Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: كهف

عِنْد

Entries on عِنْد in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
عِنْد
: (عَنَدَ عَنِ) الحَقِّ، والشيْءِ، و (الطَّرِيقِ، كنصَر وسَمِع) هـ كَذَا فِي النُّسخ. والصّواب: وضَرَب. وهاذِه عَن الفَرَّاءِ فِي نوادِرِه، فإِنه قَالَ عَنَدَ عَنِ الطَّرِيقِ يَعْنِد، بِالْكَسْرِ، لُغَة فِي يعنُد، بِالْكَسْرِ، لُغَة فِي يعنُد بالضّمّ، فتأَمَّلْ (وكَرُم) ، يَعْنُد، ويَعنَد، ويَعْنِد (عُنُوداً) كَقُعُودٍ، وعَنَداً، محرَّكةً: تَبَاعَدَ و (مالَ) وعَدَلَ انحرَفَ إِلى عَنَدٍ أَي جانِبٍ.
(و) مِنَ المَجَازِ: عَنَدَ (العِرْقُ) يَعنُد ويَعنَد ويَعْنِد، هُوَ من الأَبواب الثلاثةِ، نصَر وضَرَبَ وكَرُمَ، الثَّانِيَة عَن الفَرَّاء: (سالَ فَلَمْ يَرْقَأْ، كَأَعْندَ) ، وهاذه عَن الصاغانيِّ، وَهُوَ عِرْقٌ عانِدٌ، قَالَ عَمْرُو بن مِلْقَطٍ:
بَطَعْنةٍ يَجْرِي لَهَا عانِدٌ
كالمَاءِ من غائِلَةِ الجابِيَهْ وأَعْنَدَ أَنْفُه: كَثُر سَيَلَانُ الدَّمِ مِنْهُ.
وسُئِلَ ابنُ عَبَّاس عَن المُسْتَحاضَةِ، فَقَالَ: (إِنَّه عِرْقٌ عانِدٌ، أَو رَكْضَة مِن الشَّيطانِ) قَالَ أَبو عُبَيْد: العِرْقُ العانِدُ: الَّذي عَنَدَ وبَغَى، كالإِنسان يُعَانِدُ، فهاذا العِرْقُ فِي كَثْرةِ مَا يَخْرُج مِنْهُ بمنزِلَتِهِ، شُبِّهَ بِهِ لكَثْرةِ مَا يَخرُج مِنْهُ على خِلافِ عادَتهِ. وَقَالَ الرَّاعِي:
ونحنُ تَرَكْنَا بالفَعَالِيِّ طَعْنَةً
لَهَا عانِدٌ فوْقَ الذِّراعَيْنِ مُسْبِلُ
وَقيل: دَمٌ عانِدٌ: يَسِيلُ جانباً. وَقَالَ الكِسَائِيُّ: عَنَدَت الطَّعْنَة تَعْنِد وتَعْنُد، إِذا سالَ دَمها بَعيدا من صاحِبِها، وَهِي طَعْنَةٌ عاندَةٌ. وعَنَدَ الدَّمُ يَعْنِد، إِذا سالَ فِي جانِبٍ.
(و) عَنَد (النّاقَةُ: رَعَتْ وَحْدَها) وأَنِفَتْ أَن تَرْعَى مَعَ الإِبِلِ، فَهِيَ تَطْلُبُ خِيَارَ المَرْتَعِ، وبعْضُ الإِبِل يَرْتَعُ مَا وَجَدَ.
(و) عَنَدَ الرَّجُلُ يَعنُد ويَعْنِد عَنْداً عُنُوداً: عَتَا، وطَغَى، وجاوَزَ قَدْرَه و (خَلَفَ الحَقِّ، ورَدَّهُ عارِفاً بِهِ) ، كعانَدَ مُعانَدةً، (فَهُوَ عَنِيدٌ وعانِدٌ) ، والعَنُود والعَنِيدُ: بِمَعْنى فاعلٍ أَو مُفاعِل، والعُنُود بالضّمّ: الجَوْرُ والمَيْلُ عَن الحَقِّ. وَكَانَ كُفْرُ أَبِي طالِبٍ مُعَانَدةً، لأَنه عَرفَ الحَقَّ وأَقَرَّ وأَنِفَ أَن يُقَال: تَبِع ابنَ أَخِيه، فصارَ بذالك كَافِرًا.
(وأَعْنَدَ) (فِي قَيْئِه) ، إِذا (أَتْبَعَ بَعضَهُ بَعْضاً) ، وذالك إِذَا غَلَب عَلَيْهِ، وكَثُرَ خُرُوجهُ. وَهُوَ مَجاز. وَيُقَال: استعْنَدَه القَيْءُ أَيضاً، كَمَا سيأْتي.
(والعانِدُ البَعِيرُ) الّذِي (يَحُورُ عَن الطَّرِيقِ، ويَعْدِلُ) عَن القَصْدِ. وناقَةٌ عَنُودٌ: لَا تُخَالِطُ الإِبِلَ، تَبَاعَدُ عَنْهُنَّ فتَرْعَى نَاحِيَةً أَبداً. والجَمْع: عُنُدٌ، وناقَةٌ عانِدٌ وعانِدَةٌ، و (ج) أَي جَمْعُهَا جَمِيعاً عَوَانِدُ، و (عُنَّدٌ كرُكَّع) قَالَ:
إِذا رَحَلْتُ فاجْعَلُوني وسَطَا
إِني كَبِيرٌ لَا أُطِيقُ العُنَّدَا جَمع بينَ الطَّاءِ والدَّالِ، وَهُوَ إِكفاءٌ.
وَفِي حديثِ عُمَرَ يَذْكُر سِيرَتَه، يَصِف نفْسَه بالسياسةِ، فَقَالَ: (إِنِّي أَنْهَرُ اللَّفُوتَ وأَضُمُّ العَنُودَ، وأُلحِقُ القَطُوفَ، وأَزْجُر العَرُوضَ) . قَالَ ابنُ الأَثير: العَنُود من الإِبِلِ: الّذي لَا يُخَالِطُهَا وَلَا يَزالُ مِنْفَرِداً عَنْهَا. وأَرادَ مَن خَرَج عَن الْجَمَاعَة أَعَدْتُه إِليها، وعَطَفْتُه عَلَيْها.
وَقَالَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ وأَبو نَصْرٍ: هِيَ الَّتِي تكون فِي طَائِفَةِ الإِبِل، أَي فِي ناحِيَتِها.
وَقَالَ القَيْسِيُّ: العَنُود من الإِبل: الَّتِي تُعانِدُ الإِبِلَ فتُعَارِضُها. قَالَ: فإِذا قادَتْهُنَّ قُدُماً أَمامَهُنَّ فتِلكَ السَّلُوفُ.
وَفِي المحكَم: العَنُودُ من الدَّوَابِّ: المُتَقَدِّمةُ فِي السَّيْرِ. وكذالك هِيَ من حُمُرِ الوَحْشِ. ونَاقَةٌ عَنُودٌ: تَنْكُبُ الطَّرِيقَ من نَشَاطِها وقُوَّتِها. والجمْع: عُنُدٌ وعِنَّدٌ. قَالَ ابْن سَيّده: وعَنْدِي أَنَّ عُنَّداً ليسَ جمْع عَنُودٍ، لأَنَّ فَعُولاً لَا يُكَسَّر على فُعَّلٍ، وإِنما هِيَ جمْع عانِدٍ. وإِيَّاه تَبِعَ المصنِّفُ، على عادتِه.
(والمُعَانَدَةُ: المُفَارَقَةُ والمُجَانَبَةُ) ، وَقد عَانَدَه، إِذا جَانَبَه، وَهُوَ مِن عَنَدَ الرَّجُلُ أَصحابَه يَعنُد عُنُوداً، إِذا مَا تَرَكهم واجْتَازَ عَلَيْهِم، وعَنَدَ عَنْهُم، إِذا مَا تَرَكَهُم فِي سَفَرٍ، وأَخَذَ فِي غَيْرِ طَرِيقِهم، أَو تَخَلَّف عَنْهُم. قَالَه ابنُ شُمَيْلٍ. والعُنُود كأَنَّه الخِلافُ والتَّبَاعُدُ والتَّرْكُ، لَو رأَيْتُ رَجُلاً بالبَصْرةِ من الحِجَازِ لقُلْتُ: شَدَّ مَا عَنَدْت عَن قَومِكَ، أَي تَبَاعِدْت عَنْهُم. (و) المُعانَدَةُ: (المُعارَضَةُ بالخِلافِ) لَا بالوِفاقِ. وهاذا الَّذِي يَعْرِفُه العَوَامُّ.
وَفِي التَّهْذِيب: عانَدَ فلانٌ فلَانا: فعلَ مِثْلَ فِعْلِه، يُقَال: فلانٌ يُعَانِدُ فلَانا، أَي يَفْعَلمِ مِثْلَ فِعْلِه، وَهُوَ يُعارِضه ويُبَارِيه. قَالَ: والعامَّة يُفَسَّرُونَه: يُعَانِدُه: يَفْعَلُ خِلَافَ فِعْلِه. قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ ذالك وَلَا أُثْبِتُه.
(العِنَادِ) . وَفِي اللِّسَان: وَقد يكونُ العِنَادُ مُعارَضةً لغيرِ الخِلافِ، كَمَا قَالَ الأَصمعيُّ، واستَخْرَجَهُ من عَنَد الحُبَارَى، جَعَلَه إسماً مِن عانَدَ الحُبارَى فَرْخَه، إِذا عارَضَهُ فِي الطَّيرانِ شَفَقَةٌ عَلَيْهِ.
وعَانَدَ البَعيرُ خِطَامَه: عارَضَهُ، مُعَانَدَةً وعِنَاداً.
(و) المُعَانَدَةُ فِي الشيْءِ: (الملازَمَةُ) فَهُوَ ضِدٌّ مَعَ معنَى المفارَقَةِ، وَلم يُنَبِّهْ عَلَيْهِ المصنِّف.
(وعنْدَ مُثَلَّثَةَ الأَوّلِ) ، صَرَّحَ بِهِ جماهِيرُ أَهلِ اللّغَةِ. وَفِي (المغنى) : وبالكسر أَكثر، وَفِي الْمِصْبَاح: هِيَ اللّغَةُ الفُصْحَى. وَفِي (التسهيل) : ورُبَّمَا فُتِحَت عينُهَا أَو ضُمَّت. وَمَعْنَاهَا حُضُورُ الشيْءِ ودُنُوُّه، وَهِي) ظَرْفٌ فِي المكانِ والزَّمَانِ) بِحَسَبِ مَا تُضافُ إِليه، فإِن أُضِيفَتْ إِلى المَكَانِ كَانَت ظَرْفَ مكانٍ، كعِنْدَ البَيْتِ، وعندَ الدَّارِ نحوهِ، وإِن أُضِيفَتْ إِلى الزَّمانِ فكذالكَ، نَحْو: عِنْدَ الصُّبْحِ، وعِنْدَ الفَجرِ، وعِنْدَ الغُروبِ، ونحْوِ ذالك (غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ) ، ومثْلُه فِي الصّحاح. وَفِي اصْطِلَاح النُّحَاة: غيرُ مُتَصَرِّف، أَي لازِمٌ للظَّرْفِيَّةِ، لَا يَخْرُج عَنْهَا أَصْلاً. (ويَدْخُلُهُ من حُرُوفِ الجَرِّ مِنْ) وَحْدَها، كَمَا أَدخلوها على لَدُن، قَالَ تَعَالَى: {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا} (الْــكَهْف: 65) وَقَالَ تَعَالَى: {مّن لَّدُنَّآ} (النِّسَاء: 67) .
قَالَ شيخُنَا: وَجَرُّه بِمِنْ مِن قَبِيلِ الظَّرْفِيَّةِ، فَلَا يُرَدُّ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، أَي إِنما جَرُّ بِمن خاصَّةً.
(و) فِي التَّهْذِيب: هِيَ بلُغَاتِها الثَّلاثِ أَقْصَى نِهاياتِ القُرْب.، وَلذَلِك لم تُصغَّر، وَهُوَ ظَرفٌ مُبْهَم، ولذالك لم يَتَمَكَّن إِلَّا فِي موضعٍ واحدٍ، وَهُوَ أَن (يُقَال) لشيْءٍ بِلَا عِلْمٍ هاذا (عنْدِي كَذَا) وَكَذَا، (فَيُقَال) أَ (ولَكَ عِنْدٌ) . قَالَ شيخُنا: فَعِنْدٌ مُبتدأَ، ولَك: خَبَرُهُ، (استُعْمِلَ غيْرَ ظَرْفٍ) ، لأَنَّه قُصِدَ لَفْظُه، أَي هَل لَك عِنْدٌ تُضِيفُه إِليكَ، نَطِير قولِ الآخر:
ومَنْ أَنتُمُ حَتَّى يكونَ لَكُمْ عِنْدُ
وَقَول الآخر:
كُلُّ عِنْدٍ لَكَ عِنْدِي
لَا يُسَاوِي نِصْفَ عِنْدِ
فَهَذَا كُلُّه قُصِدَ الحُكْمُ على لَفْظِه دُونَ مَعْنَاه. (و) قَالَ الأَزهريُّ: زَعَمُوا أَنه فِي هاذا الموضِعِ (يُرادُ بِهِ القَلْبِ و) مَا فِيهِ (المَعْقُولُ) واللُّبُّ قَالَ: وهاذا غيرُ قَوِيَ.
قلْت: وحَكَى ثَعْلَبٌ عَن الفَرَّاءِ: قَالُوا: أَنت عِنْدِي ذاهِبٌ، أَي فِي ظَنِّي.
وَقَالَ اللَّيْث: وَهُوَ فِي التقريبِ شِبّه اللِّزْقِ، وَلَا يَكادُ يَجِيءُ فِي الكلامِ إِلَّا مَنْصُوبًا، لأَنه لَا يكون إِلَّا صفة مَعْمُولا فِيهَا، أَو مُضْمراً فِيهَا فِعْلٌ، إِلَّا فِي قَوْلهم: أَو لَك عِنْدٌ. كَمَا تقدَّم.
(وَقد يُغْرَى بِهَا) ، أَي حالَة كونِها مُضَافَةً لَا وحدَهَا، كَمَا فَهِمَ غيرُ واحدٍ من ظاهِرِ عبارةِ المصنَّف، لأَن الموضوعَ للإِغراءِ هُوَ مجموعُ الْمُضَاف والمضافِ إِليه. صَرَّحَ بِهِ شيخُنا. ويدلّ لذالك قَوْله: (عندَك زَيداً، أَي خُذْهُ) ، وَقَالَ سيبويهِ: وَقَالُوا: عَنْدَكَ، تُحَذِّرُه شَيْئاً بَين يَدَيْهِ، أَو تأَمُره أَن يَتَقَدَّم، وَهُوَ من أَسماءِ الفِعْلِ لَا يَتَعَدَّى. وَقَالَ الفرّاءُ: العَرَبُ تأْمُر من الصِّفاتِ بِعَلَيْكَ، وعِنْدَكَ، ودُونَك، وإِلَيْك، يَقُولُونَ: إِليكَ إِليكَ عَنِّي، كَمَا يَقُولون: وراءَك وَراءَك، فهاذه الحروفُ كَثِيرَة.
وزَعَم الكسائِيُّ أَنَّه سَمِعَ، بَيْنَكُا البَعيرَ فَخُذَاه. فنَصَب البَعِيرَ. وأعجاز ذالك فِي كلِّ الصِّفاتِ الَّتِي تُفْرَد، وَلم يُجِزْه فِي اللَّام، وَلَا الباءِ، وَلَا الكافِ، وسَمِعهَ الكسائيُّ العَرَب تقولُ: مَا أَنْتَ وزيداً، ومكانَك وزيداً. قَالَ الأَزهريُّ: وسَمِعْتُ بعضَ بني سُلَيْمٍ يَقُول: كَمَا أَنْتَنِي، يَقُول: انتَظِرْنِي فِي مكانِكَ.
قَالَ شيخُنا: وبَقِيَ عَلَيْهِم أَنهم استَعْملوا، عِنْد فِي مُجَرَّد الحكْم من غيرِ نَظَرٍ لظَرْفِيّةٍ أَو غَيرِهَا، كقولِهم عنْدِي مالٌ، لما هُوَ بِحَضْرتك، ولِما غابَ عَنْك، ضُمِّنَ معنى المِلْك والسُّلطانِ على الشيْءِ، من هُنا استُعْمِل فِي المَعَانِي، فَيُقَال: عِنْدَه خَيْرٌ، وَمَا عِنْدَه شَرٌّ، لأَنَّ المَعَانِيَ لَيْسَ لَهَا جِهَاتٌ. وَمِنْه: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ} (الْقَصَص: 27) أَي مِن فضْلِكَ. وَيكون بِمَعْنى الحُكْم، يُقَال: هاذا عِنْدِي أفضلُ من هاذا، أَي فِي حُكْمِي. وأَصلُه فِي (درة الغوّاص) للحريريِّ.
(وَلَا تَقُلْ: مَضَى إِلى عنْدِهِ، وَلَا إِلى لَدُنْهُ) وهاكذا فِي الصّحاح. وَفِي (درة الغواص) : قولُهم: ذَهَبتُ إِلى عِنْدِه لَحْنٌ لَا يجُوز استعمالُه، ونسَبَه للعامَّةِ.
وفَرَّ الدَّمامِينِيُّ بينَها وَبَين لَدُن، من وُجوهً سِتَّةٍ، زَعَمَه المعرِّيُّ من اتِّحادِهما، ومَحَلُّ بَسْطِه المُطَوَّلاتُ.
(والعنْدُ مُثَلَّثَةً: النّاحيَةُ. وبالتَّحْرِيكِ: الجانبُ) ، وَقد عانَد فُلانٌ فُلاناً، إِذا جَانَبه، ودَمٌ عانِدٌ: يَسِيل جانباً. وبِه فسر قَول الراجز:
حُبَّ الحُبَارَى ويَزِفُّ عَنَدَهُ
وَقَالَ ثَعْلَب المُرَادُ بالجَانِبِ هُنَا الاعتراضُ. وَالْمعْنَى يُعَلِّمه الطَّيرَانَ، كَمَا يعَلِّمُ العُصفورُ وَلَدَه، وأَنشد:
وكُلُّ خنْزِيرٍ يُحِبُّ وَلَدَه
حَبْ الحُبَارَى ... الخ
(و) وَمن الْمجَاز: (سَحَابَةٌ عَنُودٌ) ، كَصَبُورٍ: (كَثِيرةُ المَطَرِ) لَا تَكاد تُقْلِع، وجَمْعُه: عُنُ، قَالَ الرَّاعِي:
باتَتْ إِلى دِفْءِ أَرْطاةٍ مُباشِرَةً
دِعْصاً أَرَذَّ عَلَيْهِ فُرَّقٌ عُنُدُ
نَقله الصاغانيُّ.
(وقِدْحٌ عَنُودٌ) ، وَهُوَ الَّذِي (يَخْرُجُ فائِزاً على غيرِ جِهَةِ سائرِ القِدَاحِ) ، نَقله الصاغانيُّ (وبالخِلافِ، ضِدٌّ) .
وَقَالَ الأَزهَريّ: المُعَانِدُ هُوَ المُعَارِضُ بالخِلافِ، لَا بالوِفاق. وهاذا الَّذِي يَعرِفُه العَوامُّ. وَقد يكونُ العِنادُ معارضةٌ لغيرِ الخِلاف. وَقد تقدَّم.
قلت: فإِذا كانتْ عامَّةً فَلَا يَظهر للضِّدِّيّةِ كَبِيرُ مَعْنًى. أَشار لَهُ شيخُنا، رَحِمَ الله تَعَالَى.
(والعِنْدَأَوةُ) بِالْكَسْرِ، والهمز، قد مَرَّ ذِكْرُه (فِي بَاب الهَمْزِ) ، قَالَ أَبو زيد: يُقَال: (إِنَّ تَحْتَ طِرِّيقَكَ لَعِنْدَأْوَةً) أَي تحتَ سُكونِك لَنَزْوةً وطِمَاحاً. وَمِنْهُم من جَعَل الهَمْزةَ زَائِد، فذكَرَها هُنَا، وَمِنْهُم من قَالَ بأَصالةِ الْوَاو فذَكرها فِي المُعْتَلّ، فوزْنه فِنْعَلْوَة أَو فِعْلَلْوَة.
(و) يُقَال (مالِي عَنْهُ عُنْدَدٌ) وعُنْدُدٌ (كَجُندَبٍ وقُنْفُذٍ. و) كَذَا: مَالِي عَنهُ (مُعْلَنْدَدٌ، وتكسر الدَّال) وتُفُتح، وَكَذَا: مالِي عَنهُ احتيال (أَي بُدٌّ) ، قَالَ:
لَقَدْ ظَعَن الحَيُّ الجَمِيعُ فأَصعنُوا
نَعَمْ لَيْسَ عَمَّا يَفعلُ اللهُ عُنْدَدُ
وإِنَّما لم يُقْضَ علَيْهَا أَنَّهَا فُنْعَلٌ لأَنَّ لتَّكْرِير إِذا وَقَع، وَجَبَ القَضَاءُ بالزِّيادةِ، إِلّا أَن يَجيءَ ثَبَتٌ. وإِنَّما قُضِيَ على النُونِ هَا هُنَا أنَّهَا أصلٌ، لأَنَّهَا ثانِيَةٌ، والنُّونُ لَا تُزادُ ثَانِيَة إِلَّا بِثَبتٍ.
وَقَالَ اللِّحْيَانيُّ: مالِي عَن ذااك عُنْدَدٌ وعُنْدُدٌ، أَي مَحِيصٌ.
(و) فِي الْمُحكم: (مالِي إِليه مُعْلَنْدَدٌ، سَبِيلٌ) ، وَمَا وَجدْتُ إِلى كَذَا مُعْلَنْدَداً، أَي سَبِيلاً.
وَقَالَ الِّحْيَانِيُّ مرّة: مَا وَجَدْتُ إِلى ذالك عُنْدُداً وعُنْدَداً، أَي سَبِيلاً. وَلَا ثَبَتَ هُنا.
وَفِي اللِّسَان، مادَّة: علند: ويُقَال: مالِي عَنهُ مُعْلَنْدِدٌ، أَي لَيْسَ دُونَه مُنَاخٌ وَلَا مَقِيلٌ إِلّا القَصْد نَحْوَه (والمُعْلَنْدَدُ: البَلَدُ لَا ماءَ بهَا وَلَا مَرعَى) ، قَالَ الشَّاعِر:
كَمْ دُونَ مَهْدِيَّةَ مِنْ مُعْلَنْدَدِ وَذكره أَئِمَّةُ اللغَةِ مُفَرَّقاً فِي: علد، وعلند، وَعند.
(و) من الْمجَاز: (استَعْنَدَهُ) (القَيّءُ) ، وكذَا الدَّمُ، إِذا (غَلَبَ) وكَثُر خُرُوجُه، كعَنَدَه.
(و) استَعْنَدَ (البَعِيرُ، و) كَذَا (الفَرَسُ: غَلَبَا على الزِّمامِ والرَّسَنِ) وعارَضَا وأَبَيَا الانقِيادَ فَجرَّاه. نقلَ الصاغانيُّ.
(و) استَعْنَدَ (عَصَاهُ: ضَرَبَ بهَا فِي النَّاسِ) ، نَقله الصاغانيُّ.
(و) استَعْنَدَ (الذَّكَرَ: زَنَى بِهِ فِيهِم) ، ونصُّ التكملة: واسْتَعْنَد ذَكَرَه: زَنَى فِي النَّاسِ (و) استَعْنَدَ (السِّقاءَ: اخْتَنَثَهُ) ، أَي أَمالَه. (فَشَرِبَ من فِيهِ) ، أَي من فَمِه (و) استعنَدَ (فُلاناً) من بينِ القَوْم (قَصَدَهُ) .
(والعُنْدَدُ كَجُنْدَبٍ: الحِيلَةُ) والمحيص، يُقَال: مَالِي عَنهُ عُنْدَدٌ (و) العُنْدَدُ أَيضاً: (القَدِيمُ) .
(وسَمَّوْا عَنَاداً وَعِنَادة) ، كَسَحَابٍ وسَحابة، وكِتَابٍ وكِتَابَة.
(عَنْدَةُ) ، بِفَتْح فَسُكُون: اسمُ (امْرَأَةٍ من) بني (مَهْرَةَ) بن حِيْدانَ، وَهِي (أُمُّ عَلْقَمَةَ بنِ سَلَمَةَ) بنِ ملِكِ بن الحارِث بن مُعَاويةَ الأَكرمينَ، وَهُوَ ابْن عَنْدَةَ، ولَقبه الزُّوَيْر.
(والعُوَيْنِدُ، كدْرَيْهم: ة لبنِي خَدِيجٍ. و) العُوَيْنِدُ: (ماءٌ لبني عَمْرِو بن كِلابٍ، وماءٌ) آخَرُ (لبَنِي نُمَيْرٍ) .
وممَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ:
تَعَانَدَ الخَصْمانِ: تَجَادَلَا.
وعانِدَةُ الطَّرِيقِ: مَا عُدِلَ عَنهُ فَعَنَدَ، أَنشَدَ ابنُ الأَعرابيِّ:
فإِنَّكَ والبُكَا بَعْدَ ابنِ عَمْرٍ
ولكالسَّارِي بعَانِدَةِ الطَّرِيقِ
يَقُول رُزِئْتَ عَظِيماً، فبُكاؤُكَ على هالِكٍ بعْدَه ضَلالٌ، أَي لَا يَنْبَغِي لكَ أَن تَبْكِيَ على أَحدٍ بعْدَه.
والعَنَد. محرّكةً: الاعتراضُ.
وعَقَبَةً عَنُودٌ: صَعْبَةُ المُرْتَقَى. والعاند: المائِلُ.
وعانِدٌ: وادٍ، قبل السُّقْيَا بمِيلٍ.
وعانِدَانِ: وادِيانِ معروفانِ، قَالَ:
شُبَّتْ بأَعْلَى عانِدَيْنِ من إِضَمْ
وعانِدُونَ وعانِدِينَ: اسْم وادٍ أَيضاً، وَفِي النّصْب وَفِي الخَفض: عانِدِينَ، حَكَاهُ كُراع. ومثَّلَه بِقَاصِرِينَ، وخانِقِين، ومارِدِينَ، وماكِسِينَ، وناعِتِين. وكُلُّ هاذه أَسماءُ مواضِعَ، وَقَول سَالم بنَ قحفان:
يَتْبَعْنَ وَرقاءَ كَلَوْنِ العَوْهَقِ
لاحِق الرِّجْلِ عَنُودَ المِرْفقِ
يَعْنِي بعيدةَ المِرْفَقِ من الزَّوْرِ.
(وطَعْنٌ عَنِدٌ، كَتِفٍ، إِذا كَانَ يمْنَةً ويَسْرَةً. وَقَالَ أَبو عَمْرٍ و: أَخَفُّ الطَّعْنِ الوَلْقُ، والعانِدُ مِثلُه.
وعِلْباءُ بنُ قَيْسِ بنِ عانِدةَ بنِ مالِكِ بنِ بَكْرٍ، جاهِليّ.

