من بلاد الأندلس.
لابن حمديس: عبد الجبار بن أبي بكر.
المتوفى: سنة 527.
قصر: القَصْرُ والقِصَرُ في كل شيء: خلافُ الطُّولِ؛ أَنشد ابن
الأَعرابي:
عادتْ مَحُورَتُه إِلى قَصْرِ
قال: معناه إِلى قِصَر، وهما لغتان. وقَصُرَ الشيءُ، بالضم، يَقْصُرُ
قِصَراً: خلاف طال؛ وقَصَرْتُ من الصلاة أَقْصُر قَصْراً. والقَصِيرُ: خلاف
الطويل. وفي حديث سُبَيْعَةَ: نزلت سورة النساء القُصْرَى بعد الطُّولى؛
القُصْرَى تأْنيث الأَقْصَر، يريد سورة الطلاق، والطُّولى سورة البقرة
لأَن عِدَّة الوفاة في البقرة أَربعة أَشهر وعشر، وفي سورة الطلاق وَضْعُ
الحمل، وهو قوله عز وجل: وأُولاتِ الأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ
حَمْلَهِنّ. وفي الحديث: أَن أَعرابيّاً جاءه فقال: عَلِّمْني عملاً
يُدْخِلُني الجنّة، فقال: لئن كنتَ أَقْصَرْتَ الخِطْبة لقد أَعْرَضْتَ
المسأَلةَ؛ أَي جئت بالخِطْبةِ قصيرة وبالمسأَلة عريضة يعني قَلَّلْتَ
الخِطْبَةَ وأَعظمت المسأَلة. وفي حديث عَلْقَمة: كان إِذا خَطَبَ في نكاح
قَصَّرَ دون أَهله أَي خَطَبَ إِلى من هو دونه وأَمسك عمن هو فوقه، وقد قَصُرَ
قِصَراً وقَصارَة؛ الأَخيرة عن اللحياني، فهو قَصِير، والجمع قُصَراء
وقِصارٌ، والأُنثى قصِيرة، والجمع قِصارٌ. وقَصَّرْتُه تَقْصِيراً إِذا
صَيَّرْته قَصِيراً. وقالوا: لا وفائتِ نَفَسِي القَصِيرِ؛ يَعْنُون
النَّفَسَ لقِصَرِ وقته، الفائِتُ هنا هو الله عز وجل. والأَقاصِرُ: جمع أَقْصَر
مثل أَصْغَر وأَصاغِر؛ وأَنشد الأَخفش:
إِليكِ ابنةَ الأَغْيارِ، خافي بَسالةَ الـ
ـرِّجالِ، وأَصْلالُ الرِّجالِ أَقاصِرُهْ
ولا تَذْهَبَنْ عَيْناكِ في كلِّ شَرْمَحٍ
طُوالٍ، فإِنَّ الأَقْصَرِينَ أَمازِرُهْ
يقول لها: لا تعيبيني بالقِصَرِ فإِن أَصْلالَ الرجال ودُهاتَهم
أَقاصِرُهم، وإِنما قال أَقاصره على حدّ قولهم هو أَحسنُ الفتيان وأَجْمَله،
يريد: وأَجملهم، وكذا قوله فإِن الأَقصرين أَمازره يريد أَمازِرُهم، وواحدُ
أَمازِرَ أَمْزَرُ، مثل أَقاصِرَ وأَقْصَر في البيت المتقدم، والأَمْزَرُ
هو أَفعل، من قولك: مَزُرَ الرجلُ مَزارة، فهو مَزِيرٌ، وهو أَمْزَرُ
منه، وهو الصُّلْبُ الشديد والشَّرْمَحُ الطويل. وأَما قولهم في المثل: لا
يُطاعُ لقَصِيرٍ أَمرٌ، فهو قَصِيرُ بن سَعْد اللَّخْمِيّ صاحب جَذِيمَة
الأَبْرَشِ. وفرس قَصِيرٌ أَي مُقْرَبَةٌ لا تُتْرَكُ أَن تَرُودَ
لنفاستها؛ قال مالك بن زُغْبة، وقال ابن بري: هو لزُغْبَةَ الباهليّ وكنيته
أَبو شقيق، يصف فرسه وأَنها تُصانُ لكرامتها وتُبْذَلُ إِذا نزلت
شِدَّةٌ:وذاتِ مَناسِبٍ جَرْداءَ بِكْرٍ،
كأَنَّ سَراتَها كَرٌّ مَشيِقُ
تُنِيفُ بصَلْهَبٍ للخيلِ عالٍ،
كأَنَّ عَمُودَه جِذْعٌ سَحُوقُ
تَراها عند قُبَّتِنا قَصِيراً،
ونَبْذُلُها إِذا باقتْ بَؤُوقُ
البَؤُوقُ: الداهيةُ. وباقَتْهم: أَهْلَكَتْهم ودهَتْهم. وقوله: وذاتُ
مَناسب يريد فرساً منسوبة من قِبَلِ الأَب والأُم. وسَراتُها:
أَعلاها.والكَرُّ، بفتح الكاف هنا: الحبل. والمَشِيقُ: المُداوَلُ. وتُنِيفُ:
تُشْرِفُ. والصَّلْهَبُ: العُنُق الطويل. والسَّحُوقُ من النخل: ما طال. ويقال
للمَحْبُوسة من الخيل: قَصِير؛ وقوله:
لو كنتُ حَبْلاً لَسَقَيْتُها بِيَهْ،
أَو قاصِراً وَصَلْتُه بثَوْبِيَهْ
قال ابن سيده: أُراه على النَّسَب لا على الفعل، وجاء قوله ها بيه وهو
منفصل مع قوله ثوبيه لأَن أَلفها حينئذ غير تأْسيس، وإِن كان الروي حرفاً
مضمراً مفرداً، إِلا أَنه لما اتصل بالياء قوي فأَمكن فصله.
وتَقَاصَرَ: أَظْهَرَ القِصَرَ. وقَصَّرَ الشيءَ: جعله قَصِيراً.
والقَصِيرُ من الشَّعَر: خلافُ الطويل. وقَصَرَ الشعرَ: كف منه وغَضَّ حتى
قَصُرَ. وفي التنزيل العزيز: مُحَلِّقِين رُؤُوسَكم ومُقَصِّرينَ؛ والاسم منه
القِصارُ؛ عن ثعلب. وقَصَّرَ من شعره تَقْصِيراً إِذا حذف منه شيئاً ولم
يستأْصله. وفي حديث عمر، رضي الله عنه: أَنه مر برجل قد قَصَّر الشَّعَر
في السوق فعاقَبه؛ قَصَّرَ الشعَرَ إِذا جَزَّه، وإِنما عاقبه لأَن الريح
تحمله فتلقيه في الأَطعمة.وقال الفراء: قلت لأَعرابي بمنى: آلْقِصارُ
أَحَبُّ إِليك أَم الحَلْقُف يريد: التقصيرُ أَحَبُّ إِليك أَم حلق الرأْس.
وإِنه لقَصِير العِلْم على المَثَل.
والقَصْرُ: خلاف المَدِّ، والفعلُ كالفعل والمصدر كالمصدر. والمَقْصُور:
من عروض المديد والرمل ما أُسْقِطَ آخِرُه وأُسْكِنَ نحو فاعلاتن حذفت
نونه وأُسكنت تاؤه فبقي فاعلات فنقل إِلى فاعلان، نحو قوله:
لا يَغُرَّنَّ امْرَأً عَيْشُه،
كلُّ عَيْشٍ صائرٌ للزَّوالْ
وقوله في الرمل:
أَبِلِغِ النُّعمانَ عَنِّي مَأْلُكاً:
انَّنِي قد طالَ حَبْسِي وانْتِظارْ
قال ابن سيده: هكذا أَنشده الخليل بتسكين الراء ولو أَطلقه لجاز، ما لم
يمنع منه مخافةُ إِقواء؛ وقول ابن مقبل:
نازعتُ أَلبابَها لُبِّي بمُقْتَصِرٍ
من الأَحادِيثِ، حتى زِدْنَني لِينا
إِنما أَراد بقَصْر من الأَحاديث فزِدْنَني بذلك لِيناً. والقَصْرُ:
الغاية؛ قاله أَبو زيد وغيره؛ وأَنشد:
عِشْ ما بدا لك، قَصْرُكَ المَوْتُ،
لا مَعْقِلٌ منه ولا فَوْتُ
بَيْنا غِنى بَيْتٍ وبَهْجَتِه،
زال الغِنى وتَقَوَّضَ البَيْتُ
وفي الحديث: من شَهِدَ الجمعة فصَلى ولم يُؤذ أَحداً بقَصْرِه إِن لم
يُغْفَرْ له جُمْعَتَه تلك ذُنوبُه كلُّها أَن تكون كفارتُه في الجمعة التي
تليها أَي غايته. يقال: قَصْرُك أَن تفعل كذا أَي حسبك وكفايتك وغايتك،
وكذلك قُصارُك وقُصارَاك، وهو من معنى القَصْرِ الحَبْسِ لأَنك إِذا بلغت
الغاية حَبَسَتْك، والباء زائدة دخلت على المبتدإِ دُخُولَها في قولهم:
بحسبك قولُ السَّوْءِ، وجمعته منصوبة على الظرف. وفي حديث معاذ: فإِنَّ
له ما قَصَرَ في بيته أَي ما حَبَسَه. وفي حديث أَسماء الأَشْهَلِيَّة:
إِنا مَعْشَرَ النساء، محصوراتٌ مقصوراتٌ. وفي حديث عمر، رضي الله عنه: فإِذا
هم رَكْبٌ قد قَصَر بهم الليلُ أَي حبسهم. وفي حديث ابن عباس: قُصِرَ
الرجالُ على أَربع من أَجل أَموال اليتامى أَي حُبِسُوا أَو منعوا عن نكاح
أَكثر من أَربع. ابن سيده: يقال قَصْرُك وقُصارُك وقَصارُك وقُصَيْراكَ
وقُصارَاكَ أَن تفعل كذا أَي جُهْدُك وغايتُك وآخرُ أَمرك وما اقْتَصَرْتَ
عليه؛ قال الشاعر:
لها تَفِراتٌ تَحْتَها، وقُصارُها
إِلى مَشْرَةٍ لم تُعْتَلَقْ بالمَحاجِنِ
وقال الشاعر:
إِنما أَنْفُسُنا عارِيَّةٌ،
والعَوارِيُّ قُصارَى أَن تُرَدّ
ويقال: المُتَمَنِّي قُصاراه الخَيْبةُ. والقَصْرُ كَفُّك نَفْسَك عن
أَمر وكفُّكها عن أَن تطمح بها غَرْبَ الطَّمَع. ويقال: قَصَرْتُ نفسي عن
هذا أَقْصُرها قَصْراً. ابن السكيت: أَقْصَر عن الشيءِ إِذا نَزَع عنه وهو
يَقْدِر عليه، وقَصَر عنه إِذا عجز عنه ولم يستطعه، وربما جاءَا بمعنى
واحد إِلا أَن الأَغلب عليه الأَول؛ قال لبيد:
فلستُ، وإِن أَقْصَرْتُ عنه، بمُقْصِر
قال المازني: يقول لستُ وإِن لمتني حتى تُقْصِرَ بي بمُقْصِرٍ عما
أُريد؛ وقال امرؤ القيس:
فتُقْصِرُ عنها خَطْوَة وتَبوصُ
ويقال: قَصَرْتُ بمعنى قَصَّرْت؛ قال حُمَيْد:
فلئن بَلَغْتُ لأَبْلُغَنْ مُتَكَلِّفاً،
ولئن قَصَرْتُ لكارِهاً ما أَقْصُرُ
وأَقْصَر فلان عن الشيء يُقْصِرُ إِقصاراً إِذا كفَّ عنه وانتهى.
والإِقْصار: الكف عن الشيء. وأَقْصَرْتُ عن الشيء: كففتُ ونَزَعْتُ مع القدرة
عليه، فإِن عجزت عنه قلت: قَصَرْتُ، بلا أَلف. وقَصَرْتُ عن الشيء قصوراً:
عجزت عنه ولم أَبْلُغْهُ. ابن سيده: قَصَرَ عن الأَمر يَقْصُر قُصُوراً
وأَقْصَر وقَصَّرَ وتَقَاصَر، كله: انتهى؛ قال:
إِذا غَمَّ خِرْشاءُ الثُّمالَةِ أَنْفَه،
تَقاصَرَ منها للصَّرِيحَ فأَقْنَعا
وقيل: التَّقاصُر هنا من القِصَر أَي قَصُر عُنُقُه عنها؛ وقيل: قَصَرَ
عنه تركه وهو لا يقدر عليه، وأَقْصَرَ تركه وكف عنه وهو يقدر عليه.
والتَّقْصِيرُ في الأَمر: التواني فيه. والاقْتصارُ على الشيء: الاكتفاء
به. واسْتَقْصَره أَي عَدَّه مُقَصِّراً، وكذلك إِذا عَدَّه قَصِيراً.
وقَصَّرَ فلانٌ في حاجتي إِذا وَنى فيها؛ وقوله أَنشده ثعلب:
يقولُ وقد نَكَّبْتُها عن بلادِها:
أَتَفْعَلُ هذا يا حُيَيُّ على عَمْدِف
فقلتُ له: قد كنتَ فيها مُقَصِّراً،
وقد ذهبتْ في غير أَجْرٍ ولا حَمْدِ
قال: هذا لِصٌّ؛ يقول صاحب الإِبل لهذا اللِّص: تأْخذ إِبلي وقد عرفتها،
وقوله: فقلت له قد كنت فيها مقصِّراً، يقول كنت لا تَهَبُ ولا تَسْقي
منها قال اللحياني: ويقال للرجل إِذا أَرسلته في حاجة فَقَصَر دون الذي
أَمرته به إِما لحَرّ وإِما لغيره: ما منعك أَن تدخل المكان الذي أَمرتك به
إِلا أَنك أَحببت القَصْرَ والقَصَرَ والقُصْرَةَ أَي أَن تُقَصِّرَ.
وتَقاصَرتْ نَفْسُه: تضاءلت. وتَقَاصَر الظلُّ: دنا وقَلَصَ.
وقَصْرُ الظلام: اختلاطُه، وكذلك المَقْصَر، والجمع المَقاصر؛ عن أَبي
عبيد؛ وأَنشد لابن مقبل يصف ناقته:
فَبَعَثْتُها تَقِصُ المَقاصِرَ، وبعدما
كَرَبَتْ حياةُ النارِ للمُتَنَوِّرِ
قال خالد بن جَنْيَة: المقاصِرُ أُصولُ الشجر، الواحد مَقْصُور، وهذا
البيت ذكره الأَزهري في ترجمة وقص شاهداً على وَقَصْتُ الشيء إِذا
كَسَرْتَه، تَقِصُ المقاصر أَي تَدُقُّ وتكسر. ورَضِيَ بمَقْصِرٍ، بكس الصاد مما
كان يُحاوِلُ أي بدونِ ما كان يَطْلُب. ورضيت من فلان بمَقْصِرٍ
ومَقْصَرٍ أَي أَمرٍ دُونٍ. وقَصَرَ سهمُه عن الهَدَف قُصُوراً: خَبا فلم ينته
إِليه. وقَصَرَ عني الوجعُ والغَضَبُ يَقْصُر قُصُوراً وقَصَّر: سكن،
وقَصَرْتُ أَنا عنه، وقَصَرْتُ له من قيده أَقْصُر قَصْراً: قاربت. وقَصَرْتُ
الشيء على كذا إِذا لن تجاوز به غيره. يقال: قَصَرْتُ اللِّقْحة على فرسي
إِذا جعلت دَرَّها له. وامرأَة قاصِرَةُ الطَّرْف: لا تَمُدُّه إِلى غير
بعلها. وقال أَبو زيد: قَصَرَ فلانٌ على فرسه ثلاثاً أَو أَربعاً من
حلائبه يَسْقِيه أَلبانها. وناقة مَقْصورة على العِيال: يشربون لبنها؛ قال
أَبو ذؤيب:
قَصَر الصَّبوحَ لها فَشَرَّجَ لَحْمَها
بالتيِّ، فهي تَتُوخُ فيه الإِصْبَعُ
قَصَره على الأَمر قَصْراً: رَدّه إِليه. وقَصَرْتُ السِّتْر: أَرخيته.
