Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: عون

خَرف

Entries on خَرف in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
خَرف
) خَرَفَ الثِّمَارَ، يَخْرُفُها، خَرْفاً، بالفضتْحِ، ومَخْرَفاً كمَقْعَدٍ، وخَرَافاً، ويُكْسَرُ: جَنَاهُ هَكَذَا فِي النُّسَخِ، والصَّوابُ: جَنَاهَا، وَفِي المُحْكَمِ: خَرَفَ النَّخْلَ يَخْرُفُهُ خَرْفاً وخَرَافاً: صَرَمَهُ، واجْتَنَاهُ، كاخْتَرَفَهُ وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الاخْتِرَافُ: لَقْطُ النَّخْلِ بُسْراً كَانَ أَو رُطَبَا. وَقَالَ شَمِرٌ خَرَفَ فُلاناً، يَخْرُفُه، خَرْفاً: لَقَطَ لَهُ التَّمْرَ، هَكَذَا بفَتْحِ التَّاءِ وسُكُونِ المِيمِ، وَفِي بَعْضِ الأُصُولِ الثَمَرَ بالمُثَلَّثَةِ مُحَرَّكَةً.
والمَخْرَفَةُ، كمَرْحَلَةٍ: الْبُسْتَانُ، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، وقَيَّدَهُ بعضُهُم مِن النَّخْلِ. وَقَالَ شَمِرٌ: المَخْرَفَةُ: سِكَّةٌ بيْن صَفَّيْنِ مِن نَخْلٍ يَخْتَرِفُ الْمُخْتَرِفُ مِن أَيِّهِمَا شَاءَ، أَي يَجْتَنِي، وبهٌ فُسِّرَ حديثُ ثَوْبانَ رَضِيَ اللهث عَنهُ، رَفَعَهُ: عَائِدُ المَرِيضِ علَى مَخْرَفَةِ الجَنَّةِ ويُرْوَى: مَخَارِفِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ، أَي: أَنَّ العائدَ فِيمَا يَحُوزُهُ مِن الثَّوَابِ كأَنَّهُ على نَخْلِ الجَنَّةِ يَخْتَرِفُ ثِمارَهَا، قَالَهُ ابنُ الأَثِيرِ.
قلتُ: وَقد رُوِيَ أَيضاً عَن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، رَفَعَهُ: مَنْ عَادَ مَرِيضاً إِيمَاناً باللهِ ورَسُولِهِ، وتَصْدِيقاً لِكِتَابِهِ، كأَنَّمَا كَانَ قَاعِداً فِي خِرَافِ الجَنَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: عَائِدُ الْمَرِيضِ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجَنَّةِ أَيك مَخْزُوفٌ مِن ثِمَارِهَا، وَفِي أُخْرَى: علَى خُرْفَةِ الجَنَّةِ.
والمَخْرَفَةُ: الطَّرِيقُ اللاَّحِبُ الوَاضِحُ، وَمِنْه قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: تَرَكْتُكُمْ عَلَى مثل مَخْرَفَةِ النَّعَمِ، فَاتَّبَعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا. قَالَ الأَصْمَعِيُّ: أَراد تَرَكْتُكُمْ علَى مِنْهَاجٍ وَاضِحٍ، كالجَادَّةِ الَّتِي كَدَّتْهَا النَّعَمُ بأَخْفَافِها، حَتَّى وَضَحَتْ واسْتَبَانَتْ، وَبِه أَيضاً فَسَّرَ بعضُهم الحديثَ المُتَقَدِّم، والمَعْنَى: عَائِدُ المَرِيضِ علَى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أَي: يُؤَدِّيهِ ذَلِك إِلى طُرُقِها، كالمَخْرَفِ، كمَقْعَدٍ فِيهِمَا، أَي: فِي سِكَّةِ النَّخْلِ، والطَّرِيقِ.
فمِن الأَوَّل حديثُ أَبي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لمَّا أَعْطَاهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ سَلَبَ القَتِيلِ، قَالَ: فبِعْتُهُ، فابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفاً، فَهُوَ أَوَّل ُ مَالٍ تَأَثَّلْتُه فِي الإِسْلامِ ورِوَايَةُ المُوَطَّأ: فإِنَّه لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ، ويُرْوَى: اعْتَقَدْتُهُ، أَي اتَّخَذْتُ مِنْهُ عُقْدَةً، كَمَا فِي الرَّوْضِ، قَالَ: ومَعْنَاه: البُسْتَانُ مِن النَّخْلِ، هَكَذَا فَسَّرُوهُ، وفَسَّره الحَرْبِيُّ وأَجَادَ فِي تَفْسِيرِه، فَقَالَ: المَخْرَفُ: نَخْلَةٌ واحدةٌ، أَو نَخَلاتٌ يَسِيرَةٌ إِلى عَشَرَة، فَمَا فَوْقَ ذَلِك فَهُوَ بُسْتَانق أَو حَدِيقَةٌ، قَالَ: ويُقَوِّي هَذَا القَوْلَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِن أَنَّ المَخْرَفَ مِثْلُ المَخْرُوفَةِ، وَهِي النَّخْلَةُ يَخْتَرِفُها الرجلُ لِنَفْسِه)
وعِيَالِهِ، وأَنْشِدَ: مِثل المَخَارِفِ مِن جَيْلاَنَ أَو هَجَرَا وَفِي اللِّسَانِ: المَخْرَفُ: القطعةُ الصّغِيرَةُ مِن النَّخْلِ، سِتٌّ أَو سَبْعٌ، يَشْتَرِيها الرَّجُلُ للخُرْفَةِ، وَقيل: هِيَ جَمَاعَةُ النَّخْلِ مَا بَلَغَتْ. وَقَالَ ابنُ الأَثِيرِ: المَخْرَفُ: الْحَائِطُ مِن النَّخْلِن وَبِه فُسِّرَ أَيضاً حديثُ أَبي طَلْحَةَ: إِنَّ لِي مَخْرَفاً، وإِنِّي قد جَعَلْتُه صَدَقَةً فَقَالَ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: اجْعَلْهُ فِي فُقَرَاءِ قَوْمِكَ.
وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ، فِي تَفْسِيرِحدِيثِ: عَائِد الْمَرِيضِ مَا نَصُّهُ: قَالَ الأَصْمَعِيُّ: المَخَارِفُ: جَمْعُ مَخْرَفٍ، كمَقْعَدٍ، وَهُوَ جَنَى النَّخْلِ، وإِنَّمَا سُمِّيَ مَخْرَفاً لأَنَّه يُخْرَفُ مِنْهُ، أَي: يُجْتَنَى.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فِيمَا رَدَّ علَى أَبي عُبَيْدٍ: لَا يكونُ المَخْرَفُ جَنَى النَّخْلِ، وإِنَّمَا المَخْرَفُ النَّخْلُ، قَالَ: ومَعْنَى الحديثِ: عَائِدُ المَرِيضِ فِي بَسَاتِينِ الجَنَّةِ. قَالَ ابنُ الأَنْبَارِيِّ: بل هُوَ المُخْطِىءُ، لأَنَّ المَخْرَفَ يَقَعُ علَى النَّخْلِ، وعلَى المَخْرُوفِ مِن النَّخْلِ، كَمَا يَقَعُ المَشْرَفُ علَى الشُّرْبِ، والمَوْضِعِ، والمَشْرُوبِ، وكذلِكَ المَطْعَمُ، والمَرْكَبُ، يَقَعَان علَى الطَّعَامِ المَأْكُولِ، وعلَى المَرْكوبِ، فإِذَا جازَ ذَلِك جازَ أَنْ يَقَعَ المَخْرَفُ علَى الرُّطَبِ المَخْرُوفِ، قَالَ: وَلَا يَجْهَلُ هَذَا إِلاَّ قَلِيلُ التَّفْتِيشِ لِكَلامِ العَرَبِ، قَالَ الشاعرُ:
(وأُعْرِضُ عَنْ مَطَاعِمَ قد أَرَاهَا ... تُعَرَّضُ لِي وَفِي الْبَطْنِ انْطِوَاءُ)
قَالَ: وقَوْلُهُ: عَائِدُ المَرِيضِ علَى بَسَاتِينِ الجَنَّةِ، لأَنَّ علَى لَا تكونُ بِمَعْنَى فِي، لَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ: الكيسُ عَلَى كُمِّي، يُرِيدُ: فِي أَخَوَاتِهَا إِلاَّ بأَثَرٍ، وَمَا رَوَى لُغَوِيٌّ قَطُّ أَنَّهم يضَــعُون علَى مَوْضِعَ فِي. انْتهى ومِن المَخْرَفِ بمَعْنَى الطَّرِيقِ قَوْلُ أَبي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ، يَصِفُ رَجُلاً ضَرَبَهُ ضَرْبَةً:
(فَأَجَزْتُهُ بِأَفْلَّ تَحْسَبُ أَثْرَهُ ... نَهْجاً أَبَانَ بِذِي فَرِيغٍ مَخْرَفِ)
ويُرْوَى: مِجْرَفِ، كمِنْبَرٍ بالجِيم والرَّاءِ، أَي: يَجْرُفُ كلَّ شَيْءٍ، وَهِي رِوَايَةُ ابنُ حَبِيب، وَقد تقدَّم.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: المَخَارِفُ: الطَّرِيقُ، وَلم يُعَيِّنْ أَيَّةَ الطُّرُقِ هِيَ. والْمِخْرَفُ، كمِنْبَرٍ: زِنْبِيلٌ صَغِيرٌ يُخْتَرَفُ فِيهِ مِن أَطايِبِ الرُّطَبِ، هَذَا نَصُّ العُبَابِ، وأَخْضَرُ مِنْهُ عبارةُ الرَّوْضِ: الْمِخْرَفُ، بكَسْرِ المِيمِ: الآلَةُ الَّتِي تُخْتَرَفُ بهَا الثِّمَارُ، وأَخْضَرُ مِنْهُ عِبَارَةُ الجَوْهَرِيِّ: الْمِخْرَفُ، بالكَسْرِ:)
مَا تُجْتَنَى فِيهِ الثِّمَارُ، وَمن سَجَعَاتِ الأَسَاسِ: خَرَجُوا إِلَى المَخَارِفِ بالمَخَارِفِ، أَي: إِلى البَسَاتِينِ بالزُّبُلِ.
والخُرَفَةُ، كهُمَزَةَ: ة بَيْنَ سِنْجَارَ ونَصِيبِيْنَ، مِنْهَا: أَبُو الْعَبَّاس أَحمدُ بنُ الْمُبَارَكِ بنِ نَوْفَلٍ النَّصِيبِيُّ الخُرَفِيُّ المُقْرِىءُ، وَله تَصَانِيفُ، مَاتَ فِي رَجَب سنة، ويُفْهَم مِن سِياقِ الْحَافِظ فِي التَّبْصِيرِ أَنَّه بالضَّمِّ فالسُّكُونِ.
والإِمامُ أَبو عليٍّ ضِياءُ ابنُ أَحمدَ بنِ أَبي عليِّ بنِ أَبي القاسِمِ بنِ الْخُرَيفِ، كزُبَيْرٍ: مُحَدِّثٌ، عَن القَاضِي أَبي بكرٍ محمدِ بنِ عبدِ الباقِي بنِ محمدِ البَزَّار النَصْرِيِّ الأَنْصَارِيِّ، وَعنهُ الأَخَوان: النَّجِيبُ عبدُ اللَّطِيف، والعِزُّ عبدُ الْعَزِيز، ابْنَا عبدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيِّ، وَقد وَقَعَ لنا طَرِيقُهُ عَالِياً، فِي كتابِ شَرَفِ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، لِلْحَافِظِ أَبي بكرٍ الخَطِيبِ.
والْخَرُوفَةُ: النَّخْلَةُ يُخْرَفُ ثَمَرُها، أَي: يُصْرَمُ، فَعُولَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: وَكَذَلِكَ الْخَرِيفَةُ: هِيَ النَّخْلَةُ يَخْتَرِفُها الرَّجُلُ لنفسِه وعِيَالِهِ، وَفِي العُبَابِ: نَخْلَةٌ تَأْخُذُهَا لِتَلْقُطَ رُطَبَهَا. قَالَه شَمِرٌ: وَقيل: الخَرِيفَةُ: هِيَ الَّتِي تُعْزَلُ للخَرْفَةِ، جَمْعُهَا خَرَائِفُ، أَو الْخَرَائِف: النَّخْلُ الَّتِي، ونَصُّ الصِّحاحِ: اللاَّتِي تُخْرَصُ، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ عَن أَبي زَيْدٍ.
والخَرُوفُ كصَبُورٍ: وَلَدُ الحَمَلِ، وَقَالَ اللَّيْثُ: هُوَ الذَّكَرُ مِن أَوْلاَدِ الضَّأْنِ، أَو إِذا رَعَى وقَوِيَ مِنْهُ خَاصَّةً، وَهُوَ دُونَ الجَذَعِ، وَهِي خَرُوفَةٌ، وَقد خَالَفَ هُنَا قَاعِدَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُه: والأُنْثَى بهاءٍ، فلْيُتَنَبَّه لذَلِك، ج: أَخْرِفَةٌ، فِي أَدْنَى العَدَدِ، وخِرْفَانٌ، بالكَسْرِ، فِي الجَمِيعِ، وإِنَّمَا اشْتِقَاقُهُ مِن أَنَّه يخْرُفُ مِن ههُنَا وههُنَا، أَي: يَرْتَعُ.
وَقد يُرَادُ بالخِرْفَانِ: الصِّغارُ والجُهَّالُ، كَمَا يُرَادُ بالكِباشِ: الكِبَارُ والعُلَمَاءُ، وَمِنْه حديثُ المَسِيح عَلَيْهِ السَّلامُ: إِنَّمَا أَبْعَثُكُمْ كَالْكِبَاشِ تَلْتَقِطُونَ خِرْفَانَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. والخَرُوفُ: مُهْرُ الْفَرَسِ إِلَى مُضِيِّ الْحَوْلِ، نَقَلَهُ ابنُ السِّكِّيتِ، وأَنْشَدَ رَجُلٌ مِن بَلحَارِث بنِ كَعْبٍ يَصِفُ طَعْنَةً:
(ومُسْتَنَّةٍ كَاسْتِنَانِ الْخَرُو ... فِ قد قَطَعَ الْحَبْلَ بِالْمِرْوَدِ)