فَخذ

Entries on فَخذ in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
فَخذ
: (الفَخِذُ، ككَتِفٍ:) وَصْلُ (مَا بَين السَّاقِ والوَرِكِ، مُؤَنَّث، كالفَخْذِ) ، بِفَتْح فَسُكُون، (ويُكْسَر) ، أَي مَعَ السّكُون، فَهِيَ ثلاثُ لُغَاتٍ، وَهِي مَشْهُورَة فِي كُلِّ ثُلاثيَ على وِزانِ كَهفــ، وَزَاد الزّركَشِيُّ فِي شَرْح البُخَارِيّ أَن فِيهِ لُغَةً فِخِذ، بكسرتين، وَفِي تَسهيل ابنِ مَالك: فِي كُلِّ عَيْنٍ حَلْقِيَّةٍ أَربَعُ لُغَات سواءٌ كَانَت اسْماً مفَخِذٍ، أَو فِعْلاً كشَهِد، الثَّلاَثَةُ وكَسْرُ الفَاءِ والعَيْنِ وصَرَّح بذلك فِي الكافِية وشَرْحِها، وسيأْتي لنا أَيضاً فِي شَهد وغيرِه، قَالَ شيخُنَا: فالإِتْبَاع بكسرتينِ هُوَ الَّذِي قَيَّدُوه بالحَلْقِيّ، وأَما اللغاتُ الثلاثُ فَفِي كُلِّ ثُلاثِيَ على وِزانِ كَتِفٍ وَلَو لم يكن فِيهِ حَرْفُ حَلْقٍ، (و) من المَجَازِ: هَذَا فَخِذِي، بالتَّذْكِير، وَهُوَ فَخِذٌ من أَفْخَاذِ بني تَميمٍ، وَهُوَ (حَيٌّ الرجُلِ إِذا كانَ مِن أَقْرَبِ عَشِيرِته) ، وَهُوَ أَقلُّ مِن البَطنِ اوأَوَّلُها الشَّعْب، ثمَّ القَبِيلَة، ثمَّ الفَصِيلَة، ثمَّ العمَارَة، ثمَّ البَطْنُ، ثمَّ الفَخْذ. قَالَ ابنُ الكَلبيّ: الشَّعْبُ أَكبرُ من القَبِيلَةِ، ثمَّ القَبِيلة، ثمَّ العِمَارَة، ثمَّ البَطْن، ثمَّ الفَخْذ، قَالَ: أَبو مَنْصُور: والفَصِيلَة أَقربُ مِن الفَخْذ، وَهِي القطْعَة من أَعضاءِ الجَسَدِ، وَقَالَ شيخُنَا نَقْلاً عَن بعضِ أَهلِ التحقيقِ: ههذه اللغَاتُ المَذكورة فِي الفَخِذ سواءٌ كَانَ بِمَعْنى العُضْوِ أَو بِمَعْنى الحَيِّ والقَبِيلةِ، إِلاّ أَنه إِذاك ان بِمَعْنى العُضْو الأَفْصَحُ فِيهِ الأَصْلُ الَّذِي هُوَ فَتْ الأَوّلِ وَكسر الثَّانِي، وإِذا كَانَ بِمَعْنى القَبِيلة والحَيّ فالأَفصح فِيهِ فَتْح الأَوَّل وَسُكُون الثَّانِي، وَالله أعلم. (ج) أَي جَمْع الفَخِذ بِمَعْنى العُضْوِ والحَيِّ (أَفخَاذٌ) ، قَالَ سِيبويهِ: لم يُجَاوِزُوا بِهِ هاذا البناءَ.
(وَفَخَذَه، كمَنَعَه، يَفخَذُه: أَصابَ فَخِذَه) ، قَوْله كمَنَعَه، هاكذا فِي النُّسخ الَّتِي بَأَيْدينا، وَقد سقط من بعضٍ، (ففُخِذَ) ، بالبناءِ للْمَجْهُول، وَفِي المُحْكم: فُخِذَ الرجُلُ فَخْذاً فَهُوَ ففَخَذْتُه، أَي أَصَبْتُ فَخِذَه.
(و) يُقَال: (فَخَّذَهم) عَن فُلانٍ (تَفْخِيذاً) ، أَي (خَذَّلَهُم، و) فَخَّذَ بَينهم تَفْخِيذاً (: فَرَّقَهم: و) فَخَّذَ الرجلُ تَفُخِيذاً (: دَعَا العَشِيرَةَ فَخْذاً فَخْذاً) ، وَهُوَ مأْخُوذٌ من الحديثِ (أَنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلملمَّا أَنْزَلَ الله عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْقْرَبِينَ} (سُورَة الشُّعَرَاء، الْآيَة: 214) بَاتَ يُفَخِّذُ عِشِيرتَه) ، أَي يَدْعُوهُم فَخْذاً فَخْذاً، يُقَال: فَخَّذَ الرجُلُ بَنى فُلاَنٍ إِذا دَعَاهم فَخْذاً فَخْذاً. (والفَخْذَاء:) هِيَ (الَّتِي تَضْبُطُ الرجُلَ بَين فَخِذَيْهَا) ، لِقُوّتِهَا.
(وتَفَخَّذَ) الرجلُ (: تَأَخَّر) عَن الأَمرِ.
(واسْتَفْخَذَ) بِمَعْنى (اسْتَخْذَى) ، عَن الْفراء.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
التَّفْخِيذ: المُفاخَذَة.
وَقَالَ الفَرَّاءُ: حُلِبت النَّاقَةُ فِي فَخذَها، والعَنْزُ فِي رُبَابِها وَفِي فَخِذِهَا، وفَخِذُهَا نِصْفُ شَهْرٍ، نَقله الصاغانيُّ.

ثَمَر

Entries on ثَمَر in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
ثَمَر
: (الثَّمَرُ، محرَّكَةً: حَمْلُ الشَّجَرِ) . وَفِي الحَدِيث: (لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ ولَا كَثَر) . قَالَ ابْن الأَثِير: الثَّمَرُ: هوالرُّطَبُ فِي رأْس النَّخْلَةِ، فإِذا كُنِزَ فَهُوَ التَّمْرُ، والكَثَرُ: الجُمّارُ، ويَقَعُ الثَّمَرُ على كلّ الثِّمَار، ويَغْلِبُ على ثَمَر النَّخْلِ. قَالَ شيخُنَا: وأَخَذَه مُلّا عليّ فِي نامُوسِه بتصرُّفٍ يَسيرٍ، وَقد انتقدوه فِي قَوْله: ويَغْلِبُ على ثَمَرِ النَّخْل، فإِنه لَا قائلَ بِهَذِهِ الغَلَبَة؛ بل عُرْف اللغةِ أَنَّ ثَمَرَ النَّخْلِ إِنما يُقال بالفَوْقِيَّة عِنْد التَّجْرِيد كَمَا يُقَال: العِنَبُ مثلا، والرُّمّانُ، ونحوُ ذالك؛ وإِا يُطلَقُ على النَّخْل مُضَافاً، كثَمَرِ النَّخْلِ مَثَلاً. وَالله أَعلم.
(و) مِنَ المَجَازِ: الثَّمَرُ: (أَنواعُ المَال) المُثَمَّرِ المُسْتَفَادِ، عَن ابْن عَبّاس، كَذَا فِي البَصَائر، ويُخَفَّفُ ويُثَقَّلُ.
وقرأَ أَبو عَمْرو: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} وفَسَّره بأَنواع المالِ، كَذَا فِي الصّحاح.
وَفِي التَّهْذِيب: قَالَ مُجَاهد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} (الْــكَهْف: 34) قَالَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآن مِن ثُمِرٍ فَهُوَ المَال، وماك ان مِن ثمَرٍ فَهُوَ الثِّمار.
ورَوَى الأَزهريُّ بسَنَدِه، قَالَ: قَالَ سَلّام أَبو المُنْذِر القارىء فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} ، مَفْتُوح، جَمْع ثَمَرة، ومَن قرأَ ثُمُر قَالَ: مِن كلّ المالِ، قَالَ: فأَخبرتُ بذالك يُونُسَ فَلم يَقْبله؛ كأَنّهما كَانَا عِنْده سَواءً. (كالثَّمَارِ، كسَحابٍ) ، هاكذا فِي سَائِر النُّسَخ. قَالَ شيخُنا: أَنكَرَه جماعةٌ، وَقَالَ قومٌ: هُوَ إِشباعٌ وَقَعَ فِي بعض أَشعارِهم، فَلَا يثْبتُ.
قلتُ: مَا ذَكَره شيخُنَا مِن إِنكار الجماعةِ لَهُ فَفِي مَحَلِّه، وَمَا ذَكَرَ مِن وُقُوعه فِي بعض أَشعارِهم، فقد وجدتُه فِي شِعر الطِّرِمّاح، وَلكنه قَالَ: الثَّيْمَار، بالثاءِ المفتوحةِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ:
حتّى تَرَكْتُ جَنابَهم ذَا بَهْجَة
وَرْدَ الثَّرَى مُتَلَمِّعَ الصَّيْمَارِ
(الواحدَةُ ثَمَرَةٌ وثَمُرَةٌ، كسَمُرَة) ، الأَخير ذَكَرَه ابنُ سيدَه، فَقَالَ: وحَكَى سيبَوَيْه فِي الثَّمَرِ: ثَمُرَةً (وجَمْعُهَا ثَمُرٌ) كسَمُرَة، وسَمُرٍ، قَالَ: وَلَا يُكَسَّرُ لقلَّة فَعُلَه فِي كَلَامهم، وَلم يَحْك الثَّمُرَةَ أَحدٌ غيرُه. وَقَالَ شيخُنَا: لما تعدَّد الواحدُ خالَفَالاصطلاحَ، وَهُوَ قولُه: وَهِي بهاءٍ. (ج ثِمَارٌ) مثلُ جَبَل وجِبَال، (وجج) ، أَي جَمْعُ الجَمْع، (ثُمُرٌ) مثلُ كِتاب وكُتُب، عَن الفَرّاءِ (وججج) أَي جَمْعُ جَمْع الجَمْع (أَثْمَارٌ) .
وَقَالَ ابْن سيدَه: وَقد يجوزُ أَن يكونَ الثُّمُرُ جَمْعَ ثَمَرَة، كخَشَبَة وخُشُب، وأَن لَا يكونَ جَمْعَ ثِمَار؛ لأَن بابَ خَشَبَة وخُشُب أَكثرُ من بَاب رِهَان ورُهُن، قَالَ: أَعْنِي أَنْ الجَمْعَ قليلٌ فِي كَلَامهم.
وَقَالَ الأَزهريُّ: سمعْتُ أَبا الهَيْثَم يَقُول: ثَمَرَةٌ، ثمَّ ثَمَرٌ، ثمَّ ثُمُرٌ جَمْعُ الجَمْع، وجَمْعُ الثُّمُر أَثْمَارٌ، مثلُ عُنُق وأَعناق.
وأَما الثَّمَرَةُ فجمعُه ثَمَرَاتٌ، مثلُ قَصَبَة وقَصَبَات، كَذَا فِي الصّحاح والمصْباح.
وَقَالَ لشيخُنَا: هاذا اللَّفْظُ فِي مَراتب جَمْعه من غَرائب الأَشْبَاه والنَّظَائِر. قَالَ ابنُ هِشَام فِي شرح الكعبيّة: وَلَا نَظِيرَ لهاذا اللَّفْظِ فِي هاذا التَّرْتِيب فِي الجُمُوعُ غيرُ الأَكَم، فإِنّه مثلُه؛ لأَن المفردَ أَكَمَةٌ محَرَّكة وجمعُه أَكَمٌ محَرَّكة وجمعُ الأَكَم إِكامٌ، كثَمَرَة وثَمَر وثِمَار، وجمعُ الإِكامِ بِالْكَسْرِ أُكُمٌ، بضَمَّتَيْن كَمَا قِيل ثِمارٌ وثُمُرٌ، ككتاب وكُتُبٍ، وجمعُ الأُكُمِ بضمتَيْن آكامٌ، كثُمُر وأَثْمَارٍ، ونظيرُه عُنُقٌ وأَعناقٌ، وجمعُ الأَثْمَارِ والآكام أَثامِيرُ وأَكامِيمُ، فَهِيَ سِتُّ مَرَاتِبَ لَا تُوجَدُ فِي غير هاذَيْن اللفظيْن، وَالله أَعلم.
(و) الثُّمُرُ: (الذَّهَبُ والفِضَّةُ) ، حَكَاه الفارسيُّ؛ يرفعُه إِلى مُجاهِدٍ فِي قَوْله عَزّ وجَلّ.
{وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} ، فِيمَن قَرَأَ بِهِ، قَالَ: وَلَيْسَ ذالك بمعروفٍ فِي اللُّغَة، وَهُوَ مَجَازٌ. (والثَّمَرَةُ: الشَّجَرَةُ) ، عَن ثَعْلَب.
(و) الثَّمَرَةُ: (جِلْدَةُ الرَّأْسِ) ، عَن ابْن شُمَيْل.
(و) مِنَ المَجَازِ: الثَّمَرَةُ (مِن اللِّسَان: طَرَفُه) وعَذَبَتُه، تَقول: ضَرَبَنِي فلانٌ بثَمَرَةِ لسانِه. وَفِي حَدِيث ابنِ عَبّاس: (أَنه أَخَذَ بثَمَرَةِ لسانهِ، وَقَالَ: قُلْ خَراً تَغْنَمْ، أَو أَمْسِكْ عَن سُوءٍ تَسْلَمْ) . قَالَ شَمِرٌ: يُرِيد: أَخَذَ بطَرَفِ لسانِه. وَقَالَ ابنُ الأَثِير: أَي طَرَفه الَّذِي يكونُ فِي أَسفلِه.
(و) مِنَ المَجَازِ: الثَّمَرَةُ (مِن السَّوْط: عُقْدَةُ أَطرافِه) ؛ تَشْبِيهاً بالثَّمَرِ فِي الهيئةِ والتَّدَلِّي عَنهُ، كتَدَلِّي الثَّمَرِ عَن الشَّجَرة، كَذَا فِي البَصَائر للمصنِّف. وَفِي الحَدِيث: (أَمَرَ عُمَرُ الجَلَّادَ أَن يَدُقَّ ثَمَرَةَ سَوْطِه) أَي لِتَلِينَ؛ تَخْفِيفًا على الَّذِي يُضْرَبُ.
(و) مِنَ المَجَازِ: قُطِعَتْ ثَمَرَةُ فلانٍ، أَي ظَهْرُه، ويَعْنِي بِهِ (النَّسْل) . وَفِي حَدِيث عَمْرو بن سعيد: (قَالَ لمُعَاويةَ: مَا تسأَلُ عَمَّن ذَبُلَتْ بَشَرَتُه، وقُطِعَتْ ثَمَرَتُه) ؛ يَعْنِي نَسْلَه. وَقيل: انْقِطَاع شَهْوَتِه للجِماع.
(و) مِنَ المَجَازِ: (الوَلَدُ) ثَمَرَةُ القَلْبِ. فِي الحَدِيث: (إِذا ماتَ وَلَدُ العَبْدِ قَال الله لملائكتِه: قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فُؤادِه؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ) قيل للولدِ: ثَمَرَةٌ؛ لأَنّ الثَمَرَةَ مَا يُنْتِجُه الشَّجَرُ، والوَلَدُ يُنْتِجُه الأَبُ. وَقَالَ بعض المُفَسِّرين فِي قَوْله تَعَالَى: {وَنَقْصٍ مّنَ الاْمَوَالِ وَالاْنفُسِ وَالثَّمَراتِ} (الْبَقَرَة: 155) أَي: الأَولادِ والأَحفادِ، كَذَا فِي البصائِر.
(و) فِي المُحْكَم: (ثَمَرَ الشَّجرُ وأَثْمَرَ: صارَ فِيهِ الثَّمَرُ. أَو الثّامِرُ: مَا خَرَجَ ثَمَرُه) . وعبارةُ المُحْكَم: الَّذِي بَلَغَ أَوَانَ أَن يُثْمِرَ. (والمُثْمِرُ: مَا بَلَغَ أَنْ يُجْنَى) . هاذه عَن أَبي حَنِيفَةَ، وأَنشدَ:
تَجْتَنِي ثَامِرَ جُدّادِه
من فُرَادَى بَرَمٍ أَو تُؤَامْ
وَقيل: ثَمَرٌ مُثْمرٌ: لم يَنْضَج، وثامرٌ: قد نَضِجَ.
وَقَالَ ابْن الأَعْرابيِّ: أَثْمَرَ الشَّجَرُ، إِذا طَلَعَ ثَمَرُه قبل أَن يَنْضَج، فَهُوَ مُثْمِرٌ، وَقد ثَمَرَ الثَّمَرُ يَثْمُرُ، فَهُوَ ثامرٌ.
وشَجَرٌ ثامرٌ، إِذا أَدْرَكَ ثَمَرُه، وَفِي حَدِيث عليَ: (ذاكياً نَبْتُها، ثامراً فَرْعُهَا) .
(والثَّمْرَاءُ جَمْع الثَّمَرَةِ) ، مثل الشَّجْراءِ جَمْع الشَّجَرَةِ، قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ الهُذَليّ فِي صفة نَحْلٍ:
تَظَلُّ عَلى الثَّمْرَاءِ مِنْهَا جَورسٌ
مَراضيعُ صُهْبُ الرِّيشِ زُغْبٌ رِقابُها
الجَوارسُ: النَّحْل الَّتِي تَجْرُسُ وَرقَ الشَّجَرِ، أَي تأْكُلَه، والمَراضيع هُنَا: الصِّغَار من النَّحْلُ، وصُهْبُ الرِّيشِ: يريدُ أَجْنحتَها.
(و) قيل: الثَّمْراءُ فِي بَيت أَبي ذُؤَيْبٍ (شَجَرَةٌ بعيْنها، و) قيل: إسم جَبَلٍ، وَهُوَ (هَضْبَةٌ بشِقِّ الطّائف ممّا يَلِي السَّرَاةَ) ، نقلَه الصّغَانيّ.
(و) الثَّمْرَاء (من الشَّجَر: مَا خَرَجَ ثَمَرُهَا) ، وشَجرةٌ ثَمْرَاءُ: ذاتُ ثمَرٍ.
(و) الثَّمْرَاءُ (الأَرْض الكثيرةُ الثَّمَرِ) . وَقَالَ أَبو حَنيفَةَ: إِذا كَثُرَ حَمْلُ الشَّجَرةِ، أَو ثَمَرُ الأَرضِ، فَهِيَ ثَمْراءُ. (كالثَّمِرَةِ) ، أَي كفَرِحة، هاكذا فِي سَائِر النُّسَخ، وَالَّذِي فِي نَصِّ قَول أَبي حنِيفةَ: أَرضٌ ثَمِيرَةٌ: كثيرةُ الثَّمرِ، وشَجَرةٌ ثَمِيرَةٌ ونَخْلَةٌ ثَمِيرَةٌ: مُثْمِرَةٌ، وَقيل: هما الكَثِيرَا الثَّمَرِ، والجمْع ثُمُرٌ، فلْيُنْظَرْ.
(و) مِنَ المَجَازِ: (ثَمَرَ الرَّجلُ) ، كنَصَرَ، ثمُوراً: (تَمَوَّلَ) ، أَي كَثرَ مالُه، كأَثْمَرَ، كَذَا فِي الأَساس. (و) ثَمَرَ (للغَنَم) ثُمُوراً: (جَمَعَ لَهَا) الثَّمَرَ، أَي (الشَّجَرَ) .
(و) مِنَ المَجَازِ: (مالٌ ثَمرٌ ككَتِفٍ ومَثْمُورٌ: كثيرٌ) مُبارَكٌ فِيهِ.
وَقد ثَمُرَ مَاله يثْمُرُ: كَثُرَ.
(وقَومٌ مَثْمورون) : كَثِيرُو لمالِ.
وفلانٌ مَحْدودٌ: مَا يَثْمُر لَهُ مالٌ.
(والثَّمِيرَةُ: مَا يَظْهر مِن الزُّبْدِ قبلَ أَن يَجْتَمِعَ) ، ويَبْلَغَ إِناه مِن الصُّلُوح.
(و) قيل: الثَّمِيرَةُ: (اللَّبَن الَّذِي ظَهرَ زُبْدُه، أَو) هُوَ (الَّذِي لم يَخرُج زُبْدُه، كالثَّمِيرِ، فيهمَا) ، وَفِي حَدِيث مُعاوية: (قَالَ لجاريَةٍ: (هَل عِندكِ قِرىً؟ قَالَت: نعمْ، خُبْزٌ خَمِيرٌ، ولَبَنٌ ثَمِيرٌ، وحَيْسٌ جَمِير) قَالَ ابْن الأَثِير: الثَّمِيرُ: (الَّذِي) قد تَحَبَّبَ زُبْدُه، وظَهَرَتْ ثَمِيرَتُه، أَي زُبْدُه، والجَمِيرُ المُجْتَمِعُ.
(و) مِنَ المَجَازِ: (ثَمَّرَ السِّقاءُ تَثْمِيراً) ، إِذا (ظَهَرَ عَلَيْهِ تَحَبُّبُ الزُّبْدِ، كأَثْمَرَ) ، فَهُوَ مُثْمِرٌ، وذالك عِنْد الرُّؤُوبِ.
وأَثْمَرَ الزُّبْدُ: اجْتَمَعَ.
وَقَالَ الأَصمعيُّ: إِذا أَدْرَكَ ليُمْخَضَ فظَهَرَ عَلَيْهِ تَحَبُّبٌ وزُبْدٌ فَهُوَ المُثْمِرُ.
وَقَالَ ابْن شُمَيْلٍ: هُوَ الثَّمِيرُ، وَكَانَ إِذا مُخِضَ فَرُئِيَ عَلَيْهِ أَمثالُ الحَصَفِ فِي الجِلْد، ثمَّ يَجتمعُ فيَصيرُ زُبْداً، وَمَا دامتْ صِغَاراً فَهُوَ ثَمِيرٌ.
وَيُقَال: إِن لَبَنَكَ لَحَسَنُ الثَّمَرِ.
وَقد أَثْمَر مِخَاضُك. قَالَ أَبو مَنْصُور: وَهِي ثَمِيرَةُ اللَّبَنِ أَيضاً.
وَمن سَجَعات الأَساس: أَكْفَانا اللهُ مَضِيرَه، وأَسْقانا ثَمِيرَه.
(و) ثَمَّرَ (النَّبَاتُ) تَثْمِيراً: (نَفَضَ نَوْرُه، وعَقَدَ ثَمَرُه) ، رَوَاه ابنُ سِيدَه عَن أَبي حنيفةَ.
(و) مِنَ المَجَازِ: ثَمَّرَ (الرجلُ مالَه) تَثْمِيرا: (نَمّاه وكَثَّرَه) ، وَيُقَال: ثَمَّرَ اللهُ مالَكَ.
(وأَثْمَرَ) الرجلُ: (كَثُرَ مالُه) كثَمَرَ. قَالَ الشِّهَاب فِي شِفَاءِ الغَليل: أَثْمَرَ يكونُ لَازِما، وَهُوَ المشهورُ الوارِدُ فِي الْكتاب العَزِيز، وَلم يتعرَّض أَكثرُ أَهلِ اللغةِ لغيرِه، ووَرَدَ متعدِّياً، كَمَا فِي قَول الأَزهريِّ فِي تَهْذِيبه: يُثْمِرُ ثَمَراً فِيهِ حُمُوضَةٌ. وهاكذا استعلمَه كثيرٌ مِن الفُصَحاءِ، كَقَوْل ابنِ المُعْتَزِّ:
وغَرْسٍ مِن الأَحْبَابِ غَيَّبْتُ فِي الثَّرَى
فأَسْقَتْه أَجْفَانِي بسَيْحٍ وقاطِرِ
فأَثْمَرَ هَمًّا لَا يَبِيدُ وحَسَرَةً
لقَلْبِيَ يَجنِيهَا بأَيْدي الخَوَاطِرِ
وَقَالَ ابْن نُبَاتَةَ السَّعْدِيّ:
وتُثْمِرُ حاجةُ الآمالِ نُجْحاً
إِذا مَا كَانَ فِيهَا ذَا احْتِيَالِ
وَقَالَ محمّدُ بنُ أَشرفَ، وَهُوَ من أَئِمَّة اللغةِ:
كأَنَّما الأَغصانُ لما عَلَا
فُرُوعَه اقَطْرُ النَّدَى نَثْرَا
ولاحَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهَا ضُحًى
زَبَرْجَدٌ قد أَثْمَرَ الدُّرَّا
وَقَالَ ابنُ الرومِيِّ:
سيُثْمِرُ لي مَا أَثْمَرَ الطَّلْعَ حائِطٌ
إِلى غير ذالك مِمَّا لَا يُحْصَى. قَالَ شيخُنا: هاكذا استعلمَه الشيخُ عبدُ القاهرِ فِي دَلَائِل الإِعجازِ، والسَّكّاكِيّ فِي (الْمِفْتَاح، وَلما لم يَرَه كذالك شُرّاحه، قَالَ الشّارحُ: استعملَ الإِثمارَ متعدِّياً بنفْسه فِي مَواضعَ من هاذا الْكتاب، فلعلَّه ضَمَّنَه معنى الإِفادة.
(والثّامِرُ: اللُّوبِيَاءُ) عَن أَبي حنيفةَ، وَكِلَاهُمَا إسمٌ.
(و) الثّامِرُ: (نَوْرُ الحُمّاضِ) ، وَهُوَ أَحمرُ، قَالَ:
مِن عَلَقٍ كثامِرِ الحُمّاضِ
وَيُقَال هُوَ إسمٌ لثَمَرِه، وحَمْلِه. قَالَ أَبُو مَنْصُور: أَرادَ بِهِ حُمْرَةَ ثَمَرِه عِنْد إِيناعه، كَمَا قَالَ:
كأَنَّما عُلِّقَ بالأَسْدانِ
يانِعُ حُمّاضٍ وأُرْجُوَانِ
(و) مِنَ المَجَازِ: (ابنُ ثَمِيرٍ: اللَّيْلُ المُقْمِرُ) ، لتَمَامِ القَمَرِ فِيهِ، قَالَ:
وإِنِّي لَمِنْ عَبْسٍ وإِنْ قَالَ قائِلٌ
على زَعْمِهِمْ مَا أثْمرَ ابنُ ثَمِيرِ
أَراد: وإِنِّي لِمَنْ عَبْسٍ مَا أَثْمَرَ.
(وثَمْرٌ) بِفَتْح فسكونٍ: (وادٍ) ، نقلَه الصَّغَانيّ.
(و) ثَمَرُ (بالتَّحْرِيك؛ لَا باليَمَن) مِن قُرَى ذَمَارِ.
(و) ثُمَيْرٌ (كزُبَيْرٍ: جَدُّ محمّدِ بن عبدِ الرَّحيم) بن ثُمَيْرٍ (المُحَدِّث) الثُّمُيريّ المِصْرِيّ، عَن الطَّبَرَانِيّ وغيرِه.
(و) قولُهم: (مَا نَفْسِي لكَ بثَمِرَةٍ كفَرِحَةٍ أَي مالَكَ فِي نَفْسِي حلاوةٌ) ، نقَلَه الصَّغَانيُّ عَن الفَرّاءِ، وَهُوَ مَجَازٌ، وَقد ذَكَرَه الزَّمَخْشَريُّ فِي الأَساس فِي تمر، بالمُثَناة، ومَرَّ للمصنِّف هُنَاكَ أَيضاً، وفَسَّرَه بطَيِّبَة.
وممّا يُستدرَك عَلَيْهِ:
فِي حَدِيث المُبَايَعة فَعْطاه صَفْقَةَ يَده، وثَمَرَةَ قَلْبه) ، أَي خالصَ عَهْدِه) ، وَهُوَ مَجَازٌ. وَفِي الأَساس: وخَصَّني بثَمَرَةِ قَلْبه، أَي بمَوَدَّته.
وثامِرُ الحِلْم: تامُّه، كثامِرِ الثَّمَرَةِ، وَهُوَ النِّضيجُ مِنْهُ، وأَنشدَ ابنُ الأَعرابيِّ:
والخَمْرُ ليستْ مِن أَخِيك وَلَا
كنْ قد تَغُرُّ بثامِرِ الحِلْمِ
وَهُوَ مَجَازٌ، ويُرْوَى: بآمِنِ الحِلْم.
والعَقْلُ المُثْمِرُ: عَقْلُ المُسْلِمِ، والعَقْلُ العَقِيمُ: عَقْلُ الكافِرِ.
وَفِي السَّمَاءِ ثَمَرَةٌ وثَمَرٌ: لَطْخٌ مِن سَحابٍ.
ويُقَال لكلِّ نَفْعٍ يصْدُرُ عَن شيْءٍ: ثَمَرَتُه، كَقَوْلِك: ثَمَرَةُ العِلْمِ العَمَلُ الصّالِحُ، وثَمَرَةُ العَمَلِ الصّالِحِ الجَنّةُ.
وأَثْمَرَ القَومَ: أَطْعَمَهم مِن الثِّمار. وَفِي كَلَامهم: مَن أَطْعَمَ وَلم يُثْمِرْ، كَانَ كَمَنْ صَلَّى العِشَاءَ وَلم يُوتِرْ، وَفِيه يَقُول الشَّاعِر:
إِذا الضِّيفانُ جاءُوا قُمْ فقَدِّمْ
إِليهمْ مَا تَيَسَّرَ ثُمَّ آثِرْ
وإِنْ أَطْعَمْتَ أَقْوَاماً كِراماً
فَبَعْدَ الأَكْلِ أَكْرِمْهم وأَثْمِرْ
فمَنْ لم يُثْمِرِ الضِّيفَانَ بُخْلاً
كمَنْ صَلَّى العِشَاءَ وَلَيْسَ يُوتِرْ
كَمَا فِي البَصائِر للمصنِّف.
وَقَالَ عُمَارَةُ بنُ عَقِيل:
مَا زَالَ عِصْيَانُنَا للهِ يُرْذِلُنَا
حتّى دُفِعْنَا إِلى يَحْيَى ودِينَارِ
إِلى عُلَيْجَيْنِ لم تُقْطَعْ ثِمَارُهما
قد طالَما سَجَدَا للشَّمْسِ والنّارِ
يُرِيد ... لم يخْتَنَا.