وفي حديث إِسلام ثُمامة: فأَبى أَن يُسْلِمَ قَصْراً فأَعتقه، يعني
حَبساً عليه وإِجباراً. يقال: قَصَرْتُ نفسي على الشيء إِذا حبستها عليه
وأَلزمتها إِياه، وقيل: أَراد قهراً وغلبةً، من القسْر، فأَبدل السين صاداً،
وهما يتبادلان في كثير من الكلام، ومن الأَول الحديث: ولتَقْصُرَنَّه على
الحق قَصْراً. وقَصَرَ الشيءَ يَقْصُره قَصْراً: حبسه؛ ومنه مَقْصُورة
الجامع؛ قال أَبو دُواد يصف فرساً:
فَقُصِرْنَ الشِّتاءَ بَعْدُ عليه، * وهْو للذَّوْدِ أَن يُقَسَّمْنَ جارُ
أَي حُبِسْنَ عليه يَشْرَبُ أَلبانها في شدة الشتاء. قال ابن جني: هذا
جواب كم، كأَنه قال كم قُصِرْن عليه، وكم ظرف ومنصوبه الموضع، فكان قياسه
أَن يقول ستة أَشهر لأَن كم سؤال عن قدرٍ من العدد محصور، فنكرة هذا
كافية من معرفته، أَلا ترى أَن قولك عشرون والعشرون وعشرون؟؟ فائدته في العدد
واحدةً لكن المعدود معرفة في جواب كم مرة، ونكرة أُخرى، فاستعمل الشتاء
وهو معرفة في جواب كم، وهذا تطوّع بما لا يلزم وليس عيباً بل هو زائد على
المراد، وإِنما العيب أَن يُقَصِّرَ في الجواب عن مقتضى السؤَال، فأَما
إِذا زاد عليه فالفضل له، وجاز أَن يكون الشتاء جوباً لكم من حيث كان عدداً
في المعنى، أَلا تراه ستة أَشهر؟ قال: ووافقنا أَبو علي، رحمه الله
تعالى، ونحن بحلب على هذا الموضع من الكتاب وفسره ونحن بحلب فقال: إِلا في
هذا البلد فإِنه ثمانية أَشهر؛ ومعنى قوله:
وهو للذود أَن يقسَّمن جار
أَي أَنه يُجيرها من أَن يُغار عليها فَتُقْسَمَ، وموضع أَن نصبٌ كأَنه
قال: لئلا يُقَسَّمْنَ ومن أَن يُقَسَّمْنَ، فَحذف وأَوصل. وامرأَة
قَصُورَة وقَصيرة: مَصُونة محبوسة مقصورة في البيت لا تُتْرَكُ أَن تَخْرُج؛
قال كُثَيِّر:
وأَنتِ التي جَبَّبْتِ كلَّ قَصِيرَةٍ
إِليَّ، وما تدري بذاك القَصائِرُ
عَنَيْتُ قَصِيراتِ الحِجالِ، ولم أُرِدْ
قِصارَ الخُطَى، شَرُّ النساء البَحاتِرُ
وفي التهذيب: عَنَيتُ قَصُوراتِ الحجالِ، ويقال للجارية المَصونة التي
لا بُروزَ لها: قَصِيرةٌ وقَصُورَة؛ وأَنشد الفراء:
وأَنتِ التي حببتِ كلَّ قَصُورة
وشَرُّ النساءِ البَهاتِرُ. التهذيب: القَصْرُ الحَبْسُ؛ قال الله تعالى:
حُورٌ مقصورات في الخيام، أَي محبوسات في خيام من الدُّرِّ مُخَدَّرات
على أَزواجهن في الجنات؛ وامرأَة مَقْصورة أَي مُخَدَّرة. وقال الفرّاء في
تفسير مَقْصورات، قال: قُصِرْنَ على أَزواجهن أَي حُبِسْن فلا يُرِدْنَ
غيرهم ولا يَطْمَحْنَ إِلى من سواهم. قال: والعرب تسمي الحَجَلَةَ
المقصورةَ والقَصُورَةَ، وتسمي المقصورة من النساء القَصُورة، والجمع
القَصائِرُ، فإِذا أَرادوا قِصَرَ القامة قالوا: امرأَة قَصِيرة، وتُجْمَعُ
قِصاراً. وأَما قوله تعالى: وعندهم قاصراتُ الطَّرْفِ أَترابٌ؛ قال
الفراء:قاصراتُ الطَّرْف حُورٌ قد قَصَرْنَ أَنفسهنَّ على أَزواجهن فلا يَطْمَحْنَ
إِلى غيرهم؛ ومنه قول امرئ القيس:
من القاصراتِ الطَّرْفِ، لو دَبَّ مُحْوِلٌ
من الذَّرِّ فوقَ الإِتْبِ منها لأَثَّرا
وقال الفراء: امرأَة مَقْصُورة الخَطْوِ، شبهت بالمقيَّد الذي قَصَرَ
القيدُ خَطوَه، ويقال لها: قَصِيرُ الخُطى؛ وأَنشد:
قَصِيرُ الخطى ما تَقْرُبُ الجِيرَةَ القُصَى،
ولا الأَنَسَ الأَدْنَيْنَ إِلا تَجَشُّما
التهذيب: وقد تُجْمَعُ القَصِيرةُ من النساء قِصارَةً؛ ومنه قول
الأَعشى:لا ناقِصِي حَسَبٍ ولا
أَيْدٍ،إِذا مدَّتْ قِصارَه
قال الفراء: والعرب تدخل الهاء في كل جمع على فِعالٍ، يقولون:
الجِمالَةُ والحِبالَة والذِّكارَة والحِجارة، قال: جِمالاتٌ صُفْرٌ. ابن سيده:
وأَما قول الشاعر:
وأَهْوى من النِّسْوانِ كلَّ قَصِيرةٍ،
لها نَسَبٌ، في الصالحين، قَصِيرُ
فمعناه أَنه يَهْوى من النساء كل مقصورة يُغْنى بنسبها إِلى أَبيها عن
نَسَبها إِلى جَدِّها. أَبو زيد: يقال أَبْلِغ هذا الكلامَ بني فلان
قَصْرَةً ومَقْصُورةً أَي دون الناس، وقد سميت المَقْصورة مَقْصُورَةً لأَنها
قُصِرَت على الإِمام دون الناس. وفلان قَصِيرُ النسب إِذا كان أَبوه
معروفاً إِذ ذِكْره للابن كفايةٌ عن الانتماء إِلى الجد الأَبعد؛ قال
رؤبة:قد رَفَعَ العَجَّاجُ ذِكْري فادْعُني
باسْمٍ، إِذا الأَنْسابُ طالتْ، يَكفِني
ودخل رُؤْبةُ على النَّسَّابة البَكْريّ فقال: من أَنتف قال: رؤبة بن
العجاج. قال: قُصِرْتَ وعُرِفْتَ. وسَيْلٌ قَصِير: لا يُسِيل وادِياً
مُسَمًّى إِنما يُسِيلُ فُرُوعَ الأَوْدِية وأَفْناءَ الشِّعابِ وعَزَازَ
الأَرضِ. والقَصْرُ من البناء: معروف، وقال اللحياني: هو المنزل، وقيل: كل
بيت من حَجَر، قُرَشِيَّةٌ، سمي بذلك لأَنه تُقصَرُ فيه الحُرَمُ أَي
تُحْبس، وجمعه قُصُور. وفي التنزيل العزيز: ويجْعَل لك قُصُوراً.
والمَقْصُورة: الدار الواسعة المُحَصَّنَة،وقيل: هي أَصغر من الدار، وهو من ذلك
أَيضاً. والقَصُورَةُ والمَقْصورة: الحَجَلَةُ؛ عن اللحياني. الليث:
المَقْصُورَة مقام الإِمام، وقال: إِذا كانت دار واسعة مُحَصَّنة الحيطان فكل
ناحية منها على حِيالِها مَقْصُورة، وجمعها مَقاصِرُ ومَقاصِيرُ؛
وأَنشد:ومن دونِ لَيْلى مُصْمَتاتُ المَقاصِرِ
المُصْمَتُ: المُحْكَمُ. وقُصارَةُ الدار: مَقْصُورة منها لا يدخلها غير
صاحب الدار. قال أُسَيْدٌ: قُصارَةُ الأَرض طائفة منها قَصِيرَة قد علم
صاحبها أَنها أَسْمَنُها أَرضاً وأَجودُها نبتاً قدر خمسين ذراعاً أَو
أَكثر، وقُصارَةُ الدار: مَقْصورة منها لا يدخلها غير صاحب الدار، قال:
وكان أَبي وعمي على الحِمى فَقَصَرَا منها مقصورة لا يطؤها غيرهما.
واقْتَصَرَ على الأَمر: لم يُجاوزه.
وماء قاصِرٌ أَي بارد. وماء قاصِرٌ: يَرْعى المالُ حولَه لا يجاوزه،
وقيل: هو البعيد عن الكلإِ. ابن السكيت: ماء قاصِرٌ ومُقْصِرٌ إِذا كان
مَرْعاه قريباً؛ وأَنشد:
كانتْ مِياهِي نُزُعاً قَواصِرَا،
ولم أَكنْ أُمارِسُ الجَرائرا
والنُّزُعُ: جمع النَّزُوعِ، وهي البئر التي يُنْزَعُ منها باليدين
نَزْعاً، وبئر جَرُورٌ: يستقى منها على بعير؛ وقوله أَنشده ثعلب في صفة
نخل:فهُنَّ يَرْوَيْنَ بطَلٍّ قَاصِرِ
قال: عَنى أَنها تشرب بعروقها. وقال ابن الأَعرابي: الماء البعيد من
الكلإِ قاصِرٌ باسِطٌ ثم مُطْلِبٌ. وكَلأ قاصِرٌ: بينه وبين الماء نَبْحَةُ
كلب أَو نَظَرُك باسِطاً. وكَلأ باسِطٌ: قريب؛ وقوله أَنشده ثعلب:
إِليكِ ابْنَةَ الأَغْيارِ، خافي بَسالَةَ الر
جالِ، وأَصْلالُ الرجالِ أَقاصِرُهْ
لم يفسره؛ قال ابن سيده: وعندي أَنه عنى حَبائسَ قَصائِرَ.
والقُصارَةُ والقِصْرِيُّ والقَصَرَة والِقُصْرى والقَصَرُ؛ الأَخيرة عن
اللحياني: ما يَبْقى في المُنْخُلِ بعد الانتخال، وقيل: هو ما يَخْرُجُ
من القَثِّ وما يبقى في السُّنْبُل من الحب بعد الدَّوْسَةِ الأُولي،
وقيل: القِشْرتان اللتان على الحَبَّة سُفْلاهما الحَشَرَةُ وعُلْياهما
القَصَرة. الليث: والقَصَرُ كَعابِرُ الزرع الذي يَخْلُص من البُرِّ وفيه
بقية من الحب، يقال له القِصْرَى، على فِعْلى. الأَزهري: وروى أَبو عبيد
حديثاً عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في المُزارَعة أَن أَحدهم كان
يَشْتَرِطُ ثلاثة جَداوِلَ والقُصارَةَ؛ القُصارَةُ، بالضم: ما سَقى الربيعُ،
فنه النبي،صلى الله عليه وسلم، عن ذلك. قال أَبو عبيد: والقُصارة ما بقي في
السنبل من الحب مما لا يتخلص بعدما يداس، قال: وأَهل الشام يسمونه
القِصْرِيَّ بوزن القِبْطِيِّ، قال الأَزهري: هكذا أَقرأَنيه ابن هاجَك عن ابن
جَبَلة عن أَبي عبيد، بكسر القاف وسكون الصاد وكسر الراء وتشديد الياء،
قال: وقال عثمان ابن سعيد: سمعت أَحمد بن صالح يقول هي القُصَرَّى إِذا
دِيسَ الزرعُ فغُرْبِل، فالسنابل الغليظة هي القُصَرَّى، على فُعَلَّى.
وقال اللحياني: نُقِّيَتْ من قَصَره وقَصَلِه أَي من قُماشِه. وقال أَبو
عمرو: القَصَلُ والقَصَرُ أَصل التبن. وقال ابن الأَعرابي: القَصَرةُ قِشْر
الحبة إِذا كانت في السنبلة، وهي القُصارَةُ. وذكر النضر عن أَبي الخطاب
أَنه قال: الحبة عليها قشرتان: فالتي تلي الحبة الحَشَرَةُ، والتي فوق
الحَشَرة القَصَرَةُ. والقَصَرُ: قِشْر الحنطة إِذا يبست. والقُصَيْراة:
ما يبقى في السنبل بعدما يداس. والقَصَرَة، بالتحريك: أَصل العنق. قال
اللحياني: إِنما يقال لأَصل العنق قَصَرَة إِذا غَلُظَت، والجمع قَصَرٌ؛ وبه
فسر ابن عباس قوله عز وجل: إِنها تَرْمي بشَرَرٍ كالقَصَر، بالتحريك؛
وفسره قَصَرَ النخلِ يعني الأَعْناقَ. وفي حديث ابن عباس في وقوله تعالى:
إِنها ترمي بشرر كالقصر؛ هو بالتحريك، قال: كنا نرفع الخشب للشتاء ثلاث
أَذرع أَو أَقل ونسميه القَصَر، ونريد قَصَر النخل وهو ما غَلُظَ من
أَسفلها أَو أَعناق الإِبل، واحدتها قَصَرة؛ وقيل في قوله بشرر كالقَصَر، قيل:
أَقصارٌ جمعُ الجمع. وقال كراع: القَصَرة أَصل العنق، والجمع أَقصار،
قال: وهذا نادر إِلا أَن يكون على حذف الزائد. وفي حديث سلْمانَ: قال لأَبي
سفيان وقد مر به: لقد كان في قَصَرة هذا موضع لسيوف المسلمين، وذلك قبل
أَن يسلم، فإِنهم كانوا حِراصاً على قتله، وقيل: كان بعد إِسلامه. وفي
حديث أَبي رَيْحانة: إِني لأَجِدُ في بعض ما أُنْزِلَ من الكتب الأَقْبَلُ
القَصِيرُ القَصَرةِ صاحبُ العِراقَيْنِ مُبَدِّلُ السُّنَّة يلعنه أَهلُ
السماء وأَهل الأَرض، وَيْلٌ له ثم ويل له وقيل: القَصَر أَعناق الرجال
والإِبل؛ قال:
لا تَدْلُكُ الشمسُ إِلاَّ حذْوَ مَنْكِبِه،
في حَوْمَةٍ تَحْتَها الهاماتُ والقَصَرُ
وقال الفراء في قوله تعالى: إِنها ترمي بشَرَرٍ كالقَصْر، قال: يريد
القَصْر من قُصُورِ مياه العرب، وتوحيده وجمعه عربيان. قال: ومثله:
سَيُهْزَمُ الجمع ويُولُّون الدُّبُرَ، معناه الأَدبار، قال: ومن قرأَ كالقَصَر،
فهو أَصل النخل، وقال الضحاك: القَصَرُ هي أُصول الشجر العظام. وفي
الحديث: من كان له بالمدينة أَصلٌ فلْيَتَمَسَّك به، ومن لم يكن فليجعل له
بها أَصلاً ولو قَصَرةً؛ القَصَرةُ، بالفتح والتحريك: أَصل الشجرة، وجمعها
قَصَر؛ أَراد فليتخذ له بها ولو أَصل نخلة واحدة. والقَصَرة أَيضاً:
العُنُق وأَصل الرقبة. قال: وقرأَ الحسن كالقَصْر، مخففاً، وفسره الجِذْل من
الخشب، الواحدة قَصْرة مثل تمر وتمرة؛ وقال قتادة: كالقَصَرِ يعني أُصول
النخل والشجر. النَّضِر: القِصارُ مِيْسَمٌ يُوسَمُ به قَصَرةُ العُنق.
يقال: قَصَرْتُ الجمل قَصْراً، فهو مَقْصورٌ. قال: ولا يقال إِبل
مُقَصَّرة. ابن سيده: القِصارُ سِمَة على القَصَر وقد قَصَّرها. والقَصَرُ: أُصول
النخل والشجر وسائر الخشب، وقيل: هي بقايا الشجر، وقيل: إِنها ترمي بشرر
كالقَصْر، وكالقَصَر، فالقَصَر: أُصول النخل والشجر، والقَصْر من
البناء، وقيل: القَصْر هنا الحطب الجَزْلُ؛ حكاه اللحياني عن الحسن. والقَصْرُ:
المِجْدَلُ وهو الفَدَنُ الضخمُ، والقَصَرُ: داء يأْخذ في القَصَرة.
وقال أَبو معاذ النحوي: واحد قَصَر النخل قَصَرة، وذلك أَن النخلة تُقْطَعُ
قَدْرَ ذراع يَسْتَوْقِدُون بها في الشتاء، وهو من قولك للرجل: إِنه
لتَامُّ القَصَرَةِ إِذا كان ضَخْمَ الرَّقَبة، والقَصَرُ يُبْسٌ في العنق؛
قَصِرَ، بالكسر، يَقْصَرُ قَصَراً، فهو قَصِرٌ وأَقْصَرُ، والأُنثى
قَصْراء؛ قال ابن السكيت: هو داء يأْخذ البعير في عنقه فيلتوي فَيُكْتَوَى في
مفاصل عنقه فربما بَرَأَ. أَبو زيد: يقال قَصِرَ الفرسُ يَقْصَرُ قَصَراً
إِذا أَخذه وجع في عنقه، يقال: به قَصَرٌ. الجوهري: قَصِرَ الرجلُ إِذا
اشتكى ذلك. يقال: قَصِرَ البعير، بالكسر، يَقْصَرُ قَصَراً.
والتِّقْصارُ والتِّقْصارَة، بكسر التاء: القِلادة للزومها قَصَرَةَ
العُنق، وفي الصحاح: قلادة شبيهة بالمِخْنَقَة، والجمع التَّقاصِيرُ؛ قال
عَدِيُّ بن زيد العِبَادي:
ولها ظَبْيٌ يُؤَرِّثُها،
عاقِدٌ في الجِيدِ تِقْصارا
وقال أَبو وَجْزة السَّعْدِي:
وغَدا نوائحُ مُعْوِلات بالضَّحى
وُرْقٌ تَلُوحُ، فكُلُّهُنَّ قِصارُها
قالوا: قِصارُها أَطواقها. قال الأَزهري: كأَنه شبه بقِصارِ المِيْسَمِ،
وهو العِلاطُ. وقال نُصَير: القَصَرَةُ أَصل العنق في مُرَكَّبِهِ في
الكاهل وأَعلى اللِّيتَيْنِ، قال: ويقال لعُنُقِ الإِنسانِ كلِّه قَصَرَةٌ.
والقَصَرَةُ: زُبْرَةُ الحَدَّادِ؛ عن قُطْرُب. الأَزهري: أَبو زيد:
قَصَرَ فلانٌ يَقْصُرُ قَصْراً إِذا ضم شيئاً إِلى أَصله الأَوّل؛ وقَصَرَ
قَيْدَ بعيره قَصْراً إِذا ضيقه، وقَصَرَ فلانٌ صلاتَه يَقْصُرها قَصْراً
في السفر. قال الله تعالى: ليس عليكم جُناحٌ أَن تَقْصُروا من الصلاة، وهو
أَن تصلي الأُولى والعصر والعشاء الآخرة ركعتين ركعتين، فأَما العشاءُ
الأُولى وصلاة الصبح فلا قَصْرَ فيهما، وفيها لغات: يقال قَصَرَ الصلاةَ
وأَقْصَرَها وقَصَّرَها، كل ذلك جائز، والتقصير من الصلاة ومن الشَّعَرِ
مثلُ القَصْرِ. وقال ابن سيده: وقَصَرَ الصلاةَ، ومنها يَقْصُر قَصْراً
وقَصَّرَ نَقَصَ ورَخُصَ، ضِدٌّ. وأَقْصَرْتُ من الصلاة: لغة في قَصَرْتُ.
