Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: زول

العقل

Entries on العقل in 6 Arabic dictionaries by the authors Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya, Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf, Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf, and 3 more
العقل: بالضم الديةُ أي المال الذي هو بدلُ النفس.
العقل: بالملكة، العلم بالضروريات، واستعداد النفس بذلك لاكتساب النظريات.
العقل:
[في الانكليزية] Wind ،reason ،intellect
[ في الفرنسية] Vent ،raison ،intellect
بالفتح وسكون القاف يطلق على معان منها إسقاط الخامس المتحرّك كذا في عنوان الشرف. وفي رسالة قطب الدين السرخسي العقل إسقاط الخامس بعد العصب انتهى، والمآل واحد إلّا أنّ الأول لقلة عمله أولى.
ويقول في منتخب اللغات العقل هو إسقاط التاء من مفاعلتن. وعلى هذا اصطلاح أهل العروض، ومنها الشكل المسمّى بالطريق في علم الرمل ومنها عنصر الهواء. وأهل الرّمل يسمّون الريح عقلا، الريح الأولى يسمّونها العقل الأول، حتى إنهم يسمّون ريح العتبة الداخلة العقل السابع، حسب ترتيب وضع جدول الأنوار في الطالب والمطلوب كما مرّ. وهذا اصطلاح أهل الرّمل. ومنها التعقّل صرّح بذلك المولوي عبد الحكيم في حاشيته لشرح المواقف في تعريف النّظر، وهو إدراك شيء لم يعرضه العوارض الجزئية الملحقة بسبب المادة في الوجود الخارجي من الكم والكيف والأين والوضع وغير ذلك. وحاصله إدراك شيء كلّي أو جزئي مجرّد عن اللواحق الخارجية، وإن كان التجرّد حصل بالتجريد فإنّ المجرّدات كلّية كانت أو جزئية معقولة بلا احتياج إلى الانتزاع والتجريد، والماديات الكلّية أيضا معقولة لكنها محتاجة إلى الانتزاع والتجريد عن العوارض الخارجية المانعة من التعقّل. وأما الماديات الجزئية فلا تتعقّل، بل إن كانت صورا تدرك بالحواس وإن كانت معاني فبالوهم التابع للحسّ الظاهري، هكذا حقّق السّيد السّند في حواشي شرح حكمة العين. ومنها مطلق المدرك نفسا كان أو عقلا أو غيرهما كما يجيء في لفظ العلم. ومنها موجود ممكن ليس جسما ولا حالا فيه ولا جزءا منه، بل هو جوهر مجرّد في ذاته مستغن في فاعليته عن آلات جسمانية.
وبعبارة أخرى هو الجوهر المجرّد في ذاته وفعله أي لا يكون جسما ولا جسمانيا ولا يتوقّف أفعاله على تعلّقه بجسم. وبعبارة أخرى هو جوهر مجرّد غير متعلّق بالجسم تعلّق التدبير والتصرّف، وإن كان متعلّقا بالجسم على سبيل التأثير. فبقيد الجوهر خرج العرض والجسم.
وبقيد المجرّد خرج الهيولى والصورة. وبالقيد الأخير خرج النفس الناطقة. والعقل بهذا المعنى أثبته الحكماء. وقال المتكلّمون لم يثبت وجود المجرّد عندنا بدليل، فجاز أن يكون موجودا وأن لا يكون موجودا، سواء كان ممكنا أو ممتنعا. لكن قال الغزالي والرّاغب في النفس إنّه الجوهر المجرّد عن المادة. ومنهم من جزم امتناع الجوهر المجرّد. وفي العلمي حاشية شرح هداية الحكمة: هذا الجوهر يسمّيه الحكماء عقلا ويسمّيه أهل الشرع ملكا، وفي بعض حواشي شرح الهداية القول بأنّ العقول المجرّدة هي الملائكة تستّر بالإسلام لأنّ الملائكة في الإسلام أجسام لطيفة نورانية قادرة على أفعال شاقّة متشكّلة بأشكال مختلفة ولهم أجنحة وحواس. والعقول عندهم مجرّدة عن المادة، وكأنّ هذا تشبيه، يعني كما أنّ عندكم المؤثّر في العالم أجسام لطيفة فكذلك عندنا المؤثّر فيه عقول مجردة انتهى.
فائدة:

قال الحكماء: الصادر الأول من البارئ تعالى هو العقل الكلّ وله ثلاثة اعتبارات:
وجوده في نفسه ووجوبه بالغير وإمكانه لذاته، فيصدر عنه أي عن العقل الكلّ بكل اعتبار أمر فباعتبار وجوده يصدر عنه عقل ثان، وباعتبار وجوبه بالغير يصدر نفس، وباعتبار إمكانه يصدر جسم، وهو فلك الأفلاك. وإنّما قلنا إنّ صدورها عنه على هذا الوجه استنادا للأشرف إلى الجهة الأشرف والأخسّ إلى الأخسّ، فإنّه أحرى وأخلق. وكذلك يصدر من العقل الثاني عقل ثالث ونفس ثانية وفلك ثان، هكذا إلى العقل العاشر الذي هو في مرتبة التاسع من الأفلاك، أعني فلك القمر، ويسمّى هذا العقل بالعقل الفعّال، ويسمّى في لسان أهل الشرع بجبرئيل عليه السلام كما في شرح هداية الحكمة، وهو المؤثّر في هيولى العالم السّفلي المفيض للصّور والنفوس والأعراض على العناصر والمركّبات بسبب ما يحصل لها من الاستعدادات المسبّبة من الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية وأوضاعها. وفي الملخص إنهم خبطوا فتارة اعتبروا في الأول جهتين:
وجوده وجعلوه علّة التعقّل، وإمكانه وجعلوه علّة الفلك. ومنهم من اعتبر بدلهما تعلّقه بوجوده وإمكانه علّة تعقّل وفلك وتارة اعتبروا فيه كثرة من وجوه ثلاثة كما مرّ، وتارة من أربعة أوجه، فزادوا علمه بذلك الغير وجعلوا إمكانه علّة لهيولى الفلك، وعلمه علّة لصورته. وبالجملة فالحقّ أنّ العقول عاجزة عن درك نظام الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر.
فائدة:
قالوا العقول لها سبعة أحكام. الأول أنّها ليست حادثة لأنّ الحدوث يستدعي مادة.
الثاني ليست كائنة ولا فاسدة، إذ ذاك عبارة عن ترك صورة ولبس صورة أخرى، فلا يتصوّر ذلك إلّا في المركّب المشتمل على جهتي قبول وفعل. الثالث نوع كلّ عقل منحصر في شخصه إذ تشخّصه بماهيته، وإلّا لكان من المادة هذا خلف. الرابع ذاتها جامعة لكمالاتها أي ما يمكن أن يحصل لها فهو حاصل بالفعل دائما وما ليس حاصلا لها فهو غير ممكن. الخامس أنّها عاقلة لذواتها. السادس أنّها تعقل الكليات وكذا كلّ مجرّد فإنّه يعقل الكليات. السابع أنّها لا تعقل الجزئيات من حيث هي جزئية لأنّ تعقّل الجزئيات يحتاج إلى آلات جسمانية. وإن شئت أن يرتسم خبطهم في ذهنك فارجع إلى شرح المواقف.
فائدة:
قال الحكماء أول ما خلق الله تعالى العقل كما ورد به نصّ الحديث. قال بعضهم وجه الجمع بينه وبين الحديثين الآخرين (أول ما خلق الله القلم) و (أول ما خلق الله نوري) أنّ المعلول الأول من حيث إنّه مجرّد يعقل ذاته ومبدأه يسمّى عقلا، ومن حيث إنّه واسطة في صدور سائر الموجودات في نقوش العلوم يسمّى قلما، ومن حيث توسّطه في إفاضة أنوار النّبوّة كان نورا لسيّد الأنبياء عليه وعليهم السلام، كذا في شرح المواقف. قال في كشف اللغات:
العقل الأول في لسان الصوفية هو مرتبة الوحدة. ويقول في لطائف اللغات: العقل هو عبارة عن النّور المحمدي صلّى الله عليه وسلّم.. وفي الإنسان الكامل العقل الأول هو محلّ تشكيل العلم الإلهي في الوجود لأنّه العلم الأعلى ثم ينزل منه العلم إلى اللوح المحفوظ، فهو إجمال اللوح واللوح تفصيله، بل هو تفصيل علم الإجمال الإلهي واللوح محلّ تنزّله. ثم العقل الأول من الأسرار الإلهية ما لا يسعه اللوح كما أنّ اللوح من العلم الإلهي ما لا يكون العقل الأول محلا له، فالعلم الإلهي هو أمّ الكتاب والعقل الأول هو الإمام المبين واللوح هو الكتاب المبين، فاللوح مأموم بالقلم تابع له، والقلم الذي هو العقل الأول حاكم على اللوح مفصّل للقضايا المجملة في دواة العلم الإلهي المعبّر عنها بالنون. والفرق بين العقل الأول والعقل الكلّ وعقل المعاش أنّ العقل الأول بعد علم إلهي ظهر في أول تنزلاته التعيينية الخلقية.
وإن شئت قلت أول تفصيل الإجمال الإلهي.
ولذا قال عليه الصلاة والسلام (أنّ أول ما خلق الله تعالى العقل) فهو أقرب الحقائق الخلقية إلى الحقائق الإلهية، والعقل الكلّ هو القسطاس المستقيم وهو ميزان العدل في قبّة الروح للفصل. وبالجملة فالعقل الكلّ هو العاقلة أي المدركة النورية التي ظهر بها صور العلوم المودعة في العقل الأول. ثم إنّ عقل المعاش هو النور الموزون بالقانون الفكري فهو لا يدرك إلّا بآلة الفكر، ثم إدراكه بوجه من وجوه العقل الكلّ فقط لا طريق له إلى العقل الأوّل، لأنّ العقل الأوّل منزّه عن القيد بالقياس وعن الحصر بالقسطاس، بل هو محلّ صدور الوحي القدسي إلى نوع النفس، والعقل الكلّ هو الميزان العدل للأمر الفصلي، وهو منزّه عن الحصر بقانون دون غيره، بل وزنه للأشياء على معيار وليس لعقل المعاش إلّا معيار واحد وهو الفكر وكفّة واحدة وهي العادة وطرف واحد وهو المعلوم وشوكة واحدة وهو الطبيعة، بخلاف العقل الكلّ فإنّ له كفّتين الحكمة والقدرة، وطرفين الاقتضاءات الإلهية والقوابل الطبعية، وشوكتين الإرادة الإلهية والمقتضيات الخلقية، وله معاير شتّى. ولذا كان العقل الكلّ هو القسطاس المستقيم لأنّه لا يحيف ولا يظلم ولا يفوته شيء بخلاف عقل المعاش فإنّه قد يحيف ويفوته أشياء كثيرة لأنّه على كفة واحدة وطرف واحد.
فنسبة العقل الأول مثلا نسبة الشمس، ونسبة العقل الكلّ نسبة الماء الذي وقع فيه نور الشمس، ونسبة عقل المعاش نسبة شعاع ذلك الماء إذا بلغ على جدار، فالناظر في الماء يأخذ هيئة الشمس على صحته ويعرف نوره على حليته كما لو رأى الشمس لا يكاد يظهر الفرق بينهما، إلّا أنّ الناظر إلى الشمس يرفع رأسه إلى العلو والناظر إلى الماء ينكس رأسه إلى السفل، فكذلك الآخذ علمه من العقل الأول يرفع بنور قلبه إلى العلم الإلهي، والآخذ علمه من العقل الكلّ ينكس بنور قلبه إلى المحلّ الكتاب فيأخذ منه العلوم المتعلّقة بالأكوان وهو الحدّ الذي أودعه الله في اللوح المحفوظ، إمّا يأخذ بقوانين الحكمة وإمّا بمعيار القدرة على قانون وغير قانون، فهذا الاستقراء منه انتكاس لأنّه من اللوازم الخلقية الكلّية لا يكاد يخطئ إلّا فيما استأثر الله به بخلاف العقل الأول فإنّه يتلقّى من الحقّ بنفسه.
اعلم أنّ العقل الكلّ قد يستدرج به أهل الشقاوة فيقبح عليهم أهويتهم فيظفرون على أسرار القدرة من تحت سجف الأكوان كالطبائع والأفلاك والنور والضياء وأمثالها، فيذهبون إلى عبادة هذه الأشياء، وذلك بمكر الله لهم. والنكتة فيه أنّ الله سبحانه يتجلّى لهم في لباس هذه الأشياء فيدركها هؤلاء بالعقل فيقولون بأنّه هي الفعّالة والآلهة، لأنّ العقل الكلّ لا يتعدّى الكون، فلا يعرفون الله به لأنّ العقل لا يعرف إلّا بنور الإيمان، وإلّا فلا يمكن أن يعرفه العقل من نظيره وقياسه سواء كان العقل معاشا أو عقلا كلّا؛ على أنّه قد ذهب أئمتنا إلى أنّ العقل من أسباب المعرفة، وهذا من طريق التوسّع لإقامة الحجّة، وكذلك عقل المعاش فإنّه ليس له إلّا جهة واحدة وهي النظر والفكر. فصاحبه إذا أخذ في معرفة الله به فإنّه يخطئ، ولهذا إذا قلنا بأنّ الله لا يدرك بالعقل أردنا به عقل المعاش. ومتى قلنا إنّه يعرف بالعقل أردنا به عقل المعاش. ومتى قلنا إنّه يعرف بالعقل أردنا به العقل الأول.
اعلم أنّ علم العقول الأوّل والقلم الأعلى نور واحد فبنسبته إلى العبد يسمّى العقل الأول وبنسبته إلى الحق يسمّى القلم الأعلى. ثم إنّ العقل الأول المنسوب إلى محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم خلق الله جبرئيل عليه السلام منه في الأول فكان محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم أبا لجبرئيل وأصلا لجميع العالم. فاعلم إن كنت ممّن يعلم أنّه لهذا وقف عنه جبرئيل في إسرائه وتقدّم وحده، ويسمّى العقل الأول بالروح الأمين لأنّه خزانة علم الله وأمينه، ويسمّى بهذا الاسم جبرئيل من تسمية الفرع بأصله انتهى ما في الإنسان الكامل. ويقول في كشف اللغات:
العقل الأوّل والعقل الكلّي هو جبرائيل عليه السلام. وفي القاموس: إنّهم يسمّون العرش عقلا، وكذلك أصل وحقيقة الإنسان من حيث أنّه فيض وواسطة لظهور النفس الكلّية. وقد أطلقوا عليه أربعة أسماء: الأول: العقل. الثاني القلم الأول. الثالث الروح الأعظم. الرابع أمّ الكتاب.