(دَفُوعِ الأَصَابِع ضَرْحَ الشَّمُو ... سِ نَجْلاَءَ مؤْيِسَةِ الْعُوَّدِ)
مُسْتَنَّة: يَعْنِي طَعْنَةً فَارَ دَمُها، واسْتَنَّ: أَي مَرَّ عَلَى وَجْهِه، كَمَا يَمْضِي المُهْرُ الأَرِنُ، وبالمِرْوَدِ: أَي مَعَ المِرْوَدِ، قَالَ الجَوْهَرِيُّ: وَلم يَعْرِفْهُ أَبو الغَوْثِ. أَو الخَرُوفُ: وَلَدُ الفَرَسِ إِذا بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَو سَبْعَةً، حَكَاهُ الأَصْمَعِيُّ، فِي كتابِ الفَرَسِ، وأَنْشَدَ البَيْتَ المُتَقَدِّمَ، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، وأَنْشَدَ)
السُّهَيْلِيُّ، فِي الرَّوْضِ هَذَا البيتَ، وَقَالَ: قِيل: الخَرُوفُ هُنَا: المُهْرُ، وَقَالَ قَوْمٌ: الفَرَسُ يُسَمَّى خَرُوفاً.
قلتُ: فِي اللِّسَانِ: الخَرُوفُ مِن الخَيْلِ: مَا نُتِجَ فِي الخَرِيفِ، وَقَالَ خَالِدُ بنُ جَبَلَةَ: مَا رَعَى الخَرِيفَ. ثمَّ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: ومَعْنَاهُ عندِي فِي هَذَا البيتِ: أَنَّه صِفَةٌ مِن خَرَفْتُ الثَّمْرَةَ، إِذا جَنَيْتَها، فالفَرَسُ خَرُوفٌ للشَّجَرِ والنَّبَاتِ، لَا تَقول: إِنَّ الفَرَسَ يُسَمَّى خَرُوفاً فِي عُرْفِ اللُّغَةِ، ولكنْ خَرُوفٌ، فِي مَعْنَى أَكُولٍ، لأَنَّه يَخْرُفُ، أَي: يَأْكُلُ، فَهُوَ صِفَةٌ لكلِّ مَن فَعَلَ ذَلِك الفِعْلَ مِن الدَّوَابِّ.
والْخَارِفُ: حَافِظُ النَّخْلِ، وَمِنْه حديثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، رَفَعَهُ: أَيُّ الشَّجَرَةِ أَبْعَدُ مِنَ الْخَارِفِ قَالُوا: فَرْعُهَا، قَالَ: فَكَذَلِكَ الصَّفُّ الأَوَّلُ. وجَمْعُ الخَارِفِ: خُرَّافٌ، ويُقَالُ: أَرْسَلُوا خُرّافَهم: أَي نُظَّارَهُمْ. وخَارِفٌ، بِلاَ لاَمٍ: لَقَبُ مالِكِ ابنِ عبدِ اللهِ بن كَثِيرٍ، أَبِي قَبيلَةٍ مِن هَمْدَانَ وَفِي اللِّسَانِ: خَارِف ويَامٌ، وهما قَبِيلَتان، وَقد نُسِبَ إِليهما المِخْلاَفُ باليَمَنِ.
والْخُرْفَةُ، بِالضَّمِّ: المُخْتَرَفُ، والْمُجْتَنَى مِن الثِّمَارِ والفَوَاكِهِ، وَمِنْه حديثُ أَبي عَمْرَةَ: النَّخْلَةُ خُرْفَةُ الصائِمِ: أَي ثَمَرَتُه الَّتِي يَأْكُلُهَا، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: فِي التَّمْرِ خُرْفَةُ الصَّائِمِ، وتُحْفَةُ الكَبِيرِ ونَسَبَهُ للصَّائِمِ، وتُحْفَةُ الكَبِيرِ ونَسَبَهُ للصَّائِمِ لأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الإِفْطارُ عَلَيْهِ.
كالخُرافَةِ، ككُناسَةٍ وَهُوَ: مَا خُرِفَ من النَّخْلُ. والخَرائِفُ: النَّخْلُ الَّتِي تُخْرَصُ، وَهَذَا قد تقدَّم للمُصَنِّف قَرِيباً، فَهُوَ تَكْرَارٌ، وأًسْبَقْنَا أَنَّه نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، عَن أَبي زَيْدٍ.
والخَرِيفُ، كأَمِيرٍ: أَحَدُ فُصُولِ السَّنَةِ الَّذِي تُخْتَرَفُ فِيهِ الثِّمَارُ، قَالَ اللَّيْثُ: هُوَ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، بيْن آخِرِ الْقَيْظِ وأَوَّل الشِّتَاءِ، سُمِّيَ خَرِيفاً لأَنَّه تُخْتَرَفُ فِيهَا الثِّمَارُ، والنِّسْبَةُ إِليه خَرْفِيٌّ بالفَتْحِ، ويُكْسَرُ، ويُحَرَّكُ، كُلُّ ذَلِك على غيرِ قِيَاسٍ.
والخَرِيفُ: الْمَطَرُ فِي ذلِك الْفَصْلِ، والنِّسْبَةُ كالنِّسْبَةِ، قَالَ العَجَّاجُ: جَرَّ السَّحَابُ فَوْقَهُ الخَرْفِيُّ ومُرْدِفَاتُ المُزْنِ والصَّيْفِيُّ أَو هُوَ أَوَّلُ الْمَطَرِ فِي أَوَّلِ الشِّتَاءِ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عندَ صِرَامِ النَّخْلِ، ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ الوَسْمِيُّ، وَهُوَ عندَ دُخُولِ الشِّتَاءِ، ثمَّ يَلِيهِ الرَّبِيعُ، ثمَّ يَلِيهِ الصَّيْفُ، ثمَّ الحَمِيمُ، قالَهُ الأَصْمَعِيُّ. وَقَالَ الغَنَوِيُّ: الخَرِيفُ: مَا بَيْنَ طُلوعِ الشِّعْرَي إِلى غُرُوبِ العَرْقُوَتَيْنِ، والغَوْرُ، ورُكْبَةُ، والحِجَازُ،) كُلُّه يُمْطَرُ بالخَرِيفِ، ونَجْدٌ لَا تُمْطَرُ فِيهِ.
وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: أَوَّلُ المَطَرِ الوَسْمِيُّ، ثمَّ الشَّتَوِيُّ، ثمَّ الخَرِيفُ، ثمَّ الحَمِيمُ، ثمَّ الخَرِيفُ، وَلذَلِك جُعِلَتِ السَّنَةُ سِتَّةَ أَزْمِنَةٍ. وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: لَيْسَ الخَرِيفُ فِي الأَصْلِ باسْمٍ لِلْفَصْلِ، وإِنَّمَا هُوَ اسْمُ مَطَرِ القَيْظِ، ثمَّ سُمِّيَ الزَّمَنُ بِهِ. ويُقَال: خُرِفْنَا، مَجْهُولاً، أَي: أَصَابَنَا ذَلِك الْمَطَرُ، فَنحْن مَخْرُوفُونَ، وَكَذَا خَرِفَتِ الأَرْضُ، خَرْفاً: إِذا أَصَابَهَا مَطَرُ الخَرِيفِ.
وَقَالَ الأَصْمَعِيُّ: أَرْضٌ مَخْرُوفَةٌ: أَصَابَهَا خَرِيفُ المَطَرِ، ومَرْبُوعَةٌ: أَصَابَها الرَّبِيعُ، وَهُوَ المَطَرُ، ومَصِيفَةٌ: أَصَابَهَا الصَّيْفُ. والخَرِيفُ: الرُّطَبُ الْمَجْنِيُّ، فَعِيلٌ بمعنَى مَفْعُولٍ. وَقَالَ أَبو عمرٍ: الخَرِيفُ: السَّاقِيَةُ.
والْخَرِيفُ: السَّنَةُ والْعَامُ، وَمِنْه الحديثُ: فُقَرَاءُ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً.
قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: هُوَ الزَّمَانُ المعرُوفُ فِي فُصُولِ السَّنَةِ، مَا بَيْنَ الصَّيْفِ والشِّتَاءِ، ويُرِيدُ أَربعينَ سَنَةً، لأَنَّ الخَرِيفَ لَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، فإِذا انْقَضَى أَرْبــعون خَرِيفاً، فقد مَضَتْ أَربــعونَ سَنَةً.
وَمِنْه الحديثُ الآخَرُ: إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَدْــعُونَ مَالِكاً أَرْبعينَ خَرِيفاً. وَفِي حديثٍ آخَر: مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْخَازِنِ مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ خَرِيفٌ، أَراد مَسَافَةً تُقْطَعُ مِن الخَرِيفِ إِلَى الخَرِيفِ، وَهُوَ السَّنَةُ، ثمَّ إِنَّه ذكَر العامَ والسَّنَةَ وإِن كَانَ أَحَدُهما يُغْنِي عَن الآخَرِ إِشَارَةً إِلَى مَا فيهمَا مِن الفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَه أَئِمَّةُ الفِقْهِ مِن اللُّغَةِ، الَّذِي ذَكَرَه أَئِمَّةُ الفِقْهِ مِن اللُّغَةِ، وفَصَّلَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْض، وسَنذْكُره فِي مَوْضِعِه، إِن شاءَ اللهُ تعالَى. وقَيْسُ، هَكَذَا فِي النُّسَخِ، والصَّوابُ علَى مَا سَبَق لَهُ فِي ق ق س قَاقِيسُ بنُ صَعْصَعَةَ ابنش أَبي الْخَرِيفِ، مُحَدِّثٌ رَوَى عَن أَبِيهِ، وأَضَافَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِه، عَلَى مَا أَسْلَفْنَا ذِكْرَه فِي السِّين، فَراجِعْهُ.
والخَرِيفَةُ، كَسَفِينَةٍ: أَنْ يُحْفَرَ لِلْنَّخْلَةِ فِي البَطْحَاءِ، وَهِي مَجْرَى السَّيْلِ الذِي فِيهِ الْحَصَى حَتَّى يُنْتَهَى إِلى الْكُدْيَةِ، ثمَّ يُحْشَى رَمْلاً، وتُوضَعُ فِيهِ النَّخْلَةُ، كَمَا فِي العُبَابِ. والْخَزْفَي، كسَكْرَى: الْجُلَّبَانُ، بتَشْدِيدِ الَّلامِ، وتَخْفِيفُها غيرُ فَصِيحٍ.
قَالَ أَبو حَنيفَةَ: وَهُوَ اسْمٌ لِحَب م مَعْرُوف، وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وأَصْلُهُ فَارِسيٌّ، مِن القَطَانِيِّ، وفَارِسِيَّتُه: خَرْبَا، وخُلَّر، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ. وخُرَافَةُ، كثُمَامَةٍ: رَجُلٌ مِن عُذْرَةَ، كَمَا فِي الصِّحاحِ، أَو مِنْ جُهَيْنَةَ، كَمَا لابْنِ الكَلْبِي، اسْتَهْوَتْهُ الْجِنُّ، واخْتَطَفَتْهُ، ثمَّ رَجَعَ إِلى قَوْمِهِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بمَا) رَأَى أَحادِيثَ يَعْجَبُ مِنْهَا النَّاسُ، فَكَذَبُوهُ فجَرَى على أَلْسُنِ النَّاسِ، وقَالُوا: حَدِيثُ خُرَافة، قَالَ الجَوْهَرِيُّ: والرَّاءُ مُخَفَّفَةٌ، وَلَا يَدْخُلُه الأَلفُ والَّلامُ، لأَنَّه مَعْرِفَةٌ، إِلاَّ أَنْ تُرِيدَ بِهِ الخُرَافَاتِ المَوْضُوعَةَ مِن حَدِثِ اللَّيْلِ، أَو هِيَ حَدِيثٌ مُسْتَمْلَحٌ كَذِبٌ، نَقَلَهُ اللَّيْثُ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الجَوْهَرِيُّ، وابنُ الكَلْبِيِّ، فقد اسْتَنْبَطَهُ الحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الحديثِ من تَأْلِيفِهِ أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: حَدِّثِينِي، قلتُ: مَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثَ خُرَافَةَ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَانَ. والْخَرَفُ، مُحَرَّكَةً: الشِّيصُ مِن التَّمْرِ، نَقَلَهُ أَبو عمرٍ و. والخُرُفُ، بِضَمَّتَيْنِ فِي قَوْلِ الْجَارُودِ بنِ المُنْذِرِ بنِ مُعَلَّى الأَزْدِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قالَ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْتَ مَا يَكْفِينَا مِنَ الظَّهْرِ ذَودٌ نَأْتِي عَلَيْهِنَّ فِي خُرُف فنَسْتَمِتِعُ مِن ظُهُورِهِن. قَالَ: ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ خَرَقُ النَّارِ، أَرَادَ: فِي وَقْتِ خُرُوجِهِمْ هَكَذَا نَصُّ العُبَابِ، وَفِي النِّهايةِ: خُرُوجِهِنَّ إِلى الْخَرِيفِ.
والخَرَافُ، كسَحَابٍ، ويُكْسَرُ: وَقْتُ اخْتِرَافِ الثِّمَارِ، كالحَصَادِ والحِصَادِ، نَقَلَهُ الكِسَائِيُّ. وخَرَفَ الرَّجُلُ، كنَصَرَ، وفِرحَ، وكَرُمَ، وعلَى الثَّانِيَةِ اقْتَصَرَ الجَوْهَرِيُّ، والصَّاغَانِيُّ، وصاحِبُ اللِّسَان، فَهُوَ خَرِفٌ، ككَتِفٍ ك فَسَدَ عَقْلُهُ من الكِبَرِ، كَمَا فِي الصِّحاحِ، والأُنْثَى خِرْفَةٌ، وَقَالَ عبدُ اللهِ بن طَاوُس: العَالِمُ لَا يَخْرَفُ، وأَنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لأَبِي النَّجْمِ: أَتَيْتُ مِنْ عِنْدِ زِيَادٍ كَالْخَرِفْ تَخُطُّ رِجْلاَيَ بِخَطٍّ مُخْتَلِفْ وتَكْتُبَانِ فِي الطَّرِيقِ لاَمَ الِفْ قَالَ الصَّاغَانِيُّ: ورَواهُ بعضُهُم: تِكِتِّبان بالكَسراتِ، وَهِي لُغَةٌ لِبَغْضِهِمْ، وَقَالَ آخَرُ:
(مَجْهَالُ رَأْدِ الضُّحَى حَتَّى يُوَرِّعَها ... كَمَا يَوَرِّعُ عَن تَهْذائِهِ الخرِفَا)
وخَرِف الرَّجُلُ، كَفَرِحَ: أَولِعَ بِأَكْلِ الْخُرْفَةِ، بالضَّمِّ، وَهِي جَنَى النَّخْلَةِ. وأَخْرَفَهُ الدَّهْرُ: أَفْسَدَهُ، وأَخْرَفَ النَّخْلُ: حَان لَهُ أَنْ يُخْرَفَ، أَي يُجْنَى، كقولِك: أَحْصَدَ الزَّرْعُ، وَلَو قَالَ حَانَ خَرَافُهُ، كَانَ أَخْضَرَ.
وأَخْرَفَتِ الشَّاةُ: وَلَدَتْ فِي الْخَرِيفِ، نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ، وأَنْشَدَ للكُمَيْتِ: (تَلْقَى الأَمَانَ علَى حِيَاضِ مُحَمدٍ ... ثَوْلاَءُ مُخْرِفَةٌ وذِئْبٌ أَطْلَسُ)
قَالَ الصَّاغَانِيُّ: وَلم أَجِدْهُ فِي شِعْرِهِ: قلتُ: ويُرْوَى بَعْدَهُ:
(لاذِي تَخافُ وَلَا لِذَلِكَ جُرْأَةٌ ... تُهْدَى الرَّعِيَّةُ مَا اسْتَقَامَ الرَّيِّسُ)
) يَمْدَحُ محمدَ بنَ سليمانَ الهَاشِمِيَّ، وَقد مَرَّ ذِكْرُه فِي حَوْض وَفِي رَأس. وأَخْرَفَ الْقَوْمُ: دَخَلُوا فِيهِ، أَي: فِي الخَرِيفِ، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ، وَكَذَلِكَ: أَصَافُوا، وأَشْتَوْا، إِذا دَخَلُوا فِي الصَّيْفِ والشِّتاءِ. وأَخْرَفَتِ الذُّرَةُ: طَالَتْ جِدًّا، نَقَلَهُ ابنُ عَبَّادٍ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: أَخْرَفَ فُلاناً نَخْلَةً: إِذا جَعَلَهَا لَهُ خُرْفَةً يَخْتَرِفُهَا. وَفِي الصِّحاحِ: قَالَ الأُمَوِيُّ: أَخْرَفَتِ النَّاقَةُ: وَلَدَتْ فِي مِثْلِ الْوَقْتِ الذِي حَمَلَتْ فِيهِ مِن قابِلٍ، وَهِي مُخْرِفٌ، وَقَالَ غيرُهُ: المُخْرِفُ: النَّاقَةُ الَّتِي تُنْتَجُ فِي فِي الخَرِيفِ، وَهَذَا أَصَحُّ، لأَنَّ الاشْتِقَاقَ يَمُدُّهُ، وَكَذَلِكَ الشَّاةُ.
وخَرَّفَهُ، تَخْرِيفاً: نَسَبَهُ إِلى الْخَرَفِ، أَي: فَسَادِ العَقْلِ. وخَارَفَهُ، مُخَارَفَةً: عَامَلَهُ بالْخَرِيفِ، وَفِي العُبَابِ: مِن الخَرِيفِ، كالمُشَاهَرَةِ، مِنَ الشَّهْرِ. ورَجُلٌ مُخَارَفٌ، بِفَتْحِ الرَّاءِ، أَي: مَحْرُومٌ مَحْدُودٌ، والجِيمُ والحاءُ لُغَتَانِ فِيهِ.
ومّما يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ: أَرْضٌ مَخْرُوفَةٌ: أَصابَهَا مَطَرُ الخَرِيفِ. وخُرِقَتِ البَهائِمُ، بالضَّمِّ: أَصَابَها الخَرِيفُ، أَو أَنْبَتَ لَهَا مَا تَرْعَاهُ، قَالَ الطِّرِمَّاحُ: (مَثْلَ مَا كَافَحَتْ مَخْرُوفَةً ... نَصَّهَا ذَاعِرُ رَوْعٍ مُؤَامّ)
يعِْي الظَّبْيَةَ الَّتِي أًصابَهَا الخَرِيفُ. وأَخْرَفُوا: أَقَامُوا بالمَكَانِ خَرِيفَهم. والمَخْرَفُ، كمَقْعَدٍ: مَوْضِعُ إِقَامَتِهم ذلكَ الزَّمَنَ، كأَنَّهُ على طَرْح الزَّائِدِ، قَالَ قَيْسُ بنُ ذَرِيحٍ:
(فَغَيْقَةُ فَالأَخْيَافُ أَخْيَافُ ظَبْيَةٍ ... بِهَا مِنْ لُبَيْنَى مَخْرَفٌ ومَرَابِعُ)
وخَرَفُوا فِي حَائِطِهم: أَقَامُوا فِيهِ وَقْتَ اخْتِرَافِ الثِّمَارِ، وَقد جَاءَ ذَلِك فِي حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُ، كقَوْلِك: صَافُوا وشَتُوا، إِذا أَقَامُوا فِي الصَّيْفِ والشِّتَاءِ. وعَامَلَهُ مُخَارَفَةً، وخِرَافاً: مِنَ الخَريفِ، الأَخِيرَةُ عَن اللِّحْيَانِيِّ، وَكَذَا اسْتَأْجَرَهُ مُخَارَفَةً وخِرَافاً، عَنهُ أَيضاً.
واللَّبَنُ الْخَرِيفُ: الطَّرِيفُّ الحَدِيثُ العَهْدِ بالحَلْبِ، أُجْرِيَ مُجْرَة الثِّمَارِ الَّتِي تُخْتَرَفُ، علَى الاسْتِعَارةِ، وَبِه فَسَّرَ الهَرَوِيُّ رَجَزَ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ: لم يَغُذُهَا مُدٌّ ولاَ نَصِيفُ ولاَ تُمَيْراتٌ ولاَ رَغِيفُ لكِنْ غَذَاهَا اللَّبَنُ الْخَرِيفُ وَرَوَاهُ الأَزْهَرِيُّ: لَبَنُ الْخَرِيفِ وَقَالَ: اللَّبَنُ يكونُ فِي الخَرِيفِ أَدْسَمَ. والمَخْرَفُ، كمَقْعَدٍ: النَّخْلَةُ) نَفْسُهَا، نَقَلَهُ الجَوْهَرِيُّ. وخَرَفَ الرَّجُلُ، يَخْرُفُ، مِن حَدِّ نَصَرَ: أَخَذَ مِن طُرَفِ الفَوَاكِهِ.
والمَخْرِفُ، كمَجْلِسٍ: لُغَةٌ فِي المَخْرَفِ، كمَقْعَدٍ، بمَعْنَى البُسْتَانِ مِن النَّخْلِ، نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ، فِي تَفْسِيرِ حديثِ أَبي قَتَادَةَ.
والخَرِيفَةُ، كسَفِينَةٍ: النَّخْلَةُ تُعْزَلُ لِلْخُرْفَةِ. والمَخْرَفُ، كمَقْعَدٍ: الرُّطَبُ. وخَرَّفْتُهُ أَخَارِيفَ. نَقْلَهُ ابنُ عَبَّادٍ. ومِن أَمْثَالِهِمْ: كالخَرُوفِ، أَيْنَمَا أتَّكَأَ أتَّكَأَ علَى الصُّوفِ، يُضْرَب لذِي الرَّفاهِيَةِ.
والإِمَامُ جارُ اللهِ أَبو عبدِ الله محمدُ بنُ أَبي الفَضْلِ، خَرُوف، الأَنْصَارِيُّ التُّونِسُي، نَزِيلُ فاسَ، تُوُفِّيَ بهَا سنة لِلْهِجْرَةِ، أَخَذَ عَن محمدِ ابنِ عليٍّ الطَّوِيلِ القادِرِيِّ، والشمسِ اللَّقَّانِيِّ، وأَخِيهِ ناصِرِ الدِّينِ، وَعنهُ مُحَمَّد بنُ قاسِمٍ القَصَّارُ، وأَبو المَحاسِنِ يُوسُفُ بنُ محمدٍ الفَاسِيُّ.