وفي حديث السهو: أَقَصُرَتِ الصلاةُ أَم نُسِيَت؛ يروى على ما لم يسم
فاعله وعلى تسمية الفاعل بمعنى النقص. وفي الحديث: قلت لعمر إِقْصارَ الصلاةِ
اليومَ؛ قال ابن الأَثير: هكذا جاء في رواية من أَقْصَرَ الصلاةَ، لغة
شاذة في قَصَر. وأَقْصَرَتِ المرأَة: ولدت أَولاداً قِصاراً، وأَطالت إِذا
ولدت أَولاداً طِوالاً. وفي الحديث: إِن الطويلة قد تُقْصِرُ وإِن
القَصيرة قد تُطِيل؛ وأَقْصَرتِ النعجةُ والمَعَزُ، فهي مُقْصِرٌ، إِذا
أَسَنَّتا حتى تَقْصُرَ أَطرافُ أَسنانهما؛ حكاها يعقوب. والقَصْرُ والمَقْصَرُ
والمَقْصِرُ والمَقْصَرَةُ: العَشِيّ. قال سيبويه: ولا يُحَقَّرُ
القُصَيْرَ، اسْتَغْنوا عن تَحْقيره بتحقير المَساء. والمَقاصِر والمَقاصِير:
العشايا؛ الأَخيرة نادرة، قال ابن مقبل:
فبَعَثْتُها تَقِصُ المَقاصِرَ، بعدما
كَرَبَتْ حَياةُ النارِ للمُتَنَوِّرِ
وقَصَرْنا وأَقْصَرْنا قَصْراً: دخلنا في قَصْرِ العَشِيِّ، كما تقول:
أَمْسَيْنا من المَساء. وقَصَرَ العَشِيُّ يَقْصُر قُصوراً إِذا
أَمْسَيْتَ؛ قال العَجَّاجُ:
حتى إِذا ما قَصَرَ العَشِيُّ
ويقال: أَتيته قَصْراً أَي عَشِيّاً؛ وقال كثير عزة:
كأَنهمُ قَصْراً مَصابيحُ راهِبٍ
بمَوْزَنَ، رَوَّى بالسَّلِيط ذُبالَها
همُ أَهلُ أَلواحِ السَّرِيرِ ويمْنِه،
قَرابِينُ أَرْدافاً لها وشِمالَها
الأَردافُ: الملوك في الجاهلية، والاسم منه الرِّدافة، وكانت
الرِّدافَةُ في الجاهلية لبني يَرْبوعٍ. والرِّدافَةُ: أَن يجلس الرِّدْف عن يمين
الملك، فإِذا شَرِبَ المَلِكُ شَرِبَ الرِّدْفُ بعده قبل الناس، وإِذا
غَزا المَلِكُ قعَدَ الرِّدْف مكانه فكان خليفة على الناس حتى يعود
المَلِكُ، وله من الغنيمة المِرْباعُ. وقَرابينُ الملك: جُلَساؤه وخاصَّتُه،
واحدهم قُرْبانٌ. وقوله: هم أَهل أَلواح السرير أَي يجلسون مع الملك على
سريره لنفاستهم وجلالتهم. وجاء فلان مُقْصِراً حين قَصْرِ العِشاء أَي كاد
يَدْنُو من الليل؛ وقال ابن حِلِّزَة:
آنَسَتْ نَبْأَةً وأَفْزَعَها القـ
ـناصُ قَصْراً، وقَدْ دنا الإِمْساءُ
ومَقاصِيرُ الطريق: نواحيها،واحدَتُها مَقْصَرة، على غير قياس.
والقُصْرَيانِ والقُصَيْرَيانِ ضِلَعانِ تَلِيانِ الطِّفْطِفَة، وقيل:
هما اللتان تَلِيانِ التَّرْقُوَتَيْنِ. والقُصَيرَى: أَسْفَلُ
الأَضْلاعِ، وقيل هي الضِّلَعُ التي تلي الشاكلَةَ، وهي الواهِنةُ، وقيل: هي آخر
ضِلَعٍ في الجنب. التهذيب: والقُصْرَى والقُصَيْرى الضِّلَعُ التي تلي
الشاكلة بين الجنب والبطن؛ وأَنشد:
نَهْدُ القُصَيْرَى يزينُهُ خُصَلُه
وقال أَبو دُواد:
وقُصْرَى شَنِجِ الأَنْسا
ءِ نَبَّاحٍ من الشَّعْب
أَبو الهيثم: القُصَرَى أَسفل الأَضلاع،والقُصَيرَى أَعلى الأَضلاع؛
وقال أَوس:
مُعاوِدُ تأْكالِ القَنِيصِ، شِواؤُه
من اللحمِ قُصْرَى رَخْصَةٌ وطَفاطِفُ
قال: وقُصْرَى ههنا اسم، ولو كانت نعتاً لكانت بالأَلف واللام. قال: وفي
كتاب أَبي عبيد: القُصَيْرَى هي التي تلي الشاكلة، وهي ضِلَعُ الخَلْفِ؛
فأَما قوله أَنشده اللحياني:
لا تَعْدِليني بظُرُبٍّ جَعْدِ،
كَزِّ القُصَيْرَى، مُقْرِفِ المَعَدِّ
قال ابن سيده: عندي أَن القُصَيْرَى أَحد هذه الأَشياء التي ذكرنا في
القُصَيْرَى؛ قال: وأَما اللحياني فحكى أَن القُصَيْرَى هنا أَصلُ العُنُق،
قال: وهذا غير معروف في اللغة إِلا أَن يريد القُصَيْرَة، وهو تصغير
القَصَرة من العُنق، فأَبدل الهاء لاشتراكهما في أَنهما علما تأْنيث.
والقَصَرَةُ: الكَسَلُ؛ قال الأَزهري أَنشدني المُنْذرِيُّ رواية عن ابن
الأَعرابي:
وصارِمٍ يَقْطَعُ أَغْلالَ القَصَرْ،
كأَنَّ في مَتْنَتِهِ مِلْحاً يُذَرّ،
أَوْ زَحْفَ ذَرٍّ دَبَّ في آثارِ ذَرّ
ويروى:
كأَنَّ فَوْقَ مَتْنِهِ ملْحاً يُذَرّ
ابن الأَعرابي: القَصَرُ والقَصارُ الكَسَلُ. وقال أَعرابي: أَردت أَن
آتيك فمنعني القَصارُ، قل: والقَصارُ والقُصارُ والقُصْرَى والقَصْرُ، كله
أُخْرَى الأُمور. وقَصْرُ المجْدِ: مَعْدِنهُ؛ وقال عَمْرُو ابن
كُلْثُوم:
أَباحَ لَنا قُصُورُ المَجْدِ دينا
ويقال: ما رضيت من فلان بِمَقْصَرٍ ومَقْصِرٍ أَي بأَمر من دون أَي
بأَمر يسير، ومن زائدة. ويقال: فلان جاري مُقاصِرِي أَي قَصْرُه بحذاء
قَصْرِي؛ وأَنشد:
لِتَذْهَبْ إِلى أَقْصى مُباعَدةٍ جَسْرُ،
فما بي إِليها من مُقاصَرةٍ فَقْرُ
يقول: لا حاجة لي في جوارهم. وجَسْرٌ: من محارب. والقُصَيْرَى
والقُصْرَى: ضرب من الأَفاعي، يقال: قُصْرَى قِبالٍ وقُصَيْرَى قِبالٍ.
والقَصَرَةُ: القطعة من الخشب.
وقَصَرَ الثوبَ قِصارَةً؛ عن سيبويه، وقَصَّرَه، كلاهما: حَوَّرَه
ودَقَّهُ؛ ومنه سُمِّي القَصَّارُ. وقَصَّرْتُ الثوب تَقْصِيرا مثله.
والقَصَّارُ والمُقَصِّرُ: المُحَوِّرُ للثياب لأَنه يَدُقُّها بالقَصَرَةِ التي
هي القِطْعَة من الخشب، وحرفته القِصارَةُ. والمِقْصَرَة: خشبة
القَصَّار. التهذيب: والقَصَّارُ يَقْصُر الثوبَ قَصْراً. والمُقَصِّرُ: الذي
يُخسُّ العطاءَ ويقلِّله. والتَّقْصيرُ: إِخْساسُ العطية. وهو ابن عمي
قُصْرَةً، بالضم، ومَقْصُورةً ابن عمي دِنْيا ودُنْيا أَي داني النسب وكان ابنَ
عَمِّه لَحًّا؛ وأَنشد ابن الأَعرابي:
رَهْطُ الثِّلِبِّ هؤلا مَقْصُورةً
قال: مقصورةً، أَي خَلَصُوا فلم يخالطهم غيرهم من قومهم؛ وقال اللحياني:
تقال هذه الأَحرف في ابن العمة وابن الخالة وابن الخال. وتَقَوْصَرَ
الرجلُ: دخل بعضه في بعض. والقَوْصَرَة والقَوْصَرَّةُ، مخفف ومثقل: وعاء من
قصب يرفع فيه التمر من البَوارِي؛ قال: وينسب إِلى عليّ، كرم الله وجهه:
أَفْلَحَ من كانتْ له قَوْصَرَّه،
يأْكلُ منا كلَّ يومٍ مَرَّه
قال ابن دريد: لا أَحسبه عربيّاً. ابن الأَعرابي: العربُ تَكْنِي عن
المرأَة بالقارُورةِ والقَوْصَرَّة. قال ابن بري: وهذا الرجز ينسب إِلى علي؛
عليه السلام، وقالوا: أَراد بالقَوْصَرَّة المرأَة وبالأَكل النكاح. قال
ابن بري: وذكر الجوهري أَن القَوْصرَّة قد تخفف راؤها ولم يذكر عليه
شاهداً. قال: وذكر بعضهم أَن شاهده قول أَبي يَعْلى المْهَلَّبِي:
وسَائِلِ الأَعْلَم ابنَ قَوْصَرَةٍ:
مَتَى رَأَى بي عن العُلى قَصْرا؟
قال: وقالوا ابن قَوْصَرة هنا المَنْبُوذ. قال: وقال ابن حمزة: أَهل
البصرة يسمون المنبوذ ابن قَوْصَرة، وجد في قَوصَرة أَو في غيرها، قال: وهذا
البيت شاهد عليه.
وقَيْصَرُ: اسم ملك يَلي الرُّومَ، وقيل: قَيْصَرُ ملك الروم.
والأُقَيْصِرُ: صنم كان يعبد في الجاهلية؛ أَنشد ابن الأَعرابي:
وأَنْصابُ الأُقَيْصِرِ حين أَضْحَتْ
تَسِيلُ، على مَناكِبِها، الدِّماءُ
وابن أُقَيْصِر: رجل بصير بالخيل.
وقاصِرُونَ وقاصِرِينَ: موضع، وفي النصب والخفض قاصِرِينَ.
شرق: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق شُروقاً وشَرْقاً: طلعت، واسم الموضع
المَشْرِق، وكان القياس المَشْرَق ولكنه أحد ما ندر من هذا القبيل. وفي حديث
ابن عباس: نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس. يقال: شَرَقَت الشمسُ
إذا طلعت، وأشْرَقَت إذا أضاءت، فإن أراد الطلوع فقد جاء في الحديث الآخر
حتى تطلع الشمس، وإن أراد الإضاءة فقد ورد في حديث آخر: حتى ترتفع
الشمس، والإضاءة مع الإرتفاع. وقوله تعالى: يا ليت بيني وبَينَك بُعْدَ
المَشْرِقَيْنِ فبئس القَرِين؛ إنما أَراد بُعْدَ المشرق والمغرب، فلما جُعِلا
اثنين غَلَّب لفظَ المشرق لأنه دالّ على الوجود والمغرب دال على العدم،
والوجودُ لا محالة أشرفُ، كما يقال القمران للشمس والقمر؛ قال:
لنا قَمراها والنجومُ الطَّوالعُ
أَراد الشمس والقمر فغَلّب القمر لشرف التذكير، وكما قالوا سُنَّة
العُمَرين يريدون أَبا بكر وعمر، رضوان الله عليهما، فآثروا الخِفَّة. وأما
قوله تعالى: رَبّ المشرقين وربّ المَغْربَيْن ورب المشارق المغارب، فقد ذكر
في فصل الغين من حرف الباء في ترجمة غرب. والشَّرْق: المَشْرِق، والجمع
أَشراق؛ قال كُثَيِّر عزّة:
إذا ضَرَبُوا يوماً بها الآل، زيَّنُوا
مَساندَ أَشْراقٍ بها ومَغاربا
والتَّشْرِيقُ: الأخذ في ناحية المشرق. يقال: شَتّانَ بَيْن مُشَرِّقٍ
ومُغرِّبٍ. وشَرِّقوا: ذهبوا إلى الشَّرْق أَو أتوا الشرق. وكل ما طلَع من
المشرق فقد شَرَّق، ويستعمل في الشمس والقمر والنجوم.
وفي الحديث: لا تَسْتَقْبلوا القِبْلة ولا تَسْتَدْبروها، ولكن شَرِّقوا
أَو غَرِّبوا؛ هذا أَمر لأَهل المدينة ومن كانت قِبْلته على ذلك
السَّمْتِ ممن هو في جهة الشمال والجنوب، فأما من كانت قبلته في جهة المَشْرِق
أو المغرب فلا يجوز له أَن يُشَرِّق ولا يُغَرِّب إنما يَجْتَنِب
ويَشْتَمِل. وفي الحديث: أناخَتْ بكم الشُّرْق الجُونُ، يعني الفِتَن التي تجيء
من قِبَل جهة المشرق جمع شارِق، ويروى بالفاء، وهو مذكور في موضعه.
والشَّرْقيّ: الموضع الذي تُشْرِق فيه الشمس من الأَرض. وأَشْرَقَت الشمسُ
إشْراقاً: أضاءت وانبسطت على الأَرض، وقيل: شَرَقَت وأَشْرَقت طلعت، وحكى
سيبويه شَرَقت وأَشْرَقَت أَضاءت. وشَرِقَت، بالكسر: دَنَتْ للغروب. وآتِيك
كلَّ شارقٍ أي كلَّ يوم طلعت فيه الشمس، وقيل: الشارِقُ قَرْن الشمس.
يقال: لا آتِيك ما ذَرَّ شارِقٌ. التهذيب: والشمس تسمى شارقاً. يقال: إني
لآتِيه كلَّما ذرَّ شارِقٌ أي كلما طلع الشَّرْقُ، وهو الشمس. وروى ثعلب عن
ابن الأَعرابي قال: الشَّرْق الضوء والشَّرْق الشمس. وروى عمرو عن أَبيه
أَنه قال: الشَّرْق الشمس، بفتح الشين، والشِّرْق الضوء الذي يدخل من
شقّ الباب، ويقال له المِشْرِيق. وأَشْرَقَ وجههُ ولونُه: أَسفَر وأضاء
وتلألأ حُسْناً.
والمَشْرقة: موضع القعود للشمس، وفيه أربع لغات: مَشْرُقة ومَشْرَقة،
بضم الراء وفتحها، وشَرْقة، بفتح الشين وتسكين الراء، ومِشْراق.
وتَشَرَّقْت أي جلست فيه. ابن سيده: والمَشْرَقة والمَشْرُقة والمَشْرِقة الموضع
الذي تَشْرُق عليه الشمس، وخصَّ بعضهم به الشتاء؛ قال:
تُرِيدين الفِراقَ، وأنْتِ منِّي
بِعيشٍ مِثْل مَشْرَقة الشَّمالِ
ويقال: اقعُد في الشَّرْق أَي في الشَّمْسِ، وفي الشَّرْقة والمَشْرَقة
والمَشْرُقة.
والمِشْرِيقُ: المَشْرِقُ، عن السيرافي. ومِشْرِيقُ الباب: مدْخَلُ
الشمس فيه. وفي الحديث: أَنَّ طائراً يقال له القَرْقَفَنَّة يقع على
مِشْرِيق باب مَنْ لا يَغار على أهله فلو رأَى الرجال يدخلون عليها ما غَيَّر؛
قيل في المِشْرِيق: إنه الشق الذي يقع فيه ضِحُّ الشمس عند شروقها؛ وفي
الرواية الأُخرى في حديث وهب: إذا كان الرجل لا ينكرُ عَمَل السوء على
أهله، جاءَ طائر يقال له الفَرْقَفَنَّة فيقع على مِشْرِيق بابه فيمكث أربعين
يوماً، فإن أنكر طار، وإن لم يُنْكر مسح بجناحيه على عينيه فصار
قُنْذُعاً دَيُّوثاً. وفي حديث ابن عباس: في السماء بابٌ للتوبة يقال له
المِشْرِيق وقد رُدَّ فلم يبق إلاّ شَرْقُه أَي الضوءُ الذي يدخل من شقِّ
الباب.ومكان شَرِقٌ ومُشْرِق، وشَرِقَ شَرَقاً وأَشْرَق: أَشْرَقَت عليه الشمس
فأضاء. ويقال: أَشْرَقَت الأَرض إشراقاً إذا أنارت بإشْراق الشمس
وضِحِّها عليها. وفي التنزيل: وأَشْرَقَت الأَرضُ بنور رَبِّها.
والشَّرْقة: الشمس، وقيل: الشَّرَق والشَّرْق، بالفتح. والشَّرِقة
والشارِقُ والشَّرِيق: الشمس، وقيل: الشمس حين تَشرُق. يقال: طلعت الشَّرَق
والشَّرُق، وفي الصحاح: طلع الشَّرْق ولا يقال غرَبت الشَّرْق ولا
الشَّرَق. ابن السكيت: الشَّرَق الشمس، والشَّرْق، بسكون الراء، المكان الذي
تَشْرُق فيه الشمس. يقال: آتيك كل يوم طَلْعَةَ شَرَقِه. وفي الحديث:
كأَنَّهما ظُلَّتان سَوْداونِ بينهما شَرَقٌ؛ الشَّرَقُ: الضوءُ وهو الشمس،
والشَّرْق والشَّرْقة والشَّرَقة موضع الشمس في الشتاء، فأما في الصيف فلا
شَرقة لها، والمَشْرِقُ موقعها في الشتاء على الأَرض بعد طلوعها،
وشَرْقَتُها دَفاؤُها إلى زوالها. ويقال: ما بين المَشْرِقَيْنِ أَي ما بين
المَشْرِق والمغرب.
وأَشْرَق الرجلُ أَي دخل في شروقِ الشمس. وفي التنزيل: فأَخَذَتْهم
الصَّيْحةُ مُشْرِقِينَ؛ أَي مُصْبِحين. وأَشْرَقَ القومُ: دخلوا في وقت
الشروق كما تقول أَفْجَرُوا وأَصْبَحُوا وأَظْهَرُوا، فأما شَرَّقُوا
وغَرَّبوا فسارُوا نحوَ المَشْرِق والمغرب. وفي التنزيل: فأَتْبَعُوهم
مُشْرقينَ، أي لَحِقوهم وقت دخولهم في شروق الشمس وهو طلوعها. يقال: شَرَقَت
الشمسُ إذا طلعت، وأَشْرَقَت أَضاءت على وجه الأَرض وصَفَتْ، وشَرِقْت إذا
غابت.
والمَشْرِقان: مَشْرِقا الصيف والشتاء.
ابن الأَنباري في قولهم في النداء على الباقِلاَّ شَرْقُ الغداة طَرِيّ
قال أَبو بكر: معناه قَطْعُ الغداة أَي ما قُطِع بالغداة والْتُقِط؛ قال
الأَزهري: وهذا في الباقلاَّ الرَّطْب يُجْنَى من شجره. يقال: شَرقَتُ
الثمرةَ إذا قطعتها.
