ومنه ما يكون في أثنائه. وقيل سبب اختلاف السّلف في عدد الآي أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقف على رءوس الآي للتوقيف فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنّها ليست فاصلة.

وعن ابن عباس قال: جميع آي القرآن ستة آلاف آية وستمائة وست عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفا. وقيل أجمعوا على أنّ عدد آيات القرآن ستة آلاف آية ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات. وقيل وأربع عشرة. وقيل وتسع عشرة. وقيل وخمس وعشرون. وقيل ست وثلاثون. وفي الشّعب للبيهقي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: (عدد درج الجنة عدد آي القرآن فمن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة) انتهى من الإتقان. وأمّا المشهور بين الحفّاظ والقرّاء فهو المعروف في بيت الشعر الآتي وترجمته:
إنّ عدد آيات القرآن التي تجذب الروح ستة آلاف وستمائة وستة وستون.
واعلم أنّه قد يكون للسورة اسم واحد وهو كثير وقد يكون لها اسمان فأكثر. منها الفاتحة لها نيف وعشرون اسما. فاتحة الكتاب، وفاتحة القرآن لأنه يفتتح بها في المصحف. وأم الكتاب، وأم القرآن لتقدّمها وتأخّر ما سواها تبعا لها لأنّها أمّته أي تقدمته، ولذا يقال لراية الحرب أم لتقدّمها، والقرآن العظيم لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، والسبع المثاني لكونها سبع آيات بالاتّفاق، إلّا أنّ بعضهم من عدّ التسمية آية واحدة دون أنعمت عليهم ومنهم من عكس، ولأنّها تثنّى في الصلاة أو لأنها أنزلت مرتين إن صحّ أنها نزلت بمكة حين فرضت الصلاة وبالمدينة لمّا حوّلت القبلة، والأصحّ أنها مكية لقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وهو مكي ولما فيها من الثناء على الله تعالى، أو لأنها اشتملت على الوعد والوعيد بقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أو لأنها اشتملت على حال المؤمنين والكافرين هكذا في البيضاوي وحواشيه، والوافية لأنها وافية بما في القرآن من المعاني، والكنز لما عرفت، والكافية لأنها تكفي عن غيرها في الصلاة ولا يكفي غيرها عنها، والأساس لأنها أصل القرآن، والنور، وسورة الحمد، وسورة الشكر، وسورة الحمد الأولى، والرقية، والشفاء، والشافية لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فاتحة الكتاب شفاء لكل داء)، وسورة الصلاة لتوقف الصلاة عليها. وقيل إنّ من أسمائها الصلاة أيضا وسورة الدّعاء لاشتمالها عليه في قوله اهْدِنَا، وسورة السؤال لذلك، وسورة تعليم المسألة، وسورة المناجاة، وسورة التفويض لاشتمالها عليه في قوله إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. ومنها سورة البقرة تسمّى سنام القرآن وسنام كلّ شيء أعلاه، ومنها آل عمران تسمّى طيبة، وفي صحيح مسلم تسميتها والبقرة الزهراوين. والمائدة تسمّى أيضا العقود والمنقذة لأنّها تنقذ صاحبها من ملائكة العذاب. والانفال تسمّى أيضا بسورة بدر. وبراءة تسمّى أيضا التوبة لقوله تعالى فيها لَقَدْ تابَ اللَّهُ، والفاضحة وسورة العذاب والمقشقشة أي المبرئة من النفاق والمنقرة لأنها نقرت عمّا في قلوب المشركين، والبحوث بفتح الموحدة والمعبّرة لأنها تعبر عن أسرار المنافقين والمخزومة والمتكلّمة والمشرّدة والمدمدمة. والنحل تسمّى أيضا سورة النعم والإسراء تسمّى أيضا سورة سبحان، وسورة بني إسرائيل. والكهف تسمّى أيضا سورة أصحاب الكهف والحائلة لأنها تحول بين قارئها وبين النار. وطه تسمّى أيضا سورة الكليم، والشعراء تسمّى أيضا سورة الجامعة والنمل تسمّى أيضا سورة سليمان. والسجدة تسمّى أيضا سورة المضاجع والفاطر تسمّى أيضا سورة الملائكة. ويس تسمّى أيضا قلب القرآن والمعمّة لأنها تعمّ صاحبه بخير الدنيا والآخرة والمدافعة القاضية لأنها تدفع عن صاحبها كلّ سوء وتقضي له كل حاجة. وسورة الزمر تسمّى أيضا سورة الغرف. وسورة الغافر تسمّى أيضا سورة الطويل والمؤمن. وسورة فصّلت تسمّى أيضا السجدة وسورة المصابيح. وسورة الجاثية تسمّى أيضا الشريعة. وسورة الدّهر وسورة محمد تسمّيان أيضا القتال. وسورة ق تسمّى أيضا سورة الباسقات. وسورة اقتربت تسمّى أيضا القمر والمبيّضة لأنها تبيّض وجه صاحبها يوم تسوّد الوجوه. وسورة الرحمن تسمّى أيضا عروس القرآن. وسورة المجادلة تسمّى في مصحف أبيّ الظهار. وسورة الحشر تسمّى أيضا سورة بنى النضير. والممتحنة بفتح الحاء وقد تكسر تسمّى أيضا الامتحان. وسورة الموؤدة وسورة الصف تسمّى أيضا سورة الحواريين. وسورة الطلاق تسمّى أيضا سورة النساء القصرى. وسورة التحريم تسمّى أيضا سورة التحرم وسورة لم تحرّم. وسورة تبارك تسمّى أيضا سورة الملك والمانعة والمنّاعة والوافية. وسورة سأل تسمّى المعارج. وسورة الواقع وعمّ تسمّى النبأ والتساؤل والمعصرات.
وسورة لم يكن تسمّى سورة أهل الكتاب وسورة القيمة وسورة البينة وسورة البريّة وسورة الانفكاك. وسورة أرأيت تسمّى سورة الدين.
وسورة الماعون والكافرون تسمّى المقشقشة وسورة العبادة. وسورة النصر تسمّى سورة التوديع. وسورة تبّت تسمّى سورة المسد.
وسورة الإخلاص تسمّى سورة الأساس. وسورتا الفلق والناس تسمّيان المعوذتين بكسر الواو والمقشقشتين كذا في الاتقان. وفي الصراح المشقشقتان سورة الكافرون وسورة الإخلاص.