خَربل

Entries on خَربل in 1 Arabic dictionary by the author Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs
خَربل
خِرْبيلُ، كقِنْدِيلٍ أهمله الجوهريّ، وَهُوَ اسمُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْــعَونَــ، كَمَا فِي العُباب. وَفِي التبصير: مُؤمِنُ آلِ ياسينَ. روى حديثَه عبدُ الرَّحْمَن بن أبي ليلى، عَن أَبِيه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قلت: وقرأت فِي كتاب لَيْسَ لِابْنِ خالَوَيْه، مَا نَصُّه: وَلم يكن فِي زمنِ فرعونَ مؤمنٌ إِلَّا ثلاثةُ نَفَرٍ: خِربيلُ مؤمنُ آل فِرْــعَوْنــ، كَتَم إيمانَه مائةَ سنةٍ وآسِيَةُ امرأةُ فِرعَوْنــ، وَالَّذِي أَنذَر مُوسَى، فَقَالَ: إنَّ الْمَلَأَ يَأتمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُج إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. وَقيل: الَّذِي أنذَر كَانَ قِبطَيّاً، وَكَانَ اسمُه خِربيل. وقرأتُ فِي التَّبصير لِلْحَافِظِ: مؤمنُ آلِ فِرعون اسمُه شمعان، هَكَذَا سَمّاه شُعَيبُ الجُبّائي، فِيمَا رَوَاهُ أحمدُ بن حَنْبَل بسَنَدِه، فتأمَّلْ. قَالَ اللَّيثُ: الخِربيلُ: المرأةُ الحَمقاءُ، أَو هِيَ العَجُوزُ المُتَهدِّمةُ، ج: خَرابِيلُ وَقد تقدَّم مثلُ ذَلِك فِي ح ز ب ل وَهُوَ تَصْحِيف. وَفِي نُسَخ المُحكَم: امرأةٌ خَرَنْبَلٌ، كسَمْندَلٍ، بِهَذَا الْمَعْنى، فانظُر ذَلِك، وَسَيَأْتِي أَيْضا فِي خَ ر م ل قَرِيبا.

دع

Entries on دع in 4 Arabic dictionaries by the authors Arabic-English Lexicon by Edward William Lane, Al-Rāghib al-Isfahānī, al-Mufradāt fī Gharīb al-Qurʾān, Al-Ṣāḥib bin ʿAbbād, Al-Muḥīṭ fī l-Lugha, and 1 more
دع
الدَّعُّ: الدفع الشديد وأصله أن يقال للعاثر:
دع دع، كما يقال له: لعا، قال تعالى: يَوْمَ يُدَــعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا

[الطور/ 13] ، وقوله: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ
[الماعون/ 2] ، قال الشاعر:
دَعَّ الوصيّ في قفا يتيمه

دع

1 دَعَّهُ, aor. ـُ (S, Z,) inf. n. دَعٌّ, (S, K,) He pushed him, thrust him, or drove him, away; he repelled him: (S:) or he did so harshly, roughly, or violently. (A'Obeyd, K.) Hence, in the Kur [cvii. 2], فَذٰلِكَ الَّذِى يَدُعُّ اليَتِيمَ That is he who pusheth, thrusteth, or driveth, away the orphan: (S:) or, who doth so harshly, roughly, or violently: (Bd, Jel:) or, who treateth the orphan with harshness, roughness, or violence; pushing, thrusting, or driving, away; and chiding with rudeness, or coarseness. (Z, TA.) And in like manner, in the same [lii. 13], يَوْمَ يُدَــعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا On the day when they shall be pushed, or thrust, or driven, with harshness, roughness, or violence, to the fire of Hell. (A 'Obeyd, Bd, Jel, TA.) And in a trad. of Esh-Shaabee, كَانُوا لَا يُدَــعُّونَ عَنْهُ They used not to be driven, nor pushed, or repelled, from it. (TA.)
(دع) : داعْ داعْ: لغةٌ دُعْ، وداع داعٍ، ودُعْ دُعْ، للنَّعِيقِ بالبَهْم.
دع
الدع: الدفع. والدعاعَة: حبة سوداء. ونملة سوداء. وما بين النخْل إلى النخْل.
والدعاع: الناعم من النَّبت. ويبيسُ الشَّجر والزبل. والدعْدَعَة: تحريك الجُوالِق ليكتَنِز. وعدْوٌ في التواءٍ وبُطء. وأن تقول للعاثر: دَعْ أي قُمْ فانتعشْ. وأن تزجر لصغار الغنم فتقول: داع داع.
والدعْداع: القَصير. والدعَاع: عِيَال الرجُل؛ وأدع: كَثُرَ دَعاعُه. ويقال لأم حُبَيْن: دَعْد.