وعلى وجه الحقيقة: إنّ آدم هو صورة العقل الكلّي وحواء هي صورة النّفس الكلّية، انتهى كلامه. ومنها النفس الناطقة باعتبار مراتبها في استكمالها علما وعملا وإطلاق العقل على النفس بدون هذا الاعتبار أيضا شائع كما في بديع الميزان من أنّ العقل جوهر مجرّد عن المادة لذاته، مقارن لها في فعله، وهو النفس الناطقة التي يشير إليها كلّ واحد بقوله أنا. منها نفس تلك المراتب. ومنها قواها في تلك المراتب. قال الحكماء بيان ذلك أنّ للنفس الناطقة جهتين: جهة إلى عالم الغيب وهي باعتبار هذه الجهة متأثّرة مستفيضة عمّا فوقها من المبادئ العالية وجهة إلى عالم الشهادة وهي باعتبار هذه الجهة مؤثّرة متصرّفة فيما تحتها من الأبدان، ولا بد لها بحسب كلّ جهة قوة ينتظم بها حالها هناك. فالقوة التي بها تتأثّر وتستفيض من المبادئ العالية لتكميل جوهرها من التعقّلات تسمّى قوة نظريّة وعقلا نظريا، والتي بها تؤثّر في البدن وتتصرّف فيه لتكميل جوهره تسمّى قوة عملية وعقلا عمليا، وإن كان ذلك أيضا عائدا إلى تكميل النفس من جهة أنّ البدن آلة لها في تحصيل العلم والعمل. ولكلّ من القوتين أربع مراتب. فمراتب القوة النظرية أولها العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض لإدراك المعقولات، وهو قوّة محضة خالية عن الفعل كما للأطفال، فإنّ لهم في حال الطفولية وابتداء الخلقة استعدادا محضا وإلّا امتنع اتصاف النفس بالعلوم. وكما يكون النفس في بعض الأوقات خالية عن مبادئ نظري من النظريات فهذه الحالة عقل هيولاني لذلك النفس بالاعتبار إلى هذا النظري، وليس هذا الاستعداد حاصلا لسائر الحيوانات. وإنّما نسب إلى الهيولى لأنّ النفس في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأولى الخالية في حدّ ذاتها عن الصور كلّها وتسمّى النفس وكذا قوة النفس في هذه المرتبة بالعقل الهيولاني أيضا. وعلى هذا فقس سائر المراتب. وفي كون هذه المرتبة من مراتب القوة النظرية نظر لأنّ النفس ليس لها هاهنا تأثّر بل استعداد تأثّر، فينبغي أن تفسّر القوة النظرية بالتي يتأثّر بها النفس أو تستعد بها لذلك، ويمكن أن يقال استعداد الشيء من جملته. فمبنى هذا على المساهلة وإنّما بني على المساهلة تنبيها على أنّ المراد هو الاستعداد القريب من الفعل إذ لو كان مطلق الاستعداد لما انحصرت المراتب في الأربع إذ ليس لها باعتبار الاستعداد البعيد مرتبة أخرى فوق الهيولاني وهي المرتبة الحاصلة لها قبل تعلّق النفس بالبدن. وثانيتها العقل بالملكة وهو العلم بالضروريات واستعداد النفس بذلك لاكتساب النظريات منها، وهذا العلم حادث بعد ابتداء الفطرة، فله شرط حادث بالضرورة دفعا للترجيح بلا مرجّح في اختصاصه بزمان معيّن، وما هو إلّا الإحساس بالجزئيات والتنبيه لما بينها من المشاركات والمباينات، فإنّ النفس، إذا أحسّت بجزئيات كثيرة وارتسمت صورها في آلاتها الجسمانية ولاحظت نسبة بعضها إلى بعض استعدّت لأن تفيض عليها من المبدأ صور كلّية وأحكام تصديقية فيما بينها، فهذه علوم ضرورية، ولا نريد بها العلم بجميع الضروريات فإنّ الضروريات قد تفقد إمّا بفقد التصوّر كحسّ البصر للأكمه وقوة المجامعة للعنّين، أو بفقد شرط التصديق، فإنّ فاقد الحسّ فاقد للقضايا المستندة إلى ذلك الحسّ، وبالجملة فالمراد بالضروريات أوائل العلوم وبالنظريات ثوانيها سمّيت به لأنّ المراد بالملكة إمّا ما يقابل الحال، ولا شكّ أنّ استعداد الانتقال إلى المعقولات راسخ في هذه المرتبة، أو ما يقابل العدم كأنّه قد حصل للنفس فيها وجود الانتقال إليها بناء على قربه، كما سمّي العقل بالفعل عقلا بالفعل لأنّ قوته قريبة من الفعل جدا. قال شارح هداية الحكمة: العقل بالملكة إن كان في الغاية بأن يكون حصول كلّ نظري بالحدس من غير حاجة إلى فكر يسمّى قوة قدسية. وثالثتها العقل بالفعل وهو ملكة استنباط النظريات من الضروريات أي صيرورة الشخص بحيث متى شاء استحضر الضروريات ولا حظها واستنتج منها النظريات، وهذه الحالة إنّما تحصل إذا صار طريقة الاستنباط ملكة راسخة فيه. وقيل العقل بالفعل هو حصول النظريات وصيرورتها بعد استنتاجها من الضروريات بحيث استحضرها متى شاء بلا تجشّم كسب جديد، وذلك إنّما يحصل إذا لاحظ النظريات الحاصلة مرة بعد أخرى حتى يحصل له ملكة نفسانية يقوى بها على استحضارها متى أراد من غير فكر، وهذا هو المشهور في أكثر الكتب. وبالجملة العقل بالفعل على القول الأول ملكة الاستنباط والاستحصال وعلى القول الثاني ملكة الاستحضار. ورابعتها العقل المستفاد وهو أن يحصّل النظريات مشاهدة سمّيت به لاستفادتها من العقل الفعّال، وصاحب هداية الحكمة سمّاها عقلا مطلقا وسمّى معقولاتها عقلا مستفادا. وقال شارحها لا يخفى أنّ تسمية معقولات تلك المرتبة بالعقل المستفاد خلاف اصطلاح القوم.
اعلم أنّ العقل الهيولاني والعقل بالملكة استعدادان لاستحصال الكمال ابتداء والعقل بالفعل بالمعنى الثاني المشهور استعداد لاسترجاعه واسترداده فهو متأخّر في الحدوث عن العقل المستفاد لأنّ المدرك ما لم يشاهد مرات كثيرة لا يصير ملكة ومتقدّم عليه في البقاء لأنّ المشاهدة تــزول بسرعة وتبقى ملكة الاستحضار مستمرة فيتوصّل بها إلى مشاهدته، فبالنظر إلى الاعتبار الثاني يجوز تقديم العقل بالفعل على العقل المستفاد، وبالنظر إلى الاعتبار الأول يجوز العكس، أمّا العقل بالفعل بالمعنى الأول فالظاهر أنّه مقدّم على العقل المستفاد. واعلم أيضا أنّ هذه المراتب تعتبر بالقياس إلى كلّ نظري على المشهور فيختلف الحال إذ قد تكون النفس بالنسبة إلى بعض النظريات في المرتبة الأولى وبالنسبة إلى بعضها في الثانية وإلى بعضها في الثالثة وإلى بعضها في الرابعة. فما قال صاحب المواقف من أنّ العقل المستفاد هو أن يصير النفس مشاهدة لجميع النظريات التي أدركتها بحيث لا يغيب عنها شيء لزمه أنّ لا يوجد العقل المستفاد لأحد في الدنيا بل في الآخرة. ومنهم من جوّز ذلك لنفوس نبوية لا يشغلها شأن عن شأن، وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها وانخرطوا في سلك المجرّدات التي تشاهد معقولاتها دائما.
فائدة:
وجه الحصر في الأربع أنّ القوة النظرية إنّما هي لاستكمال الناطقة بالإدراكات إلّا أنّ البديهيات ليست كمالا معتدّا به يشاركه الحيوانات العجم لها فيها بل كمالها المعتدّ به الإدراكات الكسبية، ومراتب النفس في الاستكمال بهذا الكمال منحصرة في نفس الكمال واستعداده لأنّ الخارج عنهما لا يتعلّق بذلك الاستكمال، فالكمال هو العقل المستفاد أعني مشاهدة النظريات، والاستعداد إمّا قريب وهو العقل بالفعل أو بعيد وهو الهيولاني أو متوسّط وهو العقل بالملكة. وأمّا مراتب القوة العملية فأولها تهذيب الظاهر أي كون الشخص بحيث يصير استعمال الشرائع النبوية والاجتناب عما نكره عادة له، ولا يتصوّر منه خلافه عادة.
وثانيتها تهذيب الباطن من الملكات الرديئة ونفض آثار شواغله عن عالم الغيب. وثالثتها ما يحصل بعد الاتّصال بعالم الغيب وهو تجلّي النفس بالصور القدسية، فإنّ النفس إذ هذبت ظاهرها وباطنها عن رذائل الأعمال والأخلاق وقطعت عوائقها عن التوجّه إلى مركزها ومستقرها الأصلي الذي هو عالم الغيب بمقتضى طباعها إذ هي مجرّدة في حدّ ذاتها وعالم الغيب أيضا كذلك، وطبيعة المجرّد تقتضي عالمها كما أنّ طبيعة المادي تقتضي عالم المادّيات الذي هو عالم الشهادة اتصلت بعالم الغيب للجنسية اتصالا معنويا لا صوريا، فينعكس إليها بما ارتسمت فيه من النقوش العلمية، فتتجلّى النفس حينئذ بالصور الإدراكية القدسية، أي الخالصة عن شوائب الشكوك والأوهام، إذ الشكوك والشبهات إنّما تحصل من طرق الحواس، وفي هذه لا يحصل العلم من تلك الطرق. وفي بعض حواشي شرح المطالع بيانه أنّ حقائق الأشياء مسطورة في المبدأ المسمّى في لسان الشرع باللوح المحفوظ فإنّ الله تعالى كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في المبدأ ثم أخرجه إلى الوجود على وفق تلك النسخة، والعالم الذي خرج إلى الوجود بصورته تتأدّى منه صورة أخرى إلى الحواس والخيال ويأخذ منها الواهمة معاني، ثم يتأدّى من الخيال أثر إلى النفس فيحصل فيها حقائق الأشياء التي دخلت في الحسّ والخيال. فالحاصل في النفس موافق للعالم الحاصل في الخيال، وهو موافق للعالم الموجود في نفسه خارجا من خيال الإنسان ونفسه، والعالم الموجود موافق للنسخة الموجودة في المبدأ، فكأنّ للعالم أربع درجات في الوجود، وجود في المبدأ وهو سابق على وجوده الجسماني ويتبعه وجوده الجسماني الحقيقي ويتبع وجوده الحقيقي وجوده الخيالي ويتبع وجوده الخيالي وجوده العقلي، وبعض هذه الوجودات روحانية وبعضها جسمانية، والروحانية بعضها أشدّ روحانية من بعض. إذا عرفت هذا فنقول النفس يتصوّر أن يحصل فيها حقيقة العالم وصورته تارة من الحواس وتارة من المبدأ، فمهما ارتفع حجاب التعلّقات بينها وبين المبدأ حصل لها العلم من المبدأ فاستغنت عن الاقتباس من مداخل الحواس، وهناك لا مدخل للوهم التابع للحواس. ومهما أقبلت على الخيالات الحاصلة من المحسوسات كان ذلك حجابا لها من مطالع المبدأ، فهناك تتصوّر الواهمة وتعرض للنفس من الغلط ما يعرض، فإذا للنفس بابان، باب مفتوح إلى عالم الملكوت وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة والمجرّدات، وباب مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسّكة بعالم الشهادة والملك وهذا الباب مفتوح للمجرّد وغيره. والباب الأول لا يفتح إلّا للمتجرّدين من العلائق والعوائق. ورابعتها ما يتجلّى له عقيب اكتساب ملكة الاتصال والانفصال عن نفسه بالكلّية وهو ملاحظة جمال الله أي صفاته الثبوتية وجلاله أي صفاته السلبية، وقصر النظر على كماله في ذاته وصفاته وأفعاله حتى يرى كلّ قدرة مضمحلّة في جنب قدرته الكاملة وكلّ علم مستغرقا في علمه الشامل، بل يرى أنّ كلّ كمال ووجود إنّما هو فائض من جنابه تعالى شأنه. فان قيل بعد الاتصال بعالم الغيب ينبغي أن يحصل له الملاحظة المذكورة وحينئذ لا تكون مرتبة أخرى غير الثالثة بل هي مندرجة فيها. قلت المراد الملاحظة على وجه الاستغراق وقصر النظر على كماله بحيث لا يلتفت إلى غيره، فعلى هذا الغاية القصوى هي هذه المرتبة كما أنّ الغاية القصوى من مراتب النظري هو الثالثة أي العقل بالفعل.
اعلم أنّ المرتبتين الأخيرتين أثران للأوليين اللتين هما من مراتب العملية قطعا، فصحّ عدّهما من مراتب العملية وإن لم تكونا من قبيل تأثير النفس فيما تحتها. هذا كله هو المستفاد من شرح التجريد وشرح المواقف في مبحث العلم وشرح المطالع وحواشيه في الخطبة.
اعلم أنّ العقل الذي هو مناط التكاليف الشرعية اختلف أهل الشرع في تفسيره. فقال الأشعري هو العلم ببعض الضروريات الذي سمّيناه بالعقل بالملكة. وما قال القاضي هو العلم بوجوب الواجبات العقلية واستحالة المستحيلات وجواز الجائزات ومجاري العادات أي الضروريات التي يحكم بها بجريان العادة من أنّ الجبل لا ينقلب ذهبا، فلا يبعد أن يكون تفسيرا لما قال الأشعري، واحتجّ عليه بأنّ العقل ليس غير العلم وإلّا جاز تصوّر انفكاكهما وهو محال، إذ يمتنع أن يقال عاقل لا علم له أصلا وعالم لا عقل له أصلا، وليس العقل العلم بالنظريات لأنّه مشروط بالنظر والنظر مشروط بكمال العقل، فيكون العلم بالنظريات متأخرا عن العقل بمرتبتين، فلا يكون نفسه، فيكون العقل هو العلم بالضروريات وليس علما بكلها، فإنّ العاقل قد يفقد بعضها لفقد شرطه كما مرّ، فهو العلم ببعضها وهو المطلوب.
وجوابه أنّا لا نسلّم أنّه لو كان غير العقل جاز الانفكاك بينهما لجواز تلازمهما. وقال الإمام الرازي والظاهر أنّ العقل صفة غريزية يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات وهي الحواس الظاهرة والباطنة. وإنّما اعتبر قيد سلامة الآلات لأنّ النائم لم يزل عقله عنه وإن لم يكن عالما حالة النوم لاختلال وقع في الآلات، وكذا الحال في اليقظان الذي لا يستحضر شيئا من العلوم الضرورية لدهش ورد عليه، فظهر أنّ العقل ليس العلم بالضروريات.
ولا شكّ أنّ العاقل إذا كان سالما عن الآفات المتعلّقة كان مدركا لبعض الضروريات قطعا.
فالعقل صفة غريزية يتبعها تلك العلوم، وهذا معنى ما قيل: قوة للنفس بها تتمكّن من إدراك الحقائق. ومحلّ تلك القوة قيل الرأس، وقيل القلب، وما قيل هو الأثر الفائض على النفس من العقل الفعال. والمعتزلة القائلون بأنّ الحسن والقبح للعقل فسّروه بما يعرف به حسن المستحسنات وقبح المستقبحات، ولا يبعد أن يقرب منه ما قيل هو قوة مميزة بين الأمور الحسنة والقبيحة. وقيل هو ملكة حاصلة بالتجارب يستنبط بها المصالح والأغراض.
وهذا معنى ما قيل هو ما يحصل به الوقوف على العواقب. وقيل هو هيئة محمودة للإنسان في حركاته وسكناته. وقيل هو نور يضيئ به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس، فيبدأ المطلوب للطالب فيدركه القلب بتأمّله وبتوفيق الله تعالى. ومعنى هذا أنّه قوة للنفس بها تنتقل من الضروريات إلى النظريات ويحتمل أن يراد به الأثر الفائض من العقل الفعّال كما ذكره الحكماء من أنّ العقل الفعّال هو الذي يؤثّر في النفس ويعدّها للإدراك، وحال نفوسنا بالنسبة إليه كحال أبصارنا بالنسبة إلى الشمس. فكما أنّ بإفاضة نور الشمس تدرك المحسوسات كذلك بإفاضة نوره تدرك المعقولات. فقوله نور أي قوة شبيهة بالنور في أنها يحصل به الإدراك ويضيئ أي يصير ذا ضوء أي بذلك النور طريق يبتدأ به أي بذلك الطريق، والمراد به أي بالطريق الأفكار وترتيب المبادئ الموصلة إلى المطلوب. ومعنى إضاءتها صيرورتها بحيث يهتدي القلب إليها ويتمكّن من ترتيبها وسلوكها توصلا إلى المطلوب. وقوله من حيث ينتهي إليه متعلّق بقوله يبتدأ، وضمير إليه عائد إلى حيث، أي من محلّ ينتهي إليه إدراك الحواس، فيبدأ أي يظهر المطلوب للقلب أي الروح المسمّى بالقوة العاقلة والنفس الناطقة فيدركه القلب بتأمّله أي التفاته إليه والتوجّه نحوه بتوفيق الله تعالى وإلهامه، لا بتأثير النفس أو توكيدها، فإنّ الأفكار معدات للنفس وفيضان المطلوب إنّما هو بإلهام الله سبحانه. فبداية درك الحواس هو ارتسام المحسوسات في إحدى الحواس الخمس الظاهرة، ونهاية دركها ارتسامها في الحواس الباطنة. ومن هاهنا بداية درك العقل، ونهاية درك العقل ظهور المطلوب كما عرف في الفكر بمعنى الحركتين، هذا كله خلاصة ما في شرح التجريد وشرح المواقف والتلويح.