الصّلاة

Entries on الصّلاة in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الصّلاة:
[في الانكليزية] Prayer
[ في الفرنسية] Priere
هي فعلة من صلى وإنّما كتب بالواو التي أبدل منها الألف لأنّ العرب تفخّم أي تميلها إلى مخرج الواو، ولم تكتب بها أي بالواو في غير القرآن. ثم هي اسم لمصدر غير مستعمل وهو التّصلية يقال صلّيت صلاة ولا يقال تصلية، مأخوذة من الصّلا وهو العظم الذي عليه الأليتان. وذكر الجوهري أنّ الصلاة اسم من التّصلية، وكلاهما مستعملان، بخلاف الصلاة بمعنى أداء الأركان فإنّ مصدرها لم يستعمل انتهى. وقيل أصل الصلاة صلاة بالتحريك قلبت واوها ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وتلفظ بالألف وتكتب بالواو إشارة إلى الأصل، مثل الزكاة والحياة والرّبا، كذا في كليات أبي البقاء. فقيل الصلاة حقيقية لغوية في تحريك الصّلوين أي الأليتين، مجاز لغوي في الأركان المخصوصة لتحريك الصّلوين فيها، استعارة في الدعاء تشبيها للداعي بالراكع والساجد في التخشّع وفي المغرب إنّما سمّي الدعاء صلاة لأنّه منها. والمشهور أنّ الصلاة حقيقة في الدّعاء لغة مجاز في الرحمة لأنّها مسبّبة من الدّعاء، وكذا في الأركان المخصوصة لاشتمالها على الدّعاء، وربّما رجّح لورود الصلاة بمعنى الدّعاء قبل شرعية الصلاة المشتملة على الركوع والسجود، ولورودها في كلام من لا يعرف الصلاة بالهيئة المخصوصة. وقيل الصلاة مشتركة لفظية بين الدّعاء والرّحمة [فيكون] والاستغفار، وقيل بين الدّعاء والرّحمة فيكون الاستغفار داخلا في الدّعاء. وبعض المحقّقين على أنّ الصلاة لغة هو العطف مطلقا. لكنّ العطف بالنسبة إلى الله سبحانه تعالى الرّحمة وبالنسبة إلى الملائكة الاستغفار وبالنسبة إلى المؤمنين دعاء بعضهم لبعض فعلى هذا تكون مشتركة معنوية، واندفع الإشكال من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ، ولا يحتاج في دفعه إلى أن يراد به معنى مجازي أعمّ من الحقيقي وهو إيصال النفع. فالإيصال واحد والاختلاف في طريقه.
وفي التاج الصلاة من الله الرّحمة ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الدّعاء ومن الطّير والهوام التسبيح انتهى.
اعلم أنّ معنى قولنا صلّ على محمد عظّمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتضعيف أجره وتشفيعه في أمّته كما قال ابن الأثير. ولذا لا يجوز أن يطلق بالنسبة إلى غيره إلّا تبعا. وقيل الرحمة. وقيل معنى الصلاة على النبي الثّناء الكامل إلّا أنّ ذلك ليس في وسع العباد فأمرنا أن نوكّل ذلك إلى الله تعالى كما في شرح التأويلات. وفي المغني معناه العطف كما مر.
فائدة:
الصلاة على النبي واجب شرعا وعقلا.