زلبر

Entries on زلبر in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
زلبر
: (زَلَنْبورُ) ، أَهْملَه الجَوْهَرِيّ.
وَقَالَ مِجَاهِد: هُوَ (أَحَدُ أَولادِ إِبليسَ الخَمْسَةِ الَّذين فَسَّرُوا بهم ولَه تعالَى {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَآء} مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ (الْــكَهْف: 50) وهاكذا نَقَلَه عَنهُ الأَزْهَرِيّ فِي التَّهْذِيب فِي الخُمَاسِيّ، والغَزَالِيّ فِي الإِحياءِ، والصّاغانيّ فِي التَّكْمِلَة. (وعَمَلُه أَنْ يُفرِّقَ بينَ الرَّجلِ وأَهلِه، ويُبْصِّرَ الرَّجلَ بعُيُوب أَهلِه) ، قَالَه سُفْيَان، ونقلَه عَنهُ الأَزهريّ.
وَالَّذِي فِي الإِحياءِ فِي آخِرِ بَاب الكَسْب والمَعاشِ، نَقْلاً عَن جَمَاعة من الصَّحَابة: أَن زَلَنْبُورَ صاحِبُ السُّوقِ، وبَسببه لَا يَزالون يَخْتَصِمون، وأَنَّ الَّذِي يَدْخُل مَعَ الرَّجل إِلى أَهله يرُيد العَبَثَ بهم فاسْمُه دَاسِمٌ. قَالَ: وَمِنْهُم ثَبْر، والأَعْور، ومِسْوَطٌ. فأَما ثَبْرٌ فَهُوَ صاحبُ المصائب الَّذِي يأْمر بالثُّبور وشَقِّ الجُيُوب. وأَمّا الأَعور فَهُوَ صاحِبُ الزِّنَا يأْمُرُ بِهِ. وأَمّا مِسْوطٌ فَهُوَ صاحبُ الكَذِب. فهِؤلاءِ الخمسةُ إِخوةٌ من أَولادِ إِبليسَ.
قلْت: وَقد ذكر المصنِّفُ شَيْطانَ الصلاةِ والوضوءِ: خَنْزَبٌ والوَلْهَانُ.
قَالَ شَيخنَا: وهاذا مبنيّ على أَن إِبليسَ لَهُ أَولاٌ حَقِيقَة مَا هُوَ ظاهرُ الآيةِ، والخلافُ فِي ذالك مشهورٌ.

