Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: عين

قُعَيْنٌ

Entries on قُعَيْنٌ in 1 Arabic dictionary by the author Firuzabadi, al-Qāmūs al-Muḥīṭ
قُــعَيْنٌــ، كزُبيرٍ: بَطْنٌ من أسَدٍ.
والقَيْعُونُ: نَبْتٌ.
والقَعْنُ: الجَفْنَةُ يُعْجَنُ فيها، وبلا لامٍ: جَدُّ الحَلاَّجِ بنِ عِلاجٍ من أشْرافِ الكُوفَةِ، وبالتحريكِ: قِصَرٌ فاحِشٌ في الأَنْفِ، وارتِفاعٌ في الأَرْنَبَةِ، ضِدٌّ؛
كالقَعانِ، كسحاب، وانْفِحاجٌ في الرِّجْلِ.

المناسبة

Entries on المناسبة in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
المناسبة:
[في الانكليزية] Convenience ،agreement ،harmony
[ في الفرنسية] Convenance ،accord ،harmonie
هي عند المتكلّمين والحكماء هي الاتحاد في النسبة وتسمّى تناسبا أيضا كزيد وعمرو إذا تشاركا في بنوّة بكر كذا في شرح المواقف وشرح حكمة الــعين في أقسام الوحدة. وعند أهل البديع وتسمّى أيضا بالتناسب والتوفيق والايتلاف والتلفيق ومراعاة النظير جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد. وبهذا القيد يخرج الطباق فإنّ فيه المناسبة بالتضاد وهي أن يكون كلّ واحد من الأمرين مقابلا للآخر، وذلك قد يكون بالجمع بين أمرين نحو الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وقد يكون بالجمع بين أمور ثلاثة كقول البحتري:
كالقسيّ المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتار جمع بين القوس والسّهم والوتر. وقد يكون بين أربعة كقول البعض للمهدي الوزير أيها الوزير إسماعيلي الوعد شعيبي التوفيق يوسفي العفو ومحمّدي الخلق، وقد يكون بين أكثر منه، ومنها أي من مراعاة النظير ما يسمّيه بعضهم تشابه الأطراف وهو أن يختم الكلام بما يناسب ابتداءه في المعنى. والتناسب قد يكون ظاهرا نحو لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فإنّ اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالأبصار والخبير يناسب كونه مدركا للأبصار لأنّ المدرك للشيء يكون خبيرا به، وقد يكون خفيا نحو إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فإنّ قوله تعالى وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ يوهم أنّ الفاصلة الغفور الرحيم، لكن يعرف بعد التأمّل أنّ الواجب هو العزيز الحكيم، لأنّه لا يغفر لمن يستحقّ العذاب إلّا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز أي الغالب. ثم وجب أن يوصف بالحكيم على سبيل الاحتراس لئلّا يتوهّم أنّه خارج عن الحكمة لأنّ الحكيم من يضع الشيء في محله أي إن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا اعتراض عليك لأحد في ذلك، والحكمة فيما فعلته. ويلحق بالتناسب أن يجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان، وإن لم يكونا مقصودين هاهنا نحو الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ أي ينقادان لله تعالى.
فالمراد بالنجم النبات الذي ينجم أي يظهر من الأرض مما لا ساق له كالبقول وهو بهذا المعنى لا يناسب الشمس والقمر، لكنه قد يكون بمعنى الكوكب وهو مناسب لهما، ولهذا يسمّى مثل ذلك إيهام التناسب والنجم بالنسبة إلى الشّجر من التناسب حقيقة، هكذا يستفاد من المطول وحواشيه. ويقول في جامع الصنائع: إنّ الفرق بين التناسب الذي يسمّى مراعاة النظير وبين رعاية التناسب هو: أن يقول ما يقول بالنسبة، على سبيل العموم وذلك في الأسماء الذاتية والصّفات والأفعال والحروف ومثاله ما ترجمته:
شفتك اللمياء طافت في العالم وأجرت الدّماء هذه الطرفة فحينا فوق السّوالف تنعقد وحينا تتقلّب على الــعين ففي هذا البيت مراعاة التناسب بين الارتباط فوق السّوالف والتقلّب على الــعينــ، وهو لازم أيضا، لأنّك لو قلت: التقلّب على السوالف فإنّ المعنى يحصل ولكنّ التركيب لا تناسب فيه.
وفي التناسب أكثر ما يكون استعمال أسماء الذوات، وذلك لأنّه عبارة عن الجمع بين أمر وآخر يناسبه وليس مضادا له. مثاله ما ترجمته:
لو استطاع الفرقدان لوضعا الرأس تحت قدمك يدري هذا الكلام من أحضره من الفرقدين ففي هذا البيت كلمة رأس وقدم وفرق هي أسماء ذوات. انتهى. وأما عند الأصوليين ففي أصول الحنفية أنّ المناسبة هي الملائمة وهي موافقة الوصف أي العلّة للحكم بأن يصحّ إضافة الحكم إليه ولا يكون نائبا عنه، كإضافة ثبوت الفرقة في إسلام أحد الزوجين إلى آباء الآخر لأنّه يناسبه لا إلى وصف الإسلام لأنّه ناب عنه، لأنّ الإسلام عرف عاصما للحقوق لا قاطعا لها، وكذا المحظور يصلح سببا للعقوبة والمباح سببا للعبادة لا العكس لعدم الملائمة، وهذا معنى قولهم الملائمة أن يكون الوصف على وفق ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن السلف فإنّهم كانوا يعلّلون بأوصاف مناسبة وملائمة للأحكام غير نائبة عنها، ويقابلها الطّرد، أعني وجود الحكم عند وجود الوصف من غير اشتراط ملائمة وتأثير، أو وجوده عند وجوده وعدمه عند عدمه على اختلاف الرأيين.
والشافعية يجعلون المناسبة أعمّ من الملائمة ويقسمون المناسب إلى ملائم وغير ملائم، وفسّرها الآمدي بأنّها وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتّب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا للعقلاء من حصول مصلحة أو دفع مضرة أو مجموعهما، وذلك إمّا في الدنيا كالمعاملات أو في الأخرى كإيجاب الطاعات وتحريم المعاصي، وفيه أخذ المناسبة بمعنى المناسب تجوّزا. والتحقيق أن يقال إنّ المناسبة كون الوصف ظاهرا إلى آخره، واحترز بالظاهر عن الوصف الخفي وبالمنضبط عن غير المنضبط وهو المضطرب، وبقوله عقلا عن الشبه، وبقوله ما يصلح أن يكون مقصودا عن الوصف المستبقي في السير وعن الوصف المدار في الدوران وغيرهما من الأوصاف التي لا يكون اعتبارها لترتّب ما يصلح كونه مقصودا عليه.
وفسّر المقصود بما يكون مقصودا للعقلاء من حصول مصلحة واندفاع مفسدة لئلّا يتوهّم أنّ المراد ما يكون مقصودا من شرعية الحكم فيلزم الدور. فمن فسّره بما يكون مقصودا للشارع من شرع الحكم نفيا كان أو إثباتا سواء كان المقصود جلب منفعة للعبد أو دفع مفسدة عنه فقد لزمه الدّور لأنّ ذلك إنّما يعرف بكونه مناسبا، فلو عرف كونه مناسبا بذلك كان دورا والمصلحة اللذة وطريقها والمفسدة الألم وطريقه مثاله القتل العمد العدوان فإنّه وصف مناسب لوجوب القصاص، لأنّه يلزم من ترتّب وجوب القصاص على القتل حصول ما هو مقصود من شرعية القصاص وهو بقاء النفوس على ما يشير إليه قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ.
ثم إن كان الوصف الذي يحصل من ترتّب الحكم عليه المقصود خفيا أو غير منضبط لم يعتبر لأنّه لم يعلم فكيف يعلم به الحكم فالطريق حينئذ أن يعتبر وصف ظاهر منضبط يلازم ذلك الوصف الحكم فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه، سواء كانت الملازمة عقلية أو لا، فيجعل ذلك الوصف الظاهر معرّفا للحكم مثلا وصف العمدية في القتل العمد العدوان خفي، لأنّ القصد وعدمه أمر نفسي لا يدرك شيء منه فيتعلّق القصاص بما يلازم العمدية من أفعال مخصوصة يقتضي في العرف عليها بكونها عمدا كاستعمال الجارح في القتل. وقال القاضي الإمام أبو زيد: المناسب ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول أي إذا عرض على العقل أنّ هذا الحكم إنّما يشرع لأجل هذه المصلحة يكون ذلك الحكم موصلا إلى تلك المصلحة عقلا أو تكون تلك المصلحة أمرا مقصودا عقلا، وهذا قريب من تفسير الآمدي لأنّ تلقّي العقول بالقبول في قوة ما يصلح مقصودا للعقلاء من ترتّب الحكم عليه، إلّا أنّه لم يصرّح بالظهور والانضباط ولعدم التصريح المذكور ولعدم كونه صالحا إلّا للناظر دون المناظر، إذ ربّما يقول الخصم هذا مما لا يتلقاه عقلي بالقبول فلا يكون مناسبا عندي، عدل عنه الآمدي، وبه يقول أبو زيد فإنّه قائل بامتناع التمسّك بالمناسبة في مقام المناظرة، وإن لم يمتنع في مقام النظر لأنّ العاقل لا يكابر نفسه فيما يقتضي به عقله. قيل هذا يرد على الآمدي أيضا لأنّه ذكر قيد العقل، فللمناظر أن يمنع بأنّه لا يصلح في عقلي. وقيل المناسب ما يجلب نفعا ويدفع ضررا وهو قريب مما ذكره الإمام في المحصول أنّه الوصف الذي يقضي إلى ما يجلب للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضررا. والفرق بينهما أنّ المناسب على هذا القول نفس الجالب.
وعلى ما ذكره الإمام المفضي إلى الجالب.
وقال الغزالي المراد بالمناسب ما هو على منهاج المصالح بحيث إذا أضيف إليه الحكم انتظم كالإسكار لحرمة الخمر فإنّه المناسب لأنّه يزيل العقل هو ملاك التكليف، بخلاف كونها مائعا يقذف بالزّبد ويحفظ في الدّنّ، فإنّ ذلك لا يناسب. واعلم أنّ هذه التعاريف إنّما هي على قول من يجعل الأحكام الثابتة بالنصوص متعلّقة بالحكم والمصالح، ومن يأبى عنه يقول المناسب هو الملائم لأفعال العقلاء في العادات.
اعلم أنّ المناسبة كما يطلق على ما مرّ من كون الوصف ظاهرا منضبطا إلى آخره كذلك يطلق على معنى أخصّ من ذلك وهو تعيين العلّة في الأصل بمجرّد إبداء مناسبة بينها وبين الحكم من ذات الأصل لا بنصّ ولا غيره، أي كون الوصف بحيث تتــعيّن علّيته إلى آخره، نصّ على ذلك المحقّق التفتازاني في حاشية العضدي.

وقال في التلويح: المذكور في أصول الشافعية أنّ المناسب هو المخيّل ومعناه تعيين العلّة في الأصل إلى آخره، وهذا على المسامحة، حيث عرّف المناسب بتعريف المناسبة، وإلّا فالتحقيق أنّ المناسب هو الوصف الذي يتــعين علّيته إلى آخره. فقولنا بمجرّد إبداء المناسبة أي إظهار المناسبة بينها وبين الحكم، والمراد المناسبة بالمعنى اللغوي لئلّا يلزم الدور، وبهذا خرج الطّرد إذ ليس فيه مناسبة والسّبر والتقسيم إذ لا يعتبر فيه المناسبة أيضا. وبقولنا من ذات الأصل خرج الشّبه لأنّ مناسبته إنّما هي بالتّبع.
وقولنا لا بنصّ ولا غيره يخرج إثبات العلّة بهما فإنّه ليس بمناسبة. مثاله الإسكار لتحريم الخمر فإنّ النظر في نفس المسكر وحكمه ووصفه يعلم منه كون الإسكار مناسبا لشرع التحريم صيانة للعقل الشريف عن الزوال، ويسمّى بالإحالة أيضا لأنّه بالنظر إليه يحال أي يظن أنّه علّة، ويسمّى تخريج المناط أيضا لأنّه إبداء مناط الحكم أي علّيته وهو من أحد مسالك إثبات العلّة. وإنّما كان هذا المعنى أخصّ لأنّه هو معنى المناسب المرسل. ولذا قال في التلويح:

قال الإمام الغزالي: من المصالح ما يشهد الشرع باعتباره هي أصل في القياس وحجة، ومنها ما يشهد ببطلانه وهو باطل، ومنها ما لم يشهد له بالاعتبار ولا بالإبطال، وهذا في محل النّظر. وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في باب القياس أردنا به هذا الجنس.

التقسيم:
للمناسب تقسيمات باعتبارات. الأول باعتبار إفضائه إلى المقصود ينقسم إلى خمسة أقسام. الأول أن يحصل المقصود منه يقينا كالبيع للحل. الثاني أن يحصل ظنّا كالقصاص للانزجار فإنّ الممتنــعين أكثر من المقدمين، وهذان مما لا ينكرهما أحد. الثالث أن يكون حصوله وعدم حصوله متساويين كحدّ الخمر للزجر فإنّ عدد الممتنع والمقدم متقاربان. الرابع أن يكون نفي الحصول أرجح من الحصول كنكاح الآيسة لتحصيل غرض التّناسل، فإنّ عدد من لا ينتسل منهن أكثر من عدد من ينتسل، وهذان قد أنكروا، والمختار الجواز. الخامس أن يكون المقصود فائتا بالكلّية مثاله جعل النكاح مظنّة لحصول النطفة في الرّحم فرتّب عليه إلحاق الولد بالأب، فإذا تزوّج مشرقي مغربية وقد علم عدم تلاقيهما فاتفق الجمهور على أنّه لا يعتبر، وخالف في ذلك الحنفية نظرا إلى ظاهر العلّة. وقيل لم ينقل أحد من الحنفية في كتبهم جواز التعليل بوصف مع تيقّن الخلوّ عن المقصود، وهذا المثال من قبيل ما يكون المقصود غالب الحصول في صور الجنس، وفي مثله يجوز التعليل اتفاقا، ولا يشترط حصول المقصود في كلّ فرد. والثاني باعتبار نفس المقصود فنقول المقاصد ضربان: ضروري وهو أيضا ينقسم إلى قسمين ضروري في أصله وهو أعلى المقاصد كالمقاصد الخمسة التي روعيت في كلّ صلة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فالدين كقتل الكافر المضل وعقوبة الداعي إلى البدع. والنفس كالقصاص.
والنسل كالحدّ على الزنا. والمال كعقوبة السارق والمحارب أي قاطع الطريق. ومكمل للضروري كتحريم قليل الخمر مع أنّه لا يزيل العقل الذي هو المقصود للتتميم والتكميل لأنّ قليله يدعو إلى كثيره بما يورث النفس من الطرب المطلوب زيادته بزيادة سببه إلى أن يسكر. وغير ضروري وهو ينقسم إلى حاجي وغير حاجي، والحاج أيضا ينقسم إلى قسمين حاجي في نفسه ومكمّل للحاجي. مثال الحاجي في نفسه البيع والإجارة ونحوها كالفرض فإنّ المعاوضة وإن ظنّت أنّها ضرورية، لكن كلّ واحد منها ليس بحيث لو لم يشرع لأدّى إلى فوات شيء من الضروريات الخمس. واعلم أنّ هذه ليست في مرتبة واحدة، فإنّ الحاجة تشتدّ وتضعف، وبعضها آكد من بعض. وقد يكون بعضها ضروريا في بعض الصور كالإجارة في تربية الطفل الذي لا أمّ له ترضعه، وكشراء المطعوم والملبوس فإنّه ضروري من قبيل حفظ النفس. ولذلك لم يخل عنه شريعة؛ وإنّما أطلقنا الحاجي عليها بالاعتبار الأغلب. ومثال المكمّل للحاجي وجوب رعاية مهر المثل والكفاءة في الصغيرة، فإنّ أصل المقصود من شرع النكاح وإن كان حاصلا بدونهما، لكنه أشدّ إفضاء إلى دوام النكاح، وهي من مكمّلات مقصود النكاح، وغير الحاجي وهو ما لا حاجة إليه لكن فيه تحسين وتزيين كسلب العبد أهلية الشهادة. وإن كان ذا دين وعدالة لانحطاط رتبته عن الحرّ فلا يليق به المناصب الشريفة.
والثالث اعتبار الشارع إلى مؤثّر ملائم وغريب ومرسل لأنّه إمّا معتبر شرعا أو لا. فالمعتبر إمّا أن يثبت اعتباره بنصّ أو إجماع وهو المؤثّر أوّلا، بل يترتّب الحكم على وفقه بأن يثبت الحكم معه في المحل، فذلك لا يخلو إمّا أن يثبت بنصّ أو إجماع اعتبار عينــه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم أو لا. فإن ثبت فهو الملائم وتسمّيه الحنفية بالملائم المعدّل، وإن لم يثبت فهو الغريب. وأما غير المعتبر لا بنصّ ولا بإجماع ولا يترتّب الحكم على وفقه فهو المرسل. فإن قلت كيف يتصوّر اعتبار الــعين في الجنس أو الجنس في الــعين أو الجنس في الجنس فيما لم يعتبر شرعا؟ وهل هذا إلّا تهافت؟ قلت معنى الاعتبار شرعا عند الإطلاق هو اعتبار عين الوصف في عين الحكم في موضع آخر، وعلى هذا فلا إشكال. وبالجملة فالمؤثّر وصف مناسب ثبت بنصّ أو إجماع اعتبار عينــه في عين الحكم كإحياء الأرض بالنسبة إلى تملّكها فإنّه يثبت تأثيره بالنصّ وهو قوله عليه السلام: (من أحيى أرضا ميتة فهي له)، وكالصغر بالنسبة إلى ولاية المال فإنّه اعتبر عين الصغر في عين الولاية بالمال بالإجماع. والملائم هو المناسب الذي لم يثبت اعتباره بنصّ أو إجماع بل بترتّب الحكم على وفقه فقط ومع ذلك يثبت بنصّ أو إجماع اعتبار عينــه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم. فمثال تأثير الــعين في الجنس ما يقال ثبت للأب ولاية النكاح على الصغيرة كما يثبت له عليها ولاية المال بجامع الصّغر، فالوصف الصّغر وهو أمر واحد ليس بجنس والحكم الولاية وهو جنس تحته نوعان من التصرّف وهما ولاية النكاح وولاية المال، وعين الصّغر معتبر في جنس الولاية بالإجماع، لأنّ الإجماع على اعتباره في ولاية المال إجماع على اعتباره في جنس الولاية، بخلاف اعتباره في عين ولاية النكاح فإنّه إنّما يثبت بمجرّد ترتّب الحكم على وفقه حيث يثبت الولاية في الجملة، وإن وقع الاختلاف في أنّه للصّغر أو للبكارة أو لهما جميعا. ومثال تأثير الجنس في الــعين ما يقال الجمع جائز في الحضر مع المطر قياسا على السّفر بجامع الحرج، فالحكم رخصة وهو واحد والوصف الحرج وهو جنس بجمع الحاصل بالسّفر وبالمطر وهما نوعان مختلفان، وقد اعتبر جنس الحرج في عين رخصة الجمع للنصّ والإجماع على اعتبار حرج السفر ولو في الحج فيها. وأمّا اعتبار عين الحرج فليس إلّا بمجرّد ترتّب الحكم على وفقه إذ لا نصّ ولا إجماع على علّية نفس حرج السّفر. ومثال تأثير الجنس في الجنس أن يقال يجب القصاص في القتل بالمثقل قياسا على القتل بالمحدد لجامع كونها جناية عمد عدوان، فالحكم أيضا مطلق وهو القصاص وهو جنس بجمع القصاص في النفس وفي الأطراف وفي المال، وقد اعتبر جنس الجناية في جنس القصاص في النفس لا بالنصّ أو الإجماع بل يترتّب الحكم على وفقه ليكون من الملائم دون المؤثّر، ووجهه أن لا نصّ ولا إجماع على أنّ العلّة ذلك وحده أو مع قيد كونه بالمحدّد. والغريب هو ما ثبت اعتبار عينــه في عين الحكم بمجرّد ترتّب الحكم على وفقه لكن لم يثبت بنصّ أو إجماع اعتبار عينــه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم. مثاله أن يقال يحرّم النبيذ قياسا على الخمر بجامع الإسكار على تقدير عدم فرض النصّ بالتعليل فيه لأنّ الإسكار مناسب للتحريم حفظا للعقل، وعلم أنّ الشارع لم يعتبر عينــه في جنس التحريم ولا جنسه في عين التحريم ولا جنسه في جنس التحريم. فلو لم يدلّ النّصّ وهو قوله (كلّ مسكر حرام) بالإيماء على اعتبار عينــه لكان غريبا. والمرسل هو ما لم يثبت اعتبار عينــه في عين الحكم أصلا وبعبارة أخرى ما لم يعتبر شرعا لا بنصّ ولا إجماع ولا بترتّب الحكم على وفقه، وهو ينقسم إلى ما علم إلغاؤه وإلى ما لم يعلم إلغاؤه.
والثاني أي ما لا يعلم إلغاؤه ينقسم إلى ملائم قد علم اعتبار عينــه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم، وإلى ما لا يعلم منه ذلك وهو الغريب. فإن كان غريبا أو علم إلغاؤه فمردود اتفاقا، وإن كان ملائما فقد قيل بقبوله، والمختار أنّه مردود. وقد شرط الغزالي في قبوله شروطا ثلاثة: أن تكون ضرورية لا حاجية وقطعية لا ظنّية وكلّية لا جزئية. أمّا الأوّلان أي المؤثّر والملائم فمقبولان وفاقا، فكلّ واحد من الملائم والغريب له معنيان هو بأحدهما من الأقسام الأوّلية للمناسب، وبالآخر من أقسام المرسل، فأقسام المرسل ثلاثة ما علم إلغاؤه والملائم والغريب. ومثال ما علم إلغاؤه إيجاب صيام شهرين قبل العجز عن الإعتاق في كفّارة الظّهار بالنسبة إلى من يسهل عليه الإعتاق دون الصيام فإنّه مناسب تحصيلا لمقصود الزجر لكن علم عدم اعتبار الشارع له فلا يجوز. ثم اعتبار الــعين في الــعين أو في الجنس أو اعتبار الجنس في الــعين أو في الجنس بحسب أفراده أو تركيبه الثنائي أو الثلاثي أو الرباعي، والنّظر في أنّ الجنس قريب أو بعيد أو متوسط وأنّ ثبوت ذلك بالنّصّ أو الإجماع أو بمجرّد ترتّب الحكم على وفقه يفضي إلى أقسام كثيرة وإيراد أمثلة متعددة، وقد أشير إلى نبذ منها في التلويح. هذا وقال الآمدي أنّ من القياس مؤثّرا يكون علّته منصوصة أو مجمعا عليها أو أثر عين الوصف في عين الحكم أو في جنسه أو جنسه في عين الحكم أو أثر جنس الوصف في جنس الحكم، ويناسب هذا الاصطلاح ما وقع في التوضيح من أنّ المراد بالملائمة اعتبار الشارع جنس هذا الوصف في جنس هذا الحكم، إلّا أنّه خصّ الجنس بكونه أخصّ من كونه متضمّنا لمصلحة اعتبرها الشارع كمصلحة حفظ النفس مثلا.
فالمراد أن يكون أخصّ من مصلحة حفظ النفس، وكذا من مصلحة حفظ الدين إلى غير ذلك، ولا يكفي كونه أخصّ من المتضمن لمصلحة ما لأنّ المتضمّن لمصلحة حفظ النفس أخصّ من المتضمّن لمصلحة ما، وليس بملائم.
وقال الآمدي أيضا الملائم ما أثّر عين الوصف في عين الحكم كما أثّر جنس الوصف في جنس الحكم. هذا كله خلاصة ما في العضدي والتوضيح وغيرهما.