محمد

Entries on محمد in 2 Arabic dictionaries by the authors Dictionary of Arabic Baby Names and Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
ذو الخصال المحمودة المشكورة أو كثيرها، والمرضيّ عنه، ونبي المسلمين. وقد ورد ذكره في القرآن باسم رسول، ورسول الله، وأحمد، والنبي، والنبي الأميّ. ورد في صحيح البخاري هذه الأسماء أيضًا: الماحي (لأنه يمحو الله به الكفر) والحاشر (لأنه يحشر الناس خلفه وعلى ملّته دون غيره) والعاقب (لأنه عَقَب من كان قبله من الأنبياء أي جاء بعدهم) والمقفَّى (المكرَّم) والشاهد (أي الشاهد على أمته بالإبلاغ والرسالة عملًا بالآية: ((إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا))، والبشر، والنذير، والضحوك، والخاتَم (خاتمة الأنبياء أي آخرهم) والمتوكل، والمصطفى، والفاتح (أي الحاكم القاضي بين الناس) والقتّال، والمتوكل، والقُتَم (أي الكثير الطاء وجامع الخير والعيال) ونبيّ الملاحم (جمع مَلحمة، موضع التحام الحرب، أي نبيّ القتال، أو نبيّ الصلاح وتأليف الناس كأنه يؤلف أمر الأمة) ونبيّ الرحمة، ونبيّ التوبة.
محمد
رسم القرآن لمحمد صورة محبّبة إلى النفوس، فيها لين ورقة، وفيها الخلق المثالى، والقلب الرءوف الرحيم، والنّفس الوادعة المطمئنة، نزل عليه روح من أمر الله، يهدى إلى الصراط المستقيم، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، يقول الله تعالى يخاطبه: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم 1 - 4). ويقول: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة 128). ويقول:
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
(آل عمران 159). ويقول: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ (الشورى 52، 53). ويقول: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (الطلاق 10، 11).
ويدعوه سراجا منيرا، فى قوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (الأحزاب 45، 46). ورحمة في قوله: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (الأنبياء 107). ويأمره باستشارتهم وخفض الجناح لهم إذ يقول:
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (آل عمران 159). ويقول: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (الحجر 88 - 89).
ولكن هذه الصفات في سموّها المثالى لم ترفع محمدا عن البشرية، وهذه صفة من الصفات التى أكدها القرآن وأطال في الحديث عنها، فهو حينا يثبت هذه الصفة على لسانه، وحينا ينفى عن نفسه القدرة على ما لا يقدر عليه البشر، قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (الكهف 110). وهو لهذا لا يملك لنفسه أمرا، ولا يدرى من الغيب شيئا، قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف 188).
ولننصت إليه يتبرأ من قدرته على فعل ما ليس في طاقته، عند ما سألوه ما ليس فى طوقه، وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (الإسراء 90 - 93)، ومما يلحظ أنهم طالبوه بأمور يستحيل وجودها في الصحراء، من تفجير الأرض ينابيع وأنهارا، وانظر إليه كيف يعجب من أمرهم، وكيف يقرر في صراحة أنه ليس سوى بشر رسول. ولأنه بشر، يجوز أن يموت كما يموت سائر البشر، وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (آل عمران 144). ولم يتميز محمد من البشر إلا بأنه كالرسل بشير ونذير، قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (الأحقاف 9). إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (البقرة 119). وهو ليس إلا مذكّرا، لا سيطرة له على القلوب، ولا مقدرة عنده على تحويل الأفئدة، فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية 21، 22).
ومما أكده القرآن من صفات محمد الأمّية، يصفه بها في قوله: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (الأعراف 158). ويبين حكمة اختياره أميا في قوله: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (العنكبوت 48). وإذا كانت الأمية مما يعاب فهى المعجزة التى تحول بين رسالة النبى والشك فيها، ولو أنه كان يقرأ ويكتب، لكان للمبطلين مجال للرّيب في صدق رسالته.
والقرآن يعظم أمر الرسول، فيحدّثنا عن صلاة الله عليه والملائكة، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (الأحزاب 56). ويعظم من أمر مبايعته، حتى لكأن من يبايعه إنما يبايع الله، إِنَّ الَّذِينَ يُبايِــعُونَــكَ إِنَّما يُبايِــعُونَ اللَّهَ (الفتح 10). ويشهد له القرآن بالخلق القويم كما سبق أن نقلنا، وبأنه لا ينطق عن هوى النفس، ولا يميل إلى ضلالة ولا غواية، ويقسم على ذلك: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم 1 - 4)، كما يقسم على رسالته فيقول: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (يس 2 - 5). ويعدّد القرآن نعم الله عليه فيقول: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (الشرح 1 - 4). أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (الضحى 6 - 8). ويقسم له القرآن أن الله ما تخلى عنه وما قلاه، ويؤكد أن الذين يناصبونه العداء سيكبتون ويخذلون مذلولين، إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (المجادلة 20). ويحذر المؤمنين من معصيته، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ (المجادلة 9). ويأمرهم بأن يقفوا عند الحدود التى رسمها الرسول، ولا يبطلوا أعمالهم بعصيانه، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (محمد 33). وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر 7). وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً (الأحزاب 36). ويؤكد لهم أنهم لن يكونوا مؤمنين حقا حتى يجدوا العدالة المطلقة في أحكامه، ولا يجدوا فيها غضاضة ولا حرجا في نفوسهم، ويقسم على ذلك قائلا: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (النساء 65). ذلك أنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى.
وإذا كان محمد رسولا، فله حرمته ومنزلته الاجتماعية، ومن الواجب احترامه، فلا يليق أن ينادى باسمه، كما ينادى الناس بعضهم بعضا، ولا أن ترتفع أصواتهم فوق صوته، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ
عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
(الحجرات 2 - 5). ولا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً (النور 63). وفي تربية الشعب على احترام الرسول ما يدفعهم إلى طاعته، فإن الطاعة أساسها الاحترام كما وضع القرآن أساسها الثانى وهو الحب، بما وصف القرآن به محمدا من حبّ لهداية قومه، وحدب عليهم، ورحمة بهم ورأفة، وشوق ملح إلى هدايتهم، حتى صح للقرآن أن يقول: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (الكهف 6). وهكذا بنى القرآن الطاعة على أساسين من الحب والاحترام معا.
ويؤيد القرآن رسالة محمد بشهادة الله الذى لا يشهد بغير الحق، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ (المنافقون 1). وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (الرعد 43). لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (النساء 166). وبأن عيسى قد بشر به قومه، وأخبرهم برسالته، وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (الصف 6). وبأنه فيما أتى ليس بدعا، فقد أوحى الله إلى كثير من الرسل قبله، إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (النساء 163).
وبأنه أمى ما كان يتلو قبله كتابا، ولا يخطه بيمينه. كما سبق أن ذكرنا، أوليس من يشهد الله له بالرسالة، ويبشر به رسول ذو كتاب، ويجرى على سنن من سبقه من الأنبياء- جديرا بأن يصدق إذا ادعى، وأن يطاع إذا أمر؟ ويناقش من أنكر رسالته، ويدفع دعاويهم في هدوء وقوّة معا، فأخبرنا القرآن مرّة أنهم كانوا ينسبون ما يعرفه محمد من قصص وأخبار وأحكام إلى عالم فارسى يعلمه، وما كان أسهل دحض تلك الدعوى بأن لسان من يدعون أنه يعلّم محمدا- أعجمى، أما هذا الكتاب فعربى مبين، وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (النحل 103). وحينا نسبوه إلى أنه سحر أو شعر أو كهانة، بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ (الأنبياء 5)، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (الصافات 36). فوجه القرآن أنظارهم إلى أن النظرة الصائبة تنفى عن القرآن السحر والشعر والكهانة، فللحق آياته البينات التى لا تشتبه بالسحر، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (سبأ 43). ونفى القرآن عن النبى قول الشعر والكهانة، وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (يس 69). وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (الحاقة 41، 42).
ومن أكبر ما أنكروه على الرسول أنهم وجدوه لا يمتاز على البشر في شىء فهو يأكل الطعام كما يأكلون، ويمشى في الأسواق يبيع ويشترى كما يمشون، وظنوا أنه لا يكون نبيا إلا إذا امتاز بملك ينذر الناس معه، أو أصبح غنيا غنى مطلقا عن الناس، فألقى إليه كنز، أو كانت له جنة يأكل منها، وقد حكى القرآن عنهم ذلك الحديث، وردّ عليهم ردّا رفيقا في قوله: وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِــعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيــعُونَ سَبِيلًا تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (الفرقان 7 - 10). فهو يشير في رفق إلى أن الحكمة إنما هى فى أن يساوى الرسول الشعب في الاحتياج، حتى لا يكون امتيازه على الناس في أمور لا تتصل بالرسالة، ولا دخل لها في النبوة، وحتى يبقى تقويم الرسول بعيدا عن زخارف الحياة وما ليس من صميم الرسالة، فقد يتهيأ الغنى الفاحش لفرد من الناس، من غير أن يجلب له ذلك رسالة ولا نبوّة ولو أراد الله لفعل للرسول ما اقترحوه وزاد عليه، ولكن الخير والحكمة فيما كان، أما ما اقترحوه من نزول الملك مع الرسول فقد رد عليه في قوله: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (الأنعام 8، 9). ألا ترى أن نزول الملك كما اقترحوا لا يدع لهم فرصة التفكير بعد نزوله، ومن الخير أن يترك لهم مجال التدبّر وتقليب الأمر على وجوهه، وإنزال الملك لن يحل المشكل، لأنه سيكون في هيئة رجل، ويلتبس الأمر كما لو كان الرسول رجلا والقرآن برغم ذلك، يوحى بأن الرسول كانت عنده رغبة ملحة في أن يحقق لهم بعض ما اقترحوه ليؤمنوا، ولتجتمع كلمتهم على الدين، حتى صحّ للقرآن أن يقول للرسول: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (الأنعام 35).
ويقول في أخرى: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (هود 12).
وكانت صفة البشرية حائلة دون الايمان به، ومدعاة للهزء بالرسول والسخرية به، فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (القمر 24). وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (المؤمنون 34). وقد رد الله تلك الدعوى بأن الحكمة تقضى بأن الرسول يكون من جنس المرسل إليهم، ليكون أدنى إلى نفوسهم، يألفونه ويسهل اتصالهم به، ولو أن في الأرض ملائكة يسكنونها، ما أرسل الله إليهم رسولا، سوى ملك من جنسهم، قال سبحانه: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (الإسراء 94 - 95).
وعند ما تعرّض القرآن للاستهزاء بالرسول، كان لا يعنيه كثيرا الردّ على ما يتعلق بشخص الرسول، بل ينتقل مباشرة إلى صميم الدعوى يناقشهم فيها، ويحدثهم عن مغبّة كفرهم، قال تعالى: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيــعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (الأنبياء 36 - 40). ألا تراه قد مرّ مرّ الكرام باستهزائهم بالرسول، وكأنه لغو لا يؤبه له، ولا يستحق الالتفات إليه، ولا التّنبّه لشأنه، وانتقل من ذلك إلى الحديث عما يعنى القرآن بشأنه، من الحديث عن الله واليوم الآخر، وما ينتظرهم من عذاب كان جديرا به أن يصرفهم عن التمادى في الباطل، لو أنهم فكروا في الأمر وتدبّروا العاقبة، ويقول في موضع آخر: وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَــعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (الفرقان 41 - 44). وهو هنا أيضا ينتقل إلى صميم الدعوى، فيتحدث عن اتخاذهم الهوى إلها، وأنهم لا يستخدمون آذانهم وعقولهم فيما خلقت لأجله، فصاروا بذلك أضل سبيلا من الأنعام.
ويهوّن القرآن على الرسول أمر الاستهزاء به وتكذيبه، فحينا يخبره بأن ذلك دأب الرّسل، يكذّبون برغم ما يجيئون به من البينات والهدى، ويؤكد له مرة بأن هؤلاء الساخرين سينالهم ما نبّئوا بنزوله بهم، وكانوا يسخرون ولا يطيــعونــ، فيقول للرسول: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (آل عمران 184). وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (الأنعام 10).
وينذر القرآن المكذبين والمستهزئين بأن عاقبتهم كعاقبة من كذّب الرسل من قبل: أخذ شديد وعقاب أليم، وهنا يلجأ القرآن إلى غريزة المحافظة على النفس، فيصوّر رفض الدعوة والتكذيب لها معرّضا أنفسهم للتهلكة، وجالبا الوبال عليها، فماذا تكون النتيجة إذا هم أصرّوا على كفرهم؟ أضمنوا أعمارا طويلة، يصلحون فيها ما كانوا قد أفسدوه؟ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (الأعراف 185). أأمنوا مكر الله؟ أم اطمأنوا إلى أن القيامة لن تأتيهم فجأة؟ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (يوسف 107). إنهم بنهيهم عنه، ونأيهم عنه لا يضرون إلا أنفسهم ولا يهلكون غيرها، وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (الأنعام 26). ولن يضرّ الرسول بكفرهم، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (النحل 82). فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ (الشورى 48).
أوليس في قصر أمر الرسول على البلاغ، ما يدفعهم إلى التفكير في أمر هذه الدعوة التى لن يحمل عبء أضرار رفضها غيرهم، والتى يتحمّل الرسول المشاق فى سبيل إذاعتها، لا يبغى من وراء ذلك أجرا، ولا يريد إلا أن تصل الهداية إلى قلوبهم، قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (سبأ 47).
وإن في تنزّه الرسول عن الغرض المادىّ، وإخلاصه في دعوتهم وإرشادهم، لبعثا لهم على تدبر أمر هذه الدعوة المبرأة من الهوى والغرض، والنفس بطبيعتها تنقاد لمثل هذه الدعوة وتؤمن بها. وقد دعاهم القرآن إلى التفكير في شأن الرسول، فرادى وجماعات، ليقلبوا أمره على وجوهه، ويتفكروا أبه جنّة أو شذوذ؟ وسوف يصلون إذا فكروا إلى أنه نذير لهم بين يدى عذاب شديد.
ويمضى القرآن محببا لهم إجابة دعوة محمد، مبينا طبيعتها، وأنها توافق الإنسانية السليمة، فهو لا يأمر إلا بما تعترف به النفوس الصحيحة ولا ينهى إلا عما تنكره، ولا يحلّ سوى الطّيب، ولا يحرّم سوى الخبيث، وأنه يعمل على تخليصهم من عادات ثقيلة على النفوس، وقيود كانت تغل حياتهم، وقد خفف الإسلام كثيرا من القيود التى كانت على أهل الكتاب، يقول الله: الَّذِينَ يَتَّبِــعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الأعراف 157). أما الأميون، وقد كانوا في ضلال مبين فإنه يعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الجمعة 2). ويجعل طريق حب الله ونيل رضوانه اتباع منهجه والاقتداء به، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِــعُونِــي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران 31). ومن أطاعه فسيكون مع من أنعم الله عليهم من أكرم الرفقاء، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (النساء 69). ومن آمن وعمل صالحا فسوف يورّثه الله الأرض، ويمكن له دينه، ويبدله بالخوف أمنا وطمأنينة، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (النور 55).
ولا يكتفى القرآن بالوعد المحبوب حين طلب إليهم طاعة الرسول، بل أنذرهم وأوعدهم، وأكّد لهم أن النهاية ستكون نصرا مؤزرا للرسول أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها (التوبة 63). ويقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (النور 63). إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً
(الأحزاب 57). ويخاطب الرسول قائلا:
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (الأنعام 34). وينزل القرآن إلى أعماق نفوسهم، فيحدثنا عن شكوكهم التى تنتابهم، فهم يقولون في أغوار قلوبهم: إذا كان محمد على صواب، ونحن على خطأ، فلم يدعنا الله أحرارا في هذه الحياة ولا يعذبنا بسبب هذه التّصرّفات، والله ينبئهم بأن جهنم مصيرهم المنتظر، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (المجادلة 8).
ويعلم القرآن ما لحوادث التاريخ من الأثر في النفوس، ولذا أكثر، فى معرض الأمر بطاعة الرسول، من توجيه أنظارهم إلى من كذّب من الماضين كيف كانت عاقبتهم، فلعلهم يتّعظون بها، فيسأل: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (غافر 21، 22). ويقصّ عليهم قصص الماضين كقوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (فصلت 13 - 18).
ولم يأل القرآن جهدا في تصوير من لا يستجيب إلى دعوة محمد في صورة ينفر منها العاقل، ويأنف من أن تكون صورته، فحينا يرسمهم أمواتا لا يــعونــ، صما لا يسمــعونــ، عميا لا يبصرون، فيقول: وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (فاطر 22، 23).
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِــعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (يونس 42، 43).
وأكثر القرآن من أمر الرسول بالصّبر، وهو خليقة أولى العزم من الرسل فقال:
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ (الأحقاف 35). وقال: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا (الطور 48). وقال: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ (النحل 127). وقال: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (المزمل 10). إلى غير ذلك من كثير الآيات التى تدعو الرسول إلى الصبر، وتحثه عليه، ولا ريب أن دعوة دينية جديدة تتطلب زادا لا ينفد من الصبر على المكروه حتى تنجح وتؤتى ثمارها.
أما المنهج الذى رسمه ــالقرآن، لكى ينهجه محمد في دعوته، فقد بينه في قوله:
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل 125). وتلك هى خطة الإقناع التى تتألف القلوب وتستهوى الأفئدة.
ولكى أكمل الصورة التى رسمها القرآن لمحمد صلوات الله عليه، أضعه بين صحبه الذين أخلصوا له، فهم رحماء فيما بينهم، أشداء على أعدائهم، قد أخذ أمره بهم يشتد، كما يشتد الزرع إذا أخرج براعمه، فيصبح مرآة باعثا الزراع على الإعجاب به، فهم بين يدى الله يبتغون رضوانه، وأمام أعدائهم قوة لا يستهان بها، ترى تلك الصورة في قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (الفتح 29).