وفي خلاصة السلوك قال أهل العلم:
العقل جوهر مضيء خلقه الله في الدماغ وجعل نوره في القلب، وقال أهل اللسان: العقل ما ينجّي صاحبه من ملامة الدنيا وندامة العقبى وقال حكيم: العقل حياة الروح والروح حياة الجسد. وقال حكيم ركّب الله في الملائكة العقل بلا شهوة وركّب في البهائم الشهوة بلا عقل، وفي ابن آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ومن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم. وقال أهل المعرفة العاقل من اتّقى ربّه وحاسب نفسه وقيل من يبصر مواضع خطواته قبل أن يضعها. وقيل الذي ذهب دنياه لآخرته. وقيل الذي يتواضع لمن فوقه ولا يحتقر لمن دونه ويمسك الفضل من منطقه ويخالط الناس باختلافهم. وقيل الذي يترك الدنيا قبل أن تتركه ويعمّر القبر قبل أن يدخله وأرضى الله قبل أن يلقاه، وقيل إذا اجتمع للرجل العلم والعمل والأدب يسمّى عاقلا، وإذا علم ولم يعمل أو عمل بغير أدب أو عمل بأدب ولم يعلم لم يكن عاقلا.
العقل: المستفاد، أن يحضر عنده النظريات التي أدركها بحيث لا تغيب عنه.
العقل: بالفعل، أن تصير النظريات مخزونة عند القوة العاقلة بتكرار الاكتساب بحيث يحصل لها ملكة الاستحضار متى شاءت في غير تجشم كسب جديد.
العقل: الهيولاني، الاستعداد المحض لإدراك المعقولات، وهو قوة محضة خالية عن الفعل كما في الأطفال، وإنما نسب إلى الهيولى لأن النفس في هذه المرتبة تشبه الهيولى الأولى الخالية في حد ذاتها عن الصور كلها.