الْعلم

Entries on الْعلم in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْعلم: بالفتحتين الْعَلامَة، والشهرة، والجبل الرفيع، والراية، وَمَا يعْقد على الرمْح، وَسيد الْقَوْم، وَجمعه الْأَعْلَام، وَعند النُّحَاة مَا وضع لشَيْء بِــعَيْنِــه شخصا أَو جِنْسا غير متناول غَيره بِوَضْع وَاحِد وَهَذَا هُوَ الْعلم القصدي وَأما الْعلم الاتفاقي فَهُوَ الَّذِي يصير علما أَي وَاقعا على مــعِين بالغلبة وَكَثْرَة الِاسْتِعْمَال لَا بِالْوَضْعِ والاصطلاح وَهُوَ على ثَلَاثَة أَصْنَاف اسْم ولقب وكنية واطلب كلا فِي مَحَله.
ثمَّ اعْلَم أَن علم بِفَتْح الْفَاء وَكسر الْــعين على وزن سمع مَاض مَعْرُوف من أَفعَال الْقُلُوب من الْعلم بِمَعْنى (دانستن) وَهُوَ فعل الْقلب وَأما علم بتَشْديد الْــعين على وزن صرف فَإِنَّهُ من التَّعْلِيم وَهُوَ من أَفعَال الْجَوَارِح، وَأما إِطْلَاق التَّعْلِيم على إِفَادَة الإشراقين فَهُوَ على سَبِيل التنزل وَالْمجَاز. وَيُؤَيّد مَا قُلْنَا مَا قَالَ الْفَاضِل الجلبي رَحمَه الله فِي حَاشِيَته على المطول أَن قَوْله مَا لم نعلم مفعول ثَان لعلم بِالتَّشْدِيدِ وَالْأول مَحْذُوف أَي علمنَا وَلَا ضير فِي ذَلِك إِذْ لَيْسَ علم من أَفعَال الْقُلُوب حَتَّى لَا يجوز الِاقْتِصَار على أحد مفعوليه انْتهى. وَالْعلم بِكَسْر الأول وَسُكُون اللَّام مصدر علم يعلم فِي اللُّغَة بِالْفَارِسِيَّةِ (دانستن) .
ثمَّ إِنَّه قد يُطلق على مَا هُوَ مبدأ انكشاف الْمَعْلُوم وَقد يُطلق على مَا بِهِ يصير الشَّيْء منكشفا على الْعَالم بِالْفِعْلِ وَفِي مَا بِهِ الانكشاف اخْتِلَاف مَذَاهِب لَا يتَجَاوَز عشْرين احْتِمَالا عقليا وَوجه ضبط تِلْكَ الِاحْتِمَالَات أَنه إِمَّا حَقِيقَة وَاحِدَة أَو حقائق متبائنة وعَلى الأول إِمَّا زَوَال أَو حُصُول، ثمَّ الْحُصُول إِمَّا حُصُول أثر مَعْلُوم فِي الْعَالم، أَو حُدُوث أَمر فِيهِ، أَو كِلَاهُمَا والأثر إِمَّا صُورَة مَعْلُوم أَو شبحه وَالْأول إِمَّا قَائِم بِنَفسِهِ، أَو منطبع فَهِيَ الْمدْرك، أَو مُتحد مَعَه، والمنطبع إِمَّا منطبع فِي مدرك أَو فِي الْآلَة، والزوال إِمَّا زَوَال أَمر عَن الْعَالم أَو عَن الْمَعْلُوم أَو كليهمَا وعَلى الثَّانِي من الشق الأول إِمَّا إِطْلَاق الْعلم عَلَيْهَا بالاشتراك أَو بِالْحَقِيقَةِ وَالْمجَاز ثمَّ الِاشْتِرَاك إِمَّا لَفْظِي أَو معنوي وَالصَّوَاب المقبول عِنْد الفحول وَالْحق الْحَقِيقِيّ بِالْقبُولِ إِنَّه لَيْسَ حَقِيقَة نوعية أَو جنسية حَتَّى يعرف بِأَمْر جَامع منطبق على جَمِيع جزئياته بل إِطْلَاقه على الْجَمِيع من بَاب إِطْلَاق الْــعين على مدلولاته المتبائنة أَلا ترى أَن نَحْو انكشاف الْوَاجِب تَعَالَى لذاته أَو لغيره على اخْتِلَاف بَين الْحُكَمَاء والمتكلمين لَيْسَ إِلَّا كنحو وجوده المغائر للْكُلّ تقوما وتحصلا وتخصيصا وتشخيصا فَكَمَا أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى اكتناه ذَاته كَذَلِك لَا سَبِيل إِلَى اكتناه صِفَاته الَّتِي من جُمْلَتهَا الْعلم الَّذِي لَيْسَ بحدوث كَيْفيَّة وَلَا بِحُصُول أثر من الْمَعْلُوم فِيهِ وَلَا باتحاد الْمَعْلُوم مَعَه وَلَا بِحُضُور مثل وَلَا بحدوث إِضَافَة متجددة وَلَا بِزَوَال شَيْء عَنهُ لاستلزام الْجَمِيع مفاحش لَا تلِيق بجنابه تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَكَذَا انكشاف المفارقات لأنفسها ولمبدعها ولغيرها لَيْسَ بِحُصُول الْأَثر وَلَا بِزَوَال الْمَانِع وَكَذَا الانكشاف لأنفسنا ولغيرنا من الْوَاجِب تَعَالَى والممكن والممتنع لَيْسَ إِلَّا على أنحاء شَتَّى وطرق متبائنة فَمن رام تَوْحِيد الْكثير أَو تَكْثِير الْوَاحِد فَقَط خبط خبطا عَظِيما وَبَقِي التفتيش فِي الْعلم الَّذِي هُوَ مورد الْقِسْمَة إِلَى التَّصَوُّر والتصديق فِي فواتح كتب الْمنطق بِأَنَّهُ نَحْو من الانكشاف إِمَّا بِزَوَال أَمر منا أَو بحدوث كَيْفيَّة فِينَا أَو بِحُصُول أثر من الْمَعْلُوم صُورَة أَو شبحا أَو باتحاد الْمَعْلُوم معنى أَو بِحُضُور مثل أَو بِإِضَافَة التفاتية وَالَّذِي يحكم بِهِ الْعقل السَّلِيم والذهن الْمُسْتَقيم هُوَ أَنا تَجِد فِينَا عِنْد إحساس الْأَشْخَاص المتبائنة أمورا صَالِحَة لمعروضية الْكُلية والنوعية والجنسية وَمَا وجدنَا فِي الْخَارِج أمرا يكون شَأْنه هَذَا، ثمَّ لما فتشنا عَن تِلْكَ الْأُمُور علمنَا أَنَّهَا لَيست بِأُمُور عدمية وَإِلَّا لما كَانَت قَابِلَة لابتناء الْعُلُوم عَلَيْهَا وَلَا آثارا متغائرة للأشخاص وَإِلَّا لما تسري أَحْكَامهَا إِلَى الْأَفْرَاد ولأعينــها وَإِلَّا لترتب على الْأَشْخَاص مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا وَبِالْعَكْسِ عكسا كليا فَعلمنَا أَن هَا هُنَا أمرا وَاحِدًا مشخصا بتشخصين تشخصا خارجيا وَهُوَ على نَحْو الْكَثْرَة وتشخصا ذهنيا وَهُوَ على نَحْو الْوحدَة والوحدة وَالْكَثْرَة أَمْرَانِ زائدان عَلَيْهِ عارضان لَهُ حسب اقْتِضَاء ظرف التحقق وَهَذَا هُوَ قَول من قَالَ إِن الماهيات فِي الْخَارِج أَعْيَان وَفِي الأذهان صور.
ثمَّ إِن الْعُقَلَاء اخْتلفُوا فِي أَن الْعلم بديهي أَو كسبي والذاهبون إِلَى كسبيته اخْتلفُوا فِي أَن كَسبه متعسر أَو متيسر وَإِلَى كل ذهب ذَاهِب، فَذهب الإِمَام الْغَزالِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَنه لَيْسَ بضروري بل هُوَ نَظَرِي وَلَكِن تحديده متعسر وَطَرِيق مَعْرفَته الْقِسْمَة والمثال أما الأول فَهُوَ أَن يُمَيّز عَمَّا يلتبس من الاعتقادات كَمَا تَقول الِاعْتِقَاد إِمَّا جازم أَو غير جازم والجازم إِمَّا مُطَابق أَو غير مُطَابق والمطابق إِمَّا ثَابت أَو غير ثَابت فقد حصل عَن الْقِسْمَة اعْتِقَاد جازم مُطَابق ثَابت وَهُوَ الْعلم بِمَعْنى الْيَقِين فقد تميز عَن الظَّن بِالْجَزْمِ وَعَن الْجَهْل الْمركب بالمطابقة وَعَن التَّقْلِيد الْمُصِيب الْجَازِم بالثابت الَّذِي لَا يَزُول بالتشكيك وَأما الثَّانِي فَكَأَن تَقول الْعلم إِدْرَاك البصيرة المشابه لإدراك الباصرة أَو كاعتقادنا أَن الْوَاحِد نصف الِاثْنَيْنِ وَقيل هَذَا بعيد فَإِنَّهُمَا إِن أفادا تميز أصلحا مُعَرفا وَإِلَّا لم يحصل بهما معرفَة لماهية الْعلم لِأَن مُحَصل الْمعرفَة لشَيْء لَا بُد وَأَن يُقيد تميزه عَن غَيره لِامْتِنَاع حُصُول مَعْرفَته بِدُونِ تميزه عَن غَيره.
وَلَا يخفى مَا فِيهِ لِأَن الْكَلَام فِي تعسر مَعْرفَته بالكنه. فِي العضدي قَالَ الإِمَام الْعلم ضَرُورِيّ لِأَن غير الْعلم لَا يعلم إِلَّا بِالْعلمِ فَلَو علم الْعلم بِغَيْرِهِ لزم الدّور لكنه مَعْلُوم فَيكون لَا بِالْغَيْر وَهُوَ ضَرُورِيّ. وَالْجَوَاب بعد تَسْلِيم كَونه مَعْلُوما إِن تصور غير الْعلم إِنَّمَا يتَوَقَّف على حُصُول الْعلم بِغَيْرِهِ أَعنِي علما جزئيا مُتَعَلقا بذلك الْغَيْر لَا على تصور حَقِيقَة الْعلم بِالْغَيْر أَعنِي علما جزئيا مُتَعَلقا بذلك الْغَيْر وَالَّذِي يُرَاد حُصُوله بِالْغَيْر إِنَّمَا هُوَ تصور حَقِيقَة الْعلم لَا حُصُول جزئي مِنْهُ فَلَا دور للِاخْتِلَاف انْتهى.
وَالْحَاصِل أَن الإِمَام الْغَزالِيّ اسْتدلَّ على مَا ادَّعَاهُ بِأَن الْعلم لَو كَانَ كسبيا مكتسبا من غَيره لدار لِأَن غَيره إِنَّمَا يعلم بِهِ. وخلاصة الْجَواب أَن غير الْعلم إِنَّمَا يعلم بِعلم خَاص مُتَعَلق بِهِ لَا بتصور حَقِيقَة الْعلم وَالْمَقْصُود تصور حَقِيقَته بِغَيْرِهِ فَلَا دور فَافْهَم. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد قدس سره فِي شرح المواقف وَاعْلَم أَن الْغَزالِيّ صرح فِي الْمُسْتَصْفى بِأَنَّهُ يعسر تَحْدِيد الْعلم بِعِبَارَة محررة جَامِعَة للْجِنْس والفصل الذاتيين فَإِن ذَلِك متعسر فِي أَكثر الْأَشْيَاء بل فِي أَكثر المدركات الحسية فَكيف لَا يعسر فِي الإدراكات الْخفية.
ثمَّ قَالَ إِن التَّقْسِيم الْمَذْكُور يقطع الْعلم عَن مظان الِاشْتِبَاه والتمثيل بِإِدْرَاك الباصرة بفهمك حَقِيقَة فَظهر أَنه إِنَّمَا قَالَ بعسر التَّحْدِيد الْحَقِيقِيّ دون التَّعْرِيف مُطلقًا وَهَذَا كَلَام مُحَقّق لَا بعد فِيهِ لكنه جَار فِي غير الْعلم كَمَا اعْترف بِهِ انْتهى - وَذهب الإِمَام الرَّازِيّ رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَنه بديهي لضَرُورَة أَن كل أحد يعلم بِوُجُودِهِ وَهَذَا علم خَاص بديهي وبداهة الْخَاص يسْتَلْزم بداهة الْعَام - وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهَا أَن الضَّرُورِيّ إِنَّمَا هُوَ حُصُول علم جزئي بِوُجُودِهِ وَهَذَا الْحُصُول لَيْسَ تصور ذَلِك الجزئي وَغير مُسْتَلْزم لَهُ فَلَا يلْزم تصور الْمُطلق أصلا فضلا عَن أَن يكون ضَرُورِيًّا، وتوضيحه أَن بَين حُصُول الشَّيْء وتصوره فرقا بَينا فَإِن ارتسام مَاهِيَّة الْعلم فِي النَّفس الناطقة بِنَفسِهَا فِي ضمن الجزئيات حُصُول تِلْكَ الْمَاهِيّة لَا تصورها كحصول الشجَاعَة للنَّفس الْمُوجب لاتصافها بهَا من غير أَن تتصورها وارتسام مَاهِيَّة الْعلم فِي النَّفس بِصُورَة تِلْكَ الْمَاهِيّة ومثالها يُوجب تصورها لَا حُصُولهَا كتصور الشجَاعَة الَّذِي لَا يُوجب اتصاف النَّفس بالشجاعة.
ومحصول التَّوْضِيح أَن الْفرق بَين حُصُول الْعلم نَفسه لِلْعَقْلِ وَبَين تصَوره بَين فَإِن الأول منَاط الاتصاف بِنَفس الْعلم دون العالمية بِالْعلمِ وَالثَّانِي منَاط العالمية بِالْعلمِ فَإِن حُصُول الشجَاعَة نَفسهَا مُوجب للاتصاف بهَا لَا لتصورها وَالْعلم بهَا وتصورها يُوجب العالمية بهَا لَا لحصولها والاتصاف بهَا نعم كم من شُجَاع لَا يعلم أَن الشجَاعَة مَا هِيَ وَهُوَ شُجَاع وَكم من جبان يعلم مَاهِيَّة الشجَاعَة وَهُوَ جبان وَثَانِيهمَا وُرُود المنــعين الْمَشْهُورين من منع كَون الْعَام ذاتيا وَكَون الْخَاص مدْركا بالكنه.
وَحَاصِله أَن ذَلِك الاستلزام مَوْقُوف على أَمريْن أَحدهمَا كَون الْعلم ذاتيا للخاص وَلَا نسلم أَن يكون الْعلم الْمُطلق ذاتيا للْعلم الْخَاص وَثَانِيهمَا كَون الْخَاص متصورا بالكنه وَلَا نسلم أَن يكون الْعلم الْخَاص بديهيا متصورا بالكنه لم لَا يجوز أَن يكون متصورا بِالْوَجْهِ قيل إِن الْخَاص هَا هُنَا مُقَيّد والعالم مُطلق وبداهة الْمُقَيد تَسْتَلْزِم بداهة الْمُطلق لِأَنَّهُ جُزْء خارجي لمَفْهُوم الْمُقَيد فتصوره بِدُونِهِ مِمَّا لَا يتَصَوَّر وَأجِيب بِأَن منشأ هَذَا السُّؤَال عدم الْفرق بَين الْفَرد والحصة وللعلم أفرلد حصصية والفرد هُوَ الطبيعة الْمَأْخُوذَة مَعَ الْقَيْد بِأَن يكون كل من الْقَيْد وَالتَّقْيِيد دَاخِلا كزيد وَعَمْرو للْإنْسَان والحصة هِيَ الطبيعة المنضافة إِلَى الْقَيْد بِأَن يكون التَّقْيِيد من حَيْثُ هُوَ تَقْيِيد دَاخِلا والقيد خَارِجا كوجود زيد وَوُجُود عَمْرو وَعلم زيد وَعلم عَمْرو. وَلَا يخفى على الناظرين أَن هَذَا إِنَّمَا يتم إِذا كَانَ المُرَاد بِالْعلمِ الْمَعْنى المصدري وَأما إِذا كَانَ المُرَاد بِهِ مَا بِهِ الانكشاف فَلَا يتم وَأَنت تعلم أَن الْمَعْنى المصدري خَارج عَن مَحل النزاع والنزاع حِين إِرَادَة الْمَعْنى المصدري يكون لفظيا كالنزاع فِي الْوُجُود فَإِن من قَالَ بكسبيته يُرِيد مَا بِهِ الانكشاف وَيَدعِي بكسبيته لَا الْمَعْنى المصدري.
وَالْحَاصِل أَنه لَا شكّ فِي بداهة الْعلم الَّذِي يعبر عَنهُ بِالْفَارِسِيَّةِ بدانستن لِأَنَّهُ معنى انتزاعي لَا يتخصص إِلَّا بإضافات وتخصيصات فحقيقته لَيست إِلَّا مفهومة وحقائق أَفْرَاده لَيست إِلَّا مفهوماتها كَيفَ وَلَو كَانَت مفهوماتها عارضة لحقائقها لكَانَتْ مَحْمُولَة عَلَيْهَا بالاشتقاق وَهُوَ يسْتَلْزم كَون الْعلم عَالما وَالْعلم الْخَاص بديهي وَالْعَام جُزْء مِنْهُ وبداهة الْخَاص تَسْتَلْزِم بداهة الْعَام والمنعان الْمَذْكُورَان حِينَئِذٍ مُكَابَرَة لَا تسمع لَكِن هَذَا الْمَعْنى خَارج عَن مَحل النزاع كَمَا علمت وَإِن أُرِيد أَن الْعلم بِمَعْنى مبدأ الانكشاف بديهي بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُور فَلَا يَخْلُو عَن صعوبة لوُرُود المنــعين المذكورية بِلَا مُكَابَرَة فَإِن قلت لَو كَانَ الْعلم بديهيا لما اشْتغل الْعُقَلَاء بتعريفه قلت إِنَّمَا عرف الْعلم من ذهب إِلَى كسبيته لَا إِلَى بداهته فاشتغالهم بتعريفه لَا يدل عى كسبيته بِحَسب الْوَاقِع بل بِحَسب الِاعْتِقَاد. نعم يرد أَنا لَو سلمنَا أَن الذَّاهِب إِلَى كسبيته عرفه بِحَسب اعْتِقَاده لَكِن تَعْرِيفه لدلالته على حُصُوله بِالْكَسْبِ يُنَافِي البداهة لِأَن البديهي مَا لم يُمكن حُصُوله بِالْكَسْبِ لايحصل بِغَيْر الْكسْب وَلَا أَن يُقَال إِن الْمَعْنى الْمَذْكُور للبديهي مَمْنُوع كَيفَ وَلَو كَانَ تَعْرِيف البديهي مَا ذكر للَزِمَ بطلَان البداهة فِي عدَّة من الْأُمُور الَّتِي بداهتها قَطْعِيَّة بالِاتِّفَاقِ وَقيل الْجَواب بِأَن الْكَلَام فِي كنه الْعلم فَإِذا فرض أَنه ضَرُورِيّ لَا يلْزم على صِحَّته امْتنَاع تَعْرِيفه بالرسم لجَوَاز أَن يكون كنه شَيْء ضَرُورِيًّا دون اسْمه وَبَعض وجوهه فَلم لَا يكون تَعْرِيف الْعُقَلَاء تعريفا رسميا للْعلم لَيْسَ بصواب لِأَن تَعْرِيف الشَّيْء بالرسم بعد تصَوره بالكنه مُمْتَنع إِذْ بعد تصَوره بالكنه إِذا قصد تَعْرِيفه بِالْوَجْهِ يكون التَّعْرِيف لذَلِك الْوَجْه الْمَجْهُول لَا لذَلِك الشَّيْء.
وَلَا يخفى على من لَهُ نظر ثاقب أَن بَين علم الشَّيْء بِالْوَجْهِ وَالْعلم بِوَجْه ذَلِك الشَّيْء فرق بَين فَإِن الْوَجْه فِي الأول مُتَصَوّر تبعا وبالعرض ومرآة وَآلَة لتصور ذَلِك الشَّيْء الَّذِي قصد تصَوره بذلك الْوَجْه وَفِي الثَّانِي أَولا وبالذات من غير أَن يكون تصَوره آلَة لتصور غَيره ومرآة لَهُ فَإِن قلت إِن الْعلم من صِفَات النَّفس وَعلمهَا بِنَفسِهَا وصفاتها حضوري وَهُوَ لَا يَتَّصِف بالبداهة والكسبية قلت إِن المُرَاد بِالصِّفَاتِ الصِّفَات الانضمامية أَي الصِّفَات الــعينــية الخارجية الْغَيْر المنتزعة وَالْكَلَام فِي الْعلم الْمُطلق وَهُوَ لَيْسَ من الصِّفَات الانضمامية وَبعد تَسْلِيمه عدم اتصاف الحضوري بالبداهة مَمْنُوع - اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يخترع اصْطِلَاح آخر وَلَا مشاحة فِي الِاصْطِلَاح، وَفِي بعض شُرُوح سلم الْعُلُوم وَالْحق أَن الْعلم نور قَائِم بِذَاتِهِ وَاجِب لذاته وَلَيْسَ تَحت شَيْء من المقولات فَإِن الْعلم إِنَّمَا حَقِيقَته مبدأ انكشاف الْأَشْيَاء وظهورها بِأَن يكون هُوَ بِنَفسِهِ مظْهرا ومصداقا لحمله والممكن لما كَانَ فِي ذَاته فِي بقْعَة الْقُوَّة وحيز الليسية كَانَ فِي ذَاته أمرا ظلمانيا لَا ظَاهرا وَلَا مظْهرا فَلَا يكون علما وَلَا فِي حد ذَاته عَالما فَكَمَا أَن قوامه ووجوده إِنَّمَا هُوَ بِالْعرضِ من تِلْقَاء إفَاضَة الْجَاعِل الْحق كَذَلِك عالميته إِنَّمَا هِيَ بِالْعرضِ من تِلْقَاء إفَاضَة الْعَالم الْحق فمصداق حمل الْوُجُود وَالْعلم على الْوَاجِب نفس ذَاته وعَلى الْمُمكن هُوَ من حَيْثُ استناده إِلَى الله تَعَالَى فَكَمَا أَن وجود الْمُمكن هُوَ وجود الْوَاجِب كَذَلِك علمه هُوَ علم الْوَاجِب تَعَالَى بل الْعلم هُوَ الْوُجُود بِشَرْط كَونه مُجَردا فَالْوَاجِب سُبْحَانَهُ يَجْعَل الْعقل أمرا نورانيا ينْكَشف الْأَشْيَاء عِنْد قِيَامهَا بهَا وَلَيْسَ الْعلم أمرا زَائِدا على وجودهَا الْخَاص الْمُجَرّد وَلذَا تدْرك ذَاتهَا بذاتها. نعم قد يفْتَقر إِلَى أَن يكون وجود الْمَعْلُوم لَهُ حَتَّى ينْكَشف عِنْده إِذا كَانَ هُوَ غير ذَاته وَصِفَاته وَذَلِكَ بإعلام الْمعلم وبإفاضة وجوده لَهُ فالعلم وَإِن كَانَ أظهر الْأَشْيَاء وأبينها وأوضحها لَكِن يمْتَنع تصَوره بالكنه وَنسبَة الْعُقُول إِلَيْهِ كنسبة الخدش إِلَى الشَّمْس وَنسبَة الْقَمَر إِلَيْهَا وَلذَا قَالَ المُصَنّف أَي مُصَنف السّلم فِيهِ أَن الْعلم من أجلى البديهيات وَإِنَّمَا اختفاء جَوْهَر ذَاته لشدَّة وضوحها كَمَا أَن من المحسوسات مَا يبلغ فِيهِ بذلك الْحَد حَتَّى يمْنَع عَن تَمام الْإِدْرَاك كَالْعلمِ فَإِنَّهُ مبدأ ظُهُور الْأَشْيَاء فَيجب أَن يكون ظَاهرا فِي نَفسه لَيْسَ فِيهِ شَرّ الظلمَة - وَلِهَذَا يفْتَقر إِلَى التَّشْبِيه لإِزَالَة خفائه وَأَنه لَيْسَ خفِيا فِي نَفسه بل لِأَن عقولنا أعجز عَن اكتناهه فَهَذَا التَّشْبِيه يشبه الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ مَاء وضع لرؤية تِمْثَال الشَّمْس انْتهى.
والذاهبون إِلَى كسبية الْعلم وَأَن كَسبه متيسر اخْتلفُوا فِي تَعْرِيفه، وَالْمُخْتَار عِنْد الْمُتَكَلِّمين أَنه صفة توجب تميز شَيْء لَا يحْتَمل ذَلِك الشَّيْء نقيض ذَلِك التميز وهم لَا يطلقون الْعلم إِلَّا على الْيَقِين كَمَا ستعرف، وَعلم الْوَاجِب عِنْد الْمُتَكَلِّمين صفة أزلية تنكشف المعلومات عِنْد تعلقهَا بهَا وتعلقات علمه تَعَالَى على نَوْــعَيْنِ كَمَا فصلنا فِي تعلقات علم الْوَاجِب تَعَالَى.
وَالْعلم عِنْد الْحُكَمَاء يتَنَاوَل الْيَقِين وَالشَّكّ وَالوهم والتقليد وَالْجهل، وَالْعلم الْمُطلق عِنْدهم أَي سَوَاء كَانَ حضوريا أَو حصوليا مُطلق الصُّورَة الْحَاضِرَة عِنْد الْمدْرك سَوَاء كَانَت نفس الْمَعْلُوم كَمَا فِي الحضوري أَو غَيره وَلَو بِالِاعْتِبَارِ كَمَا فِي الحصولي، وَسَوَاء كَانَت مُطَابقَة لما قصد تصَوره كَمَا فِي الْيَقِين أَولا كَمَا فِي الْجَهْل، وَسَوَاء احتملت الزَّوَال كَمَا فِي التَّقْلِيد وَالظَّن وَالشَّكّ وَالوهم أَولا كَمَا فِي الْيَقِين، وَسَوَاء كَانَت مرْآة لملاحظة مَا قصد تصَوره كَمَا فِي الْعلم بالكنه أَو بِالْوَجْهِ أَولا كَمَا فِي الْعلم بكنه الشَّيْء وَالْعلم بِوَجْه الشَّيْء وَالْمرَاد بالصورة الْمَاهِيّة فَإِنَّهَا بِاعْتِبَار الحضوري العلمي تسمى صُورَة وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْخَارِجِي عينــا. وَيعلم من هَذَا التَّعْرِيف عدَّة أُمُور أَحدهَا أَن الْعلم أَمر وجودي لَا عدمي لِأَن الضَّرُورَة تشهد بِأَن وَقت الانكشاف يحصل شَيْء من شَيْء لَا أَنه يَزُول مِنْهُ لكنه لم يقم عَلَيْهِ برهَان قَاطع وَثَانِيها أَنه شَامِل للحضوري والحصولي ولعلم الْوَاجِب والممكن والكليات والجزئيات فِي الْآلَات أَو فِي نفس النَّفس وَثَالِثهَا أَنه شَامِل للمذهبين فِي الجزئيات، أَحدهمَا، أَن مدركها هُوَ النَّفس وَثَانِيهمَا أَن مدركها هُوَ الْحَواس وَرَابِعهَا أَنه شَامِل لمذهبي ارتسام صور الجزئيات المادية فِي الْآلَات أَو فِي نفس النَّفس لِأَن الْمدْرك يتَنَاوَل الْمُجَرّد وَالنَّفس والحواس وَكلمَة عِنْد لعِنْد ولفي والحضور والحصول كالمترادفين.
وَالتَّحْقِيق أَن الْمدْرك لجَمِيع الْأَشْيَاء النَّفس الناطقة سَوَاء كَانَ ارتسام الصُّور فِيهَا أَو فِي غَيرهَا وَسَيَأْتِي لَك تَفْصِيل الْمذَاهب. وَالْأَحْسَن فِي التَّعْمِيم أَن نقُول سَوَاء كَانَت تِلْكَ الصُّورَة الْحَاضِرَة عِنْد الْمدْرك عين الصُّورَة الخارجية كَمَا فِي الْعلم الحضوري أَو غَيرهَا كَمَا فِي الحصولي. وَسَوَاء كَانَت عين الْمدْرك بِالْفَتْح كَمَا فِي علم الْبَارِي تَعَالَى نَفسه أَو غَيره كَمَا فِي علمه بسلسلة الممكنات، وَسَوَاء كَانَت فِي نفس النَّفس كَمَا فِي علمهَا بالكليات أَو فِي الْآلَات كَمَا فِي علمهَا بالجزئيات، وَسَوَاء كَانَت مرْآة أَو لَا فَإِن كَانَت مرْآة فالمرآة والمرئي إِن كَانَا متحدين بِالذَّاتِ ومتغائرين بِالِاعْتِبَارِ. فَعلم الشَّيْء بالكنه وَإِن كَانَا بِالْعَكْسِ فَعلم الشَّيْء بِالْوَجْهِ، وَإِن لم يكن مرْآة فالعلم بكنه الشَّيْء إِن كَانَ الْحَاصِل كنهه وَالْعلم بِوَجْه الشَّيْء إِن كَانَ الْحَاصِل وَجهه، وَالْعلم الْحَقِيقِيّ إِنَّمَا هُوَ علم الشَّيْء بالكنه لَا بِالْوَجْهِ لِأَن الْحَاصِل فِيهِ حَقِيقَة هُوَ الْوَجْه لَا الشَّيْء وَلَا تلْتَفت النَّفس إِلَى الشَّيْء فِي الْعلم بكنه الشَّيْء وَوَجهه كَمَا لَا يخفى.
وَيعلم من هَذَا الْبَيَان أَن الْعلم الْمُطلق الْمَذْكُور على نَوْــعَيْنِ النَّوْع الأول الْعلم الحضوري وَهُوَ أَن يكون الصُّورَة العلمية فِيهِ عين الصُّورَة الخارجية فَيكون الْمَعْلُوم فِيهِ بِــعَيْنِــه وذاته حَاضرا عِنْد الْمدْرك لَا بصورته ومثاله كَمَا فِي علم الْإِنْسَان بِذَاتِهِ وَصِفَاته كالصور الذهنية الْقَائِمَة بِالنَّفسِ فَإِن الْعلم بهَا إِنَّمَا هُوَ بِحُضُور ذواتها عِنْد الْمدْرك لَا بِحُصُول صورها عِنْده فَإِن النَّفس فِي إِدْرَاك الصُّور الذهنية لَا تحْتَاج إِلَى صُورَة أُخْرَى منتزعة من الأولى.
وَهَا هُنَا اعْتِرَاض مَشْهُور هُوَ أَن نفس الْعلم الحصولي علم حضوري مَعَ أَنه لَيْسَ عين الصُّورَة الخارجية وَالْحق أَن نفس الْعلم الحصولي من الموجودات الخارجية كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْعلم الحضوري فَلَا تلْتَفت إِلَى مَا أُجِيب بِأَن المُرَاد بالصورة الخارجية أَعم من الْخَارِجِي وَمِمَّا يحذو حَذْو الْوُجُود الْخَارِجِي أَي للوجود الْخَارِجِي وَلما هُوَ مماثل لَهُ جَار مجْرَاه فِي ترَتّب الْآثَار الخارجية وَلَكِن يُمكن المناقشة بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم الِاتِّحَاد بَين الحضوري والحصولي مَعَ أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِالذَّاتِ لِأَن الْعلم الحصولي حَقِيقَة نوعية محصلة عِنْدهم ذاتي لما تَحْتَهُ ومغائر للحضوري مُغَايرَة نوعية فَإِذا تعلق الْعلم بِالْعلمِ الحصولي يكون ذَلِك الْعلم عين الحضوري فَيلْزم الِاتِّحَاد بَينهمَا وَالنَّوْع الثَّانِي الْعلم الحصولي وَهُوَ الَّذِي لَا يكون إِلَّا بِحُصُول صُورَة الْمَعْلُوم فَتكون الصُّورَة العلمية فِيهِ غير الصُّورَة الخارجية وَيُقَال لَهُ الانطباعي أَيْضا كَمَا فِي إِدْرَاك الْأَشْيَاء الخارجية عَن الْمدْرك أَي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تكون عينــه وَلَا قَائِمَة بِهِ.
ثمَّ إِنَّهُم اخْتلفُوا فِي أَن الْعلم الحصولي، إِمَّا صُورَة الْمَعْلُوم الْمَوْجُودَة فِي الذِّهْن المكيفة بالعوارض الذهنية، وَإِمَّا قبُول الذِّهْن بِتِلْكَ الصُّورَة أَو إِضَافَة مَخْصُوصَة بَين الْعَالم والمعلوم فَإِن انكشاف الْأَشْيَاء عِنْد الذِّهْن فِي الْعلم الحصولي لَيْسَ قبل حُصُول صورها فِيهِ عِنْد الْحُكَمَاء الْقَائِلين بالوجود الذهْنِي فهناك أُمُور ثَلَاثَة الصُّورَة الْحَاصِلَة وَقبُول الذِّهْن بهَا من المبدأ الْفَيَّاض وَإِضَافَة مَخْصُوصَة بَين الْعَالم والمعلوم. فَذهب بَعضهم إِلَى أَن الْعلم الحصولي هُوَ الأول وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره أَن هَذَا هُوَ الْمَذْهَب الْمَنْصُور. وَوجه بِأَن الْعلم يُوصف بالمطابقة وَعدمهَا وَإِنَّمَا الْمَوْصُوف بهما الصُّورَة، وَفِي شرح الإشارات أَن من الصُّورَة مَا هِيَ مُطَابقَة للْخَارِج وَهِي الْعلم - وَمَا هِيَ غير مُطَابقَة وَهِي الْجَهْل فالسيد السَّنَد قدس سره يَجْعَل الْعلم من مقولة الكيف وينحصر الاتصاف بالمطابقة وَعدمهَا فِي الصُّورَة الَّتِي من مقولة الكيف وينكر ذَلِك الاتصاف فِي الانفعال وَالنِّسْبَة.
وَأَنت تعلم أَن عدم جَرَيَان الْمُطَابقَة فيهمَا مَمْنُوع لجَوَاز جريانها بِاعْتِبَار الْوُجُود النَّفس الأمري أَو الْخَارِجِي بِاعْتِبَار مبدأ الانتزاع وَلَو وَجه بِأَن الصِّفَات الَّتِي يَتَّصِف بهَا الْعلم مثل البداهة والنظرية والاكتساب من الْحَد والبرهان والانقسام إِلَى التَّصَوُّر والتصديق إِنَّمَا ينطبق على الصُّورَة الْحَاصِلَة لَا على الْإِضَافَة والارتسام لَكَانَ أسلم وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه هُوَ الثَّانِي فَيكون من مقولة الانفعال وَبَعْضهمْ إِلَى أَنه هُوَ الثَّالِث فَيكون من مقولة الْإِضَافَة، وَأما إِنَّه نفس حُصُول الصُّورَة فِي الذِّهْن فَلم يقل بِهِ أحد لِأَن الْعلم بِمَعْنى الْحُصُول معنى مصدري لَا يكون كاسبا وَلَا مكتسبا لِأَنَّهُ لايكون آلَة وعنوانا لملاحظة الْغَيْر كَمَا مر.
وَلِهَذَا قَالُوا إِن من عرف الْعلم بِحُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل تسَامح فِي الْعبارَة بِقَرِينَة أَنه قَائِل بِأَنَّهُ من مقولة الكيف فَعلم أَنه أَرَادَ الصُّورَة الْحَاصِلَة بِجعْل الْحُصُول بِمَعْنى الْحَاصِل وَالْإِضَافَة من قبيل جرد قطيفة لكنه قدم ذكر الْحُصُول تَنْبِيها على أَن الْعلم مَعَ كَونه صفة حَقِيقِيَّة يسْتَلْزم إِضَافَة إِلَى مَحَله بالحصول لَهُ، وَالْحَاصِل أَن الصُّورَة من حَيْثُ هِيَ هِيَ لما لم تكن علما بل إِنَّمَا الْعلم هُوَ الصُّورَة بِصفة حُصُولهَا فِي الذِّهْن حمل حُصُولهَا على الْعلم مُبَالغَة تَنْبِيها على أَن مدَار كَونهَا علما هُوَ الْحُصُول نعم لَو أخر ذكر الْحُصُول وَقَالَ هُوَ الصُّورَة الْحَاصِلَة لحصل ذَلِك التَّنْبِيه لَكِن لَا فِي أول الْأَمر وَلَا يخفى أَن تَعْرِيفه بِحُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل مَعَ ذَلِك التسامح لَيْسَ بِجَامِع لِأَن الْمُتَبَادر من صُورَة الشَّيْء الصُّورَة الْمُطَابقَة وَلَا يَشْمَل الجهليات المركبة وَهِي الِاعْتِقَاد على خلاف مَا عَلَيْهِ الشَّيْء مَعَ الِاعْتِقَاد بِأَنَّهُ حق وَلِأَنَّهُ يخرج عَنهُ الْعلم بالجزئيات المادية عِنْد من يَقُول بارتسام صورها فِي القوى أَو الْآلَات دون نفس النَّفس.
وَالْعلم فِي فواتح كتب الْمنطق المنقسم إِلَى التَّصَوُّر والتصديق هُوَ الْعلم الحصولي لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن يكون لَهُ دخل فِي الاكتسابات التصورية والتصديقية واختصاص بهَا وَإِنَّمَا هُوَ الْعلم الحصولي وَلذَا قَالَ الْعَلامَة الرَّازِيّ فِي الرسَالَة المعمولة فِي التَّصَوُّر والتصديق أَن الْعلم الَّذِي هُوَ مورد الْقِسْمَة إِلَى التَّصَوُّر والتصديق هُوَ الْعلم المتجدد وَالْمرَاد بالمتجدد علم يتَحَقَّق كل فَرد مِنْهُ بعد تحقق الْمَوْصُوف بعدية زمانية وَهُوَ لَيْسَ إِلَّا الْعلم الحصولي، والحضوري وَإِن كَانَ بعض أَفْرَاده كَالْعلمِ الْمُتَعَلّق بالصورة العلمية متحققا بعد تحقق الْمَوْصُوف لَكِن جَمِيع أَفْرَاده لَيْسَ كَذَلِك فَإِن علم المجردات بذواتها وصفاتها حضوري وَهِي علل لعلومها وَلَا تنفك علومها عَنْهَا فَلَيْسَ بَين علومها ومعلوماتها بعدية زمانية وتعريفه الأشمل للجهليات وللمذهبين فِي الْعلم بالأشياء والأسلم عَن ارْتِكَاب الْمجَاز الصُّورَة الْحَاصِلَة من الشَّيْء عِنْد الْعقل.
وَإِن أردْت توضيح هَذَا التَّعْرِيف وتحقيقه وتنقيحه ودرجة كَونه أشمل وَأسلم من تَعْرِيفه بِأَنَّهُ حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل مَعَ أَن فِي هَذَا التَّعْرِيف ارْتِكَاب إِضَافَة الصّفة إِلَى الْمَوْصُوف كَمَا مر بِخِلَاف التَّعْرِيف الْمَذْكُور فاستمع لما يَقُول هَذَا الْغَرِيب الْقَلِيل البضاعة أَن المُرَاد بالصورة إِمَّا نفس مَاهِيَّة الْمَعْلُوم أَي الْمَوْجُود الذهْنِي الَّذِي لَا تترتب عَلَيْهِ الْآثَار الخارجية فَإِن الْمَاهِيّة بِاعْتِبَار الْحُضُور العلمي تسمى صُورَة وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْــعَيْنِــيّ أَي الْخَارِجِي تسمى عينــا أَو المُرَاد بهَا ظلّ الْمَعْلُوم وشبحه الْمُخَالف لَهُ بِالْحَقِيقَةِ على اخْتِلَاف فِي الْعلم بالأشياء.
فَإِن الْمُحَقِّقين على أَن الْعلم بالأشياء بِأَعْيَانِهَا وَغَيرهم على أَنه بإظلالها وأشباحها الْمُخَالفَة لَهَا بالحقائق وعَلى الأول مَا هُوَ الْحَاصِل فِي الْعقل علم من حَيْثُ قِيَامه بِهِ وَمَعْلُوم بِالنّظرِ إِلَى ذَاته وعَلى الثَّانِي صُورَة الشَّيْء وظله علم وَذُو الصُّورَة مَعْلُوم وَمعنى علم الْأَشْيَاء بِأَعْيَانِهَا أَن مَا فِي الذِّهْن لَو وجد فِي الْخَارِج متشخصا بتشخص زيد مثلا لَكَانَ عين زيد وبتشخص عَمْرو لَكَانَ عين عَمْرو. وَالْحَاصِل من الْحَاصِل فِي الذِّهْن نفس الْمَاهِيّة بِحَيْثُ إِذا وجد فِي الْخَارِج كَانَ عين الْــعين وَبِالْعَكْسِ لَكِن هَذَا وجود ظِلِّي وَفِي الْخَارِج وجود أُصَلِّي وللكل أَحْكَام على حِدة وَلَا أَن مَا فِي الْخَارِج مَوْجُود فِي الذِّهْن بِــعَيْنِــه حَتَّى يلْزم كَون الْوَاحِد بالشخص سَوَاء كَانَ جوهرا أَو عرضا فِي مكانين فِي آن وَاحِد وَهُوَ محَال.
والوجود العلمي يُسمى وجودا ذهنيا وظليا وَغير أصيل أما تَسْمِيَته بالوجود الظلي على الْمَذْهَب الثَّانِي فَظَاهر، وَأما على الْمَذْهَب الأول فَلِأَن مُرَادهم أَنه وجود كوجود الظل فِي انْتِفَاء الْآثَار الخارجية المختصة بالوجود الْخَارِجِي كَمَا أَن الْوُجُود فِي مَا وَرَاء الذِّهْن يُسمى وجودا عينــيا وأصيليا وخارجيا. فَإِن قيل إِن الْعلم بالأشياء بِأَعْيَانِهَا مُمْتَنع فَإِنَّهُ يسْتَلْزم كَون الذِّهْن حارا بَارِدًا مُسْتَقِيمًا معوجا عِنْد تصور الْحَرَارَة والبرودة والاستقامة والاعوجاج لِأَنَّهُ إِذا تصورت الْحَرَارَة تكون الْحَرَارَة حَاصِلَة فِي الذِّهْن وَلَا معنى للحار إِلَّا مَا قَامَت بِهِ الْحَرَارَة وَقس عَلَيْهِ الْبُرُودَة وَغَيرهَا وَهَذِه الصِّفَات منفية عَن الذِّهْن بِالضَّرُورَةِ وَأَيْضًا إِن حُصُول حَقِيقَة الْجَبَل وَالسَّمَاء مَعَ عظمها فِي الذِّهْن مِمَّا لَا يعقل قُلْنَا الْحَاصِل فِي الذِّهْن صُورَة وماهية مَوْجُودَة بِوُجُود ظِلِّي لَا بهوية عَيْنِــيَّة مَوْجُودَة بِوُجُود أصيل والحار مَا تقوم بِهِ هوية الْحَرَارَة أَي ماهيتها الْمَوْجُودَة بِوُجُود عَيْنــي لَا مَا تقوم بِهِ الْحَرَارَة الْمَوْجُودَة بِوُجُود ظِلِّي فَلَا يلْزم اتصاف الذِّهْن بِتِلْكَ الصِّفَات المنفية عَنهُ والممتنع فِي الذِّهْن حُصُول هوية الْجَبَل وَالسَّمَاء وَغَيرهمَا من الْأَشْيَاء فَإِن ماهياتها مَوْجُودَة بِوُجُود خارجي يمْتَنع أَن يحصل فِي أذهاننا وَأما مفهوماتها الْكُلية وماهياتها الْمَوْجُودَة بالوجودات الظلية فَلَا يمْتَنع حُصُولهَا فِي الذِّهْن إِذْ لَيست مَوْصُوفَة بِصِفَات تِلْكَ الهويات لَكِن تِلْكَ الماهيات بِحَيْثُ لَو وجدت فِي الْخَارِج متشخصة بتشخص جبل الطّور وسماء الْقَمَر مثلا لكَانَتْ بِــعَينــهَا جبل طور وسماء قمر وَلَا نعني بِعلم الْأَشْيَاء بِأَعْيَانِهَا إِلَّا هَذَا.
وَالْحَاصِل أَن للموجود فِي الذِّهْن وجودا ظليا وَلذَلِك الْمَوْجُود فِي الْخَارِج وجود أُصَلِّي وَلكُل أَحْكَام على حِدة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ آنِفا وَالْمرَاد بِكَوْن الصُّورَة حَاصِلَة من الشَّيْء أَنَّهَا ناشئة مِنْهُ مُطَابقَة لَهُ أَو لَا بِخِلَاف صُورَة الشَّيْء فَإِن المُرَاد مِنْهَا الصُّورَة الْمُطَابقَة للشَّيْء لِأَن الْمُتَبَادر من إِضَافَة الصُّورَة إِلَى الشَّيْء مطابقتها لَهُ فتعريفه بِحُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل لَا يَشْمَل الجهليات المركبة بِخِلَاف التَّعْرِيف الْمَذْكُور كَمَا عرفت.
ثمَّ ننقل مَا حررنا فِي تعليقاتنا على حَوَاشِي عبد الله اليزدي على تَهْذِيب الْمنطق تَحْقِيقا للمرام وتفصيلا للمقام أَن الْعقل المرادف للنَّفس الناطقة هُوَ جَوْهَر مُجَرّد عَن الْمَادَّة فِي ذَاته لَا فِي فعله وَالْعقل الَّذِي هُوَ مرادف الْملك جَوْهَر مُجَرّد فِي ذَاته وَفِي فعله. وَقد يُطلق على الْقُوَّة المدركة وَالْمرَاد بِهِ هَا هُنَا أما الأول أَو الثَّالِث. فَإِن قيل، على أَي حَال يخرج علم الله الْوَاجِب المتعال لعدم إِطْلَاق الْعقل عَلَيْهِ تَعَالَى، قُلْنَا، المُرَاد بِهِ هَاهُنَا الْمدْرك والمجرد وَقيل الْمَقْصُود تَعْرِيف الْعلم الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ الِاكْتِسَاب أَي مَا يكون كاسبا أَو مكتسبا وَعلمه تَعَالَى لكَونه حضوريا منزه عَن ذَلِك فَلَا بَأْس بِخُرُوجِهِ لعدم دُخُوله فِي الْمُعَرّف فَإِن قيل قواعدهم كُلية عَامَّة وَهَذَا التَّخْصِيص يُنَافِي تَعْمِيم قواعدهم قُلْنَا تَعْمِيم الْقَوَاعِد إِنَّمَا هُوَ بِحَسب الْحَاجة فَهَذَا التَّخْصِيص لَا يُنَافِي التَّعْمِيم الْمَقْصُود وَإِن كَانَ منافيا لمُطلق التَّعْمِيم فَلَا ضير وَقَوْلهمْ عِنْد الْعقل يعم المذهبين دون فِي الْعقل.