صَبر

Entries on صَبر in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
صَبر
: (صَبَرَهُ عنْهُ يَصْبِرُهُ) صبْراً: (حَبَسَهُ) ، قَالَ الحُطَيْئَةُ:
قلْتُ لَهَا أَصْبِرُهَا جاهِداً
وَيْحَكِ أَمْثَالُ طَرِيفٍ قَلِيلْ
(وصَبْرُ الإِنْسَانِ وغيرِه على القَتْلِ) : نَصْبُه عَلَيْهِ، وَقد نهَى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أَن يُصْبَر الرُّوحُ، وَهُوَ (أَنْ يُحْبَس) حيّاً (ويُرْمَى) بشَيْءٍ (حتّى يَمُوت) .
وأَصلُ الصَّبْرِ: الحَبْسُ: وكلُّ منْ حَبَسَ شَيْئاً فقد صَبَرَه.
وَفِي حديثٍ آخرَ فِي رَجُل أَمْسك رجُلاً وقَتَلَه آخَرُ، فَقَالَ: (اقْتُلُوا القاتِلَ واصْبِرُوا الصّابِرَ) يَعنِي احبِسُوا الَّذِي حَبَسَه للمَوْتِ حتّى يَمُوتَ كفِعْلِه بِهِ (وَقد قَتَلَه صَبْراً) .
(و) قد (صَبَرَه عَلَيْهِ) ، وكذالك لَو حَبَسَ رَجُلٌ نَفْسَه على شَيْءٍ يُريدُه قَالَ: صَبَرْتُ نَفْسِي، قَالَ عَنْتَرَةُ يَذْكُرُ حَرْباً كَانَ فِيهَا:
فصَبَرْتُ عارِفَةً لذالك حُرَّةً
تَرْسُو إِذا نَفْسُ الجَبَانِ تَطلَّعُ
يقولُ: حَبَسْتُ نَفْساً صابِرَة، قَالَ أَبو عُبَيْدَةَ: يَقُول: إِنّه فِي حَبَسَ نَفْسَهُ.
وكلُّ من قُتِلَ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ وَلَا حَرْبٍ وَلَا خطَإٍ فإِنّه مقْتُولٌ صَبْراً.
(ورَجُلٌ صَبُورَةٌ) ، بالهَاءِ: (مصْبُورٌ للقتْلِ) ، حَكَاهُ ثَعْلَبٌ، وَفِي الحَدِيث: نهى عَن المَصْبُورَةِ، وَهِي المحْبُوسَةُ على الموتِ. (و) قَالَ ابنُ سِيدَه: (يَمِينُ الصَّبْرِ: الَّتِي يُمْسِكُكَ الحكمُ عَلَيْها حَتَّى تَحْلِفَ) ، وَقد حَلَفَ صبْراً، أَنشد ثعلبٌ:
فأَوْجعِ الجَنْبَ وأَعْرِ الظَّهْرَا
أَوْ يُبْلِيَ اللَّهُ يَمِيناً صَبْراً
(أَو) هِيَ (الَّتِي تَلْزَمُ) لصاحبِها من جِهَةِ الحَكَمِ (ويُجْبَرُ عَلَيْهَا حالِفُها) ، بأَن يَحبِسَه السُّلطانُ عَلَيْهَا حتّى يَحْلِفَ بهَا، فَلَو حَلَفَ إِنسانٌ من غير إِحْلافٍ مَا قِيل: حَلَفَ صَبْراً.
وَيُقَال: أَصْبر الحَاكِمُ فُلاناً على يَمِينٍ صَبْراً، أَي أَكْرهَهُ.
(وصَبَرَ الرَّجُلَ) يَصْبِرُه: (لَزِمَهُ) .
(والمَصْبُورَةُ: اليَمِينُ) ، قيل لَهَا: مَصْبُورَةٌ، وإِن كَانَ صاحبُهَا فِي الحَقِيقَة هُوَ المصْبُورُ؛ لأَنّه إِنّما صُبِرَ من أَجْلِها، أَي حُبِس، فوُصِفَتْ بالصَّبْرِ، وأُضِيفَتْ إِليه مَجازاً.
(والصَّبْرُ: نَقِيضُ الجَزَعِ) .
يُقَال: (صَبَرَ) الرَّجلُ (يَصْبِرُ) صَبْراً (فَهُوَ صابِرٌ) وصَبَّارٌ (وصَبِيرٌ) ، كأَمِيرٍ، (وصَبُورٌ) ، والأُنْثَى (صَبُورٌ) أَيضاً، بِغَيْر هاءٍ، وَالْجمع صُبُرٌ.
وَقَالَ الجَوْهَرِيّ: الصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ عندَ الجَزَعِ، وَقد صَبَرَ فلانٌ عِنْد المُصِيبَةِ يَصْبِرُ صَبْراً، وصَبَرْتُه أَنا: حَبَسْتُه، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} (الْــكَهْف: 28) ، أَي احْبِسْ نفْسَكَ مَعَهم.
وَفِي البصائر للمصنّف: الصَّبْرُ فِي اللُّغَةِ: الحَبْسُ والكَفُّ فِي ضِيق، وَمِنْه قيل: فُلانٌ صُبِر، إِذا أُمْسِك وحُبِسَ للقَتْلِ، فالصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَن الجَزَعِ، وحَبْسُ اللّسَانِ عَن الشَّكْوَى، وحبْسُ الجوارِحِ عَن التَّشْوِيشِ.
وَقَالَ ذُو النُّون: الصَّبْرُ: التّبَاعُدُ عَن المُخَالفَاتِ، والسُّكُونُ عندَ تجَرُّعِ غُصصِ البَلِيّاتِ، وإِظْهَارُ الغِنى مَعَ طُولِ الفقْرِ بسَاحاتِ المَعِيشَةِ.
وَقيل: الصَّبْرُ: الوُقُوف مَعَ البَلاءِ بحُسْنِ الأَدَبِ.
وَقيل: هُوَ الفَنَاءُ فِي البَلْوى بِلَا ظُهورِ شكْوى.
وَقيل: إِلْزامُ النَّفْسِ الهُجُومَ على المكَارِه.
وَقَالَ عَمْرُو بنُ عُثْمَان: هُوَ الثَّبَاتُ مَعَ اللَّهِ، وتَلقِّي بَلائِه بالرّحْبِ والسَّعَةِ.
وَقَالَ الخَوّاصُ: هُوَ الثَّبَاتُ على أَحكامِ الكِتَابِ والسُّنَّة.
وَقيل: الصَّبْرُ: أَنْ تَرْضَى بتَلَفِ نَفْسِكَ فِي رِضَا من تُحِبّه.
وَقَالَ الحَرِيرِيّ: الصَّبْرُ: أَن لَا يَفْرِقَ بينَ حَالِ النِّعْمَةِ وحالِ المِحْنَةِ، مَعَ سكونِ الخاطِرِ فيهمَا.
(وتَصَبَّر) الرَّجلُ (واصْطَبَرَ) : جعَلَ لَهُ صَبْراً، (واصَّبَرَ) ، بقلبِ الطّاءِ صاداً، وَلَا تَقول: اطَّبر، لأَنّ الصّادَ لَا تُدْغَمُ فِي الطَّاءِ.
وَقيل: التَّصَبُّرُ: تَكَلُّفُ الصَّبْرِ، وَمِنْه قَولُ عُمَر: أَفْضَلُ الصَّبْرِ التَّصَبُّرُ، قَالَه ابنُ الأَعرابيّ.
وَقيل: مَراتِبُ الصَّبْرِ خَمْسةٌ: صابِرٌ، ومُصْطَبِرٌ، ومُتَصَبِّرٌ، وصَبُورٌ، وصَبَّارٌ.
فالصّابِرُ: أَعمُّها، والمُصْطَبِرُ المُكْتسِبُ للصَّبْر المُبْتلي بِهِ.
والمُتَصَبِّرُ: مُتَكَلِّفُ الصَّبْرِ حامِلُ نَفْسِه عَلَيْهِ.
والصَّبُورُ: العَظِيمُ الصَّبْرِ الَّذِي صبْرُه أَشدُّ من صَبْرِ غيرِه.
والصَّبّارُ: الشَّدِيدُ الصَّبْرِ.
فهاذا فِي القَدْرِ والكَمّ، وَالَّذِي قبله فِي الوَصْفِ والكَيْفِ.
(وأَصْبرَه: أَمَرَه بالصَّبْرِ، كصَبَّرهُ) تصْبِيراً.
وَقَالَ الصاغانيّ: صَبَّرْتُه تَصْبِيراً: طَلَبْتُ مِنْهُ أَن يصْبِر.
(و) أَصْبَرَه: (جَعَلَ لَهُ صَبْراً) ، كاصْطَبَره. (وصَبَرَ بِهِ، كنَصَرَ) ، يَصْبُرُ (صَبْراً وصَبارَةً) ، بالفَتْح فيهمَا، أَي (كَفَلَ) بِهِ، (و) تقولُ مِنْهُ: (اصْبُرْنِي) يَا رجُل، (كانْصُرْنِي) ، أَي (أَعْطِنِي كفِيلاً) .
(و) هُوَ بِهِ صَبِيرٌ، (الصَّبِيرُ) كأَمِيرٍ: (الكَفِيلُ) ، وَقد جاءَ فِي حديثِ الحَسنِ: مَنْ أَسْلَفَ سَلَفاً فَلَا يَأْخُذَنَّ بهِ رَهْناً وَلَا صَبِيراً.
(و) الصَّبِيرُ، أَيضاً: (مُقدَّمُ القَوْمِ) ، وزَعِيمُهُم، الذِي يَصْبرُ لَهُم ومعَهُم (فِي أُمُورِهِمْ) .
(و) الصَّبِيرُ: (الجَبَلُ) ، قَالَه الصّاغانيّ: وَقيل: هُوَ جَبَلٌ بعَيْنِه، وَقد جاءَ ذِكْرُه فِي حَدِيثِ مُعاذٍ.
(ج: صُبَرَاءُ) ككُرَماءَ.
(و) الصَّبِيرُ: (السَّحابَة البَيْضاءُ، أَو الكَثيفَةُ الَّتِي فَوْق السّحابَةِ، أَو) هُوَ السَّحابُ الأَبيضُ (الَّذِي يَصِيرُ بَعْضُه فَوق بعضٍ) ، درجاً، قَالَ يَصِفُ جَيْشاً:
ككِرْفِئَةِ الغَيْثِ ذاتِ الصَّبِير
قَالَ ابنُ بَرِّيّ: هاذا الصَّدْرُ يحْتَمل أَن يكون صَدراً لِبَيتِ عامِرِ بنِ جُوَيْنٍ الطّائِيّ من أَبيات:
وجارِيَةٍ من بَنَاتِ المُلُو
كِ قَعْقَعْتُ بالخَيْلِ خَلْخَالَهَا
ككِرْفِئَةِ الغَيْثِ ذاتِ الصَّبِي
رِ تَأْتِي السَّحاب وتَأْتَا لهَا
قَالَ: أَي رُبَّ جارِيةٍ من بَناتِ المُلُوكِ قَعْقَعْتُ خَلْخَالها لمّا أَغرْتُ عَلَيْهِم، فهَرَبَتْ وعَدَتْ، فسُمِع صَوتُ خَلْخالِهَا، وَلم تكن قَبْلَ لَك تَعْدُو، وَقَوله: ككِرْفِئَةِ. . الخ، أَي هاذِه الْجَارِيَة كالسَّحابَةِ البيضاءِ الكثيفة تأْتِي السَّحَاب أَي تقصد إِلى جُمْلَةِ السَّحاب وتَأْتَالُه، أَي تُصْلِحُه، وأَصله تَأْتَوِلُه مِن الأَولِ، وَهُوَ الإِصلاحُ.
قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون: (ككِرْفِئَةِ الغَيْثِ. .) ، للخَنْساءِ، وعَجُزُه:
تَرْمِي السَّحابَ ويَرْمِي لَهَا
وَقَبله:
ورَجْرَاجةٍ فَوْقَهَا بَيْضُهَا
علَيْهَا المُضَاعَفُ زِفْنَا لَهَا
قلْتُ: وقرأْت فِي زَوَائِدِ الأَمالي، لأَبِي عليَ القالِي هاذا البَيتَ فِي جملةِ أَبياتٍ للخَنْساءِ رَثَتْ بهَا أَخاها وأَولها:
أَلاَ مَا لِعَيْنَيْكَ أَمْ مالَها
لقدْ أَخْضَلَ الدَّمْعُ سِرْبَالَها
(أَو القِطْعَةُ الوَاقِفَةُ مِنْهَا) تَراهَا كأَنَّهَا مَصْبورَة، أَي مَحْبُوسة، وهاذا ضعيفٌ.
قَالَ أَبو حنيفَة: الصَّبِيرُ: السَّحاب يَثْبُتُ يَوْمًا وَلَيْلَة، وَلَا يَبْرَحُ، كأَنَّه يُصْبرُ، أَي يُحْبَسُ.
(أَو) هُوَ (السَّحابُ الأَبْيَضُ) ، لَا يكَاد يُمْطِرُ، قَالَ رُشَيْدُ بنُ رُمَيْضٍ العَنَزِيّ:
تَرُوحُ إِلَيْهِمُ عَكَرٌ تَرَاغَى
كأَنَّ دَوِيَّهَا رَعْدُ الصَّبِيرِ
والجَمْعُ كالواحِدِ، وَقيل: (ج: صُبُرٌ) ، بضمّتين، قَالَ ساعدَةُ بنُ جُؤَيَّةَ:
فارِمِ بِهِمْ لِيَّةَ والأَخْلافَا
جَوْزَ النُّعَامَى صُبُراً خِفَافَا
(و) الصَّبِيرُ صَبِيرُ الخِوانِ، وَهُوَ (الرُّقَاقَةُ العَرِيضَةُ تُبْسَطُ تَحْتَ مَا يُؤْكَلُ من الطَّعَامِ) .
(أَو) هِيَ (رُقَاقَةٌ يَغْرِفُ عَلَيْها) الخبّازُ (طَعَامَ العُرْسِ، كالصَّبِيرَةِ) ، بزيادةِ الهاءِ، وَقد أَصْبَرَ، كَمَا سيأْتي.
(والأَصْبِرَةُ من الغَنَمِ والإِبِلِ: الَّتِي تَرُوحُ وتَغْدُو) علَى أَهْلِها (وَلَا تَعْزُبُ) عَنْهُم، (بِلَا واحِدٍ) ، قَالَ ابنُ سَيّده: وَلم أَسْمَعْ لَهَا بوَاحِدٍ، ورُوِيَ بَيْتُ عَنْترةَ:
لَهَا بالصَّيْفِ أَصْبِرَةٌ وجُلٌّ
وسِتٌّ من كَرَائِمِهَا غِزَارُ (والصِّبْرُ، بِالْكَسْرِ والضّمّ: ناحِيةُ الشَّيْءِ) ، وجانِبُه، وبُصْرُه مثْلُه، (و) هُوَ (حَرْفُه) وغِلظُه.
وَقيل: صُبْرُ الشيْءِ: أَعلاه، وَفِي حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ: سِدْرَةُ المُنْتَهَى صُبْرُ الجَنَّةِ، أَي أَعلاها، أَي أَعْلى نَواحِيهَا، قَالَ النَّمِرُ بنُ تَوْلَب يصف روْضَةً:
عَزَبَتْ وباكَرَها الشَّتِيُّ بدِيمةٍ
وَطْفَاءَ تَمْلَؤُهَا إِلى أَصْبَارِها
(و) قَالَ الفَرَّاءُ: الصِّبْرُ، والصُّبْرُ: (السَّحَابَةُ البَيْضَاءُ، ج: أَصْبَارٌ) .
(و) الصُّبْرُ (بالضَّمّ: بَطْنٌ مِنْ غَسّانَ) ، قَالَ الأَخْطلُ:
فسَائِلِ الصُّبْرَ مِنْ غَسّانَ إِذْ حضَرُوا
والحزْنَ كيْفَ قَرَاكَ الغِلْمَةُ الجشَرُ
الصُّبْرُ والحَزْنُ: قَبِيلَتَانِ، وَقد تقدّم تفسيرُ البيتِ فِي جشر.
(و) الصَّبرُ: (بالتَّحْرِيكِ: الجمَدُ) ، والقِطْعَةُ صبرَةٌ، أَورده الصّاغانيّ، وَزَاد الزَّمَخْشَرِيّ فَقَالَ: هُوَ من أَصْبَرَ الشيْءُ: إِذا اشْتَدّ.
(و) يُقَال: (مَلأَ) المِكْيالَ إِلى أَصْبَارِه، وأَدْهَقَ (الكَأْس إِلى أَصْبَارِها، أَي) إِلى أَعالِيها و (رَأْسِها) .
وأَصْبارُ الإِنَاءِ: نَوَاحِيه.
(و) يُقَال: (أَخَذَه بأَصْبارِه) ، أَي تامّاً (بجَمِيعِه) .
وَقَالَ الأَصمَعِيّ: إِذا لَقِيَ الرجلُ الشِّدَّةَ بكَمَالِها قيل: لَقِيَهَا بأَصْبَارِهَا.
(والصُّبْرَةُ، بالضَّمّ: مَا جُمِعَ من الطَّعَامِ بِلَا كَيْلٍ ووَزْنٍ) ، بعضُه فَوْقَ بعض.
وَقَالَ الجَوْهَرِيّ: الصُّبْرَةُ: واحِدَةُ صُبِرَ الطَّعَامِ، يُقَال: اشتريتُ الشيءَ صُبْرَةً، أَي بِلَا وَزْنٍ وَلَا كَيْلٍ. والصُّبْرَةُ: الكُدْسُ، (وَقد صَبَّرُوا طَعَامَهُمْ) : جَعَلوه صُبْرَةً.
(و) الصُّبْرَةُ: (الطَّعَامُ المَنْخُولُ) بشيْءٍ شَبِيهٍ بالسَّرَنْدِ.
(و) الصُّبْرَةُ: (الحِجَارَةُ الغَلِيظَةُ المُجْتَمِعَة، ج: صِبَارٌ) ، بِالْكَسْرِ.
(والصُّبْرُ، بالضَّمِّ وبِضَمِّتَيْنِ) لُغَة عَن كُرَاع: (الأَرْضُ ذاتُ الحَصْبَاءِ) ، وَلَيْسَت بغَلِيظَةٍ، وَمِنْه قيل للحَرَّةِ: أُمُّ صَبَّارٍ.
(والصّبَارَةُ: الحِجَارَةُ) ، وَقيل: الحِجارَةُ المُلْسُ ويُثلَّث قَالَ الأَعشى:
مَنْ مُبْلغٌ شَيْبَانَ أَنّ
المَرْءَ لَمْ يُخْلَقْ صُبَارَهْ
وَفِي الصّحاح:
مَنْ مُبْلِغٌ عَمْراً بأَنّ
المَرْءَ لَمْ يُخْلَقْ صُبَارَه
واستشهدَ بِهِ الأَزهريّ أَيضاً، ويُرْوَى صَبَارَة، بِفَتْح الصَّاد جمعُ صَبَارٍ، والهاءُ داخلةٌ لجَمْعِ الجَمْع، لأَنّ الصِّبَارَ جمعُ صُبْرَة، وَهِي حِجَارَةٌ شَدِيدَةٌ.
قَالَ ابنُ بَرِّيّ: وصوابُه: لم يُخْلَقُ صِبَارَهْ، بِكَسْر الصَّاد، قَالَ: وأَمّا صُبَارَةُ وصَبَارَةُ، فَلَيْسَ بجَمْعٍ لصَبْرَةٍ، لأَنّ فَعَالاً لَيْسَ من أَبْنِيَةِ الجُمُوع، وإِنما ذالك فِعَالٌ، بالكَسْر، نَحْو حِجَارٍ وجِبَالٍ.
قَالَ ابنُ بَرِّيّ: البَيْتُ لعَمْرِو بنِ مِلْقَطٍ الطّائِيّ، يُخَاطِبُ بهاذا الشِّعْرِ عَمْرَو بنَ هِنْد، وَكَانَ عمْرُو بنُ هِنْد قُتِلَ لَهُ أَخٌ عنْد زُرارَةَ بنِ عُدُسٍ الدّارِمِيّ، وَكَانَ بَين عَمْرِو بنِ مِلْقَطٍ، وَبَين زُرَارَةَ شَرٌّ، فحرّض عمْرَو بنَ هِنْد على بني دَارِمٍ. يَقُول: لَيْسَ الإِنسانُ بحَجَرٍ فيَصْبِرَ على مِثْلِ هاذا، وَبعد البَيت:
وحَوَادِثُ الأَيّامِ لَا
يَبْقَى لَهَا إِلاّ الحِجَارَهْ
هَا إِنَّ عِجْزَةَ أُمِّهِ
بالسَّفْحِ أَسْفَلَ من أُوَارَهْ تَسْفِي الرِّيَاحُ خِلالَ كَشْ
حَيْهِ وَقد سَلَبُوا إِزَارَهْ
فاقْتُلْ زُرَارَةَ لَا أَرَى
فِي القَوْمِ أَوْفَى من زُرَارَهْ
(و) قيل: الصَّبَارَةُ: (قِطْعَةٌ من حَدِيدٍ أَو حِجَارَةٍ) .
(و) الصَّبَارَّةُ، (بتشديدِ الرّاءِ: شِدَّةُ البَرْدِ، وَقد تُخَفّف، كالصَّبْرَةِ) ، بِفَتْح فَسُكُون، التَّخْفِيف عَن اللِّحْيَانِيّ يُقَال: أَتَيْتُه فِي صَبَارَّةِ الشِّتَاءِ، أَي فِي شِدَّة البرْدِ، وَفِي حَدِيث عليّ، رَضِي الله عَنهُ: قُلْتُم: هاذِه صَبَارَّةُ القُرِّ، هِيَ شِدَّةُ البَرْد، كحَمَارَّةِ القَيْظِ.
(و) يُقَال: سَلَكُوا (أُمّ صَبّارٍ) ككَتّان، (و) وَقَعُوا فِي (أُمِّ صَبُّورٍ) ، كتَنُّورٍ، أَي (الحَرّ) ، هاكذا فِي النّسخ الَّتِي بأَيدِينا، وَهُوَ خطأٌ، وَالصَّوَاب الحَرَّة، كَمَا فِي المُحْكَم والتَّهْذِيبِ والتَّكْمِلَة، مُشْتَقٌّ من الصُّبُرِ الَّتِي هِيَ الأَرْضُ ذاتُ الحَصْباءِ، أَو من الصُّبَارَة، وخَصَّ بعضُهم بِهِ الرَّجْلاءَ مِنْهَا، (والدَّاهِيَةُ) ، فَفِي كَلَام المُصَنّف لَفٌّ ونَشْرٌ مرَتَّب.
قَالَ ابنُ بَرّيّ: ذكر أَبُو عُمَر الزّاهِد أَنّ أُمَّ صَبّارٍ الحَرَّةُ.
وَقَالَ الفَزَارِيّ: هِيَ حَرَّةُ لَيْلَى وَحَرَّةُ النّار، قَالَ: والشّاهِدُ لذالك قولُ النّابِغَةِ:
تُدَافِعُ النّاسَ عنْهَا حِينَ يَرْكَبُهَا
مِنَ المَظالِمِ يُدْعَى أُمَّ صَبَّارِ
أَي تَدْفَعُ الناسَ عَنْهَا، فلاَ سَبِيلَ لأَحَدٍ إِلى غَزْوِنَا؛ لأَنَّهَا تَمنَعُهم من ذالك؛ لكَوْنِهَا غَلِيظَةً لَا تَطَؤُهَا الخَيْلُ، وَلَا يُغَار علينا فِيهَا، وَقَوله: من المَظَالِمِ جَمْع مُظْلِمَة، أَي حَرَّة سَوْدَاء مُظْلِمَة.
وَقَالَ ابنُ السِّكِّيت فِي كتاب الأَلفاظ، فِي بَاب الِاخْتِلَاط والشَّرّ يَقع بَين القومِ: وتُدْعَى الحَرَّةُ والهَضْبَةُ أُمّ صَبَّارٍ.
ورُوِيَ عَن ابنِ شُمَيْل أَنَّ أُمَّ صَبّارٍ هِيَ الصَّفَاةُ لَا يَحِيكُ فِيهَا شَيْءٌ، قَالَ: وأَمّا أُمُّ صَبُّورٍ، فَقَالَ أَبو عَمْرٍ والشَّيْبَانِيّ: هِيَ الهَضْبَةُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَنْفَذٌ، يُقَال: وَقَعَ القَوْمُ فِي أُمِّ صَبُّور، أَي فِي أَمْرٍ مُلْتَبِسٍ شَديدٍ، لَيْسَ لَهُ مَنْفَذٌ، كهاذِه الهَضْبَةِ الَّتِي لَا مَنْفَذَ لَهَا وأَنْشَدَ لأَبِي الغَرِيبِ النَّصْرِيّ:
أَوْقَعَهُ اللَّهُ بسوءِ فِعْلِه
فِي أُمِّ صَبُّورٍ فأَوْدَى ونَشِبْ
(و) قيل: أُمُّ صَبّارٍ، وأُم صَبُّورٍ، كِلْتَاهما الدّاهِيَةُ، و (الحَرْبُ الشَّدِيدَةُ) وَفِي الْمُحكم: يُقَال: وَقَعُوا فِي أُمِّ صَبّار وأُمِّ صَبُّور، قَالَ: هاكذا قرأْتُه فِي الأَلفاظ: صَبُّور، بالبَاءِ، قَالَ: وَفِي بعضِ النُّسَخِ أُمُّ صَيُّور، كأَنّها مُشْتَقَّة من الصِّيَارَةِ، وهِيَ الحِجَارَةُ.
(والصَّبِرُ، ككَتِفٍ) ، هاذا الدَّوَاءُ المُرُّ (وَلَا يُسَكَّنُ إِلاّ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ) ، قَالَ الرّاجز:
أَمَرَّ مِنْ صَبْرٍ ومَقرٍ وحُضَضّ
كَذَا فِي الصّحاح، وَفِي الْحَاشِيَة: الحُضَضُ: الخُولانُ، وَقيل: هُوَ بِظاءَيْنِ، وَقيل: بضَادٍ وظَاءٍ، قَالَ ابنُ بَرِّيّ: صوابُ إِنشادِه: أَمَرَّ، بِالنّصب، وأَورَدَه بظاءَيْن؛ لأَنّه يَصِفُ حَيّة، وقبلَه:
أَرْقَشَ ظَمْآنَ إِذَا عُصْرَ لَفَظْ
قَالَ شَيخنَا: على أَن التَّسْكِينَ حَكَاهُ ابنُ السَّيِّد فِي كتاب الفَرْقِ لَهُ، وَزَاد: ومِنْهُم من يُلْقِي حركَةَ الباءِ على الصادِ، فَيَقُول: صِبْر بِالْكَسْرِ، قَالَ الشَّاعِر:
تَعَزَّبْتُ عَنْهَا كارِهاً فتَرَكْتُهَا
وَكَانَ فِراقِيها أَمَرَّ من الصِّبْرِ
ثمَّ قَالَ: والصِّبْر بِالْكَسْرِ لُغَة فِي الصَّبرِ، وَذكر مثلَه فِي كتاب المُثلّث لَهُ، وصَرّح بِهِ فِي المِصْباحِ، وذكرَهُ غيرُ واحدٍ انْتهى.
وَفِي المُحْكَم: الصَّبِرُ: (عُصارَةُ شَجَرٍ مُرَ) ، الْوَاحِدَة صَبِرَةُ، وَجمعه صُبُورٌ، قَالَ الفَرَزْدَقُ:
يَا ابنَ الخَلِيَّةِ إِنَّ حَرْبِي مُرَّةٌ
فِيهَا مَذاقَةُ حَنْظَلٍ وصُبُورِ
وَقَالَ أَبو حَنيفة: نباتُ الصَّبِر كنَباتِ السَّوْسَنِ الأَخْضَرِ، غير أَنّ وَرَقَ الصَّبِر أَطولُ وأَعرضُ وأَثْخَنُ كثيرا، وَهُوَ كثيرُ الماءِ جدّاً.
وَقَالَ اللَّيْثُ: الصَّبِرُ، بِكَسْر الباءِ: عُصَارَةُ شَجَرٍ وَرَقُها كقُرُبِ السّكاكين طِوَالُ غِلاظٌ، فِي خُضْرَتِها غُبْرَة وكُمْدَةٌ، مقْشَعِرَّةُ المَنْظَرِ، يَخْرُج من وَسطِهَا ساقٌ عَلَيْهِ نَوْرٌ أَصفَرُ تَمِهُ الرّيحِ، قلْت: وأَجْوَدُه السُّقُطْرِيّ وَيعرف أَيضاً بالصَّبّارَة.
(و) صَبِرٌ، ككَتِفٍ: (جَبَلٌ) من جِبَالِ اليَمَنِ (مُطِلٌّ عَلَى تَعِزَّ) المدينَةِ المشْهُورَة بهَا.
(ولَقِيطُ بنُ عَامِرِ بنِ صَبِرَةَ) ، بِكَسْر الباءِ: (صَحابِيٌّ) وافدُ بني المُنْتَفِقِ، لَهُ حديثٌ فِي الوضوءِ، وَيُقَال: هُوَ لَقِيطُ بنُ صَبِرَةَ والدُ عاصِمٍ، حِجَازِيّ.
(و) الصِّبَارُ: (ككِتَابٍ: السِّدَادُ) ، وَيُقَال للسِّدَادِ: القعولة والبُلْبُلَةُ والعُرْعُرَةُ.
(و) الصِّبَارُ أَيضاً: (المُصَابَرَةُ) ، وَقد صابَرَ مُصَابَرَةً وصِبَاراً.
وَقَالَ المُصَنِّفُ فِي البصائر فِي قَوْله تَعَالَى: {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} (آل عمرَان: 200) ، انتقالٌ من الأَدْنَى إِلى الأَعْلَى، فالصَّبْرُ دُونَ المُصَابَرَة، والمُصَابَرَةُ دونَ المُرابَطَةِ، وَقيل: اصْبِرُوا بنُفُوسِكُم وصابِرُوا بقلوبِكُم على البَلْوَى فِي اللَّهِ، ورابِطُوا بأَسْرَارِكُم على الشَّوْقِ إِلى اللَّهِ، وَقيل: اصْبِرُوا فِي اللَّهِ وصابِرُوا باللَّهِ، ورابِطُوا مَعَ اللَّهِ.
(و) الصِّبَار: (حَمْلُ شَجَرَةٍ حامِضَةٍ) .
(و) الصُّبارُ: (كغُرَابٍ، ورُمّانٍ) : حَمْلُ شَجَرَةٍ شَدِيدَةِ الحُمُوضَة، أَشَدّ حُموضَةً من المَصْلِ، لَهُ عَجَمٌ أَحْمَرُ عَرِيضٌ يُجْلَبُ من الهِنْدِ، يُقَال لَهُ: (التَّمْرُ الهِنْدِيُّ) ، وَهُوَ الَّذِي يُتَداوَى بِهِ، ويُقَال لشَجَرِه: الحُمَرُ، مثل صُرَد.
(وأَبُو صُبَيْرَةَ، كجُهَيْنَةَ: طائِرٌ أَحْمَرُ البَطْنِ أَسودُ الظَّهْرِ والرَّأَسِ والذَّنَبِ) ، هاكذا فِي التكملة، وَفِي اللِّسَان: طائِر أَحْمَرُ البَطْنِ أَسودُ الرأْسِ والجَنَاحَيْن، والذَّنَبِ، وسائرُه أَحْمَرُ.
(وأَصْبَرَ) الرَّجُلُ: (أَكَلَ الصَّبِيرَةَ) وَهِي الرُّقَاقَةُ الَّتِي تَقَدّم ذِكْرُهَا، قَالَه ابنُ الأَعرابِيّ.
(و) أَصْبَرَ، إِذَا (وَقَعَ فِي أُمِّ صَبُّور) ، وَهِي الدَّاهِيَةُ أَو الأَمْرُ الشَّدِيدُ، وكذالك إِذا وَقَعَ فِي أُمِّ صَبّار، وَهِي الحَرَّةُ.
(و) أَصْبَرَ: (قَعَدَ على الصَّبِيرِ) ، وَهُوَ الجَبَلُ.
(و) أَصْبَرَ: (سَدَّ رَأْسَ الحَوْجَلَةِ بالصِّبَارِ) وَهُوَ السِّدَاد.
(و) أَصْبَرَ (اللَّبَنُ) ، إِذا (اشْتَدَّتْ حُمُوضتُه إِلى المَرَارَةِ) ، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ فِي كتابِ اللَّبَنِ: المُمَقَّرُ والمُصَبَّر: الشديدُ الحُمُوضَةِ إِلى المَرَارَةِ، قالَ أَبو حاتِم: اشْتُقّا من الصَّبِر والمَقِرِ، وهما مُرّانِ.
(و) فِي حديثِ ابْن عبّاس فِي قَوْله عزّ وجلّ: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآء} (هود: 7) ، قَالَ: كانَ يَصْعَدُ إِلى السَّماءِ بُخَارٌ من الماءِ فاسْتَصْبَرَ فعادَ صَبِيراً. (اسْتَصْبَرَ) أَي (اسْتَكْثَفَ) وتَرَاكَم فصارَ سَحَاباً فذالك قَوْله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآء وَهِىَ دُخَانٌ} (فصلت: 11) ، الصَّبِيرُ: سَحَابٌ أَبيضُ مُتَكَاثِفٌ، يَعْنِي تَكَاثَفَ البُخَارُ: وتَرَاكَمَ فصارَ سَحَاباً.
(والاصْطِبَارُ: الاقْتِصَاصُ) ، وَفِي حَدِيث عَمّار حِين ضَرَبَه عُثْمانُ، فلمّا عُوتِبَ فِي ضَرْبِه إِيّاه قَالَ: (هاذِه يَدِي لِعَمَّارٍ فلْيَصْطَبِرْ) مَعْنَاهُ فَلْيَقْتَصَّ. يُقَال: صَبَرَ فُلانٌ فُلاناً لوَلِيّ فلانٍ، أَي حَبَسَه، وأَصْبَرَه أَي أَقَصَّهُ مِنْهُ فاصْطَبَر، أَي اقْتَصَّ.
وَقَالَ الأَحمرُ: أَقادَ السلطانُ فلَانا، وأَقَصَّهُ وأَصبَرَه بِمَعْنى واحدٍ، إِذَا قَتَلَه بقَوَدٍ، وَفِي الحَدِيث: (أَنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وسلمطَعَنَ إِنْسَاناً بقَضِيبٍ مُدَاعَبَةً، فَقَالَ لَهُ: اصْبِرْنِي، قَالَ: اصْطَبِرْ) أَي: أَقِدْنِي من نَفْسِك، قَالَ: اسْتَقِدْ، يُقَال: صَبَرَ فُلانٌ من خَصْمِه، واصْطَبَرَ، أَي اقْتَصَّ مِنْهُ، وأَصْبَرَه الحاكِمُ، أَي أَقَصَّه من خَصْمِه.
(وصَبَّرَه: طَلَبَ مِنْهُ أَن يَصْبِر) ، كَذَا فِي التكملة.
(والصَّبُورُ) : من أَسْمَاءِ الله تَعَالَى، وَفِي الحَدِيثِ: (إِنّ اللَّهَ تَعالَى قَالَ: إِنِّي أَنَا الصَّبُورُ) ، قَالَ أَبو إِسحاق: الصَّبُورُ فِي صِفَةِ اللَّهِ عَزّ وجَلّ: (الحَلِيمُ الَّذِي لَا يُعَاجِلُ العُصَاةَ بالنِّقْمَةِ، بل يَعْفُو، أَو يُؤَخِّرُ) ، وَهُوَ من أَبْنِيَة المُبَالَغَةِ، والفَرْقُ بَينه وَبَين الحَلِيم أَنَّ المُذْنِبَ لَا يَأْمَنُ العُقُوبَةَ كَمَا يأْمَنُهَا فِي صِفَةِ الحَلِيم.
(و) الصَّبُورُ: (فَرَسُ نافِعِ بنِ جَبَلَة) الحَدَلِيّ.
(و) الصَّبْر: الجَراءَةُ، وَمِنْه قَوْله تَعالَى: (مَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النّار) ، هاكذا فِي سَائِر النُّسخ، وَالصَّوَاب: {فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} (الْبَقَرَة: 175) ، (أَي مَا أَجْرَأَهُم) على أَعمالِ أَهلِ النّار (أَو مَا أَعْمَلَهُم بعَمَلِ أَهلِهَا) ، القَوْل الثَّانِي فِي التكملة.
(وشَهْرُ الصَّبْرِ: شَهْرُ الصَّوْمِ) ، وَمِنْه الحَدِيث: (مَن سَرَّهُ أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ وَحَرِ صَدْرِه فليَصُمْ شَهْرَ الصَّبْر وثَلاثةَ أَيام من كلِّ شَهْرٍ) ، وأَصْلُ الصّبْرِ: الحَبْسُ، وسُمِّيَ الصَّوْمُ صَبْراً؛ لما فِيهِ من حَبْسِ النَّفْسِ عَن الطَّعَام والشَّرَابِ والنِّكَاحِ.
(و) الصَّبَّارَةُ، (كجَبَّانَة: الأَرْضُ الغَلِيظَةُ المُشْرِفَةُ الشَّأْسَةُ) ، لَا نَبْتَ فِيهَا، وَلَا تُنْبِتُ شَيْئا، وَقيل: هِيَ أُم صَبّارٍ.
(وسَمَّوْا صابِراً) كنَاصِرٍ، مِنْهُم: أَبو عَمْرٍ ومحمَّدُ بنُ محمّد بن صابِر الصّابِرِيّ، نُسِبَ إِلى جَدِّه، وَآخَرُونَ.
(وصَبِرَةَ، بكسرِ الباءِ) ، مِنْهُم عامِرُ بنُ صَبِرَةَ الصّحَابِيّ الَّذِي تقدَّم ذِكْرُه، وسَمَّوْا أَيضاً صبيرةَ.
(وأَمّا قولُ الجَوْهَرِيّ: الصَّبَارُ) ، أَي كسَحاب: (جَمْعُ صَبْرَةٍ) ، بِفَتْح فَسُكُون (وَهِي الحِجَارَةُ الشَّدِيدَةُ) ، قَالَ الأَعشى:
قُبَيْلَ الصُّبْحِ أَصْوَاتُ الصَّبَارِ
فغَلَطٌ، (والصَّوابُ فِي اللُّغَة و) فِي (البَيْتِ) أَصْواتُ (الصِّيَار، بالكَسْرِ، والياءِ) التَّحْتِيّة (وَهُوَ صَوْتُ الصَّنْجِ) ذِي الأَوْتَارِ (والبَيْتُ ليسَ للأَعْشَى) كَمَا ظَنَّه (وصَدْرُه) :
كَأَنَّ تَرَنُّمَ الهَاجاتِ فِيهَا
هاذا نَصّ الصّاغانيّ فِي التكملة، وكأَن المُصَنّف قلَّدَه فِي تَغْلِيطِ الجَوْهَرِيّ، والهَاجَاتُ: الضّفادِعُ، وعَلى قَوْلِ الجَوْهَرِيّ: شَبَّهَ نَقِيقَ الضَّفادِعِ فِي هاذِه العَيْنِ بوَقْعِ الحِجَارَةِ، وَهُوَ صَحِيح، ونقلَه صاحبُ المُحْكَمِ هاكذا، وسلَّمَه، ونَسب البَيْتَ للأَعشَى، وَقَالَ: الصَّبْرَةُ من الحِجَارَة: مَا اشتَدَّ وغَلُظَ، وجَمْعُهَا الصَّبَار. وسيأْتي فِي صير.
وَقَالَ شيخُنَا: كلامُ الجَوْهَرِيّ فِي هاذا البَيْت مَرْبوطٌ ببَيْتٍ آخَرَ جاءَ بِهِ شاهِداً على غيرِ هاذا ولابنِ بَرّيْ فِيهِ كَلامٌ غيرُ محرَّرٍ، قلَّده المصنِّف فِي ذالك فأَوْرَدَ الكلامَ مختَصَراً مُبْهَماً، فلْيُحَرّر، انْتهى.
قلْت: وكأَنّه يُشيرُ إِلى قَول الأَعشى المتقدِّم ذِكْرُه:
مَن مُبْلِغٌ شَيْبَانَ أَنّ
المَرْءَ لَمْ يُخْلِقْ صَبَارَهْ
وقولُ ابنِ بَرِّيّ: وصوابُه بكسْرِ الصَّاد، قَالَ: وأَما صُبَارَةُ وصَبَارَةُ، فَلَيْسَ بجمْعٍ لصَبْرَةٍ؛ لأَنَّ فَعَالاً لَيْسَ من أَبْنِيَةِ الجُمُوعِ، وإِنما ذالِك فِعَالٌ، بالكسرِ، نَحْو حِجَارٍ وجِبَالٍ، وأَنّ البيتَ لعَمْرِو بنِ مِلقَطٍ الطّائِيّ وَقد تَقَدّم بيانُه، فهاذا تحريرُ هاذا المَقَام الذِي أَشارَ لَهُ شيخُنا، فتَأَمَّلّ.
(وصَابِرٌ، سِكَّةٌ بمَرْوَ) . ظاهِرُ أَنه كناصِر، وضَبَطَه الحافِظُ فِي التَّبْصِيرِ بِفَتْح الموحَّدَةِ، وَقَالَ: مِنْهَا أَبو الْمَعَالِي يُوسُفُ بنُ مُحَمّدٍ الفُقَيْمِيّ الصابِريّ، سمِعَ مِنْهُ أَبو سَعْد بنِ السَّمْعَانِيّ.
(والصَّبْرَةُ، بالفَتْح) ذِكْرُ الفَتْحِ مُسْتَدْرَكٌ: (مَا تَلَبَّدَ فِي الحَوْضِ من البَوْلِ والسِّرْقِينِ والبَعَرِ) .
(و) الصَّبْرَةُ (من الشِّتَاءِ: وَسَطُه) . وَقد تَقَدَّم فِي كَلَام المصنِّف، ويُقَال لَهَا أَيضاً: الصَّوْبَرَةُ.
(و) صَبْرَة، (بِلا لَام: د، بالمَغْرِبِ) قَرِيبٌ من القَيْرَوان.
(والصُّنْبُورُ) ، بالضَّمّ، (يأْتِي) ذكره فِي النُّون (إِنْ شاءَ اللَّهُ تَعَالَى) .
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
الصُّبَارَةُ من السَّحَابِ كالصَّبِيرِ.
وصَبَرَهُ: أَوْثَقَه.
وأَصْبَرَهُ القَاضِي: أَقَصَّهُ من خَصْمِه.
وَفِي الحَدِيث: (وإِنَّ عندَ رِجْلَيْهِ قَرَظاً مَصْبُوراً) ، أَي مجموعاً قد جُعِلَ صُبْرَةً كصُبْرَة الطَّعَامِ.
وَفِي الحَدِيث: (من فَعَلَ كَذَا وَكَذَا كَانَ لَهُ خَيْراً من صَبِيرٍ ذَهَباً) ، قَالُوا: هُوَ اسمُ جَبَلٍ باليَمَن، وَفِي بعض الرّوايات: (مثل صِير) بالصَّاد الْمَكْسُورَة والتحتيّة، وَهُوَ جَبَلٌ لطَيِّىءٍ، قَالَ ابنُ الأَثير: جاءَت هاذِه الكلمةُ فِي حَدِيثَيْن لعَلِيَ ومُعَاذٍ، أَما حَدِيث عليّ فَهُوَ: صِيرٌ، وأَما رِوَايَة مُعَاذٍ: فصَبِيرٌ، قَالَ: كَذَا فَرَّق بَينهمَا بعضُهُم، قلت: وسيأْتي فِي صير.
وَفِي الحَدِيث: (نَهَى عَن صَبْرِ ذِي الرُّوحِ) ، وَهُوَ الخِصَاءُ.
وَمن المَجاز: صَبَرْتُ يَمِينَه، إِذا حَلَّفْتَه جَهْدَ القَسَمِ، ويَمِينٌ مَصْبُورَةٌ، وبَدَنِي لَا يَصْبِرُ على البَرْدِ وهاذَا شَجَرٌ لَا يَضُرُّهُ البَرْدُ. وَهُوَ صابِرٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَصْبَرُ على الضَّرْبِ من الأَرْضِ. كَذَا فِي الأَساس.
والصّابُورَةُ: مَا يُوضَعُ فِي بَطْنِ المَرْكبِ من الثِّقْلِ.
والصّابِرُ: لَقَبُ عليِّ ابْن أُخْتِ الشيخِ فَرِيدِ الدّينِ العمريّ أَحد مشايِخ الجشية، صَاحب التآليفِ والكرامات.
ولقبُ عَليِّ بنِ عَليِّ بنِ أَحْمَدَ الشَّرْنُوبِيّ، جَدِّ شيخِنا يُوسُفَ بنِ عليَ أَحدِ شُيوخنا فِي البرهمانيَّة.
والصُّبَيْرَةُ، مُصَغَّراً: ناحِيَةٌ شامِيّة.
وَبلا لَام: موضِعٌ آخر.
وَالْقَاضِي أَبو بَكْر مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الرحمانِ بنِ صُبْر البغداديّ، بالضَّمِّ، فقيهٌ حنفيٌ، مَاتَ سنة 380.
وَفِي تَمِيمٍ: صُبَيْرَةُ بنُ يَرْبُوع بنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ ابنُ الكَلْبِيّ: مِنْهُم قَطَنُ بنُ رَبِيعَةَ بنِ أَبي سَلمَةَ بن صُبَيْرَة شاعرُ بني يَرْبُوع.
وَمن شيوخِ أَبي عُبَيْدَة رَيّانُ الصُّبَيْرِيّ.