أمّا شرعا فلقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ. وأمّا عقلا فلأنّ استفادة القابل من المبدأ تتوقّف على مناسبة بينهما، وهذه المقدّمة ضرورية مذكورة في براهين العلوم الحقيقية التي لا تتغيّر بتبدّل الملل والأديان وإن وقع فيها نوع خفاء بالنسبة إلى الأذهان القاصرة. ألا ترى أنّه كلما كانت المناسبة بين المعلّم والمتعلّم أقوى كانت استفادة المتعلّم منه أكثر، وكلّما كان الحطب أيبس كان أقبل للاحتراق من النار بسبب المناسبة في اليبوسة. ولذا كان الأدوية أشدّ تأثيرا في الأبدان المتسخّنة. ولهذه المقدمة أمثلة لا تكاد تنحصر. ولا شك أنّ النّفس الناطقة في الأغلب منغمسة في العلائق البدنية أي متوجّهة إلى تدبير البدن وتكميله بالكلية مكدّرة بالكدورات الطبيعية الناشئة من القوة الشهوية، وذات المفيض عزّ اسمه في غاية التّنزّه عنها فليست بينهما بسبب ذلك مناسبة يترتّب عليها فيضان كمال. فلا جرم وجب عليها الاستعانة في استفاضة الكمالات من تلك الحضرة المنزّهة بمتوسّط يكون ذا جهتين:
التجرّد والتعلّق، ويناسب بذلك كلّ واحد من طرفيه باعتبار حتى يقبل ذلك المتوسّط الفيض عن المبدأ الفيّاض بتلك الجهة الروحانية التجرّدية، وتقبل النفس منه أي من ذلك المتوسّط الفيض بهذه الجهة الجسمانية التعلّقية؛ فوجب لنا التوسّل في استحصال الكمالات العلمية والعملية إلى المؤيّد بالرئاستين الدينية والدنيوية، مالك أزمّة الأمور في الجهتين التجرّدية والتعلّقية، وإلى أتباعه الذين قاموا مقامه في ذلك بأفضل الفضائل، أعني الصلاة عليه أصالة وعليهم تبعا، والثناء عليه بما هو أهله ومستحقّه من كونه سيّد المرسلين وخاتم النبيين، وعليهم بكونهم طيّبين طاهرين عن رجس البشرية وأدناسها. فإن قيل هذا التوسّل إنّما يتصوّر إذا كانوا متعلّقين بالأبدان، وأمّا إذا تجرّدوا عنها فلا، إذ لا جهة مقتضية للمناسبة.
قلنا يكفيه أنّهم كانوا متعلّقين بها متوجّهين إلى تكميل النفوس الناطقة بهمة عالية، فإنّ أثر ذلك باق فيهم. ولذلك كانت زيارة مراقدهم معدّة لفيضان أنوار كثيرة منهم على الزائرين كما يشاهده أصحاب البصائر ويشهدون به.
وقد قال الشيخ عبد الحقّ الدهلوي رحمة الله عليه في كتاب: «مدراج النبوّة» في بيان وجوب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم من قبل أمته: إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أحسن إلينا بهدايتنا، ومنحنا الأمل بشفاعته في الآخرة. ولهذا أمرنا سبحانه وتعالى بقضاء حقّه علينا في إحسانه إلينا في الدنيا كما أمرنا بالتقرّب منه والارتباط الباطني به بسبب رجاء شفاعته في الآخرة، وقد علم الله منّا سبحانه العجز عن أداء حقّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لهدايتنا في الدنيا، وكذلك عدم قدرتنا على تحصيل وسائل القرب من النبي صلّى الله عليه وسلّم من أجل نوال شفاعته في الآخرة.
لذلك فإنّه أمرنا بالدّعاء له والاتّكال على الله والطلب إليه أن يبلّغ عنا نبيه ذلك الدّعاء، وطلب الرحمة كما هو لائق بجنابه ومقامه. وثمة اختلاف حول حكم الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم. والمختار أنّه فرض مرة واحدة في العمر بدليل أنّ صيغة الأمر التي هي للوجوب لا تقتضي التكرار.