وقال الفراءُ وغيره من أَهل العربية في تفسير قوله تعالى: من شَجَرةِ
مُبارَكة زَيْتونةٍ لا شَرْقِيَّة ولا غَرْبِيَّة؛ يقول هذه الشجرة
ليست مما تطْلع عليها الشمسُ في وقت شُروقِها فقط أَو في وقت غروبها فقط،
ولكنها شَرْقِيَّة غرْبِيَّة تُصِيبها الشمس بالغداة والعشيَّة، فهو
أَنْضَر لها وأَجود لزيتونها وزيتِها، وهو قول أكثر أَهل التفسير؛ وقال الحسن:
لا شَرْقِيَّة ولا غَرْبِيَّة إنها ليست من شجر أَهل الدنيا أَي هي من
شجر أَهل الجنة، قال الأَزهري: والقول الأَول أَولى؛ قال وروى المنذري عن
أَبي الهيثم في قول الحرث بن حِلِّزة:
إنه شارِق الشَّقِيقة، إذ جا
ءَت مَعَدٌّ، لكل حَيٍّ لواء
قال: الشَّقِيقة مكان معلوم، وقوله شارق الشَّقِيقة أَي من جانبها
الشَّرْقي الذي يلي المَشْرِق فقال شارق، والشمس تَشْرُق فيه، هذا مفعول فجعله
فاعلاً. وتقول لِما يلي المَشْرِق من الأَكَمَةِ والجبل: هذا شارِقُ
الجبل وشَرْقِيُّه وهذا غاربُ الجبل وغَربِيُّه؛ وقال العجاج:
والفُتُن الشارق والغَرْبيّ
أَراد الفُتُنَ التي تلي المَشْرِق وهو الشَّرْقيُّ؛ قال الأزهري: وإنما
جاز أَن يفعله شارقاً لأَنه جعله ذا شَرْقٍ كما يقال سِرُّ كاتمٌ ذو
كِتْمان وماء دافِقٌ ذو دَفْقٍ.
وشَرَّقْتُ اللحم: شَبْرَقْته طولاً وشَرَرْته في الشمس ليجِفَّ لأن
لحوم الأَضاحي كانت تُشَرَّق فيها بمنى؛ قال أَبو ذؤيب:
فغدا يُشَرِّقُ مَتْنَه، فَبَدا له
أُولى سَوابِقها قَرِيباً تُوزَعُ
يعني الثور يُشَرِّقُ مَتْنَه أَي يُظْهِرُه للشمس ليجِف ما عليه من ندى
الليل فبدا له سوابقُ
الكِلابِ. تُوزَع: تُكَفّ. وتَشْريق اللحم: تَقْطِيعُه وتقدِيدُه
وبَسْطُه، ومنه سميت أيام التشريق.
وأيام التشريق: ثلاثة أَيام بعد يوم النحر لأَن لحم الأَضاحي يُشَرَّق
فيها للشمس أَي يُشَرَّر، وقيل: سميت بذلك لأَنهم كانوا يقولون في
الجاهلية: أَشْرِقْ ثَبِير كيما نُغِير؛ الإِغارةُ: الدفع، أَي ندفع للنَّفْر؛
حكاه يعقوب، وقال ابن الأَعرابي: سميت بذلك لأن الهَدْيَ والضحايا لا
تُنْحَر حتى تَشْرُق الشمسُ أَي تطلع، وقال أَبو عبيد: فيه قولان: يقال سميت
بذلك لأَنهم كانوا يُشَرِّقون فيها لُحوم الأَضاحي، وقيل: بل سميت بذلك
لأَنها كلَّها أَيام تشريق لصلاة يومِ النحر،يقول فصارت هذه الأيام تبعاً
ليوم النحر، قال: وهذا أَعجب القولين إليَّ، قال: وكان أَبو حنيفة يذهب
بالتَّشْرِيقِ إلى التكبير ولم يذهب إليه غيره، وقيل: أَشْرِق ادْخُلْ في
الشروق، وثَبِيرٌ جبل بمكة، وقيل في معنى قوله أَشْرِق ثبِير: كَيْما
نُغِير: يريد ادْخل أيها الجبل في الشروق وهوضوء الشمس، كما تقول أَجْنَب
دخل في الجنوب وأَشْمَلَ دخل في الشِّمال، كيما نُغِير أَي كيما ندفع
للنحر، وكانوا لا يُفِيضون حتى تطلع الشمس فخالفهم رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، ويقال كيما ندفع في السير من قولك أَغارَ إغارةَ الثَّعْلبِ أَي
أَسْرع ودفع في عَدْوِه. وفي الحديث: مَنْ ذَبَح قبل التشريق فلْيُعِدْ، أَي
قبل أَن يصلِّيَ صلاة العيد ويقال لموضعها المُشَرَّق. وفي حديث
مَسْروق: انْطَلِقْ بنا إلى مُشَرِّقِكم يعني المُصَلَّى. وسأل أَعرابي رجلاً
فقال: أَين مَنْزِل المُشَرَّق؟ يعني الذي يُصَلَّى فيه العيد، ويقال لمسجد
الخَيْف المُشَرَّق وكذلك لسوق الطائف. والمُشَرَّق: العيد، سمي بذلك
لأن الصلاة فيه بعد الشَّرْقةِ أَي الشمس، وقيل: المُشَرَّق مُصَلَّى العيد
بمكة، وقيل: مُصَلَّى العيد ولم يقيد بمكة ولا غيرها، وقيل: مصلى
العيدين، وقيل: المُشَرَّق المصلّى مطلقاً؛ قال كراع: هو من تشريق اللحم؛ وروى
شعبة أن سِماك بن حَرْب قال له يوم عيد: اذهب بنا إلى المُشَرَّق يعني
المصلى؛ وفي ذلك يقول الأَخطل:
وبالهَدايا إذا احْمَرَّتْ مَدارِعُها،
في يوم ذَبْحٍ وتَشْرِيقٍ وتَنْخار
والتَّشْرِيق: صلاة العيد وإنما أُخذ من شروق الشمس لأَن ذلك وقتُها.
وفي الحديث: لا ذَبْحَ إلا بَعْد التَّشْرِيق أَي بعد الصلاة، وقال شعبة:
التَّشْرِيق الصلاة في الفطر والأَضحى بالجَبّانِ. وفي حديث عليّ، رضي
الله عنه: لا جُمْعة ولا تَشْرِيقَ إلا في مِصْرٍ جامع؛ وقوله أَنشده ابن
الأَعرابي:
قُلْتُ لِسَعْدٍ وهو بالأَزارِق:
عَلَيْكَ بالمَحْضِ وبالمَشارق
فسره فقال: معناه عليك بالشمس في الشتاء فانْعَمْ بها ولَذَّ؛ قال ابن
سيده: وعندي أن المَشارِق هنا جمع لحمٍ مُشَرَّق، وهو هذا المَشْرُور عند
الشمس، يُقَوِّي ذلك قولُه بالمحض لأَنهما مطعومان؛ يقول: كُلِ اللحم
واشْرَب اللبن المحض. والتَّشْريق: الجمالُ وإشْراقُ الوجه؛ قاله ابن
الأَعرابي في بيت المرار:
ويَزِينُهنَّ مع الجمالِ مَلاحةٌ،
والدَّلُّ والتَّشْرِيقُ والفَخْرُ
(* قوله «والفخر» كذ بالأصل، وفي شرح القاموس: والعذم، بالذال، وفسره عن
الصاغاني بالعض من اللسان بالكلام).
والشُّرُق: الغِلْمان الرُّوقة. وأُذُنٌ شَرْقاءُ: قطِعت من أَطرافها
ولم يَبِنْ منها شيء. ومِعْزة شَرْقاء: انْشَقَّتْ أُذُناها طُولاً ولم
تَبِنْ، وقيل: الشَّرْقاءُ الشاة يُشَقُّ باطنُ أُذُنِها من جانب الأُذن
شَقّاً بائناً ويترك وسط أُذُنِها صحيحاً، وقال أَبو علي في التذكرة:
الشَّرْقاءُ التي شُقَّت أُذناها شَقَّين نافذين فصارت ثلاث قطع متفرقة.
وشَرَقَتْ الشاة أَشْرُقُها شَرْقاً أَي شَقَقْت أُذُنَها. وشَرِقت الشاةُ،
بالكسر، فهي شاة شَرْقاء بيّنَة الشَّرَقِ. وفي حديث عليّ، رضي الله عنه: أن
النبي، صلى الله عليه وسلم، نهى أن يُضَحَّى بِشَرْقاء أَو خَرْقاء أَو
جَدْعاء. الأَصمعي: الشَّرْقاء في الغنم المشقوقة الأُذن باثنين كأنه
زنَمة، واسم السِّمَةِ الشَّرَقة، بالتحريك، شَرَقَ أُذُنَها يَشْرِقُها
شَرْقاً إذا شَقَّها؛ والخَرْقاء: أَن يكون في الأُذن ثقب مستدير. وشاة
شَرْقاء: مقطوعة الأُذن.
والشَّرِيقُ من النساء: المُفْضاة.
والشَّرِقُ من اللحم: الأَحمر الذي لا دَسَم له.
والشَّرَقُ: الشجا والغُصّة. والشَّرَقُ بالماء والرِّيق ونحوهما:
كالغَصَص بالطعام؛ وشَرِقَ شَرَقاً، فهو شَرِقٌ؛ قال عدي بن زيد:
لو بِغَيْرِ الماء حَلْقِي شَرِقٌ،
كنتُ كالغَصّانِ بالماء اعْتِصاري
الليث: يقال شَرِقَ فلانٌ برِيقِه وكذلك غَصَّ بريقه، ويقال: أَخذَتْه
شَرْقة فكاد يموت. ابن الأَعرابي: الشُّرُق الغَرْقَى. قال الأَزهري:
والغَرَقُ أَن يدخل الماءُ في الأَنف حتى تمتلئ منافذُه. والشَّرَقُ: دخولُ
الماء الحَلْقَ حتى يَغَصَّ به، وقد غَرِقَ وشَرِقَ. وفي الحديث: فلما
بلغ ذِكْرَ موسى أَخذتْه شَرْقةٌ فركَع أي أَخذته سُعْلة منعته عن القراءة.
قال ابن الأَثير: وفي الحديث أَنه قرأَ سورة المؤمن في الصلاة فلما أتى
على ذكرِ عيسى، عليه السلام، وأُمِّه أَخذته شَرْقةٌ فركع؛ الشَّرْقة:
المرة الواحدة من الشّرَقِ، أَي شَرِقَ بدمعِه فعَيِيَ بالقراءة، وقيل:
أَراد أَنه شَرِقَ بريقه فترك القراءة وركع؛ ومنه الحديث: الحَرَقُ
والشِّرَقُ شهادةٌ؛ هو الذي يَشْرَقُ بالماء فيموت. وفي حديث أُبَيّ: لقد اصطلح
أَهل هذه البلدة على أَن يَعْصِّبُوه فشَرِقَ بذلك أَي غَصَّ به، وهو مجاز
فيما ناله من أَمْرِ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحَلّ به حتى كأَنه
شيء لم يقدر علي إِساغتِه وابتلاعِه فغَصَّ به.
وشَرِقَ الموضعُ بأَهله: امتلأَ فضاق، وشَرِقَ الجسدُ بالطيب كذلك؛ قال
المخبَّل:
والزَّعْفَرانُ على تَرائِبها
شَرِقاً به اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ
وشَرِقَ الشيءُ شَرَقاً، فهو شَرِقٌ: اختلط؛ قال المسَّيب بن عَلَسٍ:
شَرِقاً بماءِ الذَّوْبِ أَسْلَمه
للمُبْتَغِيه مَعاقل الدَّبْرِ
والتَّشْريق: الصَّبغ بالزعفران غير المُشْبَع ولا يكون بالعُصْفُر.
والتَّشْويق: المُشْبَع بالزعفران. وشَرِقَ الشيءُ شَرَقاً، فهو شَرِقٌ:
اشتدت حمرته بدم أَو بحسن لون أَحمر؛ قال الأَعشى:
وتَشْرَقُ بالقولِ الذي قد أَذَعْته،
كما شَرِقَت صَدْرُ القَناةِ من الدَّمِ
ومنه حديث عكرمة: رأَيت ابْنَينِ لسالمٍ عليهما ثياب مُشْرَقة أَي
محمّرة. يقال شَرِقَ الشيءُ إذا اشتدت حمرته، وأَشْرَقْته بالصِّبْغ إذا
بالَغْت في حمرته؛ وفي حديث الشعبي: سُئِل عن رجل لَطَمَ عينَ آخَرَ فشَرِقَت
بالدم ولمّا يَذْهَبْ ضَوْءُها فقال:
لها أَمْرُها، حتى إذا ما تَبَوَّأَتْ
بأَخْفافِها مَأْوًى، تَبَوَّأ مَضْجَعا
الضمير في لها للإبل يُهْمِلها الراعي حتى إذا جاءت إلى الموضع الذي
أَعجبها فأقامت فيه مالَ الراعي إلى مَضْجَعِه؛ ضربه مثلاً للعين أَي لا
يُحْكَم فيها بشيء حتى تأتيَ على آخر أمْرِها وما تؤول إليه، فمعنى شَرِقَت
بالدم أَي ظهر فيها ولم يَجْرِ منها. وصَرِيع شَرِقٌ بدمه: مُخْتَضِب.
وشَرِقَ لونُه شَرَقاً: احْمَرَّ من الخَجَلِ. والشَّرْقِيّ: صِبْغ أَحمر.
وشَرِقَتْ عينُه واشْرَوْرَقَت: احْمَرَّت، وشَرِقَ الدمُ فيها: ظهر.
الأَصمعي: شَرِقَ الدم بجسده يَشْرَقُ شَرَقاً إذا ظهر ولم يَسِلْ، وقيل إذا
ما نَشِبَ، وكذلك شَرِقت عينُه إذابَقِي فيها دمٌ؛ قال: وإذا اختلطت
كُدورةٌ بالشمس ثم قلت شَرِقَت جاز ذلك كما يَشْرَق الشيء بالشيء يَنْشَبُ
فيه ويختلط. يقال: شَرِقَ الرجلُ يَشْرَقُ شَرَقاً إذا ما دخل الماءُ
حَلْقَه فشَرِقَ أي نَشِبَ؛ ومنه حديث عمر، رضي الله عنه، قال في الناقة
المُنْكَسرة: ولا هي بفَقِيٍّ فتشْرَق أَي تمتلئ دماً من مرض يَعْرِضُ لها
في جوفها؛ ومنه حديث ابن عمر: أَنه كان يُخْرِج يديه في السجود وهما
مُتَفَلِّقَتان قد شَرِق بينهما الدم. وشَرِقَ النخل وأَشْرَق وأَزْهَقَ
(*
قوله «وأزهق» هكذا في الأصل ولعله وأزهى.) لوَّنَ بحمرة. قال أَبو حنيفة:
هو ظهور أَلوان البُسْر. ونَبْتٌ شَِرِقٌ أَي رَيَّان؛ قال الأَعشى:
يُضاحِك الشمسَ منها كوكَبٌ شَرِقٌ،
مُؤَزَّرٌ بعَمِيم النَّبْتِ مُكْتَهِلُ
وأَما ما جاء في الحديث من قوله: لعلكم تُدْرِكون قوماً يُؤَخِّرون
الصلاة إلى شَرِقِ المَوْتَى فصَلّوا الصلاةَ للوقت الذي تَعْرِفون ثم صَلّوا
معهم؛ فقال بعضهم: هو أن يَشْرَقَ الإنسانُ بريقِه عند الموت، وقال:
أَراد أَنهم يصلون الجمعة ولم يبق من النهار إلا بقدر ما بَقِي من نَفْس هذا
الذي قد شَرِق بريقه عند الموت، أَراد فَوْتَ وقْتِها ولم يقيّد الصلاة
في الصحاح بجمعة ولا بغيرها، وسئل عن هذا الحديث فقال: أَلم ترَ الشمسَ
إذا ارتفعت عن الحيطان وصارت بين القبور كأنها لُجّة؟ فذلك شَرَقُ الموتى؛
قال أَبو عبيد: يعني أَن طلوعها وشُروقَها إنما هو تلك الساعة للموتى
دون الأَحياء. أَبو زيد: تُكْرَه الصلاة بشَرَقِ الموتى حين تصفرُّ الشمس،
وفعلت ذلك بشَرَقِ الموتى: في ذلك الوقت. وفي الحديث: أَنه ذكر الدنيا
فقال: إنما بقي منها كشَرَقِ الموتى؛ له معنيان: أَحدهما أَنه أَراد به
آخِرَ النهار لأن الشمس في ذلك الوقت إنما تَلْبَث قليلاً ثم تغيب فشبَّه ما
بقي من الدنيا ببقاء الشمس تلك الساعة، والآخَرُ من قولهم شَرِقَ الميت
بريقه إذا غَصَّ به، فشَّبه قِلَّةَ ما بقي من الدنيا بما بقي من حياة
الشَّرِق بريقه إلى أَن تخرج نفسه. وسئل الحسن بن محمد بن الحنفية عنه
فقال: أَلم تَرَ إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان
فصارت بين القبور كأنها لُجّة؟ فذلك شَرَقُ الموتى. يقال: شَرِقَت الشمس
شَرَقاً إذا ضعف ضوءُها، قال: ووَجّه قولَه حين ذكر الدنيا فقال إنما
بقي منها كشَرَقِ الموتى إلى معنيين: أَحدهما أَن الشمس في ذلك الوقت إنما
تَلْبَثُ ساعة ثم تغيب فشبَّه قِلَّة ما بقي من الدنيا ببقاء الشمس تلك
الساعة من اليوم، والوجه الآخر في شَرَقِ الموتى شَرَقُ الميت برِيقِه عند
خروج نفسه. وفي بعض الروايات: واجعلوا صلاتَكم معهم سُبْحَة أَي نافلة.
وقال أبو عبيد: المُشَرَّق جبل بسوق الطائف، وقال غيره: المُشَرَّق
سُوقُ الطائف؛ وقول أبي ذؤيب:
حتى كأَنِّي للحوادِثِ مَرْوَةٌ،
بصَفا المُشَرَّق، كلَّ يومٍ تُقْرَعُ
يُفَسَّر بكلا ذَيْنِك، ورواه ابن الأعرابي: بصفا المُشَقَّر؛ قال: وهو
صفا المُشَقَّر الذي ذكره امرؤ القيس فقال:
دُوَيْنَ الصَّفا اللاَّئي يَلِينَ المُشَقَّرا
والشارِقُ: الكِلْسُ، عن كراع.
والشَّرْقُ: طائر، وجمعه شُروق، وهو من سِباع الطير؛ قال الراجز:
قد أَغْتَدِي والصُّبْحُ ذو بَرِيقِ،
بمُلْحَمٍ أَحْمَرَ سَوْذَنِيقِ،
أَجْدَلَ أو شَرْقٍ من الشُّروقِ
قال شمر: أَنشدني أَعرابي في مجلس ابن الأَعرابي وكتبها ابن الأعرابي:
انْتَفِخي، يا أَرْنَبَ القِيعان،
وأَبْشِرِي بالضَّرْبِ والهَوانِ،
أو ضربة من شرق شاهيان،
أو توجي جائع غرثان
(* قوله «أو ضربة من شرق إلى آخر البيت» هكذا في الأصل).
قال: الشَّرْق بين الحِدَأَة والشاهين ولونه أَسود. والشارِق: صنم كان
في الجاهلية، وعبد الشارِق: اسم وهو منه. والشَّرِيقُ: اسم صنم أيضاً.
والشَّرْقِيُّ: اسم رجل راوِية أَخبار. ومِشْرِيق: موضع. وشَرِيق: اسم
رجل.