ضَرَر

Entries on ضَرَر in 2 Arabic dictionaries by the authors Sultan Qaboos Encyclopedia of Arab Names and Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
ضَرَر
من (ض ر ر) الأذى والضيق.
ضَرَر
: ( {الضَّرُّ، ويُضَمّ) لُغَتَانِ: (ضِدّ النَّفْع) .
(أَو) الضَّرّ (بالفَتْح: مَصْدَر، وبالضَّم: اسْمٌ) .
وَقيل: هما لُغَتَانِ كالشُّهْد والشَّهْدِ، فإِذا جَمَعْتَ بَين الضَّرّ والنَّفْعِ فتحتَ الضادَ، وإِذا أَفردْتَ} الضُّرَّ ضَمَمْتَ إِذا لم تستعملْه مصدرا، كَقَوْلِك: {ضَرَرْتُ} ضَرّاً، هاكذا تَسْتَعمِله العربُ، كَذَا فِي لحنِ العَوامّ للزُبَيْدِيّ.
وَقَالَ أَبو الدُّقَيْشِ: كُلُّ مَا كَانَ من سُوءِ حَال وفَقْرٍ أَو شِدّةٍ فِي بَدَنٍ فَهُوَ {ضُرٌّ، وَمَا كَانَ ضِدّ النَّفْع فَهُوَ} ضَرٌّ.
يُقَال: ( {ضَرَّهُ) } يَضُرُّه! ضَرّاً، (و) {ضَرَّهُ (بِهِ،} وأَضَّرَّهُ) ، {إِضْرَاراً،} وأَضَرَّ بِهِ ( {وضَارَّهُ} مُضَارَّةً، {وضِرَاراً) ، بالكَسْر بمعْنًى، والاسمُ} الضَّرَرُ، فِعْلُ واحِد، {والضِّرارُ فِعْلُ اثْنينِ، وَبِه فُسِّرَ الحديثُ: (لَا} ضَرَرَ وَلَا {ضِرارَ) أَي لَا} يَضُرُّ الرَّجلُ أَخاهُ فيَنْقُصه شَيْئاً من حقّه، وَلَا يُجَازِيه على إِضْرارِه بإِدخالِ {الضَّرَرِ عَلَيْهِ. وَقيل: هُما بِمَعْنى، وتكرارُهما للتّأْكِيدِ.
} والمُضارّة فِي الوَصِيّة: أَن لَا تُمْضَى أَو يُنْقَصَ بعضُها، أَو يُوصَى لغَيْرِ أَهْلِهَا، وَنَحْو ذالِك ممّا يُخَالِف السُّنّةَ.
( {والضّارُورَاءُ: القَحْطُ، والشِّدَّةُ،} والضَّرَرُ، وسُوءُ الْحَال) ، هاكذا فِي النُّسخ الَّتِي بأَيدينا، وَالصَّوَاب: {والضَّرَرُ: سُوءُ الحالِ، كَمَا فِي اللِّسَانِ وَغَيره (} كالضَّرِّ) ، بالفَتْح أَيضاً، ( {والتَّضِرَّةِ) ، بِكَسْر الضادِ (} والتَّضُرَّةِ) ، بضمّها، الأَخيرة مثَّلَ بهَا سيبويهِ، وفسَّرها السِّيرَافِيّ.
وَجمع الضَّرْ بالفَتْح. {أَضُرٌّ، كأَشُدّ، قَالَ عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ العِبَادِيّ:
وخِلالَ} الأَضُرِّ جَمٌّ من العَيْ
شِ يُعَفِّي كُلُومَهُنّ البَواقِي
(و) {الضَّرَرُ: (النِّقْصَانُ يَدْخُلُ فِي الشَّيْءِ) ، يُقَال: دَخَلَ عَلَيْهِ} ضَرَرٌ فِي مالِه.
( {والضَّرّاءُ) ، بِالْمدِّ: (الزَّمَانَةُ) ، وَمِنْه الضَّرِيرُ بمعنَى الزَّمِنِ.
(و) } الضَّرّاءُ، نقيضُ السَّرّاءِ، وَفِي الحَدِيث: (ابْتُلِينَا {بالضَّرّاءِ فصَبَرْنَا، وابْتُلِينَا بالسَّرَّاءِ فلَمْ نَصْبِرْ) ، قَالَ ابنُ الأَثِيرِ:} الضَّرّاءُ: الحالةُ الَّتِي {تَضُرّ، وَهِي نَقِيضُ السَّرّاءِ، وهما بناءَانِ للمؤنّث، وَلَا مُذَكَّر لَهما، وَهِي: (الشِّدَّةُ) والفقرُ والعذابُ.
(و) قَوْله تَعَالَى: {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَآء} وَالضَّرّاء} (الْأَنْعَام: 42) ، قيل: {الضَّرّاءُ: (النَّقْصُ فِي الأَمْوَالِ والأَنْفُسِ،} كالضَّرَّةِ! والضَّرَارَةِ) ، بفتحهما، ونقلَ الجوهَرِيّ عَن الفَرّاءِ قَالَ: لَو جُمِعَ {الضَّرّاءُ والبَأْساءُ على} أَضُرٍّ وأَبْؤُسٍ، كَمَا يُجْمَع النَّعْماءُ بِمَعْنى النِّعْمَة على أَنْعُمٍ لجازَ.
وَقَالَ أَبو الهَيْثَم: {الضَّرَّةُ: شِدَّةُ الحَال فَعْلَةٌ من} الضَّرِّ.
( {والضَّرِيرُ) ، كأَمِير: الرجُلُ (الذّاهِبُ البَصَرِ) ، ومصدره} الضَّرَارَةُ، (ج: {أَضِرَّاءُ) ، وَهُوَ مَجَاز، وَمِنْه حَديثُ البَرَاءِ: (فجَاءَ ابنُ أُمِّ مَكْتُوم يَشْكُو} ضَرَارَتَهُ) {والضَّرَارَةُ هُنَا: العَمَى، وَهِي من} الضَّرّ: سُوءِ الحَالِ.
(و) من المَجَاز: {الضَّرِيرُ: (المَرِيضُ المَهْزُول) ، والجَمْع كالجمع، (وهِيَ بِهَاءٍ) ، يُقَال: رجلٌ} ضَرِيرٌ، وامرأَةٌ {ضَرِيرَةٌ: أَضَرَّ بهما المَرَضُ.
(وكُلُّ مَا خالَطَه} ضَرٌّ) فَهُوَ {ضَرِيرٌ (} كالمَضْرُورِ) .
(و) من الْمجَاز: {الضَّرِيرُ: (الغَيْرَةُ) ، يُقَال: مَا أَشَدّ} ضَرِيرَهُ عَلَيْهَا، أَي غَيْرَته، وإِنّه لَذُو ضَرِيرٍ على امرأَتِه، أَي غَيْرَةٍ.
(و) الضَّرِيرُ: ( {المُضَارَّةُ) ، اسْم لَهَا، وأَكثرُ مَا يُسْتَعْمَل فِي الغَيْرَةِ كَمَا تقدّم.
(و) الضَّرِيرُ: (حَرْفُ الوَادِي) ، يُقَال: نَزَلَ فُلانٌ على أَحَدِ} - ضَرِيرَيِ الوَادِي، أَي على أَحَدِ جانِبَيْه، وَقَالَ غيرُه: بإِحْدَى ضَفَّتَيْه، وهما {ضَرِيرَانِ. قَالَ أَوسُ بنُ حَجَر:
وَمَا خَلِيجٌ من المَرُّوتِ ذُو شُعَب
يَرْمِي الضَّرِيرَ بخُشْبِ الطَّلْحِ والضّالِ
وَالْجمع} أَضِرَّةٌ.
(و) الضَّرِيرُ: (النَّفْسُ، وبَقِيَّةُ الجِسْمِ) ، قَالَ العَجّاج:
حَامِي الحُمَيّا مَرِس الضَّرِيرِ
وَيُقَال: نَاقَةٌ ذاتُ ضَرِيرٍ، إِذا كانَت شديدَةَ النَّفْس بطِيئَةَ اللُّغُوب، وَقيل: الضَّرِيرُ: بَقِيَّةُ النَّفْسِ.
(و) الضَّرِيرُ: (الصَّبْرُ) ، يُقَال: إِنّه لذُو ضَرِيرٍ، أَي صَبْرٍ على الشَّرّ ومُقَاساةٍ لَهُ، وَقَالَ الأَصمعيّ: إِنه لَذُو ضَرِيرٍ على الشَّرِّ والشِّدّةِ، إِذا كانَ ذَا صَبْر عَلَيْهِ ومُقَاساةٍ، وأَنشد:
وهَمّامُ بنُ مُرَّةَ ذُو ضَرِيرِ
يُقَال: ذالك فِي النّاسِ والدّوَابّ، إِذا كانَ لَهَا صَبْرٌ على مُقاساةِ الشَّرِّ، وَقَالَ جَرِيرٌ:
طَرَقَتْ سَوَاهِمَ قد أَضَرَّ بهَا السُّرَى
نَزَحَتْ بأَذْرُعِهَا تَنَائِفَ زُورَا
مِنْ كُلّ جُرْشُعَةِ الهَوَاجِرِ زَادَها
بُعْدُ المَفاوِزِ جُرْأَةً {وضَرِيراً
أَي من كُلّ ناقَةٍ ضَخْمَةٍ قويّةٍ فِي الهَوَاجِرِ، لَهَا عليْهَا جُرْأَةٌ وصَبْرٌ، والسَّواهِمُ: المَهْزُولَةُ.
(و) } الضَّرِيرُ من النّاس والدّوابّ: (الصَّبُورُ) على كلّ شيْءٍ.
( {والاضْطِرَارُ: الاحْتِيَاجُ إِلى الشَّيْءِ) .
(و) قد (} اضطَرَّهُ إِليْهِ) أَمْرٌ: (أَحْوَجَه وأَلْجَأَه، {فاضطُرَّ، بضَمّ الطّاءِ) ، بِنَاؤُه افتعل، جُعِلَت التّاءُ طاءً؛ لأَنّ التاءَ لم يَحْسُن لَفْظُه مَعَ الضَّاد.
(والاسمُ: الضَّرَّةُ) ، بالفَتْحِ، قَالَ دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
وتُخْرِجُ مِنْهُ} ضَرَّةُ القَوْمِ مَصْدَقاً
وطُولُ السُّرَى دُرِّيَّ عَضْبٍ مُهَنَّدِ
أَي تَلأْلُؤ عَضْبٍ.
وَفِي حَدِيث عليّ رَضِي الله عَنهُ رَفعه: (أَنّه نَهَى عَن بَيْعِ {المُضْطَرِّ) . قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: وهاذا يكون من وَجْهَيْن: أَحدُهما: أَن يُضْطَرّ إِلى العَقْدِ من طريقِ الإِكراهِ عَلَيْهِ، قَالَ: وهاذا بَيْعٌ فاسدٌ لَا يَنْعَقِد. وَالثَّانِي: أَنْ} يُضْطَرَّ إِلى البَيْع لدَيْنٍ رَكِبَه، أَو مَؤُونةٍ تُرْهِقُه، فيَبِيع مَا فِي يَده بالوَكْسِ {للضَّرُورَةِ، وهاذا سبيلُه فِي حقّ الدِّينِ والمُرُوءَةِ أَن لَا يُبَايَع على هاذا الوَجْه، ولاكن يُعان ويُقْرَض إِلى المَيْسَرَة، أَو تُشْتَرَى سِلْعَتَه بقيمَتِها، فإِنْ عُقِدَ البيعُ مَعَ} الضّرورةِ على هَذَا الْوَجْه صَحَّ وَلم يُفْسَخ مَعَ كَراهةِ أَهْلِ العِلْمِ لَهُ، ومعنَى البَيْعِ هُنَا الشّراءُ أَو المُبَايَعَةُ أَو قَبولُ البيعِ، انْتهى.
وقولُه عزّ وجلّ: {فَمَنِ {اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} (الْبَقَرَة: 45) ، أَي فَمن أُلْجِىءَ إِلى أَكْلِ المَيْتَةِ، وَمَا حُرِّم، وضُيِّقَ عَلَيْهِ الأَمرُ بالجُوعِ، وأَصلُه من} الضَّرَرِ، وَهُوَ الضِّيقُ.
( {والضَّرُورَةُ: الحَاجَةُ) ، ويُجْمَع على} الضَّرُوراتِ، ( {كالضّارُورَةِ،} والضّارُورِ، {والضّارُوراءِ) ، الأَخِيرانِ نقلهُما الصّاغانيّ، وأَنشد فِي اللّسَان على} الضّارُورَةِ:
أَثِيبِي أَخَا {ضَارُورَةٍ أَصْفَقَ العِدَا
عليهِ وقَلَّتْ فِي الصَّدِيقِ أَواصِرُهْ
وَقَالَ اللَّيْث:} الضَّرُورَةُ: اسمٌ لمصدرِ {الاضْطِرارِ، تَقول: حَمَلَتْنِي} الضَّرُورَةُ على كَذَا وَكَذَا.
قلت: فعلَى هاذا، الضَّرُورَةُ {والضَّرَّةُ: كِلَاهُمَا اسمانِ، فَكَانَ الأَوْلَى أَن يَقُول المُصَنّف:} كالضَّرّةِ {والضَّرُورَة، ثمّ يَقُول: وَهِي أَيضاً الحاجةُ، الخ، كَمَا لَا يَخْفَى.
وَفِي حَدِيث سَمُرَةَ: (يُجْزِىءُ من} الضّارُورَةِ صَبُوحٌ أَو غَبُوقٌ) أَي إِنّمَا يَحِلُّ {للمُضْطَرِّ من المَيْتَةِ أَنْ يأْكلَ مِنْهَا مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ غَداءً أَو عشَاء، وَلَيْسَ لَهُ أَن يَجْمعَ بَينهمَا.
(} والضَّرَرُ) ، محركةً: (الضِّيقُ) ، يُقَال: مَكَان ذُو ضَرَرٍ، أَي ذُو ضِيق.
(و) {الضَّرَرُ أَيضاً: (الضَّيِّقُ) ، يُقَال: مكانٌ ضَرَرٌ، أَي ضَيِّقٌ.
(و) الضَّرَرُ: (شَفَا الــكَهْفِ) ، أَي حَرْفُه.
(} والمُضِرُّ: الدّانِي) من الشيْءِ، قَالَ الأَخْطَل:
ظَلَّتْ ظِبَاءُ بنِي البَكّاءِ رَاتِعَةً
حتّى اقْتُنِصْنَ على بُعْدٍ! وإِضْرَارِ وَفِي حَدِيث مُعاذ: (أَنّه كاني صَلّي {فأَضَرَّ بهِ غُصْنٌ، فمَدّ يَدَه فكَسَرَه) أَي دَنَا مِنْهُ دُنُوّاً شَدِيداً فآذاه.
} وأَضَرَّ بالطَّرِيقِ: دنَا مِنْهُ وَلم يُخَالِطْه.
( {وأَضَرَّ السَّيْلُ من الحَائِطِ، والسَّحابُ إِلى الأَرْضِ) ، إِذا (دَنَيَا) ، سَيْلٌ} مُضِرٌّ، وسَحابٌ {مُضِرٌّ، وكلّ مَا دَنَا دُنُوّاً} مُضِرّاً فقد {أَضَرّ.
(و) رُوِيَ عَن النّبيّ صلَّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم: (أَنه قِيل لَهُ: أَنَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَة؟ فَقَالَ:} أَتُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي غيرِ سَحاب؟ قَالُوا: لَا. قَالَ:: {فإِنَّكُم3 لَا {تُضَارّون فِي رُؤْيَته} ) ، تبَارك وَتَعَالَى، قَالَ أَبو مَنْصُور: رُوِيَ هَذَا الحَرفُ بِالتَّشْدِيدِ، من} الضُّرِّ، أَي لَا يَضُرّ بعضُكُم بَعْضًا، ورُوِي تُضَارُون بِالتَّخْفِيفِ من الضَّيْرِ، وَالْمعْنَى وَاحِد.
قَالَ الجوهريّ: وبعضُهم يَقُول: لَا {تَضَارُّونَ، بِفَتْح التاءِ، أَي لَا تَضَامُّونَ، ويروى: (لَا تَضَامُّونَ) فِي رُؤْيَته (تَضامّاً يَدْنُو بعضُكُم من بَعْضٍ) فيُزاحِمُه، وَيَقُول لَهُ: أَرِنِيهِ، كَمَا يَفْعَلُون عِنْد النَّظَرِ إِلى الهِلالِ، ولاكن ينفرُ كلُّ مِنْهُم برُؤْيَتِه.
ويروى: لَا تُضَامُونَ، بالتَّخْفِيف، وَمَعْنَاهُ: لَا يَنَالُكُم ضَيْمٌ فِي رُؤْيته، أَي تَرَوْنَه حتَّى تَسْتَوُوا فِي الرُّؤْيَةِ، فَلَا يضِيمُ بعضُكُم بَعْضًا.
(أَو من} ضَارَّهُ {ضِرَاراً} ومُضَارَّةً، إِذا خالَفَه) ، قَالَ نابغةُ بني جَعْدَةَ:
وخَصْمَيْ! ضِرَارٍ ذَوَا تُدْرَإِ
مَتَى يأْتِ سِلْمُهما يَشْغَبَا
أَي لَا تَتَنازَعُون وَلَا تَخْتَلِفُون وَلَا تَتَجَادَلُون فِي صِحَّةِ النَّظرِ إِليه لوُضوحِه وظُهُورِه.
قَالَه الزَّجّاجُ: قَالَ الأَزْهَرِيّ: ومعنَى هاذِه الأَلفَاظِ وإِن اخْتَلَفَتْ متقاربةٌ، وكلُّ مَا رُوِيَ فِيهِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَا يَدْفَعُ لَفْظٌ مِنْهَا لَفظاً، وَهُوَ من صِحَاح أَخبارِ سَيِّدنا رسولِ الله صلّى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وسلّم وغُرَرِهَا، وَلَا يُنكِرُها إِلاّ مُبْتَدِعٌ صاحِبُ هَوًى.
(و) يُقَال: (رجلٌ {ضِرُّ} أَضْرارٍ) ، بِالْكَسْرِ، أَي شديدُ أَشِدّاءَ، وكذالك صِلُّ أَصْلالٍ، وضِلُّ أَضْلالٍ: (داهِيَةٌ فِي رَأْيِه) ، قَالَ أَبو خِرَاشٍ:
والقَوْمُ أَعْلَمُ لَو قُرْطٌ أُرِيدَ بِها
لَكَانَ عُرْوَةُ فِيهَا ضِرَّ أَضْرارِ
أَي لَا يستنقذه ببَأْسِه وحِيَلِه. وعُروةُ أَخو أَبِي خِراشٍ.
( {والضَّرّتانِ: الأَلْيَةُ من جانِبَيْ عَظْمِها) ، وهما الشَّحْمَتَان، وَفِي الْمُحكم: اللَّحْمَتَان اللَّتَانِ تَنْهَدِلاَنِ مِنْ جَانِبَيْها.
(و) } الضَّرَّتانِ: (زَوْجَتاكَ، وكلّ) واحدةٍ مِنْهُمَا ( {ضَرَّةٌ للأُخْرَى، وهُنَّ ضَرائِرُ) ، نادِرٌ، قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ يَصِف قُدُوراً:
لَهُنَّ نَشِيجٌ بالنَّشِيلِ كأَنَّهَا
} ضَرَائِرُ حِرْمِيّ تَفَاحَشَ غارُهَا
(والاسمُ الضِّرُّ، بِالْكَسْرِ، و) يُقَال: (تَزَوَّجَ على {ضِرٍّ} وضُرٍّ) ، بِالْكَسْرِ والضّمّ، حَكَاهُمَا أَبو عبد الله الطُّوالُ (أَي {مُضَارَّةٍ بَين امرأَتَيْنِ أَو ثَلاثٍ) .
وحَكَى كُراع: تَزوّجتُ المَرْأَةَ على} ضِرٌّ كُنّ لَهَا، فإِذا كَانَ كذالك فَهُوَ مَصْدَرٌ على طَرْح الزَّائِد، أَو جَمْعٌ لَا واحدَ لَهُ.
(و) {الإِضْرارُ: التَّزْوِيجُ على} ضَرَّةٍ، وَفِي الصّحاح: أَن يَتَزَوَّجَ الرجلُ على ضَرَّةٍ، وَمِنْه قيل: (رَجُلٌ {مُضِرٌّ، وامرأَةٌ} مُضِرٌّ! ومُضِرَّةٌ) . فرَجلٌ {مُضِرٌّ، إِذا كَانَ لَهُ} ضَرائِرُ، وامرأَةٌ مُضِرٌّ، إِذا كَانَ لَهَا {ضَرَّةٌ، وسُمِّيَتَا} ضَرَّتَيْن لأَنّ كلَّ واحدةٍ منهُمَا {تُضَارُّ صاحبَتَها، وكُرِهَ فِي الإِسْلاَم أَن يُقَال لَهَا:} ضَرَّةٌ، وَقيل: جَارَةٌ، كذالك جاءَ فِي الحَدِيث.
( {والضَّرَّةُ) ، بِالْفَتْح: (شِدَّةُ الحالِ، والأَذِيَّةُ) ، نَقله الصاغانيّ، وَهُوَ قولُ أَبي الهَيْثَمِ، قَالَ: فَعْلَةٌ من الضَّرّ.
(و) } الضَّرَّةُ: (الخِلْفُ) ، قَالَ طَرَفَةُ يَصف نَعْجَةً:
مِنَ الزَّمِرَات أَسْبَلَ قَادِمَاهَا
{وضَرَّتُهَا مُرَكَّنَةٌ دَرُورُ
(و) قيل:} الضَّرَّةُ: (أَصْلُ الثَّدْيِ) .
(و) {الضَّرّةُ أَيضاً: (اللَّحْمَةُ) الّتي (تَحْتَ الإِبْهَامِ) ، وَقيل: أَصلُهَا.
(أَو) هِيَ (باطِنُ الكَفِّ) حِيَالَ الخِنْصَرِ تُقَابِل الأَلْيَةَ فِي الكَفِّ.
(و) قيل:} الضَّرَّةُ: لَحْمُ الضَّرْعِ، والضَّرْعُ يُذَكّر ويُؤَنَّث، يُقَال: {ضَرَّةٌ شَكْرَى، أَي مَلأَى من اللَّبَنِ.
وَقيل:} الضَّرَّةُ: أَصْل الضَّرْع الَّذِي لَا يَخْلُو من اللَّبَنِ، أَو لَا يَكاد يَخْلُو مِنْهُ.
وَقيل: هِيَ (الضَّرْعُ كُلُّه) مَا خلا الأَطْباءَ، وَلَا يُسمَّى بذالك إِلاّ أَن يكونَ فِيهِ لَبَنٌ.
(و) {الضَّرَّةُ: (مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الوَطْءُ من لَحْمِ باطِنِ القَدَمِ ممّا يَلِي الإِبْهَامَ، ج) ذالك كلّه (} ضَرائِرُ) ، وَهُوَ جَمْعٌ نَادِر، وأَنشد ثَعْلَب:
وصارَ أَمْثَالَ الغَفَا {- ضَرَائِرِي
إِنما عَنَى} بالضَّرَائِرِ أَحَدَ هاذِه الأَشْيَاءِ المتقدِّمَةِ.
(و) {الضَّرَّةُ: (المالُ تَعْتَمِدُ عليهِ وَهُوَ لغَيْرِك) من الأَقَارِب.
(و) يُقَال: عَلَيْهِ} ضَرَّتانِ من ضَأْنٍ ومَعْزٍ.! الضَّرَّةُ: (القِطْعَةُ من المَال والإِبِلِ والغَنَمِ) .
وَقيل: هُوَ الكَثِيرُ من الماشِيَةِ خاصّةً دون العَيْنِ. ورَجلٌ {مُضِرٌّ: لَهُ} ضَرَّةٌ من مالٍ، وَقَالَ الجَوْهَرِيّ: {المُضِرّ: الَّذِي يَرُوحُ عَلَيْهِ} ضَرَّةٌ من المالِ، قَالَ الأَشْعَرُ الرَّقبَان الأَسَدِيّ جاهليّ، يهجو ابنَ عمّه رِضْوان:
بحَسْبِكَ فِي القَوْمِ أَن يَعْلَمُوا
بأَنَّكَ فيهمْ غَنِيٌّ {مُضِرّ
(} وأَضَرَّ) : يَعْدُو: (أَسْرَعَ) ، وَقيل: أَسرعَ بعضَ الإِسراعِ، هاذه حِكَايَةُ أَبي عُبَيْدٍ، قَالَ الطُّوسِيّ: وَقد غَلِطَ، إِنّمَا هُوَ أَصَرَّ، بالصَّاد، وَقد تقدّمت الإِشارَةُ إِليه.
(و) {أَضَرَّهُ (على الأَمرِ: أَكْرَهَهُ) ، نَقله الصاغانيّ.
(} والمِضْرَارُ من النِّسَاءِ والإِبِلِ والخَيْلِ: الَّتِي تَنِدُّ وتَرْكَبُ شِدْقَهَا من النّشَاطِ) ، عَن ابنِ الأَعرابِيّ، وأَنشد:
إِذْ أَنْتَ {مِضْرَارٌ جَوَادُ الحُضْرِ
أَغْلَظُ شَيْءٍ جانِبا بقُطْرِ
(} وضُرٌّ، بالضَّمّ: ماءٌ) مَعْرُوف، قَالَ أَبو خِرَاشٍ:
نُسَابِقُهُمْ على رَصَفٍ وضُرَ
كدَابِغَةٍ وقدْ نَغِلَ الأَدِيمُ
( {وضِرَارٌ، ككِتَابٍ: ابنُ الأَزْوَرِ) ، وَاسم الأَزْورِ مالكُ بنُ أَوْسٍ الأَسَدِيّ، كَانَ بطلاً شَاعِرًا، لَهُ وِفادَةٌ، وَهُوَ الَّذِي قَتلَ مالِكَ بن نُوَيْرَة بأَمْرِ خالدِ بنِ الْوَلِيد، وأَبْلَى يَوْمَ اليَمَامَةِ بَلاءً عَظِيما، حَتَّى قُطِعَت ساقاه، فجعَل يحبو ويُقاتِل، وتَطَؤُه الخيلُ حَتَّى مَاتَ، قَالَه الواقِدِيّ، وَقيل: قُتِل بأَجْنَادِين، وَقيل: تُوفِّيَ بِالْكُوفَةِ زَمَنَ عمر، وَقيل: شَهِدَ فَتْحَ دِمَشْق، ثمَّ نَزلَ حَرّانَ، لَهُ روايَة قَليلَة، قلت: ومشْهَدُه الْآن بحَلَبَ مَشْهُور، ذَكَرَه النّجم الغَزّيّ.
(و) } ضِرَارُ (بنُ الخَطّابِ) بنِ مِرْدَاس القُرَشِيّ الفِهْرِيّ، أَحدُ الأَشْرافِ والشُّعَرَاءِ المَعْدُودِينَ، والأَبطال المَذْكُورِين، وَمن مُسْلِمَةِ الفَتْحِ، وَقَالَ الزُّبَيْر: ضِرَارٌ رَئِيسُ بني فِهْر، وَقيل: شَهِدَ فُتُوحَ الشّام.
(و) ضِرَارُ (بنُ القَعْقَاعِ) : أَخو عَوْف، لَهُ وِفَادَةٌ، حديثُهُ عِنْد ابْن ابنِه زَيْد بن بِسْطَام.
(و) ضِرَارُ (بنُ مُقَرِّن) المُزَنِيّ، كَانَ مَعَ خالِدٍ لمّا فَتَح الحِيرَة، وَهُوَ عاشِرُ عَشْرة إِخْوَةٍ.
(صحابِيُّون) رَضِي الله عَنْهُم أَجمعين.
وَمِمَّا يسْتَدرك عَلَيْهِ:
النّافِعُ {الضّارُّ، من أَسمائه تعالَى الحُسْنَى، وَهُوَ الَّذِي يَنفَعُ مَن يَشاءُ من خَلْقِه،} ويَضُرّه، حَيْثُ هُوَ خالقُ الأَشياءِ كلِّهَا خَيْرِهَا وشَرِّها ونَفْعِهَا {وضَرِّهَا.
} والضُّرُّ بالضّمّ: الهُزَالُ، وَهُوَ مَجاز، وَبِه فسّر بعضٌ قولَه: {أَنّى مَسَّنِىَ {الضُّرُّ} (الْأَنْبِيَاء: 83) .
} والمَضَرَّةُ: خِلافُ المَنْفَعَةِ.
{والضّرّاءُ: السَّنَةُ.
} والضَّرَّةُ {والضَّرَارَةُ} والضَّرَرُ: وَهُوَ النُّقْصان.
{والضَّرَرُ: الزَّمَانَةُ، وَبِه فُسِّر قولُه تَعَالَى: {غَيْرُ أُوْلِى} الضَّرَرِ} (النِّسَاء: 95) ، أَي غيرُ أُولِي الزَّمَانَةِ. وَقَالَ ابنُ عَرَفَة: أَي غيرُ مَنْ بِهِ عِلّةٌ {تَضُرُّه وتَقْطَعُه عَن الجِهَادِ. وَهِي} الضَّرارَةُ أَيضاً، يُقَال: ذالك فِي البَصَرِ وَغَيره.
{والضُّرُّ: بالضَّمّ حالُ} الضَّرِيرِ، نقلَه الصّاغانيّ.
{والضَّرائِرُ: المَحَاوِيجُ، وقَوْلُ الأَخْطَلِ:
لِكُلِّ قَرَارَةٍ مِنْهَا وفَجَ
أَضَاةٌ ماؤُهَا} ضَرَرٌ يَمُورُ
قَالَ ابنُ الأَعْرَابِيّ: ماؤُهَا ضَرَرٌ، أَي ماءٌ نَمِيرٌ فِي ضِيقٍ، وأَراد أَنّه غَزِيرٌ كثيرٌ فمَجارِيه تَضِيقُ بِهِ وإِن اتَّسَعَتْ.
وَقَالَ الأَصْمَعِيّ، فِي قَول الشّاعر:
بمُنْسَحَّةِ الآباطِ طَاحَ انْتقَالُهَا
بأَطْرَافِها والعِيسُ بَاقٍ {ضَرِيرُهَا
قَالَ: ضَرِيرُهَا: شِدَّتُها، حَكَاهُ الباهِلِيّ عَنهُ.
وَقَول مُلَيْح الهُذَلِيّ:
وإِنّي لأَقْرِي الهَمَّ حتّى يَسُوءَنِي
بُعَيْدَ الكَرَى مِنْه} ضَرِيرٌ مُحَافِلُ
أَراد: مُلازمٌ شدِيدٌ.
وَقَالَ الفَرّاءُ: سَمِعْتُ أَبا ثَرْوَانَ يَقُول: مَا {يَضُرُّكَ عَلَيْهَا جارِيَةً، أَي مَا يَزِيدُكَ. قَالَ: وَقَالَ الكِسَائِيّ: سَمِعْتُهم يَقُولُونَ: مَا يَضُرُّكَ على الضَّبِّ صَبْراً، وَمَا يَضِيرُكَ، أَي مَا يَزِيدُك.
وَقَالَ ابْن الأَعرابيّ: مَا يَزِيدُكَ عَلَيْهِ شَيْئاً، وَمَا يَضُرُّكَ عَلَيْهِ شَيْئاً، واحِدٌ.
وَقَالَ ابنُ السِّكِّيتِ فِي أَبواب النَّفْيِ يُقَال: لَا يَضُرُّكَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، أَي لَا تَجِدُ رَجُلاً يَزِيدُك على مَا عندَ هاذا الرَّجلِ من الكِفَايَة.
وَلَا يَضُرُّكَ عَلَيْهِ حَمْلٌ، أَي لَا يَزِيدُك.
قلْت: وأَوردَه الزّمَخْشَرِيّ فِي المَجَاز.
وَيُقَال: هُوَ فِي} ضَرَرِ خَيْرٍ، وإِنّه لفي طَلَفَةِ خَيْر وضَفَّةِ خَيْرٍ، وَفِي طَثْرَةِ خَيْر، وصَفْوَةٍ من العَيْشِ.
{والضَّرائِرُ: الأُمورُ المُخْتَلِفَة، على التَّشْبِيهِ بضَرَائِرِ النّساءِ لَا يَتَّفِقْنَ، الوَاحِدة} ضَرَّةٌ، وَمِنْه حَديث عَمْرِو بنِ مُرَّةَ: (عِنْد اعْتِكارِ {الضَّرائِرِ) .
} والضَّرَّتان: حَجَرَا الرَّحَى، وَفِي المُحْكَم: الرَّحَيانِ.
وناقَةٌ ذَاتُ {ضَرِيرٍ:} مُضِرَّةٌ بالإِبِلِ فِي شِدَّة سَيْرِهَا، وَبِه فُسِّر قولُ أُمَيَّة بنِ عائِذَ الهُذَلِيّ:
تُبَارِي ضَرِيسَ أُولاَتِ {الضَّرِيرِ
وتَقْدُمُهُنّ عَنُوداً عَنُونَا
} وأَضَرَّ عَلَيْهِ: أَلَحَّ.
{وأَضَرَّ الفَرَسُ على فَأْسِ اللِّجَامِ: أَزَمَ عَلَيْهِ، مثْل أَضَزَّ، بالزاي، وَهُوَ مجَاز.
وأَضَرَّ فلانٌ على السيرِ الشَّدِيدِ، أَي صَبَرَ.
ومحمّدُ بنُ بِشْرٍ} - الضِّرَارِيّ، عَن أَبَانِ بنِ عبدِ اللَّهِ البَجَليّ، وَعنهُ عبدُ الجَبَّار بن كَثيرٍ التَّمِيمِيّ.
وأَبو صَالح محمّدُ بنُ إِسماعيلَ الضِّرَارِيّ، عَن عبد الرزّاق.
ومُعَاذَةُ بنتُ عبدِ اللَّهِ بنِ {الضُّرَيْرِ، كزُبَيْر: الَّتِي كَانَ ابنُ سَلُولٍ يُكْرِهُها على البِغَاءِ، فَنزلت الْآيَة، قَالَه الْحَافِظ.
} وضِرَارُ بنُ عِمْرَانَ البُرْجُمِيّ، وضِرَارُ بنُ مُسْلِمٍ البَاهِلِيّ: تابِعيّانِ.
وأَبُو مُعَاوِيَةَ! الضَّرِير: هُوَ محمّدُ بنُ حازِمٍ التَّمِيمِيّ، عَن الأَعْمَشِ، حافظٌ مُتْقِنٌ.