وقال بعضهم: بل هي واجبة. والإكثار منها بلا تحديد وقت ولا تعيين عدد. وذلك لأنّه سبحانه أمر بذلك ولم يعيّن لذلك وقتا ولا عددا. وعليه فيجب علينا ما وسعنا ذلك في أيّ وقت وبأيّ قدر أن نؤدّي ذلك الأمر.

وقال بعضهم: إنّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم تجب كلّما ذكر اسمه الشريف. وقال بعضهم:
هذا هو المختار.

وقال في المواهب (اللدنية): وممن يقول بهذا الطحاوي وجماعة من الحنفية وبعض الشافعية والمالكية واستدلّوا بحديث: «رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». رواه الترمذي وصحّحه الحاكم وإنّ حديث: «شقي عبد ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». أخرجه الطبراني. وعن علي رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ». رواه الترمذي. لأنّ الوعيد على الترك من علامات الوجوب، وأيضا: إنّ فائدة الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هو نوع من المكافأة على إحسانه، وإحسانه مستمر ودائم. إذن فيجب كلما ذكر. كما أنّ الصلاة شكر لله على نعمه، والنعم الإلهية هي دائمة في كلّ زمان، فعليه وجبت الصلاة في الأوقات الشريفة.
ولكن جمهور العلماء رجّحوا القول الأول وقالوا: إنّ وجوب الإكثار ووجوب التكرار للصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم لم ينقل عن أحد من الصحابة، فيكون هذا القول إذن مخترعا. وأمّا من حيث النصّ الذي يعتمد عليه في هذا الباب فهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً فهو وإنّ كان بصيغة الأمر إلا أنها لا تقتضي ولا توجب التكرار، ولا تحتمل أيضا التكرار كما هو مصرّح به في كتب الأصول. وأيضا: لا توجد عبادة في الشرع واجبة بدون تعيين وقتها وعددها ومقدارها، أضف إلى ذلك أن تكون مستمرة ودائمة مع هذه الجهالة. ولو كانت الصلاة على النبي واجبة في كلّ وقت يذكر فيها الرسول صلّى الله عليه وسلّم للزم من ذلك وجوبها على كل مؤذّن وسامع للأذان ومقيم للصلاة وسامع للإقامة. وكذلك على كلّ قارئ للقرآن متى ورد ذكر الرسول صلّى الله عليه وسلّم فيها. ويدخل في ضمن ذلك من قال كلمات الشهادتين أو ممن سمعها وكذلك على وجه الخصوص من يدخل في الاسلام الذي لا بدّ له من النطق بالشهادتين وأمثال ذلك، بينما الواقع المنقول عن السلف والخلف خلاف ذلك. ويؤيّده أنّ الحمد والثناء على الله سبحانه ليس واجبا كلما ذكر اسم الله. فإذن كيف يصير واجبا الصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم في كلّ وقت يذكر فيه؟
وأجابوا عن تلك الأحاديث المشار إليها بأنّها على سبيل المبالغة والتأكيد، وهي إنّما ترد بحق من لم يصلّ أبدا على النبي صلّى الله عليه وسلّم.

وقال بعضهم: تجب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم في كلّ مجلس مرة واحدة ولو تكرر ذكر اسمه الشريف.

وقال بعض آخر: هو واجب في الدعاء.

وقال غيرهم: هو واجب في أثناء الصلاة.
وهذا القول منسوب لأبي جعفر محمد الباقر.

وقال آخرون: هو واجب في التشهّد.
وهذا قول الشعبي وإسحاق.