وتوضيحه أَن الْمُحَقِّقين اتَّفقُوا على أَن الْمدْرك للكليات والجزئيات المادية وَغَيرهَا هُوَ النَّفس الناطقة، وعَلى أَن نِسْبَة الْإِدْرَاك إِلَى قواها كنسبة الْقطع إِلَى السكين لَا أَن مدرك الكليات هُوَ النَّفس الناطقة ومدرك الجزئيات هُوَ الْآلَات كَمَا ذهب إِلَيْهِ الْمُتَأَخّرُونَ. ثمَّ بعد هَذَا الِاتِّفَاق اتَّفقُوا على أَن صور الكليات والجزئيات الْغَيْر المادية كمحبة عَمْرو وعداوة زيد ترتسم فِي النَّفس الناطقة وَاخْتلفُوا فِي أَن صور الجزئيات المادية ترتسم فِيهَا أَو فِي آلاتها. فَقَالَ بَعضهم إِنَّهَا ترتسم فِي آلاتها دون نَفسهَا لِأَن الصُّور الشخصية الجسمانية منقسمة فَلَو ارتسمت فِي النَّفس الناطقة لانقسمت بانقسامها لِأَن انقسام الْحَال يسْتَلْزم انقسام الْمحل وَهُوَ بَاطِل لِأَن النَّفس الناطقة بسيطة كَمَا تقرر فِي مَوْضِعه، وَيرد عَلَيْهِم أَن تِلْكَ الصُّور المرتسمة فِي الْآلَات عُلُوم بِنَاء على التَّعْرِيف الْمَذْكُور وَأَن الْمدْرك هُوَ الْعقل فَيلْزم أَن لَا يكون مَا قَامَ بِهِ الْعلم عَالما وَأَن يكون مَا لم يقم بِهِ الْعلم عَالما وَكِلَاهُمَا خلف، وَأَيْضًا الْمَانِع من الارتسام فِي النَّفس الناطقة هُوَ الانقسام إِلَى الْأَجْزَاء المتبائنة فِي الْوَضع لَا مُطلق الانقسام وَذَلِكَ من تَوَابِع الْوُجُود الْخَارِجِي وخواصه فَلَا يلْزم الْفساد من ارتسامها وَلَو كَانَت صور الجزئيات الجسمانية على طبق تِلْكَ الجزئيات فِي الانقسام والصغر وَالْكبر لَا متنع ارتسامها فِي الْآلَات أَيْضا كَنِصْف السَّمَاء وَالْجِبَال والأودية وأمثالها. وَقَالَ بَعضهم أَن صور الجزئيات المادية كصورة زيد ترتسم فِي النَّفس الناطقة وَهِي مدركة للأشياء كلهَا إِلَّا أَن إِدْرَاكهَا للجزئيات المادية أَي الجسمانية بِوَاسِطَة الْآلَات لَا بذاتها وَذَلِكَ لَا يُنَافِي ارتسام الصُّور فِيهَا، ودليلهم الوجدان الْعَام بِأَنا إِذا رَجعْنَا إِلَى الوجدان علمنَا أَن لأنفسنا عِنْد إِدْرَاكهَا للجزئيات المادية حَالَة إدراكية انكشافية لم تكن حَاصِلَة قبل ذَلِك الْإِدْرَاك. فَإِن قيل إِن معنى عِنْد هُوَ الْمَكَان الْقَرِيب من الشَّيْء فَكيف يتَنَاوَل مَا ارتسم فِي النَّفس فَكَمَا أَن فِي الْعقل لَا يَشْمَل المذهبين كَذَلِك عِنْد الْعقل لَا يَشْمَل صور الكليات والجزئيات الْغَيْر المادية لحصولها فِي الْعقل دون مَكَان قريب مِنْهُ. وَأجِيب عَنهُ بِأَن كلمة عِنْد بِحَسب الْعرف لاخْتِصَاص شَيْء بمدخولها كَمَا يُقَال هَذِه الْمَسْأَلَة كَذَا عِنْد فلَان أَي لَهَا اخْتِصَاص بِهِ. وَلَا شكّ أَن للصورة الْحَاصِلَة اخْتِصَاص بِالْعقلِ من جِهَة الْإِدْرَاك لِأَنَّهُ الْمدْرك للصورة فَيتَنَاوَل مَا ارتسم فِي النَّفس والآلات فَثَبت أَن عِنْد الْعقل يَشْمَل المذهبين دون فِي الْعقل لاخْتِصَاص كلمة فِي بالداخل. وَالْحمل على التَّوَسُّع بِحَيْثُ يتَنَاوَل الْحَاصِل فِي الْآلَات أَيْضا يدْفع الْمَحْذُور لكنه خلاف الظَّاهِر ومدار الْكَلَام على مُحَافظَة الظَّاهِر ورعاية الْمُتَبَادر فعلى هَذَا الْجَواب الْمَذْكُور إِنَّمَا يجدي نفعا لَو كَانَ عِنْد مَعَ رِعَايَة مَعْنَاهُ الْمُتَبَادر متناولا للمذهبين دونه فِي فِي - وَلَيْسَ كَذَلِك لما مر آنِفا.
ثمَّ اعْلَم أَن الصُّورَة من مقولة الكيف لكَونهَا عرضا لَا يَقْتَضِي لذاته قسْمَة وَلَا نِسْبَة فَيكون الْعلم الْمَعْرُوف بالصورة الْمَذْكُور من مقولة الكيف وَهُوَ الْمَذْهَب الْمَنْصُور كَمَا مر وَلَعَلَّ من ذهب إِلَى أَنه من مقولة الانفعال يَقُول بِأَنَّهُ من مقولة الكيف أَيْضا لَكِن لما كَانَ الْعلم أَي الصُّورَة الْمَذْكُورَة حَاصِلا بالانفعال أَي بانتقاش الذِّهْن بالصورة الناشئة من الشَّيْء وقبوله إِيَّاهَا قَالَ إِنَّه من مقولة الانفعال مُبَالغَة وتنبيها على أَن حُصُول الْعلم بالانفعال لَا بِغَيْرِهِ. وَاعْترض بِأَن الكيف من الموجودات الخارجية لِأَن الموجودات الخارجية تَنْقَسِم إِلَى الْجَوَاهِر الْخَمْسَة والأعراض التِّسْعَة فَكيف تكون الصُّورَة الذهنية أَي الْعلم من مقولة الكيف وَالْجَوَاب أَن الْعلم من الموجودات الخارجية والمعلوم من الموجودات الذهنية كَمَا مر. وَأجَاب عَنهُ جلال الْعلمَاء فِي الْحَوَاشِي الْقَدِيمَة على الشَّرْح الْجَدِيد للتجريد فِي مَبْحَث الْوُجُود الذهْنِي أَن عدهم إِيَّاهَا كيفا على سَبِيل الْمُسَامحَة وتشبيه الْأُمُور الذهنية بالأمور الــعينــية فعلى هَذَا يكون الْعلم من الموجودات الذهنية.
فَإِن قيل الْأَشْيَاء حَاصِلَة فِي الذِّهْن بأنفسها فَيجب أَن يكون الْعلم بالجواهر جوهرا وبالكم كَمَا وبالكيف كيفا وَهَكَذَا وَلَا يُمكن أَن يكون من مقولة الكيف مُطلقًا قُلْنَا أجَاب شَارِح التَّجْرِيد بِالْفرقِ بَين الْقيام والحصول بِأَن حُصُول الشَّيْء فِي الذِّهْن لَا يُوجب اتصاف الذِّهْن وقيامه بِهِ كحصول الشَّيْء فِي الزَّمَان وَالْمَكَان فَمَا هُوَ جَوْهَر حَاصِل فِي الذِّهْن وموجود فِيهِ وَمَا هُوَ عرض وَكَيف قَائِم بِهِ وموجود فِي الْخَارِج وَكَون الْأَشْيَاء حَاصِلَة فِي الذِّهْن بأنفسها بِالْمَعْنَى الَّذِي ذكرنَا آنِفا لَا يُنَافِي هَذَا الْفرق وَمَا فِي هَذَا الْجَواب سيتلى عَلَيْك. وَالشَّيْخ أورد فِي الهيات الشِّفَاء إشكالين أَحدهمَا أَن الْعلم هُوَ المكتسب من صور الموجودات مُجَرّدَة عَن موادها وَهِي صور جَوَاهِر وإعراض فَإِن كَانَت صور الْإِعْرَاض إعْرَاضًا فصور الْجَوَاهِر كَيفَ تكون إعْرَاضًا فَإِن الْجَوْهَر لذاته جَوْهَر فماهيته لَا تكون فِي مَوْضُوع الْبَتَّةَ وماهيته مَحْفُوظَة سَوَاء نسبت إِلَى إِدْرَاك الْعقل لَهَا أَو نسبت إِلَى الْوُجُود الْخَارِجِي.
فَنَقُول إِن مَاهِيَّة الْجَوْهَر جَوْهَر بِمَعْنى أَنه الْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان لَا فِي مَوْضُوع وَهَذِه الصّفة مَوْجُودَة لماهية الْجَوْهَر المعقولة فَإِنَّهَا مَاهِيَّة شَأْنهَا أَن تكون مَوْجُودَة فِي الْأَعْيَان لَا فِي مَوْضُوع أَي إِن وجدت فِي الْأَعْيَان وجدت لَا فِي مَوْضُوع وَأما وجوده فِي الْعقل بِهَذِهِ الصّفة فَلَيْسَ ذَلِك فِي حَده من حَيْثُ هُوَ جَوْهَر أَي لَيْسَ حدا لجوهر أَنه فِي الْعقل لَا فِي مَوْضُوع بل حَده أَنه سَوَاء كَانَ فِي الْعقل أَو لم يكن فَإِن وجوده لَيْسَ فِي مَوْضُوع انْتهى.
وَحَاصِل الْجَواب أَنه لَا إِشْكَال فِي كَون الشي الْوَاحِد جوهرا وعرضا باعتبارين وتغاير وجودين فَإِن الْجَوْهَر على مَا عرف ماهيته إِذا وجدت فِي الْخَارِج كَانَت لَا فِي مَوْضُوع وَالْعرض هُوَ الْمَوْجُود فِي الْمَوْضُوع فالصورة الجوهرية لكَونهَا بِحَيْثُ إِذا وجدت فِي الْخَارِج كَانَت لَا فِي مَوْضُوع جَوْهَر وَمن حَيْثُ إِنَّهَا مَوْجُودَة فِي الْمَوْضُوع عرض وَأَنت تعلم أَن بَين الْجَوْهَر وَالْعرض تباينا وتغايرا ذاتيا لَا اعتباريا.
وَأَيْضًا اعْترض الزَّاهِد فِي حَوَاشِيه على الرسَالَة القطبية المعمولة حَيْثُ قَالَ لَا يخفى عَلَيْك أَن القَوْل بعرضية الصُّورَة الجوهرية منَاف لحصر الْعرض فِي المقولات التسع لِأَن المقولات أَجنَاس عالية متبائنة بِالذَّاتِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مُرَادهم حصر الْأَعْرَاض الْمَوْجُودَة فِي الْخَارِج انْتهى. وَقَالَ فِي الْهَامِش قَوْله اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن هَذَا الْجَواب غير تَامّ وَذَلِكَ لِأَن التَّحْقِيق عِنْدهم أَن الْإِضَافَة وَغَيرهَا من المقولات التسع لَيست مَوْجُودَة فِي الْخَارِج وَالصَّوَاب فِي الْجَواب أَن يُقَال مُرَادهم حصر الْأَعْرَاض الْمَوْجُودَة فِي نفس الْأَمر. وَالْمَوْجُود فِيهَا هَاهُنَا أَمْرَانِ الْحَقِيقَة العلمية والحقيقة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن من حَيْثُ هِيَ وكل مِنْهُمَا مندرج فِي مقولة. الأولى من مقولة الكيف، وَالثَّانيَِة فِي مقولة أُخْرَى من مقولة الْجَوْهَر وَغَيرهَا، وَأما الْحَقِيقَة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن من حَيْثُ إِنَّهَا مكيفة بالعوارض الذهنية بِأَن يكون التَّقْيِيد دَاخِلا والقيد خَارِجا أَو بِأَن يكون كل مِنْهُمَا دَاخِلا أَي الْمركب من الْعَارِض والمعروض فَلَا شكّ أَنَّهَا من الاعتبارات الذهنية وَلَيْسَ لَهَا وجود فِي نفس الْأَمر انْتهى. ضَرُورَة أَن التَّقْيِيد أَمر اعتباري فَكَذَا مَا هُوَ مركب مِنْهُ فَافْهَم. وَثَانِيهمَا أَنه إِذا حصلت حَقِيقَة جوهرية فِي الذِّهْن كَانَت تِلْكَ الْحَقِيقَة علما وعرضا فَيلْزم أَن يكون شَيْء وَاحِد علما ومعلوما وجوهرا وعرضا. وَأجَاب شَارِح التَّجْرِيد بِالْفرقِ بَين الْقيام والحصول إِلَى آخر مَا ذكرنَا آنِفا وَاعْترض عَلَيْهِ الزَّاهِد حَيْثُ قَالَ وَحَاصِله كَمَا يظْهر بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِق أَن الْقَائِم بالذهن شبح الْمَعْلُوم ومثاله وَالْحَاصِل فِيهِ عين الْمَعْلُوم وَنَفسه فَهُوَ جمع بَين المذهبين انْتهى. ثمَّ اعْلَم أَن للزاهد فِي هَذَا الْمقَام فِي تصنيفاته تَحْقِيقا تفرد بِهِ فِي زَعمه وتفاخر بِهِ فِي ظَنّه وَتكلم عَلَيْهِ أَبنَاء الزَّمَان وجرحه بعض فضلاء الدوران وَأَنا شمرت بِقدر الوسع فِي تحريره وتفصيل مجملاته وَإِظْهَار مقاصده وإبراز مضمراته بعد إتْيَان كَلَامه ليظْهر على الناظرين علو مرامه.
فَأَقُول إِنَّه قَالَ فِي حَوَاشِيه على حَوَاشِي جلال الْعلمَاء على تَهْذِيب الْمنطق. اعْلَم أَن للْعلم مَعْنيين. الأول الْمَعْنى المصدري، وَالثَّانِي الْمَعْنى الَّذِي بِهِ الانكشاف. وَالْأول حُصُول الصُّورَة وَالثَّانِي هِيَ الصُّورَة الْحَاصِلَة وَلَا شكّ أَن الْغَرَض العلمي لم يتَعَلَّق بِالْأولِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كاسبا وَلَا مكتسبا فَالْمُرَاد بِحُصُول الصُّورَة هَاهُنَا الصُّورَة الْحَاصِلَة على سَبِيل الْمُسَامحَة هَذَا مَا ذهب إِلَيْهِ النّظر الْجَلِيّ. ثمَّ النّظر الدَّقِيق يحكم بِأَن المُرَاد بِحُصُول الصُّورَة الْمَعْنى الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ وَحَقِيقَته مَا يعبر عَنهُ بِالْفَارِسِيَّةِ (بدانش) وَهِي حَالَة إدراكية يتَحَقَّق عِنْد حُصُول الشَّيْء فِي الذِّهْن تِلْكَ الْحَالة الإدراكية تصدق على الْأَشْيَاء الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن صدقا عرضيا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذا حصل فِي الذِّهْن شَيْء يحصل لَهُ وصف يحمل ذَلِك الْوَصْف عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُ صُورَة علمية وَهَذَا الْمَحْمُول لَيْسَ نفس الْمَوْضُوع وَإِلَّا لَكَانَ مَحْمُولا عَلَيْهِ حَال كَونه فِي الْخَارِج ضَرُورَة أَن الذَّات والذاتي لَا يَخْتَلِفَانِ باخْتلَاف الْوُجُود فَهَذَا الْحمل من قبيل حمل الْكَاتِب على الْإِنْسَان فالعرضي من مقولة الكيف سَوَاء كَانَ معروضه من هَذِه المقولة أَو من مقولة أُخْرَى انْتهى.
فَأَقُول مستــعينــا بِاللَّه الْملك العلام، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى الْحق فِي كل مقصد ومرام، أَن فِي تَحْقِيق الْعلم نظرين نظر جلي فويق، وَنظر دَقِيق خَفِي عميق. وبالقبول حري وحقيق، وَعَن الجروح الْمَذْكُورَة سليم وعتيق. أما الأول فَهُوَ أَن الْعلم هُوَ الصُّورَة الْحَاصِلَة والتعريف الْمَشْهُور أَعنِي حُصُول صُورَة الشَّيْء المُرَاد بِهِ الصُّورَة الْحَاصِلَة على الْمُسَامحَة لَا الْمَعْنى المصدري إِذْ لَا يتَعَلَّق بِهِ الْغَرَض العلمي لِأَنَّهُ لَا يكون كاسبا وَلَا مكتسبا كَمَا مر وَحِينَئِذٍ يرد الإشكالات الْمَذْكُورَة فَيحْتَاج فِي دَفعهَا إِلَى أجوبة لَا تَخْلُو عَن إِيرَاد كَمَا لَا يخفى وَأما الثَّانِي فَهُوَ أَن الْعلم هُوَ الْوَصْف الْعَارِض للصورة الْمَحْمُول عَلَيْهَا حملا عرضيا لَا ذاتيا وَحِينَئِذٍ لَا إِشْكَال وَلَا إِيرَاد.
وتفصيل هَذَا الْمُجْمل أَنَّك قد علمت فِيمَا مر أَن الْأَشْيَاء بعد حُصُولهَا فِي الأذهان تسمى صورا فَأَقُول إِنَّه يحصل لتِلْك الصُّور فِي الأذهان وصف لَيْسَ بحاصل لَهَا وَقت كَونهَا فِي الْأَعْيَان وَذَلِكَ الْوَصْف هُوَ الْحَالة الإدراكية أَي كَيْفيَّة كَون تِلْكَ الصُّور مدركة ومنكشفة وَهَذَا الْوَصْف هُوَ الْعلم وَإِذا حصل للصور الذهنية هَذَا الْوَصْف أَي الْحَالة الإدراكية يحصل بِسَبَب هَذَا الْوَصْف وصف آخر لتِلْك الصُّور وَهُوَ كَونهَا صورا علمية وَذَلِكَ الْوَصْف الَّذِي هُوَ الْعلم حَقِيقَة يحمل على الشَّيْء الْحَاصِل فِي الذِّهْن حملا عرضيا وَيصدق عَلَيْهِ صدقا عرضيا فَيُقَال للصورة الإنسانية مثلا علم وَكَذَا يُقَال عَلَيْهَا إِنَّهَا صُورَة علمية وَلَيْسَ كل من هذَيْن المحمولين نفس الْمَوْضُوع وَإِلَّا لَكَانَ مَحْمُولا عَلَيْهِ حَال كَونه فِي الْخَارِج ضَرُورَة أَن الذَّات والذاتي لَا يَخْتَلِفَانِ باخْتلَاف الْوُجُود فَهَذَا الْحمل من قبيل حمل الْكَاتِب على الْإِنْسَان فالعارض من مقولة الكيف سَوَاء كَانَ معروضه من هَذِه المقولة أَو من مقولة أُخْرَى.
فَالْحَاصِل أَن الْعلم بِحَسب الْحَقِيقَة لَيْسَ نفس الْحَاصِل فِي الذِّهْن بل عَارض لَهُ وَإِطْلَاق الْعلم على الْحَاصِل فِي الذِّهْن من قبيل إِطْلَاق الْعَارِض على المعروض مثل طَلَاق الضاحك على الْإِنْسَان فالعارض الَّذِي هُوَ الْعلم كَيفَ يصدق عَلَيْهِ رسمه والمعروض تَابع للموجود الْخَارِجِي فِي الجوهرية والكيفية وَغَيرهمَا لاتحاده مَعَه وَبِهَذَا التَّحْقِيق ينْحل كثير من الإشكالات الْمَذْكُورَة.
وَأَيْضًا ينْدَفع الْإِشْكَال الْمَشْهُور فِي التَّصَوُّر والتصديق وَهُوَ أَن الْمُحَقِّقين ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِحَسب الْحَقِيقَة وَإِذا تعلق التَّصَوُّر بالتصديق يلْزم اتحادهما لِاتِّحَاد الْعلم والمعلوم وَحَاصِل الدّفع أَن التَّصَوُّر والتصديق قِسْمَانِ لما هُوَ علم بِحَسب الْحَقِيقَة لَا لما صدق هُوَ عَلَيْهِ وَالْعلم الَّذِي هُوَ عين الْمَعْلُوم هُوَ مَا يصدق عَلَيْهِ الْعلم أَي مَا هُوَ حَاصِل فِي الذِّهْن وَإِن تَأَمَّلت فِيمَا حررنا ينْدَفع مَا قيل إِن قَوْله فَيُقَال لَهُ صُورَة علمية يشْعر بِأَن الْحَالة الإدراكية الَّتِي هِيَ علم بِالْحَقِيقَةِ هِيَ الْوَصْف أَي هَذَا الْمَحْمُول أَعنِي كَونهَا صُورَة علمية، وَلَا يخفى مَا فِيهِ لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ مَفْهُوم لفظ هَذَا الْمَحْمُول فَظَاهر أَنه لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ من الكيفيات النفسانية العلمية، وَإِن أَرَادَ مصداقه فَهُوَ الصُّورَة الْحَاصِلَة فَهَذَا هُوَ الَّذِي فر عَنهُ.
وتوضيح الدّفع أَن هَاهُنَا وصفين متغائرين أَحدهمَا الْحَالة الإدراكية وَهِي علم فِي الْحَقِيقَة وَثَانِيهمَا كَون الْحَاصِل فِي الذِّهْن صُورَة علمية وَلَيْسَ أَحدهمَا عين الآخر نعم إِذا حصلت الْحَالة الإدراكية أَي الصّفة الأولى للصورة فِي الذِّهْن يحصل لتِلْك الصُّورَة بِسَبَب الصّفة الأولى صفة أُخْرَى وَهُوَ كَونهَا صُورَة علمية فالفاء فِي قَوْله فَيُقَال للتفريع والتعقيب أَي بعد حمل ذَلِك الْوَصْف الأول على الشَّيْء الْحَاصِل فِي الذِّهْن يُقَال لَهُ صُورَة علمية أَي يحمل هَذَا الْوَصْف الثَّانِي على ذَلِك الشَّيْء. فَإِن قلت الْمَقْصُود إِثْبَات زِيَادَة الْوَصْف الأول وعرضيته أَي الْكَيْفِيَّة الإدراكية الَّتِي هِيَ الْعلم وَلَا فَائِدَة فِي إِثْبَات الْوَصْف الثَّانِي وزيادته وعروضه مَعَ أَنه لَيْسَ بِعلم نعم لَكِن لما كَانَ إِثْبَات زِيَادَة الْوَصْف الثَّانِي وعرضيته توجب زِيَادَة الْوَصْف الأول وعرضيته لِأَن الْوَصْف الثَّانِي وَهُوَ كَون الْحَاصِل فِي الذِّهْن صُورَة علمية من لَوَازِم الْوَصْف الأول أَعنِي الْحَالة الإدراكية تعرض لإِثْبَات الْوَصْف الثَّانِي وزيادته وعرضيته. وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْوَصْف الثَّانِي من لَوَازِم الْوَصْف الأول لِأَن الْوَصْف الثَّانِي اللَّازِم مُنْتَفٍ فِي ظرف الْخَارِج لِأَن الشَّيْء فِي الْخَارِج لَا تطلق عَلَيْهِ الصُّورَة العلمية فالوصف الأول الْمَلْزُوم أَيْضا يكون منتفيا عَنهُ فِي الْخَارِج.
وَبَقِي هَاهُنَا اعْتِرَاض قوي تَقْرِيره أَن قَوْله يصدق إِلَى آخِره وَقَوله حصل إِلَى آخِره وَقَوله فالعرض من مقولة الكيف إِلَى آخِره نُصُوص وشواهد على أَن الْحَالة الإدراكية من عوارض الصُّورَة الْحَاصِلَة ومحمولاتها وصفاتها مَعَ أَنَّهَا الْعلم حَقِيقَة فَيلْزم أَن يكون كل وَاحِد مِنْهَا عَالما حَقِيقَة لِأَن الْعَالم وكل مُشْتَقّ مِنْهُ يصدق على مَا قَامَ بِهِ مبدؤه ومأخذه وَهُوَ هَاهُنَا الصُّورَة الْحَاصِلَة فَتكون هِيَ عَالِمَة حَقِيقَة لَا النَّفس الناطقة الإنسانية اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يُقَال إِن الْكَيْفِيَّة الإدراكية إِذا حصلت حصلت لَهَا جهتان جِهَة النِّسْبَة إِلَى النَّفس الناطقة وجهة النِّسْبَة إِلَى الصُّورَة الْحَاصِلَة كَمَا أَن للمصدر الْمُتَعَدِّي حِين حُصُوله نسبتان نِسْبَة إِلَى الْفَاعِل وَنسبَة إِلَى الْمَفْعُول كالضرب فَإِن لَهُ علاقَة بالضارب بالصدور وبالمضروب بالوقوع. والمصدر حَقِيقَة من عوارض الْفَاعِل وَمن صِفَاته فَإِن الضَّرْب حَقِيقَة صفة الضَّارِب لَكِن لَا بعد فِي أَن يعد من صِفَات الْمَفْعُول مجَازًا نظرا إِلَى العلاقة الثَّانِيَة فَيُقَال إِن الضَّرْب صفة الْمَضْرُوب كَمَا أَنه صفة الضَّارِب وَإِن كَانَ أَحدهمَا حَقِيقَة وَالْآخر تجوزا. وَلَا مشاحة أَيْضا فِي أَن يُقَال إِن الْمصدر مَحْمُول على الْمَفْعُول فِي ضمن مُشْتَقّ من مشتقاته فَإِن الضَّرْب مَحْمُول على الْمَفْعُول بِاعْتِبَار أَن مشتقا من مشتقاته مَحْمُول عَلَيْهِ.
وَحَاصِل هَذَا الْجَواب أَنه لَا بَأْس بِكَوْن الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن عَالِمَة وَيُمكن أَن يُقَال إِن الْعلم وصف للصورة الْحَاصِلَة بِحَال متعلقها لَا بِحَال نَفسهَا فَلَا يلْزم من كَون الْعلم وَصفا للصورة ومحمولا عَلَيْهَا كَونه وَصفا لَهَا على وزن الْمَوْصُوف بِحَال الْمَوْصُوف، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن الْعلم وصف الصُّورَة بِحَال متعلقها لِأَن معنى الْحَالة الإدراكية الَّتِي هِيَ الْعلم حَقِيقَة حَالَة إِدْرَاك النَّفس الناطقة للصورة الْحَاصِلَة فِيهَا فَهِيَ وصف النَّفس بِحَال نَفسهَا وَالصُّورَة بِحَال متعلقها الَّذِي هُوَ النَّفس الناطقة المدركة لَهَا. والمشتق الْمَبْنِيّ للْفَاعِل إِنَّمَا يصدق على مَا قَامَ بِهِ المأخذ، والمشتق الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول إِنَّمَا يصدق على مَا قَامَ بِهِ المأخذ الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول. أَلا ترى أَن الضَّارِب لَا يصدق على مَا قَامَ بِهِ الضَّرْب الْمَبْنِيّ للْمَفْعُول. والمضروب لَا يصدق على مَا قَامَ بِهِ الضَّرْب الْمَبْنِيّ للْفَاعِل. هَذَا مَا خطر بالبال، وَلَا يخفى مَا فِيهِ من الأشكال، لِأَن الْمُتَبَادر من الْإِدْرَاك الْمصدر الْمَبْنِيّ للْفَاعِل وَفِيه مَا فِيهِ أَيْضا وَلَعَلَّ الله يحدث بعد ذَلِك أمرا.
وَلَا يخفى على الذكي الوكيع مَا يرد على الزَّاهِد من الأبحاث القوية أَحدهَا أَن الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ يكون مُؤَخرا عَن الْمصدر فَكيف يَصح أَن يُقَال إِن المُرَاد بِحُصُول الصُّورَة الْمَعْنى الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ وَجعل ذَلِك الْمَعْنى علما حَقِيقَة لِأَن الْعلم على مَا قَالَ مبدؤ الانكشاف ومقدم عَلَيْهِ فَلَو كَانَ الْعلم عبارَة عَن الْحَاصِل بِالْمَصْدَرِ يكون مُؤَخرا عَن الْمصدر أَي عَن حُصُول الصُّورَة الملازم للانكشاف فَيلْزم أَن يكون الْعلم مُؤَخرا عَن الانكشاف أَيْضا. وَثَانِيها أَن الْعلم من الموجودات الخارجية فَلَو كَانَ وَصفا عارضا للصورة الذهنية يلْزم زِيَادَة الْعَارِض على المعروض فِي الْوُجُود فَإِن الْعَارِض فرض كيفا مَوْجُودا فِي الْخَارِج والمعروض مَوْجُود ذهني وَثَالِثهَا أَنه لَا يتَصَوَّر أَن يكون الْمَوْجُود الْخَارِجِي عارضا للوجود الذهْنِي فَإِن الْعَارِض يكون تَابعا لمعروضه فِي طرفه فَإِن وجود الْعَارِض الْمَحْمُول إِنَّمَا هُوَ وجود الْمَوْجُود الْمَوْضُوع فَيكون تَابعا لوُجُود الْمَوْضُوع وَوُجُود الْمَوْضُوع هَاهُنَا ذهني فَكيف يكون بعارضه الْمَحْمُول وجود خارجي. وَقد أجَاب عَنْهَا بعض أَبنَاء الزَّمَان بأجوبة مَا لَهَا خلاف ظَاهر بَيَان الزَّاهِد بل استحداث مَذْهَب آخر غير مذْهبه وَتَحْقِيق سوى تَحْقِيقه لم ألتفت إِلَيْهَا مَعَ أَن تردد البال وتشتت الْحَال لم يرخص أَيْضا بنقلها.
ثمَّ اعْلَم أَن هَاهُنَا تحقيقات وشبهات أذكرها للناظرين رَجَاء مِنْهُم دُعَاء بَقَاء الْإِيمَان، والتجاوز عَن جَزَاء الْعِصْيَان، قد أَشرت فِي العجالة إِلَى شُبْهَة مَشْهُورَة وجوابها بطرِيق الرَّمْز والألغاز وَهَاهُنَا أذكرها بتقرير وَاضح وتحرير لائح بِأَن البداهة والنظرية صفتان متبائنتان لَا يُمكن جَمعهمَا فِي شَيْء وَاحِد فالعلم لَا يكون إِلَّا بديهيا أَو نظريا على سَبِيل الِانْفِصَال الْحَقِيقِيّ وَهُوَ منقسم إِلَى التَّصَوُّر والتصديق المنقسمين إِلَى البديهي والنظري فَيلْزم انقسام الْعلم إِلَيْهِمَا أَيْضا فَإِن كَانَ نظريا كَمَا هُوَ الْحق أَو ضَرُورِيًّا كَمَا هُوَ مَذْهَب الإِمَام يلْزم انقسام الشَّيْء إِلَى نَفسه وَإِلَى غَيره وبطلانه أظهر من أَن يخفى. وَالْجَوَاب أَن الْعلم من حَيْثُ مَفْهُومه إِمَّا ضَرُورِيّ أَو كسبي وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن يكون جَمِيع مَا صدق عَلَيْهِ ضَرُورِيًّا أَو جَمِيع مَا صدق عَلَيْهِ كسبيا بل يجوز أَن يكون بعض مَا صدق عَلَيْهِ ضَرُورِيًّا وَالْبَعْض الآخر كسبيا. وَحَاصِل الْجَواب أَن الضَّرُورِيّ أَو الكسبي هُوَ مَفْهُوم الْعلم والمنقسم إِلَيْهِمَا إِنَّمَا هُوَ مَا صدق عَلَيْهِ الْعلم وَلَا يلْزم من كَون مَفْهُوم شَيْء ضَرُورِيًّا أَو كسبيا أَن يكون جَمِيع مَا صدق عَلَيْهِ ذَلِك الشَّيْء أَيْضا كَذَلِك. أَلا ترى أَن الضَّرُورِيّ نَظَرِي مفهوما مَعَ أَن مَا صدق عَلَيْهِ إِنَّمَا يكون ضَرُورِيًّا بديهيا. فَإِن قلت، قَوْلهم الْعلم إِمَّا تصور أَو تَصْدِيق مُنْفَصِلَة حَقِيقِيَّة أَو مَانِعَة الْجمع أَو مَانِعَة الْخُلُو فعلى الْأَوَّلين لَا يفهم أَن للْعلم قسمَيْنِ، وعَلى الثَّالِث لَا يحصل الْجَزْم بالقسمين مَعَ أَنه الْمَقْصُود. وَالْجَوَاب أَن هَذِه الْقَضِيَّة لَيست بمنفصلة وَإِنَّمَا هِيَ حملية شَبيهَة بالمنفصلة والمنافاة قد تعْتَبر فِي القضايا المنفصلات وَقد تعْتَبر فِي الْمُفْردَات بِحَسب صدقهَا على الذَّات وَهِي الحمليات الشبيهة بالمنفصلات.
وَفِي الرسَالَة القطبية فِي الْحِكْمَة العملية الْعلم هُوَ الْمَوْجُود المستلزم عدم الْغَيْبَة فَإِن كَانَ بِآلَة فَهُوَ الْعلم وَإِن كَانَ بِغَيْر وَاسِطَة فَهُوَ الْمُشَاهدَة وَإِن كَانَ بِآلَة روحانية فَهُوَ الْمَعْقُول والجازم الَّذِي لَيْسَ مطابقا هُوَ الْجَهْل الْمركب والمطابق الَّذِي لَا مُسْتَند لَهُ هُوَ التَّقْلِيد الْحق وَالَّذِي لَهُ مُسْتَند وَكفى فِي التَّصْدِيق بِنِسْبَة أحد جزئيه إِلَى الآخر تصور أحد الطَّرفَيْنِ فَقَط فَهُوَ الفطري وَإِن لم يكف فَهُوَ الفكري وَإِن كَانَ غير جازم فأقرب الطَّرفَيْنِ إِلَى الْجَزْم ظن وأوسطها شكّ وأبعدهما وهم. والجازم المطابق الَّذِي لَهُ مُسْتَند إِن كَانَ برهَان الْآن فَهُوَ الْيَقِين وَإِن كَانَ ببرهان اللم فَهُوَ علم الْيَقِين، والمشاهدة إِن كَانَت على وَجه يُمكن أتم مِنْهَا فَهُوَ عين الْيَقِين، وَإِن كَانَ على وَجه لَا يُمكن أتم مِنْهَا فَهُوَ حق الْيَقِين انْتهى. قَالَ بعض الْحُكَمَاء لِابْنِهِ يَا بني خُذ الْعلم من أَفْوَاه الرِّجَال فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ أحسن مَا يسمعُونَ ويحفظون أحسن مَا يَكْتُبُونَ وَيَقُولُونَ أحسن مَا يحفظون.
الْعلم الحضوري وَالْعلم الحصولي قد عرفت تَعْرِيف كل مِنْهُمَا فِي تَحْقِيق الْعلم فَاعْلَم أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقِيقَة نوعية محصلة عِنْدهم ذاتي لما تَحْتَهُ مغائر للْآخر مُغَايرَة نوعية، وَالْعلم والمعلوم فِي الْعلم الحضوري متحدان بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَار. وَفِي الحصولي متحدان بِالذَّاتِ متغائران بِالِاعْتِبَارِ فَإِن الْعلم فِي الحصولي الْمَاهِيّة من حَيْثُ إِنَّهَا مكيفة بالعوارض الذهنية، والمعلوم فِيهِ الْمَاهِيّة مَعَ قطع النّظر عَن تِلْكَ الْحَيْثِيَّة. فَإِن قيل زعم بَعضهم أَن مَجْمُوع المعروض والعوراض الذهنية علم حصولي والمعروض فَقَط مَعْلُوم بِهِ فَيعلم من هَاهُنَا أَن التغاير بَينهمَا فِي الْعلم الحصولي بِالذَّاتِ، قُلْنَا، هَذَا المظنون غير صَحِيح لِأَن الْعلم عِنْدهم حَقِيقَة محصلة لَا أَمر اعتباري أَي لَيْسَ من الْأُمُور الَّتِي تحققها بِاعْتِبَار الْعقل واختراع الذِّهْن بل هُوَ أَمر مُحَقّق فِي نفس الْأَمر وَله حَقِيقَة محصلة مَوْجُودَة بِلَا اعْتِبَار واختراع فَلَو كَانَ الْعلم أَي مَا يصدق عَلَيْهِ الْكَيْفِيَّة العلمية مَجْمُوع الْعَارِض والمعروض مَجْمُوع الْإِنْسَان وعوارضه الذهنية مثلا يلْزم أَن يكون حَقِيقَة الْعلم ملتئمة عَن الْجَوْهَر وَالْعرض أَو عَن غَيرهمَا من المقولتين المتبائنتين.
وَلَا شكّ أَن كل حَقِيقَة مركبة كَذَلِك فَهُوَ أَمر اعتباري لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة وحدانية محصلة مَعَ أَن منَاط الانكشاف هُوَ أَن يحصل المعروض فَقَط لَا أَن يحصل مَجْمُوع المعروض والعوارض على مَا تشهد بِهِ الضَّرُورَة، أَلا ترى أَنه لَو حصل المعروض فِي الذِّهْن خَالِيا عَن الْعَوَارِض لتحَقّق الانكشاف فَإِن قيل زعم بَعضهم أَن التغاير بَين الْعلم والمعلوم فِي الحضوري تغاير اعتباري كتغاير المعالج والمعالج فَلَيْسَ بَينهمَا اتِّحَاد بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَار قُلْنَا التغاير على نَوْــعَيْنِ تغاير بِاعْتِبَار المصداق أَي التغاير الَّذِي هُوَ مصداق تحقق المتغائرين وتغاير بعد تحقق المتغائرين وَالْمُعْتَبر فِي الِاتِّحَاد بِالذَّاتِ هُوَ نفي التغاير الأول فالتغاير الثَّانِي لَا يضر فِي ذَلِك الِاتِّحَاد فقد اشْتبهَ على هَذَا الزاعم التغاير الأول بالتغاير الثَّانِي. وتفصيل هَذَا الْإِجْمَال أَن فِي المعالج والمعالج حيثيتين حيثية الْقُوَّة الفعلية وحيثية الْقُوَّة الانفعالية وَيُقَال المعالج بِالْكَسْرِ بِالِاعْتِبَارِ الأول والحيثية الأولى والمعالج بِالْفَتْح بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي والحيثية الثَّانِيَة وَالْعلم الحضوري لَيْسَ كَذَلِك لِأَن منَاط الانكشاف فِي الْعلم الحضوري هُوَ الصُّورَة الخارجية الْحَاضِرَة. نعم هَذِه الصُّورَة من حَيْثُ إِنَّهَا منَاط الانكشاف يُقَال لَهَا علم حضوري وَمن حَيْثُ إِنَّهَا منكشفة يُقَال لَهَا مَعْلُوم حضوري وَهَاتَانِ الحيثيتان متأخرتان عَن مصداق تحققهما وَهَذَا المصداق لَيْسَ إِلَّا وَاحِد، وَالْمرَاد باتحاد الْعلم والمعلوم فِي الْعلم الحضوري هُوَ الِاتِّحَاد بِاعْتِبَار المصداق وَهُوَ مُتحد فِي الْعلم الحضوري وَأَن تحدث بعد تحَققه حيثيتان بِخِلَاف المعالج والمعالج فَإِن مصداق تحققهما مُتَعَدد فيهمَا وَلَو كَانَ مصداق الْعلم والمعلوم فِي الْعلم الحضوري مُتَعَددًا بِأَن كَانَ التغاير بَينهمَا مَوْجُودا أَن تحققهما عِلّة لتحققهما مقدما على التغاير الَّذِي بعد تحققهما لَكَانَ الْعلم الحضوري صُورَة منتزعة من الْمَعْلُوم وَكَانَ علما حصوليا.
فَإِن قيل كَيفَ يكون الْعلم والمعلوم فِي الحصولي متحدين بِالذَّاتِ ومتغائرين بِالِاعْتِبَارِ قُلْنَا قَالَ الزَّاهِد أَن للشَّيْء الْحَاصِل صورته فِي الذِّهْن ثَلَاثَة اعتبارات الأول اعْتِبَاره من حَيْثُ هُوَ أَي مَعَ قطع النّظر عَن عوارضه الخارجية والذهنية وَالثَّانِي اعْتِبَاره من حَيْثُ الْعَوَارِض الخارجية وَالثَّالِث اعْتِبَاره من حَيْثُ الْعَوَارِض الذهنية وَذَلِكَ الشَّيْء بِالِاعْتِبَارِ الأول أَي من حَيْثُ هُوَ مَعْلُوم بِالْعلمِ الحصولي بِالذَّاتِ لحُصُول صورته فِي الذِّهْن وموجود فِي الْخَارِج لحصوله فِي الْخَارِج بِنَفسِهِ وموجود فِي الذِّهْن لحصوله فِي الذِّهْن بصورته الْحَاصِلَة فِيهِ وَالشَّيْء الْمَذْكُور بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي أَي من حَيْثُ الْعَوَارِض الخارجية مَعْلُوم بِالْعلمِ الحصولي بِالْعرضِ لِأَن الْعلم يتَحَقَّق عِنْد انتفائه. وَأَنت تعلم أَن الْعلم صفة ذَات إِضَافَة لَا بُد لَهُ من مَعْلُوم وموجود فِي الْخَارِج فَقَط لترتب الْآثَار الخارجية عَلَيْهِ دون الذهنية وَالشَّيْء المسطور بِالِاعْتِبَارِ الثَّالِث أَي من حَيْثُ الْعَوَارِض الذهنية علم حصولي لكَونه صُورَة ذهنية للاعتبار الأول وَعلم حضوري بِنَفس هَذَا الْعلم وَمَعْلُوم بِالْعلمِ الحضوري لكَونه صفة قَائِمَة بِالنَّفسِ وَعلمهَا بذاتها وصفاتها علم حضوري وموجود فِي الْخَارِج لترتب الْآثَار الخارجية واتصاف الذِّهْن بِهِ اتصافا انضماميا وَهُوَ يَسْتَدْعِي وجود الحاشيتين فِي الْخَارِج كَمَا حققناه فِي تَحْقِيق الاتصاف. وَلَا يخفى على الوكيع أَن جَمِيع مَا ذكر على تَقْدِير أَن يكون الْعلم الحصولي عبارَة عَن الصُّورَة الْحَاصِلَة لَا عَن كَيْفيَّة إدراكية، فَإِن قلت، إِن الْعلم الحضوري على مَا عرف بِكَوْن الصُّورَة العلمية فِيهِ الصُّورَة الخارجية وَنَفس الْعلم الحصولي أَي نفس الصُّورَة الْحَاصِلَة من الشَّيْء عِنْد الْعقل علم حضوري عِنْدهم لحضورها بِنَفسِهَا عِنْد الْعقل فَيلْزم أَن يكون تِلْكَ الصُّورَة خارجية وَغير خارجية قُلْنَا جَوَابه قد مر فِي تَحْقِيق الْعلم.
وَحَاصِله أَن الصُّورَة العلمية الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن من حَيْثُ إِنَّهَا صُورَة علمية حَاصِلَة فِي الذِّهْن لَهَا وجود يحذو حَذْو الْوُجُود الْخَارِجِي فِي ترَتّب الْآثَار الخارجية فَتلك الصُّورَة بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّة خارجية وَلَا مُنَافَاة بَين كَونهَا خارجية بِهَذَا الْمَعْنى وَبَين كَونهَا لَيست بخارجية بِمَعْنى أَنَّهَا لَيست بموجودة فِي الْخَارِج أَي مَا وَرَاء الذِّهْن - فَالْمُرَاد بالموجود الْخَارِجِي فِي الْعلم الحضوري أَعم مِمَّا لَهُ وجود خارجي حَقِيقَة وَمِمَّا لَهُ وجود خارجي حكما بِأَن يكون لَهُ وجود يحذو حَذْو الْوُجُود الْخَارِجِي فِي ترَتّب الْآثَار الخارجية. وَلَا شكّ أَن مَا لَهُ وجود فِي الْخَارِج كالنار مثلا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْآثَار الخارجية مثل الإحراق واللمعان كَذَلِك تترتب على الصُّورَة الْحَاصِلَة فِي الذِّهْن آثَار خارجية كالفرح والانبساط والحزن والانقباض وَمن أَرَادَ زِيَادَة التَّفْصِيل وَالتَّحْقِيق فَليرْجع إِلَى الْعلم والتصور والتصديق.
وَهَا هُنَا سُؤال مَشْهُور تَقْرِيره أَن الحضوري لما كَانَ عين الْمَوْجُود الْخَارِجِي وَعلم الْوَاجِب عينــه فَيلْزم أَن يكون الْوَاجِب عين الممكنات وَالْجَوَاب أَن معنى كَون ذَاته تَعَالَى عين علمه أَنه يَتَرَتَّب على ذَاته مَا يَتَرَتَّب على الْعلم من انكشاف المعلومات كَمَا يُقَال إِن الْعَالم الْفُلَانِيّ عين الْكتاب أما سَمِعت أَن مقصودهم من نفي الصِّفَات عَن ذَاته تَعَالَى إِثْبَات غاياتها.