نبلس

Entries on نبلس in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
نبلس
ومِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْه: نابُلُسُ، هَكَذَا يُكْتَبُ متَّصِلاً، وأَصْلُه: نابُ لُس: بلدٌ مَشْهُورٌ بأَرْض فِلَسْطِينَ، بَيْنَ جَبَلَيْنِ، مستطيلٌ لَا عَرْضَ لَهُ، كثيرُ الماءِ، بينَه وبينَ بيتِ المَقْدِسِ عَشْرَةُ فَراسخَ، وَله كُورَةٌ وَاسعَةٌ، وبظاهِرِه جَبَلٌ يَعْتَقِدُ اليَهُودُ أَن الذَّبْحَ كَانَ عَلَيْهِ، وعِنْدَهُم أَنَّ الذَّبيحَ إِسْحَاقُ، ولَهُمْ فِي هَذَا الجَبَلِ إعْتِقادٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ مّذْكُورٌ فِي التَّوراةِ، والسَّامِرَةُ تُصَلِّى إِليه، وَبِه عَيْنٌ تَحْتَ كَهْفٍ يَزُورُونَه، وقَدْ نُسِبَ إِليه جَمَاعَةٌ من المُحَدِّثين، والعَجَبُ من المصنِّف كَيفَ تَرَكَ ذِكْرَه، مَعَ أَنّه يُورِدهُ إسْتِطْرَاداً فِي مَوَاضِعَ من كتابِه.

كنهف

Entries on كنهف in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
كنهـف
كَنْهفٌ، كجَنْدَلٍ أَهمَله الجوهريُّ. وصاحبُ اللِّسانِ، والصّاغانِيُّ فِي كِتابَيْهِ هُنا، وأَوْرده فِي العُباب فِي كهـف عَن ابْن دُريْدِ: أَنَّه: عَلَيْهِ السَّلَام وأَغْفَلَه ياقوت فِي المُشْتَركِ. ويُقال: كَنْهَفَ عنّا: أَي مضَى وأَسْرعَ عَن ابنِ دُريْدٍ أَيْضا أَو النُّونُ زائِدةٌ وَهُوَ الَّذِي صَوبه ابْن دُريد، ولِذا أَعَادَهُ المصنِّفُ ثانِياً فِي ك هـ ف.

فَهُوَ

Entries on فَهُوَ in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
فَهُوَ
: (و (} فَهَوْتُ عَنهُ) :) أَهْملهُ الجَوْهرِي.
وقالَ غيرُهُ: أَي (سَهَوْتُ) عَنهُ.
قالَ ابنُ سِيدَه: {فَهَا فُؤَادُه كهَفَــا، وَلم يُسْمَع لَهُ بمصْدَرٍ فأُراهُ مَقْلوباً.
(} وأَفْهَى) الرَّجُلُ: (فالَ رَأْيُهُ) ؛) عَن ابنِ الْأَعرَابِي. وممَّا يُسْتدركُ عَلَيْهِ:
فَهَا: إِذا فَصُحَ بعْدَ عُجْمةٍ.
{والأَفْهاءُ: البُلْهُ؛ عَن ابنِ الأعْرابي.

الرب

Entries on الرب in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya and Maududi, Al-Muṣṭalaḥāt al-Arbaʿa fī l-Qurʾān
الرَّبُّ: هو المالك أصله التربية وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام. والربُّ مطلقاً لا يطلق إلى على الله سبحانه وتعالى، وعلى غيره بالإضافة نحو ربِّ الدار.
الرب
التحقيق اللغوي
مادة كلمة (الرب) : الراء والباء المضعَّفة
قال ابن فارس في (مقاييس اللغة) 2/381: - 382 مادة (رب) : "الراء والياء يدل على أصول، فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه، فالرب: المالك، والخالق، والصاحب، والرب: المصلح للشيء..
والأصل الآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه، وهو مناسب للأصل الأول..،
والأصل الثالث: ضم الشيء للشيء وهو أيضاً مناسب لما قبله: ومتى أنعم النظر كان الباب كله قياساً واحداً.." اهـ، ومعناها الأصلي الأساسي: التربية، ثم تتشعب عنه معاني التصرف والتعهد والاستصلاح والإتمام والتكميل، ومن ذلك كله تنشأ في الكلمة معاني العلو والرئاسة والتملك والسيادة. ودونك أمثلة لاستعمال الكلمة في لغة العرب بتلك المعاني المختلفة: (1)
(1) التربية والتنشئة والإنماء:
يقولون (ربَّ الولد) أي ربّاه حتى أدرك فـ (الرّبيب) هو الصبي الذي تربيه و (الربيبة) الصبية. وكذلك تطلق الكلمتان على الطفل الذي يربى في بيت زوج أمه و (الربيبة) أيضاً الحاضنة ويقال (الرّابة) لامرأة الأب غير الأم، فإنها وإن لم تكن أم الولد، تقوم بتربيته وتنشئته. و (الراب) كذلك زوج الأم. (المربب) أو (المربى) هو الدواء الذي يختزن ويدّخر. و (رَبَّ يُربُّ ربَّاً) من باب نصر معناه الإضافة والزيادة والإتمام، فيقولون (ربَّ النعمة) : أي زاد في الإحسان وأمعن فيه.
(2) الجمع والحشد والتهيئة:
يقولون: (فلان يرب الناس) أي يجمعهم أو يجتمع عليه الناس، ويسمون مكان جمعهم (بالمرّبّ) و (التربُّب) هو الانضمام والتجمّع.
(3) التعهد والاستصلاح والرعاية والكفالة:
يقولون (رب ضيعة) أي تعهدّها وراقب أمرها. قال صفوان بن أمية لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، أي يكفلني ويجعلني تحت رعايته وعنايته. وقال علقمة بن عبدة:
وكنت امرءاً أفضت إليك ربابتي ... ... وقبلك ربتني فضيعت ربوب (2)
أي انتهى إليك الآن أمر ربابتي وكفالتي بعد أن رباني قبلك ربوب فلم يتعهدوني ولم يصلحوا شأني. ويقول الفرزدق:
كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت ... ... سلاءها في أديم غير مربوب (3) أي الأديم الذي لم يليّن ولم يدبغ. ويقال (فلان يربب صنعته عند فلان) أي يشتغل عنده بصناعته ويتمرن عليها ويكسب على يده المهارة فيها.
(4) العلاء والسيادة والرئاسة وتنفيذ الأمر والتصرف:
يقولون (قد ربّ فلان قومه) : أي ساسهم وجعلهم ينقادون له. و (ربيت القوم) أي حكمتهم وسدتهم، ويقول لبيد بن ربيعة:
وأهلكن يوماً رب كندة وابنه ... وربَّ معد بين خبث وعرعر (1)
والمراد برب كندة ههنا سيد كندة ورئيسهم. وفي هذا المعنى يقول النابغة الذبياني:
تخُبٌّ إلى لانعمان حتى تناله ... فدىً لك من ربٍ تليدي وطارفي (2)
(5) التملك:
قد جاء في الحديث أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً "أرب غنم أم رب ابل؟، أي أمالك غنم أنت أم مالك ابل؟ وفي هذا المعنى يقال لصاحب البيت (رب الدار) وصاحب الناقة: (رب الناقة) ومالك الضيعة: (رب الضيعة) وتأتي كلمة الرب بمعنى السيد أيضاً فتستعمل بمعنى ضد العبد أو الخادم.
هذا بيان ما يتشعب من كلمة (الرب) من المعاني. وقد أخطأوا لعمر الله حين حصروا هذه الكلمة في معنى المربي والمنشئ، ورددوا في تفسير (الربوبية) هذه الجملة (هو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام) . والحق أن ذلك إنما هو معنى واحد من معاني الكلمة المتعددة الواسعة. وبإنعام النظر في سعة هذه الكلمة واستعراض معانيها المتشعبة يتبين أن كلمة (الرب) مشتملة على جميع ما يأتي بيانه من المعاني:
المربي الكفيل بقضاء الحاجات، والقائم بأمر التربية والتنشئة.
الكفيل والرقيب، والمتكفل بالتعهد وإصلاح الحال.
السيد الرئيس الذي يكون في قومه كالقطب يجتمعون حوله. السيد المطاع، والرئيس وصاحب السلطة النافذ الحكم، والمعترف له بالعلاء والسيادة، والمالك لصلاحيات التصرف.
الملك والسيد.



استعمال كلمة (الرب) في القرآن
وقد جاءت كلمة (الرب) في القرآن بجميع ما ذكرناه آنفاً من معانيها. ففي بعض المواضع أريد بها معنى أو معنيان من تلك المعاني. وفي الأخرى أريد بها أكثر من ذلك. وفي الثالثة جاءت الكلمة مشتملة على المعاني الخمسة بأجمعها في آن واحد. وها نحن نبين ذلك بأمثلة من آي الذكر الحكيم.

بالمعنى الأول
(قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي) (1) (يوسف: 23)

بالمعنى الثاني وباشتراك شيء من تصور المعنى الأول.
(فإنهم عدوٌ لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين) (الشعراء: 77-80)
(وما بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون، ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون) (النحل: 53-54)
(قل أغير الله أبغي رباً وهو ربُّ كل شيء) (الأنعام: 164)
(ربُّ المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً) (المزمل: 9)

بالمعنى الثالث (هو ربكم وإليه ترجعون) (هود: 34)
(ثم إلى ربكم مرجعكم) (الزمر: 7)
(قل يجمع بيننا ربنا) (سبأ: 26)
(وما من دابةً في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربّهم يُحشرون) (الأنعام: 38)
(ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون) (يس: 51)

بالمعنى الرابع وباشتراك بعض تصور المعنى الثالث.
(اتّخذوا أحبارهم ورُهبانهم أرباباً من دون الله) (التوبة: 31)
(ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) (آل عمران: 64)
والمراد بالأرباب في كلتا الآيتين الذين تتخذهم الأمم والطوائف هداتها ومرشديها على الإطلاق. فتذعن لأمرهم ونهيهم، وتتبع شرعهم وقانونهم، وتؤمن بما يحلون وما يحرمون بغير أن يكون قد أنزل الله تعالى به من سلطان، وتحسبهم فوق ذلك أحقاء بأن يأمروا وينهوا من عند أنفسهم.
(أما أحدكما فيسقي ربه خمراً) .. (وقال للذي ظنّ أنه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه) .. (فلما جاءه الرّسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطّعن أيديهنّ إنّ ربي بكيدهنّ عليم) (يوسف: 41، 42، 50)
قد كرر يوسف عليه السلام في خطابه لأهل مصر في هذه الآيات تسمية عزيز مصر بكلمة (ربهم) فذلك لأن أهل مصر بما كانوا يؤمنون بمكانته المركزية وبسلطته العليا، ويعتقدون أنه مالك الأمر والنهي، فقد كان هو ربهم في واقع الأمر، وبخلاف ذلك لم يُرد يوسف عليه السلام بكلمة (الرب) عندما تكلم بها بالنسبة لنفسه إلا الله تعالى فإنه لم يكن يعتقد فرعون، بل الله وحده المسيطر القاهر ومالك الأمر والنهي.

بالمعنى الخامس:
(فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوفٍ) (قريش: 3-4)
(سبحان ربك ربِّ العزة عما يصفون) (الصافات: 180)
(فسبحان الله ربِّ العرش عما يصفون) (الأنبياء: 22)
(قل من ربُّ السماوات السبع وربُّ العرش العظيم) (المؤمنون: 86) (رب السماوات والأرض وما بينهما وربُّ المشارق) (الصافات: 5)
(وأنه هو رب الشِّعرى) (النجم: 49)



تصورات الأمم الضالة في باب الربوبية
ومما تقدم من شواهد آيات القرآن، تتجلى معاني كلمة (الرب) كالشمس ليس دونهما غمام. فالآن يجمل بنا أن ننظر ماذا كانت تصورات الأمم الضالة في باب الربوبية، ولماذا جاء القرآن ينقضها ويرفضها، وما الذي يدعو إليه القرآن الكريم؟ ولعل من الأجدر بنا في هذا الصدد أن نتناول كل أمة من الأمم الضالة التي ذكرها القرآن منفصلة بعضها عن بعض، فنبحث في عقائدها وأفكارها حتى يستبين الأمر ويخلص من كل لبس أو إبهام.

