Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: تعلم

ها

Entries on ها in 7 Arabic dictionaries by the authors Supplément aux dictionnaires arabes by Reinhart Dozy, Ismāʿīl bin Ḥammād al-Jawharī, Tāj al-Lugha wa Ṣiḥāḥ al-ʿArabīya, Ibn Sīda al-Mursī, Al-Muḥkam wa-l-Muḥīṭ al-Aʿẓam, and 4 more
ها:
ها: الهاء على ثلاثة أوجه هي أن تكون ضميراً للغائب أو حرفاً للغيبة أو أن تستعمل ساكنة في السكت وهي اللاحقة لبيان حركة أو حرف مثل كلمة خمر وحرب وأرض (عبّاد في الصحائف لين 1: 87 عدد 80: 116 وعدد 237، 272، عدد 77، 2572 دي يونج في مادة ظهر).
كها: = هاكذا (دي ساسي كرست 2: 139): وإن يكُ بك أنساً ما كها الأنسُ يفعل (انظر ص391).
ها: حرف نداء أو تعجب أو مفاجأة ha ( بقطر، ألف ليلة 1: 64: 13).
فقال الحمد لله على السلامة ها ها يا خال أبو منصور.
هاتم الشيء، هاتموه، هاتوه (معجم الجغرافيا).
ها
هَا للتنبيه في قولهم: هذا وهذه، وقد ركّب مع ذا وذه وأولاء حتى صار معها بمنزلة حرف منها، و (ها) في قوله تعالى: ها أَنْتُمْ
[آل عمران/ 66] استفهام، قال تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ [آل عمران/ 66] ، ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ [آل عمران/ 119] ، هؤُلاءِ جادَلْتُمْ
[النساء/ 109] ، ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة/ 85] ، لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ [النساء/ 143] .
و «هَا» كلمة في معنى الأخذ، وهو نقيض:
هات. أي: أعط، يقال: هَاؤُمُ، وهَاؤُمَا، وهَاؤُمُوا، وفيه لغة أخرى: هَاءِ، وهَاءَا، وهَاءُوا، وهَائِي، وهَأْنَ، نحو: خَفْنَ وقيل: هَاكَ، ثمّ يثنّى الكاف ويجمع ويؤنّث قال تعالى: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة/ 19] وقيل: هذه أسماء الأفعال، يقال: هَاءَ يَهَاءُ نحو: خاف يخاف ، وقيل: هَاءَى يُهَائِي، مثل: نادى ينادي، وقيل: إِهَاءُ نحو: إخالُ.
هُوَ : كناية عن اسم مذكّر، والأصل: الهاء، والواو زائدة صلة للضمير، وتقوية له، لأنها الهاء التي في: ضربته، ومنهم من يقول: هُوَّ مثقّل، ومن العرب من يخفّف ويسكّن، فيقال: هُو.
(ها) - في الحديث: "فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: "لا هَا اللَّهِ إذًا"
كذا رُوِى، والصَّواب: "لا هَا الله ذا" بغير ألف قبل الذال، والهاء فيه مكان الواو؛ أي لَا وَالله لا يَكُون ذا.
وقال بعض النَّحْوِيّين: الأَصْلُ: والله لا الأَمرُ هذا، فحُذِفت واوُ القَسَمِ، وقدمت ها، فَصَارت عِوَضًا مِن الوَاوِ، فقيل: ها اللَّهِ ذا، وهو خَبرُ المبتدأ المقدّم، والجملة جَوَاب القسَم.
وقال الأخفش: ذا جرٌّ نعتٌ للفظَةِ الله، وكان التقدير والله، وجواب القسَم عنده مَحذُوف تقديره: لقد كان هكذا، ولفظ أبى بكر - رضي الله عنه - يُقوِّى مَذهبَ الأخفش؛ لأنه قال: لَا هَا اللَّهِ ذَا لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ، فلا يعمدُ جوَاب القَسَم، ولعلَّ سيبويه في القَول الأوّل يحمل: لا يعمِدُ على قَسَمٍ آخَرَ ويَكُون جواباً بَعدَ جواب. وقال الجبَّان: لَا هَاء الله بالمَدّ، ولا ها الله، مثل: لا والله.
- في حديث عَلِىّ: "ها إنَّ"
ها هُنَا عِلْماً، وهي كَلمة تَنْبِيه يُنبَّه بها على ما يُسَاق إليه من الكلام.
الْهَاء وَالْألف

هَا: كلمة تَنْبِيه، وَقد كثر دُخُولهَا فِي قَوْلك: ذَا وَذي، فَقَالُوا: هَذَا، وهذي، وهاذاك، وهاذيك، حَتَّى زعم بَعضهم أَن ذَا لما بعد، وَهَذَا لما قرب، وَقَالُوا: هَا السَّلَام عَلَيْكُم، فها: منبهة مُؤَكدَة، قَالَ الشَّاعِر:

وقَفْنَا فقُلنا: هَا السلامُ عَليكمُ ... فَأنكَرَها ضيْقُ المَجَمِّ غَيُورُ

وَقَالَ الآخر:

هَا إِنَّهَا تَضِقِ الصُّدورُ

لَا يَنفَعُ القُلُّ وَلَا الكثيرُ

وَمِنْهُم من يَقُول: " هَا الله " يجريه مجْرى دَابَّة فِي الْجمع بَين ساكنين، وَقَالُوا: هَا أَنْت تفعل كَذَا وَفِي التَّنْزِيل: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ) وهأنت، مَقْصُور.

و" هَا ": كِنَايَة عَن الْوَاحِدَة، تَقول: رَأَيْتهَا وضربتها، وتثنيتها " هُما " وَجَمعهَا " هُنَّ ".

وَهَا: زجر لِلْإِبِلِ، وَدُعَاء لَهَا.

وَهَا أَيْضا: كلمة إِجَابَة وتنبيه.

وَلَيْسَ لهَذَا الْبَاب مشدد. 
[ها] نه: فيه: لاتبيعوا الذالذهب إلا "هاء وهاء"، هو أن يقول كل من البيعين: ها، فيعطيه ما في يده، كحديث إلا يدًا بيد - وقيل: معناه هاك وهات، أي خذ وأعط، الخطابي: يروونه ساكنة الألف، وصوابه مدها وفتحها لأن أصلها هاك - أي خذ، فعوض عن الكاف الهمزة، ويقال: هاء، هاؤما هاؤم، وغيره يجيز فيه السكون وينزل منزلة ها التي للتنبيه. ك: هو ممدود مفتوح ويجوز الكسر أي لا تبع إلا بيعًا يقول كل من المتبايعين لصاحبه: ها، أي خذ. ج: ومنه: فأجابه صلى الله عليه وسلم بنحو من صوته "هاؤم"، هو بمعنى تعال أي خذن وأجابه صلى الله عليه ولم برفع صوته بطريق الشفقة لئلا يحبط عمله، فعذره بجهله فرفع صوته لئلا يرتفع صوت الأعرابي على صوته. نه: ومنه ح عمر لأبي موسى:"ها" وألا جعلتك عظة، أي هات من يشهد لك على قولك. ومنه ح على: "ها" إن ههنا علما - أي في صدره لو أصبت له حملة! ها - مقصورة: كلمة تنبيه للمخاطب ينبه بها على ماي ساق إليه من الكلام، وقد يقسم بها. ومنه: "لاها" الله إذا لا يعمد إلى أسد، وهاؤه بدل من الواو، وصوابه: ذا - بحذف همزة، ويجوز حذف ألف ها للساكنين، ويجوز ثبوتها لجواز الالتقاء للمد والشد، أي لا والله لا يكون ذا، أو الأمر ذا. ط: فيقول: "هاه هاه" لا أدري، فإن الدين كان ظاهرًا في أطراف العالم. غ: ""هاؤم" اقرءوا كتابيه" أي خذوا كتابي لتقفوا على نجاتي.
باب هب
[ها] الهاء حرف من حروف المعجم، وهى من حروف الزيادات. وها: حرف تنبيه. قال النابغة: ها إنَّ تا عِذْرَةٌ إلاَّ تَكُنْ نَفَعَتْ * فإنَّ صاحبها قد تاهَ في البَلَدِ (*) وتقول: ها أنتم هؤلاء، تجمع بين التنبيهين للتوكيد. وكذلك: ألا يا هؤلاء. وهو غير مفارق لاى، تقول: يا أيها الرجل. وها قد يكون جواب النداء، يمد ويقصر. قال الشاعر: لا بل يجيبك حين تدعوا باسمه * فيقول هاء وطال ما لبى وها للتنبيه، وقد يقسم بها، يقال: لاها الله ما فعلت، أي لا والله، أبدلت الهاء من الواو، وإن شئت حذفت الالف التى بعد الهاء وإن شئت أثبت. وقولهم: لاها الله ذا، أصله لا والله هذا، ففرقت بين ها وذا، وجعلت الاسم بينهما وجررته بحرف التنبيه، والتقدير: لا والله ما فعلت هذا، فحذف واختصر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم، وقدم ها كما قدم في قولهم: ها هو ذا، وها أنا ذا. قال زهير: تعلمــن ها لعمر الله ذا قسما * فاقصد لذرعك وانظر أين تنسلك و (الهاء) قد تكون كناية عن الغائب والغائبة، تقول: ضربه وضربها. و (هو) للمذكر، و (هي) للمؤنث. وإنما بنوا الواو في هو والياء في هي على الفتح ليفرقوا بين هذه الواو والياء التى هي من نفس الاسم المكنى (322 - صحاح - 6) وبين الواو والياء اللتين تكونان صلة في نحو قولك: رأيتهو ومررت بهى ; لان كل مبنى فحقه أن يبنى على السكون، إلا أن تعرض علة توجب له الحركة. والتى تعرض ثلاثة أشياء: أحدها: اجتماع الساكنين، مثل كيف وأين. والثانى: كونه على حرف واحد، مثل الباء الزائدة. والثالث: الفرق بينه وبين غيره، مثل الفعل الماضي بنى على الفتح لانه ضارع بعض المضارعة، فقرق بالحركة بينه وبين ما لم يضارع، وهو فعل الامر المواجه به، نحو افعل. وأما قول الشاعر:

ما هي إلا شربة بالحوأب * وقول بنت الحمارس:

هل هي إلا حظة أو تطليق * (*) فإن أهل الكوفة قالوا: هي كناية عن شئ مجهول، وأهل البصرة يتأولونها القصة. وربما حذفت من هو الواو في ضرورة الشعر، كما قال : فبيناه يشرى رحله قال قائل * لمن جمل رخو الملاط نجيب وقال آخر : إنه لا يبرئ داء الهدبد * مثل القلايا من سنام وكبد وكذلك الياء من هي، وقال:

دار لسعدى إذه من هواكا * وربما حذفوا الواو مع الحركة، وقال  فظلت لدى البيت العتيق أخيلهُ * ومِطوايَ مشتاقانِ لهْ أرقان قال الاخفش: وهذا في لغة أزد السراة كثير. قال الفراء: والعرب تقف على كل هاء مؤنث بالهاء، إلا طيئا فإنهم يقفون عليها بالتاء، فيقولون هذه أمت وجاريت وطلحت. وإذا أدخلت الهاء في الندبة أثبتها في الوقف وحذفتها في الوصل، وربما ثبتت في ضرورة الشعر فيضم كالحرف الاصلى، ويجوز كسره لالتقاء الساكنين. هذا على قول أهل الكوفة. وأنشد الفراء: يا رب يا رباه إياك أسل * عفراء يا رباه من قبل الاجل وقال قيس: فقلت أيا رباه أول سألتى * لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها  (*) وهو كثير في الشعر، وليس شئ منه بحجة عند أهل البصرة، وهو خارج عن الاصل. وقد تزاد الهاء في الوقف لبيان الحركة، نحو: لمه، وسلطانيه، وماليه، وثم مه، يعنى ثم ماذا. وقد أتت هذه الهاء في ضروره الشعر كما قال: هم القائلون الخير والآمرونه * إذا ما خشوا من معظم الامر مفظعا فأجراها مجرى هاء الاضمار. وقد تكون الهاء بدلا من الهمزة، مثل هراق وأراق. قال الشاعر: وأتى صواحبها فقلن هذا الذى * منح المودة غيرنا وجفانا يعنى أذا الذى. و (هاء) : زجر للابل، وهو مبنى على الكسر إذا مددت، وقد يقصر. تقول هاهيت بالابل، إذا دعوتها، كما قلناه في حاحيت. و (ها) مقصور للتقريب، إذا قيل لك: أين أنت؟ فتقول. ها أنا ذا، والمرأة تقول. ها أنا ذه. وإن قيل لك: أين فلان؟ قلت إذا كان قريبا: ها هو ذا، وإن كان بعيدا قلت: ها هو ذاك، وللمرأة إذا كانت قريبة. ها هي ذه، وإن كانت بعيدة: ها هي تلك. و (الهاء) تزاد في كلام العرب على سبعة أضرب: أحدها: للفرق بين الفاعل والفاعلة، مثل ضارب وضاربة، وكريم وكريمة. والثانى: للفرق بين المذكر والمؤنث في الجنس، نحو امرئ وامرأة. والثالث: للفرق بين الواحد والجمع، نحو بقرة وبقر، وتمرة وتمر. والرابع: لتأنيث اللفظة وإن لم تكن تحتها حقيقة تأنيث، نحو قربة وغرفة. والخامس: للمبالغة، مثل علامة ونسابة - وهذا مدح - وهلباجة وفقافة، وهذا ذم. وما كان منه مدحا يذهبون بتأنيثه إلى تأنيث الغاية والنهاية والداهية. وما كان ذما يذهبون به إلى تأنيث البهيمة. ومنه ما يستوى فيه المذكر والمؤنث نحو رجل ملولة وامرأة ملولة. والسادس: ما كان واحدا من جنس يقع على الذكر والانثى، نحو بطة وحية. والسابع تدخل في الجمع لثلاثة أوجه: أحدها أن تدل على النسب، نحو المهالبة. والثانى تدل على العجمة، نحو الموازجة والجواربة، وربما لم تدخل فيها الهاء كقولهم: كيالج. والثالث أن تكون عوضا من حرف محذوف، نحو المرازبة والزنادقة والعبادلة، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير. وقد تكون الهاء عوضا من الواو الذاهبة من فاء الفعل، نحو عدة وصفة. وقد تكون عوضا من الواو والياء الذاهبة من عين الفعل، نحو ثبة الحوض، أصله من ثاب الماء يثوب ثوبا، وقولهم: أقام إقامة وأصله إقواما. وقد تكون عوضا من الياء الذاهبة من لام الفعل، نحو مائة ورئة وبرة.

ها: الهاء: بفخامة الأَلف: تنبيهٌ، وبإمالة الأَلف حرفُ هِجاء. الجوهري:

الهاء حرف من حروف المُعْجَمِ، وهي من حُروف الزِّيادات، قال: وها حرفُ

تنبيه. قال الأَزهري: وأَما هذا إِذا كان تنْبيهاً فإِن أَبا الهيثم

قال: ها تَنْبِيهٌ تَفْتَتِحُ العرب بها الكلام بلا معنى سوى الافتتاح،

تقولُ: هذا أَخوك، ها إِنَّ ذا أَخُوكَ؛ وأَنشد النابغة:

ها إِنَّ تا عِذْرةٌ إِلاَّ تَكُنْ نَفَعَتْ،

فإِنَّ صاحِبَها قد تَاهَ في البَلَدِ

(* رواية الديوان، وهي الصحيحة:

ها إن ذي عذرة إلا تكن نفعت، * فإن صاحبها مشاركُ النّكَدِ)

وتقول: ها أَنتم هَؤلاء تجمع بين التنبيهين للتوكيد، وكذلك أَلا يا

هؤلاء وهو غير مُفارق لأَيّ، تقول: يا أَيُّها الرَّجُل، وها: قد تكون تلبية؛

قال الأَزهري:

يكون جواب النداء، يمد ويقصر؛ قال الشاعر:

لا بَلْ يُجِيبُك حينَ تَدْعو باسمِه،

فيقولُ: هاءَ، وطالَما لَبَّى

قال الأَزهري: والعرب تقول أَيضاً ها إِذا أَجابوا داعِياً، يَصِلُون

الهاء بأَلف تطويلاً للصوت. قال: وأَهل الحجاز يقولون في موضع لَبَّى في

الإِجابة لَبَى خفيفة، ويقولون ايضاً في هذا المعنى هَبَى، ويقولون ها

إِنَّك زيد، معناه أَإِنك زيد في الاستفهام، ويَقْصُرُونَ فيقولون: هإِنَّك

زيد، في موضع أَإِنك زيد. ابن سيده: الهاء حَرف هِجاءٍ، وهو حرف مَهْمُوس

يكون أَصلاً وبدلاً وزائداً، فالأَصل نحو هِنْدَ وفَهْدٍ وشِبْهٍ، ويبدل

من خمسة أَحرف وهي: الهمزة والأَلف والياء والواو والتاء، وقضى عليها ابن

سيده أَنها من هـ و ي، وذكر علة ذلك في ترجمة حوي. وقال سيبويه: الهاء

وأَخواتها من الثنائي كالباء والحاء والطاء والياء إِذا تُهجِّيت

مَقْصُورةٌ، لأَنها ليست بأَسماء وإِنما جاءَت في التهجي على الوقف، قال:

ويَدُلُّك على ذلك أَن القافَ والدال والصاد موقوفةُ الأَواخِر، فلولا أَنها على

الوقف لحُرِّكَتْ أَواخِرُهُنَّ، ونظير الوقف هنا الحذفُ في الهاء

والحاء وأَخواتها، وإِذا أَردت أَن تَلْفِظَ بحروف المعجم قَصَرْتَ

وأَسْكَنْتَ، لأَنك لست تريد أَن تجعلها أَسماء، ولكنك أَردت أَن تُقَطِّع حُروف

الاسم فجاءَت كأَنها أَصوات تصَوِّتُ بها، إِلا أَنك تَقِفُ عندها بمنزلة

عِهْ، قال: ومن هذا الباب لفظة هو، قال: هو كناية عن الواحد المذكر؛ قال

الكسائي: هُوَ أَصله أَن يكون على ثلاثة أَحرف مثل أَنت فيقال هُوَّ

فَعَلَ ذلك، قال: ومن العرب من يُخَفِّفه فيقول هُوَ فعل ذلك. قال اللحياني:

وحكى الكسائي عن بني أَسَد وتميم وقيسٍ هُو فعل ذلك، بإسكان الواو؛ وأَنشد

لعَبيد:

ورَكْضُكَ لوْلا هُو لَقِيتَ الذي لَقُوا،

فأَصْبَحْتَ قد جاوَزْتَ قَوْماً أَعادِيا

وقال الكسائي: بعضهم يُلقي الواور من هُو إِذا كان قبلها أَلف ساكنة

فيقول حتَّاهُ فعل ذلك وإِنَّماهُ فعل ذلك؛ قال: وأَنشد أَبو خالد

الأَسدي:إِذاهُ لم يُؤْذَنْ له لَمْ يَنْبِس

قال: وأَنشدني خَشَّافٌ:

إِذاهُ سامَ الخَسْفَ آلَى بقَسَمْ

باللهِ لا يَأْخُذُ إِلاَّ ما احْتَكَمْ

(* قوله «سام الخسف» كذا في الأصل، والذي في المحكم: سيم، بالبناء لما

لم يسم فاعله.)