فرق: الفَرْقُ: خلاف الجمع، فَرَقه يَفْرُقُه فَرْقاً وفَرَّقه، وقيل:
فَرَقَ للصلاح فَرْقاً، وفَرَّق للإِفساد تَفْريقاً، وانْفَرَقَ الشيء
وتَفَرَّق وافْتَرقَ. وفي حديث الزكاة: لا يُفَرَّقُ
بين مجتمع ولا يجمع بين مُتَفَرِّق خشية الصدقة، وقد ذكر في موضعه
مبسوطاً، وذهب أَحمد أَن معناه: لو كان لرجل بالكوفة أَربعون شاةً وبالبصرة
أَربعون كان عليه شاتان لقوله لا يُجْمَعُ
بين مُتفرِّق، ولو كان له ببغداد عشرون وبالكوفة عشرون لا شيء عليه، ولو
كانت له إِبل متفرقة في بلْدانٍ شَتَّى إِن جُمِعَتْ وجب فيها الزكاة،
وإِن لم تجمع لم تجب في كل بلد لا يجب عليه فيها شيء. وفي الحديث:
البَيِّعَانِ بالخيار ما لم يَفْتَرِقَا
(* قوله «ما لم يفترقا» كذا في الأصل،
وعبارة النهاية: ما لم يتفرقا، وفي رواية: ما لم يفترقا)؛ اختلف الناس في
التَّفَرُّق الذي يصح ويلزم البيع بوجوبه فقيل: هو بالأَبدان، وإِليه ذهب
معظم الأَئمة والفقهاء من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأَحمد،
وقال أَبو حنيفة ومالك وغيرهما: إِذا تعاقدا صحَّ البيع وإِن لم
يَفْتَرِقَا، وظاهر الحديث يشهد للقول الأَول، فإِن رواية ابن عمر في تمامه: أَنه
كان إِذا بايع رجلاً فأَراد أَن يتمّ البيعُ قام فمشى خَطَوات حتى
يُفارقه، وإِذا لم يُجْعَل التَّفَرُّق شرطاً في الانعقاد لم يكن لذكره فائدة،
فإِنه يُعْلَم أَن المشتري ما لم يوجد منه قبول البيع فهو بالخيار،
وكذلك البائع خيارُه ثابتٌ في ملكه قبل عقد البيع. والتَّفَرّقُ
والافْتِراقُ سواء، ومنهم من يجعل التَّفَرّق للأَبدان والافْتِراقَ في الكلام؛ يقال
فَرَقْت بين الكلامين فافْترقَا، وفَرَّقْتُ
بين الرجلين فَتَفَرّقا. وفي حديث عمر، رضي الله عنه: فَرِّقُوا عن
المَنِيَّة واجعلوا الرأْس رأْسين؛ يقول: إِذا اشتريتم الرقيق أَو غيره من
الحيوان فلا تُغَالوا في الثمن واشتروا بثمن الرأْس الواحد رأْسين، فإِن
مات الواحد بقي الآخر فكأَنكم قد فَرَّقتم مالكم عن المنيّة. وفي حديث ابن
عمر: كان يُفَرِّق بالشك ويجمع باليقين، يعني في الطلاق وهو أَن يحلف
الرجل على أَمر قد اختلف الناس فيه ولا يُعْلَم مَنِ المُصيبُ منهم فكان
يُفَرِّق بين الرجل والمرأَة احتياطاً فيه وفي أَمثاله من صور الشك، فإِن
تبين له بعد الشك اليقينُ
جَمَعَ بينهما. وفي الحديث: من فارَقَ الجماعة فَمِيتَتُه جاهليّة؛ يعني
أَن كل جماعة عَقَدت عَقْداً يوافق الكتاب والسنَّة فلا يجوز لأَحد أَن
يفارقهم في ذلك العقد، فإِن خالفهم فيه استحق الوعيد، ومعنى قوله فميتته
جاهلية أَي يموت على ما مات عليه أَهل الجاهلية من الضلال والجهل. وقوله
تعالى: وإِذ فَرَقْنا بكم البحر؛ معناه شققناه. والفِرْقُ: القِسْم،
والجمع أَفْراق. ابن جني: وقراءة من قرأَ فَرَّقنا بكم البحر، بتشديد الراء،
شاذة، من ذلك، أَي جعلناه فِرَقاً وأَقساماً؛ وأَخذتُ حقي منه
بالتَّفَارِيق.
والفِرْقُ: الفِلْق من الشيء إِذا انْفَلَقَ منه؛ ومنه قوله تعالى:
فانْفَلَق فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْد العظيم. التهذيب: جاءَ
تفسير فرقنا بكم البحر في آية أُخرى وهي قوله تعالى: وأَوحينا إِلى موسى
أَن اضرب بعصاك البحر فانْفَلَق فكان كل فِرْقٍ كالطود العظيم؛ أَراد
فانْفَرَق البحرُ فصار كالجبال العِظام وصاروا في قَرَاره. وفَرَق بين
القوم يَفْرُق ويَفْرِق. وفي التنزيل: فافْرُقْ بيننا وبين القوم الفاسقين؛
قال اللحياني: وروي عن عبيد بن عمير الليثي أَنه قرأَ فافْرِقْ بيننا،
بكسر الراء.
وفَرَّقَ
بينهم: كفَرَقَ؛ هذه عن اللحياني. وتَفَرَّق القوم تَفَرُّقاً
وتَفْرِيقاً؛ الأَخيرة عن اللحياني. الجوهري: فَرَقْتُ بين الشيئين أَفْرُق
فَرْقاً وفُرْقاناً وفَرَّقْتُ الشيءَ تَفْريقاً وتَفْرِقةً فانْفَرقَ
وافْتَرَقَ
وتَفَرَّق، قال: وفَرَقْتُ أَفْرُق بين الكلام وفَرَّقْتُ بين
الأَجسام، قال: وقول النبي، صلى الله عليه وسلم: البَيِّعان بالخيار ما لَم
يَتَفَرقا بالأَبدان، لأَنه يقال فَرَّقْتُ بينهما فَتَفَرَّقا. والفُرْقة:
مصدر الافْتِرَاقِ. قال الأَزهري: الفُرْقة اسم يوضع موضع المصدر الحقيقي
من الافْتِرَاقِ. وفي حديث ابن مسعود: صلَّيت مع النبي، صلى الله عليه
وسلم، بمنىً ركعتين ومع أَبي بكر وعمر ثم تَفَرَّقَتْ بكم الطُرُق، أَي ذهب
كل منكم إِلى مذهب ومَالَ إِلى قول وتركتم السُّنة.
وفارَقَ
الشيءَ مُفَارقةً وفِرَاقاً: بايَنَهُ، والاسم الفُرْقة. وتَفَارق
القومُ: فَارَقَ بعضهم بعضاً. وفَارَقَ فلان امرأَته مُفَارقةً وفِراقاً:
بايَنَها. والفِرْقُ
والفِرْقةُ والفَرِيقُ: الطائفة من الشيء المُتَفَرِّق. والفِرْقةُ:
طائفة من الناس، والفَرِيقُ أَكثر منه. وفي الحديث: أَفارِيق العرب، وهو جمع
أَفْراقٍَ، وأَفراقٌ جمع فِرْقةِ، قال ابن بري: الفَرِيقُ من الناس
وغيرهم فِرْقة منه، والفَرِيقُ المُفارِقُ؛ قال جرير:
أَتَجْمعُ قولاً بالعِراقِ فَرِيقُهُ،
ومنه بأَطْلالِ الأَرَاكِ فَرِيقُ؟
قال: وأَفْرَاق جمع فِرَقٍ، وفِرَقٌ جمع فِرْقةٍ، ومثله فِيقَةٌ وفِيَق
وأَفْواق وأَفَاويق. والفِرْقُ: طائفة من الناس، قال: وقال أَعرابي
لصبيان رآهم: هؤُلاء فِرْقُ سوء. والفَرِيقُ الطائفة من الناس وهم أَكثر من
الفِرْقِ، ونيَّة فَرِيقٌ: مُفَرَّقة؛ قال:
أَحَقّاً أَن جِيرتَنَا اسْتَقَلُّوا؟
فَنِيَّتُنا ونِيَّتُهُمْ فَرِيقُ
قال سيبويه: قال فَرِيقٌ كما تقول للجماعة صَدِيق. وفي التنزيل: عن
اليمين وعن الشمال قَعيدٌ؛ وقول الشاعر:
أَشهدُ بالمَرْوَةِ يوماً والصَّفَا،
أَنَّكَ خيرٌ من تَفارِيقِ العَصَا
قال ابن الأَعرابي: العصا تكسر فيتخذ منها ساجُورٌ، فإِذا كُسر
السَّاجُور اتُّخِذَت منه الأَوْتادُ: فإِذا كُسر الوَتِد اتخذت منه التَّوَادِي
تُصَرُِّ بِهَا الأَخْلاف. قال ابن بري: والرجز لغنية الأَعرابية، وقيل
لامرأَة قالتهما في ولدها وكان شديد العَرَامة مع ضعف أَسْرٍ ودِقَّةٍ،
وكان قد واثب فَتىً فقطع أَنفه فأَخذت أُمه دِيَتَه، ثم واثب آخر فقطع شفته
فأَخذت أُمه ديتها، فصلحت حالها فقالت البيتين تخاطبه بهما.
والفَرْقُ: تَفْرِيقُ
ما بين الشيئين حين يَتَفَرَّقان. والفَرْقُ: الفصل بين الشيئين. فَرَقَ
يَفْرُقُ فَرْقاً: فصل: وقوله تعالى: فالفَارِقاتِ فَرْقاً، قال ثعلب:
هي الملائكة تُزَيِّل بين الحلال والحرام. وقوله تعالى: وقرآناً
فَرَقْناه، أَي فصلناه وأَحكمناه، مَنْ خفَّف قال بَيَّناه من فَرَقَ يَفْرُق،
ومن شدَّد قال أَنزلناه مُفَرَّقاً في أَيامٍ. التهذيب: قرئَ فَرَّقْناه
وفَرَقْناهُ، أَنزل الله تعالى القرآن جملةً إِلى سماءِ الدنيا ثم نزل
على النبي، صلى الله عليه وسلم، في عشرين سنة، فَرَّقةُ الله في التنزيل
ليفهمه الناس. وقال الليث: معناه أَحكمناه كقوله تعالى: فيها يُفَرَّقُ
كل أَمر حكيم؛ أَي يُفَصَّل، وقرأَه أَصحاب عبد الله مخففاً، والمعنى
أَحكمناه وفصلناه. وروي عن ابن عباس فَرَّقْناه، بالتثقيل، يقول لم ينزل في
يوم ولا يومين نزل مُتَفَرِّقاً، وروي عن ابن عباس أَيضاً فَرَقْناه
مخففة. وفَرَقَ الشعرَ
بالمشط يَفرُقُه ويَفْرِقُه فَرْقاً وفَرَّقه: سَرَّحه. والفَرْقُ: موضع
المَفْرِق من الرأْس. وفَرْقُ الرأْس: ما بين الجبين إِلى الدائرة؛ قال
أَبو ذؤيب:
ومَتْلَف مثل فَرْقِ الرأْس تَخْلُجُه
مَطَارِبٌ زَقَبٌ، أَمْيالُها فِيحُ
شبّهه بفَرْقِ الرأْس في ضيقه، ومَفْرِقُه ومَفْرَقُه كذلك: وسط رأْسه.
وفي حديث صفة النبي، صلى الله عليه وسلم: إِن انْفَرَقَتْ عَفِيقَتُه
فَرَقَ
وإِلاَّ فلا يبلغ شعرُه شَحْمة أُذنه إِذا هو وَفَّرَه أَي إِن صار شعره
فِرْقَيْن بنفسه في مَفْرقه تركه، وإِن لم يَنْفَرِقْ لم يَفْرِقْه؛
أَراد أَنه كان لا يَفْرُق شعره إِلاَّ يَنْفَرِق هو، وهكذا كان أَول الأَمر
ثم فَرَقَ. ويقال للماشطة: تمشط كذا وكذا فَرْقاً أَي كذا وكذا ضرباً.
والمَفْرَق والمَفْرِقُ: وسط الرأْس وهو الذي يُفْرَقُ فيه الشعر، وكذلك
مَفْرَق الطريق. وفَرَقَ له عن الشيء: بيَّنه له ؛ عن ابن جني.
ومَفْرِقُ الطريق ومَفْرَقُه: مُتَشَعَّبُه الذي يَتَشَعَّب منه طريق آخر، وقولهم
للمَفِْرِق مَفَارِق كأَنهم جعلوا كل موضع منه مَفْرِقاً فجمعوه على
ذلك. وفَرَقَ له الطريق أَي اتجه له طريقان.
والفَرَقُ في النبات: أَن يَتَفرَّق قِطَعاً من قولهم أَرض فَرِقَةٌ في
نبتها، فَرَق على النسب لأَنه لا فعل له، إِذا لم تكن
(* الضمير يعود
إِلى الأرض الفَرِقة.) واصبَةً متصلة النبات وكان مُتَفَرِّقاً. وقال أَبو
حنيفة: نبت فَرِقٌ صغير لم يغطِّ الأَرض. ورجل أَفْرقُ: للذي ناصيته
كأَنها مَفْروقة، بيِّن الفَرَق
(* بيّن الفرق أي الرجل الأَفرق)، وكذلك
اللحية، وجمع الفَرَق أَفْراق؛ قال الراجز:
يَنْفُضُ عُثْنوناً كثيرَ الأَفْرَاقْ،
تَنْتِحُ ذِفْراهُ بمثل الدِّرْياقْ
الليث: الأَفْرقُ
شبه الأفْلَج إِلاَّ أَن الأَفْلَج زعموا ما يفلّج، والأَفْرَقُ خِلْقة.
والفرقاءُ من الشاءِ: البعيدة ما بين الخصيتين. ابن سيده: الأَفْرقُ:
المتباعد ما بين الثَّنِيَّتَيْنِ. وتَيْس أَفْرَقُ: بعيد ما بين
القَرْنَيْن. وبعير أَفْرَقُ: بعيد ما بين المَنْسِمَيْنِ. وديك أَفْرَقُ: ذو
عُرْفَيْنِ للذي عُرْفُه مَفْروق، وذلك لانفراج ما بينهما. والأفْرَقُ من
الرجال: الذي ناصيته كأَنها مفروقة، بيِّن الفَرَقِ، وكذلك اللحية، ومن
الخيل الذي إِحدى ورِكَيْهِ
شاخصة والأُخرى مطمئنة، وقيل: الذي نقصت إِحدى فخذيه عن الأُخرى وهو
يكره، وقيل: هو الناقص إِحدى الوركين؛ قال:
ليسَتْ من الفُرْقِ البِطاءِ دَوْسَرُ
وأَنشده يعقوب: من القِرْقِ البطاء، وقال: القِرْقُ الأَصل، قال ابن
سيده: ولا أَدري كيف هذه الرواية. وفي التهذيب: الأَفْرَقُ من الدواب الذي
إِحدى حَرْقَفَتَيْهِ شاخصة والأُخرى مطمئنة. وفرس أَفْرَقُ: له خصية
واحدة، والاسم الفَرَقُ من كل ذلك، والفعل من كل ذلك فَرِقَ فَرَقاً.
والمَفْروقان من الأَسباب: هما اللذان يقوم كل واحد منهما بنفسه أَي
يكون حرف متحرك وحرف ساكن ويتلوه حرف متحرك نحو مُسْتَفْ من مُسْتَفْعِلُنْ،
وعِيلُنْ من مَفاعِيلُنْ.
والفُرْقانُ: القرآن. وكل ما فُرِقَ
به بينْ الحق والباطل، فهو فُرْقان، ولهذا قال الله تعالى: ولقد آتينا
موسى وهرون الفرقان. والفُرْق أَيضاً: الفُرْقان ونظيره الخُسْر
والخُسْران؛ وقال الراجز:
ومُشْرِكيّ كافر بالفُرْقِ
وفي حديث فاتحة الكتاب: ما أُنزل في التوراة ولا الإِنجيل ولا الزَّبُور
ولا الفُرْقانِ مِثْلُها؛ الفُرْقان: من أَسماء القرآن أَي أَنه فارِقٌ
بين الحق والباطل والحلال والحرام. ويقال: فَرَقَ بين الحق والباطل،
ويقال أَيضاً: فَرَقَ بين الجماعة؛ قال عدي بن الرِّقاع:
والدَّهْرُ يَفْرُقُ بين كلِّ جماعةٍ،
ويَلُفّ بين تَباعُدٍ وَتَناءِ
وفي الحديث: محمدٌ فَرْقٌ بين الناس أَي يَفْرُقُ بين المؤمنين
والكافرين بتصديقه وتكذيبه. والفُرْقان: الحُجّة. والفُرْقان: النصر. وفي
التنزيل: وما أَنزلنا على عبدنا يوم الفُرْقان، وهو يوم بَدْرٍ لأَن الله
أَظْهَرَ
من نَصْره ما كان بين الحق والباطل. التهذيب وقوله تعالى: وإِذ آتينا
موسى الكتاب والفُرْقان لعلكم تهتدون، قال: يجوز أَن يكونَ الفُرْقانُ
الكتاب بعينه وهو التوراة إِلا أَنه أُعِيدَ ذكره باسم غير الأَول، وعنى به
أَنه يَفْرُقُ بين الحق والباطل، وذكره الله تعالى لموسى في غير هذا
الموضع فقال تعالى: ولقد آتينا موسى وهرون الفُرْقانَ وضياء؛
أَراد التوراة فسَمّى جلّ ثناؤه الكتاب المنزل على محمد، صلى الله عليه
وسلم، فُرْقاناً وسمى الكتاب المنزل على موسى، صلى الله عليه وسلم،
فُرْقاناً، والمعنى أَنه تعالى فَرَقَ بكل واحد منهما بين الحق والباطل، وقال
الفراء: آتينا موسى الكتاب وآتينا محمداً الفُرْقانَ، قال: والقول الذي
ذكرناه قبله واحتججنا له من الكتاب بما احتججنا هو القول.