قوم نوح عليه السلام
إن أقدم أمة في التاريخ يذكرها القرآن هي أمة نوح عليه السلام، ويتضح مما جاء فيه عن هؤلاء القوم أنهم لم يكونوا جاحدين بوجود الله تعالى، فقد روى القرآن نفسه قولهم الآتي في ردّهم على دعوة نوح عليه السلام:
(ما هذا إلا بشرٌ مثلكم يريدُ أن يتفضل عليكم، ولو شاء الله لأنزل ملائكة) ... (المؤمنون: 24)
وكذلك لم يكونوا يجحدون كون الله تعالى خالق هذا العالم، وبكونه رباً بالمعنى الأول والثاني، فإنه لما قال لهم نوح عليه السلام
(هو ربكم وإليه ترجعون) (هود: 34)
و (استغفروا ربكم إنه، كان غفاراً) و (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقاً وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً والله أنبتكم من الأرض نباتاً) (نوح: 10، 15، 16، 17)
لم يقم أحد منهم يرد على نوح قوله ويقول: ليس الله بربنا، أوليس الله بخالق الأرض والسماء ولا بخالقنا نحن، أو ليس هو الذي يقوم بتدبير الأمر في السماوات والأرض.
ثم إنهم لم يكونوا جاحدين أن الله إلهٌ لهم. ولذلك دعاهم نوح عليه السلام بقوله: (ما لكم من إله غيره) فإن القوم لو كانوا كافرين بألوهية الله تعالى، إذاً لكانت دعوة نوح إياهم غير تلك الدعوة وكان قوله عليه السلام حينئذ من مثل "يا قوم! اتخذوا الله إلهاً) . فالسؤال الذي يخالج نفس الباحث في هذا المقام هو: أي شيء كان إذاً موضوع النزاع بينهم وبين نبيهم نوح عليه السلام. وإننا إذاً أرسلنا النظر لأجل ذلك في آيات القرآن وتتبعناها، تبين لنا أنه لم يكن موضوع النزاع بين الجانبين إلا أمرين اثنين: أولهما أن نوحاً عليه السلام كان يقول لقومه: إن الله الذي هو رب العالمين والذي تؤمنون بأنه هو الذي قد خلقكم وخلق هذا العالم جميعاً، وهو الذي يقضي حاجاتكم، هو في الحقيقة إلهكم الواحد الأحد ولا إله إلا هو، وليس لأحد من دونه أن يقضي لكم الحاجات ويكشف عنكم الضر ويسمع دعواكم ويغيثكم، ومن ثم يجب عليكم ألا تعبدوا إلا إياه ولا تخضعوا إلا له وحده.
(يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الأعراف: 59)
(ولكني رسولٌ من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي) (الأعراف: 61-62)
وكان قومه بخلاف ذلك مصرين على قولهم بأن الله هو رب العالمين دون ريب. إلا أن هناك آلهة أخرى لها أيضاً بعض الدخل في تدبير نظام هذا العالم، وتتعلق بهم حاجاتنا، فلا بد أن نؤمن بهم كذلك آلهة لنا مع الله:
(وقالوا لا تذرنُّ آلهتكم ولا تذرنّ وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً) (نوح: 23) وثانيهما أن القوم لم يكونوا يؤمنون بربوبية الله تعالى إلا من حيث إنه خالقهم، جميعاً ومالك الأرض والسماوات، ومدبر أمر هذا العالم، ولم يكونوا يقولون بأنه وحده هو الحقيق – كذلك- بأن يكون له الحكم والسلطة القاهرة في أمور الأخلاق والاجتماع والمدنية والسياسة وسائر شؤون الحياة الإنسانية، وبأنه وحده أيضاً هادي السبيل وواضع الشرع ومالك الأمر والنهي، وبأنه وحده يجب كذلك أن يتبع. بل كانوا قد اتخذوا رؤساءهم وأحبارهم أرباباً من دون اله في جميع تلك الشؤون. وكان يدعوهم نوح عليه السلام – بخلاف ذلك إلى ألا يجعلوا الربوبية يتقسمها أرباب متفرقة بل عليهم أن يتخذوا الله تعالى وحده رباً بجميع ما تشتمل عليه كلمة (الرب) من المعاني وأن يتبعوه ويطيعوه فيما يبلغهم من أوامر الله تعالى وشيعته نائباً عنهن فكان يقول لهم:
(إني لكم رسولٌ أمين. فاتقوا الله واطيعون) (الشعراء: 107- 108)

عاد قوم هود
ويذكر القرآن بعد قوم نوح عاداً قوم هود عليه السلام. ومعلوم أن هذه الأمة أيضاً لم تكن جاحدة بوجود الله تعالى، وكذلك لم تكن تكفر بكونه إلهاً. بل كانت تؤمن بربوبية الله تعالى بالمعاني التي كان يؤمن بها قوم نوح عليه السلام. أما النزاع بينها وبين نبيها هود عله السلام فلم يكن إلا حول الأمرين الاثنين اللذين كان حولهما نزاع بين نوح عليه السلام وقومه يدل على ذلك ما يأتي من النصوص القرآنية دلالة واضحة:
(وإلى عادٍ أخاهم هوداً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الأعراف: 65)
(قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا) (الأعراف: 70)
(قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكةً) ... (فصلت: 11)
(وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمرَ كل جبّارٍ عنيد) (هود: 59)

ثمود قوم صالح ويأتي بعد ذلك ثمود الذين كانوا أطغى الأمم وأعصاها بعد عاد وهذه الأمة أيضاً كان ضلالها كضلال قومي نوح وهود من حيث الأصل والمبدأ فما كانوا جاحدين بوجود الله تعالى ولا كافرين بكونه إلهاً ورباً للخلق أجمعين. وكذلك ما كانوا يستنكفون عن عبادته والخضوع بين يديه، بل الذي كانوا يجحدونه هو أن الله تعالى هو الإله الواحد، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو، وأن الربوبية خاصة له دون غيره بجميع معانيها. فإنهم كانوا مصرين على إيمانهم بآلهة أخرى مع الله وعلى اعتقادهم أن أولئك يسمعون الدعاء، ويكشفون الضر ويقضون الحاجات، وكانوا يأبون إلا أن يتبعوا رؤساءهم وأحبارهم في حياتهم الخلقية والمدنية، ويستمدوا منهم بدلاً من الله تعالى شرعهم وقانون حياتهم. وهذا هو الذي أفضى بهم في آخر الأمر إلى أن يصبحوا أمة مفسدة، فأخذهم من الله عذاب أليم ويبين كل ذلك ما يأتي من آيات القرآن الحكيم.
(فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون) (حم: السجدة 13-14)
(وإلى ثمود أخاهم صالحاً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (هود: 61)
(قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوّاً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا)
(إذ قال لهم أخوهم صالحٌ ألا تتقون. إني لكم رسولٌ أمين. فاتقوا الله وأطيعون) (الشعراء: 151-144)
(ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) (الشعراء: 151-152)

قوم إبراهيم ونمورد ويتلو ثمود قوم إبراهيم عليه السلام. ومما يجعل أمر هذه الأمة أخطر وأجدر بالبحث، أن قد شاع خطأ بين الناس عن ملكها نمرود، أنه كان يكفر بالله تعالى ويدعي الألوهية. والحق أنه كان يؤمن بوجود الله تعالى ويعتقد بأنه خالق هذا العالم ومدبر أمره، ولم يكن يدعي الربوبية إلا بالمعنى الثالث والرابع والخامس. وكذلك قد فشا بين الناس خطأ أن قوم إبراهيم عليه السلام هؤلاء ما كانوا يعرفون الله ولا يؤمنون بألوهيته وربوبيته. إنما الواقع أن أمر هؤلاء القوم لم يكن يختلف في شيء عن أمر قوم نوح وعاد وثمود. فقد كانوا يؤمنون بالله ويعرفون أنه هو الرب وخالق الأرض والسماوات ومدبر أمر هذا العالم، وما كانوا يستنكفون عن عبادته كذلك. وأما غيّهم وضلالهم فهو أنهم كانوا يعتقدون أن الأجرام الفلكية شريكة مع الله في الربوبية بالمعنى الأول والثاني ولذلك كانوا يشركونها بالله تعالى في الألوهية. وأما الربوبية بالمعنى الثالث والرابع والخامس فكانوا قد جعلوها خاصة لملوكهم وجبابرتهم. وقد جاءت نصوص القرآن في ذلك من الوضوح والجلاء بحيث يتعجب المرء: كيف لم يدرك الناس هذه الحقيقة وقصروا عن فهمها؟. وهيا بنا ننظر قبل كل شيء في الحادث الذي حدث لإبراهيم – عليه السلام- عند أول ما بلغ الرشد؛ والذي يصف فيه القرآن كيفية سعي إبراهيم وراء الوصول إلى الحق:
(فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، قال هذا ربي؛ فلما أفل، قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغاً، قال هذا ربي، فلما أفلَ قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة، قال هذا ربي، هذا أكبر؛ فلما أفلت قال يا قوم إني بريءٌ مما تشركون. إني وجهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين) (الأنعام: 76-79)
فيتبين واضحاً من الآيات المخطوط تحتها أن المجتمع الذي نشأ فيه إبراهيم عليه السلام، كان يوجد عنده تصور فاطر السماوات والأرض وتصوُّر كونه رباً منفصلاً عن تصوّر ربوبية السيارات السماوية. ولا عجب في ذلك، فقد كان القوم من ذرية المسلمين الذين كانوا قد آمنوا بنوح عليه السلام، وكان الدين الإسلامي لم يزل يحيا وُيجدد فيمن داناهم في القرب والقرابة من أمم عاد وثمود، على أيدي الرسل الكرام الذين توالوا عليها كما قال عزّ وجل: (جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم) . فعلى ذلك كان إبراهيم عليه السلام أخذ تصور كون الله رباً وفاطراً للسماوات والأرض عن بيئته التي نشأ فيها. وأما التساؤل الذي كان يخالج نفسه فهو عن مبلغ الحق والصحة فيما شاع بين قومه من تصوّر كون الشمس والقمر والسيارات الأخرى شريكة مع الله في نظام الربوبية حتى أشركوها بالله تعالى في العبادة (1) .فجدّ إبراهيم عليه السلام في البحث عن جوابه قبل أن يصطفيه الله تعالى للنبوة، حتى أصبح نظام طلوع السيارات السماوية وأفولها هادياً له إلى الحق الواقع وهو أنه لا رب إلا فاطر السماوات والأرض. ولأجل ذلك تراه يقول عند أفول القمر: لئن لم يهدني ربي لأخافنَّ أن أبقى عاجزاً عن الوصول إلى الحق وانخدع بهذه المظاهر التي لا يزال ينخدع بها ملايين من الناس من حولي. ثم لما اصطفاه الله تعالى لمنصب النبوة
أخذ في دعوة قومه إلى الله، فإنك ترى بالتأمل في الكلمات التي كان يعرض بها دعوته على قومه أن ما قلناه آنفاً يزداد وضوحاً وتبياناً:
(وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً) (الأنعام – 81)
(وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) (مريم – 48)
(قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهنّ) (الأنبياء – 56)
(قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم) (الأنبياء – 66)
(إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون. أأفكاً آلهةً دون الله تريدون. فما ظنّكم بربِّ العالمين) (الصافات: 85- 87)
(إنّا بُرآءُ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده) (الممتحنة: 4)
فيتجلى من جميع الأقوال لإبراهيم عليه السلام أنه ما كان يخاطب بها قوماً لا يعرفون الله تعالى ويجحدون بكونه إله الناس ورب العالمين أو أذهانهم خالية من كل ذلك، بل كان بين يديه قوم يشركون بالله تعالى آلهة أخرى في الربوبية بمعناها الأول والثاني وفي الألوهية. ولذلك لا ترى في القرآن الكريم قولاً واحداً لإبراهيم عليه السلام قد قصد به إقناع أمته بوجود الله تعالى وبكونه إلهاً ورباً للعالمين، بل الذي تراه يدعو أمته إليه في كل ما يقول هو أن الله سبحانه وتعالى هو وحده الرب والإله.
ثم لنستعرض أمر نمرود. فالذي جرى بينه وبين إبراهيم عليه السلام من الحوار، قصه القرآن في ما يأتي من الآيات:
(ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر) (البقرة – 258)
أنه ليتضح جلياً من هذا الحوار بين النبي وبين نمرود أنه لم يكن النزاع بينهما في وجود الله تعالى أو عدمه وإنما كان في أنه من ذا يعتقده إبراهيم عليه السلام رباً؟ كان نمرود من أمة كانت تؤمن بوجود لله تعالى، ثم لم يكن مصاباً بالجنون واختلال العقل حتى يقول هذا القول السخيف البين الحمق: "إني فاطر السماوات والأرض ومدبر سير الشمس والقمر" فالحق أنه لم تكن دعواه أنه هو الله ورب السماوات والأرض وغنما كانت أنه رب المملكة التي كان إبراهيم –عليه السلام- أحد أفراد رعيتها. ثم أنه لم يكن يدعي الربوبية لتلك المملكة بمعناها الأول والثاني، فإنه كان يعتقد بربوبية الشمس والقمر وسائر السيارات بهذين المعنيين، بل كان يدعي الربوبية لمملكته بالمعنى الثالث والرابع والخامس. وبعبارة أخرى كانت دعواه أنه مالك تلك المملكة، وأن جميع أهاليها عبيد له، وأن سلطته المركزية أساس لاجتماعهم، وأمره قانون حياتهم. وتدل كلمات (أن آتاه الله الملك) دلالة صريحة على أن دعواه للربوبية كان أساسها التبجح بالملكية. فلما بلغه أن قد ظهر بين رعيته رجل يقال له إبراهيم، لا يقول بربوبية الشمس والقمر ولا السيارات الأخرى في دائرة ما فوق الطبيعة، ولا هو يؤمن بربوبية صاحب العرش في دائرة السياسة والمدنية، استغرب الأمر جداً فدعا إبراهيم عليه السلام فسأله: من ذا الذي تعتقده رباً؟ فقال إبراهيم عليه السلام بادئ ذي بدء: "ربي الذي يحيي ويميت يقدر على إماتة الناس وإحيائهم! " فلم يدرك نمرود غور الأمر فحاول أن يبرهن على ربوبيته بقوله: "وأنا أيضاً أملك الموت والحياة، فأقتل من أشاء وأحقن دم من أريد! .." هنالك بين له إبراهيم عليه السلام أنه لا رب عنده إلا الله الذي لا رب سواه بجميع معاني الكلمة، وأنى يكون لأحد غيره شرك في الربوبية وهو لا سلطان له على الشمس في طلوعها وغروبها؟! وكان نمرود رجلاً فطناً، فما أن سمع من إبراهيم عليه السلام هذا الدليل القاطع
حتى تجلت له الحقيقة، وتفطن لأن دعواه للربوبية في ملكوت الله تعالى بين السموات والأرض إن هي إلا زعم باطل وادعاء فارغ فبهت ولم ينبس ببنت شفة. إلا انه قد كان بلغ منه حب الذات واتباع هوى النفس وإيثار مصالح العشيرة، مبلغاً لم يسمح له بأن ينزل عن ملكيته المستبدة ويئوب إلى طاعة الله ورسوله، مع أنه قد تبين له الحق والرشد. فعلى ذلك قد أعقب الله تعالى هذا الحوار بين النبي ونمرود بقوله: (والله لا يهدي القوم الظالمين) والمراد أن نمرود لما لم يرض أن يتخذ الطريق الذي كان ينبغي له أن يتخذه بعدما تبين له الحق، بل آثر أن يظلم الخلق ويظلم نفسه معهم، بالإصرار على ملكيته المستبدة الغاشمة لم يؤته الله تعالى نوراً من هدايته، ولم يكن من سنة الله أن يهدي إلى سبيل الرشد من كان لا يطلب الهداية من تلقاء نفسه.

قوم لوط عليه السلام
ويعقب قوم إبراهيم في القرآن قوم لوط، الذين بعث لهدايتهم وإصلاح فسادهم لوط بن أخي إبراهيم عليهما السلام -. ويدلنا القرآن الكريم أن هؤلاء أيضاً ما كانوا متنكرين لوجود الله تعالى ولا كانوا يجحدون بأنه هو الخالق والرب بالمعنى الأول والثاني. أما الذي كانوا يأبونه ولا يقبلونه فهو الاعتقاد بأن الله هو الرب المعنى الثالث والرابع والخامس، والإذعان لسلطة النبي من حيث كونه نائباً من عند الله أميناً. ذلك بأنهم كانوا يبتغون أن يكونوا أحراراً مطلقي الحرية يتبعون ما يشاؤون من أهوائهم ورغباتهم وتلك كانت جريمتهم الكبيرة التي ذاقوا من جرائها أليم العذاب. ويؤيد ذلك ما يأتي من النصوص القرآنية:
(إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسولٌ أمينٌ. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إنْ أجري إلا على رب العالمين. أتأتون الذُّكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قومٌ عادون) (الشعراء: 161 – 166) وبديهي أن مثل هذا القول لم يكن ليخاطب به إلا قوم لا يجدون بوجود الله تعالى وبكونه خالقاً ورباً لهذا العالم؟ فأنت ترى أنهم لا يجيبون لوطاً عليه السلام بقول من مثل: "ما الله؟ " من أين له أن يكون خالقاً للعالم؟ " أو "أنى له أن يكون ربنا ورب الخلق أجمعين؟ " بل تراهم يقولون:
(لئن لم تنته يا لوط لتكوننّ من المخرجين) (الشعراء: 167)
وقد ذكر القرآن الكريم هذا الحديث في موضع آخر بالكلمات الآتية:
(ولوطاً إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين. أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) (العنكبوت: 28-29)
أفيجوز أن يكون هذا جواب قوم ينكرون وجود الله تعالى؟. لا والله ومن ذلك يتبين أن جريمتهم الحقيقية لم تكن إنكار ألوهية الله تعالى وربوبيته، بل كانت جريمتهم أنهم على إيمانهم بالله تعالى إلهاً ورباً فيما فوق العالم الطبيعي، كانوا يأبون أن يطيعوه ويتبعوا قانونه في شؤونه الخلقية والمدنية والاجتماعية، يمتنعون من أن يهتدوا بهدي نبيه لوط عليه السلام.

قوم شعيب عليه السلام ولنذكر في الكتاب بعد ذلك أهل مدين وأصحاب الأيكة الذين بعث إليهم شعيب عليه السلام. ومما نعرف عن أمرهم أنهم كانوا من ذرية إبراهيم عليه السلام. إذن لا حاجة إلى أن نبحث فيهم: هل كانوا يؤمنون بوجود الله تعالى وبكونه إلهاً ورباً أم لا؟ إنهم كانوا في حقيقة الأمر أمة نشأت على الإسلام في بداية أمرها، ثم أخذت بالفساد بما أصاب عقائدها من الانحلال وأعمالها من السوء. ويبدو مما جاء عنهم في القرآن كأن القوم كانوا بعد ذلك كله يدّعون لأنفسهم الإيمان، فإنك ترى شعيباً عليه السلام يكرر لهم القول: يا قوم اعملوا كذا وكذا إن كنتم مؤمنين وفي خطاب شعيب عليه السلام لقومه وأجوبة القوم له دلالة واضحة على أنهم كانوا قوماً يؤمنون بالله وينزلونه منزلة الرب والمعبود. ولكنهم كانوا قد تورطوا في نوعين من الضلال: أحدهما أنهم كانوا أصبحوا يعتقدون الألوهية والربوبية في آلهة أخرى مع الله تعالى، فلم تعد عبادتهم خالصة لوجه الله، والآخر أنهم كانوا يعتقدون أن ربوبية الله لا مدخل لها في شؤون الحياة الإنسانية من الأخلاق والاجتماع والاقتصاد والمدنية والسياسة، وعلى ذلك كانوا يزعمون أنهم مطلقوا العنان في حياتهم المدنية ولم أن يتصرفوا في شؤونهم كيف يشاؤون، ويصدق ذلك ما يأتي من الآيات:
(وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينةٌ من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين) (الأعراف: 85)
(وإنْ كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلتُ به وطائفةٌ لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خيرُ الحاكمين) (الأعراف: 87) (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين. بقية الله خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ. قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاءُ إنكَ لأنت الحليم الرشيد) (هود: 85-87)
والعبارات الأخيرة المخطوط تحتها خصوصية الدلالة على ضلالهم الحقيقي في باب الربوبية والألوهية.

فرعون وآله
وهيا بنا ننظر الآن في قصة فرعون وآله، فمن قد شاع عنهم في الناس من الأخطاء والأكاذيب أكثر مما شاع فيهم عن نمرود وقومه. فالظن الشائع أن فرعون لم يكن منكراً لوجود الله تعالى فحسب، بل كان يدعي الألوهية لنفسه أيضاً. ومعناه أن قد بلغت منه السفاهة أنه كان يجاهر على رؤوس الناس بدعوى أنه فاطر السماوات والأرض، وكانت أمته من البله والحماقة أنها كانت تؤمن بدعواه تلك. والحق الواقع الذي يشهد به القرآن والتاريخ هو أن فرعون لم يكن يختلف ضلاله في باب الألوهية والربوبية عن ضلال نمرود، ولا كان يختلف ضلال آله عن ضلال قوم نمرود. وإنما الفرق بين هؤلاء وأولئك أنه قد كان نشأ في آل فرعون لبعض الأسباب السياسية عناد وتعصب وطني شديد على بني إسرائيل، فكانوا لمجرد هذا العناد يمتنعون من الإيمان بألوهية الله وربوبيته، وإن كانت قلوبهم تعترف بها شأن أكثر الملحدين الماديين في عصرنا هذا.
وبيان هذا الإجمال أنه لما استتبت ليوسف عليه السلام السلطة على مصر، استفرغ جهده في نشر الإسلام وتعاليمه بينهم. ورسم على أرضه من ذلك أثراً محكماً لم يقدر على محوه أحد إلى القرون. وأهل مصر وإن لم يكونوا إذ ذاك قد آمنوا بدين الله عن بكرة أبيهم، إلا أنه لا يمكن أن يكون قد بقي فيهم من لم يعرف وجود الله تعالى ولم يعلم أنه هو فاطر السماوات والأرض. وليس الأمر يقف عند هذا بل الحق أن كان تم للتعاليم الإسلامية من النفوذ والتأثير في كل مصري ما جعله – على الأقل – يعتقد بأن الله إله الآلهة رب الأرباب فيما فوق العالم الطبيعي ولم يبق في تلك الأرض من يكفر بألوهية الله تعالى. وأما الذين كانوا قد أقاموا على الكفر، فكانوا يجعلون مع الله شركاء في الألوهية والربوبية. وكانت تأثيرات الإسلام المختلفة هذه في نفوس أهل مصر باقية إلى الزمن الذي بعث فيه موسى عليه السلام (1) . والدليل على ذلك تلك الخطبة التي ألقاها أمير من الأقباط في مجلس فرعون. وذلك أن
فرعون حينما أبدى إرادته في قتل موسى عليه السلام، لم يصبر عليه هذا الأمير القبطي من أمراء مجلسه، وكان قد أسلم وأخفى إسلامه، ولم يلبث أن قام يخطب:
(أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرفٌ كذاب. يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) .
(يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب. مثل داب قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذين من بعدهم) .
(ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً) .. (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. تدعونني لكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علمٌ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار) . (غافر – 28 – 31 – 34 – 41- 42)
وتشهد هذه الخطبة من أولها إلى آخرها بأنه لم يزل أثر شخصية النبي يوسف عليه السلام باقياً في نفوس القوم إلى ذلك الحين، وقد مضت على عهده قرون متعددة. وبفضل ما علمهم هذا النبي الجليل، لم يكونوا قد بلغوا من الجهالة ألا يعلموا شيئاً عن وجود الله تعالى، أو ألا يعرفوا أنه الرب والإله، وأن سيطرته وسلطته غالبة على قوى الطبية في هذا العالم، وأن غضبه مما يخاف ويتقى. ويتضح أيضاً من آخر هذه الخطبة أن أمة فرعون لم تكن تجحد بألوهية الله وربوبيته جحوداً باتاً، وإنما كان ضلالها كضلال الأمم الأخرى مما ذكرناه آنفاً – أي كانت هذه الأمة أيضاً تشرك بالله تعالى في صفتي الألوهية والربوبية وتجعل له فيهما أنداداً.
أما مثار الشبهة في أمر فرعون فهو سؤاله لموسى عليه السلام (وما رب العالمين) حينما سمع منه: (إنا رسول رب العالمين!) ثم قوله لصاحبه هامان: (ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) ووعيده لموسى عليه السلام: (لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين) ، وإعلانه لقومه: (أنا ربكم الأعلى) وقوله لملئه: (لا أعلم لكم من إله غيري) . – فمثل هذه الكلمات التي قالها فرعون قد خيلت إلى الناس أنه كان ينكر وجود الله تعالى وكان فارغ الذهن من تصور رب العالمين، ويزعم لنفسه أنه الإله الواحد، ولكن الواقع الحق أنه لم يكن يدعي ذلك كله إلا بدافع من العصبية الوطنية. وذلك أنه لم يكن الأمر في زمن النبي يوسف عليه السلام قد وقف على أن شاعت تعاليم الإسلام في ربوع مصر بفضل شخصيته القوية الجليلة، بل جاوز ذلك إلى أن تمكن لبني إسرائيل نفوذ بالغ في الأرض مصر تبعاً لما تهيأ ليوسف عليه السلام من السلطة والكلمة النافذة في حكومة مصر. فبقيت سلطة بني إسرائيل مخيمة على القطر المصري إلى ثلاثمائة سنة أو أربعمائة. ثم أخذ يخالج صدور المصريين من العواطف الوطنية والقومية ما جعلهم يتعصبون على بني إسرائيل، واشتد الأمر حتى الغوا سلطة الإسرائيليين ونفوذهم إلغاء. فتولى الأمر بعدهم الأسر المصرية الوطنية وتتابعت في الحكم. وهؤلاء الملوك الجدد لما أمسكوا زمام الأمر لم يقتصروا على إخضاع بني إسرائيل وكسر شوكتهم، بل تعدوه إلى أن حاولوا محو كل أثر من آثار العهد اليوسفي في مصر وإحياء تقاليد ديانتهم الجاهلية. فلما بعث إليهم في تلك الآونة موسى عليه السلام، خافوا على غلبتهم وسلطتهم أن تنتقل من أيديهم إلى أيدي بني إسرائيل مرة أخرى. فلم يكن يبعث فرعون إلا هذا العناد واللجاج على أن يسأل موسى عليه السلام ساخطاً متبرماً: وما رب العالمين؟ ومن يمكن أن يكون إلهاً غيري؟ وهو في الحقيقة لم يكن جاهلاً وجود رب العالمين. وتتضح هذه
الحقيقة كأوضح ما يكون مما جاء في القرآن الكريم من أحاديثه وأحاديث ملئه وخطب موسى عليه السلام. فيقول فرعون – مثلا – تأكيداً لقوله إن موسى عليه السلام ليس برسول الله.
(فلولا ألقي عليه أسورةٌ من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين) (الزخرف: 53)
أفكان لرجل فارغ الذهن من وجود الله تعالى والملائكة أن يقول هذا القول وفي موضع آخر يقص القرآن الحوار الآتي بين فرعون وبين النبي موسى عليه السلام:
(فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحوراً. قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مبثوراً) (بني إسرائيل: 101-102)
وفي محل آخر يظهر الله تعالى ما في صدور قوم فرعون بقوله:
(فلما جاءتهم آياتنا مبصرةً قالوا هذا سحرٌ مبينٌ وجحدوا واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً) (النمل: 13-14)
ويصور لنا القرآن نادياً آخر جمع موسى عليه السلام وآل فرعون بهذه الآية:
(قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذابٍ وقد خاب من افترى. فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما بطريقتكم المثلى) (طه: 61-63)
والظاهر أنه لم يكن قام النزاع ونشأ الأخذ والرد بينهم وبين نبيهم موسى عليه السلام حين أنذرهم عذاب الله ونبههم على سوء مآل ما كانوا يفترون، إلا لأنهم قد كان في قلوبهم ولاشك بقية من أثر عظمة الله تعالى وجلاله وهيبته ولكن حاكمهم الوطنيين لما أنذروهم بخطر الانقلاب السياسي العظيم، وحذروهم عاقبة اتباعهم لموسى وهارون، وهي عودة غلبة الإسرائيليين على أبناء مصر، قست قلوبهم واتفقوا جميعاً على مقاومة النبيين. وبعد ما قد تبين لنا من هذه الحقيقة، من السهل علينا أن نبحث: ماذا كان مثار النزاع بين موسى عليه السلام وفرعون، وماذا كانت حقيقة ضلاله وضلال قومهن وبأي معاني كلمة (الرب) كان فرعون يدعي لنفسه الألوهية والربوبية. فتعال نتأمل لهذا الغرض ما يأتي من الآيات بالتدريج.
1- إن الذين كانوا يلحون من ملأ فرعون على حسم دعوة موسى عليه الصلاة والسلام واستئصالها من أرض مصر، يخاطبون فرعون لبعض المناسبات ويسألونه:
(أتذرُ موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذركم وآلهتكَ) (الأعراف: 127)
وبخلاف ذلك يناديهم الذي كان قد آمن بموسى عليه السلام:
(تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علمٌ) (المؤمن: 42)
فإذا نظرنا في هاتين الآيتين وأضفنا إليهما ما قد زودنا به التاريخ وآثار الأمم القديمة أخيراً من المعلومات عن أهالي مصر زمن فرعون، يتجلى لنا أن كلاً من فرعون وآله كانوا يشركون بالله تعالى في المعنى الأول والثاني لكلمة (الرب) ويجعلون معه شركاء من الأصنام ويعبدونها. والظاهر أن فرعون لو كان يدعي لنفسه الربوبية فيما فوق العالم الطبيعي، أي لو كان يدعي أنه هو الغالب المتصرف في نظام الأسباب في هذا العالم، وأنه لا إله ولا رب غيره في السماوات والأرض، ولم يعبد الآلهة الأخرى أبداً (1)
(2) أما كلمات فرعون هذه التي قد وردت في القرآن:
(يا أيها الملأ ما علمتُ لكم من إله غيري) (القصص: 38)
(لئن اتّخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين) (الشعراء: 29)
فليس المراد بذلك أن فرعون كان ينفي جميع ما سواه من الآلهة. وإنما كان غرضه الحقيقي من ذلك رد دعوة موسى عليها لسلام وإبطالها. ولما كان موسى عليه السلام – يدعو إلى إله لا تنحصر ربوبيته في دائرة ما فوق الطبيعة فحسب، بل هو كذلك مالك الأمر والنهي، وذو القوة والسلطة القاهرة بالمعاني السياسية والمدنية، قال فرعون لقومه: يا قوم لا أعلم لكم مثل ذلك الإله غيري، وتهدد موسى عليه السلام، أنه إن اتخذ من دونه إلهاً ليلقينّه في السجن.
ومما يعلم كذلك من هذه الآيات، وتؤيده شواهد التاريخ وآثار الأمم القديمة، أن فراعنة مصر لم يكونوا يدعون لأنفسهم مجرد الحاكمية المطلقة، بل كانوا يدعون كذلك نوعاً من القداسة والتنزه بانتسابهم إلى الآلهة والأصنام، حرصاً منهم على أن يتغلغل نفوذهم في نفوس الرعية ويستحكم استيلاؤهم على أرواحهم. ولم تكن الفراعنة منفردة بهذا الادعاء، بل الحق أن الأسر الملكية ما زالت في أكثر أقطار العالم تحاول الشركة – قليلاً أو كثيراً – في الألوهية والربوبية في دائرة ما فوق الطبيعة، علاوة على ما كانت تتولاه من الحاكمية السياسية، وما زالت لأجل ذلك تفرض على الرعية أن تقوم بين يديها بشيء من شعائر العبودية، على أن دعواهم تلك للألوهية السماوية لم تكن هي المقصودة بذاتها في الحقيقة، وإنما كانوا يتذرعون بها إلى تأثيل حاكميتهم السياسية. ومن ذلك نرى أنه ما زالت الأسر الملكية في مصر وغيرها من الأقطار الجاهلية تذهب ألوهيتها بذهاب سلطانها السياسي، وقد بقيت الألوهية تتبع العرش في تنقله من أيد إلى أخرى. (3) ولم تكن دعوى فرعون الأصلية الغالبة المتصرفة في نظام السنن الطبيعية، بل بالألوهية السياسية! فكان يزعم أنه الرب الأعلى لأرض مصر ومن فيها بالمعنى الثالث والرابع والخامس لكلمة (الرَّب) ويقول إني أنا مالك القطر المصري وما فيه من الغنى والثروة وأنا الحقيق بالحاكمية المطلقة فيه، وشخصيتي المركزية هي الأساس لمدينة مصر واجتماعها، وإذن لا يجرينَّ فيها إلاّ شريعتي وقانوني. وكان أساس دعوى فرعون بعبارة القرآن:
(ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون) (الزخرف – 51)
وهذا الأساس نفسه هو الذي كانت تقوم عليه دعوى نمرود للربوبية.
و (حاجَّ إبراهيم في ربّه أن آتاه الله الملك) (البقرة: 258)
وهو كذلك الأساس الذي رفع عليه فرعون المعاصر ليوسف عليه السلام بنيان ربوبيته على أهل مملكته.
(4) أمّا دعوة موسى عليه السلام التي كانت سبب النزاع بينه وبين فرعون وآله، فهي في الحقيقة أنه لا إله ولا ربَّ بجميع معاني كلمة (الرب) إلا الله رب العالمين، وهو وحده الإله والرّب فيما فوق العالم الطبيعي، كما أنه هو الإله والرب بالمعاني السياسية والاجتماعية، لأجل ذلك يجب ألا نخلص العبادة إلا له، ولا نتبع في شؤون الحياة المختلفة إلا شرعه وقانونه، وانه – أي موسى عليه السلام – قد بعثه الله تعالى بالآيات البينات وسيُنزل الله تعالى أمره ونهيه لعباده بما يوحي إليه؛ لذلك يجب أن تكون أزمّة أمور عباده بيده، لا بيد فرعون. ومن هنا كان فرعون ورؤساء حكومته يُعلون أصواتهم المرّة بعد المرّة بأن موسى وهارون – عليهما السلام – قد جاءا يسلبان أرض مصر. وأرادا أن يذهبا بنظمنا الدينية والمدنية ليستبدلا بها ما يشاءان من النظم والقواعد.
(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) (هود: 96-97) (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسولٌ كريم. أن أدُّوا إليَّ عبادَ الله إني لكم رسول أمين. وان لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين) (الدخان: 17-19)
(إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول فأذناه أخذاً وبيلاً) (المزملَّ: 15-16)
(قال فمن ربكما يا موسى. قال ربّنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى) (طه: 49-50)
(قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين. قال لمنّ حوله ألا تستمعون. قال ربكم ورب آبائكم الأولين. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون. قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنّك من المسجونين) (الشعراء: 23-29)
(قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) (طه: 57)
(وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربّه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) (غافر: 26)
(قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) ... (طه – 63)
وبإنعام النظر في هذه الآيات بالتدريج الذي قد سردناها به، يتجلى أن الضلال الذي تعاقبت فيه الأمم المختلفة من أقدم العصور، كان هو عينه قد غشت وادي النيل ظلماته، وأن الدعوة التي قام بها جميع الأنبياء منذ الأبد، كانت هي نفسها يدعو بها موسى وهارون عليهما السلام.