قال: وأَنشدنا أَبو مُجالِدٍ للعُجَير السَّلولي:

فبَيَّناهُ يَشْري رَحْلَه قال قائلٌ:

لِمَنْ جَمَلٌ رَثُّ المَتاعِ نَجِيبُ؟

قال ابن السيرافي: الذي وجد في شعره رِخْوُ المِلاطِ طَوِيلُ؛ وقبله:

فباتتْ هُمُومُ الصَّدْرِ شتى يَعُدْنَه،

كما عِيدَ شلْوٌ بالعَراءِ قَتِيلُ

وبعده:

مُحَلًّى بأَطْواقٍ عِتاقٍ كأَنَّها

بَقايا لُجَيْنٍ، جَرْسُهنَّ صَلِيلُ

وقال ابن جني: إِنما ذلك لضرورة في الشعر وللتشبيه للضمير المنفصل

بالضمير المتصل في عَصاه وقَناه، ولم يقيد الجوهري حذفَ الواو من هُوَ بقوله

إِذا كان قبلها أَلف ساكنة بل قال وربما حُذِفت من هو الواو في ضرورة

الشعر، وأَورد قول الشاعر: فبيناه يشري رحله؛ قال: وقال آخر:

إِنَّه لا يُبْرِئُ داءَ الهُدَبِدْ

مِثْلُ القَلايا مِنْ سَنامٍ وكَبِدْ

وكذلك الياء من هي؛ وأَنشد:

دارٌ لِسُعْدَى إِذْهِ مِنْ هَواكا

قال ابن سيده: فإِن قلت فقد قال الآخر:

أَعِنِّي على بَرْقٍ أُرِيكَ وَمِيضَهُو

فوقف بالواو وليست اللفظة قافيةً، وهذه المَدَّة مستهلكة في حال الوقف؟

قيل: هذه اللفظة وإِن لم تكن قافيةً فيكون البيتُ بها مُقَفًّى

ومُصَرَّعاً، فإِن العرب قد تَقِفُ على العَروض نحواً من وُقوفِها على الضَّرْب،

وذلك لوقُوفِ الكلام المنثور عن المَوْزُون؛ أَلا تَرَى إِلى قوله

أَيضاً:فأَضْحَى يَسُحُّ الماءَ حَوْلَ كُتَيْفةٍ

فوقف بالتنوين خلافاً للوُقوف في غير الشعر. فإِن قلت: فإِنَّ أَقْصَى

حالِ كُتَيْفةٍ إِذ ليس قافيةً أَن يُجْرى مُجْرى القافية في الوقوف

عليها، وأَنت ترى الرُّواةَ أَكثرَهم على إِطلاقِ هذه القصيدة ونحوها بحرف

اللِّين نحو قوله فحَوْمَلي ومَنْزِلي، فقوله كُتَيْفة ليس على وقف الكلام

ولا وَقْفِ القافيةِ؟ قيل: الأَمرُ على ما ذكرته من خلافِه له، غير أَنَّ

الأَمر أَيضاً يختص المنظوم دون المَنْثُور لاستمرار ذلك عنهم؛ أَلا ترى

إِلى قوله:

أَنَّى اهْتَدَيْتَ لتَسْلِيمٍ على دِمَنٍ،

بالغَمْرِ، غَيَّرَهُنَّ الأَعْصُرُ الأُوَلُ

وقوله:

كأَنَّ حُدوجَ المالِكيَّةِ، غُدْوةً،

خَلايا سَفِينٍ بالنَّواصِفِ مِنْ دَدِ

ومثله كثير، كلُّ ذلك الوُقوفُ على عَرُوضِه مخالف للوُقوف على ضَرْبه،

ومخالفٌ أَيضاً لوقوف الكلام غير الشعر. وقال الكسائي: لم أَسمعهم يلقون

الواو والياء عند غير الأَلف، وتَثْنِيَتُه هما وجمعُه هُمُو، فأَما

قوله هُم فمحذوفة من هُمُو كما أَن مُذْ محذوفة من مُنْذُ، فأَما قولُك

رأَيْتُهو فإِنَّ الاسام إِنما هو الهاء وجيء بالواو لبيان الحركة، وكذلك

لَهْو مالٌ إِنما الاسم منها الهاء والواو لما قدَّمنا، ودَلِيلُ ذلك أَنَّك

إِذا وقفت حذفت الواو فقلت رأَيته والمالُ لَهْ، ومنهم من يحذفها في

الوصل مع الحركة التي على الهاء ويسكن الهاء؛ حكى اللحياني عن الكسائي: لَهْ

مالٌ أَي لَهُو مالٌ؛ الجوهري: وربما حذفوا الواو مع الحركة. قال ابن

سيده: وحكى اللحياني لَهْ مال بسكون الهاء، وكذلك ما أَشبهه؛ قال يَعْلَى

بن الأَحْوَلِ:

أَرِقْتُ لِبَرْقٍ دُونَه شَرَوانِ

يَمانٍ، وأَهْوَى البَرْقَ كُلَّ يَمانِ

فظَلْتُ لَدَى البَيْتِ العَتِيقِ أُخِيلُهو،

ومِطْوايَ مُشْتاقانِ لَهْ أَرِقانِ

فَلَيْتَ لَنا، مِنْ ماء زَمْزَمَ، شَرْبةً

مُبَرَّدةً باتَتْ على طَهَيانِ

قال ابن جني: جمع بين اللغتين يعني إِثْبات الواو في أُخِيلُهو وإِسكان

الهاء في لَهْ،وليس إِسكان الهاء في له عن حَذْف لَحِقَ الكلمة بالصنعة،

وهذا في لغة أَزْد السَّراة كثير؛ ومثله ما روي عن قطرب من قول الآخر:

وأَشْرَبُ الماء ما بي نَحْوَهُو عَطَشٌ

إِلاَّ لأَنَّ عُيُونَهْ سَيْلُ وادِيها

فقال: نَحْوَهُو عطش بالواو، وقال عُيُونَهْ بإِسكان الواو؛ وأَما قول

الشماخ:

لَهُ زَجَلٌ كأَنَّهُو صَوْتُ حادٍ،

إِذا طَلَبَ الوَسِيقةَ، أَوْ زَمِيرُ

فليس هذا لغتين لأَنا لا نعلم رِوايةً حَذْفَ هذه الواوِ وإِبقاء الضمةِ

قبلها لُغةً، فينبغي أَن يكون ذلك ضَرُورةً وصَنْعةً لا مذهباً ولا لغة،

ومثله الهاء من قولك بِهِي هي الاسم والياء لبيان الحركة، ودليل ذلك

أَنك إِذا وقفت قلت بِهْ، ومن العرب من يقول بِهِي وبِهْ في الوصل. قال

اللحياني: قال الكسائي سمعت أَعراب عُقَيْل وكلاب يتكلمون في حال الرفع

والخفض وما قبل الهاء متحرك، فيجزمون الهاء في الرفع ويرفعون بغير تمام،

ويجزمون في الخفض ويخفضون بغير تمام، فيقولون: إِنَّ الإِنسانَ لِرَبِّهْ

لَكَنُودٌ، بالجزم، ولِرَبِّه لكَنُودٌ، بغير تمام، ولَهُ مالٌ ولَهْ مالٌ،

وقال: التمام أَحب إِليَّ ولا ينظر في هذا إِلى جزم ولا غيره لأَنَّ

الإِعراب إِنما يقع فيما قبل الهاء؛ وقال: كان أَبو جعفر قارئ أَهل المدينة

يخفض ويرفع لغير تمام؛ وقال أَنشدني أَبو حزام العُكْلِي:

لِي والِدٌ شَيْخٌ تَهُضُّهْ غَيْبَتِي،

وأَظُنُّ أَنَّ نَفادَ عُمْرِهْ عاجِلُ

فخفف في موضعين، وكان حَمزةُ وأَبو عمرو يجزمان الهاء في مثل يُؤدِّهْ

إِليك ونُؤْتِهْ مِنها ونُصْلِهْ جَهَنَّمَ، وسمع شيخاً من هَوازِنَ يقول:

عَلَيْهُ مالٌ، وكان يقول: عَلَيْهُم وفِيهُمْ وبِهُمْ، قال: وقال

الكسائي هي لغات يقال فيهِ وفِيهِي وفيهُ وفِيهُو، بتمام وغير تمام، قال: وقال

لا يكون الجزم في الهاء إِذا كان ما قبلها ساكناً. التهذيب: الليث هو

كناية تذكيرٍ، وهي كنايةُ تأْنيثٍ، وهما للاثنين، وهم للجَماعة من الرجال،

وهُنَّ للنساء، فإِذا وقَفْتَ على هو وَصَلْتَ الواو فقلت هُوَهْ، وإِذا

أَدْرَجْتَ طَرَحْتَ هاء الصِّلةِ. وروي عن أَبي الهيثم أَنه قال:

مَرَرْتُ بِهْ ومررت بِهِ ومررت بِهِي، قال: وإِن شئت مررت بِهْ وبِهُ وبِهُو،

وكذلك ضَرَبه فيه هذه اللغات، وكذلك يَضْرِبُهْ ويَضْرِبُهُ

ويَضْرِبُهُو، فإِذا أَفردت الهاء من الاتصال بالاسم أَو بالفعل أَو بالأَداة

وابتدأْت بها كلامك قلت هو لكل مذكَّر غائب، وهي لكل مؤنثة غائبة، وقد جرى

ذِكْرُهُما فزِدْتَ واواً أَو ياء استثقالاً للاسم على حرف واحد، لأَن الاسم

لا يكون أَقلَّ من حرفين، قال: ومنهم مَن يقول الاسم إِذا كان على حرفين

فهو ناقِصٌ قد ذهب منه حَرْفٌ، فإِن عُرف تَثْنِيَتُه وجَمْعُه

وتَصْغِيرُه وتَصْريفه عُرِفَ النَّاقِصُ منه، وإِن لم يُصَغَّر ولم يُصَرَّفْ ولم

يُعْرَفْ له اشتِقاقٌ زيدَ فيه مثل آخره فتقول هْوَّ أَخوك، فزادوا مع

الواو واواً؛ وأَنشد:

وإِنَّ لِسانِي شُهْدةٌ يُشْتَفَى بِها،

وهُوَّ علَى مَنْ صَبَّه اللهُ عَلْقَمُ

كما قالوا في مِن وعَن ولا تَصْرِيفَ لَهُما فقالوا مِنِّي أَحْسَنُ مِن

مِنِّكَ، فزادوا نوناً مع النون. أَبو الهيثم: بنو أَسد تُسَكِّن هِي

وهُو فيقولون هُو زيدٌ وهِي هِنْد، كأَنهم حذفوا المتحرك، وهي قالته وهُو

قاله؛ وأَنشد:

وكُنَّا إِذا ما كانَ يَوْمُ كَرِيهةٍ،

فَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي وهُو فَتَيانِ

فأَسكن. ويقال: ماهُ قالَه وماهِ قالَتْه، يريدون: ما هُو وما هِيَ؛

وأَنشد:

دارٌ لسَلْمَى إِذْهِ مِنْ هَواكا

فحذف ياء هِيَ. الفراء: يقال إِنَّه لَهْوَ أَو الحِذْلُ

(* قوله« أو

الحذل» رسم في الأصل تحت الحاء حاء أخرى اشارة إلى عدم نقطها وهو بالكسر

والضم الأصل، ووقع في الميداني بالجيم وفسره باصل الشجرة.) عَنَى

اثْنَيْنِ، وإِنَّهُمْ لَهُمْ أَو الحُرَّةُ دَبِيباً، يقال هذا إِذا أَشكل عليك

الشيء فظننت الشخص شخصين. الأَزهري: ومن العرب من يشدد الواو من هُوّ

والياء من هِيَّ؛ قال:

أَلا هِيْ أَلا هِي فَدَعْها، فَإِنَّما

تَمَنِّيكَ ما لا تَسْتَطِيعُ غُروزُ

الأَزهري: سيبويه وهو قول الخليل إِذا قلت يا أَيُّها الرجل فأَيُّ اسم

مبهم مبني على الضمّ لأَنه منادى مُفْرَدٌ، والرجل صِفة لأَيّ، تقول يا

أَيُّها الرَّجلُ أَقْبِلْ، ولا يجوز يا الرجلُ لأَنَّ يا تَنْبيهٌ بمنزلة

التعريف في الرجل ولا يجمع بين يا وبين الأَلف واللام، فتَصِلُ إِلى

الأَلف واللام بأَيٍّ، وها لازِمةٌ لأَيٍّ للتنبيه، وهي عِوَضٌ من الإِضافة

في أَيٍّ لأَن أَصل أَيٍّ أَن تكون مضافةً إِلى الاستفهام والخبر. وتقول

للمرأَةِ: يا أَيَّتُها المرأَةُ، والقرّاء كلهم قَرَؤُوا: أَيُّها ويا

أَيُّها الناسُ وأَيُّها المؤمنون، إِلا ابنَ عامر فإِنه قرأَ أَيُّهُ

المؤمنون، وليست بجَيِّدةٍ، وقال ابن الأَنباري: هي لغة؛ وأَما قول

جَرير:يقولُ لي الأَصْحابُ: هل أَنتَ لاحِقٌ

بأَهْلِكَ؟ إِنَّ الزَّاهِرِيَّةَ لا هِيا

فمعنى لا هِيا أَي لا سبيل إِليها، وكذلك إِذا ذكَر الرجل شيئاً لا سبيل

إِليه قال له المُجِيبُ: لا هُوَ أَي لا سبيل إِليه فلا تَذْكُرْهُ.

ويقال: هُوَ هُوَ أَي هَوَ مَن قد عرَفْتُهُ. ويقال: هِيَ هِيَ أَي هِيَ

الداهِيةُ التي قد عَرَفْتُها، وهم هُمْ أَي هُمُ الذين عَرَفْتُهم؛ وقال

الهذلي:

رَفَوْني وقالوا: يا خُوَيْلِدُ لَم تُرَعْ؟

فقُلتُ وأَنْكَرْتُ الوجوهَ: هُمُ هُمُ

وقول الشنفرى:

فإِنْ يكُ مِن جِنٍّ لأَبْرَحُ طارِقاً،

وإِنْ يَكُ إِنْساً ما كَها الإِنْسُ تَفْعَلُ

أَي ما هكذا الإِنْسُ تَفْعَل؛ وقول الهذلي:

لَنا الغَوْرُ والأَعْراضُ في كلِّ صَيْفةٍ،

فذَلِكَ عَصْرٌ قد خَلا ها وَذا عَصْرُ

أَدخلَ ها التنبيه؛ وقال كعب:

عادَ السَّوادُ بَياضاً في مَفارقِهِ،

لا مَرْحَباً ها بذا اللَّوْنِ الذي رَدَفا

كأَنه أَراد لا مَرْحَباً بهذا اللَّوْنِ، فَفَرَقَ بين ها وذا بالصِّفة

كما يفْرُقون بينهما بالاسم: ها أَنا وها هو ذا. الجوهري: والهاء قد

تكون كِنايةً عن الغائبِ والغائِبة، تقول: ضَرَبَه وضَرَبها، وهو للمُذكَّر،

وهِيَ للمُؤنثِ، وإِنما بَنَوا الواوَ في هُوَ والياء في هِيَ على الفتح

ليَفْرُقُوا بين هذه الواو والياء التي هِيَ مِن نَفْسِ الاسم

المَكْنِيِّ وبين الواو والياء اللتين تكونان صلة في نحو قولك رأَيْتُهو ومَرَرْتُ

بِهِي، لأَن كل مَبْنِيّ فحقه أَن يُبْنى على السكون، إِلا أَن تَعْرِضَ

عِلَّة تُوجِبُ الحَركة، والذي يَعْرِضُ ثلاثةُ أَشياء: أَحَدُها

اجتماعُ الساكِنَيْنِ مِثْلُ كيف وأَيْن، والثاني كونه على حَرْف واحد مثل

الباء الزائدة، والثالثُ الفَرْقُ بينه وبين غيره مثل الفِعل الماضِي يُبْنى

على الفتح، لأَنه ضارَعَ بعضَ المُضارعةِ فَفُرِقَ بالحَركة بينه وبين ما

لم يُضارِعْ، وهو فِعْلُ الأَمْرِ المُواجَهِ به نحو افْعَلْ؛ وأَما

قولُ الشاعر:

ما هِيَ إِلا شَرْبةٌ بالحَوْأَبِ،

فَصَعِّدِي مِنْ بَعْدِها أَو صَوِّبي

وقول بنت الحُمارِس:

هَلْ هِيَ إِلاَّ حِظةٌ أَو تَطْلِيقْ،

أَو صَلَفٌ مِنْ بَينِ ذاكَ تَعْلِيقْ؟

فإِنَّ أَهل الكوفة قالوا هي كِنايةٌ عن شيء مجهول، وأَهل البَصرة

يَتأَوَّلُونها القِصَّة؛ قال ابن بري: وضمير القصة والشأْن عند أَهل البصرة

لا يُفَسِّره إِلا الجماعةُ دون المُفْرَد. قال الفراء: والعرب تَقِفُ على

كل هاءِ مؤنَّث بالهاء إِلا طَيِّئاً فإِنهم يَقِفون عليها بالتاء

فيقولون هذِ أَمَتْ وجاريَتْ وطَلْحَتْ، وإِذا أَدْخَلْتَ الهاء في النُّدْبة

أَثْبَتَّها في الوقْف وحذفْتها في الوصل، ورُبما ثبتت في ضرورة الشعر

فتُضَمُّ كالحَرْف الأَصليّ؛ قال ابن بري: صوابه فتُضَمُّ كهاء الضمير في

عَصاهُ ورَحاهُ، قال: ويجوز كسره لالتقاء الساكنين، هذا على قول أَهل

الكوفة؛ وأَنشد الفراء:

يا ربِّ يا رَبَّاهُ إِيَّاكَ أَسَلْ

عَفْراء، يا رَبَّاهُ مِنْ قَبْلِ الأَجلْ

وقال قيس بنُ مُعاذ العامري، وكان لمَّا دخلَ مكة وأَحْرَمَ هو ومن معه

من الناس جعل يَسْأَلُ رَبَّه في لَيْلى، فقال له أَصحابه: هَلاَّ سأَلتَ

الله في أَن يُريحَكَ من لَيْلى وسأَلْتَه المَغْفرةَ فقال:

دَعا المُحْرمُونَ اللهَ يَسْتَغْفِرُونَه،

بِمكَّةَ، شُعْثاً كَيْ تُمحَّى ذُنُوبُها

فَنادَيْتُ: يا رَبَّاهُ أَوَّلَ سَأْلَتي

لِنَفْسِيَ لَيْلى، ثم أَنْتَ حَسِيبُها

فإِنْ أُعْطَ لَيْلى في حَياتِيَ لا يَتُبْ،

إِلى اللهِ، عَبْدٌ تَوْبةً لا أَتُوبُها

وهو كثير في الشعر وليس شيء منه بحُجة عند أَهل البصرة، وهو خارجٌ عن

الأَصل، وقد تزاد الهاء في الوقف لبيان الحركة نحو لِمَهْ وسُلْطانِيَهْ

ومالِيَهْ وثُمَّ مَهْ، يعني ثُمَّ ماذا، وقد أَتَتْ هذه الهاء في ضرورة

الشعر كما قال:

هُمُ القائلونَ الخَيرَ والآمِرُونَهُ،

إِذا ما خَشَوْا مِن مُعْظَمِ الأَمرِ مُفْظِعا

(* قوله« من معظم الامر إلخ» تبع المؤلف الجوهري، وقال الصاغاني

والرواية: من محدث الأمر معظما، قال: وهكذا أنشده سيبويه.)

فأَجْراها مُجْرَى هاء الإِضمار، وقد تكون الهاء بدلاً من الهمزة مثل

هَراقَ وأَراقَ. قال ابن بري: ثلاثة أَفعال أَبْدَلوا من همزتها هاء، وهي:

هَرَقْت الماء، وهَنَرْتُ الثوب

(* قوله «وهنرت الثوب» صوابه النار كما

في مادة هرق.) وهَرَحْتُ الدابَّةَ، والعرب يُبْدِلون أَلف الاستفهام هاء؛

قال الشاعر:

وأَتَى صَواحِبُها فَقُلْنَ: هذا الذي

مَنَحَ المَوَدَّةَ غَيْرَنا وجَفانا

يعني أَذا الذي، وها كلمة تنبيه، وقد كثر دخولها في قولك ذا وذِي فقالوا

هذا وهَذِي وهَذاك وهَذِيك حتى زعم بعضهم أَنَّ ذا لما بَعُدَ وهذا لما

قَرُبَ. وفي حديث عليّ، رضي الله عنه: ها إِنَّ هَهُنا عِلْماً،

وأَوْمَأَ بِيَدِه إِلى صَدْرِه، لو أَصَبْتُ له حَمَلةً؛ ها، مَقْصورةً: كلمةُ

تَنبيه للمُخاطَب يُنَبَّه بها على ما يُساقُ إِليهِ مِنَ الكلام. وقالوا:

ها السَّلامُ عليكم، فها مُنَبِّهَةٌ مؤَكِّدةٌ؛ قال الشاعر:

وقَفْنا فقُلنا: ها السَّلامُ عليكُمُ

فأَنْكَرَها ضَيقُ المَجَمِّ غَيُورُ

وقال الآخر:

ها إِنَّها إِنْ تَضِقِ الصُّدُورُ،

لا يَنْفَعُ القُلُّ ولا الكَثِيرُ

ومنهم من يقول: ها اللهِ، يُجْرَى مُجْرى دابَّةٍ في الجمع بين ساكنين،

وقالوا: ها أَنْتَ تَفْعَلُ كذا. وفي التنزيل العزيز: ها أَنْتم

هَؤُلاءِ وهأَنْتَ، مقصور. وها، مقصور: للتَّقْريب، إِذا قيل لك أَيْنَ أَنْتَ

فقل ها أَنا ذا، والمرأَةُ تقول ها أَنا ذِهْ، فإِن قيل لك: أَيْنَ فلان؟

قلتَ إِذا كان قريباً: ها هُو ذا، وإِن كان بَعِيداً قلت: ها هو ذاك،

وللمرأَةِ إِذا كانت قَريبة: ها هي ذِهْ، وإِذا كانت بعيدة: ها هِيَ

تِلْكَ، والهاءُ تُزادُ في كلامِ العرب على سَبْعة أَضْرُب: أَحدها للفَرْقِ

بين الفاعل والفاعِلة مثل ضارِبٍ وضارِبةٍ، وكَريمٍ وكَرِيمةٍ، والثاني

للفرق بين المُذَكَّر والمُؤَنث في الجنس نحو امْرئٍ وامرأَةٍ، والثالث

للفرق بين الواحد والجمع مثل تَمْرة وتَمْر وبَقَرةٍ وبَقَر، والرابع

لتأْنيث اللفظة وإِن لم يكن تحتَها حَقيقةُ تَأْنيث نحو قِرْبةٍ وغُرْفةٍ،

والخامس للمُبالَغةِ مثل عَلاَّمةٍ ونسّابةٍ في المَدْح وهِلْباجةٍ وفَقاقةٍ

في الذَّمِّ، فما كان منه مَدْحاً يذهبون بتأْنيثه إِلى تأْنيث الغاية

والنِّهاية والداهِية، وما كان ذَمّاً يذهبون فيه إِلى تأْنيث البَهِيمةِ،

ومنه ما يستوي فيه المذكر والمؤنث نحو رَجُل مَلُولةٌ وامرأَةٌ مَلُولةٌ،

والسادس ما كان واحداً من جنس يقع على المذكر والأُنثى نحو بَطَّة

وحَيَّة، والسابع تدخل في الجمع لثلاثة أَوجه: أَحدها أَن تدل على النَّسب نحو

المَهالِبة، والثاني أَن تَدُلَّ على العُجْمةِ نحو المَوازِجةِ

والجَوارِبةِ وربما لم تدخل فيه الهاء كقولهم كَيالِج، والثالث أَن تكون عوضاً

من حرف محذوف نحو المَرازِبة والزَّنادِقة والعَبادِلةِ، وهم عبدُ اللهِ

بن عباس وعبدُ الله بنُ عُمَر وعبدُ الله بنُ الزُّبَيْر. قال ابن بري:

أَسقط الجوهري من العَبادِلة عبدَ اللهِ بنَ عَمْرو بن العاص، وهو الرابع،

قال الجوهري: وقد تكون الهاء عِوضاً من الواو الذاهِبة من فاء الفعل نحو

عِدةٍ وصِفةٍ، وقد تكون عوضاً من الواو والياء الذاهبة من عَيْن الفعل

نحو ثُبةِ الحَوْضِ، أَصله من ثابَ الماءُ يَثُوبُ ثَوْباً، وقولهم أَقام

إِقامةً وأَصله إِقْواماً، وقد تكون عوضاً من الياء الذاهبة من لام الفعل

نحو مائِةٍ ورِئةٍ وبُرةٍ، وها التَّنبيهِ قد يُقْسَمُ بها فيقال: لاها

اللهِ ا فَعَلتُ أَي لا واللهِ، أُبْدِلَتِ الهاء من الواو، وإِن شئت حذفت

الأَلف التي بعدَ الهاء، وإِن شئت أَثْبَتَّ، وقولهم: لاها اللهِ ذا،

بغير أَلفٍ، أَصلُه لا واللهِ هذا ما أُقْسِمُ به، ففَرقْتَ بين ها وذا

وجَعَلْتَ اسم الله بينهما وجَرَرْته بحرف التنبيه، والتقدير لا واللهِ ما

فعَلْتُ هذا، فحُذِفَ واخْتُصِر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم وقُدِّم ها

كما قُدِّم في قولهم ها هُو ذا وهأَنَذا؛ قال زهير:

تَعَلَّمــاً ها لَعَمْرُ اللهِ ذا قَسَماً،

فاقْصِدْ بذَرْعِكَ وانْظُرْ أَينَ تَنْسَلِكُ

(* في ديوان النابغة: تعلَّمَــنْ بدل تعلَّمــاً)

وفي حديث أَبي قَتادةَ، رضي الله عنه، يومَ حُنَينٍ: قال أَبو بكر، رضي

الله عنه: لاها اللهِ إِذاً لا يَعْمِدُ إِلى أَسَدٍ من أُسْدِ اللهِ

يُقاتِلُ عن اللهِ ورسولِه فيُعْطِيكَ سَلَبَه؛ هكذا جاء الحديث لاها اللهِ

إِذاً،

(* قوله« لاها الله إِذاً» ضبط في نسخة النهاية بالتنوين كما

ترى.) ، والصواب لاها اللهِ ذا بحذف الهمزة، ومعناه لا واللهِ لا يكونُ ذا

ولا واللهِ الأَمرُ ذا، فحُذِفَ تخفيفاً، ولك في أَلف ها مَذْهبان: أَحدهما

تُثْبِتُ أَلِفَها لأَن الذي بعدها مُدْغَمٌ مثلُ دابةٍ، والثاني أَن

تَحْذِفَها لالتقاء الساكنين.

