Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: ماء

السورة

Entries on السورة in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya and Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
السورة: هي الطائفة من القرآن المسمَّاة باسم خاص توقيفاً وأقله ثلاث آيات.
السورة
- 1 - قسم القرآن الكريم سورا، سمّيت كل منها باسم خاص، أخذ من بعض ما عالجته السورة من المعانى، أو مما تحدث عنه من إنسان وحيوان أو غيرهما، أو من بعض كلماتها.
والسورة القرآنية قد تكون ذات موضوع واحد تتحدث عنه، ولا تتجاوزه إلى سواه، مثل كثير من قصار السور، كسورة النبأ والنازعات والانشقاق، وكلها تتحدث عن اليوم الآخر، والهمزة والفيل وقريش، وهى تتحدث عن عقاب من يعيب الناس، وما حدث لأصحاب الفيل، وما أنعم الله به على قريش من نعمة الألفة.
وقد تتناول السورة أغراضا شتى، مثل معظم سور القرآن، وهنا نقف لنتبين أىّ الخطتين أقوم وأهدى: أن يرتب القرآن موضوعاته ويجعل كل سورة تتناول موضوعا واحدا معينا، فتكون سورة للأحكام وأخرى للتاريخ وثالثة للقصص ورابعة للابتهال، حتى إذا فرغت منه تناولت سورة أخرى غرضا آخر وهكذا، أو أن تتناثر أحكامه وقصصه ووعده ووعيده على النحو الذى انتهجه، والذى يبدو بادئ ذى بدء أن السلك الذى يربط بين آياته ضعيف الربط أو واهى التماسك؟
وللإجابة عن هذا السؤال يجب أن نعرف الهدف الذى إليه يرمى القرآن الكريم؛ لنرى أقوم الخطتين لتحقيق هذا الهدف والوصول به إلى جانب التوفيق والنجاح.
أما هدف القرآن الكريم فغرس عقيدة التوحيد في النفس، وانتزاع ما يخالف هذه العقيدة من الضمير، والدعوة إلى العمل الصالح المكوّن للإنسان المهذب الكامل، بسن القوانين المهذّبة للفرد، الناهضة بالجماعة.
وإذا كان ذلك هو هدف القرآن، فإن المنهج القرآنى هو الذى يحقق هذا الهدف فى أكمل صوره، وأقوى مظاهره، ذلك أنه لكى يحمل على اتّباع ما يدعو إليه يمزج دعوته بالحث على اتباعها، ويضرب المثل بمن اتبع فنجح، أو ضل فخاب، ويتبع الحديث عن المؤمنين بذكر بعض الأحكام التى يجب أن يتبعها هؤلاء المؤمنون، ويعقب ذلك بالترغيب والترهيب، ثم يولى ذلك بوصف اليوم الآخر وما فيه من جنة أو نار، وهو في كل ذلك يتكئ على الغريزة الإنسانية التى تجعل المرء خاضعا بالترغيب حينا، والترهيب حينا آخر، والقرآن حين يستمد شواهده من حوادث التاريخ لا يستدعيه ذلك أن ينهج منهج المؤرخين، فيتتبع الحادث من مبدئه إلى منتهاه، وينعم النظر في الأسباب والنتائج، ويقف عند كل خطوة من خطواته، ولكنه يقف من هذا الحادث عند الفكرة التى تؤيد غرض الآية، والجزء الذى يؤيد الهدف الذى ورد في الآيات، وقل مثل ذلك في القصة عند ما يوردها، فإنها تساق للهدف الذى تحدّثنا عنه، وهو من أجل ذلك ينظر إليها من زاوية بعينها، ولا يرمى غالبا إلى قص القصّة برمتها، وسوف نشبع الحديث في ذلك فيما يلى:
يتنقل القرآن إذا بين الأغراض المختلفة، لا اعتباطا وبلا هدف، ولكن لصلات وثيقة تربط بين هذه الأغراض، بحيث تتضافر جميعها في الوصول إلى الغاية القصوى وتحقيقها.
ولنبدأ في تفصيل ما أجملناه مبينين الصلات الوثيقة التى تربط آية بآية، ثم موضحين وجوه الترابط القوى بين الأغراض المختلفة في السورة الواحدة.
فقد تقع الآية الثانية صفة لكلمة في الآية الأولى كما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (البقرة 26، 27). وقد تكون الآية الثانية توكيدا لفكرة الآية الأولى، كما تجد ذلك في قوله سبحانه: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (البقرة 94 - 96). وقد تكون الآية الثانية ردّا على ما في الآية الأولى كما في قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (البقرة 80، 81). وقد تحمل الآية الثانية فكرة مضادة لفكرة سابقتها، كما في قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ  وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (البقرة 24، 25). ولا ريب أن الجمع بين حكم المتضادين في الذهن يزيده جلاء ووضوحا.
وتأمل الصلة القوية بين هاتين الآيتين، وهى صلة الربط بين الحكم وحكمته فى قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي
الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
(البقرة 178، 179). ويصف الكتاب ثمّ يحبّب في اتباعه مبغّضا إلى النفوس صورة منكريه، فيقول: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (البقرة 2 - 7). ويعقب توحيد الله بدلائل هذا التوحيد في قوله: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّــماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّــماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (البقرة 163، 164).
ويطول بى القول إذا أنا مضيت في الاستشهاد على بيان الصلات التى تربط آية بآية، ولكنى أشير هنا إلى أن إدراك هذه الصلة يتطلب في بعض الأحيان تريثا وتدبرا يسلمك إلى معرفة هذه الصلة وتبيّنها، ولكنك تصل- ولا ريب- إلى وثاقة هذا الارتباط ومتانته، وخذ لذلك مثلا قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (الأنفال 4، 5). فقد لا يظهر موضع الكاف ولا مكان الصلة بين الآية الثانية وما قبلها من الآيات، ولكن التأمل يهدى إلى أن القرآن يربط بين أمرين: أولهما ما بدا من بعض المسلمين من عدم الرضا بما فعله الرسول في قسمة الغنائم، وثانيهما ما كان قد ظهر من بعض المؤمنين من كراهية أن يخرج الرسول من منزله إلى الغزو، وقد تمّ في هذا الغزو النصر والغنيمة، فكأنه يقول إن الخير فيما فعله الرسول في قسمة الغنائم، كما كان الخير فيما قام به الرسول من خروجه إلى الغزو، وبذلك تبدو الصلة قوية واضحة بين الخبرين. ومن ذلك قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة 114، 115). فقد تبدو الصلة منفصمة بين هذه الآيات، ولكنك إذا تأملت الآية الأولى وجدت فيها حديثا عن الذين لا يعلمون ولا يتلون الكتاب، وهؤلاء لا يعترفون بشيء مما أنزل الله، فهم يسعون في تقويض أسس الأديان جميعا، لا فرق عندهم بين دين ودين، وهم لذلك يعملون على أن يحولوا بين المسلمين وعبادة الله، ويسعون في تخريب بيوت عبادته، ومن هنا صحّ هذا الاستفهام الذى يدل على أنه لا أظلم من هؤلاء الذين لا يعلمون، وارتباط الآية الثالثة بما قبلها لدلالتها على أن عبادة الله ليست في حاجة إلى مسجد يقام، بل لله المشرق والمغرب، فحيثما كنتم ففي استطاعتكم عبادة الله؛ لأن ثمة وجه الله.
«قال بعض المتأخرين: الأمر الكلى المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذى سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التى تقتضى البلاغة شفاء الغليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلّى المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، فإذا عقلته تبين لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة» .
ولكل سورة في القرآن هدف ترمى إليه، فتجد سورة الأنعام مثلا تتجه إلى إثبات توحيد الله ونبوّة رسوله، وإبطال مذاهب المبطلين وما ابتدعوه من تحليل حرام أو تحريم حلال؛ وتجد سورة الأعراف تتجه إلى الإنذار والاتّعاظ بقصص الأولين وأخبارهم، وتجد سورة التوبة تحدد علاقة المسلمين بأعدائهم من مشركين وأهل كتاب ومنافقين، وتجد سورة الحجر ترمى إلى إثبات تنزيل القرآن وترهيب المكذبين به، بقصّ أخبار المكذبين قبلهم، وهكذا تجد هدفا عامّا تدور حوله السورة، وتتبعه معان أخرى تؤكده ويستتبعها، ويخلص الإنسان في السورة من معنى إلى آخر خلوصا طبيعيّا لا عسر فيه ولا اقتسار. ولنحلل سورة من القرآن، نتبين فيها منهجه، وندرك مدى تأثير هذا المنهج فى النفس الإنسانية.
ففي سورة المزمل، والهدف منها تهيئة الرسول للدعوة، وإعداده لما سيلقاه في سبيلها من متاعب ومشاق، بدئت السورة بنداء الرسول، وتكليفه بما يعده لحمل أعباء الرسالة، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (المزمل 1 - 9). ألا تراه يعدّه بهذه الرّياضة النفسية الشاقة لتحمل أعباء الرسالة المضنية فليمض الليل أو جزءا منه في التهجد وقراءة القرآن، استعدادا لما سيلقى عليه من تكاليف شاقة ثقيلة، وإنما أمر الرسول بالتهجّد في الليل؛ لأن السهر فيه أشق على النفس، ولكنها تخلص فيه لله، وتفرغ من مشاغل النهار وصوارفه، وأمر بذكر الله، والإخلاص له تمام الإخلاص، فهو رب المشرق والمغرب، لا إله إلا هو.
بعد هذا الإعداد بالرياضة أراد أن يوطنه على تحمل الأذى في سبيل هذه الدعوة والصبر عليه، وينذر هؤلاء المكذبين بما سيجدونه يوم القيامة من عذاب شديد، وهنا يجد المجال فسيحا لوصف هذا اليوم وصفا يبعث الرهبة في النفس، والخوف في القلب، عساها تكف عن العناد، وتنصاع إلى الصواب والحق، ولا ينسى أن يضرب المثل من
التاريخ لمن كذّب وعصى، كى يكون عظة وذكرى، فقال:
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً السَّــماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (المزمل 10 - 18).
فأنت ترى الانتقال طبيعيّا من توطين الرسول على الأذى، ثم بعث الطمأنينة إلى نفسه بأن الله سيتكفل عنه بتأديب المكذبين، بما أعده الله لهم من عذاب أليم يوم القيامة، وتأمل ما يبعثه في النفس تصور هذا اليوم الذى ترتجف فيه الأرض، وتنهار الجبال فيه منهالة، وينتقل إلى الحديث عن عاقبة من كذب بالرسل من أسلافهم، ثم يتجه إليهم، موجّها لهم الخطاب يسألهم متعجبا، عما أعدوه من وقاية لأنفسهم يصونونها بها من هول يوم يشيب الطفل فيه من شدته، وحسبك أن ترفع الطرف إلى أعلى، فترى الســماء التى أحكم بناؤها، قد فقدت توازنها وتصدّع بناؤها.
ويختم هذا الإنذار بجملة تدفع النفس إلى التفكير العميق، وتفتح أمامها باب الأمل والنجاة لمن أراد أن يظفر وينجو، إذ قال: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (المزمل 19). ألا تحس في هذه الجملة معنى إلقاء المغبة على عاتق هؤلاء المنذرين، وأنهم المسئولون عما سوف يحيق بهم من ألم وشقاء، أو ليس في ذلك ما يحفزهم إلى التفكير الهادئ المتزن، عساهم يتخذون إلى ربهم سبيلا؟
وينتقل القرآن من إنذاره لهؤلاء المكذبين إلى خطابه للمطيعين، وهم الرسول وطائفة ممن معه، فيشكر لهم طاعتهم، ولا يرهقهم من أمرهم عسرا، ويطلب إليهم القيام ببعض الفروض، ويحببها إليهم، فهم عند ما يؤتون الزكاة يقرضون الله، ومن أوفى بأداء الحقوق منه سبحانه، ويختم خطابه لهم بوصفه بالغفران والرحمة، فيقول: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (المزمل 20).
فأنت ترى في هذه الآية الكريمة مدى الرفق في خطاب المطيعين، وما أعد لهم من رحمة وغفران، فى مقابل ما لدى الله من أنكال وجحيم لهؤلاء المكذبين.
أنت بذلك التحليل ترى مدى الترابط بين الأغراض المختلفة، واتساق كل غرض مع صاحبه، وحسن التخلص وطبيعة الانتقال من غرض إلى آخر وتستطيع أن تمضى في تحليل سور القرآن على هذا النسق، وسوف ترى الربط بين الأغراض، قويا وثيقا.
فإذا رأيت في بعض السور بعض آيات يشكل عليك معرفة وجه اتساقها في غرض السورة فتريث قليلا تروجه المجيء بها قويا، ولعل من أبعد الآيات تعلقا بسورتها في الظاهر قوله تعالى في سورة القيامة: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (القيامة 16 - 19)، فإن السورة كلها حديث عن يوم القيامة وأحواله. وأفضل ما رأيته في توجيه هذه الآيات ما حكاه الفخر الرازى من «أنها نزلت في الإنسان المذكور قبل في قوله: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (القيامة 13). قال: «يعرض عليه كتابه، فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفا، فأسرع في القراءة، فيقال له: لا تحرك به لسانك، لتعجل به، إن علينا أن نجمع عملك، وأن نقرأ عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت، ثم إن علينا بيان أمر الإنسان، وما يتعلق بعقوبته» وإذا كنت أوافقه في أصل الفكرة فإنى أخالفه في تفصيلاتها، فالمعنى، على ما أدرى، ينبّأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر، وذلك كما أخبر القرآن، فى كتاب مسطور، وفي تلك الآيات يصف القرآن موقف المرء من هذا الكتاب فهو يتلوه في عجل كى يعرف نتيجته، فيقال له: لا تحرك بالقراءة لسانك لتتعجل النتيجة، إن علينا أن نجمع ما فيه من أعمال في قلبك، وأن نجعلك تقرؤه في تدبر وإمعان، فإذا قرأته فاتجه الاتجاه الذى يهديك إليه، وإن علينا بيان هذا الاتجاه وإرشادك إليه إما إلى الجنة، وإما إلى السعير. وبذلك يتضح أن لا خروج فى الآيات على نظم السورة وهدفها.
ذلك هو ما أراه في ترتيب آيات القرآن الكريم وشدة ما بينها من ارتباط، وكان بعض العلــماء يشعر بشدة صلة آى القرآن بعضها ببعض، حتى يكون كالكلمة الواحدة، ومن هؤلاء ابن العربى . وممن عنى بدراسة التناسب بين الآيات أبو بكر النيسابورى «وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول على الكرسى إذا قرئ عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جانب هذه، وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وممن أكثر منه فخر الدين، قال في تفسيره: أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط» .
لا أوافق إذا عز الدين بن عبد السلام عند ما قال: «المناسبة علم حسن، ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث، فضلا عن أحسنه، فإن القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض» . ولا أوافق أبا العلاء بن غانم في قوله: «إن القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذى هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم وأن ليس في القرآن شىء من حسن التخلص» .
لا أوافقهما وحجتى في ذلك أمران: أما أولهما فما نراه من حسن التناسب وقوة الارتباط حقا بين الآى بعضها وبعض، محققة بذلك هدف القرآن كما تحدثنا، ولعل عز الدين ومن لف لفه كان يرى التناسب يتم إذا جمعت آيات الأحكام مثلاكلها في سورة واحدة أو عدة سور، وجمعت القصص كلها كذلك في سورة واحدة أو عدة سور، وجمعت حوادث التاريخ كلها في سورة واحدة أو عدة سور، وهكذا، وقد سبق أن بيّنا أن هذا النهج لا يحقق الهدف الذى يرمى إليه القرآن من الإرشاد والهداية، فليس القرآن كتاب قصص أو تاريخ، ولكنه كتاب دين، يرمى إلى التأثير فى النفس، فهو يلقى العظة، مبيّنا ما في اتباعها من خير، وضاربا المثل من التاريخ على صدق ما ادعى، ومستشهدا بقصص الأولين وآثارهم، ومقنّنا من الأحكام ما فيه خير الإنسانية وكمالها، وكل ذلك في تسلسل واطراد وحسن اتساق، ترتبط المعانى بعضها ببعض، ويؤدى بعضها إلى بعض.
أولا نرى في هذا النهج القرآنى وسيلة لتكرير العظات والإنذار والتبشير في صور متعددة مرات عدة، وللتكرير كما قلنا أثره في تثبيت المعنى في النفس، وبلوغ العظة الهدف الذى ترمى إليه، ولن يكون للتكرير جماله إذا عمد القرآن إلى كل غرض على حدة فوضع آية بعضها إلى جانب بعض.
وأما ثانيهما فتاريخى يعود إلى ترتيب الرسول للقرآن بأمر ربه، فقد كانت تنزل عليه الآيات فيأمر كتبة الوحى أن يضعوها في موضعها بين ما نزل من القرآن، فى هذه السورة أو تلك، ويضع بعض ما نزل في مكة بين آيات السور المدنية، فلولا أن رابطا يجمع بين هذه الآيات بعضها وبعض، ما كان ثمة سبب يدفع إلى هذا الوضع ولا يقتضيه بل لرتبت الآى كما نزلت وما كان هناك داع إلى ترتيب ولا تبويب، أما والقرآن قد نزل للناس كافة، وللأجيال جميعها فقد اختار الله لكتابه خير ترتيب يحقق الهدف الذى له نزل الكتاب الحكيم.
- 2 - وتبدأ سور القرآن مثيرة في النفس الإجلال، وباعثة فيها الشوق، والرغبة في تتبع القراءة، والاستزادة منها، فهى حينا ثناء عليه تعالى بتعداد ما له من صفات العظمة والجلال كما في قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الحديد 1 - 3). وحينا تعظيم من شأن الكتاب وتقدير له، تقديرا يبعث على الإصغاء إليه وتدبّر آياته كما في قوله سبحانه: تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً ... (فصلت 2 - 4) أولا ترى الشوق يملأ نفسك وأنت تصغى إلى مثل تلك الفاتحة: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (يوسف 1). وكأنما هى تنبيه للسامع كى يستجمع كل ما يملك من قوة، ليستمع إلى ما سيلقى إليه، وكذلك يثور الشوق لدى سماع كل فاتحة فيها ثناء على الكتاب وتعظيم لأمره، شوق يدعو إلى معرفة ما يحويه هذا الكتاب، الذى يصفه حينا بأنه يخرج من الظلمات إلى النور، فى قوله: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (إبراهيم 1).
وبأنه لا ريب فيه في قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة 2).
وكثر في القرآن البدء بالقسم، وهو بطبيعته يدفع إلى التطلع لمعرفة المقسم عليه، لأنه لا يلجأ إلى القسم إلا في الأمور المهمة التى تحتاج إلى تأكيد وإثبات، وقد يطول القسم فيطول الشوق، وتأمّل جمال البدء بالقسم في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (الليل 1 - 4).
وكما يثير القسم الشوق والتطلع، كذلك يثيرهما في النفس الاستفهام والشرط، ففي الاستفهام تتجمع النفس لمعرفة الجواب، وفي الشرط تتطلع لمعرفة الجزاء، وقد افتتحت عدة سور من القرآن بهما كما في قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (العنكبوت 2). وقوله: إِذَا السَّــماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (الانفطار 1 - 5).
وقد تبدأ السورة بنداء الرسول أو المؤمنين، للأمر بشيء ذى بال، أو النهى عن أمر شديد النكر، أو تبدأ بخبر يثير الشوق، أو تدخل السورة مباشرة في الحديث عن الغرض الذى نزلت لأجله، كما في قوله تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (التوبة 1). وكأن في ضخامة الغرض وقوته ما يشغل عن التمهيد له، بل كأن في التمهيد إضاعة لوقت يحرص القرآن على ألا يضيع.
وقد يكون مفتتح السورة موحيا بفكرتها، ومتصلا بها شديد الاتصال، ومتناسبا معها شديد التناسب، فمن ذلك سورة آل عمران التى افتتحت بقوله:
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (آل عمران 2). وقد عالجت السورة أمر عيسى ونزهت الله عن الولد، أو لا ترى البدء مناسبا لهذا التنزيه؟ ومن ذلك سورة النساء، فقد تحدثت عن كثير من أحكامهن في الزواج والميراث، فكان من أجمل براعات الاستهلال قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (النساء 1)، ألا ترى في خلق المرأة من زوجها ما يوحى بالرفق والحنان الذى يجب أن تعامل به المرأة فلا يبخس حقها زوجة أو أما أو بنتا، وفي الحديث عن تقوى الأرحام هنا إشارة كذلك إلى أن السورة ستعالج بعض أمورهم أيضا ورثة يتامى.
وقل مثل ذلك في أول الأنعام التى ترمى إلى إثبات توحيد الله إذ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (الأنعام 1)، فليس غير السموات والأرض شىء يبقى خلقه لغير الله.
- 3 - ولخاتمة السورة أثرها الباقى في النفس، لأنه آخر ما يبقى في الذهن، وربما حفظ دون باقى الكلام، ومن أجل هذا كانت خواتم سور القرآن مع تنوعها تحمل أسمى المعانى وأنبلها، فهى حينا دعاء وابتهال يحمل النفس الإنسانية إلى عالم روحى سام، يعترف فيه الإنسان بعجزه أمام قدرة الله، ويطلب من هذه القوة القاهرة أن تعينه وأن تنصره، أو لا يشعر المرء حين يلتجئ إلى هذه القوة بأنه ألقى ثقله، وتخفف من عبئه، كما تجد ذلك في ختام سورة البقرة إذ يقول سبحانه: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (البقرة 286). أو لا يؤذن هذا الدعاء بعد سورة اشتملت على كثير من الجدل والنقاش، وجملة كبيرة من الأحكام بأن السعادة الحقة إنما هى في هذا الالتجاء إلى الله، واستمداد القوة من قدرته، وبذا كان هذا الدعاء مؤذنا بالانتهاء، باعثا برد الراحة في الفؤاد، بعد معركة طال فيها بيان الحق، ومناقشة الباطل وهدمه.
وحينا حديث عن الله بإجلاله وتقديسه، أو بتعداد صفاته الباعثة على حبه وإجلاله معا، فتراه في ختام سورة المائدة يقول: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (المائدة 120). وفي ختام سورة الإسراء يقول: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (الإسراء 111). إلى غير ذلك من سور كثيرة، وكأن في هذا الختام خلاصة الدعوة التى تهدف السورة إليها، فكان ذكره مؤذنا بانتهائها، كما تذكر خلاصة الكتاب في نهايته.
وفي أحيان كثيرة تختم السورة بما يشعر بأن القرآن قد أدى رسالته، فعلى السامع أن يتدبر الأمر، ليرى أى الطريقين يختار، والختم بذلك يبعث في نفس القارئ التفكير أيؤثر الهدى أم يختار الضلال، فتراه مثلا في نهاية سورة التوبة يقول: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (التوبة 128 - 129)، أو تختم بإنذار أو وعد أو أمر بركن من أركان الحياة الرفيعة الصالحة، فيختم آل عمران بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران 200).
وقل أن تختم السورة بحكم تشريعى جديد، كما في سورة النساء. وفي كل ختام تشعر النفس بأن المعانى التى تناولتها السورة قد استوفت تمامها، ووجدت النفس عند الخاتمة سكونها وطمأنينتها، حتى إن السورة التى ختمت باستفهام لم يشعر المرء عنده بنقص يحتاج إلى إتمام، بل كان جوابه مغروسا فى القلب، مستقرا في الضمير، فتم بالاستفهام معنى السورة، وأثار في النفس ما أثار من إقرار لا تستطيع تحولا عنه ولا إخفاء له. 