أسلوب القرآن

Entries on أسلوب القرآن in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
أسلوب القرآن
أول ما يتّسم به أسلوب القرآن هو الفخامة والقوة والجلال، يكتسبها من انتقاء ألفاظ، لا امتهان فيها ولا ابتذال، ومن استخدام ألوان التوكيد والتكرير. تشعر بهذه الفخامة في كل ما تناوله القرآن من الأغراض، واستمع إليه يصف جنة الخلد قائلا: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (الإنسان 10 - 22). وهكذا يكتسب الأسلوب القرآنى قوّته من اختيار ألفاظه وموسيقاه.
وثانى ما يتصف به التصوير، وقد أوضحنا بعض ذلك فيما مضى، عند ما تحدثنا عن تخيّر اللفظ في الجملة، وعن التصوير بالتشبيه والاستعارة، ونضيف إلى ذلك أنه كثيرا ما ينقل الحوار، ويحكى نص القول بعثا للحياة في الأسلوب، واستمع إلى ألوان الحوار في قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْــعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (الأعراف 37 - 39). والحوار كما ترى ينقل
الحقيقة أمامك مصورة.
وثالث ما يختص به هذا الانسجام الموسيقيّ، الذى فيه تؤلف العبارة من كلمات متّسقة، ذات حركات وسكنات، يشعر المرء عند تلاوتها بما يكمن وراء هذا النظام من موسيقى واتساق، وإن هذه الموسيقى التى تكمن وراء هذا النظم هى التى مكنت المرتلين من تلاوته بهذه الأنغام الموسيقية، وإن شدّة هذا الانسجام يصل في بعض الأحيان إلى أن تتفق الآية مع وزن بحر من بحور الشعر، كما نرى ذلك في قوله تعالى: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ (سبأ 13). فهى تتفق مع بحر الرمل، وقوله تعالى: وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ (فاطر 18). مما يتّزن على بحر الخفيف، وقوله تعالى: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (المؤمنون 36)، مما هو شطر بيت من بحر السريع، وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (الطلاق 2، 3). مما يوزن على بحر المتقارب، وقوله سبحانه: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (الإنسان 14). وبإشباع حركة الميم يوزن على بحر الرّجز، وقوله تعالى: وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (التوبة 14) وزنوه على بحر الوافر، وقوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (العاديات 1، 2). وما على شاكلته، مما يوزن على بحر البسيط. وليس ذلك بمدخل القرآن في الشعر؛ لأنه «إنما يطلق متى قصد القاصد إليه، على الطريق الذى يعمد ويسلك، ولا يصح أن يتفق مثله إلّا من الشعراء، دون ما يستوى فيه العامىّ والجاهل، والعالم بالشعر واللسان وتصرّفه، وما يتفق من كل واحد، فليس يكتسب اسم الشعر، ولا صاحبه اسم شاعر، لأنه لو صح أن يسمى شاعرا كل من اعترض في كلامه ألفاظ تتزن بوزن الشعر، أو أن تنتظم انتظام بعض الأعاريض، كان الناس كلهم شعراء، لأن كل متكلم لا ينفك من أن يعرض في جملة كلام كثير يقوله ما قد يتزن بوزن الشعر، وينتظم انتظامه، ألا ترى أن العامى قد يقول لصاحبه: «أغلق الباب، وائتنى بالطعام» ... ومتى تتبع الإنسان هذا عرف أنه يكثر في تضاعيف الكلام مثله وأكثر منه» .
ويتسم الأسلوب القرآنى بالهدوء عند ما يتطلب الأمر هدوءا وتأملا وفضل تدبر، كما في الآيات التى تدعو إلى إعمال الفكر، وفي القصص والأخبار والأحكام، كما في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (الرعد 2 - 6).
وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (الأنعام 74 - 82).
وحينا يتدفق الأسلوب ويندفع، فى جمل قصيرة، مثيرا بذلك الانفعال السريع العنيف، وذلك حيث يتطلب هجوم الحق على الباطل هذا العنف المثير، كما تجد ذلك في قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (الأنبياء 21 - 24). وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (المدثر 11 - 28). أو عند ما يتطلب الأمر إسراعا كما في قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (المدثر 1 - 7).
وأسلوب القرآن منه المسجوع ومنه المرسل، وهو في كليهما يخالف غالبا ما ألف الناس في السجع والإرسال، فالقرآن يلتزم حرف السجع في أكثر من آيتين، بل قد تكون السورة كلها على حرف واحد، كسورة القمر، التى التزم فيها حرف الرّاء، ومن أمثلة ما تعدى فيه السجع جملتين، قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (عبس 1 - 10).
وقد يأتى بين الجمل المسجوعة بجملة لا تتفق فاصلتها مع ما سبقها ولحقها، وكأنما تلك الكلمة تتطلّب عناية خاصة، تستدعى قدرا كبيرا من الرعاية، تثيره هذه المخالفة لنسق الآيات كقوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (عبس 19 - 37). فأنت ترى كلمتى: طعامه والصاخة، بخروجهما على النسق، قد أثارا انتباه السامع، ودفعاه إلى التريث وإنعام النظر. كما أنك ترى في الآيات السالفة أن الكلمة قد تحافظ على وزن زميلتها في السجع لا في الحرف الأخير، كما نجد ذلك في قضبا ونخلا، وقد سبق أن تحدثنا عن ذلك في فصل الفاصلة.
وقد تكون الجملتان المسجوعتان متوازنتين في القصر، كما في قوله تعالى:
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (التكوير 1 - 5)، وحينا تتوازنان في الطول، ولا يكون باقيا من مظاهر السجع سوى هذه الفاصلة التى تتفق في آخر الآيات، أما الآيات نفسها فمرسلة، وإن كانت لا تتفق مع مرسل كلام الناس، لوجود الفاصلة المتحدة أو المتماثلة في آخرها، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعالَمِينَ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْــعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (غافر 64 - 67)، وفي هذه الآيات فضلا عن ذلك، مظهر من مخالفة السجع القرآنى لسجعنا العادى، فبينا يجلب تكرير الكلمة، لغير تورية أو جناس، ضعفا في التأليف، إذا به في نظم الآى يزيدها جمالا ورونقا، وكأنما هذه الكلمة لازمة النشيد، تكرر فتزيده حسنا وحلاوة.
وقد تتوازن الآى القرآنية من غير سجع، كما في قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ خافِضَةٌ رافِعَةٌ إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (الواقعة 1 - 9).
وفي القرآن إرسال، كما في قوله تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (المجادلة 22). وهو يخالف إرسالنا العادى بهذه الفواصل في آخره كما ذكرنا.
*** 