وهاءِ: زَجْرٌ للإِبل ودُعاء لها، وهو مبني على الكسر إِذا مدَدْتَ، وقد

يقصر، تقول هاهَيْتُ بالإِبل إِذا دَعَوْتَها كما قلناه في حاحَيْتُ،

ومن قال ها فحكى ذلك قال هاهَيْتُ.

وهاءَ أَيضاً: كلمة إِجابة وتَلْبِيةٍ، وليس من هذا الباب. الأَزهري:

قال سيبويه في كلام العرب هاءَ وهاكَ بمنزلة حَيَّهلَ وحَيَّهلَك، وكقولهم

النَّجاكَ، قال: وهذه الكاف لم تَجِئْ عَلَماً للمأْمورين

والمَنْهِيِّينَ والمُضْمَرِين، ولو كانت علماً لمُضْمَرِين لكانت خطأً لأَن

المُضْمَرَ هنا فاعِلون، وعلامةُ الفاعلين الواو كقولك افْعَلُوا، وإِنما هذه

الكاف تخصيصاً وتوكيداً وليست باسم، ولو كانت اسماً لكان النَّجاكُ مُحالاً

لأَنك لا تُضِيفُ فيه أَلفاً ولاماً، قال: وكذلك كاف ذلكَ ليس باسم.

ابن المظفر: الهاء حَرْفٌ هَشٌّ لَيِّنٌ قد يَجِيءُ خَلَفاً من الأَلف

التي تُبْنَى للقطع، قال الله عز وجل: هاؤُمُ اقْرؤُوا كِتابِيَهْ؛ جاء في

التفسير أن الرجل من المؤمنين يُعْطى كِتابه بيَمِينه، فإِذا قرأَه رأَى

فيه تَبْشِيرَه بالجنة فيُعْطِيه أَصْحابَهُ فيقول هاؤُمُ اقْرَؤوا

كِتابي أَي خُذُوه واقْرؤوا ما فِيه لِــتَعْلَمُــوا فَوْزي بالجنة، يدل على ذلك

قوله: إني ظَنَنْتُ، أَي عَلِمْتُ، أَنِّي مُلاقٍ حسابيَهْ فهو في

عِيشةٍ راضِيَةٍ. وفي هاء بمعنى خذ لغاتٌ معروفة؛ قال ابن السكيت: يقال هاءَ

يا رَجُل، وهاؤُما يا رجلانِ، وهاؤُمْ يا رِجالُ. ويقال: هاءِ يا امرأَةُ،

مكسورة بلا ياء، وهائِيا يا امرأَتانِ، وهاؤُنَّ يا نِسْوةُ؛ ولغة

ثانية: هَأْ يا رجل، وهاءَا بمنزلة هاعا، وللجمع هاؤُوا، وللمرأَة هائي،

وللتثنية هاءَا، وللجمع هَأْنَ، بمنزلة هَعْنَ؛ ولغة أُخرى: هاءِ يا رجل،

بهمزة مكسورة، وللاثنين هائِيا، وللجمع هاؤُوا، وللمرأَة هائي، وللثنتين

هائِيا، وللجمع هائِينَ، قال: وإِذا قلتُ لك هاءَ قلتَ ما أَهاءُ يا هذا، وما

أَهاءُ أَي ما آخُذُ وما أُعْطِي، قال: ونحوَ ذلك قال الكسائي، قال:

ويقال هاتِ وهاءِ أَي أَعْطِ وخذ؛ قال الكميت:

وفي أَيامِ هاتِ بهاءِ نُلْفَى،

إِذا زَرِمَ النَّدَى، مُتَحَلِّبِينا

قال: ومن العرب من يقول هاكَ هذا يا رجل، وهاكما هذا يا رجُلان، وهاكُمُ

هذا يا رجالُ، وهاكِ هذا يا امرأَةُ، وهاكُما هذا يا امْرأَتان،

وهاكُنَّ يا نِسْوةُ. أَبو زيد: يقال هاءَ يا رجل، بالفتح، وهاءِ يا رجل بالكسر،

وهاءَا للاثنين في اللغتين جميعاً بالفتح، ولم يَكْسِروا في الاثنين،

وهاؤُوا في الجمع؛ وأَنشد:

قُومُوا فَهاؤُوا الحَقَّ نَنْزِلْ عِنْدَه،

إِذْ لم يَكُنْ لَكُمْ عَليْنا مَفْخَرُ

ويقال هاءٍ، بالتنوين؛ وقال:

ومُرْبِحٍ قالَ لي: هاءٍ فَقُلْتُ لَهُ:

حَيَّاكَ رَبِّي لَقدْ أَحْسَنْتَ بي هائي

(* قوله« ومربح» كذا في الأصل بحاء مهملة.)

قال الأَزهري: فهذا جميع ما جاز من اللغات بمعنى واحد. وأَما الحديث

الذي جاءَ في الرِّبا: لا تَبيعُوا الذِّهَبَ بالذَّهبِ إِلاَّ هاءَ وهاء،

فقد اختُلف في تفسيره، فقال بعضهم: أَن يَقُولَ كلُّ واحد من

المُتَبايِعَيْن هاءَ أَي خُذْ فيُعْطِيه ما في يده ثم يَفْترقان، وقيل: معناه هاكَ

وهاتِ أَي خُذْ وأَعْطِ، قال: والقول هو الأَولُ. وقال الأَزهري في موضع

آخر: لا تَشْتَرُوا الذَّهب بالذَّهب إِلاَّ هاءَ وهاء أَي إِلاَّ يَداً

بيدٍ، كما جاء في حديث الآخر يعني مُقابَضةً في المجلس، والأَصلُ فيه هاكَ

وهاتِ كما قال:

وجَدْتُ الناسَ نائِلُهُمْ قُرُوضٌ

كنَقْدِ السُّوقِ: خُذْ مِنِّي وهاتِ

قال الخطابي: أَصحاب الحديث يروونه ها وها، ساكنةَ الأَلف، والصواب

مَدُّها وفَتْحُها لأَن أَصلها هاكَ أَي خُذْ، فحُذفَت الكاف وعُوِّضت منها

المدة والهمزة، وغير الخطابي يجيز فيها السكون على حَذْفِ العِوَضِ

وتَتَنزَّلُ مَنْزِلةَ ها التي للتنبيه؛ ومنه حديث عمر لأَبي موسى، رضي الله

عنهما: ها وإِلاَّ جَعَلْتُكَ عِظةً أَي هاتِ منْ يَشْهَدُ لك على قولك.

الكسائي: يقال في الاستفهام إِذا كان بهمزتين أَو بهمزة مطولة بجعل الهمزة

الأُولى هاء، فيقال هأَلرجُل فَعلَ ذلك، يُريدون آلرجل فَعل ذلك، وهأَنت

فعلت ذلك، وكذلك الذَّكَرَيْنِ هالذَّكَرَيْن، فإِن كانت للاستفهام بهمزة

مقصورة واحدة فإِن أَهل اللغة لا يجعلون الهمزة هاء مثل قوله:

أَتَّخَذْتُم، أَصْطفى، أَفْتَرى، لا يقولون هاتَّخَذْتم، ثم قال: ولو قِيلت

لكانتْ. وطيِّءٌ تقول: هَزَيْدٌ فعل ذلك، يُريدون أَزيدٌ فَعَلَ ذلك. ويقال:

أَيا فلانُ وهَيا فلانُ؛ وأَما قول شَبيب بن البَرْصاء:

نُفَلِّقُ، ها مَنْ لم تَنَلْه رِماحُنا،

بأَسْيافِنا هامَ المُلوكِ القَماقِمِ

فإِنَّ أَبا سعيد قال: في هذا تقديم معناه التأُخر إِنما هو نُفَلِّقُ

بأَسيافنا هامَ المُلوك القَماقِمِ، ثم قال: ها مَنْ لم تَنَلْه رِماحُنا،

فها تَنْبِيه.

القرآن

Entries on القرآن in 3 Arabic dictionaries by the authors Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm and Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf
القرآن:
[في الانكليزية] The Koran
[ في الفرنسية] Le Coran
بالضم اختلف فيه. فقيل هو اسم علم غير مشتقّ خاصّ بكلام الله فهو غير مهموز وبه قرأ ابن كثير وهو مروي عن الشافعي. وقيل هو مشتقّ من قرنت الشيء بالشيء سمّي به لقران السور والآيات والحروف فيه. وقال الفرّاء هو مشتقّ من القرائن وعلى كلّ تقدير فهو بلا همزة ونونه أصلية. وقال الزجاج هذا سهو والصحيح أنّ ترك الهمزة فيه من باب التخفيف، ونقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها. واختلف القائلون بأنّه مهموز، فقيل هو مصدر لقرأت سمّي به الكتاب المقروء من باب تسميته بالمصدر. وقيل هو وصف على فعلان مشتق من القرء بمعنى الجمع كذا في الاتقان. قال أهل السّنّة والجماعة: القرآن ويسمّى بالكتاب أيضا كلام الله تعالى غير مخلوق وهو مكتوب في مصاحفنا محفوظ في قلوبنا مقروء بألسنتنا مسموع بآذاننا غير حالّ فيها أي مع ذلك ليس حالّا في المصاحف ولا في القلوب والألسنة والآذان، لأنّ كلام الله ليس من جنس الحروف والأصوات لأنّها حادثة، وكلام الله صفة أزلية قديمة منافية للسكوت الذي هو ترك التكلّم مع القدرة عليه والآفة التي هي عدم مطاوعة الآلات بل هو معنى قديم قائم بذات الله تعالى يلفظ ويسمع بالنّظم الدّال عليه ويحفظ بالنظم المخيل ويكتب بنقوش وأشكال موضوعة للحروف الدالة عليه، كما يقال النار جوهر محرق يذكر باللفظ ويكتب بالقلم ولا يلزم منه كون حقيقة النار صوتا وحرفا. وتحقيقه أنّ للشيء وجودا في الأذهان ووجودا في الكتابة. فالكتابة تدلّ على العبارة وهي على ما في الأذهان وهو على ما في الأعيان، فحيث يوصف القرآن بما هو من لوازم القديم كقولنا القرآن غير مخلوق فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج، وحيث يوصف بما هو من لوازم المخلوقات يراد به الألفاظ المنطوقة المسموعة كقولك قرأت نصف القرآن أو المخيلة كقولك حفظت القرآن أو الأشكال كقولك يحرم للمحدث مسّ القرآن. ثم الكلام القديم الذي هو صفة لله تعالى يجوز أن يسمع وهو مذهب الأشعري ومنعه الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني، وهو اختيار الشيخ أبي منصور رحمه الله تعالى. فمعنى قوله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ يسمع ما يدلّ عليه كما يقال سمعت علم فلان. فموسى صلوات الله عليه سمع صوتا دالّا على كلام الله، لكن لمّا كان بلا واسطة الكتاب والملك خصّ باسم الكليم. وقيل خصّ به لما سمعه من جميع الجهات على خلاف المعتاد. وأمّا من يجوّز سماعه فهو يقول خصّ به لأنّه سمع كلامه الأزلي بلا حرف وصوت كما يرى ذاته تعالى في الآخرة بلا كمّ ولا كيف.
فإن قيل لو كان كلام الله حقيقة في المعنى القديم مجازا في النّظم المؤلّف يصحّ نفيه عنه بأن يقال ليس النّظم كلام الله والإجماع على خلافه، وأيضا المعجز هو كلام الله حقيقة مع القطع بأنّ الإعجاز إنّما يتصوّر في النظم.
قلنا التحقيق أنّ كلام الله تعالى مشترك بين الكلام النفسي القديم ومعنى الإضافة كونه صفة له تعالى وبين اللفظي الحادث، ومعنى الإضافة حينئذ أنّه مخلوق له تعالى ليس من تأليفات المخلوقين، فلا يصحّ النفي أصلا ولا يكون الإعجاز إلّا في كلام الله تعالى. وما وقع في عبارة بعض المشايخ من أنّه مجاز فليس معناه أنّه غير موضوع للنظم بل إنّ الكلام في التحقيق وبالذات اسم للمعنى القائم بالنفس وتسمية اللفظ به وضعه لذاك إنّما هو باعتبار دلالته على المعنى، فلا نزاع لهم في الوضع والتسمية باعتبار معنى مجازي يكون حقيقة أيضا، كما يكون باعتبار معنى حقيقي. ويؤيّد هذا ما وقع في شرح التجريد من أنّه لا نزاع في إطلاق اسم القرآن وكلام الله بطريق الاشتراك على المعنى القائم بالنفس القديم وعلى المؤلّف الحادث وهو المتعارف عند العامة والقراء والأصوليين والفقهاء وإليه يرجع الخواص التي هي من صفات الحادث. وإطلاق هذين اللفظين عليه ليس بمجرد أنّه دالّ على كلامه القديم حتى لو كان مخترع هذه الألفاظ غير الله تعالى لكان الإطلاق بحاله، بل لأنّ له اختصاصا به تعالى وهو أنّه اخترعه بأن أوجد أولا الأشكال في اللوح المحفوظ لقوله بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ والأصوات في لسان الملك لقوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ثم اختلفوا، فقيل القرآن وكلام الله اسمان لهذا المؤلّف المخصوص القائم بأوّل لسان اخترعه الله تعالى فيه، حتى إنّ ما يقرأه كلّ أحد سواه بلسان يكون مثله لا عينه. والأصحّ أنّه اسم له لا من حيث تعيّن المحلّ فيكون واحدا بالنوع ويكون ما يقرأه القارئ أيّ قارئ كان نفسه لا مثله، وهكذا الحكم في كلّ متغيّر وكتاب ينسب إلى مؤلّفه. وعلى التقديرين فقد يجعل اسما للمجموع بحيث لا يصدق على البعض وقد يجعل اسما بمعنى كلّ صادق على المجموع وعلى كلّ بعض من أبعاضه.
وبالجملة فما يقال إنّ المكتوب في كلّ مصحف والمقروء بكل لسان كلام الله، فباعتبار الوحدة النوعية. وما يقال إنّه حكاية عن كلام الله ومماثل له وإنّما الكلام هو المخترع في لسان الملك فباعتبار الوحدة الشخصية. وما يقال إنّ كلام الله ليس قائما بلسان أو قلب ولا حالّا في مصحف فيراد به الكلام الحقيقي النفسي. ومنعوا من القول بحلول اللفظي أيضا رعاية للتأدّب واحترازا عن ذهاب الوهم إلى الحقيقي النفسي، على أنّ إطلاق اسم المدلول على الدّال وكذا إجراء صفات الدّال على المدلول شائع ذائع مثل: سمعت هذا المعنى من فلان انتهى كلامه. وقال صاحب المواقف إنّ المعنى من قول مشايخنا كلام الله تعالى معنى قديم ليس المراد به مدلول اللفظ بل الأمر القائم بالغير فيكون الكلام النفسي عندهم أمرا شاملا للفظ والمعنى جميعا قائما بذاته تعالى وهو مكتوب في المصاحف مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور، وهو غير القراءة والكتابة والحفظ الحادثة. وما يقال من أنّ الحروف والألفاظ مترتّبة متعاقبة فجوابه أنّ ذلك الترتّب إنما هو في التلفّظ بسبب عدم مساعدة الآلة، فالتلفّظ حادث والأدلة الدالة على الحدوث يجب حملها على حدوثه دون حدوث الملفوظ جمعا بين الأدلة انتهى. قيل عليه القول بأنّ ترتّب الحروف إنّما هو في التلفّظ دون الملفوظ، فالتلفّظ حادث دون الملفوظ أمر خارج عن العقل وما ذلك إلّا مثل أن يتصوّر حركة تكون أجزاؤها مجتمعة في الوجود لا يكون لبعضها تقدّم على بعض، ويندفع بما قيل إنّ المراد بالملفوظ هو اللفظ القائم به تعالى وبالتلفّظ اللفظ القائم بنا عبّر عنه بالتلفّظ، فرقا بينهما وإشعارا بأنّ اللفظ الحادث كالنسبة المصدرية لكونه غير قارّ، ولولا هذا الاعتبار لكان القول بقدم الملفوظ دون التلفّظ تناقضا، وبه يندفع من أنّ حمل المعنى على الأمر القائم بالغير بعيد جدا لأنّ الأدلة إنّما تدلّ على حدوث ماهية القرآن لا حدوث التلفّظ لأنّه ليس بقرآن، وذلك لأنّ اللفظ يعدّ واحدا في المحال كلها وتباينه إنّما هو بتباين الهيئات. فاللفظ القائم بنا وبه تعالى واحد حقيقة، والأول حادث والثاني قديم.
فإن قيل يفهم من هذا التوجيه أنّه لا ترتّب في اللفظ القائم بذاته تعالى فيلزم عدم الفرق بين لمع وعلم. قيل ترتّب الكلمات وتقدّم بعضها على بعض لا يقتضي الحدوث لأنّ التقدّم ربما لا يكون زمانيا كالحروف المنطبعة في شمعة دفعة من الطابع عليه، وقد يمثل أيضا بوجود الألفاظ في نفس الحافظ فإنّ جميعها مع الترتيب المخصوص مجتمعة الوجود فيها وليس وجود بعضها مشروطا بانقضاء البعض وانعدامه عن نفسه. والفرق بأنّ وجود الحرف على هذا الوجه في ذاته تعالى بالوجود العيني وفي نفس الحافظ بالظلّي لا يضرّ إذ الغرض منه مجرّد التصوير والتفهيم لا إثباته بطريق التمثيل، فحينئذ يكون الحاصل أنّ الترتيب المقتضي للحدوث إنّما هو في التلفّظ أي اللفظ القائم بنا، هذا غاية توجيه المقام فافهم.
فائدة:
في بيان كيفية الإنزال قال في الاتقان وفيه مسائل. الأولى قال الله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقال إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. اختلف في كيفية إنزاله من اللوح المحفوظ على ثلاثة أقوال. الأول وهو الأصح الأشهر أنّه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجّما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة.
الثاني أنّه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة القدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين، في كلّ ليلة ما يقدر الله إنزاله في كلّ سنة، ثم نزل بعد ذلك منجّما في جميع السنة، وهذا القول ذكره الرازي بطريق الاحتمال ثم توقّف. هل هذا أولى أو الأول؟ قال ابن كثير وهذا الذي جعله احتمالا نقله القرطبى عن مقاتل بن حيان، وحكى الإجماع على أنّه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في سماء الدنيا. الثالث أنّه ابتدأ انزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجّما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات، وبه قال الشعبي. قال ابن حجر والأول هو الصحيح المعتمد. قال وحكى الماوردي قولا رابعا أنّه نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة وأنّ الحفظة نجّمته على جبرئيل في عشرين ليلة وأنّ جبرئيل نجّمه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عشرين سنة، والمعتمد أنّ جبرئيل كان يعارضه في رمضان بما ينزل به عليه في طول السنة. قال أبو شامة:
نزوله جملة إلى سماء الدنيا قبل ظهور نبوّته ويحتمل أن يكون بعدها، قيل الظاهر هو الثاني. قيل السرّ في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا تفخيم أمره وأمر من نزل عليه وذلك بإعلام سكان السموات السبع أنّ هذا آخر الكتب المنزّلة على خاتم الرسل أشرف الأمم قد قرّبناه إليهم لننزّله عليهم، ولولا أنّ الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجّما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزّلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين إنزاله جملة ثم إنزاله مفرّقا تشريفا للمنزّل عليه. وقيل إنزاله منجّما لأنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كلّ حادثة كان أقوى للقلب وأشدّ عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه فيحدث له من السرور ما يقصر عنه العبارة. والثانية في كيفية الإنزال والوحي.
قال الأصفهاني اتفق أهل السّنة والجماعة على أنّ كلام الله منزّل واختلفوا في معنى الإنزال.
فمنهم من قال إظهار القراءة، ومنهم من قال إنّ الله تعالى ألهم كلامه جبرئيل وهو في السماء وهو عال من المكان وعلّمه قراءته ثم جبرئيل أدّاه إلى الأرض وهو يهبط في المكان. وفي التنزيل طريقان أحدهما أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم انخلع من الصورة البشرية إلى الصورة الملكية وأخذه من جبرئيل، ثانيهما أنّ الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول منه، والأوّل أصعب الحالين. وقال القطب الرازي إنزال الكلام ليس مستعملا في المعنى اللغوي الحقيقي وهو تحريك الشيء من العلو إلى السفل بل هو مجاز. فمن قال بقدمه فإنزاله أن يوجد الكلمات والحروف الدّالّة على ذلك المعنى ويثبتها في اللوح المحفوظ، ومن قال بحدوثه وأنّه هو الألفاظ فإنزاله مجرّد إثباته في اللوح المحفوظ. ويمكن أن يكون المراد بإنزاله إثباته في سماء الدنيا بعد الإثبات في اللوح المحفوظ والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقّفها الملك من الله تلقّفا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم.