الْوُجُود

Entries on الْوُجُود in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْوُجُود: قوي الْوُجُود. عَزِيز الْوُجُود. عَظِيم الشَّأْن. رفيع الْبَيَان. الْفَهم لَا يعرج معارجه. وَالْعقل لَا يصعد مدارجه. السُّكُوت فِي معرض بَيَانه أولى. الْعَجز فِي مضمار تبيانه أَحْرَى لَكِن لما لم يُنَاسب أَن تَخْلُو هَذِه الحديقة الْعليا من أَشجَار ذكره. وَهَذِه الرَّوْضَة الرعنا من أثمار فكره. أَقُول معتصما بِاللَّه أَن الحكم على الشَّيْء مَسْبُوق عَن مَعْرفَته فَلَا بُد من معرفَة الْوُجُود أَولا.

فَاعْلَم أَن فِي تَعْرِيفه ثَلَاثَة مَذَاهِب: الأول: أَنه بديهي التَّصَوُّر فَلَا يجوز أَن يعرف إِلَّا تعريفا لفظيا. وَالثَّانِي: أَنه كسبي يُمكن أَن يعرف. وَالثَّالِث: أَنه كسبي لَا يتَصَوَّر أصلا وَمن ادّعى أَنه بديهي التَّصَوُّر فدعواه إِمَّا بديهي جلي فَلَا احْتِيَاج إِلَى الْإِثْبَات بِالدَّلِيلِ أَو التَّنْبِيه أصلا أَو خَفِي فَلَا بُد من التَّنْبِيه أَو كسبي فَلَا بُد من الدَّلِيل بِأَن الْوُجُود الْمُطلق جُزْء وجودي لِأَن الْمُطلق جُزْء للمقيد بِالضَّرُورَةِ وَالْعلم بِوُجُود الْمُقَيد بديهي لِأَن من لَا يقدر على الْكسْب حَتَّى البله وَالصبيان يعلم وجوده فَيكون الْوُجُود الْمُطلق بديهيا لِأَن مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ البديهي بديهي وَفِيه نظر مَشْهُور بِأَنا لَا نسلم أَن الْعلم لوُجُود الْمُقَيد بالكنه بديهي - وَإِن سلمنَا فَلَا نسلم أَن الْمُطلق جُزْء مِنْهُ إِذْ تصَوره جُزْء من تصَوره لِأَن الْوُجُود الْمُطلق يَقع على الموجودات وُقُوع الْعَارِض على المعروض وَلَيْسَ الْعَارِض جُزْء للمعروض وَمن يَقُول إِنَّه كسبي يُمكن تَعْرِيفه يسْتَدلّ بِوَجْهَيْنِ: الأول: أَنه إِمَّا نفس الْمَاهِيّة كَمَا هُوَ مَذْهَب الشَّيْخ أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ فَلَا يكون بديهيا كالماهيات فَإِنَّهُ لَيْسَ كنه شَيْء مِنْهَا بديهيا عِنْده إِنَّمَا البديهي بعض وجوهها. وَإِمَّا زَائِد على الماهيات كَمَا هُوَ مَذْهَب غير الْأَشْعَرِيّ فَيكون حِينَئِذٍ من عوارض الماهيات فيعقل الْوُجُود تبعا لَهَا لِأَن الْعَارِض لَا يسْتَقلّ بالمفهومية لَكِن الماهيات لَيست بديهية فَلَا يكون الْوُجُود بديهيا أَيْضا لِأَن التَّابِع للكسبي أولى بِأَن يكون كسبيا.
وَالْجَوَاب لَا نسلم أَنه إِذا كَانَ عارضا للماهية يعقل تبعا لَهَا إِذْ قد يتَصَوَّر مَفْهُوم الْعَارِض بِدُونِ مُلَاحظَة معروضة كَذَا فِي شرح المواقف. أَقُول إِن قَوْله لِأَن التَّابِع للكسبي أولى بِأَن يكون كسبيا أَيْضا مَمْنُوع كَيفَ فَإِن الكسبي مَا يكون حُصُوله مَوْقُوفا على النّظر وَالْكَسْب لَا مَا يكون تَابعا للكسبي لجَوَاز أَن يكون بديهيا فِي نَفسه عارضا للكسبي وَمن يَقُول إِنَّه كسبي لَا يتَصَوَّر أصلا بل هُوَ مُمْتَنع التَّصَوُّر اسْتدلَّ بِأَن التَّصَوُّر حُصُول الْمَاهِيّة فِي النَّفس أَي الْمَاهِيّة الْحَاصِلَة فِيهَا فَيحصل مَاهِيَّة الْوُجُود فِيهَا على تَقْدِير كَونه متصورا وللنفس وجود آخر وَإِلَّا امْتنع أَن يتَصَوَّر شَيْئا فيجتمع فِي النَّفس مثلان أَي وجودهَا وَوُجُود المتصور فِيهَا واجتماع المثلين فِي مَحل وَاحِد محَال لِأَن المثلين متحدان فِي الْمَاهِيّة فَلَو اجْتمعَا فِي مَحل وَاحِد لاتحدا بِحَسب الْعَوَارِض الْحَاصِلَة بِسَبَب حلولهما فِي الْمحل أَيْضا وَهُوَ محَال لَا محَالة وَفِيه مَا فِيهِ كَمَا لَا يخفى.
وَالْجَوَاب إِن مَا ذكرْتُمْ من أَن التَّصَوُّر حُصُول الْمَاهِيّة فِي النَّفس قَول بالوجود الذهْنِي والمتكلمون ينكرونه - وَإِن سلم الْوُجُود الذهْنِي بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور فَلَا نسلم ذَلِك فِيمَا نَحن فِيهِ لِأَن ذَلِك إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُمُور الْخَارِجَة عَن النَّفس وَأما فِي الْأُمُور الْقَائِمَة بهَا فَيَكْفِي فِي تصورها حُصُول أَنْفسهَا والوجود من جُمْلَتهَا وَهَذَا بِنَاء على مَا قَالُوا من أَن الْعلم بالأمور الْخَارِجَة عَن النَّفس علم حصولي انطباعي وَالْعلم بِالنَّفسِ والأمور الْقَائِمَة بهَا علم حضوري يَكْفِي فِيهَا حُضُورهَا بِنَفسِهَا عِنْد النَّفس بِمَعْنى أَنه لَا يحْتَاج إِلَى حُصُول صُورَة منتزعة مِنْهَا لَا بِمَعْنى أَن مُجَرّد قِيَامهَا بِالنَّفسِ كَاف فِي الْعلم حَتَّى يرد أَنه لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ جَمِيع الصِّفَات الْقَائِمَة بِالنَّفسِ والأمور الذاتية والعارضة لَهَا مَعْلُومَة لنا والوجدان يكذبهُ وَإِن سلم أَن الْعلم بالوجود حصولي فَلَا نسلم مماثلة الصُّورَة الْكُلية الَّتِي هِيَ مَاهِيَّة الْوُجُود للوجود الجزئي الثَّابِت للنَّفس وَلَو سلم الْمُمَاثلَة بَينهمَا فَأَقُول الْمُمْتَنع أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا حَالا فِي مَحل وَاحِد حُلُول الْأَعْرَاض لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يلْزم اتِّحَاد المثلين ضَرُورَة اتِّفَاقهمَا فِي الْمَاهِيّة والتشخص الْحَاصِل بِسَبَب الْحُلُول فِي الْمحل - والوجود الْقَائِم بِالنَّفسِ لَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ أَمر انتزاعي مَحْض تتصف بِهِ الْأَشْيَاء فِي الذِّهْن وَلَيْسَ أمرا زَائِدا على الْمَاهِيّة فِي الْخَارِج وَمن قَالَ إِن الْوُجُود كسبي يُمكن تَعْرِيفه عرفه بعبارات يلْزم من كل وَاحِد مِنْهَا تَعْرِيف الشَّيْء بالأخفى بل الدّور أَيْضا. الْعبارَة الأولى الْوُجُود ثُبُوت الْــعين. وَالثَّانيَِة مَا بِهِ يَنْقَسِم الشَّيْء إِلَى فَاعل ومنفعل وَإِلَى حَادث وقديم. وَالثَّالِثَة مَا يَصح بِهِ أَن يعلم الشَّيْء ويخبر عَنهُ - وَوجه الخفاء والدوران الْجُمْهُور يعْرفُونَ معنى الْوُجُود وَلَا يعْرفُونَ شَيْئا مِمَّا ذكر فِي هَذِه الْعبارَات. وَأَيْضًا الثُّبُوت يرادف الْوُجُود فَلَا يَصح تَعْرِيفه بِهِ تعريفا حَقِيقِيًّا بل تَعْرِيفه بِهِ لَفْظِي وَهُوَ لَا يُنَافِي البداهة وَالْفَاعِل مَوْجُود لَهُ أثر فِي الْغَيْر والمنفعل مَوْجُود فِيهِ أثر من الْغَيْر. وَالْقَدِيم مَوْجُود لَا أول لَهُ والحادث وَأَن يُطلق على المتجدد مُطلقًا فَيشْمَل الْمَعْدُوم الَّذِي لَهُ أول أَيْضا لَكِن الْحَادِث فِي تَعْرِيف الْوُجُود مَوْجُود لَهُ أول. فَلَا يَصح أَخذ شَيْء مِنْهَا فِي تَعْرِيف الْوُجُود وَصِحَّة الْعلم والإخبار إِمْكَان وجودهما - فَإِن مَعْنَاهَا إِمْكَان الْعلم والإخبار. والإمكان لَا يتَعَلَّق بِشَيْء إِلَّا بِاعْتِبَار وجوده فِي نَفسه أَو وجوده لغيره فَيكون مَعْنَاهَا إِمْكَان وجودهما فالتعريف بِهَذِهِ الصِّحَّة أَيْضا دوري.
ثمَّ اعْلَم أَن فِي الْوُجُود ثَلَاثَة مَذَاهِب أَيْضا. الأول: أَنه مُشْتَرك معنى بَين الْجَمِيع، وَالثَّانِي: أَنه لَيْسَ بمشترك أصلا، وَالثَّالِث: أَنه مُشْتَرك لفظا بَين الْوَاجِب والممكن لكنه مُشْتَرك معنى بَين الممكنات. والدلائل فِي المطولات وَأَيْضًا فِيهِ أَرْبَعَة مَذَاهِب: الأول: أَنه نفس الْمَاهِيّة فِي الْكل وَهُوَ مَذْهَب الشَّيْخ الْأَشْعَرِيّ والصوفية، وَالثَّانِي: أَنه زَائِد عَلَيْهَا فِي الْكل وَهُوَ مَذْهَب الْمُتَكَلِّمين، وَالثَّالِث: أَنه نَفسهَا فِي الْوَاجِب تَعَالَى وزائد فِي الْمُمكن وَهُوَ مَذْهَب الْحُكَمَاء الْمَشَّائِينَ، وَالرَّابِع: أَنه نفس الْوَاجِب تَعَالَى مَعَ المباينة الْمَخْصُوصَة وَهُوَ مَذْهَب الْحُكَمَاء الإشراقيين. وَلَيْسَ مُرَادهم بالوجود الْمَعْنى المصدري الْمعبر عَنهُ بالكون والحصول فَإِنَّهُ عرض عَام فِي جَمِيع الموجودات وَمن المفهومات الاعتبارية الَّتِي لَا تحقق لَهَا إِلَّا فِي الذِّهْن. فَمَا قيل إِن من ذهب إِلَى أَنه زَائِد على الْمَاهِيّة أَرَادَ بِهِ الْكَوْن. وَمن ذهب إِلَى أَنه نفس الْمَاهِيّة أَرَادَ بِهِ الذَّات لَيْسَ بِشَيْء لِأَن النزاع حِينَئِذٍ لَفْظِي وَلَيْسَ كَذَلِك - فَإِن مَحل النزاع هُوَ أَن الْوُجُود بِمَعْنى مصدر الْآثَار المختصة إِمَّا عين الذَّات فِي الْكل - أَو زَائِد على الذَّات فِي الْكل - أَو عين الذَّات فِي الْوَاجِب وزائد فِي الْمُمكن فالنزاع معنوي وَالتَّفْصِيل فِي المطولات.
وَمَا ذهب إِلَيْهِ الطَّائِفَة الْعلية الصُّوفِيَّة الصافية قدس الله تَعَالَى أسرارهم أَن الْوُجُود عين الْوَاجِب تَعَالَى. وتفصيل هَذَا الْإِجْمَال أَنهم قَالُوا إِن كل مَا فِي الْخَارِج وَله آثَار مُخْتَصَّة تترتب عَلَيْهِ إِمَّا مُحْتَاج فِي ترَتّب تِلْكَ الْآثَار إِلَى ضميمة مَا لم يَنْضَم بهَا لم يَتَرَتَّب عَلَيْهِ تِلْكَ الْآثَار أَو لَيْسَ بمحتاج إِلَى ضميمة فِي ذَلِك التَّرْتِيب بل يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْآثَار بِلَا اشْتِرَاط انضمام أَمر مغائر لَهُ. وَالْأول: يعبر عِنْدهم بالممكن. وَالثَّانِي: بِالْوَاجِبِ تَعَالَى وَتلك الضميمة بالوجود. وذهبوا بالكشف وَالشُّهُود إِلَى أَن الْوَاجِب تَعَالَى هُوَ عين تِلْكَ الضميمة الَّتِي هِيَ الْوُجُود وَهُوَ مُحِيط بِذَاتِهِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء وَهُوَ الساري فِي الْجَمِيع. وَإِلَى أَن للممكن عِنْد اقترانه بِتِلْكَ الضميمة وجود بِمَعْنى الْكَوْن والحصول وللواجب بِدُونِ ذَلِك الاقتران. فالوجود بِمَعْنى الْكَوْن والحصول عرض عَام لجَمِيع الموجودات وَمن المفهومات الاعتبارية والمعقولات الثانوية الَّتِي لَا يحاذى بهَا أَمر فِي الْخَارِج وَيحمل على الْوَاجِب والممكن بالاشتقاق بِأَن تشتق لفظ الْمَوْجُود من الْوُجُود بِالْمَعْنَى الْمَذْكُور وَيحمل على الْكل. وَأما الْوُجُود الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ عين الْوَاجِب يحمل عَلَيْهِ تَعَالَى بالمواطأة من غير احْتِيَاج إِلَى اشتقاق مِنْهُ وَلَا بَأْس باشتقاق لفظ الْمَوْجُود من الْوُجُود الْحَقِيقِيّ وَحمله على الْوَاجِب لِأَن مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ ذُو الْوُجُود أَعم من أَن يكون لَهُ وجود من نَفسه أَو من غَيره كَمَا أَن الْمَعْنى يحمل وَيُطلق على الضَّوْء بِمَعْنى أَن لَهُ ضوءا من نَفسه لَا من غَيره.
فَإِن قيل قد علم من هَذَا الْبَيَان أَن الْوَاجِب مَوْصُوف بالوجود بِمَعْنى الْكَوْن والحصول فَهُوَ أَيْضا مُحْتَاج فِي ترَتّب الْآثَار المختصة إِلَى انضمام ضميمة هِيَ الْوُجُود قُلْنَا ترَتّب الْآثَار المختصة على الْوَاجِب لَيْسَ بِوَاسِطَة عرُوض الْوُجُود الَّذِي بِمَعْنى الْكَوْن والحصول لَهُ تَعَالَى بل ترَتّب الْآثَار عَلَيْهِ تَعَالَى لذاته. وَمن جملَة تِلْكَ الْآثَار اتصافه تَعَالَى بالوجود الْمَذْكُور الَّذِي هُوَ عرض عَام فَإِن ثُبُوته فرع وجود الْمُثبت لَهُ. وَكَذَا الْحَال فِي الممكنات إِلَّا أَن عرُوض الْوُجُود الْعَام لَهَا لَا بذواتها بل بِوَاسِطَة موجوديتها بالوجود الْحق تَعَالَى. والنزاع بَين من قَالَ إِن الْوُجُود عين الْوَاجِب وَمن قَالَ إِنَّه غَيره تَعَالَى زَائِد عَلَيْهِ معنوي بِأَن الْأَمر الَّذِي بانضمامه واقترانه بالماهيات تترتب عَلَيْهَا الْآثَار وَالْأَحْكَام ويعبر عَنهُ بالوجود هَل هُوَ ذَات الْوَاجِب بِــعَينــهَا أَو أَمر عرضي لَا لَفْظِي كَمَا وهم. وَقَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي الْحَوَاشِي على الشَّرْح الْقَدِيم للتجريد: وَهَا هُنَا مقَالَة أُخْرَى قد أَشَرنَا فِيمَا سبق من أَنَّهَا لَا يُدْرِكهَا إِلَّا أولو الْأَبْصَار والألباب الَّذين خصوا بحكمة بَالِغَة وَفصل الْخطاب فلنفصلها هَا هُنَا بِقدر مَا يَفِي بِهِ قُوَّة التَّحْرِير وتحيط بِهِ دَائِرَة التَّقْرِير. فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. وَهُوَ نعم الرفيق. كل مَفْهُوم مغائر للوجود كالإنسان مثلا فَإِنَّهُ مَا لم يَنْضَم إِلَيْهِ الْوُجُود بِوَجْه من الْوُجُوه فِي نفس الْأَمر لم يكن مَوْجُودا فِيهَا قطعا وَمَا لم يُلَاحظ الْعقل انضمام الْوُجُود إِلَيْهِ لم يُمكن لَهُ الحكم بِكَوْنِهِ مَوْجُودا فَكل مَفْهُوم مغائر للوجود فَهُوَ مُمكن وَلَا شَيْء من الْمُمكن بِوَاجِب فَلَا شَيْء من المفهومات المغائرة للوجود بِوَاجِب وَقد ثَبت بالبرهان أَن الْوَاجِب مَوْجُود فَهُوَ لَا يكون إِلَّا عين الْوُجُود الَّذِي هُوَ مَوْجُود بِذَاتِهِ لَا بِأَمْر مغائر لذاته. وَلما وَجب أَن يكون الْوَاجِب جزئيا حَقِيقِيًّا قَائِما بِذَاتِهِ وَيكون تــعينــه لذاته لَا بِأَمْر مغائر لذاته وَجب أَن يكون الْوُجُود أَيْضا كَذَلِك إِذْ هُوَ عينــه فَلَا يكون الْوُجُود مفهوما كليا يُمكن أَن يكون لَهُ أَفْرَاد بل هُوَ فِي حد ذَاته جزئي حَقِيقِيّ لَيْسَ فِيهِ إِمْكَان تعدد وَلَا انقسام قَائِم بِذَاتِهِ منزه عَن كَونه عارضا لغيره فَيكون الْوَاجِب هُوَ الْوُجُود الْمُطلق أَي المعرى عَن التَّقْيِيد لغيره والانضمام إِلَيْهِ. وعَلى هَذَا لَا يتَصَوَّر عرُوض الْوُجُود للماهيات الممكنة فَلَيْسَ معنى كَونهَا مَوْجُودَة إِلَّا أَن لَهَا نِسْبَة مَخْصُوصَة إِلَى حَضْرَة الْوُجُود الْقَائِم بِذَاتِهِ. وَتلك النِّسْبَة على وُجُوه مُخْتَلفَة وأنحاء شَتَّى يتَعَذَّر الِاطِّلَاع على ماهياتها. فالموجود كلي وَإِن كَانَ الْوُجُود جزئيا حَقِيقِيًّا. هَذَا ملخص مَا ذكره بعض الْمُحَقِّقين من مَشَايِخنَا وَقَالَ وَلَا يُعلمهُ إِلَّا الراسخون فِي الْعلم انْتهى. وَلَا يخفى عَلَيْك أَن هَذَا طور وَرَاء طور الْعقل لَا يتَوَصَّل إِلَيْهِ إِلَّا بالمشاهدات الكشفية دون المناظرات الْعَقْلِيَّة.
وَاعْلَم أَن الْوُجُود الَّذِي هُوَ عين الْوَاجِب لَيْسَ بكلي لِأَن الكليات لَيْسَ بموجودة فِي الْخَارِج إِلَّا فِي ضمن الْأَفْرَاد فَلَو كَانَ كليا يلْزم أَن لَا يكون الْوَاجِب مَوْجُودا إِلَّا فِي ضمن الْأَفْرَاد وَهُوَ سفسطة وَأَيْضًا يصدق الْكُلِّي على أَفْرَاده فَيلْزم أَن يصدق الْوَاجِب على المتعدد فَيلْزم تعدد الْوَاجِب لذاته وَهُوَ يُنَافِي التَّوْحِيد بل هُوَ كفر صَرِيح وإلحاد قَبِيح. بل هُوَ جزئي حَقِيقِيّ مُتَــعَيّن بتــعين هُوَ عينــه كَمَا هُوَ مَذْهَب الْحُكَمَاء وَبَعض الْمُحَقِّقين من أهل النّظر وَأَصْحَاب الْكَشْف. وَمَا وَقع فِي كَلَام بعض الصُّوفِيَّة من أَنه لَا كلي وَلَا جزئي فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ متصفا بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا بالجزئية فِي الْخَارِج لِأَنَّهُ ارْتِفَاع النقيضين إِذْ لَيْسَ بَين معنى الجزئي والكلي وَاسِطَة. بل مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ عين الْكُلية والجزئية وَأَنه لَيْسَ شَيْء مِنْهُمَا دَاخِلا فِيهِ بل الْجُزْئِيَّة زَائِدَة عَلَيْهِ وَهُوَ متصف بهَا فِي الْخَارِج. وَهَذَا كَمَا يُقَال لَا هُوَ فِي مرتبَة اللاتــعين لَيْسَ عَالما وَلَا قَادِرًا وَلَا مرِيدا وَكَذَا جَمِيع الصِّفَات بل لَا اسْم وَلَا رسم هُنَاكَ. يَعْنِي اعْتبرنَا الذَّات البحت مُجَردا عَن جَمِيع الصِّفَات والأسماء ومطلقا عَن جَمِيع الْقُيُود والاعتبارات حَتَّى عَن قيد الْإِطْلَاق أَيْضا لَا أَن لَيْسَ لَهُ هَذِه الصِّفَات والأسماء فِي نفس الْأَمر بل مَعْنَاهُ أَنه وَإِن كَانَ لَهُ صِفَات وَأَسْمَاء فِي الْوَاقِع إِلَّا أَن الذَّات من حَيْثُ هِيَ هِيَ مَعَ قطع النّظر عَن الْقُيُود والاعتبارات حَتَّى عَن قيد الْإِطْلَاق أَيْضا مرتبَة اللاتــعين وَالْإِطْلَاق. وَهَذَا هُوَ المُرَاد بقَوْلهمْ الْوَاجِب هُوَ الْوُجُود الْمُطلق أَي الْوُجُود البحت مُطلقًا عَن التَّقْيِيد بالقيود ومنزه عَن الْعرُوض وَالْحَال فِيهَا. لَا بِمَعْنى أَنه الْوُجُود الْكُلِّي الَّذِي لَا وجود لَهُ إِلَّا فِي ضمن الْأَفْرَاد كَمَا هُوَ مَذْهَب الْمَلَاحِدَة. فَالْحَاصِل أَن الْجُزْئِيَّة وَكَذَا جَمِيع الْقُيُود والاعتبارات لَيست عينــه وَلَا دَاخِلَة فِيهِ بل هِيَ زَائِدَة عَلَيْهِ وَهُوَ متصف بهَا فِي نفس الْأَمر إِلَّا أَنه لَيْسَ تِلْكَ الصِّفَات والأسماء.
فَإِن قلت الْوُجُود فِي مرتبَة الْإِطْلَاق لَا يحصل إِلَّا فِي الذِّهْن فَهُوَ مُقَيّد لَا محَالة وَلَا أقل من تَقْيِيده بالحصول فِي الذِّهْن فَكيف يكون الْوَاجِب هُوَ الْوُجُود الْمُطلق. وَقد اشْتهر بَين الصُّوفِيَّة أَن كل مَا يعقل وَيتَصَوَّر ويتخيل ويوهم فَالْوَاجِب منزه عَنهُ لِأَنَّهُ لَا اسْم وَلَا رسم هُنَاكَ والكلية والجزئية من أَقسَام الْمَفْهُوم وكل مَا لَا يفهم لَا يكون كليا وَلَا جزئيا لَا محَالة فَلَا يكون الْوَاجِب جزئيا قلت لَيْسَ المُرَاد بِالْمَفْهُومِ الْمَفْهُوم بالكنه بل أَعم من أَن يكون بالكنه أَو بِوَجْه مَا والوجود البحت مَفْهُوم بِوَجْه مَا إِجْمَالا كَيفَ لَا وهم يحكمون عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مرتبَة اللاتــعين وَالْإِطْلَاق وَلَا يتَصَوَّر الحكم على الشَّيْء من غير تصَوره بِوَجْه مَا وَلَا معنى لتصور الشَّيْء إِلَّا أَن يحصل صُورَة مِنْهُ عِنْد الْعقل لِأَنَّهُ لَا يحصل عينــه عِنْد الْعقل. وَالْوَجْه الْمَذْكُور الَّذِي حصل عِنْد الْعقل صُورَة معنوية مَأْخُوذَة مِنْهُ لَا محَالة. وَهَذَا معنى كَونه مفهوما بِوَجْه مَا إِجْمَالا غَايَة الْأَمر أَنه لَيْسَ صُورَة مُطَابقَة لَهُ لِأَنَّهُ مُطلق وَهَذِه الصُّورَة مُقَيّدَة وَلَا يلْزم مِنْهُ أَن لَا يكون مفهوما بِوَجْه مَا لِأَن الْعلم هُوَ الصُّورَة الْحَاصِلَة من الشَّيْء عِنْد الْعقل سَوَاء كَانَت مُطَابقَة لَهُ أَو لَا وَلِهَذَا رجح هَذَا التَّعْرِيف على حُصُول صُورَة الشَّيْء فِي الْعقل لِأَن الْمُتَبَادر من صُورَة الشَّيْء الصُّورَة الْمُطَابقَة لَهُ - وَمَا قَالُوا إِن كل مَا يعقل فالوجود البحت مُطلق ومنزه عَنهُ فَمَعْنَاه أَن كل مَا يعقل لَيْسَ عينــه وَلَا صُورَة مُطَابقَة لَهُ لِأَنَّهُ مُطلق وَهَذِه الصُّورَة مُقَيّدَة وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه لَيْسَ بِمَفْهُوم بِوَجْه مَا أصلا - لِأَن هَذِه الصُّورَة الْمقيدَة صَارَت آلَة ومرآة لملاحظة ذَلِك الْمُطلق إِلَّا أَنه لَيست مُطَابقَة لَهُ وَهَذَا معنى كَونه مفهوما بِوَجْه مَا. وَهَذَا كَمَا يُقَال معنى من غير مُسْتَقل لِأَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ فِي هَذَا الحكم مُتَصَوّر بِصُورَة مُسْتَقلَّة وَهُوَ مَدْلُول لفظ معنى من لِأَنَّهُ اسْم وَالِاسْم يدل على معنى مُسْتَقل إِلَّا أَن هَذِه الصُّورَة المستقلة آلَة ومرآة لملاحظة الصُّورَة الْغَيْر المستقلة الَّتِي هِيَ مدلولة كلمة من فَمَعْنَى من حَيْثُ إِنَّه مَدْلُول عَلَيْهِ بِلَفْظ الِاسْم وَهُوَ لفظ معنى من معنى مُسْتَقل يَصح أَن يَقع مَحْكُومًا عَلَيْهِ لِأَن الْمَحْكُوم عَلَيْهِ يجب أَن يكون معنى مُسْتقِلّا. وَمن حَيْثُ إِن هَذِه الصُّورَة المستقلة آلَة ومرآة لملاحظة وَهُوَ الْمَدْلُول عَلَيْهِ بِكَلِمَة من غير مُسْتَقل يَصح أَن يحكم عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غير مُسْتَقلَّة فَلهُ حيثيتان بحيثية الِاسْتِقْلَال صَار مَوْضُوعا وبحيثية عدم الِاسْتِقْلَال ثَبت لَهُ الْمَحْمُول وَهُوَ عدم الِاسْتِقْلَال. وَهَذِه الصُّورَة المستقلة آلَة ومرآة لملاحظة تِلْكَ الصُّورَة الْغَيْر الْمُتَّصِلَة وَغير مُطَابقَة لَهَا فَلَا يلْزم التَّنَاقُض. وَهَذَا التَّحْقِيق مثل مَا مر فِي الْمَجْهُول الْمُطلق والموجبة. وَإِذا ثَبت أَن الْوُجُود الْمُطلق مَفْهُوم بِوَجْه مَا فَهُوَ إِمَّا يمْنَع نفس تصَوره بِوَجْه مَا إِجْمَالا الشّركَة بَين كثيرين أَو لَا وَلَا وَاسِطَة بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات فَهُوَ إِمَّا كلي أَو جزئي وَلَا يكون كليا وجزئيا مَعًا لِأَنَّهُ جمع بَين النقيضين. وَلما كَانَ كليته محالا لما مر ثَبت أَنه جزئي حَقِيقِيّ. فَظهر أَن الْوُجُود البحت الَّذِي صَارَت الصُّورَة الْمقيدَة آلَة ومرآة لَهُ عين وَاجِب الْوُجُود ومتــعين بتــعين هُوَ عينــه وَأَن وجود جَمِيع الممكنات أَعنِي مَا بِهِ تحققها هُوَ ذَلِك الْوُجُود الْمُطلق الْمَوْجُود فِي الْخَارِج الْمُتَــعَيّن بتــعين هُوَ عينــه. وَهَذَا معنى وحدة الْوُجُود عِنْد الْمُحَقِّقين يَعْنِي أَن الْوُجُود الْمَوْجُود فِي الْخَارِج وَاحِد بالشخص قَائِم بِذَاتِهِ غير عَارض لشَيْء من الممكنات وَلَا حَالا فِيهِ وَلَا محلا لَهُ. وعَلى هَذَا لَا معنى لوُجُود الْمُمكن إِلَّا أَن لَهُ تعلقا وَنسبَة خَاصَّة مَجْهُولَة الكنه بذلك الْوُجُود الْقَائِم بِذَاتِهِ عَنْهَا ويعبر عَنْهَا بِنِسْبَة القيومية والمعية والمبدئية وإشراق نور الْوُجُود وَلَيْسَت نِسْبَة الْحُلُول وَالْعرُوض والاتصال والاتحاد بل هِيَ أم النّسَب لَيْسَ لَهَا مِثَال مُطَابق فِي الْخَارِج وَإِنَّمَا يمثل بِمَا يمثل من بعض الْوُجُوه تَقْرِيبًا إِلَى فهم الْمُبْتَدِئ وَهُوَ من وَجه تقريب وَمن وَجه تبعيد. وَتلك النِّسْبَة على أنحاء شَتَّى بِحَسب قابلية الممكنات يتَعَذَّر الِاطِّلَاع على هيئاتها.
(درين مشْهد زكويائي مزن دم ... سخن را ختم كن وَالله اعْلَم)