الغريب

Entries on الغريب in 3 Arabic dictionaries by the authors Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm and Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf
الغريب: في الحديث: ما تفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند. ثم الغرابة في أصل السند أولا، فالأول الفرد المطلق، والثاني الفرد النسبي.
الغريب
نقصد بالغريب ما قل دورانه على الألسنة، فلم يستعمله الخطباء ولا الشعراء استعمال غيره من الألفاظ، ويحوى القرآن الكريم عددا منه، فكان العرب في عصر نــزول القرآن، يمضون إلى كبار الصحابة، يسألونهم عن معانى هذه الألفاظ الغريبة، فيجيبونهم ويقربون لهم هذه المعانى، مستشهدين بأبيات الشعر، والواقع أن قدرة الصحابة على فهم نصوص القرآن لم تكن في درجة واحدة: فكان منهم المثقف ثقافة أدبية ممتازة، ولم يكن ما نسميه الآن غريبا، بغريب عند هؤلاء الذين تحداهم القرآن، فلم يكن استخدامه حينئذ معيبا ولا مستكرها، ومثال ذلك استعمال عباقرة الشعراء ألفاظا يعرفها جمهور المتأدبين، ويتذوقون جمالها، وإن كانت غير دائرة على ألسنة العامة، فلا يعاب الشاعر على هذا الاستخدام، ولا ينقص ذلك من قدر كلامه، بل يضع أدبه في مستوى الأدب الرفيع، الذى هدره وتدرك قيمته الصفوة الممتازة من الأدباء.
ومما يدل على أن القرآن يؤثر رفعة الأسلوب أنه يفضل أحيانا كلمة أدبية، على أخرى شائعة عامية، فتراه يستخدم إِلْحافاً فى قوله تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً (البقرة 273). مكان «إلحاحا» وربما كان لتكرير الحاءين في الكلمة أثر في الإعراض عنها، وليس ذلك بعجيب على كتاب نزل، ليتحدى أبلغ البلغاء، مستخدما أجمل وأرقى ما يعرفونه من الألفاظ.
وينبغى أن نقرر أن ما نسميه اليوم غريب القرآن، قد برئ من الثقل على اللسان، والكراهة على السمع، والقرآن الكريم لا يستخدم هذا النوع من الألفاظ إلا قليلا، وليس كل ما ذكره المؤلفون في القرآن مما يندرج في هذا النوع، بل يضعون فيه كل ما يرتفع قليلا عن مستوى العام الشائع، فتجد السجستانى مثلا يعد منه كلمات «انفصام، وإسرافا، وادرءوا، وإعصار» ، وليس ذلك بغريب.
أما ما نعده اليوم غريبا فعدد محدود من الكلمات، مثل قَضْباً و (أبا) فى قوله تعالى: أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً
وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا
(عبس 25 - 31).
والقضب: القث، والأب ما ترعاه الأنعام، ويقال: الأب للبهائم كالفاكهة للناس ، وقد جاءت الكلمتان فاصلتين محافظتين أقوى محافظة على النغم الموسيقى، كما أن الكلمة الثانية استخدمت في معناها الدقيق.
وعلى هذا الوجه جاءت إِدًّا فى قوله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (مريم 89).
بمعنى الأمر العظيم.
وقد يكون ما يحيط بالكلمة دالا على معناها، كما نجد ذلك في «أركس» فى قوله تعالى: كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها (النساء 91). وفي أَكِنَّةً فى قوله تعالى:
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً (الأنعام 25). وأَمْتاً بمعنى ارتفاعا وهبوطا من قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (طه 105 - 107). و (ألتنا) بمعنى نقصنا، من قوله تعالى: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (الطور 21).
ويكاد يكون هذا الأمر مبدأ عاما في معظم ما نسميه اليوم بالغريب، فهو مع قلته يحاط بما يشير إلى معناه، وقد يتولى القرآن نفسه تفسير ما يرد من تلك الألفاظ، ويكون ذلك في موضع الترهيب والزجر، أو الوعد بالخير، فيكون النطق بهذه الكلمة الغريبة، مثيرا في نفس سامعها السؤال عنها، والتنبه القوى لمعناها، حتى إذا جاء هذا المعنى استقر في النفس، فملأها خوفا، أو غمرها بالبهجة والحبور، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا (المدثر 26 - 31). وقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (المطففين 7 - 11). ومثله قوله سبحانه: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (المطففين 18 - 21).
ولعل من وجوه بلاغة استخدام هذه الألفاظ الأدبية التى لم تشع على الألسنة إلّا قليلا، ما نراه من اختيار ما حسن وقعه على الأذن، وجريه على اللسان منها، ثم في وضعه حيث لا يغنى غيره من الألفاظ غناءه، لتناسب موسيقاه، أو لأنه يؤدى المعنى الدقيق دون سواه، وفي ذلك من براعة الاستعمال ما لا نجده في الألفاظ المستعملة الشائعة.
وإذا أردت أن تعرف ما عده العلماء من غريب القرآن، فارجع إلى مؤلف السجستانى، وإلى كتاب الإتقان (ج 1 ص 115) وفيهما تفسير هذا الغريب، وفي الإتقان أبيات الشعر، التى استشهد بها على معانى ما ورد في القرآن من هذه الألفاظ.
الغريب:
[في الانكليزية] lntruder ،odd ،unusual ،strange
[ في الفرنسية] lntrus ،bizzarre ،insolite ،etrange
هو فعيل من الغرابة بالراء المهملة وهو يطلق على معان. منها الكوكب الواقع في موضع لا حظّ له فيه، وهذا مصطلح المنجّمين.
ومنها ما هو مصطلح أهل العروض وهو البحر الذي وزنه فاعلن ثماني مرات ويسمّى بالمتدارك أيضا كما في عروض سيفي. ومنها ما هو مصطلح أهل المعاني قالوا الغرابة كون الكلمة غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال، سواء كانت بالنظر إلى الأعراب الخلّص أو بالنظر إلينا، وتلك الكلمة تسمّى غريبا ويقابله المعتاد ويرادفه الوحشي. فالغريب منه ما هو غريب حسن وهو الذي لا يعاب استعماله على الأعراب الخلّص لأنّه لم يكن غير ظاهر المعنى ولا غير مأنوس الاستعمال عندهم، وذلك مثل شرنبث واشمخر واقمطر وهي في النظم أحسن منها في النشر، ومنه غريب القرآن والحديث، وهذا غير مخلّ بالفصاحة، ومنه غريب قبيح وهو الذي يعاب استعماله مطلقا أي عند الخلّص من الأعراب وغيرهم سواء كان كريها على السمع والذوق أو لم يكن، فمنه ما يسمّى الوحشي الغليظ وهو أن يكون مع كونه غريب الاستعمال ثقيلا على السّمع كريها على الذوق ويسمّى المتوعّر أيضا وذلك مثل جحيش للفريد واطلخم الأمر وأمثال ذلك، ويجب الخلوص عن مثل هذا الغريب في الفصاحة إلّا أنّ الخلوص عن التنافر يستلزم الخلوص عن الوحشي الغليظ. ومن الغريب المخلّ بالفصاحة ما يحتاج في معرفته إلى أن ينقر ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة كتكأكأتم وافرنقعوا في قول عيسى بن عمر ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّة افرنقعوا عنّي، أي اجتمعتم تنحّوا عنّي كذا ذكره الجواهري في الصحاح. ومنه ما يحتاج إلى أن يخرّج له وجه بعيد نحو مسرّج في قول العجاج: وفاحما ومرسنا مسرّجا.
أي كالسيف السريجي في الدقّة والاستواء، وسريج اسم قين ينسب إليه السيوف. وبالجملة فالغريب الغير المخلّ بالفصاحة هو الذي يكون غير ظاهر المعنى وغير مأنوس الاستعمال لا بالنسبة إلى الأعراب الخلّص بل بالنسبة إلينا، والغريب المخلّ بالفصاحة هو الذي يكون غير ظاهر المعنى وغير مأنوس الاستعمال بالنسبة إليهم كلّهم لا بالنسبة إلى العرب كلّه، فإنّه لا يتصوّر إذ لا أقلّ من تعارفه عند قوم يتكلمون به، فإنّ الغرابة مما يتفاوت بالنسبة إلى قوم دون قوم كالاعتياد الذي يقابله هكذا يستفاد من الأطول والمطول والچلپى وغيرها. ومنها ما هو مصطلح الأصوليين وهو وصف ثبت اعتبار عينه في عين الحكم بمجرّد ترتّب الحكم على وفقه، وهذا قسم من المناسب قسيم للمرسل. وقد يطلق أيضا عندهم على قسم من المرسل ويجيء في لفظ المناسبة. ومنها ما هو مصطلح المحدّثين وهو حديث يتفرّد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرّد من السّند سواء كان التفرّد في أصل السّند أي الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع إليه وهو طرفه الذي فيه الصحابي ويسمّى غريبا مطلقا، أو في أثناء السّند ويسمّى غريبا نسبيا، ويرادف الغريب الفرد.
اعلم أنّ ما تفرّد به الصحابي ثم كثر الرواية عنه لا يسمّى فردا فإنّ الصحابة كلهم عدول على الإطلاق صغيرهم وكبيرهم ممن خالط الفتن وغيرهم لقوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدولا. وقوله عليه الصلاة والسلام: (خير الناس قرني) وهو الصحيح. وحكى الآمدي وابن الحاجب قولا إنّهم كغيرهم في لزوم البحث عمّن ليس ظاهر العدالة. فقولهم طرفه أرادوا به التابعي فإنّ الصحابة وإن كانوا من رجال الإسناد إلّا أنّهم لم يعدوا لما ذكرنا أنّهم عدول كلهم لا يبحث عن أحوالهم. وقولهم فيه الصحابي أي في ذلك الطرف من تسامحاتهم أي ينتهي ذلك الطرف إلى الصحابي ويتصل به. وبالجملة فالغريب المطلق هو ما رواه تابعي واحد مثلا عن صحابي ولم يتابعه غيره رواية عن ذلك الصحابي سواء تعدّد الصحابي في تلك الرواية أو لا، وسواء كان الصحابي واحدا أو أكثر كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرّد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وقد يتفرّد به راو عن ذلك المتفرّد كحديث شعب الإيمان تفرّد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرّد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح. وقد يستمرّ التفرّد في جميع رواته أو أكثرهم. والغريب النسبي هو ما وقع التفرّد في أثناء سنده أي قبل التابعي كما يروي عن الصحابي أكثر من واحد ثم يتفرّد بالرواية منهم شخص واحد، سمّي نسبيا لكون التفرّد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معيّن وإن كان الحديث مشهورا من وجه آخر لم يتفرّد فيه راو، هكذا في شرح النخبة وشرحه.

وفي مقدّمة شرح المشكاة: الحديث صحيح لو أنّ راويه كان واحدا. ويسمّونه الغريب أو الفرد. والمراد مع كون راويه واحدا هو: إذا وقع هكذا في أحد المواضع فهو غريب. ولكن يقولون له الفرد النسبي. وإذا كان في كلّ مكان هكذا يأتي فهو الفرد المطلق. انتهى. فهذا يدلّ على أنّ ما تفرّد به الصحابي ثم كثر عنه الرواية يسمّى غريبا. وعلى أنّه يشترط تفرّد جميع الرواة في الغريب المطلق.
اعلم أنّ الغريب كما ينقسم إلى مطلق ونسبي كما عرفت كذلك ينقسم إلى غريب متنا وإسنادا، وهو ما تفرّد بروايته واحد وإلى غريب إسنادا لا متنا وهو ما تفرّد بروايته واحد عن صحابي ومتنه معروف عن جماعة من الصحابة بطريق آخر، ومنه قول الترمذي غريب من هذا الوجه. ولا يوجد ما هو غريب متنا لا إسنادا إلّا إذا اشتهر الحديث الفرد بأن رواه عمّن تفرّد جماعة كثيرة فإنّه يصير غريبا متنا لا إسنادا بالنسبة إلى آخر الإسناد، فإنّ إسناده متّصف بالغرابة في طرفه الأول وبالشهرة في الآخر كحديث إنما الأعمال بالنيات، ونسمّيه غريبا مشهورا كذا في خلاصة الخلاصة.
فائدة:
قولهم ما يتفرّد بروايته شخص واحد يعمّ ما تفرّد فيه الراوي بزيادة في المتن أو الإسناد، ولذا وقع في شرح شرح النخبة في بحث المتابعة الغريب جمعه الغرائب، وهو الحديث الذي تفرّد به بعض الرواة أو الحديث الذي تفرّد فيه بعضهم بأمر لا يذكر فيه غيره إمّا في متنه أو في إسناده انتهى. وقال القسطلاني: الغريب ما تفرّد راو بروايته أو برواية زيادة فيه عمّن يجمع حديثه في المتن أو السّند.
فائدة:
إنّما يحكم بالتفرّد إذا لم يوجد له شاهد ولا متابع، فإن وجدا لا يحكم بالفردية.
فائدة:
الغرابة لا تنافي الصّحة فالحديث الغريب الصحيح يوجد إذا كان كلّ واحد من رجال الإسناد ثقة.
فائدة:
الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا إلّا أنّ أهل الاصطلاح تمايزوا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته. فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسمية عليهما، وأمّا من حيث استعمالهم الفعل المشتقّ فلا يفرّقون فيقولون في المطلق والنسبي تفرّد به فلان وأغرب به فلان كذا في شرح النخبة.
اعلم أنّه قد يطلق الغريب بمعنى الشاذ الذي ذكر في أقسام الطّعن في الضبط وهو ما كان سوء الحفظ لازما لراويه في جميع حالاته، وهذا هو مراد صاحب المصابيح حيث يقول في بعض الأحاديث بطريق الطّعن هذا حديث غريب كذا في مقدمة شرح المشكاة.