خَلَطَ

Entries on خَلَطَ in 1 Arabic dictionary by the author Ibn al-Athīr al-Jazarī, al-Nihāya fī Gharīb al-Ḥadīth wa-l-Athar
(خَلَطَ)
(هـ) فِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ «لَا خِلَاط ولاَ وِرَاط» الْخِلَاطُ مَصْدَر خَالَطَهُ يُخَالِطُهُ مُخَالَطَةً وخِلَاطاً. وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَخْلِطَ الرَّجُلُ إِبِلَهُ بِإِبِلِ غَيْرِهِ، أَوْ بَقَره أَوْ غَنَمة ليمْنَع حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا ويَبْخَسَ المُصَدِّقَ فِيمَا يَجب لَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «لَا يُجْمَع بَيْنَ مُتَفَرّق وَلَا يُفَرّق بَيْنَ مُجْتَمع خَشْيَة الصَّدَقَةِ» أَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ المُتَفَرِّق فَهُوَ الخِلَاطُ. وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مَثَلًا، وَيَكُونُ لكُلّ وَاحِدٍ أَرْبَــعُونَ شَاةً، وَقَدْ وجَب عَلَى كُلِّ واحدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ، فَإِذَا أظَلَّهُم المُصَدّق جَمَعُوهَا لِئَلَّا يكُون عَلَيْهِمْ فِيهَا إلاَّ شَاة وَاحِدَةٌ. وَأَمَّا تَفْرِيقُ المُجْتَمع فَأَنْ يَكُونَ اثْنان شريكان، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ وشَاةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِي مَالَيْهما ثلاثُ شيَاه، فَإِذَا أظَلَّهُما المُصَدّق فَرَّقَا غَنَمهما، فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: الخطَاب فِي هَذَا لِلْمُصَدِّقِ وَلِرَبِّ الْمَالِ.
قَالَ: والخَشْيَة خَشْيَتان: خَشْيَة السَّاعي أَنْ تَقِلَّ الصَّدقة، وخَشْية رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَقِلَّ مالُه، فأمَر كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ لَا يُحْدِث فِي الْمَالِ شَيْئًا مِنَ الْجَمْعِ والتَّفريق. هَذَا عَلَى مذهب الشافعى، إذا الْخُلْطَةُ مُؤَثِّرَةٌ عِنْدَهُ. أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا أثَر لَهَا عِنْدَهُ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ نَفْي الْخِلَاطِ لِنفْي الْأَثَرِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا أَثَرَ لِلْخُلْطَةِ فِي تَقليل الزَّكَاةِ وَتَكْثِيرِهَا.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الزَّكَاةِ أَيْضًا «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّويَّة» الْخَلِيطُ: الْمُخَالِطُ، وَيُرِيدُ بِهِ الشَّرِيكَ الَّذِي يَخْلِطُ مَالَهُ بِمَالِ شَرِيكِهِ. والتراجُعُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ لأحدِهما مَثلا أَرْبَــعُونَ بَقَرَةً وَلِلْآخَرِ ثَلَاثُونَ بَقَرَةً، وَمَالُهُمَا مُخْتَلِطٌ، فَيَأْخُذُ السَّاعِي عَنِ الْأَرْبَعِينَ مُسِنَّة، وَعَنِ الثَلَاثِينَ تَبِيعًا، فَيَرْجِعُ بَاذِلُ الْمُسِنَّةِ بِثَلَاثَةِ أَسْبَاعِهَا عَلَى شَرِيكِهِ، وباذِل التَّبيع بِأَرْبَعَةِ أسْباعه عَلَى شَرِيكِهِ، لِأَنَّ كلَّ وَاحِدٍ مِنَ السِّنَّين واجبٌ عَلَى الشُّيُوعِ، كَأَنَّ الْمَالَ مِلْكُ وَاحِدٍ. وَفِي قَوْلِهِ بِالسَّوِيَّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ إِذَا ظَلَمَ أَحَدَهُمَا فَأَخَذَ مِنْهُ زِيَادَةً عَلَى فَرْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يرجِع بِهَا عَلَى شَرِيكه، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ لَهُ قِيمَةَ مَا يَخُصُّهُ مِنَ الْوَاجِبِ دُون الزِّيَادَةِ. وَفِي التَّرَاجُعِ دليلٌ عَلَى أَنَّ الْخُلْطَةَ تَصِحُّ مَعَ تَمْيِيزِ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ النَّبِيذ «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الخَلِيطَيْنِ أَنْ يُنْبَذا» يُرِيدُ مَا يُنْبَذُ مِنَ البُسر والتَّمر مَعًا، أَوْ مِنَ العِنَب والزَّبيب، أَوْ مِنَ الزَّبيب وَالتَّمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُنْبَذ مُخْتَلِطاً. وَإِنَّمَا نَهى عَنْهُ لِأَنَّ الأنْواع إِذَا اختَلَفت فِي الانْتبَاذِ كَانَتْ أسْرَع لِلشِّدَّةِ والتَّخْمِير.
والنَّبيذُ المعمولُ مِنْ خَلِيطَيْنِ، ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَحْريمه وَإِنْ لَمْ يُسْكِر أخْذاً بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. وعامَّة المُحَدِّثين قَالُوا: مَنْ شَرِبه قَبْلَ حُدوث الشَّدة فِيهِ فَهُوَ آثِمٌ مِنْ جهةٍ واحدةٍ، ومَن شَرِبه بَعْدَ حُدوثها فَهُوَ آثِمٌ مِنْ جِهَتَين: شُرْبِ الْخَلِيطَيْنِ وشُرْبِ المُسْكِر. وَغَيْرُهُمْ رخَّص فِيهِ وعَلَّلوا التحريم بالإسكار.
(س) وَفِيهِ «مَا خَالَطَت الصَّدقة مَالًا إِلَّا هَلَكته» قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْنِي أَنَّ خِيانة الصَّدقة تُتْلف الْمَالَ الْمَخْلُوطُ بِهَا. وَقِيلَ هُوَ تَحْذِير للعُمال عَنِ الْخِيَانَةِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. وَقِيلَ هُوَ حَثٌ عَلَى تَعْجِيلِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ قَبْلَ أَنْ تَخْتَلِطَ بِمَالِهِ.
وَفِي حَدِيثِ الشُّفْعة «الشَّرِيك أَوْلَى مِنَ الْخَلِيطِ، والخَلِيطُ أَوْلَى مِنَ الجارِ» الشَّرِيكُ:
المُشارِكُ فِي الشُّيوع، والخَلِيطُ: المُشارك فِي حُقوق المِلْكِ كالشِّرْب والطَّريق وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(س) وَفِي حَدِيثِ الوَسْوَسة «رَجَع الشَّيْطَانُ يَلْتمِسُ الخِلَاط» أَيْ يُخَالِطُ قَلْب المُصَلي بِالْوَسْوَسَةِ. (س) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُبَيْدَةَ «وَسُئِلَ مَا يُوجب الغُسل؟ قَالَ: الخَفْق والخِلَاطُ» أَيِ الجماعُ، مِنَ الْمُخَالَطَةِ.
(س) وَمِنْهُ خُطْبَةُ الْحَجَّاجِ «لَيْسَ أَوَانٌ يَكْثُر الْخِلَاطُ» يَعْنِي السِّفاد.
وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ تَقَدَّمَا إِلَيْهِ فَادَّعَى أحدُهما عَلَى صَاحِبِهِ مَالًا، وَكَانَ المُدَّعي حُوَّلاً قُلَّبا مِخْلَطاً مِزْيَلاً» الْمِخْلَطُ بِالْكَسْرِ الَّذِي يَخْلِطُ الْأَشْيَاءَ فيُلْبِسُها عَلَى السَّامِعِينَ وَالنَّاظِرِينَ.
وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ «وَإِنْ كان أحدُنا لَيَضَع كما تَضَع الشاة، ماله خِلْطٌ» أَيْ لَا يَخْتَلِطُ نَجْوُهُم بعضُه بِبَعْضٍ لِجَفَافِهِ ويُبْسِه، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ خُبْز الشَّعِيرِ وَوَرَقَ الشَّجَرِ لفَقْرِهم وحاجتِهم.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ «كُنَّا نُرْزَقُ تمْر الجَمْع عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم» وهو الْخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ: أَيِ الْمُخْتَلِطُ مِنْ أَنْوَاعٍ شِتَّى.
وَفِي حَدِيثِ شُرَيح «جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقت امْرَأَتِي ثَلَاثًا وَهِيَ حائضٌ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَخْلِطُ حَلَالًا بِحَرَامٍ» أَيْ لا أحْتَسِب بالحيْضة الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطلاقُ مِنَ العِدّة، لِأَنَّهَا كَانَتْ لَهُ حَلَالًا فِي بَعْضِ أَيَّامِ الحْيضة وحراما في بعضِها.
(س) وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ يَصِفُ الأبْرَارَ «وَظَنَّ الناسُ أَنْ قَدْ خُولِطُوا وَمَا خُولِطُوا، وَلَكِنْ خَالَطَ قلبَهم هَمٌّ عظيمٌ» يُقَالُ خُولِطَ فُلان فِي عَقْله مُخَالَطَةً إِذَا اخْتَلَّ عَقْله.

لألأ

Entries on لألأ in 7 Arabic dictionaries by the authors Ibn Manẓūr, Lisān al-ʿArab, Murtaḍa al-Zabīdī, Tāj al-ʿArūs fī Jawāhir al-Qamūs, Muḥammad al-Fattinī, Majmaʿ Biḥār al-Anwār fī Gharāʾib al-Tanzīl wa Laṭāʾif al-Akhbār, and 4 more

ل

ألأ

See art. لأ
[لألأ] نه: فيه: كان عرقه "اللؤلؤ"، في الصفاء والبياض، بهمزتين أو واحدة في أوله أو آخره وبلا همزة. نه: وفي صفته صلى الله عليه وسلم: "يتلألؤ" وجهه، أي يشرق، أخذ من اللؤلؤ.
ل أ ل أ: (تَلَأْلَأَ) الْبَرْقُ لَمَعَ. وَ (اللُّؤْلُؤَةُ) الدُّرَّةُ وَالْجَمْعُ (اللُّؤْلُؤُ) وَ (اللَّآلِئُ) . 
[ل أل أ] اللُّؤْلُؤُ معروف واحِدَتُه لؤلؤة وبائعه لأآأٌ ولأآلٌ ولأْلاءٌ قال أبو عبيدٍ قال الفرّاء سمعتُ العربَ تقول لصاحب اللؤلؤ لأآأٌ على مثال لَعَّاءٍ وكره قول الناس لأآلٌ قال الفارسي هو من باب سِبَطْرٍ قال علي بن حمزة خالف الفرّاء في هذا كلام العرب والقياس لأن المسموع لأآلٌ والقياس لُؤْلُئِيٌّ لأنه لا يبنى من الرباعي فعَّالٌ ولأآلٌ شاذ وَتَلأْلأَ النَّجْمُ والقمر والبرق والنار ولأْلأَ أضاء وقيل هو اضطرابُ بَرِيقِهِ ولألأتِ المرأةُ بعينها بَرَّقْتَها وقال ابنُ أحمرَ

(مارِيَّةٌ لُؤْلُوَانُ اللونِ أَوَّدَهَا ... طلٌّ وبَنَّسَ عَنْهَا فَرْقَدٌ خَصِرُ)