الأَحْسَاءُ

Entries on الأَحْسَاءُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
الأَحْسَاءُ:
بالفتح والمدّ، جمع حسي، بكسر الحاء، وسكون السين: وهو الــماء الذي تنشفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر العرب عنه الرمل فتستخرجه، قال أبو منصور:
سمعت غير واحد من تميم يقول: احتسينا حسيا أي أنبطنا ماء حسي، والحسي الرمل المتراكم، أسفله جبل صلّد، فإذا مطر الرمل نشف ماء المطر، فإذا انتهى إلى الجبل الذي تحته، أمسك الــماءــ، ومنع الرمل وحرّ الشمس أن ينشفا الــماء. فإذا اشتدّ الحرّ نبث وجه الرمل عن الــماء فنبع باردا عذبا يتبرّض تبرّضا. وقد رأيت في البادية أحساء
كثيرة على هذه الصفة، منها أحساء بني سعد بحذاء هجر، والأحساء ماء لجديلة طيء بأجإ، وأحساء خرشاف، وقد ذكر خرشاف في موضعه، وأحساء القطيف، وبحذاء الحاجر في طريق مكة أحساء في واد متطامن ذي رمل، إذا رويت في الشتاء من السيول، لم ينقطع ماء أحسائها في القيظ، وقال الغطريف لرجل كان لصّا، ثم أصاب سلطانا:
جرى لك بالأحساء، بعد بؤوسها، ... غداة القشيريّين بالملك تغلب
عليك بضرب الناس ما دمت واليا، ... كما كنت في دهر الملصّة تضرب
والأحساء: مدينة بالبحرين، معروفة مشهورة، كان أول من عمرها وحصنها وجعلها قصبة هجر أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنّاني القرمطي، وهي إلى الآن، مدينة مشهورة عامرة. وأحساء بني وهب، على خمسة أميال من المرتمى، بين القرعاء وواقصة، على طريق الحاجّ، فيه بركة وتسع آبار كبار وصغار.
والأحساء ماء لغنيّ، قال الحسين بن مطير الأسدي:
أين جيراننا على الأحساء؟ ... أين جيراننا على الأطواء؟
فارقونا، والأرض ملبسة نو ... ر الأقاحي تجاد بالأنواء
كلّ يوم بأقحوان ونور، ... تضحك الأرض من بكاء الســماء