اليهود والنصارى وتطلع علينا بعد آل فرعون بنو إسرائيل والأمم الأخرى التي دانت باليهودية والنصرانية. وهؤلاء لا مجال للظن فيهم أن يكونوا منكرين لوجود إله العالم، أو يكونوا لا يعتقدون بألوهيته وربوبيّته فإن القرآن نفسه يشهد بكونهم أهل الكتاب. وأما السؤال الذي ينشأ في ذهن الباحث عن أمرهم فهو أنه ما هو على التحديد الخطأ في عقيدتهم ومنهج عملهم في باب الربوبية – الذي قد عدهم القرآن من أجله من القوم الضالين؟ والجواب المجمل على السؤال تجده في القرآن نفسه في آيته الكريمة:
(قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قومٍ قد ضلوا من قبلُ وأضلوا كثيراً وضلّوا عن سواء السبيل) (المائدة – 77)
فيعلم من هذه الآية أن ضلال اليهود والنصارى هو من حيث الأصل والأساس نفس الضلال الذي ارتطمت فيه الأمم المتقدمة، وتدلنا هذه الآية أيضاً أن ضلالهم هذا كان آتياً من غلوّهم في الدين. وها نحن نرى بعد ذلك كيف يفصل القرآن هذا الإجمال:
(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) (التوبة: 30)
(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم) (المائدة – 72)
(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد) . (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) (المائدة: 73، 116)
(ما كان لبشرٍ أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) (آل عمران: 79-80) فكان ضلال أهل الكتاب حسب ما تجل عليه هذه الآيات: أولاً أنهم بالغوا في تعظيم النفوس المقدسة كالأنبياء والأولياء والملائكة التي تستحق التكريم والتعظيم لمكانتها الدينية، فرفعوها من مكانتها الحقيقية إلى مقام الألوهية وجعلوها شركاء مع الله ودخلاء في تدبير أمر هذا العالم، ثم عبدوها واستغاثوا بها واعتقدوا أن لها نصيباً في الألوهية والربوبية الميمنتين على ما فوق العالم الطبيعي، وزعموا أنها تملك لهم المغفرة والإعانة والحفظ. وثانياً أنهم:
(اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) (التوبة – 31)
أي أن الذين لم تكن وظيفتهم في الدين سوى أن يعلموا الناس أحكام الشريعة الإلهية، ويزكوهم حسب مرضاة الله، تدرج بهم هؤلاء حتى أنزلوهم بحيث يحلون لهم ما يشاؤون ويحرمون عليهم ما يشاؤون، ويأمرونهم وينهونهم حسب ما تشاء أهواؤهم بدون سند من كتاب الله، ويسنون لهم من السنن ما تشتهي أنفسهم. كذلك وقع هؤلاء في نفس النوعين من الضلال الأساسي الخطير اللذين قد وقع فيهما قبلهم أمم نوح وإبراهيم وعاد وثمود وأهل مدين وغيرهم من الأمم، فأشركوا بالله الملائكة وعبادة المقربين – كما أشرك أولئك – في الربوبية المهيمنة على ما فوق العالم الطبيعي، وجعلوا الربوبية بمعانيها السياسية والمدنية – كما جعل أولئك – للإنسان بدلاً من الله رب السماوات. وراحوا يستمدون مبادئ المدنية والاجتماع والأخلاق والسياسة وأحكامها جميعاً من بني آدم، مستغنيين في ذلك عن السلطان المنزل من عند الله تعالى. وأفضى بهم الغي إلى أن قال فيهم القرآن:
(ألم تر إلى الذين أتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) (النساء: 51)
(قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبة عند الله من لعنهُ الله وغضبَ عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. أولئك شرٌّ مكاناً وأضل عن سواء السبيل) (المائدة: 60) (الجبتُ) كلمة جامعة شاملة لجميع أنواع الأوهام والخرافات من السحر والتمائم والشعوذة والتكهّن واستكشاف الغيب والتشاؤم والتفاؤل والتأثيرات الخارجة عن القوانين الطبيعية. والمراد من (الطاغوت) كل فرد أو طائفة أو إدارة تبغي وتتمرد على الله، وتجاوز حدود العبودية وتدعي لنفسها الألوهية والربوبية. فلما وقعت اليهود والنصارى في ما تقدم ذكره من النوعين من الضلال، كانت نتيجة أولها أن أخذت جميع أنواع الأوهام مأخذها من قلوبهم وعقولهم، وأما الثاني فاستدرجهم من عبادة العلماء والمشايخ والصوفية والزهاد إلى عبادة الجبابرة وطاعة الظالمين الذين كانوا قد بغوا على الله علانية!

المشركون العرب
هذا ولنبحث الآن في المشركين العرب الذين بعث فيهم خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، والذين كانوا أول من خاطبهم القرآن، من أي نوع كان ضلالهم في باب الألوهية والربوبية، هل كانوا يجهلون الله رب العالمين، أو كانوا ينكرون وجوده، فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ليبث في قلوبهم الإيمان بوجود الذات الإلهية! وهل كانوا لا يعتقدون الله عز وجل إلهاً للعالمين ورباً، فأنزل الله القرآن ليقنعهم بألوهيته وربوبيته؟ وهل كانوا يأبون عبادة الله والخضوع له؟ أو كانوا لا يعتقدونه سميع الدعاء وقاضي الحاجة؟ وهل كانوا يزعمون أن اللات والعزّى ومناة وهبل والآلهة الأخرى هي في الحقيقة فاطرة هذا الكون ومالكته والرازقة فيه والقائمة على تدبيره وإدارته؟ أو كانوا يؤمنون بأن آلهتهم تلك مرجع القانون ومصدر الهداية والإرشاد في شؤون المدنية والأخلاق؟ كل واحد من هذه الأسئلة إذا راجعنا فيه القرآن فإنه يجيب عليه بالنفي؛ ويبين لنا أن المشركين العرب لم يكونوا قائلين بوجود الله تعالى فحسب، بل كانوا يعتقدونه مع ذلك خالق هذا العالم كله – حتى آلهتهم – ومالكه وربه الأعلى، وكانوا يذعنون له بالألوهية والربوبية. وكان الله هو الجناب الأعلى الأرفع الذي كانوا يدعونه ويبتهلون إليه في مآل الأمر عندما يمسهم الضر أو تصيبهم المصائب، ثم كانوا لا يمتنعون عن عبادته والخضوع له، ولم تكن عقيدتهم في آلهتهم وأصنامهم أنها قد خلقتهم وخلقت هذا الكون، وترزقهم جميعاً، ولا أنها تهديهم وترشدهم في شؤون حياتهم الخلقية والمدنية، فالآيات الآتية تشهد بما تقول:
(قلن لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لله، قل أفلا تذكرون. قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم. سيقولن الله، قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيءٍ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله، قل فأنى تسحرون، بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) (المؤمنون: 84-90)
(هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصفٌ وجاءهم الموج من كل مكانٍ وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) (يونس: 22-23)
(وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً) (الإسراء: 67)
ويروي القرآن عقائدهم في آلهتهم بعبارتهم أنفسهم فيما يأتي:
(والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر: 3)
(ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) (يونس: 18) ثم إنهم لم يكونوا يزعمون لآلهتهم شيئاً من مثل أنها تهديهم في شؤون حياتهم، فالله تعالى يأمر رسوله صلى الله لعيه وسلم في سورة يونس (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق) الآية: 35 فيرميهم سؤاله هذا بالسكات، ولا يجيب أحد منهم عليه بنعم! عن اللات والعزى ومناة والآلهة الأخرى تهدينا سواء السبيل في العقيدة والعمل، وتعلمنا مبادئ العدالة والأمن والسلام في حياتنا الدنيا، وإننا نستمد من منبع علمها معرفة حقائق الكون الأساسية، فعند ذلك يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم:
(قل الله يهدي للحق. أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يُهدى فمالكم كيف تحكمون) (يونس: 35)
ويبقى بعد هذه النصوص القرآنية أن نطلب جواب هذا السؤال: ماذا كان ضلالهم الحقيقي في باب الربوبية الذي بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم نرده إلى الصواب، وأنزل كتابه المجيد ليخرجهم من ظلماته إلى نور الهداية؟ وإذا تأملنا القرآن للتحقيق في هذه المسألة، نقف في عقائدهم وأعمالهم كذلك على النوعين من الضلال اللذين مازالا يلازمان الأمم الضالة منذ القدم.
فكانوا بجانب يشركون بالله آلهة وأرباباً من دونه في الألوهية والربوبية فيما فوق الطبيعة، ويعتقدون بأن الملائكة والنفوس الإنسانية المقدسة والسيارات السماوية – كل أولئك دخيلة بوجه من الوجوه في صلاحيات الحكم القائم فوق نظام العلل والأسباب. ولذلك لم يكونوا يرجعون إلى الله تعالى وحده في الدعاء والاستعانة وأداء شعائر العبودية، بل كانوا يرجعون كذلك في تلك الأمور كلها إلى آلهتهم المصنوعة الملفقة. وكانوا بجانب آخر يكادون لا يتصورون في باب الربوبية المدنية والسياسية أن الله تعالى هو الرب بهذه المعاني أيضاً. فكانوا قد اتخذوا أئمتهم الدينيين ورؤساءهم وكبراء عشائرهم أرباباً بتلك المعاني، ومنهم كانوا يتلقون القوانين لحياتهم.
أما النوع الأول من ضلالهم فيشهد به القرآن فيما يلي من الآيات: (ومن الناس من يعبد الله على حرفٍ فان أصابه خيرٌ اطمأن به وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير) (الحج: 11-13) ...
(ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في (1) ، سبحانه وتعالى عما يشركون) (يونس: 18)
(قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً) (حم السجدة: 9)
(قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً والله هو السميع العليم) (المائدة: 76)
(وإذا مسَّ الإنسان ضرٌ دعا ربه منيباً إليه ثم إذا خوّله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أنداداً (2) ليضل عنه سبيله) (الزمر: 8)
(وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسّكم الضرّ فإليه تجأرون. ثم إذا كشف الضرّ عنكم إذا فريقٌ منكم بربهم يشركون. ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون. ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً (3) مما رزقناهم، تالله لتسئلنّ عما كنتم تفترون) (النحل: 53 –56)
وأما الآخر فشهادة القرآن ما يأتي:
(وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم) (الأنعام: 137)
ومن الظاهر أنه ليس المراد بـ (شركاء) في هذه الآية: الآلهة والأصنام، بل المراد بهم أولئك القادة والزعماء الذين زينوا للعرب قتل أولادهم وجعلوه في أعينهم مكرمة. فأدخلوا تلك البدعة الشنعاء على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. وظاهر كذلك أن أولئك الزعماء لم يكن القوم قد اتخذوهم شركاء من حيث كانوا يعتقدون أن لهم السلطان فوق نظام الأسباب في هذا العالم، أو كانوا يعبدونهم ويدعونهم، بل كانوا قد جعلوهم شركاء مع الله في الألوهية والربوبية من حيث كانوا يسلمون بحقهم في أن يشرعوا لهم ما يشاؤون من النظم والقوانين لشؤونهم المدنية والاجتماعية، وأمورهم الخلقية والدينية.
(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (الشورى: 21)
وسيأتي تفصيل معاني كلمة (الدين) في موضعه من هذه الرسالة، وهناك سنتبين سعة معاني هذه الآية وشمولها. على أنه يتضح في هذا المقام أن ما كان يتولاه أولئك الزعماء والرؤساء من وضع الحدود والقواعد التي هي بمثابة الدين بغير إذن من الله تعالى، وأن اعتقاد العرب بكونها مما يجب اتباعه والعمل به، كان هو عينه شركة مع الله من أولئك في ألوهيته وربوبيته، وإيماناً من هؤلاء بشركتهم تلك!

دعوة القرآن: أن هذا البحث الذي قد خضنا غماره في الصفحات السابقة بصدد تصورات الأمم الضالة وعقائدها، ليكشف القناع عن حقيقة أن جميع الأمم التي قد وصمها القرآن بالظلم والضلال وفساد العقيدة من لدن أعرق العصور في القدم إلى زمن نزول القرآن، لم تكن منها جاحدة بوجود الله تعالى ولا كانت تنكر كون الله رباً وإلهاً بالإطلاق. بل كان ضلالها الأصلي المشترك بين جميعها أنها كانت قد قسمت المعاني الخمسة لكلمة (الرب) التي قد حددناها في بداية هذا الباب – مستشهدين باللغة والقرآن – قسمين متباينين:
فأما المعاني التي تدل على أن (الرب) هو الكفيل بتربية الخلق وتعهده وقضاء حاجته وحفظه ورعايته بالطرق الخارجة عن النظام الطبيعي، فكانت لها عندهم دلالة أخرى مختلفة، وهم وإن كانوا لا يعتقدون إلا الله تعالى ربهم الأعلى بموجبها، إلا أنهم كانوا يشركون به في الربوبية الملائكة والجن والقوى الغيبية والنجوم والسيارات والأنبياء والأولياء والأئمة الروحانيين.
وأما المعنى الذي يدل على أن (الرب) هو مالك الأمر والنهي وصاحب السلطة العليا، ومصدر الهداية والإرشاد، ومرجع القانون والتشريع، وحاكم الدولة والمملكة وقطب الاجتماع والمدنية، فكانت له عندهم دلالة أخرى متباينة: وبموجب هذا المفهوم كانوا إما يعتقدون أن النفوس الإنسانية وحدهم رباً من دون الله، وإما يستسلمون لربوبية تلك النفوس في شؤون الأخلاق والمدنية والسياسة مع كونهم يؤمنون إيماناً نظرياً بأن الله هو الرب، هذا هو الضلال الذي مازالت تبعث لحسمه الرسل عليهم اللام من لدن فجر التاريخ، ولأجل ذلك بعث الله أخيراً محمداً صلى الله عليه وسلم. وكانت دعوتهم جميعاً أن الرب بجميع معاني الكلمة واحد ليس غير، وهو الله تقدست أسماؤه. والربوبية ما كانت لتقبل التجزئة ولم يكن جزء من أجزائها ليرجع إلى أحد من دون الله بوجه من الوجوه، وأن نظام هذا الكون مرتبط بأصله ومركزه وثيق الارتباط، قد خلفه الله الواحد الأحد، ويحكمه الفرد الصمد، ويملك كل السلطة والصلاحيات فيه الإله الفذّ الموحد! فلا يد لأحد غير الله في خلق هذا النظام ولا شريك مع الله في إدارته وتدبيره ولا قسيم له في ملكوته. وبما أن الله تعالى هو مالك السلطة المركزية، فإنه هو وحده ربكم في دائرة ما فوق الطبيعة، وربكم في شؤون المدنية والسياسة والأخلاق، ومعبودكم ووجهة ركوعكم وسجودكم، ومرجع دعائكم وعماد توكلكم، والمتكفل بقضاء حاجاتكم، وكذلك هو الملك، ومالك الملك، وهو الشارع والمقنن، وهو الآمر والناهي. وكل هاتين الدلالتين للربوبية اللتين قد فصلتم إحداهما عن الأخرى لجاهليتكم، هي في حقيقة الأمر قوام الألوهية وعمادها وخاصة إلهية الإله. لذلك لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى، كما لا يجوز أن يشرك مع الله أحد من خلقه باعتبار أيهما. وأما الأسلوب الذي يدعو به القرآن دعوته هذه فها هو ذا بعبارته:
(إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل والنهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين) ... (الأعراف: 54)
(قل من يرزقكم من السماء والأرض، أمّن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق، فما بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) ... (يونس: 31-32)
(خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى) .. (ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) (الزمر: 5،6)
(الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً)
(ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) … (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناءً وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات، ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين. هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين) (غافر: 61، 62، 64، 65)
(والله خلقكم من تراب) … (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجل مسمى، ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم) (فاطر: 11 و 13-14)
(وله من في السماوات والأرض كل له قانتون) ..
(ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواءٌ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصّل الآيات لقومٍ يعقلون. بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) ..
(فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 26 و 28 – 29،30) (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطوياتٌ بيمينه سبحانه وتعالى عما يُشركون) (الزمر: 67)
(فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين. وله الكبرياءُ في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم) (الجاثية: 36-37)
(رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) (مريم: 65)
(ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه) (هود: 123)
(رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا) (المزمل: 9)
(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون) (الأنبياء: 92-93)
(اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) (الأعراف: 3)
(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) (آل عمران: 64)
(قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس) (الناس: 1-3)
(فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) (الــكهف:110)
فبقراءة هذه الآيات بالترتيب الذي سردناها به، يتبين للقارئ أن القرآن يجعل (الربوبية) مترادفة مع الحاكمية والملكية (Sovereignty) ويصف لنا (الرب) بأنه الحاكم المطلق لهذا الكون ومالكه وآمره الوحيد لا شريك له.
وبهذا الاعتبار هو ربنا ورب العالم بأجمعه ومريبنا وقاضي حاجاتنا.
وبهذا الاعتبار هو كفيلنا وحافظنا ووكلينا.
وطاعته بهذا الاعتبار هي الأساس الفطري الصحيح الذي يقوم عليه بنيان حياتنا الاجتماعية على الوجه الصحيح المرضي، والصلة بشخصيته المركزية تسلك شتى الأفراد والجماعات في نظام الأمة.
وبهذا الاعتبار هو حري بأن نعبده نحن وجميع خلائفه، ونطيعه ونقنت له.
وبهذا الاعتبار هو مالكنا ومالك كل شيء وسيدنا وحاكمنا. لقد كان العرب والشعوب الجاهلية في كل زمان اخطأوا - ولا يزالون يخطئون إلى هذا اليوم - بأنهم وزعوا هذا المفهوم الجامع الشامل للربوبية على خمسة أنواع من الربوبية، ثم ذهب بهم الظن والوهم أن تلك الأنواع المختلفة للربوبية قد ترجع إلى ذوات مختلفة ونفوس شتى، بل ذهبوا إلى أنها راجعة إليها بالفعل. فجاء القرآن فأثبت باستدلاله القوي المقنع أنه لا مجال أبداً في هذا النظام المركزي لأن يكون أمر من أمور الربوبية راجعاً - في قليل أو كثير- إلى غير من بيده السلطة العليا، وأن مركزية هذا النظام نفسها هي الدليل البيّن على أن جميع أنواع الربوبية مختصة بالله الواحد الأحد الذي أعطى هذا النظام خلقه.
ولذلك فإن من يظن جزءاً من أجزاء الربوبية راجعاً إلى أحد من دون الله، أو يرجعه إليه، بأي وجه من الوجوه، وهو يعيش في هذا النظام، فإنه يحارب الحقيقة ويصدف عن المواقع ويبغي على الحق، وباقي بيديه إلى التهلكة والخسران بما يتعب نفسه في مقاومة الحق الواقع.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.