والفَارُوقُ: ما فَرَّقَ بين شيئين. ورجل فارُوقٌ: يُفَرِّقُ ما بين
الحق والباطل. والفارُوقُ: عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، سماه الله به
لتَفْريقه بين الحق والباطل، وفي التهذيب: لأَنه ضرب بالحق على لسانه في حديث
ذكره، وقيل: إِنه أَظهر الإِسلام بمكة فَفَرَّقَ بين الكفر والإِيمان؛
وقال الفرزدق يمدح عمر بن عبد العزيز:
أَشْبَهْتَ من عُمَرَ الفارُوقِ سِيرَتَهُ،
فاقَ البَرِيَّةَ وأْتَمَّتْ به الأُمَمُ
وقال عتبة بن شماس يمدح عمر بن عبد العزيز أَيضاً:
إن أَوْلى بالحقّ في كلّ حَقٍّ،
ثم أَحْرَى بأَن يَكُونَ حَقِيقا،
مَنْ أَبوهُ عبدُ العَزِيزِ بنُ مَرْوا
نَ، ومَنْ كان جَدُّه الفارُوقا
والفَرَقُ: ما انفلق من عمود الصبح لأَنه فارَقَ سواد الليل، وقد
انْفَرَقَ، وعلى هذا أَضافوا فقالوا أَبْين من فَرَق الصبح، لغة في فَلَق
الصبح، وقيل: الفَرَقُ الصبح نفسه. وانْفَرَقَ الفجرُ وانْفَلَق، قال: وهو
الفَرَق والفَلَقُ للصبح؛ وأَنشد:
حتى إِذا انْشَقَّ عن إِنسانه فَرَقٌ،
هادِيهِ في أُخْرَياتِ الليلِ مُنْتَصِبُ
والفارِقُ من الإِبل: التي تُفارق إِلْفَها فَتَنْتَتِجُ وحدها، وقيل:
هي التي أَخذها المَخاض فذهبت نادَّةً في الأَرض، وجمعها فُرَّق وفَوارِق،
وقد فَرَقَتْ تَفْرُق فُروقاً، وكذلك الأَتان؛ وأَنشد الأَصمعي لعُمارة
بن طارق:
اعْجَلْ بغَرْبٍ مثل غَرْبِ طارقِ،
ومَنْجَنُون كالأَتان الفارق،
من أَثْلِ ذاتِ العَرْض والمَضايقِ
قال: وكذلك السحابة المنفردة لا تخلف وربما كان قبلها رعد وبرق؛ قال ذو
الرمة:
أَو مُزْنَة فارِق يَجْلُو غوارِبَها
تَبوُّجُ البرقِ والظلماءُ عُلْجُومُ
الجوهري: وربما شبهوا السحابة التي تنفرد من السحاب بهذه الناقة فيقال
فارق. وقال ابن سيده: سحابة فارِقٌ منقطعة من معظم السحاب تشبه بالفارِقِ
من الإِبل؛ قال عبد بني الحَسْحاسِ يصف سحاباً:
له فُرَّقٌ منه يُنَتَّجْنَ حَوْلَهُ،
يفَقِّئْنَ بالمِيثِ الدِّماثِ السَّوابيا
فجعل له سوابي كسوابي الإِبل اتساعاً في الكلام، قال ابن بري: ويجمع
أَيضاً على فُرَّاق؛ قال الأَعشى:
أَخرجَتْه قَهْباءُ مُسْبِلةُ الوَدْ
قِ رَجُوسٌ، قدَّامَها فُرّاقُ
ابن الأَعرابي: الفارقُ من الإِبل التي تشتد ثم تُلْقي ولدها من شدة ما
يمرّ بها من الوجع. وأَفْرَقَتِ الناقة: أَخرجت ولدها فكأَنها فارَقَتْه.
وناقة مُفْرق: فارقها ولدها، وقيل: فارقها بموت، والجمع مَفارِيق. وناقة
مُفْرِق: تمكث سنتين أَو ثلاثاً لا تَلْقَح. ابن الأَعرابي: أَفْرَقْنا
إِبلَنا لعام إِذا خلَّوْها في المرعى والكلإِ لم يُنْتِجوها ولم
يُلْقِحوها. قال الليث: والمطعون إِذا برأَ قيل أَفْرَق يُفْرِقُ إِفْراقاً. قال
الأَزهري: وكل عَليلٍ أَفاق من علته، فقد أَفْرَقَ. وأَفْرَقَ المريضُ
والمحْموم: برأَ، ولا يكون إِلا من مرض يصيب الإِنسان مرة واحدة
كالجُدَرِيّ والحَصْبة وما أَشبههما. وقال اللحياني: كل مُفِيقٍ من مرضه مُفْرق
فعَمّ بذلك. قال أَعرابي لآخر: ما أَمَارُ إِفْراقِ المَوْرود؟ فقال:
الرُّحَضاءُ؛ يقول: ما علامة برء المحموم، فقال العَرَق. وفي الحديث: عُدّوا
مَنْ أَفْرقَ من الحيّ أَي من برأَ من الطاعون.
والفِرْقُ، بالكسر: القطيع من الغنم والبقر والظباء العظيمُ، وقيل: هو
ما دون المائة من الغنم؛ قال الراعي:
ولكنما أَجْدَى وأَمْتَعَ جَدُّهُ
بفِرْق يُخَشِّيه، بِهَجْهَجَ، ناعِقُهْ
يهجو بهذا البيت رجلاً من بني نُميرٍ اسمه قيس بن عاصم النُّميري يلقب
بالحَلالِ، وكان عَيَّره بإِبله فهجاه الراعي وعَيَّره أَنه صاحب غنم ومدح
إِبله، يقول أَمْتَعَهُ جدُّه أَي حظه بالغنم وليس له سواها؛ أَلا ترى
إِلى قوله قبل هذا البيت:
وعَيَّرَني الإِبْلَ الحَلالُ، ولم يَكُنْ
ليَجْعَلَها لابن الخَبِيثَةِ خالقُه
والفَريقةُ: القطعة من الغنم. ويقال: هي الغنم الضالة؛ وهَجْهَجْ: زجر
للسباع والذِّئاب، والناعق: الراعي. والفَريقُ: كالفِرْقِ. والفِرْقُ
والفَريقُ من الغنم: الضالة. وأَفْرَقَ فلانٌ غنمه: أَضلَّها وأَضاعها.
والفَريقةُ من الغنم: أَن تتفرق منها قطعة أَو شاة أَو شاتان أَو ثلاث شياه
فتذهب تحت الليل عن جماعة الغنم؛ قال كثيِّر:
وذِفْرى ككاهِلِ ذِيخِ الخَلِيف،
أَصاب فَرِيقةَ ليلٍ فعاثَا
وفي الحديث: ما ذِئْبانِ عادِيانِ أَصابا فَريقة غنمٍ؛ الفَرِيقةُ:
القطعة من الغنم تَشِذّ عن معظمها، وقيل: هي الغنم الضالة. وفي حديث أَبي ذر:
سئل عن ماله فقال فِرْقٌ لنا وذَوْدٌ؛ الفِرْقُ القطعة من الغنم. وقال
ابن بري في بيت كثيِّر: والخَلِيفُ الطريق بين الجبلين؛ وصواب إِنشاده
بذفرى لأَن قبله:
تُوالي الزِّمامَ، إِذا ما وَنَتْ
ركائِبُها، واحْتُثِثْنَ احْتِثاثا
ابن سيده: والفِرْقَةُ من الإِبل، بالهاء، ما دون المائة.
والفَرَقُ، بالتحريك: الخوف. وفَرِقَ منه، بالكسر، فَرَقاً: جَزِع؛ وحكى
سيبويه فَرِقَه على حذف من؛ قال حين مثّل نصب قولهم: أَو فَرَقاً خيراً
من حُبّ أَي أَو أَفْرَقُكَ فَرَقاً. وفَرِقَ عليه: فزع وأَشفق؛ هذه عن
اللحياني. ورجل فَرِقٌ وفَرُق وفَرُوق وفَرُوقَةٌ وفَرُّوق وفَرُّوقةٌ
وفاروق وفارُوقةٌ: فَزِعٌ شديد الفَرَق؛ الهاء في كل ذلك ليست لتأْنيث
الموصوف بما هي فيه إِنما هي إِشعار بما أُريد من تأْنيث الغاية والمبالغة.
وفي المثل: رُبَّ عَجَلة تَهَبُ رَيْثاً ورب فَرُوقةٍ يُدْعى ليْثاً؛
والفَرُوقة: الحُرْمة؛ وأَنشد:
ما زالَ عنه حُمْقُه ومُوقُه
واللؤْمُ، حتى انْتُهكتْ فَروقُه
وامرأَة فَرُوقة ولا جمع له؛ قال ابن بري: شاهد رجلٌ فَرُوقَة للكثير
الفزع قول الشاعر:
بَعَثْتَ غلاماً من قريشٍ فَرُوقَةً،
وتَتْرُك ذا الرأْي الأَصيلِ المُهَلَّبا
وقال مُوَيلك المَرْموم:
إِنِّي حَلَلْتُ، وكنتُ جدّ فَرُوقة،
بلداً يمرُّ به الشجاعُ فَيَفْزَعُ
قال: ويقال للمؤنث فَرُوقٌ أَيضاً؛ شاهده قول حميد بن ثور:
رَأَتْني مُجَلِّيها فصَدَّتْ مَخافَةً،
وفي الخيل رَوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ
وفي حديث بدء الوحي: فَجُئِثْتُ منه فَرَقاً؛ هو بالتحريك الخوف والجزع.
يقال: فَرِقَ يَفْرَقُ فَرَقاً، وفي حديث أَبي بكر: أَباللهِ
تُفَرِّقُني؟ أَي تخوِّفني. وحكى اللحياني: فَرَقْتُ الصبيّ إِذا رُعْتَه وأَفزعته؛
قال ابن سيده: وأراها فَرَّقت، بتشديد الراء، لأَن مثل هذا يأْتي على
فَعَّلت كثيراً كقولك فَزّعت ورَوَّعت وخوَّفت. وفارَقَني ففَرَقْتُه
أَفْرُقُه أَي كنت أَشد فَرَقاً منه؛ هذه عن اللحياني حكاه عن الكسائي. وتقول:
فَرِقْتُ منك ولا تقل فَرِقْتُكَ.
وأَفْرَقَ الرجلُ والطائر والسبع والثعلب:: سَلَحَ؛ أَنشد اللحياني:
أَلا تلك الثَّعالبُ قد تَوَِالَتْ
عليَّ، وحالَفَتْ عُرْجاً ضِباعا
لتأْكلني، فَمَرَّ لهنَّ لَحْمِي،
فأَفْرَقَ، من حِذَاري، أَو أَتاعا
قال: ويروى فأَذْرَقَ، وقد تقدم.
والمُفْرِقُ: الغاوِي على التشبيه بذلك أَو لأَنه فارَق الرُّشد،
والأَول أَصح؛ قال رؤْبة:
حتى انتهى شيطانُ كلّ مُفْرِق
والفَريقةُ: أَشياء تخلط للنفساء من بُرّ وتمر وحُلْبة، وقيل: هو تمر
يطبخ بحلبة للنفساء؛ قال أَبو كبير:
ولقدْ ورَدْتُ الماء، لَوْنُ جِمامِهِ
لَوْنُ الفَرِيقَةِ صُفِّيَتْ للمُدْنَفِ
قال ابن بري: صوابه ولقد ورَدتَ الماء، بفتح التاء، لأَنه يخاطب
المُرِّيّ. وفي الحديث: أَنه وصف لسعد في مرضه الفَريقةَ؛ هي تمر يطبخ بحلبة وهو
طعام يعمل للنفساء.
والفَرُوقة: شحم الكُلْيَتَيْنِ؛ قال الراعي:
فبتْنَا، وباتَتْ قِدْرُهُمْ ذاتَ هِزَّةٍ،
يُضِيءُ لنا شحمُ الفَرُوقةِ والكُلَى
وأَنكر شمر الفَروقة بمعنى شحم الكليتين. وأَفرقوا إِبلهم: تركوها في
المرعى فلم يُنْتِجوها ولم يُلقحوها. والفَرْقُ: الكتَّان؛ قال:
وأَغْلاظ النُّجوم مُعَلَّقات
كحبل الفَرْقِ ليس له انتِصابُ
والفَرْق والفَرَقُ: مكيال ضخم لأَهل المدينة معروف، وقيل: هو أَربعة
أَرباع، وقيل: هو ستة عشر رطلاً؛ قال خِدَاشُ بن زهير:
يأْخُذونَ الأَرْشَ في إِخْوَتِهِم،
فَرَقَ السَّمْن وشاةً في الغَنَمْ
والجمع فُرْقان، وهذا الجمع قد يكون للساكن والمتحرك جميعاً، مثل بَطْن
وبُطْنان وحَمَل وحُمْلان؛ وأَنشد أَبو زيد:
تَرْفِدُ بعد الصَّفِّ في فُرْقان
قال: والصَّفُّ أَن تَحْلُبَ في مِحْلَبَيْنِ أَو ثلاثة تَصُفّ بينها.
وفي الحديث: أَن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يتوضأُ بالمُدِّ ويغتسل
بالصاع، وقالت عائشة: كنت أَغتسل معه من إِناء يقال له الفَرَقُ؛ قال
أَبو منصور: والمحدِّثون يقولون الفَرْق، وكلام العرب الفَرَق؛ قال ذلك
أَحمد بن يحيى وخالد بن يزيد وهو إِناء يأْخذ ستة عشر مُدّاً وذلك ثلاثة
أَصْوُعٍ. ابن الأَثير: الفَرَقُ، بالتحريك، مكيال يسع ستة عشر رطلاً وهي
اثنا عشر مُدّاً، وثلاثة آصُعٍ عند أَهل الحجاز، وقيل: الفَرَق خمسة أَقساط
والقِسْط نصف صاع، فأَما الفَرْقُ، بالسكون، فمائة وعشرون رطلاً؛ ومنه
الحديث: ما أَسْكَرَ منه الفَرْقُ فالحُسْوةُ منه حرام؛ وفي الحديث الآخر:
من استطاع أَن يكون كصاحب فَرْقِ الأَرُزّ فليكن مثله؛ ومنه الحديث: في
كلِّ عشرةِ أَفْرُقِ عسلٍ فَرَقٌ؛ الأَفْرُق جمع قلة لفَرَقٍ كجبَلٍ
وأَجْبُل. وفي حديث طَهْفة: بارَكَ الله لهم في مَذْقِها وفِرْقِها، وبعضهم
يقوله بفتح الفاء، وهو مكيال يكال به اللبن
(* قوله «يكال به اللبن» الذي
في النهاية: البرّ). والفُرقان والفُرْقُ: إِناء؛ أَنشد أَبو زيد:
وهي إِذا أَدَرَّها العَيْدان،
وسطَعَت بمُشْرِفٍ شَبْحان،
تَرْفِدُ بعد الصَّفِّ في الفُرْقان
أَراد بالصَّفّ قَدَحَيْن، وقال أَبو مالك: الصف أَن يصفَّ بين القدحين
فيملأهما. والفُرقان: قدحان مفترقان، وقوله بمشرف شبحان أَي بعنق طويل؛
قال أَبو حاتم في قول الراجز:
ترفد بعد الصف في الفرقان
قال: الفُرْقان جمع الفَرْق، والفَرْق أَربعة أَرباع، والصف أَن تصفَّ
بين محلبين أَو ثلاثة من اللبن.
ابن الأَعرابي: الفِرْق الجبل والفِرْق الهَضْبة والفِرْق المَوْجة.
ويقال: وَقَّفْتُ فلاناً على مَفارِقِ الحديث أَي على وجوهه. وقد
فارَقْتُ فلاناً من حسابي على كذا وكذا إِذا قطعتَ الأَمر بينك وبينه على أَمر
وقع عليه اتفاقكما، وكذلك صادَرْتُه على كذا وكذا.
ويقال: فَرَقَ لي هذا الأَمرُ يَفْرُقُ فُرُوقاً إِذا تبين ووضح.
والفَرِيقُ: النخلة يكون فيها أُخرى؛ هذه عن أَبي حنيفة.
والفَرُوق: موضع؛ قال عنترة:
ونحن مَنَعْنا، بالفَرُوقِ، نساءَكُمْ
نُطَرِّف عنها مُبْسِلاتٍ غَوَاشِيا
والفُرُوق: موضع في ديار بني سعد؛ أَنشد رجل منهم:
لا بارَكَ اللهُ على الفُرُوقِ،
ولا سَقاها صائبَ البُرُوقِ
وفي حديث عثمان: قال لخَيْفان كيف تركتَ أَفارِيق العرب؟ هو جمع
أَفْراق، وأَفْراقٌ جمع فِرْق، والفِرْق والفَرِيقُ والفِرْقةُ بمعنى. وفَرَقَ
لي رأْيٌ أَي بدا وظهر. وفي حديث ابن عباس: فَرَقَ لي رأْيٌ أَي ظهر، وقال
بعضهم: الرواية فُرِقَ، على ما لم يسمَّ فاعله.
ومَفْروق: لقب النعمان بن عمرو، وهو أَيضاً اسم. ومَفْرُوق: اسم جبل؛
قال رؤبة:
ورَعْنُ مَفْرُوقٍ تَسامى أُرَّمُهْ
وذاتُ فِرقَيْن التي في شعر عَبيد بن الأَبرص: هَضْبة بين البصرة
والكوفة؛ والبيت الذي في شعر عبيد هو قوله:
فَرَاكِسٌ فَثُعَيْلَباتٌ،
فذاتُ فِرْقَيْنِ فالقَليبُ
وإفْريقيَةُ: اسم بلاد، وهي مخففة الياء؛ وقد جمعها الأَحوص على
أَفارِيق فقال:
أَين ابنُ حَرْبٍ ورَهْطٌ لا أَحُسُّهُمُ؟
كانواعلينا حَديثاً من بني الحَكَمِ
يَجْبُونَ ما الصِّينُ تَحْوِيهِ، مَقانِبُهُمْ
إلى الأَفارِيق من فخصْحٍ ومن عَجَمِ
ومُفَرِّقُ الغنم: هو الظِّرِبان إذا فَسا بينها وهي مجتمعة تفرقت. وفي
الحديث في صفته، عليه السلام: أَن اسمه في الكتب السالفة فَارِق لِيطا
أَي يَفْرُقُ بين الحق والباطل. وفي الحديث: تأتي البقرة وآل عمران كأنهما
فِرْقانِ من طير صَوافّ أَي قطعتان.