فإنه أراد لُؤْلُئِيَّتَهُ برَّاقَتَه وَلألأَ الثور بذنبه حركه وكذلك الظبي وفي المثل لا آتيكَ ما لأْلأَتِ الفُورُ بأذنابِها أي بَصْبَصَتْ بأذنابها ورواه اللِّحيانى ما لأْلأَتِ الفُورُ بأذنابها والفُورُ الظباء لا واحد لها من لفظها 
لألأ
لأَْلأََتِ النّارُ: إذا تَوَقَّدَتْ.
ولأَْلأَتِ الفُورُ: بَصْبَصَتْ بأذْنابِها، يُقال: لا أفعَلُه ما لأَْلأَتِ الفُورُ وهَبَّتِ الدَّبُورُ.
وَلأَْلأَتِ العَنْزُ: بغير هَمْزٍ، وكذلكَ عَنْزٌ مُلال.
ولأَْلأََ الدَّمْعَ: حَدَرَه.
واللُّؤْلُؤَةُ: الدُّرَّة، والجَمْعُ: اللُّؤلُؤُ والَّلآلِئُ.
واللُّؤلُؤَةُ: البَقَرَةُ الوَحشيَّة.
وأبو لُؤلُؤَةَ: غُلامُ المُغيرةِ بِن شُعبَةَ قاتِلُ عُمر بن الخَطّاب - رضي الله عن المغيرة وعن عمر -.
وقال الفَرّاءُ: سَمِعتُ العَرَبَ تقولُ لصاحبِ اللُّؤلُؤ: لأََّلٌ - مثالُ لَعّالٍ -، والقياسُ: لأََّءٌ مثالُ لَعّاعٍ. واللِّئالَةُ - مثال كِتابَةٍ -: حِرْفَتُه.
ولَونٌ لُؤْلُؤَانٌ: يُشْبِه اللُّؤْلُؤَ.
وتَلأَْلأََ البَرقُ: لَمَعَ، قال ابن الأنباريِّ: هو مأخوذٌ من اللُّؤلُؤ.
والَّلألأْلاءُ: الفَرَحُ التّامُّ.
والتَّركيبُ يدلُّ على صَفاءٍ وبَريق.
لألأ
: (} اللُّؤْلُؤُ) لَا نَظِير لَهُ إِلاّ بُؤْبُؤٌ وجُؤْجُؤٌ وسُؤْسُؤٌ ودُؤْوُدٌ وضُؤْضُؤٌ (: الدُّرُّ) سُمِّي بهِ لِضَوْئِه ولَمعَانِه (واحدهُ) {لُؤْلُؤَةٌ (بِهاءٍ) وَالْجمع} اللآلىءُ (وبائعُه {لأّلٌ) حَكَاهُ الجوهريّ عَن الْفراء، وَذكره أَبو حَيَّان فِي (شرح التسهيل) (وَقَالَ) أَبو عُبَيْدَة: قَالَ الفَرَّاء: سمعتُ العربَ تَقول لصَاحب اللؤْلؤِ (} لأّءٌ) على مِثال لَعَّاعٍ، وَكره قَول النَّاس لأَلٌ على مِثَال لَعَّال. (! ولأْلاَءٌ) كَسلسال غريبٌ، قلَّ من ذكره من أَرباب التصانيف، وأَنكره الأَكثر، قَالَه شيخُنا، قَالَ عليُّ بنُ حَمْزَة: خَالف الفرَّاءُ فِي هَذَا الكلامِ العربَ والقِياسَ، لأَن المسموع لأَلٌ (و) لكِنِ (القِيَاسُ لُؤْلُئيٌّ) ، لأَنه لَا يُبْنَى من الرُّباعيّ فَعَّالٌ، ولأَلٌ شَاذٌ. انْتهى (لاَ لأَءٌ) كَمَا قَالَه الفراءُ (وَلا لأَلٌ) كَمَا صَوَّبه الجوهريُّ، وَقَالَ الليثُ: اللَّؤْلُؤُ معروفٌ، وَصَاحبه لأَلٌ، حذفوا الْهمزَة الأَخيرة حَتَّى استقام لَهُم فَعَّالٌ، وأَنشد:
دُرَّةٌ مِنْ عَقَائِلِ البَحْرِ بِكْرٌ
لَمْ تَخُنْهَا مَثَاقِبُ اللأَلِ
وَلَوْلَا اعتلالُ الهمزةِ مَا حَسُنَ حذْفُها، أَلاَ تَرَ أَن. هم لَا يَقُولُونَ لبيَّاع السِّمْسِم سَمَّاسٌ وحَذْوُهُما فِي القِياس واحدٌ، قَالَ: وَمِنْهُم من يرى هَذَا خَطأً (وَوَهِمَ الجَوهريُّ) فِي رَدِّه كلامَ الفرَّاءِ وتَصْوِيبِه مَا اخْتَارَهُ، وَهَذَا الَّذِي صَوَّبه هُوَ قولُ الفَرَّاءِ كَمَا نَقله عَنهُ صَاحب الْمشرق عَن أَبي عُبيدة عَنهُ، وَقد تقدم، فلعلّه سَهْو فِي النقْلِ أَو حُكِيَ عَنهُ اللفظانِ، وَسبب التوهيم إِياه إِنما هُوَ فِي ادّعائه القياسَ، مَعَ ايْنَ الْمَعْرُوف أَن فَعَّالاً لَا يُبْنَى من الرُّباعيّ فَمَا فَوق، وإِنما يُبْنَى من الثلاثيّ خاصَّةً، وَمَعَ ذَلِك مقصورٌ على السّمَاع، وَيُجَاب عَن الجوهريّ بأَنه ثُلاثِيٌّ مَزِيدٌ، وَلم يَعْتبروا الرَّابعَ فتصرَّفوا فِيهِ تَصَرُّف الثلاثيّ، وَلم يعتبروا تِلْكَ الزِّيَادَة، قَالَ أَبو عليَ الفارسيُّ: هُوَ من بَاب سَبْطَرَ (وحِرْفَتُه {اللِّئَالَةُ) بِالْكَسْرِ، كالنِّجارة والتِّجارة، وَقد يُقَال يَمتنع بِنَاءُ فِعَالة من الرُّباعي فَمَا فَوق ذَلِك، كَمَا يَمتنع بِنَاء فَقَّال، فإِثباته فِيهِ مَعَ توهيمه فِي الثَّانِي تَناقُضٌ ظاهرٌ، إِلاَّ أَنْ يُخرج على كَلَام أَبي عليَ الفارسيّ المتقدِّم.
(و) اللُّؤْلُؤَةُ (: البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ) .
} ولأْلأَ الثَّوْرُ بِذَنَبِه: حَرَّكه، وَيُقَال للثَّوْرِ الوَحْشِيِّ: {لأْلأَ بِذنبه.
وإِطلاق اللُّؤْلُؤة على البَقرة مَجازٌ، كَمَا قَالَه الراغبُ والزمخشريُّ وابنُ فارسٍ، ونبَّه عَلَيْهِ شيخُنا، وَهل يُقَال للذَّكر مِنْهَا لُؤْلُؤ؟ فِيهِ تأَمُّلٌ.
(وأَبو} لُؤْلُؤَةَ) فَيْرُوز المَجوسيّ النَّهاوَنْدِيّ الخَبِيث الملــعون (غُلاَمُ المُغِيرَةِ) بنِ شُعْبَة رَضِي الله عَنهُ (قَاتِلُ) أَمير المؤمنينَ (عُمَرَ) بن الخَطَّابِ (رَضِي اللَّهُ عَنهُ) ، طَنعهُ هَذَا الملــعونُ بِخنْجَرٍ فِي خاصِرَته حِين كَبَّر لِصلاة الصُّبْح، فَقَالَ عُمَرُ: قَتَلني الكَلْبُ، وَكَانَت وفاتُه يومَ الأَربعاء لأَرْبعٍ بَقِينَ من ذِي الحِجَّة، سنة 24 وغسَّله ابنُه عبدُ الله، وكفَّنه فِي خمْسةِ أَثْوابٍ، وصلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، ودُفِن فِي بَيْتِ عائشةَ بإِذْنِها، رَضِي الله عَنْهُم، مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورأْسُه عِنْد حَقْوَيْ أَبِي بَكْرٍ رَضِي الله عَنهُ، وَلَقَد أَظْرفَ من قَالَ:
هذَا أَبُو لُؤْلُؤَةٍ
مِنْهُ خُذُوا ثَارَ عُمَرْ
( {ولأْلأَتِ المَرْأَةُ بِعَيْنِها) وَفِي نُسْخَة. بِعَيْنَيْها (: بَرَّقَتْهَا) ، وَهل يُقَال لأْلأَ الرجُلُ بِعَيْنه بَرَّقَها؟ الظَّاهِر نَعَمْ، وَيحْتَمل أَن يأْتِيَ مثلُه فِي الْحَيَوَانَات (و) لأْلأَتِ (الفُورُ) بالضمّ، الظِّباءُ، لَا وَاحِد لَهَا من لَفظها، قَالَه اللحيانيُّ، فَقَوْل شيخُنا: الواحدُ فَائِرٌ، منظورٌ فِيهِ، (بِذَنَبهِ) ، كَذَا فِي النّسخ بتذكير الضَّمِير، والأَولَى: بِذَنَبِهها، كَذَا فِي (الصِّحَاح) وَغَيره من كتب اللُّغَة، وَوَقع فِي بعضِ النّسخ: الثَّوْرُ بدل الفُورِ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ تذكير الضَّمِير، وَفِي الْمثل (لاَ آتِيكَ مَا لأْلأَتِ الفُور، وهَبَّتِ الدَّبُور) أَي الظباءُ وَهِي لَا تزالُ تُبَصْبِصُ بأَذْنابِها، وَرَوَاهُ اللحياني: مَا لأْلأَتِ الفُور بأَذنابِها.} ولأْلأَ) الظَّبْيُ، مثلُ {لأْلأَ الثَّوْرُ، أَي (حَرَّكَه. و) لأْلأَت (النارُ) } لأْلأَةٍ إِذا (تَوَقَّدَتْ) وتلأْلأَت النارُ: اضْطَرَمتْ، وَهُوَ مجَاز، كَمَا بعده (و) لأْلأَت (العَنْزُ: اسْتَحْرَمَتْ، و) قَالَ الفرَّاء: {لاَلاَت العَنْزُ، فتركوا الْهَمْز، وعنز} مُلالِ، فأَعلَّ بترك الهَمز، ولأْلأَ (الدَّمْعَ) لأْلأَةً (: حَدَرَهُ) على خَدَّيْه مثلَ اللُؤْلُؤ.
(ولَوْنٌ {لُؤْلُؤَانٌ) أَي (} لُؤْلُئِيٌّ) أَي يُشبه اللؤْلُوَ فِي صَفائه وبَياضه وبَرِيقه، قَالَ ابنُ أَحمر:
مَارِيَّةٌ لُؤْلُؤَانُ اللَّوْنِ أَوَّدَها
طَلٌّ وَبَنَّسَ عَنْهَا فَرْقَدٌ خَصرُ أَراد {لُؤْلُؤِيَّتَه بَرَّاقَتَه.
(} واللأْلاَءُ) كسلسال (: الفَرَجُ التَّامُّ. {وتَلأْلأَ) النجمُ والقمرُ و (البَرْقُ) والنارُ: أَضاءَ و (لمَعَ) ،} كلأْلأَ فِي الكُلّ، وَقيل: اضطربَ بَرِيقُه، وَفِي صفته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {يَتلأْلأُ وَجْهُهُ} تلأْلُؤَ القَمرِ. أَي يُشرِق ويَسْتنيرُ، مأْخوذٌ من اللُّؤْلُؤِ.
قَالَ شيخُنَا: وأَبو عليّ محمدُ بن أَحمد بن عُمَرَ {- اللُّؤْلُئِي رَاوِي السُّنَن عَن أَبي دَاوُودَ، فَلَو ذكره المؤلّف بدَلَ أَبي لُؤْلُؤة كَانَ حسنا، انْتهى. قلت: وَفَاته أَيضاً عبدُ الله بن خَالِد بن يزِيد اللُّؤْلُئِي، حَدّث بِسُرَّ مَن رأَى، عَن غُنْدُرٍ، ورَوْحِ بنِ عُبَادَة وغيرِهِما، تَرْجمهُ الْخَطِيب، وأَبو عبد الله مُحَمَّد ابْن إِسحاق البَلْخِيّ اللُّؤْلُئِي، روى عَن عَمْرو بن بَشير عَن أَبيه عَن جده، وَعنهُ مُوسى الحَمَّال، أَخرج حديثَه البَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَب، كَذَا فِي كتاب الزّجر بالهجر للسيوطي. ومَسْجِد اللُّؤْلُؤَةِ من مَشاهد مِصْرَ، وَذكره ابنُ الزيصات فِي الكَواكِب السَّيَّارة.

لألأ: اللُّؤْلُؤَةُ: الدُّرَّةُ، والجمع اللُّؤْلُؤُ والَّلآلِئُ، وبائعُه لأْآءٌ، ولأْآلٌ، ولأْلاءٌ. قال أَبو عبيد: قال الفرّاءُ سمعت العرب تقول لصاحب اللؤْلؤ لأْآءٌ على مثال لَعَّاعٍ، وَكرِهَ قول الناس لأْآلٌ على مثال لَعَّالٍ. قال الفارسي: هو من باب سبطر. وقال عليّ ابنُ حمزة: خالف الفرّاءُ في هذا الكلام العربَ والقياس، لإِن المسموع لأْآلٌ والقياس لُؤْلُؤِيٌّ، لإِنه لا يبنى من الرباعي فَعَّالٌ، ولأْآل شاذّ. الليث: اللُّؤْلُؤُ معروف وصاحبه لأْآل. قال: وحذفوا الهمزة الأَخيرة حتى استقام لهم فَعَّالٌ، وأَنشد:

دُرَّةٌ منْ عَقائِل البَحْربِكْرٌ، * لم تَخُنْها مَثاقِبُ الَّلأْآلِ

ولولا اعتلال الهمزة ما حسن حَذفها. أَلا ترى أَنهم لا يقولون لبياع السمسم سَمّاسٌ وحَذْوُهُما في القياس واحد. قال: ومنهم من يرى هذا خطأ.

واللِّئالةُ، بوزن اللِّعالةِ: حرفة الَّلأْآلِ.

وتَلأْلأَ النجمُ والقَمرُ والنارُ والبَرقُ، ولأْلأَ: أَضاءَ ولَمع.

وقيل هو: اضْطَرَب بَرِيقُه. وفي صفته، صلى اللّه عليه وسلم: يَتَلأْلأُ وجهُه تَلأْلُؤَ القمر أَي يَسْتَنِير ويُشْرِقُ، مأْخوذ من اللُّؤْلُؤِ.

وتَلأْلأَتِ النارُ: اضْطَرَبَتْ.

وَلأْلأَتِ النارُ لأْلأَةً إِذا تَوَقَّدت. ولأْلأَتِ المرأَةُ بعَيْنَيْها: برَّقَتْهُما. وقول ابن الأَحمر:

مارِيّةٌ، لُؤْلُؤَانُ اللَّوْنِ أَوْرَدَها * طَلٌّ، وبَنَّسَ عنها فَرْقَدٌ خَصِرُ

فإِنه أَراد لُؤْلُؤِيَّتَهُ، برَّاقَتَه.

وَلأْلأَ الثَورُ بذَنبِه: حَرَّكه، وكذلك الظَّبْيُ، ويقال للثور الوحشي: لأْلأَ بذنبه. وفي المثل: لا آتِيكَ ما لأْلأَتِ الفُورُ أَي بَصْبَصَتْ بأَذنابِها، ورواه اللحياني: ما لأْلأَتِ الفُورُ بأَذنابها، والفُور:

الظِّباءُ، لا واحد لها من لفظها.

الإقليم الرابع

Entries on الإقليم الرابع in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
الإقليم الرابع:
وهو حيث يكون الظلّ إذا استوى الليل والنهار في أذار نصف النهار أربعة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم، وآخره حيث يكون الظل نصف النهار في الاستواء خمسة أقدام وثلاثة أخماس قدم وثلث خمس قدم، ويبتدئ من أرض الصين والتّبّت والختن، وما بينهما من المدن، ويمرّ على جبال كشمير، وبلوّر، وبرجان، وبذخشان، وكابل، وغور، وهراة، وبلخ، وطخارستان، ومرو، وقوهستان، ونيسابور، وقومس، وجرجان، وطبرستان، والري، وقمّ، وقاشان، وهمذان، واذربيجان، والموصل، وحرّان، وعزاز، والثغور، وجزيرة قبرس، ورودس، وصقلية، إلى البحر المحيط على الزقاق بين الأندلس وبلاد المغرب، فوقع طرف هذا الإقليم الأدنى الذي يلي العراق، بالقرب من بغداد وما كان على سمتها شرقا وغربا، ووقع طرفه الأدنى الذي يلي الشمال، بالقرب من قاليقلا وساحل طبرستان إلى أردبيل وجرجان، وما كان في هذا السّمت،
وفيه من مشاهير المدن غير ما ذكر: نصيبين، ودارا، والرّقّتان، ورأس عين، وسميساط، والرهاء، ومنبج، وحلب، وقنسرين، وأنطاكية، وحمص في رواية، والمصّيصة، وأذنة، وطرسوس، وسرّ من رأى، وحلوان، وشهر زور، وماسبذان، والدينور، ونهاوند، وأصفهان، ومراغة، وزنجان، وقزوين، والكرخ، وسرخس، وإصطخر، وطوس، ومرو الروذ، وصيدا، والكنيسة السوداء، وعمّورية، واللاذقية، وأطول نهار هؤلاء في أول الإقليم، أربع عشرة ساعة وربع، وأوسطه أربع عشرة ساعة ونصف، وآخره أربع عشرة ساعة ونصف وربع، وطوله من المشرق إلى المغرب ثمانية آلاف ومائتان وأربعة عشر ميلا وأربع عشرة دقيقة، وعرضه مائتان وتسعة وتســعون ميلا وأربع دقائق، وتكسيره ألف ألف وأربعمائة ألف وثلاثة وسبــعون ألفا واثنان وسبــعون ميلا واثنتان وعشرون دقيقة، وهو للشمس على رأي الفرس، وللمشتري على رأي الروم، واسمه بالفارسية «خرشاذ وله من البروج الأسد، والله ولي الإعانة.