تلخيص المفتاح، في المعاني والبيان

Entries on تلخيص المفتاح، في المعاني والبيان in 1 Arabic dictionary by the author Kâtip Çelebi / Ḥājī Khalīfa, Kashf al-Ẓunūn ʿan Asāmī al-Kutub wa-l-Funūn
تلخيص المفتاح، في المعاني والبيان
للشيخ، الإمام، جلال الدين: محمد بن عبد الرحمن القزويني، الشافعي، المعروف: بخطيب دمشق.
المتوفى: سنة 739، تسع وثلاثين وسبعمائة.
وهو متن مشهور.
ذكر أن: القسم الثالث من (مفتاح العلوم) أعظم ما صنف في علم البلاغة نفعا، ولكن كان غير مصون عن الحشو، والتطويل.
فصنف هذا: (التلخيص) متضمنا ما فيه من القواعد.
ورتب: ترتيبا أقرب تناولا من ترتيبه.
وأضاف إلى ذلك: فوائد من عنده.
وهو على: مقدمة، وثلاثة فنون.
الفن الأول: علم المعاني.
وفيه: ثمانية أبواب.
الأول: أحوال الإسناد.
الثاني: أحوال المسند إليه.
الثالث: أحوال المسند.
الرابع: أحوال متعلقات الفعل.
الخامس: القصر.
السادس: الإنشاء.
السابع: الوصل.
الثامن: والإيجاز، والإطناب، - والمساواة -.
والثاني: علم البيان.
وفيه أقسام: التشبيه، والاستعارة، والكناية.
والثالث: علم البديع.
ثم صنف كتابا آخر، في هذا الفن.
وسماه: (الإيضاح).
وجعله: كالشرح عليه.
وقد سبق مع شروحه.
ولما كان هذا المتن مما يتلقى بحسن التلقي والقبول، أقبل عليه معشر الأفاضل والفحول، وأكب على درسه وحفظه أولوا المعقول والمنقول، فصار كأصله محط رحال تحريرات الرجال، ومهبط أنوار الأفكار، ومزدحم آراء البال.
فكتبوا له شروحا، منها:
شرح: الفاضل: محمد بن مظفر الخلخالي.
المتوفى: سنة 745، خمس وأربــعين وسبعمائة.
أوله: (الحمد لله الذي أسبغ على الإنسان نعمه ظاهرة وباطنة... الخ).
ذكر أن: المتن مشتمل على: مباحث شريفة، لا تكاد توجد في غيره من الكتب، ولم يكن له غير ما هو كالشرح له من كتابه (الإيضاح).
فشرحه: شرحا وافيا، مشيرا إلى: أجوبة ما اعترض به مؤلفه فيه.
وفي كتابه: (الإيضاح، على صاحب المفتاح).
وسماه: (مفتاح تلخيص المفتاح).
فيفهم من عبارته: أنه أول من شرحه في ظنه.
وشرح: الفاضل، شمس الدين: محمد بن عثمان بن محمد الزوزني.
المتوفى: سنة 792، اثنتين وتســعين وسبعمائة.
أوله: (بالله أستــعين وإليه أتضرع... الخ).
وشرح: العلامة، سعد الدين: مسعود بن عمر التفتازاني.
المتوفى: سنة 792، اثنتين وتســعين وسبعمائة.
شرحا عظيما ممزوجا.
وفرغ من تأليفه: في صفر، سنة 748، ثمان وأربــعين وسبعمائة.
ثم شرح: شرحا ثانيا، ممزوجا.
مختصرا من الأول.
زاد فيه، ونقص.
وفرغ منه: بغجدوان، سنة 756، ست وخمسين وسبعمائة.
وقد اشتهر الشرح الأول: (بالمطول).
والشرح الثاني: (بالمختصر).
وهما أشهر شروحه، وأكثرها تداولا، لما فيهما من حسن السبك، ولطف التعبير، فإنهما تحرير نحرير، أي نحرير!
وعلى: (المطول) حواش كثيرة، منها:
حاشية: العلامة، السيد، الشريف: علي بن محمد الجرجاني.
المتوفى: سنة 816، ست عشرة وثمانمائة.
أولها: (الحمد لله رب العالمين... الخ).
ذكر أنه: قيد عليه حواشي مجملة، حين قرأ بعض الطلبة، ثم سألوا تعليقا مفصلة، ففعل.
فجاءت مشتملة على: فوائد، منها: ما هو توضيح لمقاصده، ومنها: ما هو تنبيه على مزاله... الخ.
وهي: على أوائله، وفيها اعتراضات على الشارح، وتحقيقات لطيفة، ترتاح إليها آذان الأذهان.
وحاشية: المولى، المحقق: حسن بن محمد شاه الفناري.
المتوفى: سنة 886، ست وثمانين وثمانمائة.
وهي: حاشية تامة، مشحونة بالفوائد.
وحاشية: المولى، الفاضل: محمد بن فرامرز، الشهير: بملا خسرو.
المتوفى: سنة 885، خمس وثمانين وثمانمائة.
وهي: مفيدة، مقبولة، إلى قريب نصفه، أجاب فيها عن: اعتراضات القريمي.
أولها: (الحمد لله الذي هدانا إلى تلخيص المعاني بمفتاح البيان... الخ).
وله: على المتن شرح.
ذكره: المجدي في ترجمة (الشقائق).
وحاشية، الفاضل، المحقق: أبي القاسم بن أبي بكر الليثي، السمرقندي.
المتوفى: سنة...
وهي: تامة مقبولة، في غاية الدقة، والتحقيق.
أولها: (الحمد لله الذي أنعمنا بتلخيص دقائق المعاني... الخ).
وحاشية، المحقق، ميرزا: جان حبيب الله الشيرازي.
المتوفى: سنة 994، أربع وتســعين وتسعمائة.
وهي أيضا: مفيدة تامة، لكنها قليلة الوجود.
وحاشية، شيخ الإسلام بهراة: أحمد بن يحيى بن محمد الحفيد.
المتوفى: شهيدا، سنة 906، ست وتسعمائة.
وهي أيضا: تامة، لكنها صغيرة الحجم.
وحاشية، الفاضل، مصلح الدين: محمد اللاري.
المتوفى: سنة 979، تسع وسبــعين وتسعمائة.
وهي: تعليقة على أوائله.
وحاشية، الشيخ، علاء الدين: علي بن محمد الشاهرودي، البسطامي، الشهير: بمصنفك.
المتوفى: سنة 871، إحدى وسبــعين وثمانمائة.
وهي: حاشية مفيدة.
أولها: (الحمد لله الذي وفقنا لتتبع الخواص... الخ).
ذكر أنه: افتتحها بهراة، في شهور سنة 830، ثلاثين وثمانمائة.
وأتمها: ببسطام، في شهور سنة 832، اثنتين وثلاثين.
وذكر في (الشقائق) : أن المولى: حسن جلبي، حضر يوما في مجلس الوزير: محمود باشا، وذكر تصانيف المولى: مصنفك، وقال: قد رددت عليه في كثير من المواضع، ومع ذلك قد فضلته علي في المنصب، وكان مصنفك من الحضار.
وقال له الوزير: هل رأيت المولى مصنفك؟ قال: لا، قال: هذا هو!
فخجل المولى: حسن جلبي، خجالة عظيمة، وقال له الوزير: لا تخجل، إن به صمما، لا يسمع.
ومنها: حاشية، المولى: أحمد بن عبد الله القريمي.
المتوفى: سنة خمسين وثمانمائة، (بعد سنة 862، اثنتين وستين وثمانمائة).
وهي: تامة.
سماها: (المعول).
أولها: (الحمد لله شرح صدورنا، برقم حقائق المعاني... الخ).
فرغ عنها: في شوال، سنة 856، ست وخمسين وثمانمائة.
وحاشية، مولانا: أحمد الطالشي.
أولها: (الحمد لله الذي جعل العربية وسيلة... الخ).
وحاشية: شمس الدين: محمد بن أحمد البسطامي.
المتوفى: سنة 842، اثنتين وأربــعين وثمانمائة.
وحاشية: عز الدين: محمد بن أبي بكر، المعروف: بابن جماعة.
المتوفى: سنة تسع عشرة وثمانمائة.
له: ثلاث حواش، على: (المطول).
سماها: (المبين، والمفصل).
أولها: (الحمد لله المتفرد بكمال قدرته...).
وله: حاشية على: (عروس الأفراح).
وحاشية: الشيخ: يحيى بن سيف (يوسف) السيرامي، المصري، الحنفي.
المتوفى: سنة 833، ثلاث وثلاثين وثمانمائة.
أولها: (الحمد لله الذي زين سماء البلاغة... الخ).
قال: هذا شرح، كتبته على: (المطول).
يشتمل على: دقائق، وقواعد، وضوابط.
جعلتها: تحفة لفضلاء الدهر.
وفرغ عنها: في شهر صفر، سنة 830، ثلاثين وثمانمائة.
وحاشية: المولى: حسن بن عبد الصمد السامسوني.
المتوفى: سنة 891، إحدى وتســعين وثمانمائة.
علقها على: (بحث الحقيقة، والمجاز).
أولها: (الحمد لله الذي علمنا خواص تراكيبه... الخ).
وحاشية: مولانا، نظام الدين: عثمان الخطابي.
المتوفى: سنة 901، إحدى وتسعمائة.
وهي: حاشية لطيفة.
وعلى حاشية الشريف الجرجاني حواش، منها:
حاشية: لمولانا، مصلح الدين: مصطفى بن حسام الرومي.
أجاب فيها: عن اعتراضات المولى: خسرو، على الشريف، لكن أطال، وأطنب.
ومنها:
حاشية: المولى: يوسف بن حسين الكرماستي.
المتوفى: سنة 906، ست وتسعمائة.
أولها: (الحمد لله الذي علمنا خواص تراكيب كتابه... الخ).
وحاشية: الشريف: مرتضي المتأخر.
ذكره: أبو البقاء في: حاشيته، على الوضعية.
وعلى (المختصر) أيضا: حواش عديدة، منها:
حاشية: مولانا، نظام الدين: عثمان الخطابي، المذكور آنفا.
وهي: مشهورة، متداولة، لكنها على الأوائل فقط.
أولها: (لك اللهم الحمد والمنة... الخ).
وحاشية: الفاضل: عبد الله بن شهاب الدين اليزدي.
وهي: حاشية مقبولة، مفيدة.
أولها: (حمدا لمن خلق الإنسان وعلمه البيان... الخ).
ذكر في آخرها: أنه فرغ عن تأليفها: في ذي الحجة، سنة 962، اثنتين وستين وتسعمائة، بالمدرسة المنصورية، بشيراز.
وتوفي في: سنة 1015.
وله: (حاشية على حاشية الخطايي) أيضا.
للفاضل: ميرزا جان، حبيب الله، الشيرازي.
المتوفى: سنة 994، أربع وتســعين وتسعمائة.
أولها: (الحمد لله الذي جعل حمده عن مصاقع فصحاء نوع الإنسان... الخ).
ذكر فيه: أنه لخص فرائد حاشية: مولانا زاده.
ومنها:
حاشية: إبراهيم بن أحمد، الشهير: بابن الملا، الحلبي.
سماها: (غاية رسول الحريص من إيضاح شرح التلخيص).
مجلد.
وله: حاشية أخرى، وهي: صغرى.
سماها: (الروض الموشى من التحرير، على شرح المختصر المحشى).
وحاشية: المولى: يوسف بن حسين الكرماستي.
المتوفى: سنة 906، ست وتسعمائة.
وحاشية: حميد الدين بن أفضل الدين، الحسيني.
وحاشية: شيخ الإسلام: أحمد بن يحيى بن محمد الحفيد.
المتوفى: سنة 916، ست عشرة وتسعمائة (906).
ذكر في آخرها: أنه فرغ في شهور، سنة 886، ست وثمانين وثمانمائة.
وحاشية: مصلح الدين: مصطفى بن حسام الرومي.
وحاشية: المولى محمد بن الخطيب، الشهير: بخطيب زاده الرومي.
المتوفى: سنة 901.
وحاشية: شهاب الدين: أحمد بن قاسم العبادي، الأزهري.
المتوفى: سنة 994.
جمعها: بعض تلامذته من خطه في: هوامش المختصر، من غير حذف شيء.
ورمز إلى المنقول عنه: بالحروف فإنه: كتبه من: فوائد (حاشية: الشريف الجرجاني: ناصر الدين الطبلاوي).
والسيد: عيسى الصفوي.
وابن جماعة.
فصارت حاشية عظيمة، مفيدة إلى الغاية.
ومن بقايا شروح (التلخيص) :
شرح: العلامة، أكمل الدين: محمد بن محمود البابرتي.
المتوفى: سنة 786، ست وثمانين وسبعمائة.
وهو: شرح بالقول.
أوله: (الحمد لله الذي أفاض أنواع الحكم... الخ).
فرغ من تأليفه: في رمضان، سنة: اثنتين وسبــعين وسبعمائة.
ونبه على ما ورد عليه من الاعتراضات.
وأشار إلى أجوبتها.
ويقال: أن له (حاشية على المطول) أيضا.
وشرح: بهاء الدين: أحمد بن علي بن عبد الكافي السبكي.
المتوفى: سنة 773، ثلاث وسبــعين وسبعمائة.
سماه: (عروس الأفراح).
وهو: شرح ممزوج، مبسوط (كالأطوال).
أوله: (الحمد لله الذي فتق عن بديع المعاني...)
وشرح: محب الدين: محمد بن يوسف (بن أحمد بن عبيد الدائم)، المعروف: بناظر الجيش، الحلبي.
المتوفى: سنة 778، ثمان وسبــعين وسبعمائة.
وشرح: جلال الدين: رسولا بن أحمد (بن يوسف) التباني، الثيري.
المتوفى: سنة 793، ثلاث وتســعين وسبعمائة.
وسماه: (التلخيص).
أوله: (الحمد لله الذي جعل العلماء لبديع لطفه... الخ).
وشرح: محمد بن أحمد بن الموفق القيصري.
فرغ عنه: في رمضان، سنة: 761، إحدى وستين وسبعمائة.
وشرح: الفاضل، السيد: عبد الله بن الحسن المعروف: بنقره كار.
المتوفى: سنة 750.
أوله: (الحمد لله الذي شهد الحوادث على أزليته... الخ).
وشرح: العلامة، الفاضل، المحقق، عصام الدين: إبراهيم بن عربشاه الأسفرايني.
المتوفى: سنة 945، خمس وأربــعين وتسعمائة.
وهو: شرح ممزوج عظيم.
يقال له: (الأطول).
أوله: (الحمد لله على كل حال، يستوعب مزايا الإفضال... الخ).
وشرح: محمد بن محمد (ابن محمد) التبريزي.
سماه: (نفائس التنصيص).
وهو: شرح بقال أقول.
أوله: (الحمد لله الذي خلق الإنسان... الخ).
وهو: مؤخر عن السعد التفتازاني.
وشرح: مسمى: (بتوضيح فتوح الأرواح).
أوله: (الحمد لله الذي أبدع الإنسان ببديع قدرته... الخ).
وهو: شرح كبير بالقول.
ذكر فيه: أن جمال الدين أشار إلى تأليفه.
وشرح أبياته:
للشيخ: عبد الرحيم بن أحمد العبادي، العباسي.
المتوفى: سنة 963، ثلاث وستين وتسعمائة.
سماه: (معاهد التنصيص، على شواهد التلخيص).
أوله: (الحمد لله الذي أطلع في سماء البيان أهلة المعاني... الخ).
ذكر فيه: معاني الأبيات، وتراجم قائليها، ووضع في كل فن ما يناسبه من نظائره الأدبية، ومزج فيه الجد بالهزل.
وأهداه إلى: أبي البقا: محمد بن يحيى بن الجيعان.
ثم لخصه، واقتصر على شرح الشواهد فقط.
وشرح الشواهد أيضا.
للشيخ، بدر الدين: محمد بن رضي الدين: محمد الغزي، مفتي الشام.
المتوفى: في حدود سنة ثمانين وتسعمائة، (984، أربع وثمانين وتسعمائة).
سماه: (التخصيص، في شرح شواهد التلخيص).
و (للتلخيص) مختصرات، منها:
(تلخيص التلخيص).
لشهاب الدين: أحمد بن محمد، المعروف: بالصاحب.
المتوفى: سنة 788، ثمان وثمانين وسبعمائة.
سماه: (لطيف المعاني).
و (تلخيص التلخيص).
للمولى: لطف الله بن حسن التوقاتي.
المتوفى: شهيدا، سنة 900، تسعمائة.
و (تلخيص التلخيص).
لزين الدين، أبي محمد: عبد الرحمن بن أبي بكر المعروف: بالــعينــي.
المتوفى: سنة 893، ثلاث وتســعين وثمانمائة.
سماه: (تحفة المعاني، لعلم المعاني).
و (تلخيص التلخيص).
لعز الدين: محمد بن أبي بكر، المعروف: بابن جماعة.
المتوفى: سنة 819، تسع عشر وثمانمائة.
و (تلخيص التلخيص).
للمولى: برويز الرومي.
المتوفى: سنة 987، سبع وثمانين وتسعمائة.
أوله: (الحمد لله رب العالمين... الخ).
وله: (شرح على ما اختصره).
و (تلخيص التلخيص).
لنور الدين: حمزة بن طورغود.
أوله: (الحمد لمن علم الإنسان ما احتواه القرآن... الخ).
ذكر أنه: ألفه في طريق الحج، سنة 962، اثنتين وستين وتسعمائة.
ورتب على: مقدمة، وثلاث مسالك، وخاتمة.
وسماه: (المسالك).
ثم شرحه: شرحا ممزوجا.
وسماه: (الهوادي).
أوله: (الحمد لله الذي علق قلائد الألفاظ... الخ)
و (تلخيص التلخيص)، المسمى:
(بأقصى الأماني، في علم البيان والبديع والمعاني).
لبعض شراح (المطول).
أوله: (الحمد لله الذي نور بصائر من اصطفاه... الخ).
رتب على: مقدمة، وثلاثة فنون.
ثم شرحه، وسماه: (فتح منزل المثاني).
أوله: (الحمد لله الذي شرح صدورنا... الخ).
سلك فيه مسلك الإيجاز.
و (تلخيص التلخيص) المسمى:
(بأنبوب البلاغة).
أوله: (الحمد لله الذي خلق الإنسان علمه البيان... الخ).
للعالم: خضر بن محمد الأماسي، المفتي بأماسية في عصرنا.
ألفه: سنة 1060، ستين وألف.
وجعل (تاريخه) اسمه بألف، ثم شرحه.
وسماه: (إفاضة الأنبوب) (الإفاضة، لأنبوب البلاغة).
وهو: شرح ممزوج.
أوله: (الحمد لله الذي نزل القرآن على نبي أمي عربي اللسان... الخ).
وللتلخيص منظومات، منها:
نظم: زين الدين، أبي العز: طاهر بن حسن بن حبيب الحلبي.
المتوفى: سنة 808، ثمان وثمانمائة.
وسماه: (التخليص، في نظم التلخيص).
وهو: ألفان وخمسمائة بيت.
ونظم: شهاب الدين: أحمد بن عبد الله القلجي.
الذي ولد: سنة 829، تسع وعشرين وثمانمائة. (892)
ونظم: زين الدين: عبد الرحمن بن الــعينــي، المذكور آنفا.
ونظم: الشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة 911، إحدى عشرة وتسعمائة.
سماه: (مفتاح التلخيص) (عقود الجمان، في المعاني والبيان).
ثم شرح: هذا المنظوم.
وسماه: (عقود الجمان) (حل عقود الجمان).
وله: (نكت على التلخيص).
وتخريج أبياته: مروية بالإسناد، مع ذكر القصيدة عليها.
ونظم: الشيخ، أبي النجا: بن خلف المعري.
الذي ولد سنة: 849، تسع وأربــعين وثمانمائة.
ومن المكتوبات عليه: (ترجمة المطول).
بالتركية.
للشيخ: محمد بن محمد، الشهير: بآلتي برمق.
المتوفى: سنة 1033، ثلاث وثلاثين وألف.

التنبيه، في فروع الشافعية

Entries on التنبيه، في فروع الشافعية in 1 Arabic dictionary by the author Kâtip Çelebi / Ḥājī Khalīfa, Kashf al-Ẓunūn ʿan Asāmī al-Kutub wa-l-Funūn
التنبيه، في فروع الشافعية
للشيخ، أبي إسحاق: إبراهيم بن علي الفقيه، الشيرازي، الشافعي.
المتوفى: سنة 476، ست وسبــعين وأربعمائة.
وهو: أحد الكتب الخمس المشهورة المتداولة، بين الشافعية، وأكثرها تداولا.
كما صرح به النووي في (تهذيبه)، أخذه من تعليقة:
الشيخ، أبي حامد، المروزي.
بدأ في تصنيفه: في أوائل رمضان، سنة 452، اثنتين وخمسين وأربعمائة.
ولبعضهم في مدحه:
يا كوكبا ملأ البصائر نوره * من ذا رأى لك في الأنام شبيها
كانت خواطرنا نياما برهة *فرزقن من تنبيهه تنبيها
وله: شروح كثيرة.
منها:
شرح: صاين الدين: عبد العزيز بن عبد الكريم الجيلي، المعروف: (بالمعيد).
المتوفى: سنة....
وسماه: (الموضح).
إلا أنه لا يجوز الاعتماد على ما فيه من النقول، لأن بعض الحساد حسده عليه، فدس فيه، فأفسده.
صرح به: النووي، وابن الصلاح.
وشرح: أبي طاهر الكرخي، الشافعي.
وهو كبير.
في أربع مجلدات.
وشرح: الإمام، أبي الحسن: محمد بن مبارك، المعروف: بابن الخل الشافعي.
المتوفى: سنة 552، اثنتين وخمسين وخمسمائة.
وهو: مجلد.
سماه: (توجيه التنبيه).
وهو: أول من تكلم على التنبيه.
وليس في شرحه تصوير المسألة، لكنه عللها بعبارة مختصرة.
وشرح: الإمام، أبي العباس: أحمد بن الإمام: موسى ابن يونس الموصلي.
المتوفى: سنة 622، اثنتين وعشرين وستمائة.
قال ابن خلكان: شرع بإربل.
واستعار منها: نسخة من (التنبيه) عليها حواش مفيدة.
بخط الشيخ، رضي الدين: سليمان بن المظفر الجيلي.
المتوفى: سنة 631، إحدى وثلاثين وستمائة.
ورأيت بعد ذلك: قد نقل الحواشي كلها في شرحه. انتهى.
وشرح: الإمام، تاج الدين: عبد الرحمن بن إبراهيم، المعروف: بالفركاح، الشافعي.
المتوفى: سنة 690، تســعين وستمائة.
وسماه: (الإقليد، لدر التقليد).
وقف قبل وصوله إلى كتاب (النكاح).
ولم يكمله.
وشرح: ولده، برهان الدين: إبراهيم بن الفركاح.
المتوفى: سنة 729، تسع وعشرين وسبعمائة.
وهي: تعليقة حافلة.
قال الأسنوي: إنه كبير الحجم، قليل الفائدة بالنسبة إلى حجمه، كأنه حاطب ليل.
جمع فيه: بين الغث والسمين.
وشرح: شمس الدين: محمد بن عبد الرحمن الحضرمي.
المتوفى: سنة 613.
سماه: (الإكمال، لما وقع في التنبيه من الإشكال والإجمال).
ذكره: التاج السبكي. وقال: و(الإكمال) لا أعرفه.
وشرح: موفق الدين: حمزة بن يوسف الحموي، الشافعي.
المتوفى: سنة 670، سبــعين وستمائة.
أجاب فيه: عن الإشكالات الواردة عليه.
وسماه: (المبهت).
وشرح: الشيخ، نجم الدين: محمد بن عقيل البالسي، الشافعي.
المتوفى: سنة 729، تسع وعشرين وسبعمائة.
وشرح: الإمام، علم الدين: عبد الكريم بن علي العراقي، الشافعي.
المتوفى: سنة 704، أربع وسبعمائة.
وشرح: شمس الدين: محمد بن أبي منصور، المعروف: بابن السبتي.
فرغ عن تأليفه: سنة 706، ست وسبعمائة.
وشرح: شهاب الدين: أحمد بن العامري اليمني، الشافعي.
المتوفى: سنة 721، إحدى وعشرين وسبعمائة.
وشرح: كمال الدين: أحمد بن عيسى بن رضوان العسقلاني، المعروف: بابن القليوبي.
المتوفى: سنة 689، تسع وثمانين وستمائة.
وشرح: الشيخ: علي بن أبي الحزم القرشي، المعروف: بابن النفيس، المتطبب، الشافعي.
المتوفى: سنة 687، سبع وثمانين وستمائة.
وشرح: علاء الدين: علي بن عبد الكافي السبكي.
المتوفى: سنة 747، سبع وأربــعين وسبعمائة.
وهو كبير.
في أربع مجلدات.
وشرح: جلال الدين: أحمد بن عبد الرحمن الكندي.
المتوفى: سنة سبع وسبــعين وستمائة.
وشرح: أحمد بن كشاسب الدزماري.
المتوفى: سنة 643، ثلاث وأربــعين وستمائة.
وهو: في مجلد.
سماه: (رفع التمويه، عن مشكل التنبيه).
وشرح: الحافظ، زكي الدين: عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري، الشافعي.
المتوفى: سنة 656، ست وخمسين وستمائة.
وشرح: الإمام، محيي الدين: يحيى بن شرف بن مري بن الحسن النووي، الشافعي.
المتوفى: سنة 676، ست وسبــعين وستمائة.
وهو: شرح غريب.
سماه: (التحرير).
ذكر فيه: أن (التنبيه) من الكتب المباركة النافعة، فينبغي أن يعتنى بتحريره، وتهذيبه.
ومن ذلك نوعان:
أهمهما ما يفتي به، وتصحيح ما ترك المصنف تصحيحه، أو خولف فيه، أو جزم بما هو خلاف المذهب، وأنكر عليه.
قال: وقد جمعت ذلك في كراس قبل هذا.
والثاني: بيان لغاته، وضبط ألفاظه.
ذكر فيه: جميع ما يتعلق بألفاظه.
وعلى (التحرير) : (نكت).
للشريف، عز الدين: حمزة بن أحمد الحسيني، الدمشقي، الشافعي.
المتوفى: سنة 863، ثلاث وستين وثمانمائة. (874)
سماها: (الإيضاح).
وشرح: الشيخ، مجد الدين: أبي بكر بن إسماعيل بن عبد العزيز السنكلومي، الشافعي.
المتوفى: سنة 740، أربــعين وسبعمائة.
وهو: شرح كبير، حسن.
لخصه من: الرافعي، وابن الرفعة.
وسماه: (تحفة النبيه، في شرح التنبيه).
وشرح: القاضي، جمال الدين: محمد بن عبد الله الريمي، اليمني، الشافعي.
المتوفى: سنة 791، إحدى وتســعين وسبعمائة.
قال الأشرف إسماعيل، صاحب اليمن في (تاريخه) : وفي غرة ذي الحجة، سنة 788، ثمان وثمانين وسبعمائة، حمل إلينا القاضي: جمال الدين، كتابه المسمى: (بالتفقيه، في شرح التنبيه)، فأمرنا أن يحمل على رؤوس المتفقهة.
وكان أربعة وعشرين مجلدا.
فحبوناه: بثمانية وأربــعين ألف درهم. انتهى.
وشرح: ضياء الدين: محمد بن إبراهيم المناوي.
المتوفى: سنة 746، ست وأربــعين وسبعمائة.
وشرح: عماد الدين: محمد (هو: جمال الدين: عبد الرحيم) بن الحسين، الأسنوي.
المتوفى: سنة 777، سبع وسبــعين وسبعمائة.
سماه: (تصحيح التنبيه).
وشرح: قطب الدين: محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي.
المتوفى: سنة 722، اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وله: (شرح) آخر.
ليس بتام.
و (نكت) أيضا.
وشرح: بدر الدين: محمد بهادر بن عبد الله الزركشي.
المتوفى: سنة 794، أربع وتســعين وسبعمائة.
وشرح: نجم الدين: محمد بن علي البالسي، الشافعي.
المتوفى: سنة 804، أربع وثمانمائة.
وشرح: نجم الدين: محمد بن علي الشافعي.
المتوفى: سنة 804، أربع وثمانمائة.
وشرح: شرف الدين: عبد الله بن محمد الفهري، التلمساني.
المتوفى: سنة 644.
وشرح: نجم الدين: أحمد بن محمد بن علي، المعروف: بابن الرفعة الشافعي.
المتوفى: سنة 716، ست عشرة وسبعمائة.
وهو: شرح كبير.
في نحو: عشرين مجلدا.
لم يعلق على (التنبيه) مثله.
مشتمل على: غرائب، وفوائد كثيرة.
سماه: (كفاية النبيه).
قال اليافعي: إن المجد السنكلومي: انتخبه.
في ست مجلدات.
وقد سبق.
و (مختصر الكفاية).
لشهاب الدين، أبي العباس: أحمد بن لؤلؤ بن النقيب الشافعي.
المتوفى: سنة 769، تسع وستين وسبعمائة.
وشرح: أحمد بن عيسى العسقلاني.
سماه: (الإشراق، في شرح تنبيه أبي إسحاق).
مجلد.
وشرح: الإمام، محب الدين: أحمد بن عبد الله الطبري، المكي.
المتوفى: سنة 694، أربع وتســعين وستمائة.
وهو: شرح مبسوط.
في عشرة أسفار كبار.
إلا أنه ربما يختار الوجوه الضعيفة.
صرح بذلك اليافعي في (تاريخه).
وله: (نكت على التنبيه) : كبرى، وصغرى.
وله: (مختصر التنبيه).
سماه: (مسلك النبيه، في تلخيص التنبيه).
وهو كبير.
وله: (مختصر) آخر.
وهو صغير.
سماه: (تحرير التنبيه، لكل طالب نبيه).
ومنها:
شرح: تقي الدين: أبي بكر بن محمد الحصني، الشافعي.
المتوفى: سنة 829، تسع وعشرين وثمانمائة.
وشرح: الإمام، أبي حفص: عمر بن علي بن الملقن الشافعي.
المتوفى: سنة 804، أربع وثمانمائة.
وهو كبير.
سماه: (الكفاية).
وله: (أمنية النبيه، فيما يرد على التصحيح والتنبيه).
مجلد.
وله: في أدلته (الخلاصة).
مجلد.
وله شرح آخر.
سماه: (غنية الفقيه).
في أربع مجلدات.
وشرح آخر.
سماه: (هادي النبيه).
في مجلد.
واختصره:
في جزء.
للحفظ.
سماه: (إرشاد النبيه، إلى تصحيح التنبيه).
وهو: غريب في بابه.
ذكره السخاوي: في (الضوء).
وشرح: شمس الدين: محمد.... الخطيب، الشربتي.
المتوفى: سنة 977، سبع وسبــعين وتسعمائة.
(وتصحيح التنبيه).
لجمال الدين: محمد بن الحسين الأسنوي، الشافعي.
المتوفى: سنة 777، سبع وسبــعين وسبعمائة.
وهو مختصر.
سماه: (تذكرة النبيه).
أوله: (الحمد لله رب العالمين... الخ).
قال: إن تصحيح (التنبيه) للنووي، وجدته قد أهمل في كثير، فحينئذ جردت المهملات، وجمعتها في: تأليف، سميته: (بالتنقيح).
ثم استخرت في تأليف جامع، كتبت فيه ما أهملته في (التنقيح).
وميزت الزيادات التي من قبلي.
وكان الفراغ منه: في شعبان، سنة 838، ثمان وثلاثين وسبعمائة، بالقاهرة.
وشرح: القاضي، تقي الدين: أبي بكر بن أحمد، المعروف: بابن قاضي شهبة، الشافعي، الدمشقي.
المتوفى: سنة 851، إحدى وخمسين وثمانمائة.
وله: (نكت على التنبيه) أيضا.
وشرح: الشيخ، زين الدين: سريجا بن محمد الملطي، ثم المارديني، الشافعي.
المتوفى: سنة 788، ثمان وثمانين وسبعمائة.
سماه: (نصح الفقيه).
وهو: أربعة أجزاء.
وشرح: قطب الدين: محمد بن محمد الخيضري، الشافعي.
المتوفى: سنة 894، أربع وتســعين وثمانمائة.
سماه: (مجمع العشاق، على توضح تنبيه الشيخ أبي إسحاق).
قال السخاوي: ومن تسميته يعلم حاله. انتهى.
وشرح: الشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
وهو: شرح ممزوج.
سماه: (الوافي).
لكنه لم يكمله.
وله: مختصر الأصل.
وعلى (التنبيه) تعليقة:
لبرهان الدين الفزاري.
سماها: (الإقليد).
صرح به: الأسنوي.
وللتنبيه: مختصرات، منها:
مختصر: تاج الدين: عبد الرحيم بن محمد الموصلي.
المتوفى: سنة 671، إحدى وسبــعين وستمائة.
سماه: (النبيه، في اختصار التنبيه).
وله: (التنويه في فضل التنبيه).
ومختصر: الشيخ، جلال الدين: محمد بن أحمد المحلي، الشافعي.
المتوفى: سنة 864، أربع وستين وثمانمائة.
ومختصر: أبي الفرج: مفضل بن مسعود التنوخي.
سماه: (اللباب).
ومختصر: شرف الدين، أبي القاسم: هبة الله بن عبد الرحيم، البارزي، الحموي، الشافعي.
المتوفى: سنة 738، ثمان وثلاثين وسبعمائة.
ومن الشروح:
(شرح: تهذيب التنبيه).
لعماد الدين: إسماعيل بن إبراهيم بن شرف المقدسي.
المتوفى: سنة 852، اثنتين وخمسين وثمانمائة.
و (للتنبيه) منظومات، منها:
نظم: أبي عبد الله: محمد بن عبد الله الشيباني، اليمني.
ونظم: جعفر بن أحمد السراج.
المتوفى: سنة 500، خمسمائة.
ونظم: سعيد الدين: عبد العزيز بن أحمد الديري.
المتوفى: سنة 697، سبع وتســعين وستمائة.
وله: (دقائق التنبيه).
ونظم: ضياء الدين: علي بن سليم الأذرعي.
في: ستة عشر ألف بيت.
ونظم: الشيخ، الإمام: حسين بن عبد العزيز بن الحسين السباعي، خطيب حمص.
ونظم: الشهاب: أحمد بن سيف الدين بيلبك، الظاهري.
المتوفى: سنة 753.
سماه: (الروض النزيه، في نظم التنبيه).
وعلى (التنبيه) نكات، منها:
نكت: كمال الدين: أحمد بن عمر بن أحمد النسائي، القاهري.
المتوفى: سنة 757، سبع وخمسين وسبعمائة.
و (نكت: ابن أبي الصيف اليمني).