عرب:العُرْبُ والعَرَبُ : جِيْلٌ من الناس معروف ، خِلافُ العَجَم ، وهما واحدٌ ، مثل العُجْمِ والعَجَم ، مؤنث ، وتصغيره بغير هاء نادر . الجوهري : العُرَيْبُ تصغير العَرَبِ ؛ قال أبو الهِنْدِيّ ، واسمه عَبْدُالمؤمن ابن عبدالقُدُوس :
فأَمَّا البَهَطُ وحِيتَانُكُم ، * فما زِلْتُ فيها كثيرَ السَّقَمْ
وقد نِلْتُ منها كما نِلْتُمُ ، * فلَمْ أرَ فيها كَضَبٍّ هَرِمْ
وما في البُيُوضِ كبَيْضِ الدَّجاج ، * وبَيْضُ الجَرادِ شِفاءُ القَرِمْ
ومَكْنُ الضِّبابِ طَعامُ العُرَيْـ * ـبِ ، لا تَشْتَهيهِ نفوسُ العَجَمْ
صَغَّرهم تعظيماً ، كما قال : أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ ، وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ . والعَرَبُ العارِبة : هم الخُلَّصُ منهم ، وأُخِذ من لَفْظه فأُكِّدَ به ، كقولك لَيلٌ لائِلٌ ؛ تقول : عَرَبٌ عارِبةٌ وعَرْباءُ : صُرَحاءُ . ومُتَعَرِّبةُ ومُسْتَعْرِبةٌ : دُخَلاءُ، ليسوا بخُلَّصٍ . والعربي منسوب إلى العرب ، وإن لم يكن بدوياً . والأعرابي : البدوي ؛ وهم الأعراب ؛ والأعاريب : جمع الأعراب . وجاء في الشعر الفصيح الأعاريب ، وقيل : ليس الأعراب جمعاً لعرب ، كما كان الأنباط جمعاً لنبطٍ ، وإنما العرب اسم جنس . والنسب إلى الأعراب : أعرابي ؛ قال سيبويه إنما قيل في النسب إلى الأعراب أعرابي ، لأنه لا واحد له على هذا
المعنى . ألا ترى أنك تقول العرب ، فلا يكون على هذا
المعنى ؟ فهذا يقويه . وعربي : بين العروبة والعروبية ، وهما من المصادر التي لا أفعال لها . وحكى الأزهري : رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتاً ، وإن لم يكن فصيحاً ، وجمعه العرب ، كما يقال : رجل مجوسي ويهودي ، والجمع ، بحذف ياء النسبة ، اليهود والمجوس . ورجل معرب إذا كان فصيحاً ، وإن كان عجمي النسب . ورجل أعرابي ، بالألف ، إذا كان بدوياً ، صاحب نجعة وانتواء وارتياد للكلإ ، وتتبع لمساقط الغيث ، وسواء كان من العرب أو من مواليهم .
ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب . والأعرابي إذا قيل له : يا عربي ! فرح بذلك وهش له . والعربي إذا قيل له : يا أعرابي ! غضب له . فمن نزل البادية ، أو جاور البادين وظعن بظعنهم ، وانتوى بانتوائهم : فهم أعراب ؛ ومن نزل بلاد الريف واستوطن مدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب : فهم عرب ، وإن لم يكونوا فصحاء . وقول اللّه ، عز وجل : قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا ،قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا، وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا . فهؤلاء قوم من بوادي العرب قدموا على النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، المدينة، طمعاً في الصدقات ، لا رغبة في الإسلام ، فسماهم اللّه تعالى العرب ؛ ومثلْهم الذين ذكرهم اللّه في سورة التوبة، فقال : الأَعْرابُ أَشدّ كُفراً ونِفاقاً ؛ الآية . قال الأزهري : والذي لا يفرق بين العربي والأعراب والعربي والأعرابي ، ربما تحامل على العرب بما يتأوله في هذه الآية ، وهو لا يميز بين العرب والأعراب ، ولا يجوز أن يقال للمهاجرين
والأنصار أعراب ، إنما هم عرب لأنهم استوطنوا القرى العربية ، وسكنوا المدن ، سواء منهم الناشئ بالبدو ثم استوطن القرى ، والناشئ بمكة ثم هاجر إلى المدينة ، فإن لحقت طائفة منهم بأهل البدو بعد هجرتهم ، واقتنوا نعماً ، ورعوا مساقط الغيث بعد ما كانوا حاضرة أو مهاجرة ، قيل : قد تعربوا أي صاروا أعراباً ، بعدما كانوا عرباً . وفي الحديث : تمثل في خطبته مهاجر ليس بأعرابي ؛ جعل المهاجر ضد الأعرابي . قال : والأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ، ولا يدخلونها إلا لحاجة . والعرب : هذا الجيل،لا واحد له من لفظه ، وسواء أقام بالبادية والمدن ، والنسبة إليهما أعرابيٌّ وعربيٌّ . وفي الحديث : ثلاث (1)
(1 قوله« وفي الحديث ثلاث الخ »كذا بالأصل والذي في النهاية وقيل ثلاث إلـخ ) من الكبائر ، منها التعرب بعد الهجرة: هو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب ، بعد أن كان
مهاجراً . وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير
(يتبع...)
(تابع... 1): عذب: العَذْبُ من الشَّرابِ والطَّعَامِ: كُلُّ مُسْتَسَاغٍ. والعَذْبُ:... ...
عذر ، يعدونه كالمرتد . ومنه حديث ابن الأكوع : لما قتل عثمان خرج إلى الربذة وأقام بها ، ثم إنه دخل على الحجاج يوماً ، فقال له : يا ابن الأكوع ارتددت على عقبك وتعربت ؛ قال : ويروى بالزاي ، وسنذكره في موضعه . قال : والعرب أهل الأمصار ، والأعراب منهم سكان البادية خاصة . وتعرب أي تشبه بالعرب ، وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابياً . والعربية : هي هذه اللغة .واختلف الناس في العرب لم سموا عرباً فقال بعضهم : أول من أنطق اللّه لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان،وهو أبو اليمن كلهم ، وهم العرب العاربة ، ونشأ إسمعيل ابن إبراهيم ، عليهما السلام ، معهم فتكلم بلسانهم ، فهو وأولاده : العرب المستعربة ؛ وقيل : إن أولاد إسمعيل نشؤوا بعربة ، وهي من تهامة ، فنسبوا إلى بلدهم . وروي عن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : خمسة أنبياء من العرب ،
وهم : محمد ، وإسمعيل ، وشعيب ، وصالح ، وهود ، صلوات اللّه عليهم . وهذا يدل على أن لسان العرب قديم . وهؤلاء الأنبياء كلهم كانوا يسكنون بلاد العرب ؛ فكان شعيب وقومه بأرض مدين ، وكان صالح وقومه بأرض ثمود ينزلون بناحية الحجر ، وكان هود وقومه عاد ينزلون الأحقاف من رمال
اليمن ، وكانوا أهل عمدٍ ، وكان إسمعيل ابن إبراهيم والنبي المصطفى محمد ، صلى اللّه عليهم وسلم ، من سكان الحرم . وكل من سكن بلاد العرب وجزريتها ونطق بلسان أهلها ، فهم عرب يمنهم ومعدهم . قال الأزهري : والأقرب عندي أنهم سموا عرباً باسم بلدهم العربات . وقال إسحق ابن الفرج : عربة باحة العرب ، وباحة دار أبي الفصاحة إسمعيل ابن إبراهيم ، عليهما السلام ، وفيها يقول قائلهم :
وعربة أرض ما يحل حرامها ، * من الناس ، إلا اللوذعي الحلاحل
يعني النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أحلت له مكة ساعة من نهارٍ ، ثم هي حرام إلى يوم القيامة . قال : واضطر الشاعر إلى تسكين الراء من عربة، فسكنها ؛ وأنشد قول الآخر :
ورجت باحة العربات رجا ، * ترقرق ، في مناكبها ،الدماءُ
قال : وأقامت قريش بعربة فتنخت بها ، وانتشر سائر العرب في جزيرتها ، فنسبوا كلهم إلى عربة ، لأن أباهم إسمعيل ، صلى اللّه عليه وسلم ، بها نشأ ، وربل أولاده فيها ، فكثروا ، فلما لم تحتملهم البلاد ، انتشروا وأقامت قريش بها . وروي عن أبي بكر الصديق ، رضي اللّه عنه ، أنه قال : قريش هم أوسط العرب في العرب داراً ، وأحسنه جواراً ، وأعربه ألسنة . وقال قتادة : كانت قريش تجتبي ، أي تختار ، أفضل لغات العرب ، حتى صار أفضل لغاتها لغتها، فنزل القرآن بها . قال
الأزهري : وجعل اللّه ، عز وجل ، القرآن المنزل على النبي المرسل محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، عربياً، لأنه نسبه إلى العرب الذين أنزله بلسانهم ، وهم النبي والمهاجرون والأنصار الذين صيغة لسانهم لغة العرب ، في باديتها وقراها ،العربية ؛ وجعل النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، عربياً لأنه من صريح العرب ، ولو أن قوماً من الأعراب الذين يسكنون البادية حضروا القرى العربية وغيرها ، وتناءوا معهم فيها ، سموا عرباً ولم يسموا أعراباً . وتقول : رجل عربي اللسان إذا كان فصيحاً ؛ وقال الليث : يجوز أن يقال رجل عرباني اللسان . قال : والعرب المستعربة هم الذين دخلوا فيهم بعد ، فاستعربوا. قال الأزهري : المستعربة عندي قوم من العجم دخلوا في العرب، فتكلموا بلسانهم ،وحكوا هيئاتهم ، وليسوا بصرحاء
فيهم . وقال الليث : تعربوا مثل استعربوا . قال الأزهري : ويكون التعرب أن يرجع إلى البادية ، بعدما كان مقيماً
بالحضر ، فيلحق بالأعراب . ويكون التعرب المقام بالبادية ، ومنه قول الشاعر :
تعرب آبائي ! فهلا وقاهم ، * من الموت ، رملاً وزرود
يقول : أقام آبائي بالبادية ، ولم يحضروا القرى . وروي عن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : الثيب تعرب عن نفسها أي تفصح. وفي حديث آخر : الثيب يعرب عنها لسانها ، والبكر تستأمر في نفسها . وقال أبو عبيد : هذا الحرف جاء في الحديث يعرب ، بالتخفيف .وقال الفراء : إنما هو يعرب ، بالتشديد . يقال : عربت عن القوم إذا تكلمت عنهم ، واحتججت لهم ؛ وقيل : إن أعرب بمعنى عرب . وقال الأزهري : الإعراب والتعريب معناهما واحد ، وهو الإبانة ؛ يقال : أعرب عنه لسانه وعرب أي أبان وأفصح . وأعرب عن الرجل : بين
عنه . وعرب عنه : تكلم بحجته . وحكى ابن الأثير عن ابن قتيبة : الصواب يعرب عنها ، بالتخفيف . وإنما سمي الإعراب إعراباً ، لتبيينه وإيضاحه ؛ قال : وكلا القولين لغتان
متساويتان ، بمعنى الإبانة والإيضاح . ومنه الحديث الآخر فإنما كان يعرب عما في قلبه لسانه . ومنه حديث التيمي : كانوا يستحبون أن يلقنوا الصبي ، حين يعرب ، أن يقول : لا إله إلا اللّه، سبع مرات أي حين ينطق ويتكلم. وفي حديث السقيفة : أعربهم أحساباً أي أبينهم وأوضحهم . ويقال : أعرب عما في ضميرك أي أبن . ومن هذا يقال للرجل الذي أفصح بالكلام : أعرب . وقال أبو زيد الأنصاري : يقال أعرب الأعجمي
إعراباً ، وتعرب تعرباً ، واستعرب استعراباً : كل ذلك للأغتم دون
الصبي . قال : وأفصح الصبي في منطقه إذا فهمت ما يقول أول ما يتكلم . وأفصح الأغتم إفصاحاً مثله . ويقال للعربي أفصح لي أي أبن لي كلامك . وأعرب الكلام ، وأعرب به : بينه ؛ أنشد أبو زياد :
وإني لأكني عن قذوربغيرها ، * وأعرب أحياناً ، بها ، فأصارح .
وعربه: كأعربه . وأعرب بحجته أي أفصح بها ولم يتقِّ أحداً ؛ قال الكميت : وجدنا لكم ، في آل حمِ ، آية ، * تأولها منا تقيٌّ معربُ
هكذا أنشده سيبويه كَمُكَلِّمٍ . وأورد الأزهري هذا البيت« تقي ومعرب» وقال : تقي يتوقى إظهاره ، حذر أن يناله مكروه من أعدائكم ؛ ومعرب أي مفصح بالحقِّ لا يتوقاهم . وقال الجوهري : معربٌ مفصحٌ بالتفصيل ، وتقيٌّ ساكتٌ عنهُ للتقيّة . قال الأزهري : والخطاب في هذا لبني هاشم ، حين ظهروا على بني أمية ، والآية قوله عز وجل : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى . وعرب منطقه أي هذبه من اللحن . والإعراب الذي هو النحو إنما هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ . وأعرب كلامه إذا لم يلحن في الإعراب . ويقال : عربت له الكلام تعريباً ، وأعربت له إعراباً إذا بينته له حتى لا يكون فيه حضرمة . وعرب الرجل (1)
(1 قوله« وعرب الرجل إلـخ »بضم الراء كفصح وزناً ومعنى وقوله وعرب إذا فصح بعد لكنة بابه فرح كما هو مضبوط بالأصول وصرح به في المصباح . )
يعرب عرباً وعروباً ، عن ثعلب ، وعروبة وعرابة وعروبية ، كفصح . وعرب إذا فصح بعد لكنة في لسانه . ورجل عريب معرب . وعرّبه : علمه العربية . وفي حديث الحسن أنه قال له البتّيُّ : ما تقول في رجل رعف في الصلاة ؟ فقال الحسن : إن هذا يعرب الناس ، وهو يقول رعف ، أي يعلمهم العربية
ويلحن ، إنما هو رعف . وتعريب الاسم الأعجمي : أن تتفوه به العرب على منهاجها ؛ تقول : عربته العرب ، وأعربته أيضاً ، وأعرب الأغتم ، وعرب لسانه ، بالضم ، عروبة أي صار عربياً ، وتعرب واستعرب أفصح ؛ قا ل الشاعر:
ماذا لقينا من المستعربين، ومن * قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا
وأعرب الرجل أي ولد له ولد عربي اللون . وفي الحديث : لا تنقشوا في خواتمكم عربياً أي لا تنقشوا فيها محمد رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه كان نقش خاتم النبي ، صلى اللّه عليه وسلم . ومنه حديث عمر ، رضي اللّه عنه : لا تنقشوا في خواتمكم العربية . وكان ابن عمر يكره أن ينقش في الخاتم القرآن . وعربية الفرس : عتقه وسلامته من الهجنة . وأعرب: صهل ، فعرف عتقه بصهيله . والإعراب : معرفتك بالفرس العربي من الهجين ، إذا صهل . وخيل عراب معربة ، قال الكسائي : والمعرب من الخيل : الذي ليس فيه عرق
هجين ، والأنثى معربة ؛ وإبل عراب كذلك ، وقد قالوا : خيل أعرب ، وإبل أَعربٌ ؛ قال :
ما كان إلا طلقُ الإهماد ، * وكرنا بالأعرب الجياد
<ص:590>
حتى تحاجزن عن الرواد ، * تحاجز الري ولم تكاد
حول الإخبار إلى المخاطبة، ولو أراد الإخبار فاتزن له ، لقال : ولم تكد . وفي حديث سطيح : تقود خيلاً عراباً أي عربية منسوبة إلى العرب . وفرقوا بين الخيل والناس ، فقالوا في الناس : عرب وأعراب ، وفي الخيل : عراب . والإبل
العراب ، والخيل العراب ، خلاف البخاتي والبراذين . وأعرب الرجل : ملك خيلاً عراباً ، أو إبلاً عراباً ، أو اكتسبها ، فهو معرب ؛ قال الجعدي :
ويصهل في مثل جوف الطويّ ، * صهيلاً تبين للمعرب
يقول : إذا سمع صهيله من له خيل عراب عرف أنه عربي . والتعريب : أن يتخذ فرساً عربياً . ورجل معربٌ : معه فرسٌ عربيٌّ . وفرسٌ معربٌ : خلصتْ عربيتهُ وعرّب الفرسَ :
بزَّغَهُ ، وذلك أنْ تنسفَ أسفلَ حافرهُ ؛ ومعناهُ أنهُ قدْ بانَ بذلك ما كان خفيّاً من أمرهِ ، لظهورهِ إلى مرآةِ العينِ ، بعد ما كان مستوراً ، وبذلك تُعرفُ حالهُ أصلبٌ هو أم رِخْوٌ ، وصحيح هو أم سقيم . قال الأزهريُّ : والتعريبُ ، تعريبُ الفرسِ، وهو أن يكوى على أشاعر حافره ، في مواضعَ ثمَّ يُبزَغُ بمَبْزِغٍ بَزْغَاً رفيقاً ، لا يؤثر في عصبه ليشتدّ أشعره . وعرب الدابة : بزغها على أشاعرها ، ثم كواها . والإعراب والتعريب : الفحش . والتعريب ، والإعراب ، والإعرابة ، والعرابة ، بالفتح والكسر: ما قبح من الكلام . وأعرب الرجل :تكلم بالفحش . وقال ابن عباس في قوله تعالى : فلا رفث ولا فسوق ؛ هو العرابة في كلام العرب . قال : والعرابة كأنه اسم موضوع من التعريب ، وهو ما قبح من الكلام . يقال منه : عربت وأعربت . ومنه حديث عطاء : أنه كره الإعراب للمحرم ، وهو الإفحاش في القول ، والرفث . ويقال : أراد به الإيضاح والتصريح بالهجر من الكلام . وفي حديث ابن الزبير :لا تحل العرابة للمحرم . وفي الحديث : أن رجلاً من المشركين كان يسب النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له رجل من المسلمين : واللّه لتكفنَّ عن شتمه أو لأرحلنَّك بسيفي هذا ، فلم يزدد إلا استعراضاً ، فحمل عليه فضربه ، وتعاوى عليه المشركون فقتلوه . الإستعراب : الإفحاش في القول . وقال رؤبة يصف نساء : جمعن العفاف عند الغرباء ، والإعراب عند الأزواج ؛ وهو ما يستفحش من ألفاظ النكاح والجماع ؛ فقال :
والعرب في عفافة وإعراب
وهذا كقولهم : خير النساء المتبذلة لزوجها ، الخفرة في قومها . وعرب عليه : قبح قوله وفعله وغيره عليه ورده عليه . والإعراب كالتعريب . والإعراب : ردك الرجل عن القبيح . وعرب عليه : منعه . وأما حديث عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه : ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس ، أنْ لا تعربوا عليه ؛ فليس من التعريب الذي جاء في الخبر ، وإنما هو من قولك : عربت على الرجل قوله إذا قبحت عليه . وقال الأصمعي وأبو زيد في قوله : أن لا تعربوا عليه ، معناه أن لا تفسدوا عليه كلامه
وتقبحوه ؛ ومنه قول أوس ابن حجر :
ومثل ابن عثمٍ إنْ ذحولٌ تذكرت، * وقتلى تياس ،عن
صلاح ،تعرب
ويروى يعرب ؛يعني أن هؤلاء الذين قتلوا منا ، ولم نثئر بهم ، ولم نقتل الثأر ، إذا ذكر دماؤهم أفسدت المصالحة ومنعتنا
عنها . والصلاح : المصالحة . ابن الأعرابي : التعريب التبيين والإيضاح ، في قوله : الثيب تعرب عن نفسها ، أي ما يمنعكم أن تصرحوا له بالإنكار ، والرد عليه ، ولا تستأثروا . قال : والتعريب المنع والإنكار ، في قوله أن لا تعربوا أي لا تمنعوا . وكذلك قوله عن صلاح تعرب أي تمنع . وقيل : الفحش والتقبيح ، من عرب الجرح مصعب أبو عمار
مرج: المَرْجُ: الفضاء، وقيل: المَرْجُ أَرضٌ ذاتُ كَلإٍ تَرْعَى فيها
الدوابُّ؛ وفي التهذيب: أَرضٌ واسعةٌ فيها نبت كثير تَمْرُجُ فيها
الدوابُّ، والجمع مُروجٌ؛ قال الشاعر:
رَعَى بها مَرْجَ رَبيعٍ مَمْرَجا
وفي الصحاح: المَرْجُ الموضع الذي تَرعى فيه الدوابُّ. ومَرَجَ
الدابَّةَ يَمْرُجُها إِذا أَرسلَها تَرعى في المرج. وأَمْرَجَها: تركها تذهب حيث
شاءت، وقال القتيبي: مرج دابته خَلاَّها، وأَمْرَجَها: رَعاها.