الإنسان المثالى

Entries on الإنسان المثالى in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
الإنسان المثالى
أجمل الله الإنسانية المثالية وما ينتظرها من الجزاء المادى والروحى في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (البينة 7، 8). فالإنسان المثالى هو ذلك الذى يؤمن ويعمل صالحا، وقد فصل القرآن في مواضع كثيرة هذا العمل الصالح فمنه ما يرتبط بالله، ومنه ما يرتبط بالناس، ومنه ما يعود إلى الشخص نفسه.
أما ما يرتبط بالله فأن يؤدّى فرائضه في محبة وخشوع، ويصلى ذاكرا جلاله، وعظمته، وإذا أصغى إلى آيات الله سجد لما فيها من عظمة وحكمة قائلا: سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (الإسراء 108)، لا يغيب ذكر الله عنه، مفكرا في خلق السموات والأرض، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران 191 - 194). وفي ذكر الله ورقابته دائما إحياء للضمير الإنسانى، وإقامة هذا الضمير رقيبا على أعمال المرء، فلا يفعل منفردا ما يخجل من فعله مع الجماعة، وإذا حيى الضمير، وقويت شوكته، كان للإنسان منه رقيب على نفسه، فى كل ما يأتى من الأمور وما يدع، وتربية الضمير هو الهدف الرئيسى للتربية، والغرض الأول الذى يرمى إليه المربون.
أما صلته بالناس فصلة رفق وحب وعطف، يفى بالعهد إن عاهد، ويؤدى الأمانة إن اؤتمن، ويربأ بنفسه عن اللغو، فلا يضيع وقته سدى فيه، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِــعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (المؤمنون 1 - 8). وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (المعارج 24، 25). ويؤتون: الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ (البقرة 177). يأمرون بالصدقة والمعروف، ويصلحون بين الناس، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (النساء 114). وهو هنا لا يكتفى بأن يكون المرء صالحا في نفسه، بل لا بدّ أن يكون عضوا نافعا في جماعته، وقوة عاملة فيها، فهو يتصدق، ويأمر غيره بالصدقة، ويصلح بين الناس ويأمر غيره بالإصلاح بينهم، ولا يكتفى القرآن بأن يقف المرء موقف الواعظ المرشد فحسب، بل من الواجب أن يأخذ بحظه من الخير الذى يدعو إليه ولهذا وبخ القرآن أولئك الذين يدعون إلى الخير، وينسون أنفسهم فى قوله: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (البقرة 44).
والإنسان الكامل هو ذلك الذى يبذل جهده في خدمة جماعته، ويعمل على النهوض بها، فلا يعيش كلّا، ولا يقبل أن يرضى غروره، بأن يسمع ثناء على ما لم يفعل، أما هؤلاء الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (آل عمران 188).
ومن أكبر سماته أنه يدفع السيئة بالحسنى، فيؤلف القلوب النافرة، ويستل الخصومة من صدر أعدائه، وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (فصلت 34، 35). وأنت ترى القرآن يعترف بأن هذا الخلق لا يتصف به إلا من كان ذا قدم عظيمة في التفوق في مراتب الكمال، وذا حظ عظيم منه. ويتصل بهذه الصفة كظم الغيظ والعفو عن الناس، وهما مما مجد القرآن إذ قال: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران 133، 134). وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (الشورى 37).
وهو عادل، يقول الحق ولا يحيد عنه، ولا يصرفه عن قوله ذو قرابة أو عداوة، وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى (الأنعام 152). كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (المائدة 8).
قد طهر قلبه، فلا يحمل لأحد غلا ولا موجدة، ويسأل الله السلامة من شر ذلك قائلا: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (الحشر 10). ولا يسعد إنسان في حياته، إذا كان يحمل في قلبه ضغنا على أحد، أو حسدا أو غلا، فإن ذلك يقلب الحياة شقاء، وينغص على المرء أيامه ولياليه فضلا عن ضياع الوقت، وما أجمل الحياة إذا طهر قلب المرء، وبعد عنه ما يئوده من هموم الحقد والحسد، حينئذ يعمل في طمأنينة، ويجاهد في سكينة.
وحسنت صلته بجاره ذى القربى والجار الجنب، ولذلك أثره في سعادة الحياة، والطمأنينة فيها، ويعامل الناس برفق، فلا يغره منصب يظفر به، ولا مال يحويه، ولا
يدفعه ذلك إلى تعاظم أو كبر، ولا يخرجه ما يظفر به إلى البطر والمرح، وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان 18، 19).
يرد التحية بأحسن منها، وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (النساء 86). ولا يدخل بيتا غير بيته حتى يستأذن، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (النور 27، 28). ويجلس مع الناس في رفق. فلا يجد غضاضة في أن يفسح لغيره من مجلسه، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (المجادلة 11).
وإذا كانت السخرية بالغير، بأى لون من ألوان السخرية، مدعاة إلى تأصل العداء، وتقطع الصلات، كان الإنسان النبيل هو من يجتنب السخرية من الناس، وعيبهم، ولمزهم بألقاب يكرهونها، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (الحجرات 11).
ومن أهم أخلاق الإنسان المثالى الصبر، وقد أثنى به الله كثيرا، وحث عليه كثيرا، وجعله خلة لا يظفر بها إلا الممتازون من الناس، ذوو الحظ الكبير من الرقى الخلقى، قال سبحانه: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِــعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (البقرة 155 - 157). وقال: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ (الحج 34، 35). وقال: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (الزمر 10). ومما يرتبط بالصبر شديد الارتباط مقابلة الأحداث ونوازل الحياة، بل ما تأتى به من سعادة وخير، فى هدوء وطمأنينة، فلا يستفزه فرح، ولا يثيره حزن ولا ألم، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (الحديد 23).
ويسير في إنفاقه سيرا مقتصدا لا تقتير فيه ولا تبذير، وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (الفرقان 67)، وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (الإسراء 26 - 29). وهو لذلك يأكل ويشرب، ويستمتع، فى غير إسراف ولا خيلاء، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأعراف 31)، ويأخذ بحظه من الحياة الدنيا في غير تكالب عليها، ولا جعل الاستمتاع بها الهدف الأساسى في الحياة.
ويكره القرآن للمرء أن يتبجّح بالقول، فيدعى أنه سيفعل ويفعل، ثم تنجلى كثرة القول عن تقصير معيب في العمل، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (الصف 2، 3).
ويحسن أن أوجه النظر هنا إلى أن القرآن لا يبرئ الإنسان من فعل السوء، ولا ينزهه عن الإثم، ولكن الذى يأخذه عليه هو أن يتمادى في العصيان، ويصرّ على ما يفعل، فلا يندم، ولا يتوب، أما أبواب الجنة فمفتحة لأولئك وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (آل عمران 135، 136).
وهذه بعض آيات من القرآن يصف بها أولئك المثاليين، إذ يقول: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً وَالَّذِينَ لا يَدْــعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (الفرقان 63 - 67).

الشّخص

Entries on الشّخص in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الشّخص:
[في الانكليزية] Person ،individual
[ في الفرنسية] Personne ،individu
بالفتح وسكون الخاء المعجمة كالبد تن- هو هيكل الجسم- الأشخاص والشخوص والأشخص الجمع كذا في المهذب. وفي عرف العلماء هو الفرد المشخّص المعيّن.
والشخصية هي القضية المخصوصة. اعلم أنّ الشّخص في اصطلاح المنطقيين عبارة عن الماهية المعروضة للتشخّصات والعارض وتقييده يكون خارجا عنها، وإنّما الاعتبار في اللّحاظ فقط دون الملحوظ. فالماهية الكلّية عين حقيقة الأشخاص. وإنّما التغاير بينهما في اللّحاظ فقط من دون أن يدخل أمر في نفس أحدهما دون الآخر. وهذا عند المتأخرين من المحقّقين. وأمّا عند المتقدّمين فالشّخص عندهم عبارة عن الماهية مع القيد دون التقييد.
والتفصيل أنّ الطبيعة الكلّية قد تؤخذ بالنظر إلى أمور محصّلة لها كالأجناس بالنسبة إلى الفصول. مثلا الحيوان إذا أخذ بالنسبة إلى الناطق يسمّى مخلوطة ونوعا، وتسمّى هذه المرتبة مرتبة الخلط، وإذا أخذ بشرط نفي الناطق تكون مادة محمولة على الأول وتسمّى مجرّدة ومعراة، وتسمّى هذه المرتبة. مرتبة التّعرية. وإذا أخذ لا بشرط شيء أي لا بشرط شيء ولا بشرط نفي شيء تسمّى مطلقة وتسمّى هذه المرتبة مرتبة الإطلاق. وقد تؤخذ بالنظر إلى العوارض الغير المحصّلة كالإنسان بالنظر إلى تشخّص زيد مثلا. فطبيعة الإنسان إذا أخذ مع التشخّص الخاص مثلا تكون مخلوطة تتصوّر فيها المراتب الأربع. إحداها كون التقييد والقيد كلاهما داخلين وهذا يسمّى بالفرد.
وثانيتها كون كليهما خارجين وإنّما التقييد في اللّحاظ فقط من دون أن يجعل جزءا من الملحوظ وهذا هو المسمّى بالشخص عند المحقّقين من المتأخرين. وأمّا عند المتقدّمين فالقيد داخل في اللّحاظ دون التقييد. وثالثتها أن يكون التقييد داخلا والقيد خارجا وهذا هو المسمّى بالحصّة عندهم. ورابعها أن يكون القيد داخلا والتقييد خارجا وهذا القسم مما لا اعتبار له عندهم. ولهذا لم يسمّوه باسم. وبعضهم ضبطوها بالشعر الفارسي:
الفرد إذا كان القيد والتقييد داخلا والشخص أن يكونا خارجين أيّها الإنسان وإذا كان القيد خارجا منه فهذا يسمّى حصة وبقية الأقسام دعها عنك (فلا اعتبار لها) هكذا في شرح السّلّم للمولوي حسن اللكهنوي في خاتمة بحث الكلّي وغيره.
والتشخّص هو التعيّن وهو يطلق بالاشتراك على معنيين: الأول كون الشيء بحيث يمتنع فرض اشتراكه بين كثيرين، وحاصله امتناع الاشتراك بين كثيرين، وهو يحصل من نحو الوجود الذهني ويلحق الصورة الذهنية من حيث إنّها صورة ذهنية لأنّ الحمل والانطباق وما يقابلهما من شأن الصّور دون الأعيان، والاختلاف بالكلّية والجزئية إنّما هو لاختلاف الإدراك دون المدرك. فالشيء إذا أدرك بالحواس وحصل فيها كان جزئيا، وإذا أدرك بالعقل وحصل فيه كان كلّيا، ويدلّ عليه أنّ ما ذكروه في تعريف الكلّي والجزئي يظهر منه كلّية اللاشيء ونحوه، فإنّ تصوّر هذه المفهومات لا يمنع فرض الشركة، وأنفسها تمنع عنه. والثاني كون الشيء ممتازا عمّا عداه. وحاصله الامتياز عن الغير وهو يحصل بالوجود الخارجي أي بالوجود الحقيقي الذي هو حقيقة الواجب تعالى على تقدير وحدة الوجود، وحقيقة ما عينه متعيّنة بنفسها على تقدير تعدّد الوجود، ولا يراد بحصول الامتياز بالوجود الخارجي أنّ الوجود ينضمّ إلى الشيء فيصير المجموع شخصا بل يراد به أنّ الشيء يصير بالوجود ممتازا عمّا عداه، كما أنّه يصير به مصدر الآثار ويمكن أن ينبّه عليه بأنّ تمايز العرضين المتماثلين يحصل من وجودهما في الموضوعين، وكذا تمايز الصورتين المتماثلتين يحصل من وجودهما في المادّتين لما تقرر أنّ وجود العرض في نفسه هو بعينه وجوده في الموضوع ووجود الصورة في نفسها هو وجودها في المادة بعينه.
وقال المعلم الثاني هويّة الشيء تعيّنه ووحدته وخصوصيّته ووجوده المتفرّد له كلّها واحدة، يعني أنّ الحيثية التي بها يصير موجودا هي بعينها حيثية بها يصير مشخّصا وواحدا، فالوجود والتشخّص والوحدة مفهومات متغايرة وما به التشخّص وما به الوجود وما به الوحدة أمر واحد، فظهر أنّ التشخّص بكلا المعنيين أمر اعتباري، وما به التشخص على المعنى الأول هو نحو الوجود الذهني الذي هو أمر اعتباري.
وعلى المعنى الثاني هو الوجود الحقيقي الذي هو موجود بنفسه فتأمل. لكنّ مذهب جمهور العلماء أنّ التعيّن أمر وجودي هو موجود في الخارج. هكذا حقّق مرزا زاهد في حاشية شرح المواقف. وقال شارح المواقف: النزاع لفظي فإنّ الحكماء يدّــعون أنّ التعيّن أمر موجود على أنّه عين الماهية بحسب الخارج، ويمتاز عنها في الذهن فقط. والمتكلمون يدّــعون أنّه ليس موجودا زائدا على الماهية في الخارج منضمّا إليها فيه، ولا منافات بينهما. وتمام البحث يطلب منه.
قال المولوي حسن اللكهنوي في شرح سلّم العلوم: تشخّص الشيء عبارة عمّا يفيد الامتياز للشيء المعروض به من حيث إنّه معروض به، وبه يمتاز عمّا عداه، سواء كان كلّيا أو جزئيا خارجيا أو ذهنيا. ثم اعلم أنّ الشخص الخارجي لا يحصل في ذهن من الأذهان لأنّه إمّا أن يكون باقيا في الخارج أو لا، وعلى الأوّل يلزم تعدّد الشخص الواحد الخارجي في أمكنة متعدّدة وهذا محال. وعلى الثاني يلزم انعدام الشخص الخارجي عند تصوّره، وهذا ظاهر البطلان. وإذا كان كذلك فلا يحصل من زيد عند تصوّر هويته الخارجية إلّا الحقيقة الكلّية لزيد مع التشخّص الذهني الخاص الكاشف لتلك الهويّة الخارجية بحيث لا يحتمل غيره. وهذا الشخص الحاصل في الذهن مباين في الوجود للهوية الخارجية. وبهذا التقرير ينحلّ الإشكال المشهور وهو أنّ الصورة الخارجية لزيد والصورة الحاصلة منه في أذهان متعدّدة كلّها متصادقة، فكانت كلّ واحدة من تلك الصور متكثّرة مع أنّها جزئيات انتهى من الشرح.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.