وقال بعضهم: هو واجب في آخر الصلاة قبل السلام، وهذا قول الشافعي. وقال بعض آخرون: هو واجب حينما تتلى الآية الكريمة:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً، أو عند ما تسمع وخاصة عند ما يتلوها الخطيب يوم الجمعة، فتجب على السامعين أن يقولوها بقلوبهم وذلك أنّ الصمت أثناء الخطبة واجب فلا أقلّ من أن تقال سرا بالقلب.
ولكن جمهور العلماء متفقون على أنّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم هي سنّة مؤكّدة وواجبة في العمر مرة واحدة. وأمّا في المقامات المشار إليها فليست بواجبة بل هي حينا سنّة مؤكّدة وحينا مستحبة.
والثابت المحقق أنّه بعد ذكر اسم الله تعالى وحمده والثناء عليه وتلاوة القرآن فإنّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم هي أفضل الأذكار. ولا يمكن حصر الفوائد والفضائل والنتائج والعوائد لتلك الصلاة، وهي وراء العد والبيان وخارجة عن الحدّ. وهي تشتمل خيرات وبركات وحسنات ومثوبات الدنيا والآخرة. والدليل والحجة لهذا هو قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. فهو سبحانه وتعالى بذاته الشريفة يهتم بهذا الأمر ثم الملائكة يتابعون، وعلى سبيل الاستمرار والدوام على ذلك العمل هم قائمون، كما أنّ لفظة «يصلّون» تدلّ على ذلك إلى أن يأمر ربّ العالمين كلّ مؤمن بذلك اتّباعا واقتداء، أي كلما صلّى الإله وملائكته على النبي فعليكم أيضا أيها المؤمنون أن تصلّوا على النبي صلّى الله عليه وسلّم. وبما أنّ حقّ النبي عليكم ثابت فواجب عليكم زيادة على الصلاة المفروضة أن تصلّوا على النبي صلّى الله عليه وسلّم بالتأكيد، وذلك هو السلام. وكيف لا يكون ذلك أفضل طالما أنّ ربّ العزّة يضاعف ثواب من يفعل ذلك عشر رحمات (مرات). أي كما روي في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه (بها) عشرا». وعن أنس رضي الله تعالى عنه: «من صلّى عليّ صلاة واحدة صلّى الله عليه عشر صلوات وحطت عنه عشر خطيات ورفعت له عشر درجات». رواه النسائي.
كما روي عن أبي طلحة ما معناه: طلع علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم ويرى عليه أثر السرور في وجهه المبارك، فقالوا: يا رسول الله: ما السّبب في ظهور السرور على وجهك المملوء بالنور؟ فقال: أتاني جبريل وقال: أما يرضيك يا محمد بأنّ ربّك يقول: ما من أحد من أمتّك يصلّي عليك إلّا صلّيت عليه عشر صلوات وتسليمات.
وجاء في حديث آخر بما معناه كلّ من صلّى عليّ صلاة، صلّى الله عليه ما دام يصلّي علي. فليقل أحدكم أو يكثر. وفي رواية أخرى: فإنّ ملائكة الله يصلّون عليه سبعين صلاة. فليقل العبد أو يكثر.