الدانق

Entries on الدانق in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Barakatī, al-Taʿrīfāt al-Fiqhīya
الدانق: مُعرّب ذانك وهو سدس درهم.
الدانق: معرب، وهو سدس درهم، وهي عند اليونان حبتا خرنوب، فإن الدرهم عندهم اثنتا عشرة حبة خرنوب. والدانق الإسلامي حبتان وثلثا حبة، فإن الدرهم الإسلامي ست عشرة حبة. 

الفتق

Entries on الفتق in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الفتق: الفصل بين متصلين وهو ضد الرتق.
الفتق:
[في الانكليزية] Hernia
[ في الفرنسية] Hernie
بفتح الفاء والتاء المثناة الفوقانية في اللغة هو تفرّق اتصال الأجزاء وتباعدها. وعند الأطباء نــزول بعض الأمعاء خصوصا الأعور ويسمّى بالفتق المعوي، أو الثرب ويسمّى الثربي، أو الريح الغليظ ويسمّى الريحي، أو مادة غليظة وسمنت الخصية لنــزولــها إلى كيس الأنثيين لاتّساع المجاري إلى المجريين اللذين فوق الأنثيين أو لانشقاق الغشاء الصفاقي ويسمّى قيلة وأدرة، هكذا يستفاد من شرح القانونچة وبحر الجواهر. وفي المؤجز الفتق يكون إمّا لانشقاق الغشاء ونفوذ جسم فيه كان محتبسا داخله قبل الفتق، أو لاتّساع المجريين اللذين فوق الأنثيين، إمّا ثرب أو حجاب وإمّا معاء خصوصا الأعور أو لريح غليظة، ويسمّى ذلك قيلة أو رطوبة مائية أو دموية أو غيرهما، ويسمّى أدرة. وربما لم ينزل إلى الكيس بل احتبس في العانة فيسمّى ذلك. وكلّ ما ليس في الكيس بالاسم العام وهو الفتق، وما كان فوق السّرّة فهو أردى. وعند الصوفية ما يقابل الرتق.
ويقول في كشف اللغات؛ الفتق عند الصوفية مقابل الرّتق، وهو عبارة عن تفصيل المادّة مطلقا بصورة المادة النوعية مع ظهور ما كان في حضرة الواحدية من الشّئون الذّاتية، كالحقائق بعد التّعيّن في الخارج يصير المجمل مفصّلا، والمستور مكشوفا.

الدنو

Entries on الدنو in 1 Arabic dictionary by the author Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf
الدنو: القرب بالذات أو الحكم، ويستعمل في المكان والزمان، والمنزلة الدنيا فعلى من الدنو وهو الأنزل رتبة في مقابلة عليا ولكونها لزمتها العاجلة صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو، ففي الدنيا نــزول وتعجيل، وفي الآخرة علو قدروتأخر، فتقابلنا. قاله الحرالي.

الصعود

Entries on الصعود in 1 Arabic dictionary by the author Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf
الصعود: الذهاب في المحل المرتفع، كالخروج من البصرة إلى الحجاز، ثم استعمل في الإبعاد وإن لم يكن فيه اعتبار الصعود. واستعير الصعود لما يصل من العبد إلى الله، كما استعير النــزول لما يصل من الله إلى العبد، ومنه {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} .

قاب قوسين

Entries on قاب قوسين in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
قاب قوسين: مقَام الْقرب الإلهي وَهُوَ الِاتِّحَاد بِالْحَقِّ مَعَ بَقَاء التميز الْمعبر عَنهُ بالاتصال. وَلَا أَعلَى من هَذَا الْمقَام إِلَّا مقَام أَو أدنى وَهُوَ أحدية عين الْجمع الذاتية الْمعبر عَنهُ بقوله تَعَالَى: {أَو أدنى} لارْتِفَاع التميز والاثنينية الاعتبارية هُنَاكَ بالفناء الْمَحْض والطمس الْكُلِّي للرسوم كلهَا.
قاب قوسين: مقام القرب الأسمائي باعتبار التقابل بين الأسماء في الأمر الإلهي المسمى دائرة الوجود كالإبداء والإعادة، والنــزول والعروج، والفاعلية والقابلية. وهو الاتحاد بالحق مع بقاء التمييز عنه بالاتصال. ولا أعلى من هذا المقام إلا مقام أو أدنى، وهو أحدية عين الجمع الذاتي المعبر عنه بقوله {أَوْ أَدْنَى} . لارتفاع التمييز والاثنينية الاعتبارية هناك بالفناء المحض، والطمس الكلي للرسوم كلها.

القصر

Entries on القصر in 3 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
القصر: لغة: الحبس. واصطلاحا: تخصيص شيء بشيء، وحصره فيه. ويسمى الأول مقصورا والثاني مقصورا عليه، كقولنا في القصر بين المبتدأ والخبر: إنما زيد قائم، وبين الفعل والفاعل: ما ضربت إلا زيدا.
القصر:
[في الانكليزية] Shortening ،laundering ،arrest ،confinement ،castle ،palace
[ في الفرنسية] Ecourtement ،blanchissement d'habit ،arret ،emprisonnement ،chateau ،palais
بالفتح وسكون الصاد المهملة في اللغة الفارسية له عدد من المعاني: التوقيف، والإعادة، والسّجن، والتوقّف لشيء، والتقليل، ودقّ الثياب (لتبييضها) ومنه (القصار). وغسل الثياب، وأداء الصلاة الرباعية ركعتين (في السفر)، وحلول الظلام، وهبوط الليل، ونــزول الستائر، وغير ذلك. وإغماض العين، والقصر (البناء العالي). كما في كنز اللغات.
وعند القراء هو ضدّ المدّ كما سيجيء.
وعند أهل العروض إسقاط الحرف الآخر الساكن وإسكان ما قبله إذا كان آخر الجزء سببا خفيفا وهو يختص بالأسباب، والجزء الذي فيه القصر يسمى مقصورا. فمقصور فاعلاتن فاعلات بسكون التاء، ومقصور فعولن فعول بسكون اللام، هكذا في رسائل العروض العربية والفارسية. وعند أهل المعاني ويسمّى بالحصر والتخصيص أيضا جعل بعض أجزاء الكلام مخصوصا بالبعض بحيث لا يتجاوزه ولا يكون انتسابه إلّا إليه، ولا يرد عليه اختصّ زيد بالقيام. فإنّه لا تخصيص لجزء من أجزاء الكلام بالآخر لأنّه لم تخص الفاعلية بزيد بالقيام ولا مفعولية القيام بزيد، وإن لزم اختصاص القيام بزيد لكنه ليس اختصاص جزء بجزء بل صفة بموصوف لا من حيث الجزئية للكلام. فتقييد البعض التعريف بقوله بطريق معهود نحو العطف والاستثناء ونحوهما للاحتراز عن مثل ذلك محلّ تأمّل. وهو قسمان حقيقي وغير حقيقي. ولما كان الحقيقي قد يطلق على ما يقابل المجازي وقد يطلق على ما يقابل الإضافي كما يقال الصفة إمّا حقيقية أو إضافية وقع الاختلاف فيما بينهم فاختار البعض أنّ المراد من غير الحقيقي وهو المجازي لأنّ تخصيص الشيء بالشيء على معنى أنّه لا يتجاوزه إلى غيره أصلا إنّما يسمّى قصرا وتخصيصا حقيقيا لأنّه حقيقة التخصيص المنافية للاشتراك، ولذلك يتبادر هذا المعنى عند إطلاق التخصيص وما في معناه. وأمّا تخصيص الشيء بآخر على معنى أنّه لا يتجاوزه إلى بعض ما عداه فهو معنى مجازي للتخصيص غير مناف للاشتراك، ولذلك يحتاج في فهمه إلى قرينة فسمّي تخصيصا غير حقيقي، وفيه أنّ القصر الادّعائي يجب أن يدخل في غير الحقيقي مع أنّ الإثبات لشيء والسلب عن جميع ما عداه ادّعاء داخل في القصر الحقيقي، ولذا اختار البعض أنّ المراد من غير الحقيقي هو الإضافي وفيه أنّ القصر مطلقا إضافي. فالحقيقي بالإضافة إلى جميع ما عدا الشيء وغير الحقيقي بالإضافة إلى بعضه، فالحقيقي بأي معنى يعبّر لا يخلو عن شوب إلّا أن يدعى أنّه اصطلاح من القوم. فإن قلت تقسيم القصر إلى الحقيقي والمجازي يستلزم استعمال القصر في المعنى الحقيقي والمجازي معا. قلت المراد بالحقيقي ما يكون حقيقة بالنسبة إلى اللغة وكذا بالمجازي، وإلّا فالقصر المقسم له معنى اصطلاحي يندرج فيه كلا القسمين حقيقة. ثم إنّ كلّا من الحقيقي وغير الحقيقي نوعان: قصر الموصوف على الصفة المعنوية وقصر الصفة المعنوية على الموصوف، والفرق بينهما أنّ معنى الأول أنّ الموصوف ليس له غير تلك الصفة، لكن تلك الصفة يجوز أن تكون حاصلة لموصوف آخر ويجوز أن لا تكون حاصلة له، ومعنى الثاني أنّ تلك الصفة ليست إلّا لذلك الموصوف، لكن يجوز أن يكون لذلك الموصوف صفات ويجوز أن لا يكون له صفة سواها، والأوّل من الحقيقي نحو ما زيد إلّا كاتب إذا أريد أنّه لا يتّصف بغيرها، وهو لا يكاد يوجد لتعذّر الإحاطة بصفات الشيء.
والثاني كثير نحو ما في الدار إلّا زيد على معنى أنّ الكون في الدار مقصور على زيد، ونحو لا إله إلّا الله، وقد يقصد به أي بالثاني المبالغة لعدم الاعتداد بغير المذكور كما يقصد بالمثال المذكور أنّ جميع من في الدار ممن عدا زيد في حكم المعدوم، ويكون هذا قصرا حقيقيا ادّعائيا لا قصرا غير حقيقي. فالحقيقي نوعان:
حقيقي تحقيقا وحقيقي مبالغة وادّعاء، ويمكن أن يعتبر هذا في قصر الموصوف على الصفة أيضا بناء على عدم الاعتداد بباقي الصفات.
والفرق بين الحقيقي الادّعائي والإضافي في موارد الاستعمال دقيق كثيرا ما يلتبس أحدهما بالآخر، فليتأمّل السامع الذكي لئلّا يخبط، لا أنّ بين مفهوميهما دقّة وخفاء كما وهم البعض.