العلم

Entries on العلم in 4 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, and 1 more
العلم:
[في الانكليزية] Knowledge ،science ،understanding
[ في الفرنسية] Savoir ،science ،connaissance
بالكسر وسكون اللام في عرف العلماء يطلق على معان منها الإدراك مطلقا تصوّرا كان أو تصديقا، يقينيا أو غير يقيني، وإليه ذهب الحكماء. ومنها التصديق مطلقا يقينيا كان أو غيره. قال السيّد السّند في حواشي العضدي:
لفظ العلم يطلق على المقسم وهو مطلق الإدراك وعلى قسم منه وهو التصديق إمّا بالاشتراك بأن يوضع بإزائه أيضا، وإمّا بغلبة استعماله فيه لكونه مقصودا في الأكثر، وإنّما يقصد التصوّر لأجله. ومنها التصديق اليقيني. في الخيالي العلم عند المتكلّمين لا معنى له سوى اليقين.
وفي الأطول في باب التشبيه العلم بمعنى اليقين في اللغة لأنه من باب أفعال القلوب انتهى.
ومنها ما يتناول اليقين والتصوّر مطلقا. في شرح التجريد العلم يطلق تارة ويراد به الصورة الحاصلة في الذهن ويطلق تارة ويراد به اليقين فقط، ويطلق تارة ويراد به ما يتناول اليقين والتصوّر مطلقا انتهى. وقيل هذا هو مذهب المتكلّمين كما ستعرفه. ومنها التعقّل كما عرفت. ومنها التوهّم والتعقّل والتخيّل. في تهذيب الكلام أنواع الإدراك إحساس وتخيّل وتوهّم وتعقّل. والعلم قد يقال لمطلق الإدراك وللثلاثة الأخيرة وللأخير وللتصديق الجازم المطابق الثابت. ومنها إدراك الكلّي مفهوما كان أو حكما. ومنها إدراك المركّب تصوّرا كان أو تصديقا، وسيذكر في لفظ المعرفة. ومنها إدراك المسائل عن دليل. ومنها نفس المسائل المدلّلة.
ومنها الملكة الحاصلة من إدراك تلك المسائل.
والبعض لم يشترط كون المسائل مدلّلة وقال العلم يطلق على إدراك المسائل وعلى نفسها وعلى الملكة الحاصلة منها. والعلوم المدوّنة تطلق أيضا على هذه المعاني الثلاثة الأخيرة وقد سبق توضيحها في أوائل المقدّمة. ومنها ملكة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض صادرا عن البصيرة بحسب ما يمكن فيها، ويقال لها الصناعة أيضا كذا في المطول في بحث التشبيه. ورده السيّد السّند بأنّ الملكة المذكورة المسمّاة بالصناعة فإنّما هي في العلوم العملية أي المتعلّقة بكيفية العمل كالطب والمنطق، وتخصيص العلم بإزائها غير محقّق.
كيف وقد يذكر العلم في مقابلة الصناعة. نعم إطلاقه على ملكة الإدراك بحيث يتناول العلوم النظرية والعملية غير بعيد مناسب للعرف انتهى.
اعلم أنّ في العلم مذاهب ثلاثة الأول أنّه ضروري يتصوّر ماهيته بالكنه فلا يحدّ، واختاره الرازي. والثاني أنّه نظري لكن يعسر تحديده وبه قال إمام الحرمين والغزالي، وقالا فطريق معرفته القسمة والمثال. أمّا القسمة فهي أن تميّزه عما يلتبس به من الاعتقادات فنقول مثلا الاعتقاد إمّا جازم أو غيره، والجازم إمّا مطابق أو غير مطابق، والمطابق إمّا ثابت أو غير ثابت. فقد خرج عن القسمة اعتقاد جازم مطابق ثابت وهو العلم بمعنى اليقين، فقد تميّز عن الظّنّ بالجزم وعن الجهل المركّب بالمطابقة وعن تقليد المصيب بالثابت الذي لا يزول بتشكيك المشكّك. قيل القسمة إنّما تميّز العلم التصديقي عن الاعتقادات فلا تكون مفيدة لمعرفة مطلق العلم. أقول لا اشتباه للعلم بسائر الكيفيات النفسانية ولا العلم التصوّري إنّما الاشتباه للعلم التصديقي والقسمة المذكورة تميّزه عنهما فحصل معرفة العلم المطلق. وأمّا المثال فكأن يقال العلم هو المشابه لإدراك الباصرة، أو يقال هو كاعتقادنا أنّ الواحد نصف الاثنين.
والثالث أنّه نظري لا يعسر تحديده وذكر له تعريفات. الأول للحكماء أنّه حصول صورة الشيء في العقل. وبعبارة أخرى أنّه تمثّل ماهية المدرك في نفس المدرك، وهذا مبني على الوجود الذهني. وهذا التعريف شامل للظّنّ والجهل المركّب والتقليد والشكّ والوهم.
وتسميتها علما يخالف استعمال اللّغة والعرف والشرع، إذ لا يطلق على الجاهل جهلا مركّبا ولا على الظّان والشاك والواهم أنّه عالم في شيء من تلك الاستعمالات. وأمّا التقليد فقد يطلق عليه العلم مجازا ولا مشاحة في الاصطلاح. والمبحوث عنه في المنطق هو العلم بهذا المعنى لأنّ المنطق لما كان جميع قوانين الاكتساب فلا بدّ لهم من تعميم العلم.
ثم العلم إن كان من مقولة الكيف فالمراد بحصول الصورة الصورة الحاصلة. وفائدة جعله نفس الحصول التنبيه على لزوم الإضافة، فإنّ الصورة إنّما تسمّى علما إذا حصلت في العقل، وإن كان من مقولة الانفعال فالتعريف على ظاهره لأنّ المراد بحصول الصورة في العقل اتصافه بها وقبوله إياها.
اعلم أنّ العلم يكون على وجهين أحدهما يسمّى حصوليا وهو بحصول صورة الشيء عند المدرك ويسمّى بالعلم الانطباعي أيضا لأنّ حصول هذا العلم بالشيء إنّما يتحقّق بعد انتقاش صورة ذلك الشيء في الذهن لا بمجرّد حضور ذلك الشيء عند العالم، والآخر يسمّى حضوريا وهو بحضور الأشياء أنفسها عند العالم كعلمنا بذواتنا والأمور القائمة بها. ومن هذا القبيل علمه تعالى بذاته وبسائر المعلومات.
ومنهم من أنكر العلم الحضوري وقال إنّ العلم بأنفسنا وصفاتنا النفسانية أيضا حصولي، وكذلك علم الواجب تعالى. وقيل علمه تعالى بحصول الصورة في المجرّدات فإن جعل التعريف للمعنى الأعم الشامل للحضوري والحصول بأنواعه الأربعة من الإحساس وغيره وبما يكون نفس المدرك وغيره، فالمراد بالعقل الذات المجرّدة ومطلق المدرك وبالصورة ما يعمّ الخارجية والذهنية أي ما يتميّز به الشيء مطلقا، وبالحصول الثبوت والحضور سواء كان بنفسه أو بمثاله، وبالمغايرة المستفادة من الظرفية أعمّ من الذاتية والاعتبارية، وبفي معنى عند كما اختاره المحقّق الدواني. ولا يخفى ما فيه من التكلّفات البعيدة عن الفهم. وإن جعل التعريف للحصولي كان التعريف على ظاهره. والمراد بالعقل قوة للنفس تدرك الغائبات بنفسها والمحسوسات بالوسائط، وبصورة الشيء ما يكون آلة لامتيازه سواء كان نفس ماهية الشيء أو شبحا له، والظرفية على الحقيقة. اعلم أنّ القائلين بأنّ العلم هو الصورة فرقتان. فرقة تدّعي وتزعم أنّ الصور العقلية مثل وأشباح للأمور المعلومة بها مخالفة لها بالماهية، وعلى قول هؤلاء لا يكون للأشياء وجود ذهني بحسب الحقيقة بل بحسب المجاز، كأن يقال مثلا النار موجودة في الذهن ويراد أنّه يوجد فيه شبح له نسبة مخصوصة إلى ماهية النار، بسببها كان ذلك الشبح علما بالنار لا بغيرها من الماهيات، ويكون العلم حينئذ من مقولة الكيف ويصير العلم والمعلوم متغايرين ذاتا واعتبارا. وفرقة تدّعي أنّ تلك الصورة مساوية في الماهية للأمور المعلومة بها، بل الصور هي ماهيات المعلومات من حيث إنّها حاصلة في النفس، فيكون العلم والمعلوم متّحدين بالذات مختلفين بالاعتبار. وعلى قول هؤلاء يكون للأشياء وجودان خارجي وذهني بحسب الحقيقة. والتعريف الثاني للعلم مبني على هذا المذهب. وعلى هذا قال الشيخ؛ الإدراك الحقيقة المتمثّلة عند المدرك. والثاني لبعض المتكلمين من المعتزلة أنّه اعتقاد الشيء على ما هو به، والمراد بالشيء الموضوع أو النسبة الحكمية أي اعتقاد الشيء على وجه ذلك الشيء متلبّس به في حدّ ذاته من الثبوت والانتفاء. وفيه أنّه غير مانع لدخول التقليد المطابق فزيد لدفعه عن ضرورة أو دليل أي حال كون ذلك الاعتقاد المطابق كائنا عن ضرورة أو دليل واعتقاد المقلّد، وإن كان ناشئا عن دليل لأنّ قول المجتهد حجة للمقلّد إلّا أنّ مطابقته ليست ناشئة عن دليل، ولذا يقلده فيما يصيب ويخطئ، لكنه بقي الظّنّ الصادق الحاصل عن ضرورة أو دليل ظنّي داخلا فيه، إلّا أن يخصّ الاعتقاد بالجازم اصطلاحا. ويرد أيضا عليهم خروج العلم بالمستحيل فإنّه ليس شيئا اتفاقا، ومن أنكر تعلّق العلم بالمستحيل فهو مكابر للبديهي ومناقض لكلامه، لأنّ هذا الإنكار حكم على المستحيل بأنّه لا يعلم فيستدعي العلم بامتناع الحكم على ما ليس بمعلوم، إلّا أن يقال المستحيل شيء لغة ولو مجازا، وفيه أنّه يلزم حينئذ استعمال المجاز في التعريف بلا قرينة. وأيضا يرد عليهم خروج العلم التصوّري لعدم اندراجه في الاعتقاد فإنّه عبارة عن الحكم الذهني. والثالث للقاضي أبي بكر الباقلاني أنّه معرفة المعلوم على ما هو به فيخرج عنه علم الله تعالى إذ لا يسمّى علمه معرفة إجماعا لا لغة ولا اصطلاحا مع كونه معترفا بأنّ لله تعالى علما حيث أثبت له تعالى علما وعالمية وتعلّقا إمّا لأحدهما أو لكليهما كما سيجيء، فيكون العلم المطلق مشتركا معنويا عنده بين علم الواجب وعلم الممكن، فلا بدّ من دخوله في تعريف مطلق العلم بخلاف المعتزلة فإنّهم لا يعترفون العلم الزائد ويقولون إنّه عين ذاته تعالى. فلفظ العلم عندهم مشترك لفظي، فالتعريف المذكور يكون لمطلق العلم الحادث إذ لا مطلق سواه، ولذا لم يورد النقض عليهم بعلمه تعالى وأيضا ففيه دور إذ المعلوم مشتق من العلم ومعناه ما من شأنه أن يعلم أي أن يتعلّق به العلم، فلا يعرف إلّا بعد معرفته.
وأيضا فقيد على ما هو به قيد زائد إذ المعرفة لا تكون إلّا كذلك لأنّ إدراك الشيء لا على ما هو به جهالة لا معرفة، إذ لا يقال في اللغة والعرف والشرع للجاهل جهلا مركّبا أنّه عارف.
كيف ويلزم حينئذ أن يكون أجهل الناس أعرفهم. والرابع للشيخ أبي الحسن الأشعري فقال تارة بالقياس إلى متعلّق العلم هو إدراك المعلوم على ما هو به وفيه دور، وتارة بالقياس إلى محلّ العلم هو الذي يوجب كون من قام به عالما وبعبارة أخرى هو الذي يوجب لمن قام بهبها إخراجا لإدراك الحواس الباطنة فإنّه إدراك المعاني الجزئية ويسمّى ذلك الإدراك تخيّلا وتوهّما. فالعلم عنده بمعنى التعقّل، وبقوله لا يحتمل النقيض أي لا يحتمل ذلك الشيء المتعلّق نقيض ذلك التمييز بوجه من الوجوه خرج الظّنّ والشكّ والوهم لأنّها توجب لمحلّها تمييزا يحتمل النقيض في الحال، وكذا الجهل المركّب والتقليد فإنّهما يوجبان تمييزا يحتمل النقيض في المآل. أمّا في الجهل فلأنّ الواقع يخالفه فيجوز أن يطلع عليه، وأمّا في التقليد فلعدم استناده إلى موجب من حسّ أو بديهة أو عادة أو برهان، فيجوز أن يزول بتقليد آخر.
قيل فيه أنّ إخراج الشكّ والوهم من التعريف مما لا يعرف وجهه لأنّ كلاهما تصوّران على ما بيّن في موضعه، والتصوّر داخل في التعريف بناء على أن لا نقيض للتصوّر أصلا وسيجيء تحقيقه في لفظ النقيض فلا وجه لإخراجه، بل لا وجه لصحته أصلا. قلت الشكّ والوهم من حيث إنّه تصوّر للنسبة من حيث هي هي لا نقيض له، وهما بهذا الاعتبار داخلان في العلم. وأمّا باعتبار أنّه يلاحظ في كلّ منهما النسبة مع كلّ واحد من النفي والإثبات على سبيل تجويز المساوي والمرجوح. ولذا يحصل التردّد والاضطراب فله نقيض، فإنّ النسبة من حيث يتعلّق بها الإثبات تناقضها من حيث يتعلّق بها النفي، وهما بهذين الاعتبارين خارجان عن العلم صرّح بهذين الاعتبارين السيّد السّند في حاشية العضدي. ثم إن كان المعرّف شاملا لعلم الواجب وغيره يجب أن يراد بالإيجاب أعمّ سواء كان بطريق السببية كما في علم الواجب أو بطريق العادة كما في علم الخلق، وإن كان المعرّف علم الخلق يجب تخصيصه بالإيجاب العادي على ما هو المذهب من استناد جميع الممكنات إلى الله تعالى ابتداء، فالمعنى أنّ العلم صفة قائمة بالنفس يخلق الله تعالى عقيب تعلّقها بالشيء أن يكون النفس. مميزا له تمييزا لا يحتمل النقيض. فعلى هذا الضمير في لا يحتمل راجع إلى المتعلّق الدال عليه لفظ التمييز فإنّ التمييز لا يكون إلّا بشيء. فعدم الاحتمال صفة لمتعلّقه وإنّما لم يكن راجعا إلى نفس التمييز لأنّه إن كان المراد به المعنى المصدري أعني كون النفس مميزا فلا نقيض له أصلا لا في التصوّر ولا في التصديق، وإن كان ما به التمييز أعني الصورة في التصوّر والنفي والإثبات في التصديق فلا معنى لاحتماله نقيض نفسه إذ الواقع لا يكون إلّا أحدهما مع مخالفته لما اشتهر من أنّ اعتقاد الشيء كذا، مع العلم بأنّه لا يكون إلّا كذا علم ومع الاحتمال بأنّه لا يكون كذا ظنّ، فإنّه صريح في أنّ المتعلّق أعني الشيء محتمل، ثم المتعلّق للصورة الماهية وللنفي والإثبات الطرفان. ثم المراد بالنقيض إمّا نقيض المتعلّق كما قيل وحينئذ المراد بالتمييز إمّا المعنى المصدري، فالمعنى صفة توجب لمحلّها أن يكشف لمتعلقها بحيث لا يحتمل المتعلّق نقيضه، وحينئذ يكون الصفة نفس الصورة والنفي والإثبات لا ما يوجبها أو ما به التمييز، وحينئذ تكون الصفة ما يوجبها. ولا يخفى ما فيه لأنّ الشيء لا يكون محتملا لنقيضه أصلا من الصورة والنفي والإثبات كما مرّ، إذ الواقع لا يكون إلّا أحدهما فلا وجه لذكره أصلا، إلّا أن يقال المتعلّق وإن لم يكن محتملا لنقيضه في نفس الأمر لكن يحتمله عند المدرك بأن يحصل كلّ منهما بذلك الآخر، وهذا غير ظاهر. وإمّا نقيض التمييز كما هو التحقيق كما قيل أيضا وحينئذ إمّا أن يراد بالتمييز المعنى المصدري وهو حاصل التحرير الذي سبق وهذا أيضا بالنظر إلى الظاهر لأنّ التمييز بالمعنى المصدري ليس له نقيض يحتمله المتعلّق أصلا، وإمّا ما به التمييز وهذا هو التحقيق الحقيقي.
فخلاصة التعريف أنّ العلم أمر قائم بالنفس يوجب لها أمرا به تميّز الشيء عما عداه بحيث لا يحتمل ذلك الشيء نقيض ذلك الأمر. فإذا تعلّق علمنا مثلا بماهية الإنسان حصل عند النفس صورة مطابقة لها لا نقيض لها أصلا، بها تميّزها عما عداه. وإذا تعلّق علمنا بأنّ العالم حادث حصل عندها إثبات أحد الطرفين للآخر بحيث تميّزها عما عداهما، لكن قد يكون مطابقا جازما فلا يحتمل النقيض، أعني النفي وقد لا يكون فيحتمله. فالعلم ليس نفس الصورة والنفي والإثبات عند المتكلّمين بل ما يوجبها فإنّهم يقولون إنّه صفة حقيقية ذات إضافة يخلقها الله تعالى بعد استعمال العقل أو الحواس أو الخبر الصادق تستتبع انكشاف الأشياء إذا تعلّقت بها، كما أنّ القدرة والسمع والبصر كذلك. وما هو المشهور من أنّ العلم هو الصورة الحاصلة فهو مذهب الفلاسفة القائلين بانطباع الأشياء في النفس وهم ينفونه، والتقسيم إلى التصوّر والتصديق ليس بالذات عندهم، بل العلم باعتبار إيجابه النفي والإثبات تصديق، وباعتبار عدم إيجابه لهما تصوّر؛ وعلى هذا قيل بأنّه إن خلا عن الحكم فتصوّر وإلّا فتصديق. والمراد بالصورة عندهم الشّبح والمثال الشبيه بالمتخيّل في المرآة، وليس هذا من الوجود الذهني، فإنّ من قال به يقول إنّه أمر مشارك للوجود الخارجي في تمام الماهية فلا يرد أنّ القول بالصورة فرع الوجود الذهني، والمتكلمون ينكرونه. والمراد بالنفي والإثبات المعنى المصدري وهو إثبات أحد الطرفين للآخر وعدم إثبات أحدهما له، ولذا جعلوا متعلّقهما الطرفين لا إدراك أنّ النسبة واقعة أو ليست بواقعة كما هو مصطلح الفلاسفة، فلا يرد أنّ النفي والإثبات ليسا نقيضين لارتفاعهما عن الشّكّ وإرادة الصورة عن التمييز ليس على خلاف الظاهر، بل مبني على المساهلة والاعتماد على فهم السامع للقطع بأنّ المحتمل للنقيض هو التمييز بمعنى الصورة والنفي والإثبات دون المصدري فتأمّل، فإنّ هذا المقام من مطارح الأذكياء. وقيل المراد نقيض الصفة وقوله لا يحتمل صفة للصفة لا للتمييز، وضمير لا يحتمل راجع إلى المتعلّق، فالمعنى صفة توجب تمييزا لا يحتمل متعلّقها نقيض تلك الصفة، فالتصوّر حينئذ نفس الصورة لا ما يوجبها وكذا التصديق نفس الإثبات والنفي والتمييز بالمعنى المصدري. ولا يخفى أنّه خلاف الظاهر، والظاهر أن يكون لا يحتمل صفة للتمييز ومخالف لتعريف العلم عند القائلين بأنّه من باب الإضافة. وقالوا إنّه نفس التعلّق وعرّفوه بأنّه تمييز معنى عند النفس لا يحتمل النقيض، فإنّه لا يمكن أن يراد فيه نقيض الصفة، والتمييز في هذا التعريف بمعنى الانكشاف، وإلّا لم يكن العلم نفس التعلّق؛ فالانكشاف التصوّري لا نقيض له وكذا متعلّقه، والانكشاف التصديقي أعني النفي والإثبات كلّ واحد منهما نقيض الآخر ومتعلّقه قد يحتمل النقيض وقد لا يحتمله. وقد أورد على الحدّ المختار العلوم العادية فإنّها تحتمل النقيض، والجواب أنّ احتمال العاديات للنقيض بمعنى أنّه لو فرض نقيضها لم يلزم منه محال لذاته غير احتمال متعلّق التمييز الواقع فيه، أي في العلم العادي للنقيض، لأنّ الاحتمال الأول راجع إلى الإمكان الذاتي الثابت للممكنات في حدّ ذاتها، حتى الحسّيات التي لا تحتمل النقيض اتفاقا.
والاحتمال الثاني هو أن يكون متعلّق التمييز محتملا لأن يحكم فيه المميز بنقيضه في الحال أو في المآل ومنشأه ضعف ذلك التمييز إمّا لعدم الجزم أو لعدم المطابقة أو لعدم استناده إلى موجب، وهذا الاحتمال الثاني هو المراد.
والتعريف الأحسن الذي لا تعقيد فيه هو أنّه يتجلّى بها المذكور لمن قامت هي به، فالمذكور يتناول الموجود والمعدوم والممكن والمستحيل بلا خلاف، ويتناول المفرد والمركّب والكلّي والجزئي، والتجلّي هو الانكشاف التام فالمعنى أنّه صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر انكشافا تاما لا اشتباه فيه. واختيار كلمة من لإخراج التجلّي الحاصل للحيوانات العجم فقد خرج النور فإنّه يتجلّى به لغير من قامت به، وكذا الظّنّ والجهل المركّب والشّكّ والوهم واعتقاد المقلّد المصيب أيضا لأنّه في الحقيقة عقدة على القلب، فليس فيه انكشاف تام. هذا كلّه خلاصة ما في شرح المواقف وما حقّقه المولوي عبد الحكيم في حاشيته وحاشية الخيالي.
فائدة:
قال المتكلّمون لا بدّ في العلم من إضافة ونسبة مخصوصة بين العالم والمعلوم بها يكون العالم عالما بذلك المعلوم والمعلوم معلوما لذلك العالم، وهذه الإضافة هي المسمّاة عندهم بالتعلّق. فجمهور المتكلّمين على أنّ العلم هو هذا التعلّق إذ لم يثبت غيره بدليل فيتعدّد العلم بتعدّد المعلومات كتعدّد الإضافة بتعدّد المضاف إليه. وقال قوم من الأشاعرة هو صفة حقيقية ذات تعلّق، وعند هؤلاء فثمة أمر أنّ العلم وهو تلك الصفة والعالمية أي ذلك التعلّق، فعلى هذا لا يتعدّد العلم بتعدّد المعلومات إذ لا يلزم من تعلّق الصفة بأمور كثيرة تكثر الصفة، إذ يجوز أن يكون لشيء واحد تعلّقات بأمور متعدّدة.
وأثبت القاضي الباقلاني العلم الذي هو صفة موجودة والعالمية التي هي من قبيل الأحوال عنده وأثبت معها تعلّقا، فإمّا للعلم فقط أو للعالمية فقط، فههنا ثلاثة أمور: العلم والعالمية والتعلّق الثابت لأحدهما، وإمّا لهما معا، فههنا أربعة أمور: العلم والعالمية وتعلّقاهما. وقال الحكماء العلم هو الموجود الذهني إذ يعقل ما هو عدم صرف بحسب الخارج كالممتنعات والتعلّق إنّما يتصوّر بين شيئين متمايزين ولا تمايز إلّا بأن يكون لكلّ منهما ثبوت في الجملة، ولا ثبوت للمعدوم في الخارج فلا حقيقة له إلّا الأمر الموجود في الذهن، وذلك الأمر هو العلم. وأمّا التعلّق فلازم له والمعلوم أيضا فإنّه باعتبار قيامه بالقوة العاقلة علم، وباعتباره في نفسه من حيث هو هو معلوم، فالعلم والمعلوم متّحدان بالذات مختلفان بالاعتبار؛ وإذا كان العلم بالمعدومات كذلك وجب أن يكون سائر المعلومات أيضا كذلك، إذ لا اختلاف بين أفراد حقيقة واحدة نوعية، كذا في شرح المواقف.
قال مرزا زاهد هذا في العلم الحصولي وأما في الحضوري فالعلم والمعلوم متّحدان ذاتا واعتبارا، ومن ظنّ أنّ التغاير بينهما في الحضوري أيضا اعتبارا كتغاير المعالج والمعالج فقد اشتبه عليه التغاير الذي هو مصداق تحقّقهما بالتغاير الذي هو بعد تحقّقهما، فإنّه لو كان بينهما تغاير سابق لكان العلم الحضوري صورة منتزعة من المعلوم وكان علما حصوليا. وفي أبي الفتح حاشية الحاشية الجلالية أمّا القائلون بالوجود الذهني من الحكماء وغيرهم فاختلفوا اختلافا ناشئا من أنّ العلم ليس حاصلا قبل حصول الصورة في الذهن بداهة واتفاقا، وحاصل عنده بداهة واتفاقا، والحاصلة معه ثلاثة أمور: الصورة الحاصلة وقبول الذهن من المبدأ الفيّاض وإضافة مخصوصة بين العالم والمعلوم.
فذهب بعضهم إلى أنّ العلم هو الصورة الحاصلة فيكون من مقولة الكيف، وبعضهم إلى أنّه الثاني فيكون من مقولة الانفعال، وبعضهم إلى أنّه الثالث فيكون من مقولة الإضافة. والأصح المذهب الأول لأنّ الصورة توصف بالمطابقة كالعلم، والإضافة والانفعال لا يوصفان بها، لكن القول بأنّ الصورة العقلية من مقولة الكيف إنّما يصحّ إذا كانت مغايرة لذي الصورة بالذات قائمة بالعقل كما هو مذهب القائلين بالشّبح والمثال الحاكمين بأنّ الحاصل في العقل أشباح الأشياء لا أنفسها. وأمّا إذا كانت متّحدة معه بالذات مغايرة له بالاعتبار على ما يدلّ عليه أدلة الوجود الذهني وهو المختار عند المحقّقين القائلين بأنّ الحاصل في الذهن أنفس الأشياء لا أشباحها فلا يصحّ ذلك. فالحقّ أنّ العلم من الأمور الاعتبارية والموجودات الذهنية، وإن كان متحدا بالذات مع الموجود الخارجي إذا كان المعلوم من الموجودات الخارجية سواء كان جوهرا أو عرضا كيفا أو انفعالا أو إضافة أو غيرها. انتهى في شرح المواقف.
قال الإمام الرازي قد اضطرب كلام ابن سينا في حقيقة العلم فحيث بيّن أنّ كون الباري عقلا وعاقلا ومعقولا يقتضي كثرة في ذاته، فسّر العلم بتجرّد العالم والمعلوم من المادة. وردّ بأنّه يلزم منه أنّ يكون كلّ شخص إنساني عالما بجميع المجرّدات، فإنّ النفس الإنسانية مجرّدة عندهم. وحيث قرّر اندراج العلم في مقوله الكيف بالذات وفي مقولة الإضافة بالعرض جعله عبارة عن صفة ذات إضافة. وحيث ذكر أنّ تعقّل الشيء لذاته ولغير ذاته ليس إلّا حضور صورته عنده جعله عبارة عن الصورة المرتسمة في الجوهر العاقل المطابقة لماهية المعقول.
وحيث زعم أنّ العقل البسيط الذي لواجب الوجود ليس عقليته لأجل صور كثيرة بل لأجل فيضانها حتى يكون العقل البسيط كالمبدإ الخلّاق للصور المفصّلة في النفس جعله عبارة عن مجرّد إضافة.

التقسيم:
للعلم تقسيمات. الأول إلى الحضوري والحصولي كما عرفت. الثاني إلى أنّ العلم الحادث إمّا تصوّر أو تصديق، والعلم القديم لا يكون تصوّرا ولا تصديقا، وقد سبق في لفظ التّصوّر. الثالث إلى أنّ الأشياء المدركة أي المعلومة تنقسم إلى ما لا يكون خارجا عن ذات المدرك أي العالم وإلى ما يكون. أما في الأول فالحقيقة الحاصلة عند المدرك هي نفس حقيقتها، وأمّا في الثاني فهي تكون غير الحقيقة الموجودة في الخارج بل هي إمّا صورة منتزعة من الخارج إن كان الإدراك مستفادا من خارج كما في العلم الانفعالي أو صورة حصلت عند المدرك ابتداء، سواء كانت الخارجية مستفادة منها كما في العلم الفعلي، أو لم تكن. وعلى التقديرين فإدراك الحقيقة الخارجية بحصول تلك الصورة الذهنية عند المدرك والاحتياج إلى الانتزاع إنّما هو في المدرك المادي لا غير، كذا في شرح الإشارات. وفي شرح الطوالع الشيء المدرك إمّا نفس المدرك أو غيره، وغيره إمّا غير خارج عنه أو خارج عنه، والخارج عنه إمّا مادي أو غير مادي، فهذه أربعة أقسام.
الأول ما هو نفس المدرك. والثاني ما هو غيره لكنه غير خارج عنه. والثالث ما هو خارج عنه لكنه ماديّ. والرابع ما هو خارج عنه لكنه غير مادي. والأوّلان منها إدراكهما بحصول نفس الحقيقة عند المدرك فيكون إدراكهما حضوريا والأول بدون حلول والثاني بالحلول، والآخران لا يكون إدراكهما بحصول نفس الحقيقة الخارجية بل بحصول مثال الحقيقة، سواء كان الإدراك مستفادا من الخارجية أو الخارجية مستفادة من الإدراك، والثالث إدراكه بحصول صورة منتزعة عن المادة مجرّدة عنها، والرابع لم يفتقر إلى الانتزاع، الرابع إلى واجب أي ممتنع الانفكاك عن العالم كعلمه بذاته وممكن كسائر العلوم. الخامس إلى فعلي ويسمّى كلّيا قبل الكثرة وهو ما يكون سببا لوجود المعلوم في الخارج كما نتصوّر السرير مثلا ثم نوجده، وانفعالي ويسمّى كلّيا بعد الكثرة وهو ما يكون مسبّبا عن وجود العالم بأن يكون مستفادا من الوجود الخارجي كما يوجد أمرا في الخارج كالسماء والأرض ثم نتصوّره، فالفعلي ثابت قبل الكثرة والانفعالي بعدها، فالعلم الفعلي كلّي يتفرّع عليه الكثرة وهي الأفراد الخارجية والعلم الانفعالي كلّي يتفرّع على الكثرة. وقد يقال إنّ لنا كلّيا مع الكثرة لكنه من قبيل العلم ومبني على وجود الطبائع الكلّية في ضمن الجزئيات الخارجية.

قال الحكماء: علم الله تعالى بمصنوعاته فعلي لأنّه السّبب لوجود الممكنات في الخارج؛ لكن كون علمه تعالى سببا لوجودها لا يتوقّف على الآلات، بخلاف علمنا بأفعالنا، ولذلك يتخلّف صدور معلومنا عن علمنا. وقالوا إنّ علمه تعالى بأحوال الممكنات على أبلغ النّظام وأحسن الوجوه بالقياس إلى الكلّ من حيث هو كلّ، هو الذي استند عليه وجودها على هذا الوجه دون سائر الوجوه الممكنة، وهذا العلم يسمّى عندهم بالعناية الأزلية. وأمّا علمه تعالى بذاته فليس فعليا ولا انفعاليا أيضا، بل هو عين ذاته بالذات وإن كان مغايرا له بالاعتبار.
السادس إلى ما يعلم بالفعل وهو ظاهر وما يعلم بالقوة كما إذا في يد زيد اثنان فسألنا أزوج هو أو فرد؟ قلنا نعلم أنّ كلّ اثنين زوج، وهذا اثنان، فنعلم أنّه زوج علما بالقوة القريبة من الفعل وإن لم نكن نعلم أنّه بــعينــه زوج، وكذلك جميع الجزئيات المندرجة تحت الكلّيات فإنّها معلومة بالقوة قبل أن يتنبّه للاندراج. فالنتيجة حاصلة في كبرى القياس، هكذا قال بعض المتكلّمين. السابع إلى تفصيلي وإجمالي، والتفصيلي كمن ينظر إلى أجزاء المعلوم ومراتبه بحسب أجزائه بأن يلاحظها واحدا بعد واحد، والإجمالي كمن يعلم مسئلة فيسأل عنها فإنّه يحضر الجواب الذي هو تلك المسألة بأسرها في ذهنه دفعة واحدة وهو أي ذلك الشخص المسئول متصوّر للجواب لأنّه عالم بأنه قادر عليه، ثم يأخذ في تقرير الجواب، فيلاحظ تفصيله، ففي ذهنه أمر بسيط هو مبدأ التفاصيل؛ والتفرقة بين الحالة الحاصلة دفعة عقيب السؤال وبين حالة الجهل الثابتة قبل السؤال وملاحظة التفصيل ضرورية وجدانية، إذ في حالة الجهل المسماة عقلا بالفعل ليس إدراك الجواب حاصلا بالفعل بل النفس في تلك الحالة تقوى على استحضاره بلا تجشّم كسب جديد، فهناك قوة محضة. وفي الحالة الحاصلة عقيب السؤال قد حصل بالفعل شعور وعلم ما بالجواب لم يكن حاصلا قبله. وفي الحالة التفصيلية صارت الأجزاء ملحوظة قصدا ولم يكن حاصلا في شيء من الحالتين السابقتين، وشبه ذلك بمن يرى نعما كثيرة تارة دفعة فإنّه يرى في هذه الحالة جميع أجزائه ضرورة، وتارة بأن يحدّق البصر نحو واحد واحد فيفصّل أجزاؤه. فالرؤية الأولى إجمالية والثانية تفصيلية. وأنكر الإمام الرازي العلم الإجمالي.
فائدة:
العلم الإجمالي على تقدير جواز ثبوته في نفسه هل يثبت لله تعالى أولا؟ جوّزه القاضي والمعتزلة، ومنعه كثير من أصحابنا وأبو الهاشم. والحقّ أنّه إن اشترط في الإجمالي الجهل بالتفصيل امتنع عليه تعالى، وإلّا فلا.
الثامن إلى التعقّل والتوهّم والتخيّل والإحساس وقد سبق في لفظ الإحساس. التاسع إلى الضروري والنظري، وعلم الله تعالى عند المتكلّمين لا يوصف بضرورة ولا كسب، فهو واسطة بينهما وأما عند المنطقيين فداخل في الضروري وقد سبق. فائدة:
الفرق بين العلم بالوجه وبين العلم بالشيء من وجه أنّ معنى الأول حصول الوجه عند العقل ومعنى الثاني أنّ الشيء حاصل عند العقل لكن لا حصولا تاما، فإنّ التصوّر قابل للقوة والضعف كما إذا تراءى لك شبح من بعيد فتصوّرته تصورا ما، ثم يزداد انكشافا عندك بحسب تقاربك إليه إلى أن يحصل في عقلك كمال حقيقته. ولو كان العلم بالوجه هو العلم بالشيء من ذلك الوجه على ما ظنّه من لا تحقيق له لزم أن يكون جميع الأشياء معلومة لنا مع عدم توجّه عقولنا إليها، وذلك ظاهر الاستحالة، كذا في شرح المطالع في بحث الموضوع. وقال المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح المواقف في المقصد الرابع من مقاصد العلم في الموقف الأول: اعلم أنّهم اختلفوا في علم الشيء بوجه وعلم وجه الشيء. فقال من لا تحقيق له إنّه لا تغاير بينهما أصلا. وقال المتأخّرون بالتغاير بالذات إذ في الأول الحاصل في الذهن نفس الوجه وهو آلة لملاحظة الشيء، والشيء معلوم بالذات، وفي الثاني الحاصل في الذهن صورة الوجه وهو المعلوم بالذات من غير التفات إلى الشيء ذي الوجه. وقال المتقدّمون بالتغاير بالاعتبار إذ لا شكّ في أنّه لا يمكن أن يشاهد بالضاحك أمر سواه، إلا أنّه إذا اعتبر صدقه على أمر واتحاده معه كما في موضوع القضية المحصورة كان علم الشيء بالوجه، وإذا اعتبر مع قطع النظر عن ذلك كان علم الوجه كما في موضوع القضية الطبيعية.
فائدة:
أثبت أبو هاشم علما لا معلوم له كالعلم بالمستحيل فإنّه ليس بشيء والمعلوم شيء وهذا أمر اصطلاحي محض لا فائدة فيه.
فائدة:
محلّ العلم الحادث سواء كان متعلّقا بالكلّيات أو بالجزئيات عند أهل الحقّ غير متــعيّن عقلا، بل يجوز عندهم عقلا أن يخلق الله تعالى في أيّ جوهر أراد من جواهر البدن؛ لكنّ السّمع دلّ على أنّه القلب. قال تعالى: فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها. وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها. هذا وقد اختلف المتكلّمون في بقاء العلم، فالأشاعرة قضوا باستحالة بقائه كسائر الأعراض عندهم. وأما المعتزلة فقد أجمعوا على بقاء العلوم الضرورية والمكتسبة التي لا يتعلّق بها التكليف. واختلفوا في العلوم المكتسبة المكلّف بها، فقال الجبائي إنّها ليست باقية وإلّا لزم أن لا يكون المكلّف بها حال بقائها مطيعا ولا عاصيا ولا مثابا ولا معاقبا مع تحقق التكليف وهو باطل بناء على أنّ لزوم الثواب أو العقاب على ما كلّف به. وخالفه أبو هاشم في ذلك وأوجب بقاء العلوم مطلقا. وقال الحكماء محلّ العلم الحادث النفس الناطقة أو المشاعر العشر الظاهرة والباطنة وقد سبق في لفظ الحسّ.
فائدة:
علم الله سبحانه بذاته نفس ذاته، فالعالم والمعلوم واحد وهو الوجود الخاص، كذا في شرح الطوالع، أي واحد بالذات، أمّا بالاعتبار فلا بدّ من التغاير. ثم قال: وعلم غير الله تعالى بذاته وبما ليس بخارج عن ذاته هو حصول نفس المعلوم، ففي العلم بذاته العالم والمعلوم واحد، والعلم وجود العالم والمعلوم والوجود زائد، فالعلم غير العالم والمعلوم، والعلم بما ليس بخارج عن العالم من أحواله غير العالم والمعلوم والمعلوم أيضا غير العالم، فيتحقّق في الأول أمر واحد وفي الثاني اثنان وفي الثالث ثلاثة؛ والعلم بالشيء الذي هو خارج عن العالم عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم فيتحقّق أمور أربعة: عالم ومعلوم وعلم وصورة. فالعلم حصول صورة المعلوم في العالم، ففي العلم بالأشياء الخارجة عن العالم صورة وحصول تلك الصورة وإضافة الصورة إلى الشيء المعلوم وإضافة الحصول إلى الصورة. وفي العلم بالأشياء الغير الخارجة عن العالم حصول نفس ذلك الشيء الحاصل وإضافة الحصول إلى نفس ذلك الشيء. ولا شكّ أنّ الإضافة في جميع الصور عرض. وأمّا نفس حقيقة الشيء في العلم بالأشياء الغير الخارجة عن العالم يكون جوهرا إن كان المعلوم ذات العالم لأنّه حينئذ تكون تلك الحقيقة موجودة لا في موضوع ضرورة كون ذات الموضوع العالم كذلك، وإن كان المعلوم حال العالم يكون عرضا. وأمّا الصورة في العلم بالأشياء الخارجة عن العالم فإن كانت صورة لعرض بأن يكون المعلوم عرضا فهو عرض بلا شكّ، وإن كانت صورة لجوهر بأن يكون المعلوم جوهرا فعرض أيضا انتهى. وهذا مبني على القول بالشّبح، وأمّا على القول بحصول ماهيات الأشياء في الذهن فجوهر.
فائدة:

قال الصوفية: علم الله سبحانه صفة نفسية أزلية. فعلمه سبحانه بنفسه وعلمه بخلقه علم واحد غير منقسم ولا متعدّد، لكنه يعلم نفسه بما هو له ويعلم خلقه بما هم عليه، ولا يجوز أن يقال إنّ معلوماته أعطته العلم من أنفسها كما قال الامام محي الدين العربي لئلّا يلزم كونه استفاد شيئا من غيره، فلنعذره. ولا نقول كان ذلك مبلغ علمه ولكنّا وجدناه سبحانه بعد هذا يعلمها بعلم أصلي منه غير مستفاد مما هي عليه فيما اقتضته بحسب ذواتها، غير أنّها اقتضت في نفسها ما علمه سبحانه عليها فحكم له ثانيا بما اقتضته وهو ما علمها عليه. ولمّا رأى الإمام المذكور أنّ الحقّ حكم للمعلومات بما اقتضته من نفسها ظنّ أنّ علم الحقّ مستفاد من اقتضاء المعلومات، فقال إنّ المعلومات أعطت الحق العلم من نفسها وفاته أنّها إنّما اقتضت ما علمها عليه بالعلم الكلّي الأصلي النفسي قبل خلقها وإيجادها، فإنّها ما تــعيّنــت في العلم الإلهي إلّا بما علمها لا بما اقتضته ذواتها، ثم اقتضت ذواتها بعد ذلك من نفسها أمورا هي عين ما علمها عليه أوّلا، فحكم لها ثانيا بما اقتضته، وما حكم إلّا بما علمها عليه فتأمّل، فيسمّى الحقّ عليما بنسبة العلم إليه مطلقا وعالما بنسبة معلومية الأشياء إليه، وعلّاما بنسبة العلم ومعلومية الأشياء إليه معا. فالعليم اسم صفة نفسية لعدم النظر فيه إلى شيء مما سواه، إذ العلم ما يستحقّه النفس في كمالها لذاتها. وأمّا العالم فاسم صفة فعلية وذلك علمه للأشياء سواء كان علمه لنفسه أو لغيره فإنّها فعلية، يقال عالم بنفسه أي علم نفسه وعالم بغيره أي علم غيره، فلا بدّ أن تكون صفة فعلية. وأمّا العلّام فبالنظر إلى النسبة العلمية اسم صفة نفسية كالعليم وبالنظر إلى نسبة معلومية الأشياء إليه اسم صفة فعلية، ولذا غلب وصف الخلق باسم العالم دون العليم والعلّام، فيقال فلان عالم ولا يقال عليم ولا علّام مطلقا، إلّا أن يقال عليم بأمر كذا، ولا يقال علّام بأمر كذا، بل إن وصف بشخص فلا بدّ من التقييد، فيقال فلان علّام في فنّ كذا، وهذا على سبيل التوسّع والتجوّز. وليس قولهم فلان علّامة من هذا القبيل لأنّه ليس من أسماء الله تعالى، فلا يجوز أن يقال إنّ الله علّامة فافهم، كذا في الانسان الكامل. والعالم في اصطلاح المتصوفة: هو الذي وصل إلى علم اليقين بذات وصفات وأسماء الله، وليس بطريق الكشف والشّهود.
كذا في كشف اللغات.
العلم: بالتحريك، ما وضع "لشيء" وهو العلم القصدي، أو غلب والعلم الاتفاقي الذي يصير علما لا بوضع واضع بل بكثرة الاستعمال مع الإضافة، أو اللازم لشيء بــعينــه خارجا أو ذهنا ولم يتناول الشبيه.
العلم:
[في الانكليزية] Proper name
[ في الفرنسية] Nom propre
بفتح الــعين واللام عند النحاة قسم من المعرفة، وهو ما وضع لشيء بــعينــه غير متناول غيره بوضع واحد. فقولهم لشيء بــعينــه أي متلبس بــعينــه أي لشيء مــعيّن شخصا كان وهو العلم الشخصي كزيد، أو جنسا وهو العلم الجنسي، وعلم الجنس والعلم الذهني كأسامة. واحترز بهذا عن النّكرة والأعلام الغالبة التي تــعيّنــت لفرد مــعيّن لغلبة الاستعمال فيه داخلة في التعريف لأنّ غلبة استعمال المستعملين بحيث اختصّ العلم الغالب لفرد مــعيّن بمنزلة الوضع من واضع المــعيّنــ، فكأنّ هؤلاء المستعملين وضعوه للمــعيّن. وقولهم غير متناول غيره أي حال كون ذلك الاسم الموضوع لشيء مــعيّن غير متناول غير ذلك الشيء باستعماله فيه، واحترز به عن المعارف كلّها. والقيد الأخير لئلّا يخرج الأعلام المشتركة كذا في الفوائد الضيائية.
اعلم أنّ هذا التعريف مبني على مذهب المتأخرين الذاهبين إلى أنّ ما سوى العلم معارف وضعية أيضا لا استعمالية كما هو مذهب الجمهور، إذ لو لم يكن كذلك فقولهم غير متناول غيره مما لا يحتاج إليه لخروج ما سوى العلم من المعارف بقيد الوضع لأنّها ليست موضوعة لشيء مــعيّن بل لمفهوم كلّي، إلّا أنه شرط حين الوضع أن لا يستعمل إلّا في مــعيّن كما سيأتي في لفظ المعرفة. واعترض عليه بأنّ العلم الشخصي ليس موضوعا لشيء مــعيّن لأنّ الموضوع للشخص من وقت حدوثه إلى فنائه لفظ واحد، والتشخّص الذي لوحظ حين الوضع يتبدل كثيرا، فلا محالة يكون اللفظ موضوعا للشخص، لكلّ تشخّص تشخّص ملحوظ بأمر كلّي، فالعلم كالمضمر. وأجيب بأنّ وجود الماهية لا ينفكّ عن تشخّص باق ببقاء الوجود يعرف بعوارض بعده وتلك العوارض تتبدّل ويأخذ العقل العوارض المتبدلة أمارات يعرف بها ذلك التشخّص. فاللفظ موضوع للشخص بذلك التشخّص لا للمتشخّص بالعوارض، ولو كان التشخّص بالعوارض لكان للجزئي أشخاص متّحدة في الوجود، وما اشتهر من أنّ التشخّص بالعوارض مسامحة مؤوّلة بأنّه أمر يعرف بعوارض. وأمّا أنّ ذلك التشخّص هل هو متحقّق مبرهن أو مجرّد توهّم فموكول إلى علم الكلام والحكمة ولا حاجة لنا إليه في وضع اللفظ للمشخّص لأنّ أيّا ما كان يكفي فيه. بقي أنّ العلم لو كان موضوعا للشخص بــعينــه لم يصح تسمية الآباء أبناءهم المتولّدة في غيبتهم بأعلام، وتأويله بأنّه تسمية صورة أو أمر بالتسمية حقيقة أو وعد بها بعيد، وأنّ الوضع في اسم الله مشكل حينئذ لعدم ملاحظته بــعينــه وشخصه حين الوضع وبعد لم يعلم بالوضع له بشخصه للمخاطبين به، وإنّما يفهم منه مــعيّن مشخّص في الخارج بعنوان ينحصر فيه، ولذا قيل إنّه اسم للمفهوم الكلّي المنحصر فيه تعالى من الواجب لذاته أو المستحقّ بالعبودية لذاته، إلّا أن يراد بالشيء بشخصه كونه متــعيّنــا بحيث لا يحتمل التعدّد بحسب الخارج ولا يطلب له منع العقل عن تجويز الشركة فيه. وقال بعض البلغاء: العلم ما وضع لشيء بشخصه وهذا إنّما يصح إن لم يكن علم الجنس علما عند أصحاب فنّ البلاغة لأنّه دعت إليه ضرورات نحوية، وهم في سعة عنه، ولا يكون غير العلم موضوعا لشيء بشخصه بناء على أنّ ما سوى العلم معارف استعمالية كما هو مذهب الجمهور. هكذا يستفاد من الأطول في باب المسند إليه في بيان فائدة جعله علما. قيل الأعلام الجنسية أعلام حقيقة كالأعلام الشخصية، إذ في كلّ منهما إشارة بجوهر اللفظ إلى حضور المسمّى في الذهن بخلاف المنكّر إذ ليس فيه إشارة إلى المعلوم من حيث هو معلوم. وقيل علم الجنس من الأعلام التقديرية واللفظية لأنّ الأحكام اللفظية من وقوعه مبتدأ وذا حال ووصفا للمعرفة وموصوفا بها ونحو ذلك هي التي اضطرتهم إلى الحكم بكونه علما حتى تكلّفوا فيه ما تكلّفوا، هكذا يستفاد مما ذكر في المطول وحاشيته للسّيد السّند. والفرق بين علم الجنس واسم الجنس قد مرّ في لفظ اسم الجنس. وفي بعض حواشي الألفية اسم الجنس موضوع للفرد لا على التعيين كالأسد، وعلم الجنس موضوع للحقيقة فقط. وعلم النوع موضوع للفرد المــعيّن لا على التعيين كغدوة وعلم الشخص للفرد المــعيّن على الخصوص. فاسم الجنس نكرة لفظا ومعنى، وعلم الجنس معرفة لفظا لا معنى، وعلم الشخص معرفة لفظا ومعنى، وعلم النوع كذلك. فالحاصل أنّ الفرد المــعيّن يتعدّد في العلم النوعي ويتّحد في العلم الشخصي انتهى.
التقسيم
العلم إمّا قصدي وهو ما كان بالوضع شخصيا كان أو جنسيا، أو اتفاقي وهو الذي يصير علما لا بوضع واضع مــعيّن بل إنّما يصير علما لأجل الغلبة وكثرة استعماله في فرد من افراد جنسه بحيث لا يذهب الوهم عند إطلاقه إلى غيره مما يتناوله اللفظ، كذا في العباب.
والعلم الموضوع أي القصدي إمّا منقول أو مرتجل، فإنّ ما صار علما بغلبة الاستعمال لا يكون منقولا ولا مرتجلا كما في شرح التسهيل وفي اللّب العلم الخارجي أي الشخصي منقول أو مرتجل فخرج من هذا العلم الذهني، أي الجنسي. والمنقول وهو ما كان له معنى قبل العلمية ثم نقل عن ذلك المعنى وجعل علما لشيء إمّا منقول عن مفرد سواء كان اسم عين كثور وأسد، أو اسم معنى كفصل وإياس، أو صفة كحاتم، أو فعلا ماضيا كشمّر وكعسب، أو فعلا مضارعا كتغلب ويشكر، أو أمرا بقطع همزة الوصل لتحقّق النقل كاصمت بكسر الهمزة والميم، أو صوتا كببّة وهو لقب عبد الله بن حارث، أو عن مركّب سواء كان جملة نحو تأبّط شرا أو غير جملة سواء كان بين أجزائه نسبة كالمضاف والمضاف إليه كعبد مناف أو لم يكن كبعلبك وسيبويه، هكذا في اللّب والمفصّل. وقيل الأعلام كلّها منقولة ولا يضرّ جهل أصلها وهو ظاهر مذهب سيبويه كذا في شرح التسهيل. والمرتجل هو ما وضع حين وضع علما ابتداء إمّا قياسي وهو ما لم يعرف له أصل مادة بل هيئة بأن يكون موافقا لزنة أصل في أسماء الأجناس والأفعال ولا يكون مخالفا لأصل فيها من الإظهار والإدغام والإعلال والإبدال ونحو ذلك مما ثبت في أصول الأوزان نحو عطفان، وإمّا شاذ وهو ما لم يعرف له أصل هيئة بأن يكون مخالفا لأوزان الأصول بتصحيح وما يعلّل مثله نحو مكوزة والقياس مكازة كمفازة، أو بالعكس كحياة علما لرجل والقياس حية، بانفكاك ما يدغم كمحبب اسم رجل والقياس محبّ، أو بالعكس وبانفتاح ما يكسر كوهب بفتح الهاء اسم رجل والقياس الكسر، أو نحو ذلك. ويمكن في المرتجل الشاذ القول بالنقل وأنّ التغيير شاذ حدث بعد النقل كذا في الإرشاد وشرح اللب. ثم في شرح اللب إنّما لم يقسم المصنف المرتجل إلى المفرد والمركّب كما قسّم المنقول إليهما لعدم مجيئه في ذلك انتهى. والعلم الذهني أي الجنسي إمّا اسم عين كأمامة وإمّا اسم معنى وهو على نوعين: حدث أي مصدر كسبحان علم التسبيح أو وقت كغدوة علم لجنس غدوة اليوم الذي أنت فيه، وكذا سحر فإنّه علم لجنس سحر الليلة التي أنت فيه، والدليل على علميتها منع الصّرف. وإمّا لفظ يوزن به كقولهم قائمة على وزن فاعلة وإمّا كناية كفلان وفلانة فإنّهما كنايتان عن زيد ومثله وعن فاطمة ومثلها فيجريان مجرى المكني عنه أي يكونان كالعلم كذا في شرح اللب. والعلم الاتفاقي على قسمين مضاف نحو ابن عمر فإنّه غلب بالإضافة على عبد الله بن عمر من بين إخوته، ومعرّف باللام نحو النّجم فإنّه غلب على الثّريا بالاستعمال والصّعق فإنّه غلب بالاستعمال على خويلد بن نفيل، ومنه ما لم يرد بجنسه الاستعمال كالدّبران والعيّوق والسّماك والثّريا لأنّها غلبت على الكواكب المخصوصة من بين ما يوصف بهذه الأوصاف، وإن كانت في الأصل أسماء أجناس. وإنما قيل منه لأنّها ليست في الظاهر صفات غالبة كالصعق وإنما هي أسماء موضوعة باللام في الأصل أعلام لمسمّياتها ولا تجري صفات وما لم يعرف بالاشتقاق من هذا النوع فملحق بما عرف كالمشتري والمريخ، كذا في العباب. فالأعلام الاتفاقية لا تكون إلّا مركّبة لحصرها في القسمين. ولذا قال صاحب العباب لما كان اسم الجنس إنّما يطلق على بعض أفراده المــعيّن إذا كان معرّفا باللام أو بالإضافة كان العلم الاتفاقي قسمين: معرّفا باللام أو مضافا.

وأيضا العلم ثلاثة أقسام: لقب وكنية واسم لأنّه إمّا مصدّر بأب أو أمّ أو لا، الأوّل الكنية، والثاني إمّا مشعر بالمدح أو الذّم أو لا، الأول اللّقب، والثاني الاسم. فعلى هذا يتقابل الأقسام بالذات. وفي شرح الأوضح ناقلا عن الإمام أنّ من الكنية ما صدّر بابن أو بنت. وقال الفاضل الشريف في شرح المفتاح: الكنية علم صدّر بأب أو أمّ أو ابن أو بنت، واللّقب علم يشعر بمدح أو ذمّ مقصود منه قطعا، وما عداهما من الأعلام يسمّى أسماء. فعلى ما ذكره الاسم المقابل للّقب قد يشعر بالمدح أو الذّمّ ولا يكون المشعر بالمدح أو الذم مطلقا لقبا، بل إذا كان المقصود به عند إطلاقه المدح أو الذّمّ. ولذا قيل الغرض من وضع الألقاب الإشعار بالمدح والذّمّ، وقد يتضمنها الأسماء، وإن لم يقصد بالوضع إلّا تمييز الذات لكون تلك الأسماء منقولات من معان شريفة أو خسيسة كمحمد وعلي وكلب، أو لاشتهار الذات في ضمنها بصفة محمودة أو مذمومة كحاتم ومادر انتهى. والفرق بين اللّقب والكنية بالحيثية، فإشعار بعض الكنى بالمدح أو الذّم كأبي الفضل وأبي الجهل لا يضرّ. وبعض أئمة الحديث يجعل المصدّر بأب أو أم مضافا إلى اسم حيوان أو إلى ما هو صفة الحيوان كنية وإلى غير ذلك لقبا كأبي تراب. ثم إشعار العلم بالمدح أو الذّمّ باعتبار معناه الأصلي فإنّه قد يلاحظ في حال العلمية تبعا، ولذلك ينهى شرعا أن يذكر الشخص بعلمه الدّال في أصله على ذمّ إذا كان يتأذّى به ويتحاشى عادة أن يذكر من يقصد توقيره بمثل هذا. وقد يطلق الاسم على ما يعمّ الأقسام الثلاثة. هذا كله خلاصة ما في الأطول وما ذكر الفاضل الچلپي في حاشية المطوّل والتلويح. وفي بعض الحواشي المعلّقة على شرح النخبة قيل: العلم إن دلّ على مدح أو ذم فلقب صدّر بأب أو أمّ أو ابن أو بنت أو لا، وإن صدّر بأحدها فكنية دلّ عليه أو لا، والاسم أعمّ، كذا قاله التفتازاني انتهى. وإذا اجتمع للرجل اسم غير مضاف ولقب يضاف الاسم إلى اللقب نحو سعيد كرز كما في المفصل.
فائدة:
وقد سمّوا ما يتّخذونه ويألفونه من خيلهم وإبلهم وغنمهم وكلابهم بأعلام، كلّ واحد منها مختصّ بشخص بــعينــه يعرفونه به كالأعلام في الأناسي نحو اعوج ولاحق وشدقم وعليان ونحوها، وما لا يتّخذ ولا يؤلف فيحتاج إلى التمييز بين أفراده كالطير والوحش وغير ذلك، فإنّ العلم فيه للجنس بأسره ليس بعضه أولى به من بعض. فإذا قلت أبو براقش وابن دابّة وأسامة وثعالة فكأنّك قلت الضرب الذي من شأنه كيت وكيت. ومن هذه الأجناس ما له اسم جنس واسم علم كالأسد وأسامة والثّعلب وثعالة وما لا يعرف له اسم غير العلم نحو ابن مقرض وحمار قبّان، وقد يوضع للجنس اسم وكنية كما قالوا للأسد أسامة وأبو الحارث، ومنها ما له اسم ولا كنية له كقولهم قثم للضبعان، وما له كنية ولا اسم كأبي براقش كذا في المفصّل.
فائدة:
ومن العلم ما لزم فيه اللام كالمسمّى معها نحو الفرزدق وكالغالب بها نحو الصّعق كما مرّ، وكالعلم الذي ثنّي نحو الزيدان أو جمع كالزيدون والفواطم، وكالكناية عن أعلام البهائم كالفلان كناية عن نحو لاحق وشدقم والفلانة كناية عن نحو خطّة وهيلة. ومنه ما جازت اللام فيه كالعلم الذي كان قبل العلمية مصدرا نحو الفضل، أو مشتقا نحو الحارث، أو كان مؤوّلا بواحد من جنسه أي بفرد من أفراد حقيقته الكلّية الموضوع لها العلم بالاشتراك الاتفاقي، وذلك لأنّه لما وضعه الواضع لمسمّى ثم وضعه لمسمّى آخر صارت نسبته إلى الجميع بعد ذلك نسبة واحدة فأشبه رجلا فأجري مجراه. وبهذا الاعتبار قيل: جاز اللام فيه حتى اجترئ لذلك على إضافته أيضا نحو زيدنا. فعلى هذا الطريق لا ينكّر علم الجنس لأنّ من شرطه أن يوجد الاشتراك في التسمية والمسمّى بعلم الجنس واحد لا تعدّد فيه، اللهم إلّا أن يوجد اسم مشترك أطلق على نوعين مختلفين، ثم ورود الاستعمال فيه مرادا به واحد من المسمّيين به. وقيل طريق التنكير أن يشتهر العلم بمعنى من المعاني فيجعل العلم بمنزلة اسم الجنس كما في قولهم لكلّ فرعون موسى أي لكلّ جبار مبطل قهّار محق. فعلى هذا الطريق لا شبهة في إمكان تنكير علم الجنس مثل أن يقال فرست كلّ أسامة أي كلّ بالغ في الشجاعة كذا في العباب، وهو أي تنكير العلم قليل كما في شرح اللب. فائدة:
إذا استعمل اللّفظ للفظ كان علما له ولا اتحاد إذ الدّال محض اللّفظ والمدلول لفظ ذو دلالة أو عديمها، وعلى هذا كان نحو جسق مما لم يوضع لمعنى موضوعا أيضا كزيد، ويجري هذا الوضع في كلّ لفظ موضوع اسما كان أو فعلا أو حرفا أو مركّبا تاما أو غيره، أو غير موضوع ولا يثبت الاشتراك كما في المنقولات. وليس أحدهما بالنسبة إلى الآخر مجازا بخلاف المنقولات لأنّ وضع العلم لا يختصّ بقوم دون قوم فيكون مسمّى العلم بالنسبة إلى كلّ قوم حقيقة كذا في العضدي.
والعلم عند المهندسين عبارة عن مجموع المتمّمين وأحد الشّكلين المتوازيين أضلاعا اللذين يكونان بينهما أي بين المتمّمين. فالعلم مجموع ثلاث مربعات هكذا:
فمجموع المتمّمين وهما مربّع ب أومربع رع مع مربّع ف هـ أو مع مربّع أف علم، هكذا يستفاد من تحرير أقليدس وحواشيه.
وفي تحرير الأقليدس تعريف العلم مذكور بهذه العبارة- العلم هو مجموع المتمّمين وأحد متوازي الأضلاع الذين بينهما. وتعريف المتمّم سيأتي في المتن.
العلم: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، إذ هو صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض، أو هو حصول صورة الشيء في العقل والأول أخص.

الجامع الكبير في الفروع

Entries on الجامع الكبير في الفروع in 1 Arabic dictionary by the author Kâtip Çelebi / Ḥājī Khalīfa, Kashf al-Ẓunūn ʿan Asāmī al-Kutub wa-l-Funūn
الجامع الكبير في الفروع
للإمام، المجتهد، أبي عبد الله: محمد بن الحسن الشيباني، الحنفي.
المتوفى: سنة 187، سبع وثمانين ومائة.
قال الشيخ: أكمل الدين: هو كاسمه لجلائل مسائل الفقه جامع كبير، قد اشتمل على عيون الروايات، ومتون الدرايات، بحيث كاد أن يكون معجزاً، ولتمام لطائف الفقه منجزاً، شهد بذلك بعد إنفاد العمر فيه، داروه ولا يكاد يلم بشيء من ذلك عاروه.
ولذلك امتدت أعناق ذوي التحقيق نحو تحقيقه، واشتدت رغباتهم في الاعتناء بحلى لفظه وتطبيقه، وكتبوا له شروحاً، وجعلوه مبيناً مشروحاً. انتهى.
منها:
شرح الفقيه، أبي الليث: نصر بن أحمد السمرقندي، الحنفي.
المتوفى: سنة 373، ثلاث وسبــعين وثلاثمائة.
وشرح فخر الإسلام: علي بن محمد البزدوي، المتوفى: سنة 482، اثنتين وثمانين وأربعمائة.
وشرح القاضي، أبي زيد: عبيد الله بن عمر الدبوسي.
المتوفى: سنة 432، اثنتين وثلاثين وأربعمائة.
وشرح الإمام، برهان الدين: محمود بن أحمد، صاحب المحيط.
وشرح شمس الأئمة: أبي محمد بن عبد العزيز، شمس الأئمة: عبد العزيز بن أحمد الحلواني.
المتوفى: سنة 449، تسع وأربــعين وأربعمائة.
وشرح شمس الأئمة: محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي.
المتوفى: سنة 438، ثلاث وثمان وأربعمائة.
وشرح محمد بن علي، الشهير: بابن عبدك الجرجاني.
المتوفى: سنة 347، سبع وأربــعين وثلاثمائة.
وشرحا السيد، الإمام، جمال الدين: محمود بن أحمد البخاري، المعروف: بالحصيري.
المتوفى: سنة 636، ست وثلاثين وستمائة.
أحدهما: مختصره الذي زاد فيه على ما في الجامع العالمي زهاء ألف وستمائة وثلاثين من المسائل، وكثيراً من القواعد الحسابية.
وهو في مجلدين.
أوله: (الحمد لله، شارع الأحكام... الخ).
بالغ في الإيضاح بالنظائر، والشواهد، وإيراد الفروق، وتصحيح الحسابيات، أوجز العبارات تسهيلاً للحفظ.
وثانيهما: المطول الذي بلغ في الجمع والتحقيق الغاية.
وهو المسمى: (بالتحرير في شرح الجامع الكبير).
وهو في ثمان مجلدات.
ألفه: حين قرأ عليه عبد الملك المعظم: عيسى بن أبي بكر الأيوبي، صاحب الشام.
المتوفى: سنة 624، أربع وعشرين وستمائة.
وللملك المعظم المزبور، شرح (الجامع الكبير) أيضاً.
وكان عادته أن يعطي مائة دينار لمن يحفظ الجامع الكبير، وخمسين دينار لمن يحفظ الجامع الصغير.
ومنها: شرح الإمام، أبي نصر: أحمد بن محمد بن عمر العتابي، البخاري.
المتوفى: سنة 586، ست وثمانين وخمسمائة.
أوله: (الحمد لله، الذي تكفل من توكل عليه 000 الخ).
وله الجامع الكبير أيضاً.
ومنها شرح الإمام، أبي بكر: أحمد بن علي، المعروف: بالجصاص، الرازي.
المتوفى: سنة 370، سبــعين وثلاثمائة.
وشرح الإمام، افتخار الدين: عبد المطلب بن الفضل الهاشمي، الحلبي.
المتوفى: سنة 616، ست عشرة وستمائة.
وهو شرح، ممزوج، وسط.
أوله: (الحمد لله، الذي نور قلوب العلماء بمصابيح الحكم... الخ).
وشرح الإمام، أبي جعفر: أحمد بن محمد الطحاوي.
المتوفى: سنة 371، إحدى وسبــعين وثلاثمائة.
وشرح أبي عمرو: أحمد بن محمد الطبري، الحنفي.
المتوفى: سنة 340، أربــعين وثلاثمائة.
وشرح أبي عبد الله: محمد بن يحيى الجرجاني، الفقيه.
المتوفى: سنة 398، ثمان وتســعين وثلاثمائة.
وشرح القاضي، أبي حازم: عبد الحميد بن عبد العزيز.
المتوفى: سنة 292، اثنتين وتســعين ومائتين.
وشرح شيخ الإسلام، أبي بكر: أحمد بن منصور الأسبيجابي.
المتوفى سنة 500، خمسمائة تقريباً.
قال التقي: رأيت بخط بعضهم أن وفاته بعد الثمانين وأربعمائة. انتهى.
وشرح الإمام، أبي بكر: محمد بن حسين، المعروف: بخواهر زاده البخاري.
المتوفى: سنة 483، ثلاث وثمانين وأربعمائة.
وشرح الإمام: حسين بن يحيى الزندويستي.
وشرح الإمام، علاء الدين، العالم: محمد بن عبد الحميد.
المتوفى: سنة 552.
السمرقندي.
أوله: (الحمد لله، على آلائه ونعمائه... الخ).
وهو في مجلدات.
وشرح الإمام، فخر الدين: حسن بن منصور، الشهير: بقاضيحان.
المتوفى: سنة 592، اثنتين وتســعين وخمسمائة.
وشرح الإمام، ركن الدين، أبي الفضل: عبد الرحمن بن أبي محمد الكرماني.
المتوفى: سنة 543، ثلاث وأربــعين وخمسمائة.
وشرح الإمام، أبي بكر: محمد بن أحمد الإسكاف.
المتوفى: سنة 333.
الزاهد، البلخي.
وشرح الإمام، برهان الدين: علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني.
المتوفى: سنة 593، ثلاث وتســعين وخمسمائة.
وشرح القاضي: محمد بن الحسين الأرسابندي.
المتوفى: سنة 512، اثنتي عشرة وخمسمائة.
وشرح الصدر، الشهيد، حسام الدين: عمر بن عبد العزيز بن مازه.
المتوفى شهيداً: سنة 536، ست وثلاثين وخمسمائة.
وله تلخيصه.
وتلخيص الجامع الكبير أيضاً.
لكمال الدين: محمد بن عباد الخلاطي.
المتوفى: سنة 652، اثنتين وخمسين وستمائة.
وقد سبق مع شروحه.
ومنها:
شرح أبي المظفر: يوسف بن قزاوغلي، المعروف: بسبط بن الجوزي، الحنفي.
المتوفى: سنة 654، أربع وخمسين وستمائة.
وشرح أبي عمر: عثمان بن إبراهيم المارديني.
المتوفى، سنة 731، إحدى وثلاثين وسبعمائة.
وهو كبير.
في عدة مجلدات.
وشرح الإمام، رضي الدين: إبراهيم بن سليمان الحموي، القونوي، المنطقي، الرومي.
المتوفى: سنة 832، اثنتين وثلاثين وسبعمائة.
وهو في ست مجلدات.
وشرح أبي العباس: أحمد بن مسعود القونوي.
وهو في أربع مجلدات.
سماه: (التقرير).
ولم يكمل تبييضه.
ثم كمله ولده أبو المحاسن: محمود.
المتوفى: سنة 771، إحدى وسبــعين وسبعمائة.
وشرح تاج الدين: أحمد بن إبراهيم، المعروف: بابن البرهان الحلبي.
المتوفى: سنة 738، ثمان وثلاثين وسبعمائة.
وشرح فخر الدين: عثمان بن علي بن يونس الزيلعي.
المتوفى: سنة 743، ثلاث وأربــعين وسبعمائة.
وشرح تاج الدين، علي بن سنجر بن سباك البغدادي.
المتوفى في حدود: سنة 700، سبعمائة (661).
شرح أكثره، ولم يتم.
وشرح ناصر الدين: محمد بن أحمد بن عبد العزيز، المعروف: بابن الربوة الدمشقي، الحنفي.
المتوفى: سنة 864، أربع وستين وسبعمائة.
سماه: (الدر النظيم المنير في حل إشكال الجامع الكبير).
وشرح أبي عبد الله: محمد بن عيسى، المعروف: بابن أبي موسى.
المتوفى: سنة 334، أربع وثلاثين وثلاثمائة (337).
وشرح ظهير الدين الأسترابادي.
وشرح القاضي، سراج الدين: عمر بن إسحاق الهندي.
المتوفى: سنة 773، ثلاث وسبــعين وسبعمائة.
ولم يكمله.
وشرح عبد الحميد العراقي.
وشرح الإمام المسعودي.
وشرح الصدر، مجد الدين: عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي.
المتوفى: سنة 683.
وشرح الإمام، أوحد الدين، النسفي، هو: أبو المــعين: ميمون بن محمد بن معتمد.
المتوفى: سنة 508.
وشرح الإمام: علي القمي.
وللجامع الكبير منظومات منها:
نظم أحمد بن أبي المؤيد المحمودي، النسفي.
أوله: (الحمد لله، الذي أنزل كتابه... الخ).
ذكر فيه: أنه نظم أولاً، فمهد للنظم أساساً فاحكمه، ثم بنى عليه النثر، ثم لخص للنظم نسخة، وطرح النثر، وأورد في كل باب قصيدة.
وأتمه: في محرم، سنة 515، خمس عشرة وخمسمائة.
وعدد أبياته: خمسة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين بيتاً.
وشرح هذا المنظوم للشيخ، الإمام، أبي القاسم: محمود بن عبيد الله بن صاعد الحارثي.
المتوفى: سنة 606، ست وستمائة، وسماه: (تفهيم التحرير).
ومنها: نظم أحمد بن عثمان بن إبراهيم الصبيح التركماني.
المتوفى: سنة 744، أربع وأربــعين وسبعمائة.
قلت: قال التقي في طبقاته: له شرح الجامع الكبير. انتهى.
ونظم أبي الحسن: علي بن خليل الدمشقي، المتوفى: سنة 651، إحدى وخمسين وستمائة.

الألفية في النحو

Entries on الألفية في النحو in 1 Arabic dictionary by the author Kâtip Çelebi / Ḥājī Khalīfa, Kashf al-Ẓunūn ʿan Asāmī al-Kutub wa-l-Funūn
الألفية في النحو
للشيخ، العلامة، جمال الدين، أبي عبد الله: محمد بن عبد الله الطائي، الجياني، المعروف: بابن مالك النحوي.
المتوفى: سنة اثنتين وسبــعين وستمائة.
وهي: مقدمة مشهورة، في ديار العرب (كالحاجبية)، في غيرها
جمع فيها: مقاصد العربية.
وسماها: (الخلاصة).
وإنما اشتهر: (بالألفية) لأنها ألف بيت في الرجز.
أولها:
قال محمد هو ابن مالك * أحمد ربي الله خير مالك
وله عليها شرح.
ذكره: الذهبي.
وشروحها كثيرة، منها:
شرح: ولده، بدر الدين، أبي عبد الله: محمد.
المتوفى: سنة ست وثمانين وستمائة.
وهو شرح منقح.
اشتهر: (بشرح ابن المصنف).
خطَّأ والده في بعض المواضع، وأورد الشواهد من الآيات القرآنية.
أوله: (أما بعد، حمد الله سبحانه... الخ).
فرغ من تأليفه: في محرم، سنة ست وسبــعين وستمائة.
وعلى هذا الشرح: حاشية.
للشيخ، عز الدين: محمد بن أبي بكر بن جماعة الكناني.
المتوفى: سنة تسع عشرة وثمانمائة.
وحاشية.
للقاضي: زكريا بن محمد الأنصاري.
المتوفى: سنة تسع عشرة وتسعمائة.
سماها: (بالدرر السنية).
أولها: (الحمد لله الذي منحنا علم اللسان... الخ).
علقها: سنة خمس وتســعين وثمانمائة.
وحاشية:
القاضي: تقي الدين بن عبد القادر التميمي.
المتوفى: سنة خمس وألف.
جمع فيه: أقوال الشراح، وحاكم فيما بينهم.
وتعليقة.
للشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة 911.
وصل فيها إلى أثناء الإضافة.
وسماها: (المشنف، على ابن المصنف).
وحاشية.
للشيخ، العلامة، شهاب الدين: أحمد بن قاسم العبادي.
جردها: الشيخ: محمد الشوبري.
في مجلد.
وحاشية:
العلامة، بدر الدين: محمود بن أحمد الــعينــي.
المتوفى: سنة خمس وخمسين وثمانمائة.
ومن الشروح المشهورة:
شرح: الشيخ، شمس الدين: حسن بن القاسم المرادي، المعروف: بابن أم قاسم النحوي.
المتوفى: سنة تسع وأربــعين وسبعمائة.
أوله: (الحمد لله والشكر له... الخ).
وشرح: الشيخ، أبي محمد: عبد الله بن عبد الرحمن، الشهير: بابن عقيل النحوي.
المتوفى: سنة تسع وستين وسبعمائة.
وعليه حاشية.
لجلال الدين السيوطي.
سماه: (السيف الصقيل، على شرح ابن عقيل).
وله: شرح مختصر، ممزوج.
مكث في تأليفه: سنتين.
وسماه: (النهجة المرضية).
أوله: (أحمدك اللهم على نعمك وآلائك... الخ).
وقد قرظ له: جماعة من الأدباء.
وله: (مختصر الألفية).
في ستمائة بيت، وثلاثين رقيقية.
وسماه: (الوفية).
وللشيخ: عبد الوهاب الشعراني.
المتوفى:...
(مختصر الألفية) أيضا.
ومنها:
شرح: الشيخ: محمد بن محمد بن جابر الأعمى، النحوي.
المتوفى: سنة ثمانين وسبعمائة.
وهو: شرح مفيد، نافع للمبتدي، لاعتنائه بإعراب الأبيات، وتفكيكها، وحل عبارته.
قال السيوطي: لكنه وقع فيه وهم، تتبعتها في تأليفي المسمى: (بتحرير شرح الأعمى والبصير).
وشرح: الشيخ، العلامة، أبي زيد: عبد الرحمن بن علي المكودي، الفاسي.
المتوفى: في حدود سنة ثمانمائة. (807).
كبيرا، وصغيرا.
وشرحه الصغير، وصل إلى الديار المصرية، وهو شرح لطيف، نافع، استوفى فيه الشرح والإعراب.
عليه: حاشية.
للشيخ: عبد القادر بن أبي القاسم العبادي.
وشرح: العلامة، تقي الدين: أحمد بن محمد الشمني.
المتوفى: سنة اثنتين وسبــعين وثمانمائة.
وهو: شرح بديع، مهذب المقاصد.
سماه: (منهج المسالك، إلى ألفية ابن مالك).
أوله: (حمدا لله تعالى على ما منح من أسباب البيان... الخ).
وممن شرحها: الشيخ، شمس الدين: محمد بن محمد الجزري.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وسبعمائة.
ومحمد بن أبي الفتح الحنبلي، النحوي.
المتوفى: سنة تسع وسبعمائة.
والعلامة، أثير الدين، أبو حيان: محمد بن يوسف الأندلسي، النحوي.
المتوفى: سنة خمس وأربــعين وسبعمائة.
ولم يكمله.
وسماه: (منهج السالك، في الكلام على ألفية ابن مالك).
أوله: (حمد الله من أوجب ما افتتح به الإنسان... الخ).
ذكر أن غرضه، في مقاصد ثلاثة: تبيين ما أطلقه، وتنبيه على الخلاف الواقع في الأحكام، وحل ما أشكل.
وأبو أمامة: محمد بن علي بن النقاش الدكاكي.
المتوفى: سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
والشيخ: محمد بن أحمد الأسنوي.
المتوفى: سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
وزين الدين: عمر بن المظفر بن الوردي.
المتوفى: سنة تسع وأربــعين وسبعمائة.
وشمس الدين: محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الزمردي.
المتوفى: سنة سبع وسبــعين وسبعمائة.
قيل: هو شرح حسن.
والقاضي، برهان الدين: إبراهيم بن عبد الله الحكري، (المصري).
المتوفى: سنة 780، ثمانين وسبعمائة.
وجمال الدين: عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي.
المتوفى: سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
قال السيوطي في (طبقات النحاة) : ولم يكمله.
وشمس الدين، أبو عبد الله: محمد بن أحمد ابن اللبان المصري.
المتوفى: سنة تسع وأربــعين وسبعمائة.
وأبو زيد: عبد الرحمن بن علي الكوفي.
المتوفى: تقريبا سنة ثمانمائة.
وبهرام بن عبد الله المالكي.
المتوفى: سنة تسع وثمانمائة. (805).
ومحمد بن محمد الأندلسي، الشهير: بالراعي، النحوي.
المتوفى: سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة.
والقاضي، جمال الدين: يوسف بن الحسن الحموي.
المتوفى: سنة تسع وثمانمائة.
ونور الدين: علي بن محمد الأشموني.
المتوفى: في حدود سنة تسعمائة.
وبرهان الدين: إبراهيم بن موسى الأنباسي.
المتوفى: سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة.
وبدر الدين: محمد بن محمد بن الرضي الغزي.
المتوفى: (في حدود) سنة ألف.
له ثلاث شروح: منثور، ومنظومان.
والعلامة، زين الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر، الشهير: بابن الــعينــي، الحنفي.
المتوفى: سنة ثلاث وتســعين وثمانمائة.
شرحها مزجا.
وعماد الدين: محمد بن الحسين الأسنوي.
المتوفى: سنة سبع وسبــعين وسبعمائة.
ولم يكمله.
والشيخ، برهان الدين: إبراهيم بن محمد بن قيم الجوزية.
المتوفى: سنة خمس وستين وسبعمائة.
وسماه: (إرشاد السالك).
وبرهان الدين: إبراهيم بن محمد القبقابي، الحلبي.
المتوفى: في حدود سنة خمس وثمانمائة.
وبرهان الدين: إبراهيم بن الفزاري.
المتوفى: سنة 729.
والقاضي: أحمد بن إسماعيل، الشهير: بابن الحسباني.
المتوفى: في حدود سنة خمس عشرة وثمانمائة.
وشمس الدين: محمد بن زين الدين.
المتوفى: سنة خمس وأربــعين وثمانمائة.
شرحها نظما.
وجلال الدين: محمد بن أحمد ابن خطيب داريا.
المتوفى: سنة عشرة وثمانمائة.
مزج فيه المتن.
وسراج الدين: عمر بن علي، الشهير: بابن الملقن.
المتوفى: سنة أربع وثمانمائة.
وأبو عبد الله: محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني، الصغير.
المتوفى: سنة اثنتين وأربــعين وثمانمائة. (781).
ومن شروح الألفية:
(بلغة ذي الخصامة، في حل الخلاصة).
لمحمد بن محمد الأسدي، القدسي.
المتوفى: سنة ثمان وثمانمائة.
(وفتح الرب المالك، لشرح ألفية ابن مالك).
لمحمد بن قاسم بن علي الغزي، الشافعي.
وهو: شرح وسط حجما.
أوله: (الحمد لله المانح من أراد لسانا عربيا... الخ).
(والشرح النبيل، الحاوي لكلام ابن المصنف، وابن عقيل).
لعماد الدين: محمد بن أحمد الأقفهسي.
أوله: (الحمد لله جامع أشتات العلوم... الخ).
ذكر فيه: أن ابن عقيل، يستشهد غالبا بأشعار العرب.
وابن المصنف: يستشهد بذلك، وبآيات القرآن.
فجمع بينهما، وأضاف فوائد من كلام: ابن هشام، والزمخشري.
وفي إعراب الألفية كتاب.
للشيخ، شهاب الدين: أحمد بن الحسين الرملي، الشافعي.
المتوفى: سنة أربع وأربــعين وثمانمائة.
وللشيخ: خالد بن عبد الله الأزهري.
المتوفى: سنة خمس وتسعمائة.
مجلد أيضا.
سماه: (تمرين الطلاب، في صناعة الإعراب).
أوله: (الحمد لله الذي رفع قدر من أعرب بالشهادتين... الخ).
فرغ منه: في رمضان، سنة ست وثمانين وثمانمائة.
وفي شرح (شواهد شروح الألفية) كتابان: كبير، وصغير.
للشيخ، أبي محمد: محمود بن أحمد الــعينــي.
المتوفى: سنة خمس وخمسين وثمانمائة.
سمي الكبير: (بالمقاصد النحوية، في شرح شواهد شروح الألفية).
وقد اشتهر: (بالشواهد الكبرى).
جمعها من: (شروح التوضيح).
وشرح: ابن المصنف.
وابن أم قاسم.
وابن هشام.
وابن عقيل.
ورمز إليها: بالظاء، والقاف، والهاء، والــعين.
وعدد الأبيات المستشهدة: ألف ومائتان وأربعة وتسعون.
وفرغ من الشرح: في شوال، سنة ست وثمانمائة.
وممن نثر الألفية:
الشيخ، نور الدين: إبراهيم بن هبة الله الأسنوي.
المتوفى: سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
وله شرحها أيضا.
وبرهان الدين: إبراهيم بن موسى الكركي.
المتوفى: سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة.
وله شرحها أيضا.
والعلامة، جمال الدين: عبد الله بن يوسف، المعروف: بابن هشام، النحوي.
المتوفى: سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
في مجلد.
وسماه: (أوضح المسالك، إلى ألفية ابن مالك).
ثم اشتهر: (بالتوضيح).
وله عدة حواشي على الألفية، منها:
(دفع الخصاصة، عن الخلاصة).
في أربع مجلدات.
وعلى التوضيح تعليقات، منها:
شرح: الشيخ: خالد بن عبد الله الأزهري، النحوي.
الذي فرغ عنه: سنة تســعين وثمانمائة.
وهو شرح عظيم ممزوج.
سماه: (التصريح، بمضمون التوضيح).
أوله: (الحمد لله الملهم لتوحيده... الخ).
ذكر أنه: رأى ابن هشام في منامه، فأشار إليه بشرح كتابه، فأجاب.
ومن الحواشي على (التوضيح) :
حاشية:
الشيخ، جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
المتوفى: سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
سماها: (التوشيح).
وحاشية:
عز الدين: محمد بن أبي بكر بن جماعة.
المتوفى: سنة تسع عشرة وثمانمائة.
وحاشية:
جمال الدين: أحمد بن عبد الله بن هشام.
المتوفى: سنة خمس وثلاثين وثمانمائة.
وحاشية:
بدر الدين محمود بن أحمد الــعينــي.
المتوفى: سنة 855.
وحاشية:
برهان الدين: إبراهيم بن عبد الرحمن الكركي.
المتوفى: في حدود سنة تســعين وثمانمائة.
وحاشية:
محيي الدين: عبد القادر بن أبي القاسم السعدي، المالكي، المكي.
المتوفى: سنة ثمانين وثمانمائة.
سماها: (رفع الستور والأرائك، عن مخبئات أوضح المسالك).
أولها: (أما بعد، حمدا لله ذي الجلال... الخ).
وشرح: الشيخ: أبي بكر الوفائي.
وحاشية:
سيف الدين: محمد بن محمد البكتمري.
المتوفى: في حدود سنة سبــعين وثمانمائة.
وحاشية:
الشيخ: محمد بن إبراهيم بن أبي الصفا، من تلامذة ابن الهمام.
و (نظم التوضيح).
للقاضي، شهاب الدين: محمد بن أحمد الخولي. (الخويي).
المتوفى: سنة ثلاث وتســعين وستمائة.