وقال غيره فيه ثلاثة أقوال: الأول أنّ المنزّل هو اللفظ والمعنى وأنّ جبرئيل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به، وذكر بعضهم أنّ أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كلّ حرف منها بقدر جبل قاف، وأنّ تحت كلّ حرف منها معان لا يحيط بها إلّا الله. الثاني أنّ جبرئيل عليه السلام إنّما نزل بالمعاني خاصة وأنّه صلى الله عليه وآله وسلم علم تلك المعاني وعبّر عنها بلغة العرب لقوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ، الثالث أنّ جبرئيل ألقى عليه المعنى وأنّه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأنّ أهل السماء يقرءونه بالعربية ثم أنّه نزل به كذلك بعد ذلك. وقال الجويني كلام الله المنزّل قسمان. قسم قال الله تعالى لجبرئيل قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إنّ الله يقول افعل كذا وكذا وأمر بكذا وكذا، ففهم جبرئيل ما قاله ربّه ثم نزل على ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال له ما قاله ربّه، ولم تكن العبارة تلك العبارة كما يقول الملك لمن يثق به قل لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمة واجمع الجند للقتال، فإن قال الرسول يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي واجمع الجند وحثّهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر قال الله تعالى لجبرئيل اقرأه على النبي هذا الكتاب فنزل جبرئيل بكلمة الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلّمه إلى أمين ويقول اقرأه على فلان فهو لا يغيّر منه كلمة ولا حرفا. قيل القرآن هو القسم الثاني والقسم الأول هو السّنّة. كما ورد أنّ جبرئيل كان ينزل بالسّنّة كما ينزل بالقرآن. ومن هاهنا جاز رواية السّنّة بالمعنى لأنّ جبرئيل أدّاه بالمعنى ولم تجز القراءة بالمعنى لأنّ جبرئيل أدّاه باللفظ. والسّرّ في ذلك أنّ المقصود منه التعبّد بلفظه والإعجاز به وأنّ تحت كلّ حرف منه معان لا يحاط بها كثرة فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزّل إليهم على قسمين: قسم يروونه بلفظ الموحى به وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كلّه مما يروى باللفظ لشقّ أو بالمعنى لم يؤمن من التبديل والتحريف. الثالثة للوحي كيفيات. الأولى أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس كما في الصحيح وفي مسند احمد (عن عبد الله بن عمر سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل تحسّ بالوحي؟ فقال أسمع صلاصل ثم اسكت عند ذلك. فما من مرّة يوحى إليّ إلّا ظننت أنّ نفسي تقبض). قال الخطابي المراد أنّه صوت متداول يسمعه ولا يتبينه أوّل ما يسمعه حتى يفهمه بعد. وقيل هو صوت خفق أجنحة الملك، والحكمة في تقدّمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقي فيه مكانا لغيره. وفي الصحيح أنّ هذه الحالة أشدّ حالات الوحي عليه. وقيل إنّه إنّما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد. الثانية أن ينفث في روعه الكلام نفثا كما قال صلى الله عليه وآله وسلم (إنّ روح القدس نفث في روعي) أخرجه الحاكم، وهذا قد يرجع إلى الحالة الأولى أو التي بعدها بأن يأتيه في إحدى الكيفيتين وينفث في روعه. الثالثة أن يأتيه في صورة رجل فيكلّمه كما في الصحيح (وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول) زاد أبو عوانة في صحيحة وهو أهونه عليّ. الرابعة أن يأتيه في النوم وعدّ من هذا قوم سورة الكوثر. الخامسة أن يكلّمه الله تعالى إمّا في اليقظة كما في ليلة الإسراء أو في النوم كما في حديث معاذ (أتاني ربّي فقال فيم يختصم الملأ الأعلى) الحديث انتهى ما في الإتقان.
وقال الصوفية القرآن عبارة عن الذات التي يضمحلّ فيها جميع الصفات فهي المجلى المسمّى بالأحدية أنزلها الحقّ تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون مشهد الأحدية من الأكوان. ومعنى هذا الإنزال أنّ الحقيقة الأحدية المتعالية في ذراها ظهرت بكمالها في جسده، فنزلت عن أوجها مع استحالة العروج والنزول عليها، لكنه صلى الله عليه وآله وسلم لما تحقّق بجسده جميع الحقائق الإلهية وكان مجلى الاسم الواحد بجسده، كما أنّه بهويته مجلى الأحدية وبذاته عين الذات، فلذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنزل عليّ القرآن جملة واحدة) يعبّر عن تحقّقه بجميع ذلك تحقّقا ذاتيا كليا جسميا، وهذا هو المشار إليه بالقرآن الكريم لأنه أعطاه الجملة، وهذا هو الكرم التّام لأنّه ما ادّخر عنه شيئا بل أفاض عليه الكلّ كرما إلهيا ذاتيا. وأمّا القرآن الحكيم فهو تنزّل الحقائق الإلهية بعروج العبد إلى التحقّق بها في الذات شيئا فشيئا على مقتضى الحكمة الإلهية التي يترتّب الذات عليها فلا سبيل إلى غير ذلك، لأنّه لا يجوز من حيث الإمكان أن يتحقّق أحد بجميع الحقائق الإلهية بجهده من أوّل إيجاده، لكن من كانت فطرته مجبولة على الألوهة فإنّه يترقّى فيها ويتحقّق منها بما ينكشف له من ذلك شيئا بعد شيء مرتبا ترتيبا إلهيا. وقد أشار الحقّ إلى ذلك بقوله:
وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا، وهذا الحكم لا ينقطع ولا ينقضي، بل لا يزال العبد في ترقّ، وهكذا لا يزال الحقّ في تجلّ، إذ لا سبيل إلى استيفاء ما لا يتناهى لأنّ الحقّ في نفسه لا يتناهى. فإن قلت ما فائدة قوله: أنزل عليّ القرآن جملة واحدة؟ قلنا ذلك من وجهين: الوجه الواحد من حيث الحكم لأنّ العبد الكامل إذا تجلّى الحقّ له بذاته حكم بما شهده أنّه جملة الذات التي لا تتناهى وقد تنزّلت فيه من غير مفارقة لمحلها الذي هو المكانة. والوجه الثاني من حيث استيفاء بقيات البشرية واضمحلال الرسوم الخلقية بكمالها لظهور الحقائق الإلهية بآثارها في كلّ عضو من أعضاء الجسد. فالجملة متعلّقة بقوله على هذا الوجه الثاني، ومعناها ذهاب جملة النقائص الخلقية بالتحقّق بالحقائق الإلهية.
وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (أنزل القرآن دفعة واحدة إلى سماء الدنيا) ثم أنزله الحقّ عليه آيات مقطّعة بعد ذلك، هذا معنى الحديث. فإنزال القرآن دفعة واحدة إلى سماء الدنيا إشارة إلى التحقّق الذاتي، ونزول الآيات مقطّعة إشارة إلى ظهور آثار الأسماء والصفات مع ترقّي العبد في التحقّق بالذات شيئا فشيئا. وقوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، فالقرآن العظيم هاهنا عبارة عن الجملة الذاتية لا باعتبار النزول ولا باعتبار المكانة بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي مطلق الهوية الجامعة لجميع المراتب والصفات والشئون والاعتبارات المعبّر عنها بساذج الذات مع جملة الكمالات.
ولذا قورن بلفظ العظيم لهذه العظمة، والسبع المثاني عبارة عمّا ظهر عليه في وجوده الجسدي من التحقّق بالسبع الصفات. وقوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ إشارة إلى أنّ العبد إذا تجلّى عليه الرحمن يجد في نفسه لذة رحمانية تكسبه تلك اللذة معرفة الذات فتتحقّق بحقائق الصفات، فما علّمه القرآن إلّا الرحمن وإلّا فلا سبيل إلى الوصول إلى الذات بدون تجلّي الرحمن الذي هو عبارة عن جملة الأسماء والصفات، إذ الحقّ تعالى لا يعلم إلّا من طريق أسمائه وصفاته فافهم، ولا يعقله إلّا العالمون، كذا في الانسان الكامل.
القرآن: عند أهل الفقه: اللفظ المنزل على محمد للإعجاز بسورة منه، المكتوب في المصاحف المنقول عنه نقلا متواترا.القرآن عند أهل الحق: العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها.
القرآن
هو العلم الخاص بهذا الكتاب الذى نزل على محمد، لم يشركه غيره من كتب الله في هذا الاسم، وقد اختار الكتاب العزيز له من الصفات ما يوضّح رسالته، والهدف الذى نزل من أجله، فهو هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (البقرة 97). هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ (البقرة 185). هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران 138).
هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ (فصلت 44). يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (الأحقاف 30). أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (الكهف 1، 2). فرسالة القرآن الأساسية هداية الناس إلى الحق وطريق الصواب، وتبشير المهتدى وإنذار الضال، إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (الإسراء 9، 10).
وإذا كان الكتاب قد أنزل للهداية صحّ وصفه بأنه شفاء، أليس هو بلسما يبرئ أدواء القلوب، ودواء لعلل النفوس، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (الإسراء 82). وصح وصفه بأنه كالمصباح، يخرج الناس من الظلمات إلى النور، كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (إبراهيم 1). وبأنه لم يدع سبيلا للإرشاد إلا بيّنه، وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ (النمل 89). ولما كان كتاب هداية كان واضحا في دلالته، بيّنا في إرشاده، هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (العنكبوت 49). وكان خير ذكرى، يلجأ إليه المسترشد فيرشد، والضال فيجد عنده التوفيق والهداية، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (الأنعام 90). وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (الزخرف 44). وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا (الإسراء 41). وهو ذكر مبارك، ناضج الثمر، جليل الأثر، وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ (الأنعام 92). وهو حق لا مرية فيه لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (فصلت 42). وهو قول فصل وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (الطارق 14). وكتاب حكيم، وذكر مبين، قد أحكمت آياته، ثم فصلت.
أليس كتاب هذا شأنه وتلك صفاته جديرا بالاتّباع، خليقا بالاسترشاد والاقتداء، أو ليس في تلك الصفات ما يحرك النفس إلى الاستماع إليه، وتدبر آياته، والإنصات إلى عظاته، ولا سيما أنه كثيرا ما يقترن بذكر الحكمة، وفي الحكمة ما يغرى بحبها واتباعها، إذ يقول: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُــونَ (البقرة 151).
وردد القرآن كثيرا أنه نزل من الله بالحق، وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (الإسراء 105). ويؤكد ذلك في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (الإنسان 23). وينفى أن يكون وحى شيطان، أو أن يستطيع الشياطين الإيحاء بمثله، وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (الشعراء 192 - 194).
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (الشعراء 210، 211). ويؤكد في صراحة أن الإنس والجن مجتمعين لا يستطيعون الإتيان بمثل القرآن، ولو ظاهر بعضهم بعضا، وإذا كان المجيء به مما ليس في طوق مخلوق فمن غير المعقول أن يفترى من دون الله، وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (يونس 37). ولما ادعى المعارضون أن محمدا تقوّله أو افتراه تحداهم القرآن أن يأتوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (الطور 34). ثم تحداهم أن ائتوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (هود 13). ثم نزل إلى سورة مثله، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (القصص 50). ويتحدث القرآن في صراحة عما كان يمكن أن ينتظر محمدا من الجزاء الصارم لو أنه افترى أو تقوّل، فقال: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (الحاقة 44 - 47). أرأيت كيف يصوّر القرآن، كيف يلتزم محمد ما أوحى إليه، من غير أن يستطيع تعدى الحدود التى رسمت له، فى جلاء ووضوح، لأنه ليس سوى رسول عليه بلاغ ما عهد إليه أن يبلغه فى أمانة وصدق.
كما ردد كثيرا أنه بلسان عربىّ مبين، إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يوسف 2).
وفي ترديد هذه الفكرة ودفع العجمة عن القرآن، ما يدفع العرب إلى التفكير في أمره وأن كونه بلسانهم ثمّ عجزهم عن المجيء بمثله، مع تحديهم صباح مساء، دليل على أنه ليس من عند محمد، ولا قدرة لمحمد على الإتيان بقرآن مثله، وهو بهذا الوصف يقرر عجزهم الدائم، وأنه لا وجه لهم في الانحراف عن جادة الطريق، وما يدعو إليه العقل السليم، والتفكير المستقيم.
وقرّر أنه كتاب متشابه مثان، ومعنى تشابهه أن بعضه يشبه بعضا في قوة نسجه، وعمق تأثيره، وإحكام بلاغته، فكل جزء مؤثر بألفاظه وأفكاره وأخيلته وتصويره، ومعنى أنه مثان أن ما فيه من معان يثنى في مواضع مختلفة، ومناسبات عديدة، فيكون لهذا التكرير أثره في الهداية والإرشاد، وهو بهذا التكرير يؤدى رسالته التى جاء من أجلها، ولذا كان بتشابهه وتكرير ما جاء به من عظات، مؤثرا أكبر الأثر في القلوب، حتى لتقشعرّ منه جلود أولئك الذين يتدبرونه، وتنفعل له قلوبهم، ثم لا يلبثون أن تطمئن أفئدتهم إلى هداه، وتهدأ نفوسهم إلى ذكر الله، اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (الزمر 23). ويعرف القرآن ما له من تأثير قوى بالغ حتى لتتأثر به صم الحجارة إذا أدركت معناه، لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (الحشر 21).
ومع طول القرآن وتعدد مناحيه لا عوج فيه، ولا اضطراب في أفكاره ولا أخيلته، أو لا ترى أن أمّيا لا يستطيع تأليف كتاب على هذا القدر من الطول من غير أن يقع فيه الخلل والاختلاف والاضطراب، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (النساء 82).
ومما أكده القرآن أنه مصدّق لما نزل قبله من التوراة والإنجيل، وإلى جانب ذلك، سجل القرآن ما قابله به أهل الكتاب والمشركون، من كفر به وإنكار له، أما بعض أهل الكتاب فقد مضوا يكابرون، منكرين أن يكون الله قد أنزل كتابا على إنسان، وما كان أسهل دحض هذه الفرية بما بين أيديهم من كتاب موسى، يبدون بعضه ويخفون الكثير منه، قال سبحانه: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُــوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (الأنعام 91). ولم يزد الكثير من أهل الكتاب نزول القرآن إلا تماديا فى الكفر وشدة في الطغيان، قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ
وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
(المائدة 68). وقالوا إن محمّدا يــتعلم القرآن من إنسان عليم بأخبار الماضين، وكان من السهل أيضا إبطال تلك الدعوى، فإن هذا الذى زعموه يعلمه ذو لسان أعجمى، وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (النحل 103). ثم زعموا أنه إفك اختلقه، وأعانه على إتمامه سواه ممن يعرفون أساطير الأولين ويتقنونها، وهنا يرد القرآن في هدوء بأن هذه الأسرار التى في القرآن، والتى ما كان يعلمها محمد ولا قومه، إنما أنزلها الذى يعلم أسرار السموات والأرض، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (الفرقان 4 - 6). ونزلوا في المكابرة إلى أعمق درك، فزعموا مرة أن ليس ما في القرآن من أخبار سوى أضغاث أحلام، وحينا زعموا أنه قول شاعر، وأن القرآن لا يصلح أن يكون آية قاطعة كآيات الرسل السابقين، بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (الأنبياء 5). ولم يتحمل القرآن الرد على دعوى أضغاث الأحلام لتفاهتها، ووضوح بطلانها، ولكنه نفى أن يكون القرآن شعرا بوضوح الفرق بين القرآن والشعر، الذى لا يليق أن يصدر من محمد، وجعلوا القرآن سحرا من محمد، لا صلة لله به، وهنا يبين القرآن مدى مكابرتهم، فيقول: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (الأنعام 7).
ومضى بعض الناس يذيع الأحاديث الباطلة ليضل عن سبيل الله، ويصم أذنيه عن سماع القرآن مستكبرا مستهزئا به، والقرآن يغضب لموقف هؤلاء شديد الغضب، وينذرهم كما استهزءوا، بعذاب يهينهم ويؤلمهم، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (لقمان 6، 7).
ومن عجب أن كثيرا من الكافرين كان لا يرضى عما في القرآن من أفكار التوحيد والعبادة، فكان يطلب من الرسول أن يأتى بقرآن غير هذا القرآن، فكان رد الرسول صريحا في أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا من تلقاء نفسه، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (يونس 15).
ومما اعترضوا به على القرآن أنه نزل منجّما، واقترحوا أن ينزل دفعة واحدة، ولكن القرآن ردّ على هذا الاقتراح، بأن نزوله على تلك الطريقة، فيه تثبيت لفؤاد الرسول، ليكون دائم الاتصال بربه، أو ليس في نزوله كذلك تثبيت لأفئدة المؤمنين أيضا إذ ينقلهم القرآن بتعاليمه مرحلة مرحلة إلى الدين الجديد، ويروى القرآن هذا الاعتراض، ويرد عليه في قوله سبحانه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (الفرقان 32، 33).
ولقد تعبوا في صدّ تيار القرآن الجارف، ووقف أثره في النفوس فما استطاعوا ثم هداهم خيالهم الضّيق إلى طريقة يحولون بها بين القرآن وسامعيه تلك هى الصّخب عند سماع القرآن واللغو فيه، ولما كان في ذلك استقبال لا يليق بالقرآن قابله الله بتهديد عنيف، وإيعاد شديد، إذ يقول: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (فصلت 26 - 28). وذلك أقوى دليل على الإخفاق، وأنه لا حجة عندهم يستطيعون أن يهدموا بها حجة القرآن.
وحرّك القرآن فيهم غريزة الخوف إن كذبوا به، فسألهم ماذا تكون النتيجة إذا ثبت حقّا أنه من عند الله، وظلوا كافرين به، أيكون ثمّ من هو أضل منهم أو أظلم، يثير تلك الغريزة في قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (فصلت 52). ويقف منهم موقف من بين الخير والشر، ثم تركهم لأنفسهم يفكرون، ألا يثير فيهم ذلك كثيرا من الخوف من أن ينالهم سوء إعراضهم بأوخم العواقب، إذ يقول: إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (الزمر 41). أما سورة الفرقان فيراد به هنا القرآن، كما أنه في مواضع أخرى يطلق على كتب الله، لأنها تفرق بين الحق والباطل، والصواب والخطأ.
ولعل بدء هذه السورة بقوله سبحانه: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (الفرقان 1). فيه دلالة على أنها تحوى إنذارا ووعيدا وتهديدا، وحقا لقد اتسمت هذه السورة بالرد المنذر على كثير من دعاوى المنكرين لأحقية القرآن ورسالة محمد ووحدانية الله، وقد بدأها بالحديث عن منزل القرآن، وتفرده بالملك وتعجبه من أن اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (الفرقان 3). وبدأ بعد ذلك يعدد مفترياتهم على القرآن وتشكيكهم في رسالة محمد، ثم يتعمّق في السبب الذى دفعهم إلى إنكار القرآن ونبوة محمد، فيراه التكذيب باليوم الآخر، وكأنما غضبت جهنم لهذا التكذيب، حتى إنها إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (الفرقان 12).
ويمضى في تصوير ما ينتظرهم في ذلك اليوم من مصير مؤلم موازنا بين ذلك، وبين جنة الخلد التى وعد المتقون، ثم يعود إلى أكاذيبهم، فيردّ على بعضها، ويبسط
بعضها الآخر، واضعا إلى جانب هذه الأكاذيب ما ينتظرها من عقوبة يوم الدين، وهنا يلجأ إلى التصوير المؤثر، يرسم به موقفهم في ذلك اليوم، علّه يردهم بذلك إلى الصواب، إذا ذكروا سوء المغبة؛ وتأمل قوة تصوير من ظلم نفسه بهجر القرآن وتكذيبه، فى قوله: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان 27 - 30). ويعود مرة إلى شبهة من شبهاتهم في القرآن فيدحضها وينذرهم بشر مكان في جهنم، ويعدد لهم عواقب من كذب الرسل من قبلهم. ثم يأتى إلى إثم آخر من آثامهم باستهزائهم بالرسول الذى كاد يصرفهم عن آلهتهم، لولا أن صبروا عليها، وهنا يناقشهم في اتخاذ هذه الآلهة التى لا يصلح اتخاذها إلها إذا وزنت بالله الذى يعدد من صفاته ما يبين بوضوح وجلاء أنهم يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ (الفرقان 55). ويطيل القرآن في تعداد صفات الله وبيان مظاهر قدرته. وإذا كانت السورة قد مضت تنذر المنكرين وتعدّد آثامهم، فإنها قد أخذت تذكر كذلك صفات المؤمنين الصادقين، ليكونوا إلى جانبهم مثالا واضحا للفرق بين الصالح والطّالح، ولتكون الموازنة بينهما مدعاة إلى تثبيت النموذجين في النفس، وختمت السورة بالإنذار بأن العذاب نازل بهم لا محالة، ما داموا قد كذبوا، فكانت السورة كلّها من المبدأ إلى المنتهى تتجه إلى الوعيد، ما دامت تناقش المنكرين في مفتريات تتعلق بالقرآن ومن نزل عليه القرآن، وقد رأينا كيف كان يقرن كل افتراء بما أعدّ له من العذاب.