ويقول المؤلّف: السبعون في الحديث ليست للحصر بل هي أكثر من ذلك بحسب التقوى والمحبة والإخلاص. وفي التخيير بين القلة والكثرة نوع من التهديد لأنّ التخيير بعد الــإعلام بوجود الخير في الأمر المخبر به يتضمن التحذير من التفريط والتقصير فيه.
وجاء عن عبد الله بن مسعود ما ترجمته:
أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: أقربكم مني يوم القيامة أكثركم صلاة علي. وجاء في حديث آخر ما معناه: أنجاكم من أحوال وشرور يوم القيامة أكثركم صلاة علي.
ونقل عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ما معناه: أنّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم تخفّف الذنوب وتزيلها أكثر مما يطفئ الماء البارد النار. وبالإجمال: فإنّ الصلاة على تلك الذات الشريفة هي منبع الأنوار والبركات ومفتاح كلّ الخيرات ومصدر كمال الحسنات ومظهر السعادة. وهي لأهل السلوك مدخل لفتح الأبواب. وكثير من المشايخ قالوا: في حال فقدان الشيخ الكامل الذي يرشد ويربّي السّالكين فإنّ الالتزام بالصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم هي الطريق الموصل للطالب الصادق والمريد الواثق. وكلّ من أكثر من الصلاة عليه فإنّه يراه في المنام وفي اليقظة.
وقال مشايخ الشاذلية التي هي شعبة من الطريقة القادرية: إنّ طريق السلوك لتحصيل المعرفة والقرب الإلهي في زمان فقدان الولي الكامل والمرشد الهادي إنما يكون بالتزام ظاهر الشريعة وإدامة الذّكر والتفكّر وكثرة الصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنّه يظهر نور من كثرة الصلاة في باطن المريد، وبه يتضح له الطريق، وتصله الإمدادات من الرسول صلّى الله عليه وسلّم بدون واسطة. ورجّح بعضهم وفضّلوا الصلاة على الذّكر من حيث التوسّل والاستمداد، ولو أنّ الذّكر في حدّ ذاته أشرف وأفضل.
هذا خلاصة ما في مدارج النبوة وشرح المشكاة وسفر السعادة. وفي كليات أبي البقاء وكتابة الصلاة في أوائل الكتاب قد حدثت في أثناء الدولة العباسية، ولهذا وقع كتاب البخاري وغيره من القدماء عاريا عنها. ثم الصلاة عند الفقهاء عبارة عن الأركان المخصوصة من التحريمة والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعود.
والصلاة المطلقة هي التي إذا أطلقت لفظة الصلاة ولم تقيّد شملتها، فصلاة الجنازة والصلاة الفاسدة كصلاة التطوع راكبا في المصر ليستا بصلاة مطلقة إذ لو حلف لا يصلّي لا يحنث بها. وقيل هي صلاة ذات ركوع وسجود وهذا بظاهره لا يتناول صلاة المومئ المريض والراكب في السفر كذا في البرجندي. والصلاة عند الصوفية عبارة عن واحدية الحق تعالى وإقامة الصلاة إشارة إلى إقامة ناموس الواحدية بالاتصاف بسائر الأسماء والصفات. فالوضوء عبارة عن إزالة النقائص الكونية، وكونه مشروطا بالماء إشارة إلى أنّها لا تزول إلّا بظهور آثار الصفات الإلهية التي هي حياة الوجود، لأنّ الماء سرّ الحياة وكون التيمم يقوم مقام الطهارة للضرورة إشارة إلى التزكّي بالمخالفات والمجاهدات والرياضات. فهذا ولو تزكّى عسى أن يكون فإنّه أنزل درجة ممّن جذب عن نفسه فتطّهر من نقائصها بماء حياة الأزل الإلهي وإليه أشار عليه السلام بقوله (آت نفسي تقوها وزكّها أنت خير من زكّاها)، أي الجذب الإلهي لأنّه خير من التّزكّي بالأعمال والمجاهدات. ثم استقبال القبلة إشارة إلى التوجّه في طلب الحقّ.
ثم النية إشارة إلى انعقاد القلب في ذلك التوجّه. ثم تكبيرة الإحرام إشارة إلى أنّ الجناب الإلهي أكبر وأوسع ممّا عسى أن يتجلّى به عليه فلا تعبده بمشهد بل هو أكبر من كلّ مشهد ومنظر ظهر به على عبده فلا انتهاء له.
وقراءة الفاتحة إشارة إلى وجود كماله في الإنسان لأنّ الإنسان هو فاتحة الوجود، فتح الله به أقفال الموجودات، فقراءتها إشارة إلى ظهور الأسرار الربانية تحت الأستار الإنسانية. ثم الركوع إشارة إلى شهود انعدام الموجودات الكونية تحت وجود التجلّيات الإلهية. ثم القيام عبارة عن مقام البقاء، ولذا تقول فيه سمع الله لمن حمده. وهذه كلمة لا يستحقّها العبد لأنّه أخبر عن حال إلهي. فالعبد في القيام الذي هو إشارة إلى البقاء خليفة الحقّ تعالى. وإن شئت قلت عينه ليرتفع الإشكال. فلهذا أخبر عن حال نفسه بنفسه أعني ترجم عن سماع حقّه ثناء خلقه وهو في الحالين واحد غير متعدّد. ثم السجود عبارة عن سحق آثار البشرية ومحقها باستمرار ظهور الذات المقدّسة، ثم الجلوس بين السجدتين إشارة إلى التحقّق بحقائق الأسماء والصفات لأنّ الجلوس استواء في القعدة وذلك إشارة [إلى] قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى. ثم السجدة الثانية إشارة إلى مقام العبودية وهو الرجوع من الحق إلى الخلق، ثم التحيّات فيها إشارة إلى الكمال الحقيّ والخلقي لأنّه عبارة عن ثناء على الله تعالى وسلام على نبيّه وعلى عباده الصالحين، وذلك هو مقام الكمال. فلا يكمل الولي إلّا بتحققه بالحقائق الإلهية وباتّباعه لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وبتأدّبه بسائر عباد الله الصالحين، كذا في الإنسان الكامل.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.