الوجوب

Entries on الوجوب in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الوجوب:
[في الانكليزية] Necessity ،obligation
[ في الفرنسية] Necessite ،obligation
بالضم وتخفيف الجيم في اللغة هو الثبوت وفي العرف هو الاستحسان والأولوية، يقال يجب أي يستحسن ويسمّى بالوجوب العرفي والاستحساني، ويقابله الوجوب العقلي والشرعي. أمّا الوجوب العقلي فقال المتكلّمون والحكماء الوجوب والإمكان والامتناع قد تطلق على المعاني المصدرية الانتزاعية وتصوّراتها بالكنه ضرورية إذ ليس كنهها إلّا هذه المعاني الثلاثة المنتزعة الحاصلة في الذّهن، فإنّ كلّ عاقل غير قادر على الكسب يتصوّر حقيقتها كوجوب حيوانية الإنسان وإمكان كاتبيته وامتناع حجريته وتصوّر الحصّة يستلزم تصوّر الطبيعة ضرورة أنّها طبيعة مقيّدة، ومن عرّفها فلم يزد على أن يقول الواجب ما يمتنع عدمه أو لا يمكن عدمه، فإذا قيل له ما الممتنع؟ قال: ما يجب عدميا وما لا يمكن وجوده. وإذا قيل له ما الممكن؟ قال: ما لا يجب وجوده أو ما لا يمتنع وجوده ولا عدمه فيأخذ كلا من الثلاثة في تعريف الآخر وأنّه دور، وعلى هذا القياس الوجوب والإمكان والامتناع. فإن قلت قد عرف الواجب بالممكن العام ثم عرّف الممكن الخاص بالواجب فلا دور. قلت الإمكان العام والخاص حصّة من الإمكان المطلق بهذا المعنى وكذا مشتقّ كلّ منهما حصّة من مشتقّه، وخفاء الحصّة إنّما هو لخفاء الطبيعة. نعم لو عرف الوجوب بالمعنى الآتي مثلا بالإمكان والامتناع بهذا المعنى لم يلزم الدور. وقد تطلق على المعاني التي هي منشأ لانتزاع المعاني المصدرية، والظاهر أنّ تصوّراتها نظرية، ولذا اختلف في ثبوتها واعتباريتها، والظاهر أنّ المبحوث عنها في فنّ الكلام هذه المفهومات بمعنى مصداق الحمل والمبحوث عنها في المنطق بالمعاني المصدرية، والمشهور أنّ المبحوث عنها في فنّ الكلام هي التي جهات القضايا في المنطق، لكن في قضايا مخصوصة محمولاتها وجود الشيء في نفسه، فإنّه إذا أطلق المتكلّمون الواجب والممكن والممتنع أرادوا بها الواجب الوجود والممكن الوجود والممتنع الوجود. ثم الوجوب أي بمعنى مصداق الحمل ومنشأ الانتزاع يقال على الواجب باعتبار ما له من الخواص لا بالمعنى المصدري، فإنّه إذا كان الوجوب مقولا على الواجب ومحمولا عليه باعتبار هذه الخواص فهذه الخواص منشأ لانتزاعه ومصداق لحمله. الأولى استغناء في وجوده عن الغير وقد يعبّر عنها بعدم احتياجه أو بعدم توقّفه فيه على غيره. والثانية كون ذاته مقتضية لوجوده اقتضاء تاما. والثالثة الشيء الذي به يمتاز الذات عن الغير فالمعنيان الأوّلان أمران نسبيان بتاء على أنّ المراد منهما كون وجود الواجب عين ذاته، إلّا أنّ الأول منهما عدمي والثاني ثبوتي. ثم النظر الدقيق يحكم بأنّ كلاهما أمران ثبوتيان لرجوعهما إلى نحو وجود الواجب وخصوصية ذاته فالخاصة الثالثة كما أنّها غير الذات بحسب المفهوم وعينــها بحسب ما هو المراد منها كذلك الأولى والثانية إلّا أن يبنى ذلك على مذهب المتكلّمين، ويحمل الــعينــية على حمل المواطأة مطلقا، وبهذا التقرير اندفع ما قيل الخاصة الثانية لا تصدق عليه تعالى على مذهب الحكماء القائلين بغيبة الوجود، هذا هو المستفاد من كلام مرزا زاهد في حاشية شرح المواقف، وهذا تحقيق تفرّد به. والمستفاد من كلام مولانا عبد الحكيم أنّ الوجوب الذي يقال على الواجب باعتبار تلك الخواص هو الوجوب بالمعنى المصدري يعنى أنّ الوجوب بالمعنى الضروري كيفية نسبة الوجود فهو صفة للنسبة ولا يوصف به ذاته تعالى وإلّا لكان وصفا بحال متعلّقه، بل إنّما يوصف به باعتبار استعماله في أحد تلك المعاني التي تختصّ بذاته تعالى لكون هذه المفهومات لازمة لذلك المعنى الذي هو صفة للنسبة، إمّا بطريق المجاز أو الاشتراك وإطلاق الوجوب على المعنيين الأوّلين ظاهر.
وأمّا إطلاقه على الثالث فإمّا بتأويل الواجب أو إرادة مبدأ الوجوب إذ ليس الوجوب بالمعنى الثالث قائما بذاته تعالى حتى يوصف بما يشتقّ منه، بل هو محمول عليه مواطأة، فلا بدّ من أحد التأويلين، وعلى التأويلين يكون الوجوب عبارة عن كون الشيء بحيث يمتاز عن غيره، وهذه الخواص متغايرة مفهوما لكنها متلازمة، إذ متى كان ذاته كافيا في اقتضاء وجوده لم يحتج في وجوده إلى غيره وبالعكس، ومتى وجد أحد هذين الأمرين وجد ما به يتميّز الذات عن الغير وبالعكس. قال شارح التجريد ما حاصله إنّ الوجوب بالمعنى الأول أي بمعنى الاستغناء عن الغير صفة للوجود وبالمعنى الثاني أي بمعنى اقتضاء الذات للوجود صفة للذات بالقياس إلى الوجود وهو لا يتصوّر إلّا في ذات مغايرة للوجود، فهو عند الحكماء القائلين بــعينــية الوجود ليس بمتحقّق إذ الشيء لا يقتضي نفسه، ومعنى ذلك الاقتضاء عدم انفكاك الوجود عن الذات، لا أن يكون هناك اقتضاء وتأثير فإنّ ذات البارئ لمّا وجب اتصافه بالوجود ولم يجز أن لا يتصف به لم يكن هناك علّة بها يصير متصفا بالوجود إذ شأن العلّة ترجيح أحد المتساويين على الآخر، فإذا لم يكن هناك طرفان متساويان، فأي حاجة إلى العلّة. ولهذا قال بعض المحقّقين صفات الواجب تعالى لا تكون آثارا له وإنّما يمتنع عدمها لكونها من لوازم الذات. وتوضيح ما قلنا هو أنّ مراتب الوجود في الموجودية بحسب التقسيم العقلي ثلاث لا مزيد عليها، أدناها الموجود بالغير أي الذي يوجده غيره، فهذا الموجود له ذات ووجود مغاير له وموجد مغاير لهما، فإذا نظر إلى ذاته مع قطع النظر عن موجده أمكن في نفس الأمر انفكاك الوجود عنه، ولا شكّ أنّه يمكن تصوّر انفكاكه عنه أيضا. فالتصوّر والمتصوّر كلاهما ممكن، وهذا حال الماهيات الممكنة كما هو المشهور. وأوسطها الموجود بالذات بوجود هو غيره أي الذي يقتضي ذاته وجوده اقتضاء تاما يستحيل معه انفكاك الوجود عنه فهذا الموجود له ذات ووجود مغاير له فيمتنع انفكاك الوجود عنه بالنّظر إلى ذاته، لكن يمكن تصوّر هذا الانفكاك فالمتصوّر محال والتصوّر ممكن، وهذا حال الواجب تعالى عند جمهور المتكلّمين. وأعلاها الموجود بالذات بوجود هو عينــه أي الذي وجوده عين الذات فهذا الموجود ليس له وجود مغاير للذات فلا يمكن تصوّر انفكاك الوجود عنه بل الانفكاك وتصوّره كلاهما محال، وهذا حال الواجب تعالى عند جمهور الحكماء. وهذه المراتب مثل مراتب المضيء كما سبقت في محله. قال الصادق الحلواني في حاشية الطيبي: وجوب الوجود عند الحكماء استغناؤه تعالى في الموجودية في الخارج عن غيره. وعند المتكلّمين اقتضاء ذاته وجوده اقتضاء تاما. ومن هاهنا تسمعهم يقولون في الواجب تارة هو ما يستغني في موجوديته عن غيره وأخرى هو ما يقتضي ذاته وجوده اقتضاء تاما، وقد يفسّر بما يكون وجوده ضروريا بالنظر إلى ذاته انتهى.
ومآل التفسير الثالث مع الثاني واحد كما لا يخفى.
اعلم أنّ هذه الثلاثة قد تؤخذ بحسب الذات كما عرفت والقسمة أي قسمة كيفية نسبة المحمول إلى الموضوع إلى هذه الثلاثة حينئذ قسمة حقيقية حاصرة بأن يقال نسبة كلّ محمول سواء كان وجودا أو غيره إلى موضوعه، سواء كانت النسبة إيجابية أو سلبية لا يخلو ذات الموضوع إمّا أن يقتضي تلك النسبة أو لا، وعلى الثاني إمّا أن يقتضي نقيض تلك النسبة أو لا، والأول هو الوجوب والثاني هو الامتناع والثالث هو الإمكان، ولا يمكن انقلاب أحد هذه الثلاثة بالآخر بأن يزول أحدهما عن الذات ويتّصف الذات بالآخر مكانه، فيصير الواجب بالذات ممكنا بالذات وبالعكس لأنّ ما بالذات لا يزول، وقد يؤخذ الوجوب والامتناع بحسب الغير إذ لا ممكن بالغير فالوجوب بالغير هو الذي للذات باعتبار غيره، وهكذا الامتناع بالغير وحينئذ القسمة مانعة الجمع لاستحالة اجتماع الوجود والعدم في ذات دون الخلوّ لانتفائهما عن كلّ من الواجب والممتنع بالذات، ويمكن انقلابهما إذ الواجب بالغير قد يعدم علّته فيصير ممتنعا بالغير، وكذا الممتنع بالغير قد يوجد علّته فيصير واجبا بالغير فالوجوب شامل للذاتي والغيري، وكذا الامتناع والوجوب بالغير والامتناع بالغير إنّما يعرضان للممكن بالذات، وأمّا الواجب بالذات فيمتنع عروض الوجوب بالغير له وإلّا لتوارد علّتان مستقلتان أعني الذات والغير على معلول واحد شخصي هو وجوب ذلك الوجوب، وكذا عروض الامتناع بالغير له وإلّا لكان موجودا ومعدوما في حالة، وعلى هذا القياس الممتنع بالذات. والتحقيق أنّه إن أريد بالإمكان بالغير أن لا يقتضي الغير وجود الماهية ولا عدمها كما أنّ الوجوب بالغير أن يقتضي الغير وجوبها والامتناع بالغير أن يقتضي الغير عدمها، فلا شكّ أنّه لا ينافي الوجوب الذاتي ولا الامتناع الذاتي، وإن أريد بالإمكان بالغير أن يقتضي الغير تساوي نسبة الماهية إلى الوجود والعدم فلا كلام في أنّه ينافي الوجوب والامتناع الذاتيين وكذا الإمكان الذاتي للزوم توارد العلتين على معلول واحد. ثم الإمكان إنّما يعرض للماهية من حيث هي لا مأخوذة مع وجودها ولا مع عدمها ولا مع وجود علّتها وعدمها، أمّا إذا أخذت الماهية مع الوجود فإنّ نسبتها حينئذ إلى الوجود بالوجوب ويسمّى ذلك وجوبا لاحقا، وإذا أخذت مع العدم فنسبتها إلى الوجود حينئذ يكون بالامتناع لا بالإمكان ويسمّى ذلك امتناعا لاحقا، وكلاهما يسمّى ضرورة بشرط المحمول، وإذا أخذت مع وجود علّتها كانت واجبة ما دامت العلّة موجودة ويسمّى ذلك وجوبا سابقا وإذا اخذت مع عدم علتها كانت ممتنعة ما دامت العلّة معدومة ويسمّى ذلك امتناعا سابقا. فكلّ وجود محفوف بوجوبين سابق ولاحق وكلاهما وجوب بالغير، وكلّ معدوم محفوف بامتناعين سابق ولاحق وكلاهما امتناع بالغير.
فائدة:
قال بعض المتكلّمين الواجب والقديم مترادفان لكنه ليس بمستقيم المقطع بتغاير المفهومين، إنّما النزاع في التساوي بحسب الصدق. فقيل القديم أعمّ لصدقه على صفات الواجب وبعض المتأخّرين كالإمام حميد الدين الضريري ومن تبعه صرّحوا بأنّ الواجب الوجود لذاته هو الله تعالى وصفاته، وأوّله البعض بأنّ معناه أن الصفات واجبة الواجب أي لا تفتقر إلى غير الذات، لكن هذا لا يوافق استدلالهم. بأنّ كلّ ما هو قديم لو لم يكن واجبا لذاته لكان جائز العدم في نفسه فيحتاج في وجوده إلى مخصّص فيكون محدثا، إذ لا نعني بالمحدث إلّا ما يتعلّق وجوده بإيجاد شيء آخر.
وقيل منشأ هذا القول إمّا التلبيس خوفا من القول بإمكان الصفات الموجب لحدوثها على أصلهم من أنّ كلّ ممكن حادث، وهو أن يقال لمّا كان الواجب لذاته بمعنيين الواجب بحقيقته بأن تكون ضرورة وجوده ناشئة من حقيقته، والواجب بموصوفه بأن تكون ضرورة وجوده ناشئة من اقتضاء موصوفه لوجوده واستقلاله به وضع أحدهما مكان الآخر في القول بأنّ الصفات واجبة لذواتها، حتى لو سئل هل الصفات واجبة لذواتها لم يكن للقائل أن يجيب عنه بنعم، ويظهر أمر التلبيس، وإمّا الالتباس بأن يقال لمّا كان اقتضاء الواجب وجوده جعل وجوده واجبا توهّم مثلا أنّ اقتضاء العلم مثلا يقتضي كون العلم واجبا، فرّق بينهما بأنّ اقتضاء الواجب وجوده لوجوب غذائه في وجوده عن وجود غيره، واقتضاؤه وجود العلم بوجوب احتياج العلم إلى وجود غيره انتهى.
فائدة:
الإمكان أيضا يقال على الممكن باعتبار ما له من الخواص الأولى احتياجه في وجوده إلى غيره، والثانية عدم اقتضاء ذاته وجوده أو عدمه، والثالثة ما به يمتاز ذات الممكن عن الغير فإمّا أن يراد بالإمكان بمعنى مصداق الحمل والمراد بالخاصتين الأوليين زيادة الوجود على الماهية فهما ترجعان إلى خصوصية الذات، ونحو تقرّرها على قياس الوجوب فكما أنّ الوجوب بمعنى مصداق الحمل نفس ذات الواجب كذلك الإمكان بهذا المعنى نفس ذات الممكن. وإمّا بالمعنى المصدري والحال في تغايرها وتلازمها كما عرفت في الوجوب، وهكذا الامتناع يطلق باعتبار الخواص على الممتنع، إلّا أنّه لا كمال في معرفته، ولذا تركوا بيانه. وأمّا الوجوب الشرعي فقد اختلفت العبارات في تفسيره، فقيل هو حكم بطلب فعل غير كفّ ينتهض تركه في جميع وقته سببا للعقاب، وذلك الفعل المطلوب يسمّى واجبا، فالوجوب قسم من الحكم والواجب قسم من الأفعال وما وقع في عبارة البعض من أنّ الواجب والمندوب ونحوهما أقسام للحكم ليس على ظاهر. فبقيد الطلب خرج الإباحة والوضع. وقوله غير كفّ يخرج الحرمة لأنّها أيضا طلب فعل لكنه فعل هو كفّ، وهذا إشارة إلى الخلاف الواقع بين الأصوليين من أنّ المراد بالنهي هو نفي الفعل أو فعل الضدّ، فقال أبو هاشم بالأول والأشعري بالثاني. وبالجملة فمن يقول بأنّ الكفّ فعل يعرف الوجوب بما مرّ والحرمة بأنّها حكم بطلب الكفّ عن فعل ينتهض ذلك الفعل سببا للعقاب. وأمّا من يقول بأنّ الكفّ نفي فعل فيطرح من حدّ الوجوب قيد غير كفّ ويقول الوجوب حكم بطلب فعل ينتهض تركه الخ، والحرمة حكم بطلب نفي فعل ينتهض فعله سببا للعقاب، وكذا يخرج الكراهة لأنّها طلب كفّ لا فعل عند من يقول بأنّ الكفّ فعل، وأمّا عند من لا يقول به فيخرج بقيد ينتهض، إذ فعلها وتركها كلّ منهما لا ينتهض سببا للعقاب. ثم قوله ينتهض يخرج النّدب. وقوله في جميع وقته ليشتمل الحدّ الواجب الموسع إذ تركه ليس سببا للعقاب إلّا إذا ترك في جميع الوقت، وفيه أنّه لو لم يذكره لما لزم الخلل لأنّ انتهاض تركه سببا في الجملة لا يوجب انتهاضه دائما، فالواجب الموسع داخل فيه حينئذ أيضا. والمراد بسببية الفعل للثواب والعقاب أنّه من الأمارات الدّالة عليه والأسباب العادية له لا السبب الموجب له عقلا كما ذهب إليه الأشعري. قيل يلزم أن لا يكون الصوم واجبا لأنّ صوموا طلب لفعل هو كفّ. وأجيب بمنع كونه كفّا لأنّ جزءه أعني النية غير كفّ. قيل يرد عليه كفّ نفسك عن كذا فإنّه إيجاب ولا يصدق عليه أنّه طلب فعل غير كفّ ويصدق عليه أنّه طلب كفّ عن فعل ينتهض ذلك الفعل سببا للعقاب مع أنّه ليس بتحريم. وأجيب بأنّ الحيثية معتبرة، فالمراد أنّ الوجوب طلب يعتبر من حيث تعلّقه بفعل والحرمة طلب يعتبر من حيث تعلّقه بكفّ عن فعل، فيكون اكفف عن فعل كذا من حيث تعلّقه بالكفّ إيجابا، وبالفعل المكفوف عنه تحريما، ولكنه حينئذ لم يكن قوله غير كفّ محتاجا إليه ويكفي أن يقال طلب فعل ينتهض تركه الخ، اللهم إلّا أن يقصد زيادة الوضوح والتنبيه.
اعلم أنّ الوجوب والإيجاب متحدان ذاتا مختلفان اعتبارا وقد سبق في لفظ الحكم. وقيل الواجب ما يعاقب تاركه، وردّ بأنّه يخرج عنه الواجب المعفو عن تركه. وقيل ما أوعد بالعقاب على تركه ليندفع ذلك لأنّ الخلف في الوعيد جائز وإن لم يجز في الوعد كما ذهب إليه بعض المتكلّمين. وأمّا عند من لم يجوّز ذلك فالنقض عنده بحاله. وقيل ما يخاف العقاب على تركه وهو مردود بما شكّ في وجوبه ولا يكون واجبا في نفسه فإنّه يخاف العقاب. وقال القاضي أبو بكر ما يذمّ شرعا تاركه بوجه ما، والمراد بالذمّ نصّ الشارع به أو بدليله إذ لا وجوب إلّا بالشرع، وقال بوجه ما ليدخل الواجب الموسع فإنّه يذمّ تاركه إذا تركه في جميع وقته لا في بعض الوقت، وكذا فرض الكفاية فإنّه يذمّ تاركه إذا لم يقم به غيره. ويرد عليه صلاة النّائم والناسي وصوم المسافر لأنّه يصدق على كلّ منها لأنّه يذمّ تاركه على تقدير عدم القضاء بعد التذكّر والتنبه والإقامة. وأجيب بأنّ المراد أنّه يذمّ تاركه من حيث إنّه تارك وباعتبار ذلك الترك وإلّا فيصدق على كلّ فعل أنّه يذم تاركه على تقدير تركك الفرض معه، وفي الصلاة المذكورة ليس الذمّ على ترك الصلاة حال النسيان والنوم والصوم حال السفر بل على ترك القضاء. وإن شئت الزيادة فارجع إلى العضدي وحواشيه.
اعلم أنّ جميع التعاريف للمواجب بالمعنى الأعم الشامل للقطعي والظّنّي على ما ذهب إليه جمهور الأصوليين. وأمّا عند الحنفية القائلين بتخصيصه بالظّنّي فيقال الواجب ما ثبت بدليل ظنّي واستحقّ الذّمّ على تركه مطلقا من غير عذر، وقد سبق في لفظ الفرض. والواجب عند المعتزلة فيما يدرك جهة حسنه أو قبحه بالعقل هو ما اشتمل تركه على مفسدة وقد سبق في لفظ الحسن.
اعلم أنّهم قد يقولون نفس الوجوب وقد يقولون وجوب الأداء فلا بدّ من بيان الفرق، فنقول: الوجوب في عرف الفقهاء على اختلاف العبارات في تفسيره يرجع إلى كون الفعل بحيث يستحقّ تاركه الذّمّ في العاجل والعقاب في الآجل. فمن هاهنا ذهب جمهور الشافعية إلى أنّه لا معنى له إلّا لزوم الإتيان بالفعل وأنّه لا معنى للوجوب بدون وجوب الأداء، بمعنى الإتيان بالفعل أعمّ من الأداء والقضاء والإعادة، فإذا تحقّق السبب ووجد المحل من غير مانع تحقّق وجوب الأداء حتى يأثم تاركه ويجب عليه القضاء، وإن وجد في الوقت مانع شرعي أو عقلي من حيض أو نوم أو نحو ذلك فالوجوب يتأخّر إلى زمان ارتفاع المانع، وحينئذ افترقوا ثلاث فرق. فذهب الجمهور إلى أنّ الفعل في الزمان الثاني قضاء بناء على أنّ المعتبر في وجوب القضاء سبق الوجوب في الجملة لا سبق الوجوب على ذلك الشخص، فعلى هذا يكون فعل النائم والحائض ونحوهما قضاء. وبعضهم يعتبر سبق الوجوب عليه حتى لا يكون فعل النائم والحائض ونحوهما قضاء لعدم الوجوب عليهم بدليل الإجماع على جواز الترك.
وبعضهم يقول بالوجوب عليهم بمعنى انعقاد السبب وصلاحية المحل وتحقّق اللزوم لولا المانع ويسمّيه وجوبا بدون وجوب الأداء، وليس هذا إلّا تغيير عبارة بالنسبة إلى مذهب الحنفية لأنّ مرادهم بتحقّق اللزوم تحقّق لزوم الأداء لولا المانع، فإذا وجد المانع لم يتحقّق وجوب الأداء، وقد قالوا بالوجوب عليهم عند المانع. وأمّا الحنفية فذهب بعضهم إلى أنّه لا فرق بين الوجوب ووجوب الأداء في العبادات البدنية حتى أنّ الشيخ المحقّق أبا المــعين بالغ في ردّه وادّعى أنّ استحالته غنية عن البيان. ثم قال إنّ الشارع أوجب على من مضى عليه الوقت وهو نائم مثلا بعد زوال النوم ما كان يوجبه في الوقت لولا النوم بشرائط مخصوصة، ولم يوجب ذلك في باب الصبي والكفر، وهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وأوجب الصوم على المريض والمسافر معلّقا باختيارهما الوقت تخفيفا ومرحمة، فإن اختار الأداء في الشهر كان الصوم واجبا فيه وإن أخّراه إلى الصحة والإقامة كان واجبا بعدهما، وهذا بخلاف الواجب المالي فإنّ فيه شيئين إذ الواجب هو المال والأداء فعل في ذلك المال، فيجب على الولي أداء ما وضع في ذمّة الصبي من المال كما لو وضع في بيت الصبي مال مــعيّن. وأما الذاهبون إلى الفرق فمنهم من اكتفى بالتمثيل فقال نفس وجوب الثمن بالبيع ووجوب الأداء بالمطالبة. وذهب صاحب الكشف إلى أنّ نفس الوجوب عبارة عن اشتغال الذمة بوجود الفعل الذهني ووجوب الأداء عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود الخارجي، ولا شكّ في تغايرهما. ولذا لا يتبدّل ذلك التصوّر بتبدّل الوجود الخارجي بالعدم بل يبقى على حاله، وكذا في المالي أصل الوجوب لزوم مال تصوّر في الذمة ووجوب الأداء إخراجه من العدم إلى الوجود الخارجي، إلّا أنّه لمّا لم يكن في وسع العبد ذلك أقيم مال آخر من جنسه مقامه في حقّ صحة الأداء والخروج عن العهدة وجعل كأنّه ذلك المال الواجب، وهذا معنى قولهم:
الدّيون تقضى بأمثالها لا بأعيانها، فظهر الفرق بين الفعل وأداء الفعل، هذا كلامه. والمراد بالفعل الذّهني أنّه أمر عقلي لا وجود له في الخارج لا أنّه شرط في اشتغال الذّمة به أن يتصوّره من عليه الوجوب أو غيره. وفي تفسير وجوب الأداء بالإخراج تسامح، والمراد لزوم الإخراج. وذهب صدر الشريعة إلى أنّ نفس الوجوب هو اشتغال الذّمة بفعل أو مال ووجوب الأداء لزوم تفريغ الذمة عمّا اشتغلت به، وتحقيقه أنّ للفعل معنى مصدريا وهو الإيقاع ومعنى حاصلا بالمصدر وهو الحالة المخصوصة، فلزوم وقوع تلك الحالة هو نفس الوجوب ولزوم إيقاعها وإخراجها من العدم إلى الوجود هو وجوب الأداء، وكذا في المالي لزوم المال وثبوته في الذّمة نفس الوجوب ولزوم تسليمه إلى من له الحقّ وجوب الأداء، فالوجوب في كلّ منهما صفة لشيء آخر فافترقا في المعنى. ثم إنّهما يفترقان في الوجود أيضا.
أمّا في البدني فكما في صلاة النائم والناسي وصوم المسافر والمريض، فإنّ وقوع الحالة المخصوصة التي هي الصلاة والصوم لازم نظرا إلى وجود السبب وأهلية المحلّ وإيقاعها من هؤلاء غير لازم لعدم الخطاب وقيام المانع.
وأمّا في المالي فكما في الثمن إذا اشترى الرجل شيئا بثمن غير مشار إليه بالتعيين فإنّه يجب في الذمة الامتناع البيع بلا ثمن ولا يجب أداؤه إلّا بعد المطالبة. وإن شئت زيادة التوضيح فارجع إلى التوضيح والتلويح وحواشيه.

التقسيم:
للواجب تقسيمات باعتبارات. الأول باعتبار فاعله ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية. ففرض الكفاية واجب يحصل منه الغرض بفعل بعض المكلّفين، أيّ بعض كان، وفرض الــعين بخلافه، مثال الكفاية الجهاد فإنّ الغرض منه حراسة المؤمنين وإذلال العدو وإعلاء كلمة الحقّ وذلك حاصل بوجود الجهاد من أيّ فاعل كان، وكذا إقامة الحجج ودفع الشبه إذ الغرض منها حفظ قواعد الدين من أن تزلزلها شبه المبطلين، وحصوله لا يتوقّف إلّا من صدوره من فاعل ما، ومثل هذا لا يتعلّق بكلّ واحد من الأعيان بحيث لا يسقط بفعل البعض لاقتضائه إلى إلزام ما لا حاجة إليه، ولا ببعض مــعيّن لأدائه إلى الترجيح من غير مرجّح، فتــعيّن أن يتعلّق وجوبه بالكلّ على وجه يسقط بفعل البعض أو يتعلّق ببعض غير مــعيّن. ومثال فرض الــعين الصلاة والصوم. وبالجملة ففرض الــعين ما وجب على كلّ واحد واحد من آحاد المكلّفين وفرض الكفاية ما وجب على بعض غير مــعيّن أو على الكلّ بحيث لو فعل البعض سقط عن الباقين. والثاني باعتبار نفسه إلى مــعيّن ومخيّر، فالمــعيّن ما ثبت بالأمر بواحد مــعيّن كما يقال سلّ أو يقال أوجبت عليك الصلاة، والمخيّر ما ثبت بالأمر بواحد مبهم من أمور مبهمة ولا فائدة فيه أصلا. فالواجب واحد من تلك الأمور المبهمة يــعيّنــه فعل المكلّف ولا يــعيّنــه قوله بأن يقول عيّنــت كذا وهذا هو مذهب الفقهاء. وذهب الجبّائي وابنه أنّ الكل واجب على التخيير وفسّره البعض بأنّه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان به، وللمكلّف أن يختار أيا ما كان وهو بــعينــه مذهب الفقهاء، ولكنه ما ذهب إليه بعض المعتزلة من أنّه يثاب ويعاقب على كلّ واحد ولو أتى بواحد سقط عنه الباقي بناء على أنّ الواجب واحد مــعيّن عند الله دون المكلّف، ويسقط بفعله أي بفعل ذلك الواحد المــعيّن أو بفعل غيره.
والثالث باعتبار وقته إلى مضيّق وموسّع فإنّ زمان الواجب إن كان مساويا له سمّي واجبا مضيّقا كالصوم ووقته يسمّى معيارا، وإن كان زائدا عليه يسمّى واجبا موسّعا كالظهر وقته يسمّى ظرفا، ولا يجوز كون الوقت ناقصا عنه إلّا لغرض القضاء، كما إذا طهرت وقد بقي من الوقت مقدار ركعة فذهب الجمهور من الشافعية والحنفية والمتكلّمين إلى أنّ جميعه وقت للأداء.
وقال القاضي الباقلاني إنّ الواجب الفعل في كلّ جزء ما لم يتضيّق الوقت أو العزم على الفعل، لكن الفعل أصل، وإنّما يجوز تركه ببدل وهو العزم وآخره متــعيّن للفعل. ومن الشافعية من عيّن أوله للأداء فإن أخّره فقضاء. ومن الحنفية من عكس وقال آخر الوقت متــعيّن للأداء فإن قدّمه فهو نفل يسقط به الفرض كتعجيل الزكاة قبل وقوعها. والرابع باعتبار مقدّمة وجوده إلى مطلق ومقيّد، فالمطلق ما لا يتوقّف وجوبه على مقدّمة وجوده من حيث هو كذلك والمقيّد بخلافه، وفي اعتبار الحيثية إشارة إلى جواز كون الشيء واجبا مطلقا بالقياس إلى المقدّمة ومقيّدا بالقياس إلى أخرى، فإنّ الصلاة بل التكاليف بأسرها موقوفة على البلوغ والعقل فهي بالقياس إليهما مقيّدة، وأمّا بالإضافة إلى الطهارة فواجبة مطلقا. وقد فسّر الواجب المطلق بما يجب في كلّ وقت وعلى كلّ حال فنوقض بالصلاة، فزيد كلّ وقت قدّره الشارع فنوقض بصلاة الحائض، فزيد إلّا لمانع وهذا لا يشتمل غير المؤقتات ولا مثل الحج والزكاة في إيجاب ما يتوقّف عليه من الشروط والمقدّمات. وان شئت توضيح المقام فارجع إلى العضدي وحواشيه.
الوجوب: الشرعي ما يستحق تاركه الذم والعقاب.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.