علم الطب

Entries on علم الطب in 1 Arabic dictionary by the author Ṣiddīq Ḥasan Khān, Abjad al-ʿUlūm
علم الطب
هو: علم يبحث فيه عن بدن الإنسان من جهة ما يصح ويمرض لحفظ الصحة وإزالة المرض
قال جالينوس: الطب حفظ الصحة وإزالة العلة. وموضعه: بدن الإنسان من حيث الصحة والمرض.
ومنفعته: لا تخفى وكفى بهذا العلم شرفا وفخرا أقوال الإمام الشافعي: العلم علمان: علم الطب للأبدان وعلم الفقه للأديان.
ويروى عن علي كرم الله وجهه: العلوم خمسة:
الفقه للأديان والطب للأبدان والهندسة للبنيان والنحو للسان والنجوم للزمان ذكره في مدينة العلوم.
قال في كشاف اصطلاحات الفنون: وموضوع الطب: بدن الإنسان وما يشتمل عليه من الأركان والأمزجة والأخلاط والأعضاء والقوى والأرواح والأفعال وأحواله من الصحة والمرض وأسبابهما من المآكل والمشرب والأهوية المحيطة بالأبدان والحركات والسكنات والاستفراغات والاحتقانات والصناعات والعادات والواردات الغريبة والعلامات الدالة على أحواله من ضرر أفعاله وحالات بدنه وما يبرز منه والتدبير بالمطاعم والمشارب واختيار الهواء وتقدير الحركة والسكون والأدوية البسيطة والمركبة وأعمال اليد لغرض حفظ الصحة وعلاج الأمراض بحسب الإمكان انتهى.
قال: وعلم الطب من فروع الطبعي وهو: علم بقوانين تتعرف منها أحوال أبدان الإنسان من جهة الصحة وعدمها لتحفظ حاصلة وتحصل غير حاصلة ما أمكن وفوائد القيود ظاهرة وهذا أولى ممن قال من جهة ما يصح ويزول عنه الصحة فإنه يرد عليه: إن الجنين غير الصحيح من أول الفطرة لا يصح عليه أنه زال عن الصحة أو صحته زائلة كذا في السديدي شرح الموجز فالمراد هنا بالعلم: التصديق بالمسائل ويمكن أن يراد به الملكة أي: ملكة حاصلة بقوانين ... الخ.
وفي شرح القانوجه هو: علم بأحوال بدن الإنسان وما يتركب منه من حيث الصحة والمرض انتهى.
اعلم: أن تحقيق أول حدوث الطب عسير لبعد العهد واختلاف آراء القدماء فيه وعدم المرجح فقوم يقولون بقدمه والذين يقولون بحدوث الأجسام يقولون بحدوثه أيضا وهم فريقان:
الأول: يقول أنه خلق مع الإنسان.
والثاني: وهم الأكثر يقول: إنه مستخرج بعده إما بإلهام من الله - سبحانه وتعالى - كما هو مذهب بقراط وجالينوس وجميع أصحاب القياس وإما بتجربة من الناس كما ذهب إليه أصحاب التجربة والحيل وثاسلس المغالط وفنين وهم مختلفون في الموضع الذي به استخرج وبماذا استخرج.
فبعضهم يقول: إن أهل مصر استخرجوه ويصححون ذلك من الدواء المسمى بالرأس.
وبعضهم يقول: إن هرمس استخرجه مع سائر الصنائع.
وبعضهم يقول: أهل تونس.
وقيل: أهل سوريا وأفروجيا وهم أول من استخرج الزمر أيضا وكانوا يشفون بالألحان والإيقاعات آلام النفس.
وقيل: أهل قو وهي الجزيرة التي كان بها بقراط وآباؤه وذكر كثير من القدماء: أنه ظهر في ثلاث جزائر إحداها: رودس والثانية: تسمى: قندس والثالثة: قو.
وقيل: استخرجه الكلدانيون. وقيل: استخرجه السحرة من اليمن.
وقيل: من بابل.
وقيل: فارس.
وقيل: استخرجه الهند.
وقيل: الصقالبة.
وقيل: أقريطش.
وقيل: أهل طور سينا.
والذين قالوا بإلهام يقول بعضهم: هو إلهام بالرؤيا واحتجوا بأن جماعة رأوا في الأحلام أدوية استعملوها في اليقظة فشفتهم من أمراض صعبة وشفت كل من استعملها.
وبعضهم يقول: بإلهام من الله - سبحانه وتعالى – بالتجربة.
وقيل: إن الله - سبحانه وتعالى - خلق الطب لأنه لا يمكن أن يستخرجه عقل إنسان وهو رأي جالينوس فإنه قال كما نقله عنه صاحب عيون الأنباء.
وأما نحن فالأصوب عندنا أن نقول: إن الله - سبحانه وتعالى - خلق صناعة الطب وألهمها الناس وهو أجل من أن يدرجه العقل لأنا نجد الطب أحسن من الفلسفة التي يرون أن استخراجها كان من عند الله - سبحانه وتعالى - بإلهام منه للناس فوجود الطب بوحي وإلهام من الله - سبحانه وتعالى - قال ابن أبي صاد في آخر شرحه لمسائل حنين: وجدت الناس في قديم الزمان لم يكونوا يقنعون من هذا العلم دون أن يحيطوا علما بجل أجزائه وبقوانين طرق القياس والبرهان التي لا غنى لشيء من العلوم عنها ثم لما تراجعت الهمم عن ذلك أجمعوا على أنه لا غنى لمن يزاول هذا العلم من أحكام ستة عشر كتابا لجالينوس كان أهل الإسكندرية لخصوها لنقبائها المــتعلمــين ولما قصرت الهمم بالمتأخرين عن ذلك أيضا وظف أهل المعرفة على من يقنع من الطب بأن يتعاطاه دون أن يتمهر فيه أن يحكم ثلاث كتب من أصوله.
أحدها: مسائل حنين.
والثاني: كتاب الفصول لبقراط.
والثالث: أحد الكناشتين الجامعتين للعلاج وكان خيرها كناش ابن سرافيون.
وأول من شاع عنه الطب إسقلنينوس عاش تسعين سنة منها وهو صبي وقبل أن تصح له القوة الإلهية خمسون سنة وعالما معلما أربعون سنة وخلف ابنين ماهرين في الطب وعهد إليهما أن لا يعلما الطب إلا لأولادهما وأهل بيته وعهد إلى من يأتي بعده كذلك وقال ثابت: كان في جميع المعمور لإسقلنينوس اثنا عشر ألف تلميذ وإنه كان يعلم مشافهة وكان آل إسقلنينوس يتوارثون صناعة الطب إلى أن تضعضع الأمر في الصناعة على بقراط ورأى أن أهل بيته وشيعته قد قلوا ولم يأمن أن تنقرض الصناعة فابتدأ في تأليف الكتب على جهة الإيجاز.
قال علي بن رضوان: كانت صناعة الطب قبل بقراط كنزا وذخيرة يكنزها الآباء ويدخرونها للأبناء وكانت في أهل بيت واحد منسوب إلى إسقلنينوس وهذا الاسم اسم لملك بعثه الله سبحانه وتعالى يعلم الناس الطب أو اسم قوة الله تعالى علمت الناس الطب وكيف كان فهو أول من علم صناعة الطب ونسب المعلم الأول إليه على عادة القدماء في تسمية المعلم أبا للمــتعلم وتناسل من المعلم الأول أهل هذا البيت المنسوبون إلى إسقلنينوس وكان ملوك اليونان والعظماء منهم ولم يكونوا غيرهم من تعلم الطب وكان تعليمهم إلى أبنائهم. فيفسر ذلك اللغز للابن وكان الطب في الملوك والزهاد فقط يقصدون به الإحسان إلى الناس من غير أجرة ولم يزل ذلك إلى أن نشأ بقراط من أهل قو ودمقراط من أهل إيديرا وكانا متعاصرين أما دمقراط فتزهد وأما بقراط فعمد إلى أن دونه بإغماض في الكتب خوفا على ضياعه وكان له ولدان: ثاسالوس ودراقر وتلميذ وهو: قولونس فعلمهم ووضع عهدا وناموسا ووصية عرف منها جميع ما يحتاج إليه الطبيب في نفسه.
وعبارة مدينة العلوم: إن أول من دون علم الطب بقراط ثم ظهر من بعده جالينوس من مدينة فرغاموس من أرض اليونانيين ولا أعلم بعد أرسطاطاليس أعلم بالطبعي من هذين بقراط وجالينوس وظهر جالينوس بعد ستمائة وخمس وستين سنة من وفاة بقراط وبينه وبين المسيح سبع وخمسون سنة المسيح أقدم منه.
واعلم: أن من وفاة جالينوس إلى هذا التاريخ - وهو ثمان وأربعون وتسعمائة سنة من هجرة نبينا صلى الله عليه وسلم -: ألف وأربعمائة وستة وسبعون سنة تقريباً.
ومن مشاهير العلماء في الطب: محمد بن زكريا أبو بكر الرازي ألف كتبا كثيرة في الطب.
ومن الكتب المختصرة النافعة غاية النفع المباركة للطلاب كتاب الموجز لابن النفيس المصري ومن المبسوطة: القانون لابن سينا وعليه شرح لابن النفيس وللعلامة الشيرازي انتهى.
حاصله
قلت: يحتاج القانون إلى إصلاح عبارة وتلخيص وتهذيب فقد أطال فيه وجاء بعبارات سخيفة بشعة كما لا يخفى على الماهر فيه. ومن الكتب الجديدة التأليف: كتاب الحكيم أحمد بن حسن أفندي الرشيدي المطبوع بمصر القاهرة سماه بعمدة المحتاج في علمي الأدوية والعلاج ألفه باسم إسماعيل باشا مصر وهو في أجزاء جمعه من المؤلفات العربية والإفرنجية وله كتاب بهجة الرؤساء في علاج أمراض النساء طبع بمصر القاهرة في سنة 1260، ألفه باسم محمد علي باشا وأفاد وأجاد. وله كتاب نزهة الإقبال في مداواة الأطفال وهو مجلد كبير طبع بمصر في سنة 1261 الهجرية باسم محمد علي باشا أيضاً.
ومن الكتب الجديدة كتاب المنحة في سياسة حفظ الصحة للحكيم الأجل محمد الهراوي طبع بمصر في سنة 1249، ترجمة من الفرنساوي إلى العربي وهو مجلد متوسط.
والكتب المؤلفة في هذا العلم كثيرة جدا ذكرها ملا كاتب الجلبي في كشف الظنون على ترتيب حروف الأعجام وأما الذي في مقدمة ابن خلدون فنصه هكذا: ومن فروع الطبيعيات: صناعة الطب وهي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصح فيحاول صاحبها حفظ الصحة وبرء المرض بالأدوية والأغذية بعد أن يتبين المرض الذي يخص كل عضو من أعضاء البدن وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها وما لكل مرض من الأدوية مستدلين على ذلك بأمزجة الأدوية وقواها على المرض بالعلامات المؤذنة بنضجه وقبوله الدواء أولا: في السجية والفضلات والنبض محاذين لذلك قوة الطبيعة فإنها المدبرة في حالتي الصحة والمرض وإنما الطبيب يحاذيها ويعينها بعض الشيء بحسب ما تقتضيه طبيعة المادة والفصل والسن ويسمى العلم الجامع لهذا كله: علم الطب. وربما أفردوا بعض الأعضاء بالكلام وجعلوه علما خاصا كالعين وعللها وأكحالها.
وكذلك ألحقوا بالفن من منافع الأعضاء ومعناها المنفعة التي لأجلها خلق كل عضو من أعضاء البدن الحيواني وإن لم يكن ذلك من موضوع علم الطب إلا أنهم جعلوه من لواحقه وتوابعه.
وإمام هذه الصناعة التي ترجمت كتبه فيها من الأقدمين: جالينوس يقال: إنه كان معاصرا لعيسى - عليه السلام - ويقال: إنه مات بصقلية في سبيل تغلب ومطاوعة اغتراب وتأليفه فيها هي الأمهات التي اقتدى بها جميع الأطباء بعده.
وكان في الإسلام في هذه الصناعة أئمة جاؤوا من وراء الغاية مثل: الرازي والمجوسي وابن سينا.
ومن أهل الأندلس أيضا كثير وأشهرهم: ابن زهر وهي لهذا العهد في المدن الإسلامية كأنها نقصت لوقوف العمران وتناقصه وهي من الصنائع التي لا تستدعيها إلا الحضارة والترف.
قف: وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص متوارثا عن مشائخ الحي وعجائزه وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج وكان عند العرب من هذا الطب كثير وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره.
والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء وإنما هو أمر كان عاديا للعرب ووقع في ذكر أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما بعث ليعلمنا الشرائع ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه مشروع فليس هناك ما يدل عليه اللهم1 إلا إذا اســتعلم على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني فيكون له أثر عظيم في النفع وليس ذلك في الطب المزاجي وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع في مداواة المبطون بالعسل والله الهادي إلى الصواب لا رب سواه. علم الطب الشرعي
قال في المنحة في سياسة حفظ الصحة: هو المعارف الطبية والطبيعية المستعملتان في الأحكام الواقعة بين الناس في المحاكم فمن ذلك يعلم أن تسميته بالطب الشرعي اصطلاح إفرنجي وحقه أن يسمى بالطب المحكمي ولذا سميناه بذلك في جميع ما يأتي.
وهو فن به يهتدي أرباب المحاكم لما يناط بها من القضايا فيعرف كل من تصدر عنه حكومة كيف تكوين الحكومات والتراتيب القانوينة التي غايتها استراحة شعبه واطمئنانه وبه يهتدي القضاة لإدراك الأشياء التي تفعل على خلاف الشرع ولمعرفة الجاني وخلاص البريء المتهم ظلما بل ولمعرفة أحكام المشاجرات المدنية الواقعة في غير الجنايات أيضا وكل من القاضي ومن تصدر عنه الحكومة من حيث أنه غير عارف للأشياء التي تكون المعارف الطبية واسطة للاهتداء إليها محتاج للالتجاء للطبيب المحكمي ليهتدي به في فعل ما هو نافع للشعب حتى لا يحكم على إنسان بأنه مذنب بغير حق.
وعلى الطبيب الذي يدعوه الحاكم لواقعة حكمية أن يحرر تقريرا بما يراه ليكون أساسا للحاكم يحكم بموجبه ومما تقدم من تفسير الطب المحكمي وما يتفرع عليه يعلم أن منفعته ليست قاصرة على تحرير التقارير التي يكتبها الطبيب بما يظهر له حين الكشف عن شيء ليتنور بذلك الحاكم فقط بل أعظم منافع هذا العلم أنه يلزم الناس باستعمال الرئيس من المعارف الطبية وما يتبعها في تكوين أحكام المشاجرات الواقعة أمام الحكام ومسائلها وسواء في الجنايات وغيرها.
وفوائد الطب المحكمي لا حصر لها إذ لا توجد حركة من حركات الإنسان في مدة معيشته مع الناس بدون أن يستدعي ذلك الطب الموجود في جميع الأماكن في كل الأزمان فهو أول الفنون الحكمية وأفضلها لأن غاية استراحة الناس واطمئنانهم وأساس المعارف الطبية المستعملة في الطب المحكمي استخراج ما هو أكثر تعلقا بالقضايا المحكمية من تلك المعارف أو ترتيبه وجعله طريقا ومذهبا يتبع ونظن أنه لا يوجد شيء تستفاد منه قواعد كلية بما يستعمل في المحاكم من المعارف الطبية أقرب من التفتيش في الفنون المحتوية على تلك المعارف.

الاشتقاق

Entries on الاشتقاق in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm and Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf
الاشتقاق: نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتها معنى وتركيبا ومغايرتهما صيغة.
الاشتقاق:
[في الانكليزية] Derivation
[ في الفرنسية] Derivation
عند أهل العربية يحدّ تارة باعتبار العلم، كما قال الميداني: هو أن تجد بين اللفظين تناسبا في أصل المعنى والتركيب، فتردّ أحدهما إلى الآخر؛ فالمردود مشتق والمردود إليه مشتق منه. وتارة باعتبار العمل كما يقال: هو أن تأخذ من اللفظ ما يناسبه في التركيب فتجعله دالا على معنى يناسب معناه؛ فالمأخوذ مشتق والمأخوذ منه مشتق منه، كذا في التلويح في التقسيم الأول. مثلا الضارب يناسب الضرب في الحروف والمعنى، وقد أخذ منه بناء على أن الواضع لما وجد في المعاني ما هو أصل تتفرع منه معان كثيرة بانضمام زيادات إليه عيّن بإزائه حروفا وفرّع منها ألفاظا كثيرة بإزاء المعاني المتفرعة على ما تقتضيه رعاية المناسبة بين الألفاظ والمعاني، فالاشتقاق هو هذا الأخذ والتفريع، لا المناسبة المذكورة، وإن كانت ملازمة له فالاشتقاق عمل مخصوص، فإن اعتبرناه من حيث أنّه صادر عن الواضع احتجنا إلى العلم به لا إلى عمله، فاحتجنا إلى تحديده بحسب العلم كما قال الميداني، والحاصل منه العلم بالاشتقاق، فكأنّه قيل: العلم بالاشتقاق هو أن تجد بين اللفظين تناسبا في أصل المعنى والتركيب فتعرف ارتداد أحدهما إلى الآخر وأخذه منه، وإن اعتبرناه من حيث أنه يحتاج أخذنا إلى عمله عرّفناه باعتبار العمل، فنقول هو أن تأخذ الخ هذا حاصل ما حققه السيّد الشريف في حاشية العضدي في المبادئ اللغوية.
اعلم أنّه لا بدّ في المشتق اسما كان أو فعلا من أمور: أحدها أن يكون له أصل، فإنّ المشتق فرع مأخوذ من لفظ آخر، ولو كان أصلا في الوضع غير مأخوذ من غيره لم يكن مشتقا. وثانيها أن يناسب المشتق الأصل في الحروف إذ الأصالة والفرعية باعتبار الأخذ لا تتحققان بدون التناسب بينهما والمعتبر المناسبة في جميع الحروف الأصلية، فإنّ الاستسباق من السبق مثلا يناسب الاستعجال من العجل في حروفه الزائدة والمعنى، وليس بمشتق منه بل من السبق. وثالثها المناسبة في المعنى سواء لم يتفقا فيه أو اتفقا فيه، وذلك الاتفاق بأن يكون في المشتق معنى الأصل إمّا مع زيادة كالضرب فإنه للحدث المخصوص، والضارب فإنه لذات ما له ذلك الحدث، وإمّا بدون زيادة سواء كان هناك نقصان كما في اشتقاق الضرب من ضرب على مذهب الكوفيين أو لا، بل يتحدان في المعنى كالمقتل مصدر من القتل، والبعض يمنع نقصان أصل المعنى في المشتق وهذا هو المذهب الصحيح. وقال البعض لا بدّ في التناسب من التغاير من وجه فلا يجعل المقتل مصدرا مشتقا من القتل لعدم التغاير بين المعنيين. وتعريف الاشتقاق يمكن حمله على جميع هذه المذاهب.
التقسيم
الاشتقاق أي مطلقا إن جعل مشتركا معنويا أو ما يسمّى به إن جعل مشتركا لفظيا ثلاثة أقسام، لأنه إن اعتبرت فيه الموافقة في الحروف الأصول مع الترتيب بينها يسمّى بالاشتقاق الأصغر، وإن اعتبرت فيه الموافقة فيها بدون الترتيب يسمّى بالاشتقاق الصغير، وإن اعتبرت فيه المناسبة في الحروف الأصول في النوعية أو المخرج للقطع بعدم الاشتقاق في مثل: الحبس مع المنع والقعود مع الجلوس يسمّى بالأكبر. مثال الأصغر الضارب والضرب، ومثال الصغير كنى وناك، ومثال الأكبر ثلم وثلب، فالمعتبر في الأصغر الترتيب، وفي الصغير عدم الترتيب، وفي الأكبر عدم الموافقة في جميع الحروف الأصول، بل المناسبة فيها، فتكون الثلاثة أقساما متباينة. وأيضا المعتبر في الأصغر موافقة المشتق للأصل في معناه وفي الصغير والأكبر مناسبة فيه بأن يكون المعنيان متناسبين في الجملة، هكذا ذكر صاحب مختصر الأصول. والمشهور تسمية الأول بالصغير والثاني بالكبير والثالث بالأكبر: والاشتقاق عند الاطلاق يراد به الأصغر. وتعريف الاشتقاق المذكور سابقا كما يمكن أن يكون تعريفا لمطلق الاشتقاق كما هو الظاهر، لكون المناسبة أعمّ من الموافقة كذلك يمكن حمله على تعريف الاشتقاق الأصغر بأن يراد بالتناسب التوافق.
وفي تعريفات الجرجاني والاشتقاق نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبا ومغايرتهما في الصيغة. الاشتقاق الصغير وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في الحروف والترتيب نحو ضرب من الضرب. والاشتقاق الكبير وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في اللفظ والمعنى دون الترتيب نحو جبذ من الجذب. والاشتقاق الأكبر وهو أن يكون بين اللفظين تناسب في المخرج نحو نعق من النهق انتهى. اعلم أنّ من اشترط التغير في المعنى نظر إلى أنّ المقاصد الأصلية من الألفاظ معانيها، وإذا اتحد المعنى لم يكن هناك تفرّع وأخذ بحسبه، وإن أمكن بحسب اللفظ فالمناسب أن يكون كل واحد أصلا في الوضع وعرّف المشتق بما ناسب أصلا بحروفه الأصول ومعناه بتغير ما، أي في المعنى. ومن لم يشترط اكتفى بالتفرّع والأخذ من حيث اللفظ، فحذف قيد التغير من هذا التعريف. فإن قلت نحو أسد مع أسد يندرج في التعريفين فما تقول في ذلك جمعا ومفردا. قلت يحتمل القول بالاشتراك فلا اشتقاق، ويمكن أن يعتبر التغير تقديرا فيندرج فيهما ويكون من نقصان حركة وزيادة مثلها، وإمّا الحلب والحلب بمعنى واحد فيمكن أن يقال باشتقاق أحدهما عن الآخر كالمقتل مع القتل وأن يجعل كل واحد أصلا في لوضع لعدم الاعتداد بهذا التغير القليل. فإن قلت ما الفرق بين الاشتقاق والعدل المعتبر في منع الصرف؟ قلت المشهور أنّ العدل يعتبر فيه الاتحاد في المعنى والاشتقاق إن اشترط فيه الاختلاف في المعنى كانا متباينين وإلّا فالاشتقاق أعمّ، إلّا أن الشيخ ابن الحاجب قد صرّح في بعض مصنفاته بمغايرة المعنى في العدل، فالأولى أن يقال إنه صيغة من صيغة أخرى، مع أنّ الأصل البقاء عليها والاشتقاق أعمّ من ذلك، فالعدل قسم منه. ولذلك قال في شرحه للكافية عن الصيغة المشتقة: هي منها، فجعل ثلاث مشتقة من ثلاثة ثلاثة، هذا كله خلاصة ما ذكره السيد الشريف في حاشية العضدي.
اعلم أنّ المشتق قد يطّرد كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة وأفعل التفضيل وظرفي الزمان والمكان والآلة، وقد لا يطّرد كالقارورة، فإنها مشتقة من القرار لأنها لا تطلق على كل مستقرّ للمائع، وكالدّبران مشتق من الدبر ولا يطلق مما يتصف به إلّا على خمسة كواكب في الثور، وكالخمر مشتق من المخامرة مختص بماء العنب إذا غلى واشتدّ وقذف بالزبد، ولا يطلق على كلّ ما توجد فيه المخامرة ونحو ذلك، وتحقيقه أنّ وجود معنى الأصل في المشتق قد يعتبر بحيث يكون داخلا في التسمية وجزأ من المسمّى، والمراد ذات ما باعتبار نسبة معنى الأصل إليها بالصدور عنها أو الوقوع عليها أو فيها أو نحو ذلك، فهذا المشتق يطّرد في كلّ ذات كذلك كالأحمر فإنه لذات ما لها حمرة، فاعتبرت في المسمّى خصوصية صفة أعنى الحمرة مع ذات ما [فاطّرد] في جميع محاله، وقد يعتبر وجود معنى الأصل من حيث أن ذلك المعنى مصحّح للتسمية بالمشتق، مرجّح لها من بين سائر الأسماء، من غير دخول المعنى في التسمية، وكونه جزأ من المسمّى والمراد بالمشتق حينئذ ذات مخصوصة فيها المعنى لا من حيث هو، أي ذلك المعنى في تلك الذات، بل باعتبار خصوصها، فهذا المشتق لا يطّرد في جميع الذوات المخصوصة التي يوجد فيها ذلك المعنى، إذ مسمّاه تلك الذات المخصوصة التي لا توجد في غيرها كلفظ الأحمر إذا جعل علما لولد له حمرة. وحاصل التحقيق الفرق بين تسمية الغير بالمشتق لوجود المعنى فيه فيكون المسمّى هو ذلك الغير والمعنى سببا للتسمية به، كما في القسم الثاني، فلا يطّرد في مواضع وجود المعنى، وبين تسميته لوجوده أي مع وجود المعنى فيه فيكون المعنى داخلا في المسمّى كما في القسم الأول، فيطّرد في جميعها، فاعتبار الصفة في أحدهما مصحّح للاطلاق وفي الآخر موضّح للتسمية.