والأول من غير الحقيقي نحو: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ أي أنّه مقصور على الرسالة لا يتعدّاها إلى التبرّؤ من الموت استعظموه الذي هو من شأن الإله. والثاني منه نحو: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً الآية، فإنّه ليس الغرض الحصر الحقيقي بل الرّدّ على الكفّار الذين كانوا يحلّون الميتة والدّم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به وكانوا يحرّمون كثيرا من المباحات. ثم اعلم أنّ كلّا من قصر الموصوف على الصفة وقصر الصفة على الموصوف ضربان لأنّه إمّا تخصيص أمر بصفة دون أخرى أو مكان أخرى، وإمّا تخصيص صفة بأمر دون أمر آخر أو مكان أمر آخر. والمخاطب بالضرب الأول من كلّ منهما من يعتقد الشركة أي شركة صفتين أو أكثر في موصوف واحد في قصر الموصوف على الصفة، وشركة موصوفين أو أكثر في صفة واحدة في العكس ويسمّى هذا القصر قصر أفراد لقطع الشركة، نحو إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ خوطب به من يعتقد اشتراك الله والأصنام في الألوهية. والمخاطب بالضرب الثاني من كلّ منهما من يعتقد العكس ويسمّى قصر قلب لقلب حكم المخاطب نحو: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ خوطب به نمرود الذي اعتقد أنّه المحيي والمميت دون الله، أو تساويا عنده ويسمّى قصر تعيين لتعيينه ما هو غير معيّن عند المخاطب كقولك ما زيد إلّا قائم لمن يعتقد أنّه إمّا قائم أو قاعد ولا يعرفه على التعيين، وما شاعر إلّا زيد لمن يعتقد أنّ الشاعر إمّا زيد أو عمرو من غير أن يعلمه على التعيين. قال المحقّق التفتازاني هذا التقسيم لا يجري في القصر الحقيقي إذ العاقل لا يعتقد اتصاف أمر بجميع الصفات ولا اتّصافه بجميع الصفات غير صفة واحدة ولا يردّده أيضا بين ذلك، وكذلك لا يعتقد اشتراك صفة بين جميع الأمور لا ثبوتها للجميع غير واحد ولا يردّدها أيضا بين الجميع. قال صاحب الأطول وفيه نظر لأنّ القصر الحقيقي يصحّ أن يكون لردّ اعتقاد أنّ في الدار زيدا مع إنسان ما، فيقال في ردّه ما في الدار إلّا زيد لأنّه لا بد لنفي إنسان ما من عموم النفي كما لا يخفى لصحّة قولنا ما في البلد من غلمانه إلّا زيد لمن اعتقد أنّ جميع غلمانه في البلد، أو يردّد المسند بين غلمانه أو يجعل المسند لما سوى زيد من غلمانه؛ على أنّه لا مانع من ردّ اعتقاد الشركة بالقصر فيكون قصر أفراد وقلب اعتقاده به فيكون قصر قلب والتعيين به. كذلك نعم لا يجب أن يكون المخاطب به واحدا من هؤلاء بل يحتمل أن يكون خالي الذهن. ومن بدائع قصر القلب ما تريد به الشركة فكان كالجامع للقصر ونقيضه إذ القصر قد يكون لقطع الشركة ولا يكون للشركة فيكون الكلام معه كالجامع بين المتنافيين، وفيه السحر الواضح الذي يوجب الحسن والتزيين كقوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا فإنّه قدّم للناس للتخصيص وقصر القلب وذلك إنّما يتحقّق بجعل الناس للاستغراق أي لجميع الناس لا لبعضهم، ردّا لاعتقاد من ادّعى أنّه نبيّ العرب فقط، فصار بذلك القصر رسالته مشتركة بين الناس منتقلا من الخصوص إلى العموم، وهذا من دقائق القصر انتهى.
فائدة:
في الإتقان قد يفهم كثير من الناس من الاختصاص الحصر وليس كذلك وإنّما الاختصاص شيء والحصر شيء آخر، والفرق بينهما أنّ الحصر نفي غير المذكور وإثبات المذكور والاختصاص قصد الخاص من جهة خصوصه. بيان ذلك أنّ الاختصاص افتعال من الخصوص والخصوص مركّب من شيئين أحدهما عام مشترك بين شيئين أو أشياء والثاني معنى منضمّ إليه يفصله عن غيره كضرب زيد فإنّه أخصّ من مطلق الضرب. فإذا قلت ضربت زيدا أخبرت بضرب عام وقع منك على شخص خاص فصار ذلك الضرب المخبر به خاصا لما انضم إليه منك وعلى زيد، وهذه المعاني الثلاثة أعني مطلق الضرب، وكونه وقعا منك وكونه واقعا على زيد قد يكون قصد المتكلّم لها ثلاثتها على السواء، وقد يترجّح قصده لبعضها على بعض ويعرف ذلك بما ابتدأ به كلامه، فإنّ الابتداء بالشيء يدلّ على الاهتمام به وأنّه هو الأرجح في غرض المتكلّم، فإذا قلت زيدا ضربت علم أنّ خصوص الضرب على زيد هو المقصود، ولا شكّ أنّ كلّ مركّب من خاصّ وعام له جهتان، فقد يقصد من جهة عمومه وقد يقصد من جهة خصوصه، والثاني هو الاختصاص وأنّه هو الأهم عند المتكلّم وهو الذي قصد إفادته السامع من غير تعرّض ولا قصد لغيره بإثبات ولا نفي، ففي الحصر معنى زائد عليه وهو نفي ما عدا المذكور.
القصر
يستخدم القرآن ألوانا من القصر، عند ما يراد إثبات الحكم لمذكور ونفيه عما عداه، فقد يقصر صفة على موصوف قصرا حقيقيّا، بحيث لا يتصف بهذه الصفة إلا ذلك الموصوف وحده، كما تجده في قوله سبحانه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (محمد 19)، وقوله سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة 4، 5). وقد لا يريد هذا الحصر الحقيقى بل يبغى إثبات الحكم لموصوفات يعتقد اتصافها بغير هذه الصفة، كما في قوله تعالى:
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (الأنعام 145)، فليس الطعام المحرم هو ما ذكر في تلك الآية فحسب بدليل آية المائدة وإنما ذكرت تلك المحرمات هنا في معرض الرد على من كان يعتقد حلها.
وقد يقصر موصوفا على صفة، ولم يرد في القرآن هذا القصر حقيقيا، ومما ورد منه إضافيّا قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (آل عمران 144)، فليس المراد هنا قصر محمد على الرسالة فحسب، بحيث لا يتعداها إلى غيرها، بل المراد أن محمدا مقصور على الرسالة، لا يتعداها إلى الخلوص من الموت الذى استعظموا أن يلم به.
وقد تتجسم صفة من صفات الشيء، حتى تطغى على ما سواها، وحتى كأن الموصوف قد خلص لها فلم يعد متصفا بغيرها، فيصح قصره عليها، كما في قوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (الأنعام 32).
ويخاطب القرآن بأسلوب القصر من يعتقد الشركة، فيثبت القرآن بهذا الأسلوب الحكم لواحد وينفيه عن غيره، كما في قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (المائدة 73).
وقد يقلب به ما يعتقده المخاطب، كما ترى ذلك في قوله سبحانه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (البقرة 13)، فقد كان المنافقون، كما ترى، يعتقدون أن المؤمنين سفهاء دونهم.
واستخدم القرآن من طرق القصر (ما وإلا)، وهى أقوى أدواته لما فيها من وضوح معنى القصر، ولذا تستخدم في الأمور التى هى مجال الشك والإنكار، نجد ذلك في قوله سبحانه: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (النمل 47)، ألا ترى أن الظالمين يخاطبون بذلك قوما آمنوا، وينكرون دعوى سحر الرسول.
وقوله سبحانه: وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً (النمل 6)، فالتخويف يبعث فى النفس الشك في أنهم ينصرفون عن كفرهم، فكان ثمة مدعاة لتأكيد زيادة طغيانهم.
وقوله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (الإسراء 82)، فهذا القرآن الذى هو شفاء ورحمة، مجال لشك النفس في أنه خسار للظالمين، فكان المجال مجال تأكيد ذلك بما وإلا.
فإذا جاء أمر من الأمور المسلم بها بالنفى والإثبات، فذلك لتقدير أمر صار به فى حكم المشكوك فيه، كقوله سبحانه: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (فاطر 22، 23)، فالمجيء هنا بالنفى والإثبات لأن النبى قد خوطب خطاب من يظن أنه يستطيع أن يحول قلوب المشركين عما هى عليه من الإباء والعناد، ولا يعلم علم اليقين أن ليس في وسعه شىء أكثر من التحذير والإنذار، فجرى الأسلوب كما يجرى في خطاب الشاك، فقيل: «إن أنت إلا نذير».
وكقوله تعالى: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (الأعراف 188)، فهو يخاطب قوما يرون في الرسول مخلوقا قد يملك لنفسه الضر والنفع، ويعلم الغيب، فكان من المناسب، وتلك حالهم، أن يأتى من أدوات القصر بالنفى والاستثناء، يزيل بها بذور الشك من نفوس سامعيه.
وكقوله تعالى: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ (إبراهيم 10، 11).
فإن هؤلاء المشركين «جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشرا مثلهم، وادعوا أمرا لا يجوز أن يكون لمن هو بشر، ولما كان الأمر كذلك أخرج اللفظ مخرجه حيث يراد إثبات أمر يدفعه المخاطب ويدعى خلافه، ثم جاء الجواب من الرسل الذى هو قوله تعالى: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ (إبراهيم 11). كذلك بإن وإلا دون إنما، لأن من حكم من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه، أن يعيد كلام الخصم على وجهه، ويجيء به على هيئته، ويحكيه كما هو» .
ويجيء النفى والاستثناء أيضا لبيان تأكيد الأمر في نفس قائله، كما في قوله سبحانه: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء 52). فهذا تعبير صادق لشعور المبعوثين يوم القيامة، بأنه ما انقضى عليهم منذ وفاتهم سوى أمد يسير.
كما يجيء للإجابة عن سؤال محقق أو مقدر لتأكيد لهذا الجواب، كما في قوله سبحانه: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ (المائدة 116، 117).
واستخدم إنما، والأصل فيها أن تأتى في الأمور التى يدعى أنها من الوضوح بمكان، قال تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (التوبة 91 - 93). ألا ترى أنه من الوضوح بمكان مؤاخذة هؤلاء الأغنياء القادرين على المساهمة في الجهاد، ثم يستأذنون راضين بأن يكونوا مع الخوالف. واقرأ قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (الأنفال 2). فواضح بين أن المؤمنين ليسوا سوى هؤلاء الذين تخاف قلوبهم إذا ذكروا الله، ويزدادون إيمانا إذا تليت عليهم آياته ويتوكلون على ربهم.
ولأنها تستخدم في الأمور الواضحة جاء قوله تعالى حكاية عن اليهود: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (البقرة 11). فقد ادعوا أن إصلاحهم أمر واضح لا يحتاج إلى دليل، ولذا احتوى الرد عليهم فنونا من التوكيد، إذ قال سبحانه: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (البقرة 12). وكذلك حكى القرآن عنهم في موضع آخر فقال: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (البقرة 14)، فهم يدعون لشياطينهم أن استهزاءهم بالمؤمنين من الأمور التى لا مجال للريب فيها، ولا تكون مبعثا لسوء ظن شياطينهم فيهم.
وقد تجىء إنما في موضع هو مجال للشك أو الإنكار كما في قوله تعالى:
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (الشعراء 153)، فهم يخاطبون الرسول الذى ينكر ولا ريب هذا الحكم، ولكنهم أتوا بتلك الصيغة، كأنهم يدعون وضوح أنه مسحور لا ينطق عن عقل واع مفكر.
قال عبد القاهر : «ثم اعلم أنك إذا استقريت وجدتها أقوى ما تكون وأعلق ما ترى بالقلب، إذا كان لا يراد بالكلام بعدها نفس معناه، ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه، نحو أنا نعلم أن ليس الغرض من قوله تعالى: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (الزمر 9)، أن يعلم السامعون ظاهر معناه، ولكن أن يذم الكفار، وأن يقال إنهم من فرط العناد ومن غلبة الهوى عليهم، فى حكم من ليس بذى عقل وإنكم إذا طمعتم منهم في أن ينظروا ويتذكروا، كنتم كمن طمع في ذلك من غير أولى الألباب، وكذلك قوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (النازعات 45)، وقوله عز اسمه: إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ (فاطر 18)، المعنى على أن من لم تكن له هذه الخشية فهو كأنه ليس له أذن تسمع، وقلب يعقل، فالإنذار معه كلا إنذار».
وإنما في مقام التعريض وسيلة مؤدبة مؤثرة معا فضلا عن إيجازها. أما إنها مؤدبة فلأنها تصل إلى الغرض من غير أن تذكر الطرف المقابل، ومؤثرة من ناحية أنك توحى بأن ترك التصريح بما يخالف ما أثبته هو من الوضوح بمكان، كما أن الاكتفاء بالمثبت يوحى أحيانا بأنه لا يليق أن يوازن بين ما أثبت وما نفى.
ويغلب على إنما في القرآن أن تكون بمثابة الجواب عن سؤال يقتضيه السياق قبلها صريحا أو ضمنا ، يكثر في الصريح سبقها بمادة القول، كما في قوله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (الأعراف 187). ومن السؤال الضمنى قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (التوبة 58 - 60).
وقل أن تستخدم أنما مفتوحة الهمزة وسيلة للقصر في القرآن، كقوله تعالى:
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (الأنبياء 108). فالآية الكريمة تقصر الوحى على وحدانية الله، والقصر هنا إضافى لا حقيقى.
ويفيد التقديم الحصر في مواضع كثيرة، كما سبق أن ذكرنا، ومن أظهر ما يبدو فيه الحصر للتقديم مواضع الاستفهام، وخذ لذلك مثلا قوله تعالى:
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (الزخرف 40)، فمعنى الآية أأنت بخاصة قد أوتيت قدرة إسماع الصم وهداية العمى، وقوله تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأنعام 14). وقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (الأنعام 40، 41). ففي الآية الأولى اتجه الإنكار إلى اتخاذ غير الله وليا، وفي الآية الثانية لا يسألون عن مطلق الدعاء، ولكن عن دعاء غير الله، بإفراده بالدعاء أو بإشراكه مع الله، فقد حصل بالتقديم معنى قولك أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ وليا؟! ومعنى قولك أيكون غير الله بمثابة أن يكون موضعا لدعائكم. وكذلك الحكم في قوله تعالى: فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ (القمر 24).
ومن وسائل القصر في القرآن الكريم ضمير الفصل ، وقد سبق بيان ذلك في باب التوكيد.
وتعريف طرفى الجملة وسيلة للقصر أيضا، وكثيرا ما يذكر بين الطرفين ضمير الفصل كما في قوله تعالى: لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (الحشر 20)، وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (البقرة 5). وضمير الفصل في هذا ومثله يجعل ما بعده خالصا لأن يكون خبرا. 