القلب

Entries on القلب in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm and Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf
القلب: لطيفة ربانية لها بهذا القلب الجسماني الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، ويسميها الحكيم النفس الناطقة، والروح باطنه، والنفس الحيوانية مركبة وهي المدركة العالمة من الإنسان والمخاطب والمطالب والمعاتب. والمعاقب. وقال الراغب. قلب الشيء: تصريفه وصرفه عن وجه إلى وجه آخر. وقلب الإنسان سمي به لكثرة تقلبه، ويعبر بالقلب عن المعاني المختصة به من روح وعلم وشجاعة. وتقليب الشيء: تغييره من حال إلى حال. وتقليب الأمور: تدبيرها والنظر فيها. وتقليب اليد: عبارة عن الندم.القلب عند أهل الأصول: دعوى المعترض أن ما استدل به المستدل في المسألة المتنازع فيها على ذلك الوجه عليه لا له إذا صح.
القلب:
[في الانكليزية] Heart ،bottom ،courage ،metathesis
[ في الفرنسية] Coeur ،fond ،bravoure ،metathese
بالفتح وسكون اللام هو يطلق على معان.
منها ما هو مصطلح الصوفية، قالوا للقلب معنيان: أحدهما اللحم الصنوبري الشّكل المودع في الجانب الأيسر من الصّدر، وهذا القلب يكون للبهائم أيضا، بل للميت أيضا. وثانيهما لطيفة ربّانية روحانية لها تعلّق بالقلب الجسماني كتعلّق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات، وهي حقيقة الإنسان، وهذا هو المراد من القلب حيث وقع في القرآن أو السّنّة.التحقيق بأسمائه وصفاته حتى أن يرى أنّ ذاته ذاته فتكون هويّة العبد عين هويّة الحقّ وإنيّته عين إنيّته واسمه اسمه وصفته صفته وذاته ذاته، فيتصرّف في الوجود تصرّف الخليفة في ملك المستخلف وهذا وسع المحقّقين، وهذا الوسع قد يسمّى وسع الاستيفاء.
واعلم أنّ الحق تعالى لا يمكن دركه على الحيطة والاستيفاء أبدا أبدا، لا لقديم ولا لحديث. أمّا القديم فلأنّ ذاته لا تدخل تحت صفة من صفاته وهي العلم فلا يحيط بها وإلّا لزم منه وجود الكلّ في الجزء، تعالى الله عن الكلّ والجزء، فلا يستوفيها العلم من كلّ الوجوه، بل يقال إنّه سبحانه لا يجهل نفسه لكن يعلمها حقّ المعرفة، ولا يقال إنّ ذاته تدخل تحت حيطة صفة العلمية ولا تحت صفة القدرة، وكذلك المخلوق فإنّه بالأولى لكن هذا الوسع الكمالي الاستيفائي إنّما هو استيفاء كمال ما علمه المخلوق من الحقّ لاكمال ما هو الحقّ عليه، فإنّ ذلك لا نهاية له، فهذا معنى قوله وسعني قلب عبدي المؤمن. ولمّا خلق الله العالم جميعه من نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان المحلّ المخلوق من إسرافيل قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولذا كان لإسرافيل عليه السلام هذا التوسع والقوة حتى إنّه يحيي جميع الخلائق بنفخة واحدة بعد أن يميتهم بنفخة واحدة للقوة الإلهية التي خلقها الله تعالى في ذات إسرافيل لأنّه محتده القلب والقلب أوسع لما فيه من القوة الذاتية الإلهية فكان إسرافيل عليه السلام أقوى الملائكة وأقربهم من الحقّ أعني من العنصريين من الملائكة، انتهى ما في الإنسان الكامل، ويجيء ما يتعلّق بهذا في لفظ الهم.
ومنها ما هو مصطلح الصّرفيين وهو إبدال حروف العلة والهمزة بعضها مع بعض فهو أخصّ من الإبدال. ويطلق أيضا عندهم على تقديم بعض حروف الكلمة على بعض ويسمّى قلبا مكانيا نحو آرام فإنّ أصله أرام كما في الشافية وشرحه للرضي. وعلامة صحة القلب المكاني أن يكون تصاريف الأصل تامة بأن يصاغ منه فعل ومصدر وصفة ويكون الآخر ليس كذلك فيعلم من عدم تكميل تصاريفه أنّه ليس بناء أصليا، كذا ذكر الخفاجي في تفسير قوله تعالى يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ. ومنها ما هو مصطلح أهل المعاني وهو جعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر والآخر مكانه، ولا ينتقض بقولنا في الدار زيد وضرب عمروا زيد لأنّ المراد بالجعل مكان الآخر أن يجعل متّصفا بصفة لا مجرّد أن يوضع موضعه فدخل في جعل أجزاء أحد الكلام مكان الآخر ضرب زيد، حيث جعل المفعول مكان الفاعل، وخرج بقولنا والآخر مكانه. ولا بد في الحكم بالقلب من داع لفظي أو معنوي فهو ضربان: أحدهما أن يكون الداعي إلى اعتباره من جهة اللفظ بأن يتوقّف صحة اللفظ عليه ويكون المعنى تابعا للّفظ بأن يكون معنى التركيب القلبي معنى التركيب الغير القلبي، كما إذا وقع ما هو في موقع المبتدأ نكرة وما هو موقع الخبر معرفة، كقوله تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ وكقول الشاعر:
قفي قبل التفرّق يا ضباعا ولا يك موقفا منك الوداعا أي لا يكون موقف الوداع موقفا منك.
وثانيهما أن يكون الدّاعي إليه من جهة المعنى لتوقّف صحّة المعنى عليه ويكون المعنى تابعا على اللفظ بأن يكون معنى هذا اللفظ في التركيب القلبي معنى التركيب الغير القلبي نحو أدخلت القلنسوة في الرأس والخاتم في الأصبع، ونحو عرضت الناقة على الحوض، إذ المعنى عرضت الحوض على الناقة، فإنّ عرض الشيء على الشيء إراءته إيّاه على ما في القاموس ولا رؤية للحوض. ولعلّ النكتة في القلب في هذه الأمور أنّ العادة تحرّك المظروف نحو الظرف والمعروض نحو المعروض إليه.
قال السّكّاكي، القلب مقبول مطلقا وهو ممّا يورث الكلام حسنا وملاحة ويسجع عليه كمال البلاغة وأمن الإلباس، ويأتي في المحاورات والأشعار والتنزيل، وردّه البعض مطلقا. والحقّ أنّه إن تضمّن اعتبارا لطيفا قبل وإلّا ردّ لأنّ نفس القلب من اللطائف كما جعله السّكّاكي كقول الشاعر:
ومهمة مغبرة أرجاؤه كأنّ لون أرضه سماؤه أي لون سمائه على حذف المضاف، فالمصراع الأخير من باب القلب، والمعنى كأنّ لون سمائه لغبرتها لون أرضه، والاعتبار اللطيف فيه ما شاع في كلّ تشبيه مقلوب من المبالغة في كمال المشبّه إلى أنّه استحقّ جعله مشبّها به، يعني أنّ لون الســماء قد بلغ من الغبرة إلى حيث يشبه به لون الأرض في الغبرة، هكذا يستفاد من المطول والأطول. وفي الاتقان من أنواع المجاز اللغوي القلب وهو إمّا قلب إسناد نحو لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ أي لكلّ كتاب أجل، ونحو وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ أي حرّمناه على المراضع. وإمّا قلب عطف نحو ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ أي فانظر ثم تولّ عنهم ونحو ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
أي تدلّى فدنى لأنّه بالتدلّي مال إلى الدنو، أو قلب تشبيه وسيأتي في نوع التشبيه انتهى. ومنها نوع من السرقة الغير الظاهرة وقد سبق. ومنها كون الكلام بحيث إذا قلبته وابتدأت من حرفه الأخير إلى الحرف الأول كان الحاصل بعينه هو هذا الكلام ويسمّى أيضا بالعكس والمقلوب المستوي، وما لا يستحيل بالانعكاس كما سبق وعليه اصطلاح أهل البديع، والمعتبر الحروف المكتوبة، فالمشدّد في حكم المخفّف، وهو قد يكون في النظم وقد يكون في النثر. أما في النظم فقد يكون بحيث يكون كلّ من المصراعين قلبا للآخر كقوله:
أرانا الإله هلالا أنارا وقد يكون كذلك بل يكون مجموع البيت قلبا لمجموعه كقول القاضي:
مودّته تدوم لكلّ هول وهل كلّ مودّته تدوم وأما في النثر فكقوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ وقوله وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ولا ثالث لهما في القرآن، كذا في المطوّل.

ويقول في جامع الصنائع: المقلوب هو أن تعاد الحروف الملفوظة، ثم من هذا القلب يستنبط لفظ آخر أو نفس التركيب أو تركيب آخر. وقد ذكر الأقدمون بأنّ هذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
المقلوب الكلّي والمقلوب الجزئي والمقلوب المستوي. وزاد بعضهم نوعا رابعا فقالوا: مقلوب مجنّح. وهذا من أنواع ردّ العجز على الصدر. وفي هذه الصيغة البديعية توجد تصرّفات لطيفة واستنباطات بديعة وبيان هذا يشتمل عدة أنواع:

القسم الأول شائع وهو نوعان:

أحدهما: أن يؤتى بلفظين بسيطين بحيث لو قلب كلّ منهما لكان عين الثاني. وهذا أيضا ينقسم إلى قسمين: أحدهما ساكت والآخر ناطق. والسّاكت هو: الإتيان بألفاظ تكون عند القلب هي عينها. وليس ثمة قرينة على القلب بحيث يطلع عليها السامع أو الناظر. مثاله في البيت الآتي وترجمته:
اليوم لطف الخواجة عظيم وإنني أنا العبد هذا هو مرادي فالقلب بين مراد ودارم. ولا توجد قرينة تدلّ على ذلك.
والناطق هو أن يكتشف قرينة القلب، وذلك أيضا نوعان: صريح وكناية. ومثال الصريح البيت التالي وترجمته:
أيّها المغرور من أجل ماذا عندك إقبال أنظر الإقبال بصنعة المقلوب (لا بقا) يكون ومثال الكناية البيت التالي وترجمته:
أنا (العبد) منك أرجو (تحقيق) مرادي وقد قلت طرفة مقلوبة فلفظة (بازگونه) أي مقلوب قرينة على أنّ لفظة مراد ودارم مقلوبتان، ولكن القرينة هنا بطريق الكناية الناطقة، لأنّه لو لم تكن كلمة بازگونه لا تشير إلى المقلوب لصار الكلام قدحا وينتفي بذلك مقصود الشاعر إلّا إذا كان الكلام يحتمل الضدين.

وثمة نوع: يركّبون فيه الألفاظ بحيث لو قلبت فإنّ نفس التركيب يعود تماما وهذا معروف لدى المتقدّمين (كقولهم: دام علا العماد). بينما الشاعر الأمير خسرو الدهلوى اخترع نوعا من القلب بحيث نحصل على بيت شعر عربي من مقلوب شعر فارسي واسم هذا النوع قلب اللسانين. ومثاله: ما معناه:
أنظر الحبيب العطوف المبارك في شهر (مهر) من شهور الخريف لا يلمع الوجه في كلّ زمان والبيت الثاني مقلوب الأول ولا معنى لا والله أعلم:

والقسم الثاني: المستوي: أي أنّه من مقلوب الفارسي نحصل على لفظ هندي.