فائدة:
المشتق عند وجود معنى المشتق منه حقيقة اتفاقا كالضارب لمباشر الضرب وقبل وجوده مجاز اتفاقا كالضارب لمن لم يضرب وسيضرب، وبعد وجوده منه وانقضائه كالضارب لمن قد ضرب [قبل] وهو الآن لا يضرب، فقد اختلف فيه على [ثلاثة] أقوال: أولها مجاز مطلقا، وثانيها حقيقة مطلقا، وثالثها أنه إن كان مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود فمجاز، وإن لم يكن مما يمكن بقاؤه كالمصادر السيّالة نحو التكلم والأخبار فحقيقة، ودلائل الفرق الثلاث تطلب من العضدي وحواشيه.

فائدة:
قال مرزا زاهد في حاشية شرح المواقف في مبحث الماهية: اعلم أنّ في معنى المشتق أقوالا: الأول أنه مركب من الذات والصفة والنسبة وهو القول المشهور. الثاني أنه مركب من النسبة والمشتق منه فقط واختاره السيّد السّند، واستدل عليه بأن مفهوم الشيء غير معتبر في الناطق، وإلّا لكان العرض العام داخلا في الفصل ولا ما يصدق هو عليه وإلّا انقلب الإمكان بالوجوب في ثبوت الضاحك للإنسان مثلا، فإنّ الشيء الذي له الضحك هو الإنسان وثبوت الشيء لنفسه ضروري. وأنت تعلم أنّ مفهوم المشتق ليس فصلا بل يعبّر عن الفصل، وما ذكر من لزوم الانقلاب ففيه ذهول عن القيد مع أنّ دخول النسبة التي هي معنى غير مستقل بالمفهومية في حقيقة من غير دخول أحد المنتسبين فيها مما لا يعقل. والثالث ما ذهب إليه المحقق الدّواني من أنه أمر بسيط لا يشتمل على النسبة، فإنه يعبّر عن الأسود والأبيض ونحوهما بالفارسية «بسياه وسفيد» ونظائرهما، ولا يدخل فيه الموصوف لا عاما ولا خاصا، وإلّا كان معنى قولك الثوب الأبيض الثوب الشيء الأبيض، أو الثوب الثوب الأبيض وكلاهما معلوم الانتفاء، بل معناه أي معنى المشتق هو القدر الناعت المحمول بالعرض مواطأة وحده، أي من غير أن يعتبر في الموصوف ولا النسبة، بل الأمر البسيط الذي هو مفهوم المبدأ، أي المشتق منه بحيث يصحّ كونه نعتا لشيء، هكذا في شرح السّلّم للمولوي مبين. وليس بينه وبين المشتق منه تغاير حقيقة فالأبيض إذا أخذ لا بشرط شيء فهو عرضي ومشتق، وإذا أخذ لا بشرط شيء فهو عرض ومشتق منه، وإذا أخذ بشرط شيء فهو ثوب أبيض مثلا.
فحاصل كلام المحقق أنه لا فرق بين العرض والعرضي والحمل حقيقة، وإنما الفرق بالاعتبار كما بين الجنس والمادة، فالأبيض إذا أخذ من حيث هو هو أي لا بشرط شيء فهو يحمل على الجسم ويتّحد معه ويحمل على البياض ويتّحد معه أيضا، لكنه فرّق بين الاتحادين فإنّ اتحاده مع الجسم اتحاد عرضي بأنّ مبدأه كان قائما به، فبهذه الجهة يتّحد معه ويحمل عليه، واتحاده مع البياض اتحاد ذاتي لأن الشيء لا يكون خارجا عن نفسه بل اتحاده معه ذاتي بأنه لو كان البياض موجودا بنفسه بحيث لا يكون قائما بالجسم لكان أبيض بالذات، فالأبيض عند هذا المحقق معنى بسيط لا تركيب فيه أصلا ولا مدخل فيه للموصوف لا عاما ولا خاصا، ولهذا قال ذلك المحقق: إنّ المشتق بجميع أقسامه لا يدل على النسبة ولا على الموصوف لا عاما ولا خاصا، هكذا في شرح السلّم للمولوي مبين. وأنت تعلم أنّ الأمر لو كان كذلك لكان حمل الأبيض على البياض القائم بالثوب صحيحا وذلك باطل بالضرورة، مع أنه مستبعد جدا، كيف ويعبر بالفارسية عن البياض «بسفيدي وعن الأبيض بسفيد». والحق أن حقيقة معنى المشتق أمر بسيط ينتزعه العقل عن الموصوف نظرا إلى الوصف القائم به.
فالموصوف والوصف والنسبة كلّ منها ليس علّة ولا داخلا فيه، بل منشأ لانتزاعه وهو يصدق عليه، وربما يصدق على الوصف والنسبة فتدبّر.

فائدة:
قال في الإحكام؛ هل يشترط قيام الصفة المشتق منها بما له الاشتقاق فذلك مما أوجبه أصحابنا، ونفاه المعتزلة وكأنه اعتبر الصفة احترازا عن مثل: لابن وتامر مما اشتق من الذوات، فإنّ المشتق منه ليس قائما بما له الاشتقاق، فإنّ المعتزلة جعلوا المتكلّم [الله تعالى] لا باعتبار كلام هو له، بل باعتبار كلام حاصل بجسم كاللّوح المحفوظ وغيره، ويقولون لا معنى لكونه متكلّما، إلّا أنه يخلق الكلام في الجسم. وتوضيح ذلك يطلب من العضدي وحواشيه.
اعلم أنّ الاشتقاق كما يطلق على ما عرفت كذلك يطلق على قسم من التجنيس عند أهل البديع، وقد سبق. ويقول بعضهم: الاشتقاق هو جمع كلمات في النظم أو النثر بحيث تكون حروفها متقاربة ومتجانسة بعضها مع بعض، وأفضله ما كان مشتقا من كلمة واحدة نحو قوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، وفي الحديث: «الظلم ظلمات يوم القيامة». ومثل:

«البدعة شرك الشرك». وفي النثر: الإكبار الوافر للخالق الذي أكرمني بأنواع عوارف العرفان أنا العبد العديم الشكر المنكر للحق. وفي الشعر:
إذا وصل إلى من عطف قبولك ذرة فإنها تنقلني في الثروة من الثّرى إلى الثريا كما ورد في الشعر العربي قول القائل:
إنما الدنيا الدّواهي والدّواهي قط لا تنجو بلاهي والبلاهي وقال في جامع الصنائع: هذا خاص بالكلمات العربية، ومثاله: الحكيم هو الذي يعلم أن الحكم المحكم لا يكون حقا لشخص ما.

الْحسن من الحَدِيث

Entries on الْحسن من الحَدِيث in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْحسن من الحَدِيث: مَا يكون رَاوِيه مَشْهُورا بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة من غير أَن يبلغ دَرَجَة الحَدِيث الصَّحِيح لكَونه قاصرا فِي الْحِفْظ والوثوق وَهُوَ مَعَ ذَلِك يرْتَفع عَن حَال من دونه. الْحساب: فِي اللُّغَة (شمردن) . وَعلم الْحساب علم يســتعلم مِنْهُ اسْتِخْرَاج المجهولات العددية من مَعْلُومَات مَخْصُوصَة عددية اثْنَيْنِ أَو أَكثر.
وَاعْلَم أَن الْحساب نَوْعَانِ يَنْقَسِم إِلَى هوائي يســتعلم مِنْهُ اسْتِخْرَاج المجهولات بِلَا مدخلية الْخَوَارِج وَغير هوائي يحْتَاج فِيهِ إِلَى اسْتِعْمَالهَا كأكثر الْقَوَاعِد الْمَذْكُورَة فِي خُلَاصَة الْحساب وَغَيرهَا من الرسائل الْمَشْهُورَة وَيُسمى الثَّانِي بِحِسَاب التخت وَالتُّرَاب وَيُسمى الأول بِالْعَمَلِ على التَّشْبِيه والتعريف يشملهما ونظري يبْحَث فِيهِ عَن ثُبُوت الْأَعْرَاض الذاتية للعدد وسلبها عَنهُ وَهُوَ الْمُسَمّى بالارتماطيقي وموضوعه الْعدَد الْحَاصِل فِي الْمَادَّة والمقارن بهَا لَا الْعدَد مُطلقًا وَمَا قيل إِن الحاسب كَمَا يبْحَث عَن الْعدَد الْمُقَارن للمادة فِي الْخَارِج كَذَلِك يبْحَث عَن الْعدَد المفارق للمادة بعروض الْعدَد بالمجردات كالعقول الْعشْرَة والنفوس الفلكية والإنسانية وَذَات الْوَاجِب تَعَالَى إِن قُلْنَا إِن الْوَاحِد عدد كَمَا سَيَجِيءُ تَحْقِيقه فِي الْعدَد فَالْجَوَاب عَنهُ أَن مَوضِع الْحساب لَيْسَ الْعدَد مُطلقًا بل من حَيْثُ حُصُوله فِي الْمَادَّة والبحث عَن الْعدَد فِي هَذَا الْفَنّ لَيْسَ على وَجه يَشْمَل المجردات لعدم تعلق غَرَض الحاسب بِهِ وغايته عدم الخطاء فِي الْحساب.

التَّنَاقُض

Entries on التَّنَاقُض in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
التَّنَاقُض: أَن يكون أحد الْأَمريْنِ مفردين أَو قضيتين أَو مُخْتَلفين رفعا للْآخر صَرِيحًا أَو ضمنا فَإِن زيدا نقيض عَمْرو وَرَفعه لَكِن ضمنا وكل وَاحِد من الْأَمريْنِ الْمَذْكُورين يكون نقيضا للْآخر.

وَمن هَذَا الْبَيَان تبين أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَن التَّنَاقُض من النِّسْبَة المتكررة المعقولة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُخْرَى المعقولة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا كالأبوة. وَثَانِيهمَا: أَن التَّنَاقُض لَيْسَ مُخْتَصًّا بالقضايا لتحققه فِي الْمُفْردَات لَكِن بِاعْتِبَار الْحمل فيستحيل اجْتِمَاع المتناقضين وارتفاعهما بذلك الِاعْتِبَار وَفِي القضايا بِاعْتِبَار الصدْق وَالْكذب. فَانْدفع مَا قيل إِن التَّنَاقُض بَين المفردين رَاجع إِلَى التَّنَاقُض بَين القضيتين لتَضَمّنه الْأَحْكَام بِاعْتِبَار صدق أَحدهمَا على الآخر. وَمَا قيل إِن التصورات لَا نقائض لَهَا فمبنى على التَّنَاقُض بِمَعْنى التدافع الَّذِي هُوَ عبارَة عَن تمانع النسبتين وَلَا يُمكن التَّنَاقُض بِهَذَا الْمَعْنى بَين مفردين بل بِمَعْنى الرّفْع الْمَذْكُور وَمعنى التمانع مَعَ تَحْقِيق آخر فِي لَا نقائض للتصورات إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَلَا يخفى أَن النزاع حِينَئِذٍ بَين الْفَرِيقَيْنِ لَفْظِي. وَالسَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره قد حقق فِي كتبه أَن النقيض قد يُؤْخَذ بِأَن يُلَاحظ مَفْهُوم فِي نَفسه وَيدخل عَلَيْهِ النَّفْي فَيكون نقيضا لَهُ بِمَعْنى الْعُدُول. وَقد يُؤْخَذ بِأَن يُلَاحظ نسبته إِلَى شَيْء وترفع تِلْكَ النِّسْبَة فَيكون نقيضا لَهُ بِمَعْنى السَّلب. وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ تَعْرِيف التَّنَاقُض مُطلقًا وَبعد الْعلم بِأَن نقيض كل شَيْء رَفعه وَأَن التَّنَاقُض فِي الْمُفْردَات بِاعْتِبَار الْحمل فَيحصل تَعْرِيف التَّنَاقُض فِي الْمُفْردَات بِأَنَّهُ اخْتِلَاف المفردين بِالْإِيجَابِ وَالسَّلب بِحَيْثُ يَقْتَضِي لذاته حمل أَحدهمَا عدم حمل الآخر. وَأما تَعْرِيفه فِي القضايا فَهُوَ اخْتِلَاف القضيتين بِحَيْثُ يلْزم لذاته من صدق كل كذب الْأُخْرَى وَبِالْعَكْسِ وَلَا بُد لتحَقّق الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور من اخْتِلَاف القضيتين فِي الْكمّ والكيف والجهة واتحادهما فِيمَا عدا الْأُمُور الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة وَقد حصروا هَذَا الِاتِّحَاد فِي الْأُمُور الثَّمَانِية الَّتِي فِي هَذَا النّظم.
(در تنَاقض هشت وحدة شَرط دَان ... وحدة مَحْمُول وموضوع وَمَكَان)

(وحدة شَرط وَإِضَافَة جز وكل ... قُوَّة وَفعل است در آخر زمَان)

وتفصيل كل من هَذِه الْأُمُور فِي كتب الْمنطق فَإِن قلت: أَولا: أَن الجزئي نقيضه اللاجزئي واللامفهوم نقيضه الْمَفْهُوم مَعَ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي الجزئي واللامفهوم فَإِن الجزئي واللامفهوم يحْملَانِ على أَنفسهمَا بِالضَّرُورَةِ وَإِلَّا يلْزم سلب الشَّيْء عَن نَفسه. وَمَعَ هَذَا يصدق اللاجزئي على الجزئي لِأَنَّهُ كلي يصدق على أَفْرَاده وَهِي الجزئيات وَكَذَا يصدق الْمَفْهُوم على اللامفهوم لِأَنَّهُ مَفْهُوم من المفهومات فَاجْتمع النقيضان فِي الْحمل على شَيْء وَاحِد. وَثَانِيا: أَن الشَّيْء وَالْمَفْهُوم مثلا يصدقان على أَنفسهمَا لما مر أَن صدق الشَّيْء على نَفسه ضَرُورِيّ مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا يصدق على نقيضه أَيْضا أَعنِي اللاشيء واللامفهوم فَإِن اللاشيء شَيْء واللامفهوم مَفْهُوم بالبداهة مَعَ أَن النقيض لَا يصدق على نقيضه قلت قد اعْتبر فِي التَّنَاقُض سوى الوحدات الثَّمَانِية الْمَذْكُورَة اتِّحَاد نَحْو الْحمل يَعْنِي أَن الْمُعْتَبر فِي التَّنَاقُض بَين مفردين أَن لَا يصدقا على أَمر آخر من جِهَة وَاحِدَة فَيجوز أَن يحمل النقيضان على شَيْء وَاحِد بِاعْتِبَار حملين وَيجوز صدق أَحدهمَا على الآخر حملا شَائِعا. والجزئي واللامفهوم يحْملَانِ على أَنفسهمَا بِالْحملِ الأولى وَلَا يحمل نقيضاهما عَلَيْهِمَا بِهَذَا الْحمل بل بِالْحملِ الشَّائِع الْمُتَعَارف الَّذِي يُفِيد أَن يكون الْمَوْضُوع من أَفْرَاد الْمَحْمُول أَو مَا هُوَ فَرد لأَحَدهمَا فَرد لآخر كَمَا مر فِي الْحمل. وَأَن الشَّيْء وَالْمَفْهُوم يصدقان على نقيضهما حملا شَائِعا.
وَمن هَهُنَا تنْدَفع الشُّبْهَة الْمَشْهُورَة أَيْضا وَهِي أَن عدم الْعَدَم الْمُطلق فَرد الْعَدَم الْمُطلق ونقيضه وَكَذَا اللاشيء واللامفهوم واللاكلي إِفْرَاد الشَّيْء وَالْمَفْهُوم والكلي ونقائض لَهَا وَبَينهمَا تدافع فَإِن الفردية تَقْتَضِي الْحمل والتناقض يَقْتَضِي امْتِنَاعه فَافْهَم.
وَعَلَيْك أَن تعلم أَن حمل كل مَفْهُوم على نَفسه بِالْحملِ الأولى ضَرُورِيّ وَإِلَّا لزم سلب الشَّيْء عَن نَفسه. أما حمله على نَفسه حملا شَائِعا متعارفا فَلَيْسَ بضروري. فَإِن طَائِفَة من المفهومات تحمل على نَفسهَا حملا شَائِعا كالشيء وَالْمَفْهُوم والكلي. وَطَائِفَة لَا تحمل على نَفسهَا بذلك الْحمل بل تحمل عَلَيْهَا نقائضها كالجزئي واللامفهوم فَإِنَّهُ يصدق على الجزئي اللاجزئي وعَلى اللامفهوم الْمَفْهُوم بِالْحملِ الشَّائِع وَلَا يصدق الجزئي على الجزئي واللامفهوم على اللامفهوم لما مر. والفاضل الزَّاهِد رَحمَه الله فِي حَوَاشِيه على الْأُمُور الْعَامَّة من شرح المواقف فِي الْمَقْصد الثَّالِث من المرصد الأول فِي أَن الْوُجُود نفس الْمَاهِيّة أَو جزءها وضع ضابطة كُلية وَهِي أَن كل كلي هُوَ مَعَ نقيضه شَامِل لجَمِيع المفهومات ضَرُورَة امْتنَاع ارْتِفَاع النقيضين وَمن جُمْلَتهَا نفس هَذَا الْكُلِّي فَيجب أَن يصدق هُوَ أَو نقيضه عَلَيْهِ فَإِن كَانَ مبدأه متكرر النَّوْع فَهُوَ مَحْمُول على نَفسه وَإِلَّا فنقيضه مَحْمُول عَلَيْهِ أما الأول: فَلِأَن عرُوض الشَّيْء للشَّيْء يسْتَلْزم عروضه للمشتق مِنْهُ من حَيْثُ إِنَّه مُشْتَقّ مِنْهُ وعروض مبدأ الِاشْتِقَاق لأمر يسْتَلْزم حمل مشتقه عَلَيْهِ. وَأما الثَّانِي: فَلِأَنَّهُ لَو لم يكن كَذَلِك لَكَانَ مَحْمُولا على نَفسه لِامْتِنَاع ارْتِفَاع النقيضين وَحمل الشَّيْء على نَفسه يسْتَلْزم عرُوض مبدأ الِاشْتِقَاق لَهَا وَهُوَ يسْتَلْزم عروضه لنَفسِهِ فَيكون متكرر النَّوْع وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض انْتهى. وكل وَاحِد من الأول وَالثَّانِي مَنْظُور فِيهِ.