الكلام

Entries on الكلام in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الكلام: إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك بنحو من إنحاء الإظهار. والكلام علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام.وفي اصطلاح النحاة: المعنى المركب الذي فيه الإسناد التام وعبر عنه بأنه ما تضمن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته.وقالت المعتزلة: هو حقيقة في اللسان.وقال الأشعري: مرة في النفساني، واختاره السبكي، ومرة مشترك، ونقله الإمام الرازي عن المحققين.
الكلام:
[في الانكليزية] Talk ،speech ،speaking
[ في الفرنسية] Parole ،propos ،dire ،langage discours
بالفتح في الأصل شامل لحرف من حروف المباني والمعاني ولأكثر منها. ولذا قيل الكلام ما يتكلّم به قليلا كان أو كثيرا، واشتهر في عرف أهل اللغة في المركّب من الحرفين فصاعدا، وهو المراد في الجلالي أنّ أدنى ما يقع اسم الكلام عليه المركّب من حرفين، وفيه إشعار بما هو المشهور أنّ الحرف هو الصوت المكيّف، لكن في المحيط أنّ الصوت والحرف كلّ منهما شرط الكلام، إذ لا يحصل الإفهام إلّا بهما كما قال الجمهور. وذهب الكرخي ومن تابعه مثل شيخ الإسلام إلى أنّ الصوت ليس بشرط في حصول الكلام. فلو صحح المصلي الحروف بلا إسماع لم يفسد الصلاة إلّا عند الكرخي وتابعيه هكذا في جامع الرموز في بيان مفسدات الصلاة. وقال الأصوليون الكلام ما انتظم من الحروف المسموعة المتواضع عليها الصادرة عن مختار واحد، والحروف فصل عن الحرف الواحد فإنّه لا يسمّى كلاما، والمسموعة فصل المكتوبة والمعقولة، والمتواضع عليها من المهمل والصادرة الخ. عن الصادر من أكثر من واحد كما لو صدر بعض الحروف عن واحد والبعض من آخر، ويخرج الكلام الذي على حرف واحد مثل ق ور، اللهم إلّا أن يراد أعم من الملفوظة والمقدّرة، هكذا في بعض كتب الأصول. وفي العضدي أنّ أبا الحسين عرّف الكلام بأنّه المنتظم من الحروف المتميّزة المتواضع عليها. قال المحقق التفتازاني والمتميّزة احتراز عن أصوات الطيور، ولمّا لم تكن المكتوبة حروفا حقيقة ترك قيد المسموعة، وفوائد باقي القيود بمثل ما مرّ ومرجع هذا التفسير إلى الأول، لكن في إخراج أصوات الطيور بقيد المتميّزة نظرا إذ أصوات الطيور غير داخلة في الحرف لأنّ التمييز معتبر في ماهية الحروف على ما مرّ في محله.

التقسيم:
مراتب تأليف الكلام خمس. الأول ضمّ الحروف بعضها إلى بعض فتحصل الكلمات الثلاث الاسم والفعل والحرف. الثاني تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض فتحصل الجمل المفيدة، وهذا هو النوع الذي يتداوله الناس جميعا في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم، ويقال له المنثور من الكلام. الثالث ضمّ بعض ذلك إلى بعض ضما له مباد ومقاطع ومداخل ومخارج، ويقال له المنظوم. الرابع أن يعتبر في أواخر الكلم مع ذلك تسجيع ويقال له المسجّع.
الخامس أن يجعل له مع ذلك وزن ويقال له الشعر والمنظوم إمّا مجاورة ويقال له الخطابة وإمّا مكاتبة ويقال له الرسالة. فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام كذا في الاتقان في بيان وجوه إعجاز القرآن. وقال النحاة الكلام لفظ تضمّن كلمتين بالإسناد ويسمّى جملة ومركّبا تاما أيضا أي يكون كلّ واحدة من الكلمتين حقيقة كانتا أو حكما في ضمن ذلك اللفظ، فالمتضمّن اسم فاعل هو المجموع والمتضمّن اسم مفعول كلّ واحدة من الكلمتين فلا يلزم اتحادهما، فاللفظ يتناول المهملات والمفردات والمركّبات، وبقيد تضمّن كلمتين خرجت المهملات والمفردات، وبقيد الإسناد خرجت المركّبات الغير الإسنادية من المركّبات التي من شأنها أن لا يصحّ السكوت عليها، نحو: عارف زيد على الإضافة وزيد العارف على الوصفية وزيد نفسه على التوكيد فإنّها لا تسمّى كلاما ولا جملة، وهذا عند من يفسّر الإسناد بضمّ إحدى الكلمتين إلى الأخرى بحيث يفيد السامع. وأمّا عند من يفسّره بضمّ أحدهما إلى الأخرى مطلقا فيقال المراد بالإسناد عنده هاهنا الإسناد الأصلي، وحيث كانت الكلمتان أعمّ من أن تكونا كلمتين حقيقة أو حكما دخل في التعريف مثل زيد أبوه قائم أو قام أبوه أو قائم أبوه فإنّ الأخبار فيها وإن كانت مركّبات لكنها في حكم المفردات، أعني قائم الأب ودخل فيه أيضا جسق مهمل وديز مقلوب زيد مع أنّ المسند إليه فيهما مهمل ليس بكلمة فإنّه في حكم هذا اللفظ. ثم إنّ هذا التعريف ظاهر في أنّ ضربت زيدا قائما بمجموعة كلام بخلاف كلام صاحب المفصّل حيث قال: الكلام هو المركّب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى فإنّه صريح في أنّ الكلام هو ضربت، والمتعلّقات خارجة عنه، ثم اعلم أنّ صاحب المفصّل وصاحب اللباب ذهبا إلى ترادف الكلام والجملة، وظاهر هذين التعريفين يدلّ على ذلك، لكن الاصطلاح المشهور على أنّ الجملة أعمّ من الكلام مطلقا لأنّ الكلام ما تضمّن الإسناد الأصلي وكان إسناده مقصودا لذاته، والجملة ما تضمّن الإسناد الأصلي سواء كان إسناده مقصودا لذاته أولا، فالمصدر والصفات المسندة إلى فاعلها ليست كلاما ولا جملة لأنّ إسنادها ليست أصلية، والجملة الواقعة خبرا أو وصفا أو حالا أو شرطا أو صلة ونحو ذلك مما لا يصحّ السكوت عليها جملة وليست بكلام لأنّ إسنادها ليس مقصودا لذاته. هذا كله خلاصة ما في شروح الكافية والمطوّل في تعريف الوصل والوافي وغيرها.

التقسيم:
اعلم أنّ الحذّاق من النحاة وغيرهم وأهل البيان قاطبة على انحصار الكلام في الخبر والإنشاء وأنّه ليس له قسم ثالث. وادّعى قوم أنّ أقسام الكلام عشرة: نداء ومسئلة وأمر وتشفّع وتعجّب وقسم وشرط ووضع وشك واستفهام. وقيل تسعة بإسقاط الاستفهام لدخوله في المسألة. وقيل ثمانية بإسقاط التشفّع لدخوله فيها. وقيل سبعة بإسقاط الشكّ لأنّه من قسم الخبر. وقال الأخفش هي ستة: خبر واستخبار وأمر ونهي ونداء وتمنّ. وقال قوم أربعة خبر واستخبار وطلب ونداء. وقال كثيرون ثلاثة خبر وطلب وإنشاء، قالوا لأنّ الكلام إمّا أن يحتمل التصديق والتكذيب أو لا. الأول الخبر والثاني إن اقترن معناه بلفظه فهو الإنشاء وإن لم يقترن بلفظه بل تأخّر عنه فهو الطلب. والمحقّقون على دخول الطلب في الإنشاء وإنّ معنى اضرب وهو طلب الضرب مقترن بلفظه، وأمّا الضرب الذي يوجد بعد ذلك فهو متعلّق الطلب لا نفسه.

وقال بعض من جعل الأقسام ثلاثة: الكلام إن أفاد بالوضع طلبا فلا يخلو إمّا أن يطلب ذكر الماهية أو تحصيلها أو الكفّ عنها. الأول الاستفهام والثاني الأمر والثالث النهي. وإن لم يفد طلبا بالوضع فإن لم يحتمل الصدق والكذب يسمّى تنبيها وإنشاء لأنّك نبّهت به على مقصودك وأنشأته أي ابتكرته من غير أن يكون موجودا في الخارج، سواء أفاد طلبا باللازم كالتمنّي والترجّي والنداء والقسم أولا، كأنت طالق، وإن احتملهما من حيث هو فهو الخبر كذا في الاتقان. وسيأتي ما يتعلّق بهذا في لفظ المركّب، وسمّى ابن الحاجب في مختصر الأصول غير الخبر بالتنبيه وأدخل فيه الأمر والنّهي والتمنّي والترجّي والقسم والنّداء والاستفهام. قال المحقّق التفتازاني هذه التسمية غير متعارف.
فائدة:
الكلام في العرف اللغوي لا يشتمل الحرف الواحد وفي العرف الأصولي لا يشتمل المهمل وفي العرف النحوي لا يشتمل الكلمة والمركّبات الغير التامة كما لا يخفى، فكل معنى أخصّ مطلقا مما هو قبله، والمعنى الأول أعمّ مطلقا من الجميع. اعلم أنّه لا اختلاف بين أرباب الملل والمذاهب في كون البارئ تعالى متكلّما إنّما الاختلاف في معنى كلامه وفي قدمه وحدوثه، وذلك لأنّ هاهنا قياسين متعارضين أحدهما أنّ كلام الله تعالى صفة له، وكلما هو كذلك فهو قديم فكلام الله تعالى قديم. وثانيهما أنّ كلامه تعالى مؤلّف من أجزاء مترتّبة متعاقبة في الوجود، وكلما هو كذلك فهو حادث، فكلامه تعالى حادث، فافترق المسلمون إلى فرق أربع. ففرقتان منهم ذهبوا إلى صحّة القياس الأول وقدحت واحدة منهما في صغرى القياس الثاني وقدحت الأخرى في كبراه.
وفرقتان أخريان ذهبوا إلى صحّة الثاني وقدحوا في إحدى مقدمتي الأول. فالحنابلة صحّحوا القياس الأول ومنعوا كبرى الثاني وقالوا كلامه حرف وصوت يقومان بذاته وإنّه قديم، وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم بالجهل الجلد والغلاف قديمان. والكرّامية صحّحوا القياس الثاني وقدحوا في كبرى الأول وقالوا كلامه حروف وأصوات وسلّموا أنها حادثة لكنهم زعموا أنّها قائمة بذاته تعالى لتجويزهم قيام الحوادث بذاته تعالى. والمعتزلة صحّحوا الثاني وقدحوا في كبرى الأول وقالوا كلامه حروف وأصوات لكنها ليست قائمة بذاته تعالى بل يخلقها الله تعالى في غيره كاللوح المحفوظ أو جبرئيل أو النبي وهو حادث. والأشاعرة صحّحوا القياس الأول ومنعوا صغرى الثاني وقالوا كلامه ليس من جنس الأصوات والحروف بل هو معنى قائم بذاته تعالى قديم مسمّى بالكلام النفسي الذي هو مدلول الكلام اللفظي الذي هو حادث وغير قائم بذاته تعالى قطعا، وذلك لأنّ كلّ من يأمر وينهي ويخبر يجد من نفسه معنى ثم يدلّ عليه بالعبارة أو الكتابة أو الإشارة وهو غير العلم إذ قد يخبر الإنسان عمّا لا يعلم بل يعلم خلافه، وغير الإرادة لأنّه قد يأمر بما لا يريده كمن أمر عبده قصدا إلى إظهار عصيانه وعدم امتثاله لأوامره ويسمّى هذا كلاما نفسيا على ما أشار إليه الأخطل بقوله:
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما جعل اللسان على الفؤاد دليلا.