والقرينة على القلب موجودة ومثاله: وترجمته:

بالأمس قلت:

هذا هو الليل الذي يسمّيه الهنود: ظلاما هذا صحيح وإن يكن هنا لا بدّ من القلب فلفظة بازگونه قرينة على أنّ مقصود الشاعر هو مقلوب تار يعني رات. أمّا مقلوب البعض فهو عبارة عن قلب بعض حروف الكلمة مثل عورت وروعت ولا لطافة فيها، انتهى.

ويورد في مجمع الصنائع: المقلوب المجنّح هو أن يقع لفظان في بيت أو بيتين أو مصراع في الأول والآخر ويكون كلّ منهما مقلوب الآخر، ومثاله في المصراع التالي وترجمته، كنز الدولة يعطي خبر الحرب. (گنج- جنگ). والمقلوب الموصل هو قسم من المقلوب المستوي. وهو أنّه عند ما يعيدون البيت فيحصل نفس البيت.

وأمّا الجزئي: فهو وصل حروف مصراع بمصراع آخر. مثاله البيت التالي وترجمته:
يا سكرية الفم، أنت جالبة للغم؟ تأخّري وتجرّعي خمر (مغانه) وما يتعلّق بهذا مرّ في لفظ الجناس. ومنها ما هو مصطلح الأصوليين وأهل النّظر وهو قسم من المعارضة التي فيها مناقضة كما يستفاد من التوضيح. والمفهوم من كلام فخر الإسلام وأتباعه أنّه مرادف لها. وفي نور الأنوار شرح المنار المعارضة التي فيها المناقضة هي القلب في اصطلاح الأصول والمناظرة معا وهو نوعان: قلب العلّة حكما والحكم علّة وقلب الوصف شاهدا على الخصم بعد أن كان شاهدا للخصم، وهذا هو الذي يسمّيه أهل المناظرة بالمعارضة بالقلب، وجعل من القلب العكس وسمّاه قلب التسوية وقلب الاستواء.
ومنها ما هو مصطلح المحدّثين وهو قلب إسناد حديث بإسناد حديث آخر إمّا بكلّه أو بعضه أو قلب متن حديث بمتن حديث آخر، والاول هو الأكثر. فمن الأول ما يكون اسم أحد الراويين اسم أبي الآخر مع كونهما من طبقة واحدة فيجعل الراوي سهوا ما هو لأحدهما للآخر، كمرّة بن كعب وكعب بن مرة لأنّ اسم أحدهما اسم أب الآخر، وللخطيب فيه كتاب مضخّم سمّاه رافع الارتياب في المقلوب من الأســماء والأنساب. ومنه أن يكون الحديث مشهورا براو فيجعل مكانه راو آخر في طبقته ليصير بذلك غريبا ليرغب فيه، كحديث مشهور لسالم فجعل مكانه نافع. ومنه قلب سند تام لمتن آخر يروى بسند آخر لقصد امتحان حفظ المحدّث، كقلب أهل بغداد على البخاري رحمه الله تعالى مائة حديث امتحانا فردّها على وجوهها. وأمّا الثاني وهو مقلوب المتن فقد جعله بعض المتأخّرين نوعا مستقلا سمّاه المنقلب وعرّفه بأنّه الذي ينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغيّر معناه، كحديث أبي هريرة عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظلّ عرشه، ففيه (ورجل تصدّق بصدقة أخفاها حتى لا يعلم يمينه ما ينفق شماله) فهذا مما انقلب على أخذ الرواة وإنّما هو حتى لا يعلم شماله ما ينفق يمينه كما في الصحيحين. اعلم أنّ قيد السهو معتبر في المقلوب فلو وقع الإبدال عمدا لمصلحة فشرطه أن لا يستمرّ عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة، أو لا لمصلحة بل للإغراب فهو كالموضوع. ولو وقع بتوهّم الراوي فهو من المعلّل، ولو وقع غلطا فهو من المقلوب. ولذا جعل البعض القلب لقصد الامتحان من أقسام الإبدال، هكذا يستفاد من شرح النخبة وشرحه والإرشاد الساري.

شادروان

Entries on شادروان in 1 Arabic dictionary by the author Supplément aux dictionnaires arabes by Reinhart Dozy
شادروان: بفتح الدال وكسرها ويقال شاذروان بالذال المعجمة (شادُرْوان) وتجمع على شاذروانات (الماوردي ص301، فهرسي للمخطوطات الشرقية في مكتبة ليدن 1: 304): فسقية، ينبوع ماء مع حوض ونافورة ماءــ، وخزان ماء صغير للتوزيع، وآلة من الحديد الأبيض ذات عدة نافورات صغيرة تدير قطعاً من الزجاج فيكون لها صلصلة ورنين (بوشر).
ويقول لين (وعليه اعتمدت في ضبط الكلمة) في ترجمته لألف ليلة (2: 399) بالإنجليزية ما ترجمته: (فسقية أو نافورة ماء ذات قطع من الزجاج أو أجراس زجاج التي إذا حركها الــماء صدر عنها صليل ورنين).
وتعتمد هذه الكلمة عند المؤلفين المعنى الأول الذي ذكره بوشر أولاً وهو فسقية (ابن جبير ص286، المقري 1: 124، ابن بطوطة 2: 24) وتستعمل أيضاً للدلالة على فسقية ذات تماثيل للحيوانات مثل الأسود والزرافات والطيور التي ينبثق الــماء من أفواهها (الجريدة الأسيوية 1841، 1: 367، المقري 1: 324) وفي ألف ليلة (1: 44): شاذروان وفسقية عليها أربع سباع من الذهب الأحمر تلقى الــماء من أفواهها. وفي ألف ليلة تذكر كلمة شاذروان مصحوبة بكلمية فسقية في أغلب الأحيان تقريباً (2: 162، برسل 3: 372) وهي تعني دائماً المعنى الذي ذكرته فيما يبدو حتى في هذا التشبيه الغريب: صَدْر كأنه شاذروان (المقري 1: 57، برسل 5: 312) وليس بمعنى منصة قليلة الارتفاع كما يريد شيخ لين (انظر ترجمة هذه الكلمة في 1: 1). نعم يمكن أن نذكر لتأييد رأيه ما جاء في المقري (3: 325): وفيه فسقية وشاذروان مفرش بالحرير المزركش. غير أني أعتقد أن هذا النص محرف لأنا لا نجد في طبعة برسلاو في الموضع المقابل له شيئاً من هذا.
وفي رحلة ابن جبير (ص: 278) = رحلة ابن بطوطة (1: 234) يظهر أن هذه الكلمة تعني مجرى الــماء وأنبوب الــماءــ، لأنا نقرأ فيها أن الــماء ينزل إلى الخزان ثم ينصب بواسطة شاذروان مثبت في الجدار يتصل بحوض من المرمر.
شاذروان: الركن الذي يحيط بالكعبة من ثلاث جهاتها: الجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية والشمالية الغربية وارتفاعه ستة عشر إصبعاً وعرضه ذراع واحد (الأزرقي ص217، المقدمة 2: 219) وفي برنوف (2: 155): هو الركن أو الأساس الذي تقوم عليه الكعبة.
وشاذروان في مصطلح العمارة - إفريز، وهو ما يبنى بأعلى الحائط على شكل منصّة. (بابن سميث 658، 709، 1205، 1421، 1523).
شاذروان: حجر الدم، هيماتايت، طبشور أحمر. هذا إذا كانت كتابة الكلمة صحيحة في مخطوطة ن للمستعيني ففيها: حجر الشاذنج وهو شاذروان، وفي مخطوطة لا: شاذروان.

بُلْطَةُ

Entries on بُلْطَةُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
بُلْطَةُ:
بالضم ثم السكون: قيل هو موضع معروف بجبلي طيء، وهو كان منزل عمرو بن درماء الذي نزل به امرؤ القيس بن حجر الكندي مستذمّا، وقال:
نزلت على عمرو بن درماء بلطة، ... فيا حسن ما جار ويا كرم ما محلّ
وقال امرؤ القيس أيضا:
وكنت إذا ما خفت يوما ظلامة، ... فإنّ لها شعبا ببلطة زيمرا
فعلى هذا نرى أن بلطة موضع يضاف إلى موضع آخر يقال له زيمر، وقال الأصمعي في تفسيره:
بلطة هضبة بعينها، وقال أبو عمرو: بلطة أي فجأة، قال أبو عبيد السكوني: بلطة عين ونخل وواد من طلح لبني درماء في أجإ، وقد ذكرها امرؤ القيس لما نزل بها على عمرو بن درماء فقال:
ألا إنّ في الشّعبين شعب بمسطح، ... وشعب لنا في بطن بلطة زيمرا
وقال سلام بن عمرو بن درماء الطائي:
إذا ما غضبت أو تقلّدت منصلي، ... فلأيا لكم في بطن بلطة مشرب
فإنكم والحقّ لو تدّعونه، ... كما انتحلت عرض السماوة أهيب
كسنبسنا المدلين في جوّ بلطة، ... ألا بئس ما أدلوا به وتقرّبوا!
وحدث أبو عبد الله نفطويه قال: قدمت امرأة من الأعراب إلى مصر فمرضت فأتاها النساء يعلّلنها بالكعك والرمّان وأنواع العلاجات، فأنشأت تقول:
لأهل بلطة، إذ حلّوا أجارعها، ... أشهى لعينيّ من أبواب سودان
جاءوا بكعك ورمّان ليشفيني، ... يا ويح نفسي من كعك ورمّان!

غَدِيرٌ

Entries on غَدِيرٌ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
غَدِيرٌ:
بفتح أوله، وكسر ثانيه، وأصله من غادرت الشيء إذا تركته، وهو فعيل بمعنى مفعول كأن السيل غادره في موضعه فصار كل ماء غودر من ماء المطر في مستنقع صغيرا كان أو كبيرا غير أنه لا يبقى إلى القيظ سمّي غديرا، وغدير الأشطاط في شعر ابن قيس الرقيات ذكر في الأشطاط، وغدير خمّ: بين مكة والمدينة، بينه وبين الجحفة ميلان، وقد ذكر خمّ في موضعه، وقال بعض أهل اللغة: الغدير فعيل من الغدر، وذاك أن الإنسان يمرّ به وفيه ماء فربما جاء ثانيا طمعا في ذلك الــماء فإذا جاءه وجده يابسا فيموت عطشا، وقد ضربه صديقنا فخر الدولة محمد بن سليمان قطرمش مثلا في شعر له فقال:
إذا ابتدر الرجال ذرى المعالي ... مسابقة إلى الشرف الخطير
يفسكل في غبارهم فلان ... فلا في العير كان ولا النفير
أجفّ ثرى وأخدع من سراب ... لظمآن وأغدر من غدير
والغدير: ماء لجعفر بن كلاب. وغدير الصلب: ماء لبني جذيمة، قال الأصمعي: والصلب جبل محدّد، قال مرّة بن عباس:
كأنّ غدير الصلب لم يصح ماؤه ... له حاضر في مربع ثم رابع
والغدير: بلد أو قرية على نصف يوم من قلعة بني حمّاد بالمغرب، ينسب إليها أبو عبد الله الغديري المؤدّب أحد العبّاد، عن السلفي، قال أبو زياد:
الغدير من مياه الضباب على ثلاث ليال من حمى ضريّة من جهة الجنوب. والغدير الأسفل: لربيعة بن كلاب، والله الموفق للصواب.