أما الأول: فَلِأَنَّهُ لَا نسلم أَن عرُوض مبدأ الِاشْتِقَاق لأمر يسْتَلْزم حمل مشتقه عَلَيْهِ والسند إِن القَوْل مثلا عَارض للحمد وَلَيْسَ بِعَارِض للمحمود الَّذِي يشتق مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَال الْمَحْمُود مقول كَمَا اعْترف بِهِ الزَّاهِد فِي حَوَاشِيه على حَوَاشِي جلال الْعلمَاء على تَهْذِيب الْمنطق أَقُول تعلق الشَّيْء بالشَّيْء وعروضه لَهُ على أنحاء شَتَّى. وَالْمرَاد أَن عرُوض الشَّيْء للشَّيْء وتعلقه بِهِ على أَي نَحْو كَانَ يسْتَلْزم عروضه وتعلقه بِمَا هُوَ مُشْتَقّ مِنْهُ بِأَيّ عرُوض وَتعلق كَانَ لَا أَنه يسْتَلْزم عروضه وتعلقه بِخُصُوص عروضه وتعلقه بالشَّيْء. وَلَا شكّ أَن القَوْل عَارض للمحمود ومتعلق بِهِ بِوَاسِطَة اللَّام فَإِنَّهُ يُقَال الْمَحْمُود مقول لَهُ وَإِن كَانَ عروضه وتعلقه بِالْحَمْد بِغَيْر وَاسِطَة حرف الْجَرّ فَإِنَّهُ يُقَال للحمد أَي للْكَلَام الدَّال على الثَّنَاء أَنه مقول.
وَلَا يخفى على من لَهُ أدنى مسكة أَن المُرَاد بالْقَوْل هَا هُنَا الْمركب وبالحمد هُوَ الْكَلَام الدَّال على الثَّنَاء لَا الْمَعْنى المصدري فَكيف يَصح اشتقاق اسْم الْمَفْعُول مِنْهُمَا. نعم الْقَمِيص مَوْجُود وَصَاحبه مَفْقُود يَعْنِي أَنَّهُمَا على صِيغَة الْمصدر ولباسه بِدُونِ مَعْنَاهُ وَهَذَا لَا يَكْفِي فِي الِاشْتِقَاق.
(زاهد بحبه داد اسد خلق را فريب ... بيكانكي زصحبت ايْنَ جبه بوش كن)

وَأما الثَّانِي: فَلِأَن حَاصله أَنه لَو لم يحمل عَلَيْهِ نقيضه لَكَانَ يحمل عَلَيْهِ نَفسه بذلك الْحمل وَحمل الشَّيْء على نَفسه بِهَذَا النَّحْو يُوجب عرُوض مأخذه لَهُ وَذَلِكَ مُسْتَلْزم لعروض مَأْخَذ الِاشْتِقَاق لنَفسِهِ فتكرر نَوعه وَهَذَا خلف. وَأَنت تعلم أَن استلزام صدق الْمُشْتَقّ على الْمُشْتَقّ عرُوض المبدأ للمبدأ مَمْنُوع. أَلا ترى أَن المتعجب مَحْمُول على الْكَاتِب وصادق عَلَيْهِ وَأَن التَّعَجُّب غير عَارض للكتابة أَقُول ذَلِك الاستلزام إِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ الْحمل ذاتيا والمتعجب مَحْمُول على الْكَاتِب حملا عرضيا. وَقَالَ بعض الْفُضَلَاء وَالْأولَى أَن يُقَال فِي الضابطة إِن كَانَ مبدأه قَائِما بِنَفس ذَلِك الْكُلِّي كالموجود وَالْمَفْهُوم والمعدوم والكلي فَيحمل على نَفسه لِأَنَّهُ من جملَة معروضات مبدئه وعروض المبدأ يسْتَلْزم صدق الْمُشْتَقّ صدقا عرضيا وَإِلَّا فَيصدق عَلَيْهِ نقيضه وَإِلَّا فَيحمل نَفسه عَلَيْهِ بذلك الْحمل وَهُوَ إِنَّمَا يكون بعروض مأخذه لَهُ وَهُوَ خلاف الْمَفْرُوض انْتهى.
وَمن جملَة أَحْكَام النقيضين أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان بِخِلَاف الضدين فَإِنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَكِن يرتفعان. وَهَا هُنَا اعْتِرَاض مَشْهُور وَهُوَ أَنا إِذا أَخذنَا جَمِيع المفهومات بِحَيْثُ لَا يشذ عَنهُ شَيْء فَرفع جَمِيع المفهومات من حَيْثُ الْمَجْمُوع نقيض جَمِيع المفهومات وَذَلِكَ الرّفْع الْمَذْكُور دَاخل فِي الْجَمِيع لأَخذه بِحَيْثُ لَا يشذ عَنهُ شَيْء من المفهومات فَيلْزم أَن يكون الْجُزْء نقيض الْكل وَهُوَ محَال ضَرُورَة أَن النقيضين لَا يَجْتَمِعَانِ والجزء وَالْكل يَجْتَمِعَانِ إِذْ لَا يُوجد الْكل بِدُونِ الْجُزْء وَهَكَذَا يتَعَرَّض على تغائر النِّسْبَة للمنتسبين بِأَنا لَا نسلم أَن النِّسْبَة تكون مغائرة عَنْهُمَا إِذْ لَو كَانَت مغائرة لكَانَتْ خَارِجَة ونأخذ جَمِيع النّسَب بِحَيْثُ لَا يشذ عَنهُ شَيْء من النّسَب فَكَانَ بَين الْكل والجزء نِسْبَة وَهِي دَاخِلَة فِي الْكل للأخذ الْمَذْكُور فَيلْزم كَون الشَّيْء وَاحِدًا دَاخِلا وخارجا وَهُوَ محَال.
وَالْجَوَاب أَن اعْتِبَار المفهومات وَالنّسب لَا يقف عِنْد حد وَعدم الزِّيَادَة بِالْأَخْذِ الْمَذْكُور يَقْتَضِي الْوُقُوف إِلَى حد فَأخذ جَمِيع المفهومات وَالنّسب كَذَلِك اعْتِبَار للمتنافيين وَهُوَ محَال فَجَاز أَن يسْتَلْزم محالا آخر.
وَاعْلَم أَنهم خصصوا الْأَحْكَام بِغَيْر المفهومات الشاملة فاندفاع كثير من مواد النَّقْض والشبهات ظَاهر قيل لَا نسلم تِلْكَ الْكُلية أَعنِي النقيضان لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان وَسَنَد الْمَنْع كذب لَا شَيْء من الزَّمَان بِغَيْر قار دَائِما مَعَ كذب بعض الزَّمَان غير قار بِالْفِعْلِ أَي فِي أحد الْأَزْمِنَة وَإِلَّا فَيلْزم للزمان زمَان. والحل أَن الْفِعْل وُقُوع النِّسْبَة لَا مَا ذكر وَلَو سلم فَيجوز كَون الزَّمَان ظرفا لوصفه قيل يصدق بعض النَّوْع إِنْسَان مَعَ صدق نقيضه أَعنِي لَا شَيْء من النَّوْع بِإِنْسَان. قُلْنَا أخرجُوا القضايا الذهنية والغير المتعارفة عَن التَّنَاقُض والعكوس والجزئية الْمَذْكُورَة لَيست بمتعارفة إِذْ الْإِنْسَان لَا يصدق على النَّوْع صدق الْكُلِّي على جزئياته.

الْعصبَة

Entries on الْعصبَة in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْعصبَة: الَّتِي هِيَ جمع العاصب كطلبة وفجرة وظلمة جمع طَالب وَفَاجِر وظالم فالعصبات جمع الْجمع ومصدرها الْعُصُوبَة - وعصبة الرجل بنوه.
وَفِي جَامع الرموز ذُكُور يتصلون بَاب - وَقَالَ المطرزي إِنَّهَا تقال للغلبة على الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث انْتهى - وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره وَكَأَنَّهَا جمع عاصب وَإِن لم يسمع بِهِ أَي بِكَوْنِهَا جمع عاصب انْتهى. أَقُول الظَّاهِر أَن ضمير كَأَنَّهَا رَاجع إِلَى الْعصبَة فَحِينَئِذٍ لَا معنى لقَوْله وَإِن لم يسمع بِهِ لما عرفت أَن فعلة جمع فَاعل شَائِع ذائع كطلبة جمع طَالب وَغير ذَلِك وَإِن كَانَ رَاجعا إِلَى الْعَصَبَات فمستبعد جدا لِأَنَّهُ لم يقل أحد بِأَن الْعَصَبَات جمع عاصب وَيُمكن أَن يُقَال إِن ضمير كَأَنَّهَا رَاجع إِلَى الْعصبَة وَضمير بِهِ إِلَى العاصب وَمعنى وَإِن لم يسمع العاصب وَإِن لم يعرف وَلم يُوجد اسْتِعْمَاله فِي محاوراتهم وَإِنَّمَا أَتَى قدس سره بِكَلِمَة الشَّك لفتور الجمعية فِي الْعصبَة لصِحَّة إِطْلَاقهَا على الْوَاحِد وَالْجمع وَالْمَذْكُور والمؤنث حَتَّى صَارَت كَأَنَّهَا اسْم جنس وَهَذَا عِنْدِي وَلَعَلَّ عِنْد غَيْرِي أحسن من هَذَا.
ثمَّ اعْلَم أَن الْعصبَة فِي الِاصْطِلَاح كل من يَأْخُذ من التَّرِكَة مَا أبقاه من هُوَ من أَصْحَاب الْفَرَائِض وَاحِدًا كَانَ أَو كثيرا وَعند انْفِرَاده عَن غَيره فِي الوراثة يحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة - فَإِن صَاحب الْفَرْض إِذا خلا عَن الْعُصُوبَة يحرز جَمِيع المَال أَيْضا لَكِن لبَعض المَال بالفرضية وللباقي بِالرَّدِّ لأكله من جِهَة الْعُصُوبَة. قيل التَّعْرِيف لَيْسَ بِجَامِع لِأَن الاخوات مَعَ الْبَنَات عصبات وَلَا يصدق عَلَيْهَا إِنَّهَا عِنْد الِانْفِرَاد تحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة وَأجِيب بِأَن التَّعْرِيف لنَوْع الْعصبَة أَعنِي الْعصبَة بِالنَّفسِ لَا للْعصبَةِ مُطلقًا أَقُول إِن التَّعْرِيف الْمَذْكُور لمُطلق الْعصبَة وَقَوْلنَا يحرز جَمِيع المَال بِجِهَة الْعُصُوبَة مشْعر بِاشْتِرَاط وصف الْعُصُوبَة عِنْد الِانْفِرَاد وَلَا شكّ أَن من كَانَ عِنْد الِانْفِرَاد بَاقِيا على وصف الْعُصُوبَة يكون محرزا لجَمِيع المَال وَالْأَخَوَات عِنْد الِانْفِرَاد صَاحِبَة فرض لَا عصبات وَلَكِن لَا يخفى على المتنبه أَن فِي هَذَا الْجَواب شوب الدّور لَا بل فِي تَقْيِيد الْإِحْرَاز بقولنَا بِجِهَة الْعُصُوبَة - وَالسَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي شرح السِّرَاجِيَّة قيد الْإِحْرَاز بِجَمِيعِ المَال بقوله بِجِهَة وَاحِدَة، لَا بقولنَا بِجِهَة الْعُصُوبَة تحاشيا عَن الشوب الْمَذْكُور وَلَكِن النَّاظر ينظر إِلَيْهِ من وَرَاء الْحجاب لِأَن المُرَاد بالجهة الْوَاحِدَة لَيْسَ إِلَّا جِهَة الْعُصُوبَة وَأَنت تعلم أَنه لَا يضر لِأَن الْأَحْكَام تَتَفَاوَت بتفاوت العنوان. ثمَّ فرع قدس سره على ذَلِك التَّقْيِيد عدم وُرُود الِاعْتِرَاض على منع التَّعْرِيف بالبنت مثلا إِذا كَانَت مُنْفَرِدَة ثمَّ اعْترض على جمعه بالأخوات مَعَ الْبَنَات فَأجَاب بتخصيص الْمُعَرّف بالعصبة بِالنَّفسِ لَا بِمَا ذكرنَا من اشْتِرَاط بَقَاء وصف الْعُصُوبَة. ثمَّ اعْترض على الْجَواب بقوله ويخدشه أَنه إِذا خص الخ. أَقُول لَا يبعد أَن يُقَال إِن الْمُعَرّف عَام وَالْوَاو فِي قَوْله وَعدم الِانْفِرَاد بِمَعْنى أَو لمانعة الْجمع وَحِينَئِذٍ لَا يرد الِاعْتِرَاض على جمعه وَلَا الخدشة الْمَذْكُورَة كَمَا لَا يخفى على من تحلى بالإنصاف وتخلى عَن التعصف والاعتساف، ثمَّ الْعصبَة على نَوْعَيْنِ عصبَة من جِهَة النّسَب وعصبة من جِهَة السَّبَب أما 
الْعصبَة من جِهَة النّسَب: فَهُوَ من كَانَ عصوبته وقرابته بِالْولادَةِ والعصبات النسبية مؤخرة عَن أَصْحَاب الْفَرَائِض مُقَدّمَة على الْعَصَبَات السَّبَبِيَّة وَأما
الْعصبَة من جِهَة السَّبَب: فَهُوَ مولى الْعتَاقَة أَي مُعتق الْمَيِّت وعصباته النسبية وعصباته السَّبَبِيَّة أَعنِي مُعتق مُعتق وَهَكَذَا وَالْمرَاد بعصباته النسبية مَا هُوَ عصبَة بِنَفسِهِ فَقَط وَهِي ذُكُور لَا غير كَمَا ستقف عَلَيْهِ لقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَيْسَ للنِّسَاء من الْوَلَاء إِلَّا مَا أعتقن الخ. وَفِي (الْأَشْبَاه والنظائر) فِي كتاب الْفَرَائِض ذكر الزَّيْلَعِيّ فِي آخر كتاب الْوَلَاء أَن بنت الْمُعْتق تَرث الْمُعْتق فِي زَمَاننَا وَكَذَا مَا فضل بعد فرض أحد الزَّوْجَيْنِ يرد عَلَيْهِ بِنَاء على أَنه لَيْسَ فِي زَمَاننَا بَيت مَال لأَنهم لَا يضعونه مَوْضِعه وَإِنَّمَا تحقق الْعُصُوبَة والقرابة والوراثة بِسَبَب الْعتْق بَين مولى الْعتَاقَة ومعتقه لقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب وَالْمرَاد بِالْوَلَاءِ الْعتْق أَو الْإِعْتَاق من قبيل ذكر الْمُسَبّب وَإِرَادَة السَّبَب وَفِيه اخْتِلَاف قَالَ الْبَعْض الْإِعْتَاق وَالأَصَح أَنه الْعتْق كَمَا ستعرف فِي الْوَلَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى واللحمة بِالضَّمِّ الْقَرَابَة والاختلاط يَعْنِي الْإِعْتَاق قرَابَة واختلاط أَي سببهما كالقرابة والاختلاط اللَّذين بِالنّسَبِ وَالْوَلَاء فِي الشَّرِيعَة. وَمعنى ذَلِك أَن الْحُرِّيَّة حَيَاة للْإنْسَان إِذْ بهَا يثبت لَهُ صفة الْمَالِكِيَّة الَّتِي امتاز بهَا عَن سَائِر مَا عداهُ من الْحَيَوَانَات والجمادات والرقية تلف وهلاك فالمعتق سَبَب لَا حَيَاء الْمُعْتق كَمَا أَن الْأَب سَبَب لإيجاد الْوَلَد فَكَمَا أَن الْوَلَد يصير مَنْسُوبا إِلَى أَبِيه بِالنّسَبِ وَإِلَى أقربائه بالتبعية كَذَلِك الْمُعْتق يصير مَنْسُوبا إِلَى مُعْتقه بِالْوَلَاءِ وَإِلَى عصبته بالتبعية فَكَمَا يثبت الْإِرْث بِالنّسَبِ كَذَلِك يثبت بِالْوَلَاءِ انْتهى.

والعصبات النسبية ثَلَاثَة:
الْعصبَة بِنَفسِهِ: وَهُوَ كل ذكر لَا يكون مدَار نسبته إِلَى الْمَيِّت أُنْثَى بِأَن لَا يكون بَينهمَا وَاسِطَة اسْتِحْقَاق الْإِرْث إِلَّا أُنْثَى فَإِن من كَانَ مدَار نسبته أُنْثَى لَيْسَ بعصبة كالأخ لأم وكأب الْأُم وَابْن الْبِنْت فَإِن الأول من أَصْحَاب الْفَرَائِض والأخيران من ذَوي الْأَرْحَام. فَلَا يردان الْأَخ لأَب وَأم عصبَة بِنَفسِهِ مَعَ أَن الْأُم دَاخِلَة فِي نسبته إِلَى الْمَيِّت لَكِن لَيْسَ مدَار اسْتِحْقَاق الْإِرْث بالعصوبة عَلَيْهَا فَإِن قرَابَة الْأَب بانفرادها أصل فِي اسْتِحْقَاق الْعُصُوبَة وكافية بِنَفسِهَا فِي إِثْبَاتهَا بِخِلَاف قرَابَة الْأُم أَلا ترى أَن الْأَخ لأَب عصبَة دون الْأَخ لأم. وَالثَّانِي:
الْعصبَة بِغَيْرِهِ: وَهن اللَّاتِي فرضهن النّصْف وَالثُّلُثَانِ يصرن عصبَة بإخوتهن وَالَّتِي لَا فرض لَهَا وأخوها عصبَة لَا تصير عصبَة بأخيها أَلا ترى أَن الْعمة لَا تصير عصبَة بالعم الَّذِي هُوَ أَخُوهَا مَعَ أَنه عصبَة وَهِي من ذَوي الْأَرْحَام فحين اجْتِمَاعهمَا كَانَ المَال كُله للعم دونهَا. وَالثَّالِث:
الْعصبَة مَعَ غَيره: وَهِي كل أُنْثَى تصير عصبَة بِشَرْط اجتماعها ومقارنتها مَعَ أُنْثَى أُخْرَى لَيست بعصبة كالأخت لأَب وَأم أَو لأَب إِذا كَانَت مَعَ الْبِنْت صلبية أَو بنت ابْن وَاحِدَة أَو أَكثر تصير عصبَة وَالْبِنْت على حَالهَا صَاحِبَة فرض فَالْمَال بَينهمَا نِصْفَانِ النّصْف للْبِنْت بالفرضية وَالْبَاقِي للْأُخْت بالعصوبة.
فَإِن قلت مَا الْفرق بَين الْعصبَة بِالْغَيْر والعصبة مَعَ الْغَيْر. قُلْنَا، إِن الْغَيْر فِي الأول عصبَة شريك للْعصبَةِ فِي الْعُصُوبَة بل هُوَ عصبَة بِنَفسِهِ تسري عصوبته إِلَى الْأُنْثَى الَّتِي هِيَ ملصقة بِهِ فَتَصِير عصبَة بِهِ بِخِلَاف الْغَيْر فِي الثَّانِي فَإِن الْغَيْر فِيهِ لَيْسَ بعصبة أصلا بل يكون عصوبة تِلْكَ الْعصبَة مجامعة ومقارنة لذَلِك الْغَيْر الَّذِي لَيْسَ بعصبة ومشروطة بِتِلْكَ المجامعة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ.
وَاعْلَم أَن هَذَا الْفرق مَبْنِيّ على الْفرق بَين الْبَاء وَمَعَ، فَعَلَيْك أَن تعلم الْفرق بَينهمَا بِأَن الْبَاء للإلصاق وَمَعَ للقران والإلصاق بَين الملصق والملصق بِهِ لَا يتَحَقَّق إِلَّا عِنْد مشاركتهما فِي حكم الملصقية فتكونان مشاركتين فِي حكم الْعُصُوبَة بِخِلَاف كلمة مَعَ فَإِنَّهَا للقران وَالْقُرْآن يتَحَقَّق بَين الشَّيْئَيْنِ بِغَيْر مُشَاركَة فِي الحكم كَقَوْلِه تَعَالَى {وَجَعَلنَا مَعَه أَخَاهُ هَارُون وزيرا} . وَاعْلَم أَنه لَو اجْتمعت الْعَصَبَات بَعْضهَا عصبَة بِنَفسِهَا وَبَعضهَا مَعَ غَيرهَا فالترجيح فِيهَا بِالْقربِ إِلَى الْمَيِّت وَلَا يكون التَّرْجِيح بعصبة بِنَفسِهَا حَتَّى أَن الْعصبَة مَعَ غَيرهَا إِذا كَانَت أقرب إِلَى الْمَيِّت من الْعصبَة بِنَفسِهَا كَانَت أولى كَمَا إِذا ترك بِنْتا وأختا لأَب وَأم وَابْن الْأَخ لأَب وَأم فَنصف الْمِيرَاث للْبِنْت وَالنّصف الْبَاقِي للْأُخْت وَلَا شَيْء لِابْنِ الْأَخ.