وقال عمر رضي الله عنه: إنّي زورت في نفسي مقالة. وكثيرا ما تقول لصاحبك إنّ في نفسي كلاما أريد أن أذكره لك. فلما امتنع اتصافه تعالى باللفظي لحدوثه تعيّن اتصافه بالنفسي إذ لا. اختلاف في كونه متكلّما.
وبالجملة فما يقوله المعتزلة وهو خلق الأصوات والحروف وحدوثها فالأشاعرة معترفون به ويسمّونه كلاما لفظيا. وما يقوله الأشاعرة من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته ولو سلّموه لم ينفوا قدمه فصار محلّ النزاع بينهم وبين الأشاعرة نفي المعنى النفسي وإثباته. فأدلتهم الدالة على حدوث الألفاظ إنّما تفيدهم بالنسبة إلى الحنابلة، وأمّا بالنسبة إلى الأشاعرة فيكون نصبا للدليل في غير محلّ النزاع، كذا في شرح المواقف وتمام التحقيق قد سبق في لفظ القرآن.
وقال الصوفية الكلام تجلّي علم الله سبحانه باعتبار إظهاره إيّاه، سواء كانت كلماته نفس الأعيان الموجودة أو كانت المعاني التي يفهمها عباده إمّا بطريق الوحي أو المكالمة أو أمثال ذلك لأنّ الكلام لله تعالى في الجملة صفة واحدة نفسية، لكن لها جهتين: الجهة الأولى على نوعين. النوع الأول أن يكون الكلام صادرا عن مقام العزّة بأمر الألوهية فوق عرش الربوبية وذلك أمره العالي الذي لا سبيل إلى مخالفته، لكن طاعة الكون له من حيث يجهله ولا يدريه، وإنّما الحقّ سبحانه يسمع كلامه في ذلك المجلى عن الكون الذي يريد تقدير وجوده، ثم يجري ذلك الكون على ما أمره به عناية منه ورحمة سابقة ليصحّ للوجود بذلك اسم الطاعة فتكون سعيدا. وإلى هذا أشار بقوله في مخاطبته للسماء والأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فحكم للأكوان بالطاعة تفضّلا منه، ولذلك سبقت رحمته غضبه.
والمطيع مرحوم فلو حكم عليها بأنّها أتت مكرهة لكان ذلك الحكم عدلا إذ القدرة تجبر الكون على الوجود إذ لا اختيار للمخلوق ولكان الغضب حينئذ أسبق إليه من الرحمة لكنه تفضّل فحكم لها بالطاعة، فما ثمّ عاص له من حيث الجملة في الحقيقة، وكلّ الموجودات مطيعة له تعالى ولهذا آل حكم النّار إلى أن يضع الجبّار فيها قدمه فيقول قط قط فتــزول وينبت في محلّها شجر الجرجير كما ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأمّا النوع الثاني منها فهي الصادرة من مقام الربوبية بلغة الأنس بينه وبين خلقه كالكتب المنزّلة على أنبيائه والمكالمات لهم ولمن دونهم من الأولياء، ولذلك وقعت الطاعة والمعصية في الأوامر المنزّلة في الكتب من المخلوق لأنّ الكلام صدر بلغة الأنس، فهم في الطاعة كالمخيرين أعني جعل نسبة اختيار الفعل إليهم ليصحّ الجزاء في المعصية بالعذاب عدلا، ويكون الثواب في الطاعة فضلا لأنّه جعل نسبة الاختيار إليهم بفضله ولم يكن ذلك إلّا بجعله لهم، وما جعل ذلك إلّا لكي يصحّ لهم الثواب، فثوابه فضل وعقابه عدل. وأمّا الجهة الثانية فاعلم أنّ كلام الحقّ نفس أعيان الممكنات، وكلّ ممكن كلمة من كلماته، ولذا لا نفود للممكن. قال تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ الآية، فالممكنات هي كلمات الحقّ سبحانه وذلك لأنّ الكلام من حيث الجملة صورة لمعنى في علم المتكلّم، أراد المتكلّم بإبراز تلك الصورة فهم السامع ذلك المعنى، فالموجودات كلمات الله تعالى وهي الصورة العينية المحسوسة والمعقولة الوجودية، وكلّ ذلك صور المعاني الموجودة في علمه وهي الأعيان الثابتة. وإن شئت قلت حقائق الأشياء.
وإن شئت قلت ترتيب الألوهية. وإن شئت قلت بساطة الوحدة. وإن شئت قلت تفصيل الغيب.

موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ج 2 1374 فائدة: ..... ص: 1372

إن شئت قلت ترتيب الألوهية. وإن شئت قلت بساطة الوحدة. وإن شئت قلت تفصيل الغيب.
وإن شئت قلت صور الجمال. وإن شئت قلت آثار الأسماء والصفات. وإن شئت قلت معلومات الحقّ. وإن شئت قلت الحروف العاليات، فكما أنّ المتكلّم لا بدّ له في الكلام من حركة إرادية للتكلّم ونفس خارج بالحروف من الصّدر الذي هو غيب إلى ظاهر الشفة، كذلك الحقّ سبحانه في إبرازه لخلقه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة يريد أولا ثم تبرزه القدرة، فالإرادة مقابلة للحركة الإرادية التي في نفس المتكلّم، والقدرة مقابلة للنفس الخارج بالحروف من الصّدر إلى الشفة لأنّها تبرز من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وتكوين المخلوق مقابل لتركيب الكلمة على هيئة مخصوصة في نفس المتكلّم، كذا في الإنسان الكامل.

الكمال

Entries on الكمال in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الكمال: الانتهاء إلى غاية ليس وراءها مزيد من كل وجه، ذكره الحرالي. وقال ابن الكمال: كمال الشيء حصول ما فيه الغرض منه.
الكمال:
[في الانكليزية] Perfection
[ في الفرنسية] perfection
بالفتح وتخفيف الميم عند الحكماء يطلق على معنيين. أحدهما الحاصل بالفعل سواء كان مسبوقا بالقوة كما في حركات الحيوانات أو غير مسبوق بها كما في الكمالات الدائمة الحصول كالكمالات الحاصلة للعقول والحركات الأزلية الحاصلة للأفلاك على رأيهم، وسواء كان دفعا كما في الكون أو تدريجا كما في الحركة، وسواء كان لائقا بما حصل فيه أو لم يكن.
وإنّما سمّي الحاصل بالفعل كمالا لأنّ في القوة نقصانا والفعل تمام بالقياس إليها وهذه التسمية لا تقتضي سبق القوة بل يكفيها تصوّرها وفرضها، وبهذا المعنى يقال الكمال خروج الشيء من القوة إلى الفعل. وثانيهما الحاصل بالفعل اللائق بما حصل فيه وهذا المعنى أخصّ من الأول لاعتبار قيد اللّياقة فيه دون الأول، وبهذا المعنى وقع الكمال في تعريف النفس، وبهذا المعنى قيل الكمال ما يتمّ به الشيء إمّا في ذاته ويسمّى كمالا أوّلا ومنوعا إذ به يصير الشيء نوعا بالفعل وهو الفصول والصور النوعية، وإمّا في صفاته ويسمّى كمالا ثانيا وهو الكمال الذي يلحق الشيء بعد تقوّمه كالعلم وسائر الفضائل، إذ الشيء لا يكمل في الصفات إلّا بها، فالكمال الأوّل يتوقّف عليه الذات والكمال الثاني يتوقّف على الذات، هكذا يستفاد من شرح المواقف والعلمي حاشية شرح هداية الحكمة. وقال المحقّق الطوسي: كلّ ما يكون في شيء بالقوة ثم يخرج عنه إلى الفعل فكان خروجه إلى الفعل أليق بذلك الشيء أن يكون الشيء الذي يخرج من القوة إلى الفعل لا يكون من شأنه أن يخرج بتمامه دفعة، ويسمّى ما يخرج منه إلى الفعل قبل خروج تمامه كمالا أوّلا، وكماله الذي يتوخّاه ويقصده بعد تقدير خروجه إلى الفعل كمالا ثانيا، وبهذا الاعتبار تعرّف الحركة بأنّها كمال أوّل لما هو بالقوة من حيث هو بالقوة. الثاني أن يكون الشيء الذي يخرج إلى الفعل يكون من شأنه أن يخرج بتمامه دفعة فإن كان حصوله لذلك الشيء يجعله نوعا غير ما كان قبل الحصول يسمّى كمالا أوّلا، وما يصدر عنه بعد تنوّعه من حيث هو ذلك النوع كمالا ثانيا. وبهذا الاعتبار تعرّف النفس بأنّها كمال أوّل لجسم طبيعي الخ، والصور التي تحصل للمركّبات وتجعلها أنواعا يمكن أن تــزول عنها لا إلى بدل كصور المعادن والنباتات والحيوانات لا كصور العناصر تسمّى صورا كمالية انتهى. الكمال الصناعي ما يحصل بالصنع والكمال الطبيعي ما لا مدخل للصنع فيه، والكمال الآلي ما يحصل بالآلة، ويجيء في لفظ النفس.

قال الصوفية: للحقّ سبحانه كمالان:
أحدهما، الكمال الذاتي وهو عبارة عن ظهوره تعالى على نفسه بنفسه لنفسه بلا اعتبار الغير والغيرية والغناء المطلق لازم لهذا الكمال الذاتي. ومعنى الغناء المطلق مشاهدته تعالى في نفسه جميع الشئون والاعتبارات الإلهية والكيانية مع أحكامها ولوازمها على وجه كلّي جملي لاندراج الكلّ في بطون الذات ووحدته كاندراج الأعداد في الواحد العددي. وإنّما سمّيت غنى مطلقا لأنّه تعالى بهذه المشاهدة مستغن عن ظهور العالم على وجه التفصيل لا حاجة له في حصول المشاهدة إلى العالم وما فيه لأنّ مشاهدته جميع الموجودات حاصلة له تعالى عند اندراج الكلّ في بطونه ووحدته، وهذه المشاهدة تكون شهودا غيبيا علميا كشهود المفصّل في المجمل والكثير في الواحد، وثانيهما الكمال الأسمائي وهو عبارة عن ظهوره تعالى على نفسه وشهود ذاته في التعيّنات الخارجية أي العالم وما فيه، وهذا الشهود يكون شهودا عيانيا عينيا وجوديا كشهود المجمل في المفصّل والواحد في الكثير. وهذا الكمال من حيث التحقّق والظهور موقوف على وجود العالم على وجه التفصيل كذا في التحفة المرسلة.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.