الإسكَنْدَرِيَّة

Entries on الإسكَنْدَرِيَّة in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
الإسكَنْدَرِيَّة:
قال أهل السير: إنّ الإسكندر بن فيلفوس الرومي قتل كثيرا من الملوك وقهرهم، ووطئ البلدان إلى أقصى الصين وبنى السدّ وفعل الأفاعيل، ومات وعمره اثنتان وثلاثون سنة وسبعة أشهر، لم يسترح في شيء منها، قال مؤلف الكتاب: وهذا إن صح، فهو عجيب مفارق للعادات، والذي أظنّه، والله أعلم، أنّ مدّة ملكه أو حدة سعده هذا المقدار، ولم تحسب العلــماء غير ذلك من عمره، فإن تطواف الأرض بسير الجنود مع ثقل حركتها لاحتياجها في كل منزل إلى تحصيل الأقوات والعلوفة ومصابرة من يمتنع عليه من أصحاب الحصون يفتقر إلى زمان غير زمان السير ومن المحال أن تكون له همة يقاوم بها الملوك العظــماءــ، وعمره دون عشرين سنة، وإلى أن يتسق ملكه ويجتمع له الجند وتثبت له هيبة في النفوس وتحصل له رياسة وتجربة وعقل يقبل الحكمة التي تحكى عنه يفتقر إلى مدة أخرى مديدة، ففي أيّ زمان كان سيره في البلاد وملكه لها ثم إحداثه ما أحدث من المدن في كل قطر منها واستخلافه الخلفاء عليها؟ على أنه قد جرى في أيامنا هذه وعصرنا الذي نحن فيه في سنة سبع عشرة وثماني عشرة وستمائة من التتر الواردين من أرض الصين ما لو استمرّ لملكوا الدنيا كلها في أعوام يسيرة، فإنهم ساروا من أوائل أرض الصين إلى أن خرجوا من باب الأبواب وقد ملكوا وخرّبوا من البلاد الإسلامية ما يقارب نصفها، لأنهم ملكوا ما وراء النهر وخراسان وخوارزم وبلاد سجستان ونواحي غزنة وقطعة من السند وقومس وأرض الجبل بأسره غير أصبهان وطبرستان وأذربيجان وأرّان وبعض أرمينية وخرجوا من الدربند، كلّ ذلك في أقل من عامين. وقتلوا أهل كل مدينة ملكوها ثم خذلهم الله وردهم من حيث جاءوا، ثم إنّهم بعد خروجهم من الدربند ملكوا بلاد الخزر واللّان وروس وسقسين وقتلوا القبجاق في بواديهم حتى انتهوا إلى بلغار في نحو عام آخر فكأن هذا عضد قصة الإسكندر، على أنّ الإسكندر كان إذا ملك البلاد عمرها واستخلف عليها، وهذا يفتقر إلى زمان غير زمان الخراب فقط، قال أهل السير: بنى الإسكندر ثلاث عشرة مدينة وسمّاها كلها باسمه ثم تغيرت أساميها بعده، وصار لكل واحدة منها اسم جديد، فمنها الإسكندرية التي بناها في باورنقوس ومنها الإسكندرية التي بناها تدعى المحصّنة ومنها الإسكندرية التي بناها ببلاد الهند ومنها الإسكندرية التي في جاليقوس ومنها الإسكندرية التي في بلاد السّقوياسيس ومنها الإسكندرية التي على شاطئ النهر الأعظم ومنها الإسكندرية التي بأرض بابل ومنها الإسكندرية التي هي ببلاد الصّغد وهي سمرقند، ومنها الإسكندرية التي تدعى مرغبلوس وهي مرو، ومنها الإسكندرية التي في مجاري الأنهار بالهند ومنها الإسكندرية التي سميت كوش وهي بلخ، ومنها الإسكندرية العظمى التي ببلاد مصر، فهذه ثلاث عشرة إسكندرية نقلتها من كتاب ابن الفقيه كما كانت فيه مصورة، وقرأت في كتاب الحافظ أبي سعد:
أنشدني أبو محمد عبد الله بن الحسن بن محمد الإيادي من لفظه بالإسكندرية قرية بين حلب وحماة، قال الأديب الأبيوردي:
فيا ويح نفسي لا أرى الدهر منزلا ... لعلوة، إلّا ظلّت العين تذرف
ولو دام هذا الوجد لم يبق عبرة ... ولو أنني من لجّة البحر أغرف
والإسكندرية أيضا: قرية على دجلة بإزاء الجامدة بينها وبين واسط خمسة عشر فرسخا، ينسب إليها أحمد ابن المختار بن مبشّر بن محمد بن أحمد بن عليّ بن المظفّر أبو بكر الإسكندراني من ولد الهادي بالله أمير المؤمنين، تفقّه على مذهب الشافعي، رضي الله عنه، وكان أديبا فاضلا خيّرا قدم بغداد في سنة 510 متظلّما من عامل ظلمه، فسمع منه أبو الفضل محمد بن ناصر الحافظ وغيره أبياتا من شعره، قاله صاحب الفيصل.
ومنها الإسكندرية قرية بين مكة والمدينة ذكرها الحافظ أبو عبد الله بن النّجّار في معجمه وأفادنيها من لفظه، وجميع ما ذكرنا من المدن ليس فيها ما يعرف الآن بهذا الاسم إلا الإسكندرية العظمى التي بمصر، قال المنجّمون: طول الإسكندرية تسع وستون درجة ونصف، وعرضها ست وثلاثون درجة وثلث، وفي زيج أبي عون: طول الإسكندرية إحدى وخمسون درجة وعرضها إحدى وثلاثون درجة، وهي في الإقليم الثالث، وذكر آخر أنّ الإسكندرية في الإقليم الثاني، وقال: طولها إحدى وخمسون درجة وعشرون دقيقة وعرضها إحدى وثلاثون درجة، واختلفوا في أول من أنشأ الإسكندرية التي بمصر اختلافا كثيرا نأتي منه بمختصر لئلّا نملّ بالإكثار:
ذهب قوم إلى أنها إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد. وقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنّه قال: خير مسالحكم الإسكندرية. ويقال: إنّ الإسكندر والفرما أخوان، بنى كلّ واحد منهما مدينة بأرض مصر وسمّاها باسمه، ولما فرغ الإسكندر من مدينته، قال: قد بنيت مدينة إلى الله فقيرة، وعن الناس غنيّة، فبقيت بهجتها ونضارتها إلى اليوم، وقال الفرما لما فرغ من مدينته:
قد بنيت مدينة عن الله غنيّة وإلى الناس فقيرة، فذهب نورها فلا يمرّ يوم إلّا وشيء منها ينهدم، وأرسل الله عليها الرمال فدمّتها إلى أن دثرت وذهب أثرها.
وعن الأزهر بن معبد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: أين تسكن من مصر؟ قلت: أسكن الفسطاط، فقال: أفّ أمّ نتن! أين أنت عن الطيبة؟
قلت أيّتهنّ هي؟ قال: الإسكندرية، وقيل: إنّ الإسكندر لما همّ ببناء الإسكندرية دخل هيكلا عظيما كان لليونانيّين فذبح فيه ذبائح كثيرة وسأل ربّه أن يبيّن له أمر هذه المدينة هل يتمّ بناؤها أم هل يكون أمرها إلى خراب؟ فرأى في منامه كأن رجلا قد ظهر له من الهيكل، وهو يقول له: إنّك تبني مدينة يذهب صيتها في أقطار العالم ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم، وتختلط الرياح الطيبة بهوائها، ويثبت حكم أهلها وتصرف عنها السّموم والحرور وتطوى عنها قوّة الحرّ والبرد والزمهرير ويكتم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل وإن جلبت عليها ملوك الأرض بجنودهم وحاصروها لم يدخل عليها ضرر. فبناها وسمّاها الإسكندرية ثم رحل عنها بعد ما استتمّ بناءها فجال الأرض شرقا وغربا، ومات بشهرزور وقيل ببابل وحمل إلى الإسكندرية فدفن فيها.
وذكر آخرون أنّ الذي بناها هو الإسكندر الأوّل ذو القرنين الرومي، واسمه أشك بن سلوكوس، وليس هو الإسكندر بن فيلفوس، وأن الإسكندر الأول هو الذي جال الأرض وبلغ الظّلمات وهو صاحب موسى والخضر، عليهما السلام، وهو الذي بنى السّدّ، وهو الذي لما بلغ إلى موضع لا ينفذه أحد صوّر فرسا من نحاس وعليه فارس من نحاس ممسك يسرى يديه على عنان الفرس وقد مدّ يمناه وفيها مكتوب: ليس ورائي مذهب. وزعموا أنّ بينه وبين الإسكندر الأخير صاحب دارا المستولي على أرض فارس وصاحب أرسطاطاليس الحكيم الذي زعموا أنّه عاش اثنتين وثلاثين سنة دهر طويل وأنّ الأوّل كان مؤمنا كما قص الله عنه في كتابه وعمّر عمرا طويلا وملك الأرض، وأما الأخير فكان يرى رأي الفلاسفة ويذهب إلى قدم العالم كما هو رأي أستاذه أرسطاطاليس، وقتل دارا ولم يتعدّ ملكه الروم وفارس. وذكر محمد بن إسحاق أنّ يعمر بن شدّاد بن عاد بن عوض ابن إرم بن سام بن نوح، عليه السلام، هو الذي أنشأ الإسكندرية وهي كنيسة حنس، وزبر فيها: أنا يعمر بن شداد أنشأت هذه المدينة وبنيت قناطرها ومعابرها قبل أن أضع حجرا على حجر، وأجريت ماءــها لأرفق بعمّالها حتى لا يشقّ عليهم نقل الــماءــ، وصنعت معابر لممرّ أهل السّبيل وصيّرتها إلى البحر وفرّقتها عند القبّة يمينا وشمالا. وكان يعمل فيها تسعون ألفا لا يرون لهم ربّا إلا يعمر بن شداد، وكان تاريخ الكتاب ألفا ومائتي سنة.
وقال ابن عفير: ان أول من بنى الإسكندرية جبير المؤتفكي وكان قد سخّر بها سبعين ألف بنّاء وسبعين ألف مخندق وسبعين ألف مقنطر فعمّرها في مائتي سنة وكتب على العمودين اللذين عند البقرات بالإسكندرية، وهما أساطين نحاس يعرفان بالمسلّتين:
أنا جبير المؤتفكي عمرت هذه المدينة في شدّتي وقوّتي حين لا شيبة ولا هرم أضناني، وكنزت أموالها في مراجل جبيريّة وأطبقته بطبق من نحاس وجعلته داخل البحر، وهذان العمودان بالإسكندرية عند مسجد الرحمة، وروي أيضا أنّه كان مكتوبا عليهما بالحميرية: أنا شداد بن عاد الذي نصب العماد وجنّة الأجناد وسدّ بساعده الواد بنيت هذه الأعمدة في شدّتي وقوّتي إذ لا موت ولا شيب، وكنزت كنزا على البحر في خمسين ذراعا لا تصل إليه إلا أمة هي آخر الأمم، وهي أمّة محمد، صلى الله عليه وسلم. ويقال: إنما دعا جبيرا المؤتفكي إلى بنائها أنّه وجد بالقرب منها في مغارة على شاطئ البحر تابوتا من نحاس ففتحه فوجد فيه تابوتا من فضّة، ففتحه فإذا فيه درج من حجر الماس، ففتحه فإذا فيه مكحلة من ياقوتة حمراء مرودها عرق زبرجد أخضر فدعا بعض غلمانه فكحّل إحدى عينيه بشيء مما كان في تلك المكحلة فعرف مواضع الكنوز ونظر إلى معادن الذهب ومغاص الدّرّ، فاستعان بذلك على بناء الإسكندرية وجعل فيها أساطين الذهب والفضة وأنواع الجواهر حتى إذا ارتفع بناؤها مقدار ذراع أصبح وقد ساخ في الأرض، فأعاده أيضا فأصبح وقد ساخ فمكث على ذلك مائة سنة كلما ارتفع البناء ذراعا أصبح سائخا في الأرض فضاق ذرعا بذلك، وكان من أهل تلك الأرض راع يرعى على شاطئ البحر وكان يفقد في كل ليلة شاة من غنمه إلى أن أضرّ به ذلك فارتصد ليلة، فبينما هو يرصد إذا بجارية قد خرجت من البحر كأجمل ما يكون من النساء فأخذت شاة من غنمه فبادر إليها وأمسكها قبل أن تعود إلى البحر وقبض على شعرها فامتنعت عليه ساعة ثم قهرها وسار بها إلى منزله فأقامت عنده مدّة لا تأكل إلّا اليسير ثم واقعها فأنست به وبأهله وأحبّتهم ثم حملت وولدت فازداد أنسها وأنسهم بها، فشكوا إليها يوما ما يقاسونه من تهدّم بنائهم وسيوخه كلما علّوه وأنهم إذا خرجوا بالليل اختطفوا، فعملت لهم الطلسمات وصوّرت لهم الصّور فاستقرّ البناء وتمّ أمر المدينة وأقام بها جبير المؤتفكي خمسمائة سنة ملكا لا ينازعه أحد، وهو الذي نصب العمودين اللذين بها ويسمّيان المسلّتين. وكان أنفذ في قطعهما وحملهما إلى جبل بريم الأحمر سبعمائة عامل، فقطعوهما وحملوهما، ونصبهما في مكانهما غلام له يقال له قطن بن جارود المؤتفكي وكان أشد من رؤي في الخلق، فلما نصبهما على السّرطانين النّحاس جعل بإزائهما بقرات نحاس كتب عليها خبره وخبر المدينة وكيف بناها ومبلغ النفقة عليها والمدة، ثم غزاه رومان بن تمنع الثّمودي فهزمه وقتل أصحابه قتلا ذريعا وأقام عمودا بالقرب منهما وكتب عليه:
أنا رومان الثمودي صنّفت أصناف هذه المدينة وأصناف مدينة هرقل الملك بالدوام على الشهور والأعوام ما اختلف ابنا سمير، وبقيت حصاة في ثبير، وأنا غيّرت كتاب جبير الشديد ونشرته بمناشير الحديد وستجدون قصّتي ونعتي في طرف العمود، فولد رومان بزيعا فملك الإسكندرية بعده خمسين سنة لم يحدث فيها شيئا، ثم ملك بعده ابنه رحيب، وهو الذي بنى الساطرون بالإسكندرية وزبر على حجر منه: أنا رحيب بن بزيع الثمودي بنيت هذه البنية في قوّتي وشدّتي وعمّرتها في أربعين سنة على رأس ست وتسعين سنة من ملكي، وولد رحيب مرّة، وولد مرة موهبا ملك بعد أبيه مائتي سنة وغزا أنيس بن معدي كرب العادي موهبا بالإسكندرية وملكها بعده، ثم ملكها بعده يعمر بن شدّاد بن جنّاد بن صيّاد بن شمران بن ميّاد بن شمر بن يرعش فغزاه ذفافة بن معاوية بن بكر العمليقي فقتل يعمر وملك الإسكندرية، وهو أول من سمّي فرعون بمصر، وهو الذي وهب هاجر أمّ إسماعيل، عليه السلام، إلى ابراهيم، عليه السلام، وهذه أخبار نقلناها كما وجدناها في كتب العلــماءــ، وهي بعيدة المسافة من العقل لا يؤمن بها إلّا من غلب عليه الجهل، والله أعلم.
ولأهل مصر بعد إفراط في وصف الإسكندرية وقد أثبتها علماؤهم ودوّنوها في الكتب، فيها وهم، ومنها ما ذكره الحسن بن ابراهيم المصري قال: كانت الإسكندرية لشدّة بياضها لا يكاد يبين دخول الليل فيها إلّا بعد وقت، فكان الناس يمشون فيها وفي أيديهم خرق سود خوفا على أبصارهم، وعليهم مثل لبس الرّهبان السواد، وكان الخيّاط يدخل الخيط في الإبرة بالليل، وأقامت الإسكندرية سبعين سنة ما يسرج فيها ولا يعرف مدينة على عرضها وطولها وهي شطرنجية ثمانية شوارع في ثمانية، قلت: أما صفة بياضها فهو إلى الآن موجود، فإن ظاهر حيطانها شاهدناها مبيّضة جميعها إلّا اليسير النادر لقوم من الصعاليك، وهي مع ذلك مظلمة نحو جميع البلدان. وقد شاهدنا كثيرا من البلاد التي تنزل بها الثلوج في المنازل والصحارى وتساعدها النجوم بإشراقها عليها إذا أظلم الليل أظلمت كما تظلم جميع البلاد لا فرق بينها، فكيف يجوز لعاقل أن يصدّق هذا ويقول به؟ قال: وكان في الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق، قال: وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إني فتحت مدينة فيها اثنا عشر ألف بقّال يبيعون البقل الأخضر وأصبت فيها أربعين ألف يهودي عليهم الجزية. وروي عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم لما ولي مصر وبلغه ما كانت الإسكندرية عليه استدعى مشايخها، وقال:
أحبّ أن أعيد بناء الإسكندرية على ما كانت عليه فأعينوني على ذلك وأنا أمدّكم بالأموال والرجال.
قالوا: أنظرنا أيها الأمير حتى ننظر في ذلك. وخرجوا من عنده وأجمعوا على أن حفروا ناووسا قديما وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة إلى المدينة، فأمر بالرأس فكسر وأخذ ضرس من أضراسه فوجد وزنه عشرين رطلا على ما به من النخر والقدم، فقالوا: إذا جئتنا بمثل هؤلاء الرجال نعيد عمارتها على ما كانت، فسكت. ويقال: إن المعاريج التي بالإسكندرية مثل الدّرج كانت مجالس العلــماء يجلسون عليها على طبقاتهم فكان أوضعهم علما الذي يعمل الكيمياء من الذهب والفضة، فإن مجلسه كان على الدّرجة السّفلى. وأما خبر المنارة فقد رووا لها أخبارا هائلة وادّعوا لها دعاوى عن الصدق عادلة وعن الحق مائلة، فقالوا: إنّ ذا القرنين لما أراد بناء منارة الإسكندرية أخذ وزنا معروفا من حجارة ووزنا من آجرّ ووزنا من حديد ووزنا من نحاس ووزنا من رصاص ووزنا من قصدير ووزنا من حجارة الصّوّان ووزنا من ذهب ووزنا من فضة وكذلك من جميع الأحجار والمعادن، ونقع جميع ذلك في البحر حولا ثم أخرجه فوجده قد تغير كله وحال عن حاله ونقصت أوزانه إلّا الزجاج فإنه لم يتغير ولم ينقص، فأمر أن يجعل أساس المنارة من الزجاج، وعمل على رأس المنارة مرآة ينظر فيها الناظر فيرى المراكب إذا خرجت من أفرنجة أو من القسطنطينية أو من سائر البلاد لغزو الإسكندرية، فأضرّ ذلك بالروم فلم يقدروا على غزوها. وكانت فيها حمّة تنفع من البرص ومن جميع الأدواء، وكان على الرّوم ملك يقال له سليمان فظهر البرص في جسمه فعزم الرّوم على خلعه والاستبدال منه، فقال: أنظروني أمض إلى حمّة الإسكندرية وأعود فإن برئت وإلّا شأنكم وما قد عزمتم عليه، قال: وكان فعله هذا من إظهار البرص بجسمه حيلة ومكرا، وإنما أراد قلع المرآة من المنارة ليبطل فعلها، فسار إليها في ألف مركب، وكان من شرط هذه الحمة أن لا يمنع منها أحد يريد الاستشفاء بها، فلما سار إليها فتحوا له أبوابها الشارعة إلى البحر فدخلها، وكانت الحمة في وسط المدينة بإزاء المعاريج التي تجلس العلــماء عليها، فاستحم في مائها أياما. ثم ذكر أنه قد عوفي من دائه وذهب ما كان به من بلوائه. ولما أشرف على هذه الحمة وما تشفي من الأدواء وكان قد تمكّن من البلد بكثرة رجاله، قال: هذه أضرّ من المرآة. ثم أمر بها فغوّرت وأمر أن تقلع المرآة ففعل وأنفذ مركبا إلى القسطنطينية وآخر إلى أفرنجة وأمر من أشرف على المنارة ونظر إلى المركبين إذا دخلا القسطنطينية وأفرنجة وخرجا منها فأعلم أنهما لما بعدا عن الإسكندرية يسيرا غابا عنه، فعاد إلى بلاده وقد أمن غائلة المرآة.
وقيل: إن أول من عمر المنارة امرأة يقال لها دلوكة بنت ريّا، وسيأتي ذكرها في هذا الكتاب في حائط العجوز وغيره. وقيل: بل عمرتها ملكة من ملوك الرّوم، يقال لها قلبطرة، وهي في زعم بعضهم التي ساقت الخليج إلى الإسكندرية حق جاءت به إلى مدينتها، وكان الــماء لا يصل إلّا إلى قرية يقال لها كسا، والأخبار والأحاديث عن مصر وعن الإسكندرية ومنارتها من باب حدّث عن البحر ولا حرج، وأكثرها باطل وتهاويل لا يقبلها إلّا جاهل، ولقد دخلت الإسكندرية وطوّفتها فلم أر فيها ما يعجب منه إلّا عمودا واحدا يعرف الآن بعمود السّواري تجاه باب من أبوابها يعرف بباب الشجرة، فإنه عظيم جدا هائل كأنه المنارة العظيمة، وهو قطعة واحدة مدوّر منتصب على حجر عظيم كالبيت المربّع قطعة واحدة أيضا وعلى رأس العمود حجر آخر مثل الذي في أسفله، فهذا يعجز أهل زماننا عن معالجة مثله في قطعه من مقطعه وجلبه من موضعه ثم نصبه على ذلك الحجر ورفع الآخر إلى أعلاه ولو اجتمع عليه أهل الإسكندرية بأجمعهم، فهو يدل على شدة حامليه وحكمة ناصبية وعظمة همة الآمر به. وحدثني الوزير الكبير الصاحب العالم جمال الدين القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني القفطي، أدام الله أيّامه، ثم وقفت على مثل ما حكاه سواء في بعض الكتب وهو كتاب ابن الفقيه وغيره: أنّه شاهد في جبل بأرض أسوان عمودا قد نقر وهندم في موضعه من الجبل طوله ودوره ولونه مثل هذا العمود المذكور، كأن المنية عاجلت بالملك الذي أمر بعمله فبقي على حاله.
قال أحمد بن محمد الهمذاني: وكانوا ينحتون السواري من جبال أسوان وبينها وبين الإسكندرية مسيرة شهر للبريد ويحملونها على خشب الأطواف في النيل، وهو خشب يركّب بعضه على بعض وتحمل الأعمدة وغيرها عليه، وأما منارة الإسكندرية فقد قدمنا إكثارهم في وصفها ومبالغتهم في عظمها وتهويلهم في أمرها وكل ذلك كذب لا يستحيي حاكيه ولا يراقب الله راويه، ولقد شاهدتها في جماعة من العلــماء وكلّ عاد منا متعجبا من تخرّص الرّواة، وذلك إنما هي بنيّة مربّعة شبيهة بالحصن والصّومعة مثل سائر الأبنية، ولقد رأيت ركنا من أركانها وقد تهدّم فدعمه الملك الصالح ابن رزيك أو غيره من وزراء المصريين، واستجدّه فكان أحكم وأتقن وأحسن من الذي كان قبله، وهو ظاهر فيه كالشامة لأن حجارة هذا المستجدّ أحكم وأعظم من القديم وأحسن وضعا ورصفا، وأما صفتها التي شاهدتها فإنها حصن عال على سنّ جبل مشرف في البحر في طرف جزيرة بارزة في ميناء الإسكندرية، بينها وبين البرّ نحو شوط فرس وليس إليها طريق إلّا في ماء البحر الملح، وبلغني أنه يخاض من إحدى جهاته الــماء إليها، والمنارة مربّعة البناء ولها درجة واسعة يمكن الفارس أن يصعدها بفرسه، وقد سقفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفي الدّرجة فيرتقى إلى طبقة عالية يشرف منها على البحر بشرافات محيطة بموضع آخر، كأنه حصن آخر مربّع يرتقى فيه بدرج أخرى إلى موضع آخر، يشرف منه على السطح الأول بشرفات أخرى، وفي هذا الموضع قبة كأنها قبة الديدبان وليس فيها، كما يقال، غرف كثيرة ومساكن واسعة يضل فيها الجاهل بها، بل الدرجة مستديرة بشيء كالبئر فارغ، زعموا أنه مهلك وأنه إذا ألقي فيها الشيء لا يعرف قراره، ولم أختبره والله اعلم به، ولقد تطلّبت الموضع الذي زعموا أن المرآة كانت فيه فما وجدته ولا أثره، والذي يزعمون انها كانت فيه هو حائط بينه وبين الأرض نحو مائة ذراع أو أكثر، وكيف ينظر في مرآة بينها وبين الناظر فيها مائة ذراع أو أكثر، ومن أعلى المنارة؟
فلا سبيل للناظر في هذا الموضع، فهذا الذي شاهدته وضبطته وكلّ ما يحكى غير هذا فهو كذب لا أصل له. وذكر ابن زولاق أنّ طول منارة الإسكندرية مائتا ذراع وثلاثون ذراعا وأنها كانت في وسط البلد وإنما الــماء طفح على ما حولها فأخربه وبقيت هي لكون مكانها كان مشرفا على غيره.
وفتحت الإسكندرية سنة عشرين من الهجرة في أيام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على يد عمرو بن العاص بعد قتال وممانعة، فلما قتل عمر وولي عثمان، رضي الله عنه، ولّى مصر جميعها عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاع، فطمع أهل الإسكندرية ونقضوا، فقيل لعثمان: ليس لها إلا عمرو بن العاص فإن هيبته في قلوب أهل مصر قوية. فأنفذه عثمان ففتحها ثانية عنوة وسلمها إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وخرج من مصر، فما رجع إليها إلا في أيام معاوية. حدثني القاضي المفضل أبو الحجاج يوسف بن أبي طاهر إسماعيل بن أبي الحجاج المقدسي عارض الجيش لصلاح الدين يوسف بن أيوب، قال: حدثني الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد الأبّي، وأبّة من بلاد افريقية، قال: اذكر ليلة وانا امشي مع الأديب ابي بكر احمد بن محمد العيدي على ساحل بحر عدن، وقد تشاغلت عن الحديث معه فسألني: في أي شيء أنت مفكر؟ فعرّفته أنني قد عملت في تلك الساعة شعرا، وهو هذا:
وأنظر البدر مرتاحا لرؤيته، ... لعلّ طرف الذي أهواه ينظره
فقال مرتجلا:
يا راقد الليل بالإسكندرية لي ... من يسهر الّليل، وجدا بي، وأسهره
ألاحظ النجم تذكارا لرؤيته، ... وإن مرى دمع أجفاني تذكّره
وأنظر البدر مرتاحا لرؤيته، ... لعلّ عين الذي أهواه تنظره قلت: ولو استقصينا في أخبار الإسكندرية جميع ما بلغنا لجاء في غير مجلّد، وهذا كاف بحمد الله.