الفصل والوصل

Entries on الفصل والوصل in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
الفصل والوصل
عنى البلاغيون بالحديث عن الواو، التى تذكر فتصل الجملة بأختها، أو تترك فتدع الجملتين منفصلتين، وغالوا في تقدير معرفة الموضع الذى تصلح فيه الواو، والموضع الذى لا تصلح فيه، حتى قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل والوصل، وقد قصروا حديثهم في ذلك الموضع على الجمل التى لا محل لها من الإعراب، وهذا لأن الجمل التى لها موقع من الإعراب، ويكون موضع الواو فيها من الوضوح بمكان؛ لأنها تشرك الجملة الثانية في حكم الأولى، فتكون مثلها خبرا، أو صفة، أو حالا، أو مفعولا، أو غير ذلك، والأمر فيه سهل بيّن. أما الذى يشكل، فأن تعطف على الجملة التى لا موضع لها من الإعراب جملة أخرى، فهنا نقف لنرى لم لم يستو الحال بين أن تعطف، وبين أن تدع العطف، وخصت الواو بالحديث؛ لأن غيرها من حروف العطف تفيد مع الإشراك معانى، كأن تدل الفاء على الترتيب من غير تراخ، وثمّ على الترتيب مع التراخى، وأو للتردد بين شيئين، فإذا عطفت جملة على جملة بواحد منها، ظهرت فائدة هذا الحرف واضحة جلية. أما الواو فإنها لما كانت لمطلق الجمع، لا تصل جملة بأخرى، إلا إذا كان المعنى في إحدى الجملتين متصلا بمعنى الجملة الأخرى، ومرتبطا به، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (التوبة 45 - 50). فالواو في هذه الآيات قد وصلت الجمل بعضها ببعض لمكان الصلة بينها والتناسب، فعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر يناسبه ارتياب قلوبهم ارتيابا ينغمسون فيه، وخذ الآية الثانية تر التناسب واضحا بين تقاعسهم عن الخروج، وعدم الإعداد له، وبين كره الله لانبعاثهم، وهكذا تجد الصلة جامعة بين الجملة وأختها جمعا يهيئ للواو مكانها بينهما.
وتأمّل جمال الوصل في قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (الغاشية 17 - 20). فالمطلوب في الآية التأمل فيما خلق الله، ليصلوا بهذا التأمل إلى الإيمان بالبعث الذى ينبنى عليه أساس الدين، والتناسب هنا بين الجمل واضح، فقد بدأ حديثه بالإبل التى هى عنصر أساسى في حياة البدوى في صحرائه، وانتقل من الإبل إلى ما يرونه أمامهم في كل حين من سماء رفعت بلا عمد، وللسماء عند البدوى مكانة خاصة، يتجه إليها ببصره، يستنزل منها الغيث ويهتدى بنجومها في سراه بالليل، فإذا هبط ببصره قليلا رأى هذه الجبال الشامخة، منصوبة تناطح السماء بقممها، وترسو في ثبات واطمئنان على أرض مهدت له، وسطحت أمامه، أو لا ترى أن تنقل البصر بين هذه المخلوقات تنقّل هادئ طبيعى لا قفز فيه، وأن ارتباط بعضها ببعض في طبيعة البدوى مهد للربط بينها، وعطف بعضها على بعض.
واتصلت الجمل في قوله سبحانه: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (الانفطار 1 - 4). لما كانت تلك المظاهر من أمارات القيامة، وما أقوى الصلة بين السماء تنشق، والكواكب تنتثر، لا نظام يجمعها، ولا جاذبية تحفظها في مكانها، وما أقوى الصلة أيضا بين تفجر البحار فتطغى مياهها، وبعثرة القبور تخرج ما دفن فيها من الموتى، فكأنها تتفجر كذلك. ومثل هذا قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (الانشقاق 1 - 5).
واقرأ قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال 26). إن في هذه النعم لرابطا يصل بعضها ببعض، ويسمح للواو أن تجمع بينها، فهؤلاء قوم كانوا قليلين مستضعفين، يخشون أن يغير عليهم مغير، يسلبهم الحريّة، فلا جرم كانت نعمة الأمن، لها المكان الأول بين نعم الله عليهم، ولم يقف الأمر عند حدّ الأمن، بل زاد عليه أن أيدهم بنصره، ولم تنته نعمه عند حد الطمأنينة والغلب، بل رزقهم خفض العيش، وطيبات الحياة.
وتأمّل الواو الواصلة في قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (الحج 3). فالمجادلة في الله واتباع الشيطان ينشئان من عدم الاحتكام إلى العقل. وقوله سبحانه: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان 17 - 19). فإنه إذا كانت الصلاة تنهى عن
الفحشاء والمنكر، فالمقيم لها جدير أن يأخذ على عاتقه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإن من يعرّض نفسه لذلك، جدير أن يلم به بعض الأذى، فوصى من ينهض بهذا العبء أن يحتمل ويصبر، وإذا كان قد أمره بالصلاة، وهى خضوع للرّب، فجدير به ألا يمتلئ بالتيه ولا الخيلاء، وأن يسير على الأرض في تؤدة، ويتحدّث إن تحدث في وداعة وهدوء، ومن ذلك ترى هذه الصلات القوية التى تربط بين هذه الجمل ربطا محكما. وخذ قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (فاطر 15). لترى الرباط القوى بين فقر الناس وغنى الله.
وتأمل جمال الوصل في قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (الانفطار 13، 14). وقوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ (آل عمران 54). وقوله:
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ (النساء 142). وقوله: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (يونس 31)، وقوله: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (النساء 142). وقوله:
كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا (الأعراف 31).
وقد يحتاج الأمر إلى فضل تدبر لمعرفة الصلة التى تربط بين جملتين، تلك الصلة التى تسمح بمجيء الواو بينهما، كما في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (الحج 189). ففي النظرة العاجلة يبدو كأنه لا ارتباط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها، ولكن الربط نشأ من أن ناسا من العرب كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم بيتا ولا خيمة ولا خباء من باب، بل إن كان من أهل المدر نقب نقبا من ظاهر البيت ليدخل منه، وخرج من خلف الخيمة أو الخباء إن كان من أهل الوبر . فلما تحدث القرآن عن الأهلة وأنها مواقيت للحج، ناسب ذلك أن يتحدث عن عادتهم هذه في الحج، ذاكرا أنها ليس من البر في شىء.
وتفصل الجملتان إذا كان بينهما امتزاج معنوى، كأن ترفع الجملة الثانية ما قد يتوهم في الجملة الأولى من تجاوز أو سهو ونسيان، كما تجد ذلك في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة 2). فتعريف جزءي الجملة الأولى، والمجيء باسم الإشارة للبعيد، مؤذن بوصف هذا الكتاب بأنه قد بلغ أسمى درجات الكمال، ولما كان ذلك قد يوهم أن ثمة مبالغة في هذا الوصف، نفى هذا الوهم، وأتبع ذلك بقوله: لا رَيْبَ فِيهِ أى في بلوغه تلك الغاية من الكمال، تأكيدا لما فهم من الجملة الأولى، وأتبعه كذلك بقوله: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ تأكيدا ثانيا؛ لأن معنى بلوغ القرآن للكمال إنما هو كماله في الهداية والإرشاد.
ومن هذا الباب قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً (لقمان 7). لم يقل: (وكأن لم يسمعها كأنّ في أذنيه وقرا)؛ لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر، هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع، ولكن الثانى أبلغ وآكد فيما سيق له، فالمراد من التشبيهين جميعا بيان أنه ليس لتلاوة الآيات عليه من فائدة، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل، ولا ريب فى أن تشبيهه بمن في أذنيه وقر، أبلغ في دلالته على هذا المعنى.
وعلى هذا النسق مما كانت الجملة الثانية فيه مؤكدة للجملة الأولى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (البقرة 6، 7). فقوله: لا يُؤْمِنُونَ تأكيد لقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ وقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ... تأكيد ثان أبلغ من الأول. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ (البقرة 8، 9). فليست المخادعة شيئا سوى قولهم آمنا، من غير أن يكونوا مؤمنين وكذلك قوله سبحانه: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (البقرة 14). وقوله تعالى: ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (يوسف 31). وقوله سبحانه: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (يس 69). وقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم 3، 4).
وقد يكون الامتزاج المعنوى بين الجملتين منشؤه أن الجملة الثانية شارحة وموضحة للجملة الأولى، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (المؤمنون 81، 82)، فالقول الثانى ورد شارحا ومبيّنا للقول الأول، وقوله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُــونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الشعراء 132 - 134). فجاء الإمداد الثانى موضحا للأول. وقوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (يس 20، 21). فلما كان المراد حث المخاطبين على اتباع الرسل، جاء الاتباع الثانى موضحا ذلك، إذ معناه اتبعوا من لا تخسرون شيئا من دنياكم فى اتباعهم، وهم مهتدون، تنالون باتباعهم سلامة دينكم، وإذا أنت تأملت هذه الآيات وجدت الجملة الثانية في الآية الأولى تقع من جملتها السابقة كما يقع بدل الكل من الكل، ووجدتها في الآية الثانية واقعة موقع بدل البعض من الكل، وفي الآية الثالثة واقعة موقع بدل الاشتمال. وقد تقع موقع عطف البيان، كما تجد ذلك في قوله
تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (طه 120). فجاء قوله: قالَ يا آدَمُ بدون الواو؛ لأنه يوضح الوسوسة ويبين عنها، ولو أنه جاء بالواو لأوهم المخالفة والتغاير.
وقد يكون منشأ هذا الامتزاج أن الجملة الثانية واقعة في موضع جواب لسؤال صريح في الجملة الأولى، أو يفهم منها، كما في قوله تعالى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الشعراء 23 - 31). ومنه قوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ (البقرة 11، 12). وقوله: وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ (البقرة 14، 15). وتتجلى دقة القرآن كذلك في وصل الجمل بباقى حروف العطف غير الواو، وتأمل قوله تعالى: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (الشعراء 75 - 81). فهو قد عطف السقى على الإطعام بالواو إرادة للجمع بينهما بلا ترتيب، ثم عطف الإحياء على الإماتة بثم؛ لأنه إنما يكون بمهلة وتراخ، وترى هذه الدقة في قوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (عبس 17 - 22). فجاء قوله من نطفة خلقه بلا واو؛ لأنها مفسرة لقوله من أى شىء خلقه، «وعطف قوله: فقدره بالفاء، تنبيها على أن التقدير مرتب على الخلق وعلى عدم التراخى بينهما، وعطف السبيل بثم، لما بين الخلق والهداية من التراخى والمهلة الكثيرة، ثم عطف الإماتة بثم، إشارة إلى التراخى بينهما بأزمنة طويلة، ثم عطف الإقبار بالفاء، إذ لا مهلة هناك، ثم عطف الإنشار بثم، لما يكون هناك من التراخى باللبث في الأرض أزمنة متطاولة».
وقد يبدو في بادئ الرأى أن الموضع لحرف غير ما ذكر، ولكن التأمل الدقيق يجعل الموضع للحرف المذكور، كما تجد ذلك في قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف 28). فقد يبدو بادئ الرأى أن الموضع للفاء هنا، فيقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه؛ لأن فعل المطاوعة لا يعطف إلا بالفاء، تقول أعطيته فأخذ، وكسرته فانكسر، ولكن التأمل يدل على أن الآية تعدد صفات الشخص الذى نهى الرسول عن طاعته، ومن أغفل الله قلبه عن ذكره فقد غفل قلبه، فكأنه قال: ولا تطع من غفل قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه، ومن هنا كانت الواو في مكانها.
ويجمع القرآن بالواو أيضا بين المفردات المتناسبة، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (الأنعام 162). وقوله:
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُــونَ (الأعراف 33).
وجرى الاستعمال القرآنى على ألا يعطف بعض الصفات على بعض إلا إذا كان بينها تضاد، تجد ذلك في قوله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (التحريم 5). فقد مضت الصفات بعضها بجوار بعض من غير عاطف، إلا بين ثيبات وأبكار، للتنويع ورفع التناقض، وفي قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (الحشر 23، 24). فلما تضادت الصفات عطفت كما في قوله سبحانه: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ (الحديد 3). وجاءت الواو في قوله سبحانه: تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (غافر 2، 3). لأن الصفتين وهما غفران الذنوب وقبول التوبة تواردا على معنى واحد، هو التجاوز عن الذنب، فجاءت الواو بينهما مؤذنة بالتغاير، ومشيرة إليه، فالله يغفر الذنب حينا من تلقاء نفسه بفضله، وحينا يعفو عنه بسبب ندم التائب واعتذاره، فدلت الواو على هذا المعنى، وأشارت إليه.

الْكَبِيرَة

Entries on الْكَبِيرَة in 2 Arabic dictionaries by the authors Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn and Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْكَبِيرَة: مَا كَانَ حَرَامًا مَحْضا، وَقد أورد الشَّيْخ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ قدس سره فِي (قُوَّة الْقُلُوب) ، أَن الْكَبَائِر سَبْعَة عشر، أَرْبَعَة فِي الْقلب: وَهن: الاشراك، والاصرار على حب الْمعْصِيَة، وَالْقَصْد عِنْدَمَا يعْتَقد أَنَّهَا صَغِيرَة، واليأس من روح الله، وَأَرْبَعَة فِي اللِّسَان: وَهن: شَهَادَة الزُّور المعطلة للحق، وَالسحر، وَالْقسم الْكَاذِب، وَالْقَذْف الْمُوجب للحد. وَثَلَاثَة فِي الْبَطن: شرب الْخمر، وَمَال الْيَتِيم والربا، وَاثْنَتَانِ فِي الْفرج: الزِّنَا واللواط، وَاثْنَتَانِ فِي الْيَد: وهما فِي غَايَة السوء، السّرقَة وَالْقَتْل بِغَيْر حق، وَوَاحِدَة فِي الرجل: الْهَرَب من قتال الْكَافرين، وَآخر الْأَشْيَاء وتتعلق بِجَمِيعِ الْجَسَد وَهِي: (عقوق الْوَالِدين) .
الْكَبِيرَة: مَا كَانَ حَرَامًا مَحْضا شرع عَلَيْهَا عُقُوبَة بِنَصّ قَاطع فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَفِي تعدادها اخْتِلَاف فَإِنَّهُ روى عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهَا تسع الشّرك بِاللَّه - وَقتل النَّفس بِغَيْر حق - وَقذف المحصنة - وَالزِّنَا - والفرار من الزَّحْف - وَالسحر - وَأكل مَال الْيَتِيم - وعقوق الْوَالِدين الْمُسلمين - والإلحاد فِي الْحرم -.
وَزَاد أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أكل الرِّبَا - وَزَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ كرم الله وَجهه السّرقَة - وَشرب الْخمر - وَلَيْسَ المُرَاد بالشرك القَوْل بالإلهين بل المُرَاد بِهِ الْكفْر مُطلقًا سَوَاء كَانَ بإنكار الألوهية أَو النُّبُوَّة أَو شَيْء من أَحْكَامهَا وَإِنَّمَا خص بِالذكر لِكَثْرَة وجوده فِي بِلَاد الْعَرَب أَو لكَونه أَعلَى أَفْرَاد الْكفْر. قيل المُرَاد بِالسحرِ الْعَمَل بِهِ. وَأما التَّعْلِيم والــتعلم فجوزه بَعضهم وَمنعه بَعضهم. وَالْحق أَن المُرَاد بِهِ التَّعْلِيم والــتعلم وهما حرامان لَا الْعَمَل بِهِ فَإِنَّهُ كفر بالِاتِّفَاقِ وَحِينَئِذٍ ينْدَفع الِاعْتِرَاض بِأَن انحصار الْكَبِيرَة فِي التسع بَاطِل لِأَن المُرَاد بالشرك أما مُطلق الْكفْر فالسحر دَاخل فِيهِ فَتكون ثَمَانِي لَا تسعا وَإِلَّا فَتبقى أَنْوَاع الْكفْر سوى اعْتِقَاد الشَّرِيك فِي وجوب الْوُجُود كاتخاذ الْوَلَد وإنكار النُّبُوَّة وَإِثْبَات الحيز والجهة لله تَعَالَى خَارِجَة عَن الْكَبِيرَة فَافْهَم.
وَقَالَ أفضل الْمُتَأَخِّرين الشَّيْخ عبد الْكَرِيم رَحمَه الله تَعَالَى وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا يَعْنِي أَن المُرَاد بِالسحرِ هَا هُنَا تعلمــه وتعليمه مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي طَالب الْمَكِّيّ رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْكَبِيرَة سَبْعَة عشر وَبَينهَا إِلَى أَن قَالَ أَرْبَعَة فِي اللِّسَان هِيَ شَهَادَة الزُّور - وَقذف المحصنة - وَالْيَمِين الْغمُوس - وَالسحر - حَيْثُ جعل السحر من الْكَبِيرَة الَّتِي فِي اللِّسَان وَمَا فِي اللِّسَان إِلَّا تَعْلِيمه وتعلمــه انْتهى.
وَلَا يخفى أَن هَذَا إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ الْعَمَل بِالسحرِ فِي غير اللِّسَان وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَا بُد فِي الْعَمَل بِهِ من القَوْل بِاللِّسَانِ كأسامي الشَّيَاطِين وَغَيرهَا. وَقيل إِن الصَّغِيرَة والكبيرة اسمان إضافيان حَتَّى أَن كل سَيِّئَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقهَا صَغِيرَة وبالنسبة إِلَى مَا دونهَا كَبِيرَة. وَالْحق أَن الْكَبَائِر مُمَيزَة عَن الصَّغَائِر بِالذَّاتِ كَمَا يدل عَلَيْهِ ظَاهر قَوْله تَعَالَى {وَأَن تجتنبوا كَبَائِر مَا تنهون عَنهُ نكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ} لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر حِين كَونهمَا إضافيين اجْتِنَاب الْكَبَائِر إِلَّا بترك جَمِيع المنهيات سوى وَاحِدَة هِيَ دون الْكل وَهَذَا خَارج عَن طوق الْبشر.

أسلوب القرآن

Entries on أسلوب القرآن in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
أسلوب القرآن
أول ما يتّسم به أسلوب القرآن هو الفخامة والقوة والجلال، يكتسبها من انتقاء ألفاظ، لا امتهان فيها ولا ابتذال، ومن استخدام ألوان التوكيد والتكرير. تشعر بهذه الفخامة في كل ما تناوله القرآن من الأغراض، واستمع إليه يصف جنة الخلد قائلا: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (الإنسان 10 - 22). وهكذا يكتسب الأسلوب القرآنى قوّته من اختيار ألفاظه وموسيقاه.
وثانى ما يتصف به التصوير، وقد أوضحنا بعض ذلك فيما مضى، عند ما تحدثنا عن تخيّر اللفظ في الجملة، وعن التصوير بالتشبيه والاستعارة، ونضيف إلى ذلك أنه كثيرا ما ينقل الحوار، ويحكى نص القول بعثا للحياة في الأسلوب، واستمع إلى ألوان الحوار في قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُــونَ وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (الأعراف 37 - 39). والحوار كما ترى ينقل
الحقيقة أمامك مصورة.
وثالث ما يختص به هذا الانسجام الموسيقيّ، الذى فيه تؤلف العبارة من كلمات متّسقة، ذات حركات وسكنات، يشعر المرء عند تلاوتها بما يكمن وراء هذا النظام من موسيقى واتساق، وإن هذه الموسيقى التى تكمن وراء هذا النظم هى التى مكنت المرتلين من تلاوته بهذه الأنغام الموسيقية، وإن شدّة هذا الانسجام يصل في بعض الأحيان إلى أن تتفق الآية مع وزن بحر من بحور الشعر، كما نرى ذلك في قوله تعالى: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ (سبأ 13). فهى تتفق مع بحر الرمل، وقوله تعالى: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ (فاطر 18). مما يتّزن على بحر الخفيف، وقوله تعالى: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (المؤمنون 36)، مما هو شطر بيت من بحر السريع، وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (الطلاق 2، 3). مما يوزن على بحر المتقارب، وقوله سبحانه: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (الإنسان 14). وبإشباع حركة الميم يوزن على بحر الرّجز، وقوله تعالى: وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (التوبة 14) وزنوه على بحر الوافر، وقوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (العاديات 1، 2). وما على شاكلته، مما يوزن على بحر البسيط. وليس ذلك بمدخل القرآن في الشعر؛ لأنه «إنما يطلق متى قصد القاصد إليه، على الطريق الذى يعمد ويسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلّا من الشعراء، دون ما يستوى فيه العامىّ والجاهل، والعالم بالشعر واللسان وتصرّفه، وما يتفق من كل واحد، فليس يكتسب اسم الشعر، ولا صاحبه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى شاعرا كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر، أو أن تنتظم انتظام بعض الأعاريض، كان الناس كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ما قد يتزن بوزن الشعر، وينتظم انتظامه، ألا ترى أن العامى قد يقول لصاحبه: «أغلق الباب، وائتنى بالطعام» ... ومتى تتبع الإنسان هذا عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه» .
ويتسم الأسلوب القرآنى بالهدوء عند ما يتطلب الأمر هدوءا وتأملا وفضل تدبر، كما في الآيات التى تدعو إلى إعمال الفكر، وفي القصص والأخبار والأحكام، كما في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (الرعد 2 - 6).
وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُــونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (الأنعام 74 - 82).
وحينا يتدفق الأسلوب ويندفع، فى جمل قصيرة، مثيرا بذلك الانفعال السريع العنيف، وذلك حيث يتطلب هجوم الحق على الباطل هذا العنف المثير، كما تجد ذلك في قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (الأنبياء 21 - 24). وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (المدثر 11 - 28). أو عند ما يتطلب الأمر إسراعا كما في قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (المدثر 1 - 7).
وأسلوب القرآن منه المسجوع ومنه المرسل، وهو في كليهما يخالف غالبا ما ألف الناس في السجع والإرسال، فالقرآن يلتزم حرف السجع في أكثر من آيتين، بل قد تكون السورة كلها على حرف واحد، كسورة القمر، التى التزم فيها حرف الرّاء، ومن أمثلة ما تعدى فيه السجع جملتين، قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (عبس 1 - 10).
وقد يأتى بين الجمل المسجوعة بجملة لا تتفق فاصلتها مع ما سبقها ولحقها، وكأنما تلك الكلمة تتطلّب عناية خاصة، تستدعى قدرا كبيرا من الرعاية، تثيره هذه المخالفة لنسق الآيات كقوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (عبس 19 - 37). فأنت ترى كلمتى: طعامه والصاخة، بخروجهما على النسق، قد أثارا انتباه السامع، ودفعاه إلى التريث وإنعام النظر. كما أنك ترى في الآيات السالفة أن الكلمة قد تحافظ على وزن زميلتها في السجع لا في الحرف الأخير، كما نجد ذلك في قضبا ونخلا، وقد سبق أن تحدثنا عن ذلك في فصل الفاصلة.
وقد تكون الجملتان المسجوعتان متوازنتين في القصر، كما في قوله تعالى:
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (التكوير 1 - 5)، وحينا تتوازنان في الطول، ولا يكون باقيا من مظاهر السجع سوى هذه الفاصلة التى تتفق في آخر الآيات، أما الآيات نفسها فمرسلة، وإن كانت لا تتفق مع مرسل كلام الناس، لوجود الفاصلة المتحدة أو المتماثلة في آخرها، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعالَمِينَ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (غافر 64 - 67)، وفي هذه الآيات فضلا عن ذلك، مظهر من مخالفة السجع القرآنى لسجعنا العادى، فبينا يجلب تكرير الكلمة، لغير تورية أو جناس، ضعفا في التأليف، إذا به في نظم الآى يزيدها جمالا ورونقا، وكأنما هذه الكلمة لازمة النشيد، تكرر فتزيده حسنا وحلاوة.
وقد تتوازن الآى القرآنية من غير سجع، كما في قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ خافِضَةٌ رافِعَةٌ إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (الواقعة 1 - 9).
وفي القرآن إرسال، كما في قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (المجادلة 22). وهو يخالف إرسالنا العادى بهذه الفواصل في آخره كما ذكرنا.
*** 
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.