سقِِي

Entries on سقِِي in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
سقِِي
: (ى} سَقاهُ {يَسْقِيه) } سَقْياً، ( {وسَقَّاهُ) ، بالتَّشْديدِ، (} وأَسْقاهُ) بمعْنىً واحِدٍ.
(أَو {سَقاهُ} وسَقَّاهُ بالشَّفَةِ، {وأسْقاهُ: دَلَّهُ على الــماءِ) ؛ كَذَا فِي المُحْكم.
(أَو) } سَقاهُ لشَفَتِه؛ {وأَسْقَى: (سَقَى ماشِيَتَه أَو أَرْضَه) ؛ كَذَا فِي الصِّحاحِ؛ (أَو كِلاهُما) ، أَي سَقَى} وأَسْقَى (جَعَلَ لَهُ مَاء) أَو {سِقْياً} فسَقاهُ، ككَساةٍ، وأَسْقَى كأَلْبَس؛ قالَهُ سِيْبَوَيْه؛ كأَنَّه يذهَبُ إِلَى التَّسْويَةِ بينَ فَعَلْت وأَفْعلْت، وأنَّ أَفْعَلْت غيرُ مَنْقُولَةٍ مِن فَعَلْت لضَرْبٍ مِن المَعانِي كنَقْل أَدْخَلْت. وقالَ الراغبُ: {السَّقْي} والسّقْيا أَنْ تعْطِيه مَا يَشْرَبُ، {والإسْقاءُ أَنْ تَجْعَل لَهُ ذلكَ حَتَّى يَتناوَلَه كيفَ شاءَ؛ فالإسْقاءُ أَبْلَغ مِن} السّقْي.
(وَهُوَ {ساقٍ مِن) قوْمٍ (} سُقًّى) بضمٍ فتَشْديدٍ، ( {وسُقَّاءٍ) كرُمَّانٍ وَهَذِه مِن كتابِ أَيْمان عيمان.
(و) أَيْضاً (} سَقَّاءٌ) ، ككتّانٍ، (مِن) قَوْمٍ ( {سَقَّائِينَ) ، التَّشْديدُ للمُبالَغَةِ، (وَهِي} سَقَّاءَةٌ) بالتَّشْديدِ والهَمْز، ( {وسَقَّايَةٌ) بالياءِ مَعَ التَّشْديد.
وَمِنْه المَثَلُ:} اسْقِ رَقاشِ إنَّها {سَقَّايَة؛ يُضْرَبُ للمُحْسِن، أَي أَحْسِنوا إِلَيْهِ لإحْسانِهِ؛ نقلَهُ الجوهريُّ عَن أَبي عُبيدٍ.
(} والسَّقْيُ، كالسَّعْيِ: ع بدِمَشْقَ) بظاهِرِها.
(و) {السِّقْيُ) ، (بالكسْرِ: مَا} يُسْقَى) ، اسمٌ مِن {سَقاهُ} وأَسْقَاهُ، والجَمْعُ {أَسْقِيَةٌ؛ وَبِه فَسَّر الأصْمعيُّ قوْل أَبي ذُؤَيب:
والِ فُراسٍ صَوْبُ} أَسْقِيَةٍ كُحْلِ كَمَا فِي الصِّحاحِ.
وَفِي المُحْكم: السِّقْيُ مَا أَسْقاهُ إبِلَه.
(و) {السِّقْيُ: (الزَّرْعُ المَسْقِيُّ) بالــماءِ.
قَالَ الرَّاغبُ: يقالُ للأرضِ الَّتِي} تُسْقَى {سِقيٌ لكوْنِها مَفْعولاً كالنَفضِ.
(} كالمَسْقَوِيِّ) ، كأَنَّه نُسِبَ إِلَى {مَسْقىً، كمَرْمىً، وَلَا يكونُ مَنْسوباً إِلَى} مَسْقيَ، كمَرْمِيَ، لأنَّه لَو كانَ لقالَ مَسْقيٌّ؛ كَذَا فِي المُحْكم.
وَفِي الصِّحاحِ: {المَسْقَوِيُّ من الزَّرْعِ مَا} يُسْقَى بالسِّيْحِ؛ والمَظْمَيُّ مَا! تَسْقِيه السَّــماءُ.
قُلْتُ: والعامَّة تقولُ مَسْقاوِيٌّ.
(و) السِّقْيُ: (ماءٌ) أَصْفَرُ (يَقَعُ فِي البَطَنِ) وَلَا يكادُ يَبْرأُ؛ أَو يكونُ فِي نَفافيخَ بيض فِي شحْمِ البَطْنِ؛ (ويُفْتَحُ) .
قَالَ ابنُ سِيدَه: وأَنْكَرَ بعضُهم الكَسْر.
(و) السَّقْيُ: (جِلْدَةٌ فِيهَا ماءٌ أَصْفَرُ تَنْشَقُّ عَن رأْسِ الوَلَدِ) عِنْد خُرُوجِه؛ عَن ابنِ سِيدَه.
وَفِي التّهْذيب: هُوَ الــماءُ الَّذِي يكونُ فِي المَشِيمةِ يخرُجُ على رأْسِ الوَلَدِ.
( {وسَقَى بَطْنُه} واسْتَسْقَى) بمعْنىً، أَي (اجْتَمَعَ فِيهِ ذلكَ) الــماءُــ، والاسْمُ {السِّقْي، كَمَا فِي الصِّحاحِ.
(} والسِّقايَةُ، بالكسْرِ والضَّمِّ: مَوْضِعُهُ) ؛ أَي {السِّقْي.
وَفِي التَّهْذيب: هُوَ المَوْضِعُ المُتَّخَذُ فِيهِ الشَّرابُ فِي المواسِمِ وغيرِها؛ (} كالمَسْقاةِ بالفتْحِ والكسْر) .
قالَ الجَوهرِيُّ: ومَنْ كَسَر المِيمَ جَعَلَها كالآلَةِ الَّتِي هِيَ {مِسْقاةُ الدِّيْك، والجَمْعُ} المَساقِي.
(و) {السِّقايَةُ: (الإناءُ} يُسْقَى بِهِ) ؛ وَبِه فُسِّر قَوْله تَعَالَى: {جَعَل {السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} ، وَهُوَ المُسَمَّى بالصُّواعِ، وَهُوَ إناءٌ مِن فضَّةٍ كَانُوا يكِيلُون بِهِ الطَّعامَ ويَشْربُ فِيهِ المَلِكُ أَيْضاً.
(} والسِّقاءُ، ككِساءٍ: جِلْدُ السَّخْلَةِ إِذا أَجْذَعَ) ؛ كَمَا فِي المُحْكَم.
قَالَ الجوهريُّ عَن ابنِ السِّكِّيت: (يكونُ للــماءِ واللَّبَنِ) ، والوَطْبُ للَّبَنِ خاصَّةً، والنِّحْيُ للسَّمْنِ، والقِرْبَةُ للــماءِــ، اه.
وَقَالَ ابنُ سِيدَه: لَا يكونُ إلاَّ للــماءِــ؛ وأَنْشَدَ:
يَجُبْن بهَا عَرْضَ الفَلاةِ وَمَا لنا
عليهنَّ إلاَّ وخْدَهُنَّ {سِقاءُ لَا نَحْتاجُ إِلَى} سِقاءٍ للــماءِ لأَنَّهنَّ يَرِدْنَ بِنَا الــماءَ وقْت حاجَتِنا إِلَيْهِ؛ (ج) فِي القَلِيلِ ( {أَسْقِيَةٌ} وأَسْقِياتٌ؛ و) فِي الكثيرِ ( {أَساقٍ) .
وَفِي التَّهذيب:} الأساقِي جَمْعُ الجَمْع.
( {واسْتَسْقَى مِنْهُ: طَلَبَ} سِقْياً) ، أَي مَا يَشْربُ.
(و) أَيْضاً: (تَقَيَّأَ،! كاسْتَقَى فيهمَا) ؛ نقلَهُ ابنُ سِيدَه.
( {وسَقاهُ اللَّهُ الغَيْثَ: أَنْزَلَهُ لَهُ.
(و) مِن المجازِ:} سَقَى (زَيْدٌ عَمْراً) : إِذا (اغْتَابَهُ) غَيْبَةً خَبِيثةً وعابَهُ؛ عَن ابْن الأعرابيِّ.
( {كأَسْقَى فيهمَا) ، أَمَّا} سَقاهُ اللَّهُ الغَيْثَ {وأَسْقاهُ، فقد نقلَهُ الجوهريُّ قالَ: وَقد جَمَعَهما لبيدٌ فِي قَوْله:
سَقَى قومِي بَني مَجْدٍ} وأَسْقَى
نُمَيْراً والقَبائِلَ من هِلال ِوأَمَّا {أَسْقَى بمعْنَى اغْتابَ، عَن ابنِ الأعرابيِّ أَيْضاً، فأَنْشَدَ الجوهريُّ لِابْنِ أَحْمر:
وَلَا عِلْم لي مَا نَوْطةٌ مُسْتَكِنَّةٌ
وَلَا أَي من عادَيْتُ} أَسْقَى {سقائِيا وَفِي التَّهْذيب: هُوَ قَوْل أَبي عُبيدَةَ.
وأَنْكَرَه شَمِرٌ وقالَ: لَا أَعْرِفه بِهَذَا المَعْنى؛ قالَ: وسَمعْت ابنَ الْأَعرَابِي يقولُ مَعْناه لَا أَدْرِي مَنْ أَوْعى فيَّ الدَّاءَ.
(والاسْمُ) مِن} سَقاهُ اللَّهُ {وأَسْقاهُ: (} السُّقْيا، بالضَّمِّ) ؛ كَمَا فِي الصِّحاحِ.
(و) {السَّقِيُّ، (كغَنِيَ: السَّحابَةُ العَظيمةُ القَطْرِ) الشَّديدَةُ الوَقْع، (ج} أَسقِيَةٌ) ؛ وَبِه فَسَّر أَبو عبيد، بيتَ أَبي ذُؤَيْب: صَوْبُ أَسْقِيَةٍ؛ ويُرْوَى: أَرْمِيَّةٍ بمعْناهُ وَقد تقدَّمَ.
(و) {السَّقِيُّ: (البَرْدِيُّ) النَّاعِمُ، سُمِّي بذلكَ لنَباتِهِ فِي الــماءِ أَو بقُرْبه.
قَالَ الأزْهريُّ: وَهِي لَا يفوتُها الــماءُــ؛ وَمِنْه قولُ امْرىءِ القَيْس:
وكَشْحِ لطِيف كالجَديلِ مُخَصَّر
وساقٍ كأُنْبُوب} السَّقِيِّ المُذَلَّل ِوالواحِدَةُ: {سَقِيَّةٌ؛ قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ عَجْلان النَّهْديّ:
جَدِيدَة سِرْبالِ الشَّبابِ كأَنَّها
} سَقِيَّةُ بَرْدِيَ نَمَتْها عُيونُها (و) ! السَّقِيُّ أَيْضاً: (النَّخْلُ) ؛ وَبِه فُسِّر قولُ امْرىءِ القَيْسِ أَيْضاً، أَي كأُنْبوبِ النَّخْلِ {المُسْقيِّ، أَي كقَصَبِ النَّخْلِ، أَضافَهُ إِلَيْهِ لأنّه نبَت بينَ ظَهْرانِيه.
(} وسَقَّاهُ {تَسْقِيَةً،} وأَسْقاهُ: قَالَ لَهُ: {سَقاكَ اللَّهُ، أَو) قالَ: (} سَقْياً) لَهُ؛ وأَنْشَدَ الجوهريُّ لذِي الرُّمَّة:
فَمَا زِلْتُ {أُسْقِي رَبْعَها وأُخاطِبُهْ ووَجدْتُ فِي هامِشِ النسخةِ مَا نَصّه: هَذَا الإنْشادُ مُخْتَلّ، والصَّوابُ:
وَقَفْتُ على رَبْعٍ لمَيَّةَ ناقَتي
فَمَا زِلْتُ أَبْكِي عِنْدَه وأُخاطِبُهْوالشَّاهِدُ فِي البيتِ الَّذِي بَعْده:
} وأُسْقِيه حَتَّى كادَ ممَّا أُبِثُّه
تُكَلِّمُني أَحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ ( {والسَّاقِيَةُ: النَّهْرُ الصَّغيرُ) مِن} سَواقِي الزَّرْعِ؛ نقَلُه الأزهريُّ.
والآن يطلِقُونَها على مَا {يُسْتَقى عَلَيْهَا بالسّوانِي؛ وَقد سَمَّى أَبو حيَّان تَفْسِيرَه الصَّغير بالساقِيَةِ.
(} والسُّقْيا، بالضَّمِّ: د باليَمَنِ.
(و) أَيْضاً: (ع بينَ المدينَةِ ووادِي الصَّفْراءِ) ، قيلَ: على يَوْمَين مِن المدينَةِ.
وقيلَ: ماءٌ فِي رأْسِ رَمْلَةٍ فِي ابْطِ الدَّهْناءِ.
وَفِي الحدِيثِ: (كانَ يَسْتَذِبُ لَهُ الــماءَ مِن بيوتِ {السُّقْيا) .
وَفِي كتابِ القالِي: موْضِعٌ فِي بِلادِ عذْرَةَ يقالُ لَهُ سُقْيا الجزْلِ قَرِيب مِن وادِي الْقرى.
(} وأَسْقاهُ: وَهَبَ مِنْهُ) ؛ كَذَا فِي النُّسخِ والصَّوابُ وهَبَ لَهُ؛ ( {سِقاءً مَعْمولاً) ؛ كَمَا هُوَ نَصُّ الأزهريّ.
(أَو) } أَسْقاهُ (إهاباً) : أَعْطاهُ إيَّاهُ (ليَتَّخِذَهُ {سِقاءً) ؛ وَمِنْه حديثُ عُمَرَ قالَ لرَجُلٍ اسْتَفْتاهُ فِي ظَبْي قَتَلَهُ مُحْرماً: (خُذْ شَاة فتَصدَّقْ بلَحْمِها وأَسْقِ إهابَها) ، أَي أَعْطِه مَنْ يَتَّخذهُ} سِقاءً.
(و) مِن المجازِ: يقالُ للرَّجُل إِذا كُرِّرَ عَلَيْهِ مَا يَكْره: قد (! سُقِّيَ قَلْبُهُ عَداوَةً) ؛ وبالعَداوَةِ {تَسْقِيَةً؛ أَي (أُشْرِبَ.
(} وسُقَيَّةُ، كسُمَيَّةَ: بئْرٌ كانتْ بمكَّةَ، شَرَّفَها الله تَعَالَى) ، مِن أَبْيارِ الجاهِلِيَّةِ، جاءَ ذِكْرُها فِي السِّيَرِ.
(و) مِن المجازِ: ( {اسْتَقَى) إِذا (سَمِنَ) وتروَّى.
(} وتَسَقَّتِ الإِبِلُ الحَوْذانَ) : إِذا (أَكَلَتْهُ رَطْباً فسَمِنَتْ عَلَيْهِ) ؛ والحَوْذانُ نَبْتٌ.
(و) {تَسَقَّى (الشَّيءُ) : تَشَرَّب، كَمَا فِي الصَّحاحِ.
وَفِي المُحْكَم: أَي (قَبِلَ} السَّقْيَ وتَرَوَّى) ، هَكَذَا فِي النسخِ.
وَفِي المُحْكَم: وقيلَ: ثَرِيَ.
وأَنْشَدَ الجوهريُّ للمُتَنَّخل الهُذَلي:
مُجَدَّلٌ {يَتَسَقَّى جِلْدُهُ دَمَه
كَمَا تَقَطَّر جِذعُ الدَّومَةِ القُطُلُأَي يَتَشَرَّ بِهِ؛ ويُرْوى: يَتَكَسَّى مِنَ الكِسْوة.
وممَّا يُسْتدركُ عَلَيْهِ:
} السِّقيُ، بالكسْرِ: الحَظُّ مِن الشُّرْبِ.
يقالُ: كَمْ {سِقْيُ أَرْضِكَ.
} واسْتَقَى مِن النَّهْرِ والبِئْر: أَخَذَ مِن مائِهما.
{وسَقى العِرْقُ: أَمَدَّ فَلم يَنْقطِع.
} وسَقى الثَّوْبَ {وسَقَّاهُ: أْشْرَبَه صِبْغاً.
ورُبَّما قَالُوا لِمَا فِي بُطونِ الأنْعام} سَقى {وأَسْقى؛ وَبِهِمَا قُرىءَ قولُه تَعَالَى: {} نُسْقِيكُم ممَّا فِي بُطونِها} {والمُساقَاةُ: أنْ يَسْتَعْمِل رجُلٌ رجُلاً فِي نَخِيلٍ أَو كُرومٍ ليَقومَ بإصْلاحِها على أنْ يكونَ لَهُ سَهْمٌ مَعْلومٌ ممَّا تُغِلُّه؛ كَمَا فِي الصِّحاحِ.
قالَ الأزهريُّ: وأَهْلُ العِراقِ يُسَمُّونَها مُعامَلَة.
} والمَسْقى: وقْتُ {السَّقْيِ.
} والمِسْقاةُ: مَا يُتَّخَذُ للجِرارِ والكِيزانِ تُعَلَّقُ عَلَيْهِ.
{وأَسْقَيْته رَكِيَّتي: جَعَلْتها لَهُ، وجَدْولاً من نَهْرِي جَعَلْت لَهُ مِنْهُ} مَسْقىً وأَشْعَبْتُ لَهُ مِنْهُ.
{وتَساقَوْا: سَقَى كل واحِدٍ صاحِبَه بجِمامِ الإناءِ الَّذِي} يَسْقِيان فِيهِ؛ وأَنْشَدَ الجوهرِيُّ لطرفة:
{وتَساقَى القَوْمُ كأْساً مُرَّةً
وعَلى الخَيْلِ دِــماءٌ كالشَّقِر} ْوأَسْقَيْت فِي القِرْبَة {وسَقَيْتُ فِيهَا، لُغتانِ؛ وأَنْشَدَ الجوهريُّ:
وَمَا شَنَّتا خَرْقاءَ واهٍ كلاهُما
} سَقَى فيهمَا مستعجِلٌ لم تَبلَّلابأَضْيَعَ من عَيْنيك للدّمع كلّما
تعرَّفْتَ دَارا أَو توهَّمْتَ مَنْزِلا {وسِقايَةُ الحاجِّ: مَا كانتْ قُرَيْش} تَسْقِيه للحُجَّاجِ مِن الزَّبيبِ المَنْبوذِ فِي الــماءِــ، وكانَ يَلِيها العبَّاسُ، رضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ، فِي الجاهِلِيَّةِ والإسْلام.
{والاسْتِسْقَاءُ: اسْتِفْعالٌ مِن} السُّقْيا، أَي إنْزال الغَيْثِ على العِبادِ والبِلادِ.
ويقالُ: أبلغ السُّلطان الرَّاتع {مَسْقاتَه إِذا رَفَقَ برَعِيَّتِه ولأنَ لهُم فِي السِّياسةِ.
} والسَّقِيَّةُ، كغَنِيَّةٍ: النَّخْلُ {تُسْقَى بالدَّوالي.
} وسُقِيَ بَطْنُه، كعُنِي: لُغَةٌ فِي {سَقَى} واسْتَسْقَى؛ نقلَهُ ابنُ الأثيرِ.
وأَبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللَّهِ الواسِطِيُّ عُرِفَ {بالسَّقّاءِ، مِن الحُفَّاظ، أَخَذَ عَنهُ الدَّارْقطْني.
وأَبو حَفْص عَمْرُو بنُ عليِّ بنِ بَحْر بنِ كنيزٍ} السّقَّاء الفَلاّس أَحَدُ الأَئِمَّة المَشْهُورين، ماتَ سَنَة 249.
{وساقِيَةُ مكى، وساقِيَةُ مُوسَى، وساقِيَةُ أَبي شعرَةَ، وساقِيَةُ مَحْفوظٍ: قُرىً بمِصْرَ.

جُدُّ المَوَالي

Entries on جُدُّ المَوَالي in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
جُدُّ المَوَالي:
بالعقيق أيضا. والجدّ: ماء في ديار بني عبس قال الأخضر بن هبيرة بن عمرو بن ضرار الضبي وكان قد ورد على بني عبس فمنعوه الــماء فقال:
إذا ناقة شدّت برحل ونمرق ... لمدحة عبسيّ، فآبت وكلت
وجدنا بني عبس، خلا اسم أبيهم، ... قبيلة سوء حيث سارت وحلّت
وما أمرت بالخير عمرة طلقت ... رضاع، ولا صامت ولا هي صلّت
فلو أنها كانت لقاحي أثيرة، ... لقد نهلت من ماء جدّ وعلّت
ولكنها كانت ثلاثا مياسرا، ... وحائل حول أنهزت فأحلّت
يقال: نهز البعير ضرع أمه مثل لهزه إذا وكزه.
والجدّ أيضا: ماء بالجزيرة قال الأخطل:
أتعرف من أســماء بالجدّ روسما ... محيلا ونؤيا دارسا قد تهدّما؟
والجدّ أيضا: ماء لبني سعد كذا فسره ابن السكّيت في قول عدي بن الرقاع:
فألمّت بذي المويقع لما ... جف عنها مصدّع، فالنضاء
ثمّت استوسقت له، فرمته ... بغبار عليه منه رداء
مستطير، كأنه سابريّ، ... عند تجر، منشّر وملاء
دانيات للجدّ، حتى نهاها ... ناصع من جنوب ماء رواء
هذا معنى سبق إليه عدي بن الرقاع، وقد كرره في موضع آخر فقال يصف حماري وحش:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... دكناء ملحمة، هما نسجاها

الزَّبّاء

Entries on الزَّبّاء in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
الزَّبّاء:
ممدود، بلفظ تأنيث الأزبّ، وهو الكثير الشعر على الجسد، وسنة زبّاء: خصبة، وعام أزبّ: كثير النبت، على التشبيه بالأزبّ الكثير الشعر على الجسد: وهي ماء لبني سليط، قال غسّان ابن ذهل يهجو جريرا:
أمّا كليبا فإنّ اللّؤم حالفها ... ما سال في حفلة الزّبّاء واديها
قال: الزّبّاء ماء لبني سليط، وحفلة السيل: كثرته واجتماعه، قال أبو عثمان سعيد بن المبارك: قال لي عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير كلّ ماء من مياه العرب اسمه مؤنث كالزّبّاء جعلوه ماءــة وإن كان مذكّرا جعلوه ماء. والزّبّاء أيضا: عين باليمامة منها شرب الخضرمة والصّعفوقة لآل حفصة. والزباء:
ماء لبني طهيّة من تميم. والزبّاوان: روضتان لآل عبد الله بن عامر بن كريز بين الحنظلة والتنومة بمهبّ الشمال من النباج عن يمين المصعد إلى مكّة من طريق البصرة من مفضى أودية حلّة النباج. والزباء أيضا: مدينة على شاطئ الفرات، سميت بالزبّاء صاحبة جذيمة الأبرش، عن الحازمي، وقال القاضي محمد بن علي الأنصاري الموصلي: أنشدنا أبو بكر عبيد الله بن عثمان المقري الدمشقي خطيب الزبّاء بها قال: والزباء معقل في عنان الســماء ومدينة قديمة حسنة الآثار، وقال أبو زياد الكلابي: الزباء من مياه عمرو بن كلاب ملحة بدماخ وهي جبال.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.