وإِبلٌ مَرَجٌ إِذا كانت لا راعي لها وهي ترعى. ودابة مَرَجٌ، لا يثنى
ولا يجمع؛ وأَنشد:
في رَبْرَبٍ مَرَجٍ ذَواتِ صَياصِي
وفي الحديث وذكر خيل المُرابِطِ، فقال: طَوَّلَ لها في مَرْجٍ؛
المَرْجُ: الأَرضُ الواسعةُ ذاتُ نباتٍ كثير تَمْرُجُ فيها الدوابُّ أَي تُخَلَّى
تسرح مختلطةً حيث شاءت. والمَرَجُ، بالتحريك: مصدر قولك مَرِجَ الخاتم
في إِصْبَعِي، وفي المحكم: في يدي، مَرَجاً أَي قَلِقَ، ومَرَجَ، والكسر
أَعلى مثل جَرِجَ؛ ومَرِجَ السهمُ، كذلك.
وأَمْرَجَه الدم إِذا أَقْلَقَه حتى يسقط.
وسهم مَرِيجٌ: قَلِقٌ. والمَرِيجُ: المُلْتَوي الأَعْوَجُ. ومَرِجَ
الأَمرُ مَرَجاً، فهو مارِجٌ ومَرِيجٌ: الْتَبَسَ واخْتلَط. وفي التنزيل: فهم
في أَمْرٍ مَرِيجٍ؛ يقول: في ضلالٍ؛ وقال أَبو إِسحق: في أَمرٍ
مُخْتَلِفٍ مُلْتَبِسٍ عليهم، يقولون للنبي: صلى الله عليه وسلم، مرّة ساحِرٌ،
ومرَّة شاعِرٌ، ومرّة مُعَلّمٌ مجنونٌ، وهذا الدليل على أَن قوله مرِيجٌ:
مُلْتَبِس عليهم، وروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم: كيف أَنتم إِذا
مَرِجَ الدينُ فَظَهَرَتِ الرَّغْبَةُ، واختلف الأَخَوَانِ، وحُرِّقَ البيتُ
العتِيقُ؟ وفي حديث آخر: أَنه قال لعبد الله: كيف أَنت إِذا بَقِيتَ في
حُثالةٍ من الناس، قد مَرِجَتْ عُهُودُهم وأَماناتُهم؟ أَي اختلطت؛ ومعنى
قوله مَرِجَ الدينُ: اضْطَرَبَ والتَبَسَ المَخْرَجُ فيه، وكذلك مَرَجُ
العُهُودِ: اضْطِرابُها وقِلَّةُ الوفاء بها؛ وأَصل المَرَجِ القَلَقُ.
وأَمْرٌ مَرِيجٌ أَي مختلِطٌ. وغُصْن مَرِيجٌ: مُلْتَوٍ مُشْتبك، قد التبست
شَناغيبه؛ قال الهذلي:
فَجالَتْ فالتَمَسْتُ به حَشاها،
فَخَّرَ كأَنه غُصنٌ مَرِيجُ
وفي التهذيب: خُوطٌ مَرِيجٌ أَي غُصنٌ له شُعَبٌ قِصارٌ قد التبست.
ومَرَجَ أَمْرَه يَمْرُجُه. ضَيَّعه. ورجل مِمْراجٌ: يَمْرُجُ أُمورَه
ولا يُحْكِمُها. ومَرِجَ العَهْدُ والأَمانةُ والدِّينُ: فَسَدَ؛ قال أَبو
دُواد:
مَرِجَ الدِّينُ، فأَعْدَدْتُ له
مُشْرِفَ الحارِكِ مَحْبُوكَ الكَتَدْ
وأَمْرَجَ عَهْدَهُ: لم يَفِ به. ومَرِجَ الناسُ: اختلطوا. ومَرِجَتْ
أَماناتُ الناس: فسدت. ومَرِجَ الدِّينُ والأَمرُ: اخْتَلَطَ واضْطَرَبَ؛
ومنه الهَرْجُ والمَرْجُ. ويقال: إِنما يسكن المَرْجُ لأَجل الهَرْجِ،
ازْدِواجاً للكلام.
والمَرَجُ: الفِتْنَةُ المُشْكِلةُ. والمَرَجُ: الفسادُ. وفي الحديث:
كيف أَنتم إِذا مَرِجَ الدِّينُ؟ أَي فسَدَ وقَلِقَتْ أَسبابُه. والمَرْجُ
الخَلْطُ. ومَرَجَ الله البحرَيْنِ العذْبَ والمِلْحَ: خَلَطَهما حتى
التقيا. الفراء في قوله عز وجل: مرج البحرين يلتقيان؛ يقول: أَرْسَلَهُما ثم
يلتقيانِ بعد، وقيل: خَلاَّهما ثم جعلهما لا يلتبس ذا بذا، قال: وهو
كلام لا يقوله إِلاَّ أَهل تِهامَةَ، وأَما النحويون فيقولون أَمْرَجْتُه
وأَمْرَجَ دابَّتَه؛ وقال الزّجَّاج: مَرَجَ خَلَطَ؛ يعني البحرَ المِلحَ
والبحرَ العَذْبَ، ومعنى لا يبغيان أَي لا يبغي المِلحُ على العذب فيختلط.
ابن الأَعرابي: المَرْجُ الإِجْرَاءُ، ومنه قوله مَرَجَ البَحْرَينِ أَي
أَجراهُما؛ قال الأَخفش: ويقول قومٌ: أَمْرَجَ البحرينِ مثل مَرَجَ
البحرين، فَعَلَ وأَفْعَلَ، بمعنى.
والمارِجُ: الخِلْطُ. والمارِجُ: الشُّعْلةُ السَّاطِعَةُ ذاتُ
اللَّهَبِ الشَّديد. وقوله تعالى: وخَلَقَ الجانَّ من مارِجٍ من نارٍ؛ قيل: معناه
الخِلْطُ، وقيل: معناه الشُّعْلةُ، كل ذلك من باب الكاهِل والغارِبِ؛
وقيل: المارِجُ اللَّهَبُ المُختَلِطُ بسَوادِ النارِ؛ الفراء: المارِجُ
ههنا نارٌ دونَ الحِجابِ منها هذه الصَّواعِقُ وبُرِئَ جلده منها: أَبو
عبيد: من مارِجٍ من خِلْطٍ من نارٍ. الجوهريّ: مارج من نار، نار لا دخان
لها خلق منها الجانّ. وفي حديث عائشة: خُلِقتِ الملائكة من نورٍ وخُلِقَ
الجانّ من مارج من نار؛ مارِجُ النار: لَهَبُها المختلط بسوادها.
ورجل مَرّاجٌ: يَزيدُ في الحديثِ؛ وقد مَرَجَ الكَذِبَ يَمْرُجُه
مَرْجاً.
وأَمْرَجَتِ الناقةُ، وهي مُمْرِجٌ إِذا أَلْقَتْ ولَدَها بعدما صارَ
غِرْساً ودَماً، وفي المحكم: إِذا أَلقت ماءَ الفحل بعدما يكون غِرْساً
ودماً؛ وناقة مِمْراجٌ إِذا كان ذلك عادتَها.
ومَرَجَ الرجلُ المرأَةَ مَرْجاً: نَكَحَها. روى ذلك أَبو العلاء يرفعه
إِلى قُطْرُب، والمعروف هَرَجَها يَهْرُجُها.
والمَرْجانُ: اللُّؤْلُؤُ الصِّغارُ أَو نحوُه، واحدته مَرْجانةٌ، قال
الأَزهري: لا أَدري أَرُباعِيٌّ هو أَم ثُلاثِيٌّ؛ وأَورده في رباعي
الجيم، وقال بعضهم: المَرْجانُ البُسَّذُ، وهو جَوهَرٌ أَحمر، قال ابن بري:
والذي عليه الجمهور أَنه صغار اللؤْلُؤِ كما ذكره الجوهري؛ والدليل على صحة
ذلك قول امرئ القيس ابن حُجْر:
أَذُودُ القَوافيَ عَنِّي ذِيادا،
ذِيادَ غُلامٍ جَرِيٍّ جِيادا
(* قوله «جريّ جيادا» كذا بالأصل. والذي في مادة «ذود» من القاموس غويّ
جرادا.)
فأَعْزِلُ مَرْجانَها جانِباً،
وآخُذُ من دُرِّها المُسْتَجادا
ويقال: إِنَّ هذا الشعر لامرئ القيس بن حُجْر المعروف بالذائِدِ. وقال
أَبو حنيفة: المَرْجانُ بَقْلةٌ رِبْعِيَّةٌ تَرْتَفع قِيسَ الذراعِ، لها
أَغْصان حُمْرٌ وورق مُدَوَّرٌ عريض كثيف جدّاً رَطْبٌ رَوٍ، وهي
مَلْبَنَةٌ، والواحِدُ كالواحدِ.
ومَرْجُ الخُطَباء: موضع بخُراسان. ومَرْجُ راهِطٍ بالشامِ؛ ومنه يوم
المَرْجِ لِمَرْوان بنِ الحكم على الضحّاكِ بن قيس الفِهْريّ. ومَرْجُ
القَلَعَةِ، بفتح اللام: منزل بالبادية.
ومَرْجَةُ والأَمْراجُ: مَوْضِعانِ؛ قال السُّلَيْكُ ابن السُّلَكةِ:
وأَذْعَرَ كَلاّباً يَقُودُ كِلابَهُ،
ومَرْجةُ لمَّا اقْتَبِسْها بِمقْنَبِ
وقال أَبو العيال الهُُذَلي:
إِنّا لَقِينا بَعْدَكم بدِيارِنا،
من جانِبِ الأَمْراجِ، يوماً يُسْأَلُ
أَراد يُسأَلُ عنه.
حرر: الحَرُّ: ضِدُّ البَرْدِ، والجمع حُرُورٌ وأَحارِرُ على غير قياس
من وجهين: أَحدهما بناؤه، والآخر إِظهار تضعيفه؛ قال ابن دريد: لا أَعرف
ما صحته. والحارُّ: نقيض البارد. والحَرارَةُ: ضِدُّ البُرُودَةِ. أَبو
عبيدة: السَّمُومُ الريح الحارة بالنهار وقد تكون بالليل، والحَرُورُ:
الريح الحارَّة بالليل وقد تكون بالنهار؛ قال العجاج:
ونَسَجَتْ لَوافِحُ الحَرُورِ
سَبائِباً، كَسَرَقِ الحَريرِ
الجوهري: الحَرُورُ الريح الحارَّة، وهي بالليل كالسَّمُوم بالنهار؛
وأَنشد ابن سيده لجرير:
ظَلِلْنا بِمُسْتَنِّ الحَرُورِ، كأَنَّنا
لَدَى فَرَسٍ مْسْتَقْبِلِ الرِّيحِ صائم
مستن الحرور: مشتدّ حرها أَي الموضع الذي اشتدّ فيه؛ يقول: نزلنا هنالك
فبنينا خِباءً عالياً ترفعه الريح من جوانبه فكأَنه فرس صائم أَي واقف
يذب عن نفسه الذباب والبعوض بسَبِيبِ ذَنَبِهِ، شبه رَفْرَفَ الفُسْطاطِ
عند تحركه لهبوب الريح بسَبِيبِ هذا الفرس. والحَرُورُ: حر الشمس،
وقيل:الحَرُورُ استيقاد الحرّ ولَفْحُه، وهو يكون بالنهار والليل، والسَّمُوم لا
يكون إِلا بالنهار. وفي التنزيل: ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ؛ قال ثعلب:
الظل ههنا الجنة والحرور النار؛ قال ابن سيده: والذي عندي أَن الظل هو
الظل بعينه، والحرور الحرّ بعينه؛ وقال الزجاج: معناه لا يستوي أَصحاب الحق
الذين هم في ظل من الحق، وأَصحاب الباطل الذين هم في حَرُورٍ أَي حَرٍّ
دائم ليلاً ونهاراً، وجمع الحَرُور حَرائِرُ؛ قال مُضَرِّسٌ:
بِلَمَّاعَةٍ قد صادَفَ الصَّيْفُ ماءَها،
وفاضَتْ عليها شَمْسُهُ وحَرائِرُهْ
وتقول
(* قوله: «وتقول إِلخ» حاصله أنه من باب ضرب وقعد وعلم كما في
القاموس والمصباح وغيرهما، وقد انفرد المؤلف بواحدة وهي كسر العين في الماضي
والمضارع): حَرَّ النهارُ وهو يَحِرُّ حَرّاً وقد حَرَرْتَ يا يوم
تَحُرُّ، وحَرِرْتَ تَحِرُّ، بالكسر، وتَحَرُّ؛ الأَخيرة عن اللحياني، حَرّاً
وحَرَّةً وحَرارَةً وحُرُوراً أَي اشتدَّ حَرُّكَ؛ وقد تكون الحَرارَةُ
للاسم، وجمعها حينئذ حَراراتٌ؛ قال الشاعر:
بِدَمْعٍ ذِي حَراراتٍ،
على الخَدَّيْنِ، ذي هَيْدَبْ
وقد تكون الحَراراتُ هنا جمع حَرَارَةٍ الذي هو المصدر إِلا أَن
الأَوَّل أَقرب.
قال الجوهري: وأَحَرَّ النهارُ لغة سمعها الكسائي. الكسائي: شيء حارٌّ
يارٌّ جارٌّ وهو حَرَّانُ يَرَّانُ جَرَّانُ. وقال اللحياني: حَرِرْت يا
رجل تَحَرُّ حَرَّةً وحَرارَةً؛ قال ابن سيده: أُراه إِنما يعني الحَرَّ
لا الحُرِّيَّةَ. وقال الكسائي: حَرِرْتَ تَحَرُّ من الحُرِّيَّةِ لا غير.
وقال ابن الأَعرابي: حَرَّ يَحَرُّ حَراراً إِذا عَتَقَ، وحَرَّ يَحَرُّ
حُرِّيَّةً من حُرِّيَّة الأَصل، وحَرَّ الرجلُ يَحَرُّ حَرَّةً عَطِشَ؛
قال الجوهري: فهذه الثلاثة بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل.
وفي حديث الحجاج: أَنه باع مُعْتَقاً في حَرارِه؛ الحرار، بالفتح: مصدر من
حَرَّ يَحَرُّ إِذا صار حُرّاً، والاسم الحُرِّيَّةُ. وحَرَّ يَحِرُّ
إِذا سَخُنَ ماء أَو غيره. ابن سيده: وإِني لأَجد حِرَّةً وقِرَّة لله أَي
حَرّاً وقُرّاً؛ والحِرَّةُ والحَرارَةُ: العَطَشُ، وقيل: شدته. قال
الجوهري: ومنه قولهم أَشَدُّ العطش حِرَّةٌ على قِرَّةٍ إِذا عطش في يوم بارد،
ويقال: إِنما كسروا الحرّة لمكان القرَّة.
ورجل حَرَّانُ: عَطْشَانُ من قوم حِرَارٍ وحَرارَى وحُرارَى؛ الأَخيرتان
عن اللحياني؛ وامرأَة حَرَّى من نسوة حِرَارٍ وحَرارَى: عَطْشى. وفي
الحديث: في كل كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ؛ الحَرَّى، فَعْلَى، من الحَرِّ وهي
تأْنيث حَرَّان وهما للمبالغة يريد أَنها لشدة حَرِّها قد عَطِشَتْ
ويَبِسَتْ من العَطَشِ، قال ابن الأَثير: والمعنى أَن في سَقْي كل ذي كبد حَرَّى
أَجراً، وقيل: أَراد بالكبد الحرى حياة صاحبها لأَنه إِنما تكون كبده حرى
إِذا كان فيه حياة يعني في سقي كل ذي روح من الحيوان، ويشهد له ما جاء
في الحديث الآخر: في كل كبد حارّة أَجر، والحديث الآخر: ما دخل جَوْفي ما
يدخل جَوْفَ حَرَّانِ كَبِدٍ، وما جاء في حديث ابن عباس: أَنه نهى
مضارِبه أَن يشتري بماله ذا كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وفي حديث آخر: في كل كبد حرى رطبة
أَجر؛ قال: وفي هذه الرواية ضعف، فأَما معنى رطبة فقيل: إِن الكبد إِذا
ظمئت ترطبت، وكذا إِذا أُلقيت على النار، وقيل: كنى بالرطوبة عن الحياة
فإِن الميت يابس الكبد، وقيل: وصفها بما يؤول أَمرها إِليه.
ابن سيده: حَرَّتْ كبده وصدره وهي تَحَرُّ حَرَّةً وحَرارَةً وحَراراً؛
قال:
وحَرَّ صَدْرُ الشيخ حتى صَلاَّ
أَي التهبتِ الحَرَارَةُ في صدره حتى سمع لها صَليلٌ، واسْتَحَرَّتْ،
كلاهما: يبست كبده من عطش أَو حزن، ومصدره الحَرَرُ. وفي حديث عيينة بن
حِصْنٍ: حتى أُذِيقَ نَسَاهُ من الحَرِّ مِثْلَ ما أَذَاقَ نَسايَ؛ يعني
حُرْقَةَ القلب من الوجع والغيظ والمشقة؛ ومنه حديث أُم المهاجر: لما نُعِيَ
عُمَرُ قالت: واحَرَّاه فقال الغلام: حَرٌّ انْتَشَر فملأَ البَشَرَ،
وأَحَرَّها اللهُ.
والعرب تقول في دعائها على الإِنسان: ما له أَحَرَّ اللهُ صَدْرَه أَي
أَعطشه وقيل: معناه أَعْطَشَ الله هامَتَه. وأَحَرَّ الرجلُ، فهو مُحِرٌّ
أَي صارت إِبله حِرَاراً أَي عِطاشاً. ورجل مُحِرٌّ: عطشت إِبله. وفي
الدعاء: سلط الله عليه الحِرَّةَ تحت القِرَّةِ يريد العطش مع البرد؛
وأَورده ابن سيده منكراً فقال: ومن كلامهم حِرَّةٌ تحت قِرَّةٍ أَي عطشٌ في
يوم بارد؛ وقال اللحياني: هو دعاء معناه رماه الله بالعطش والبرد. وقال
ابن دريد: الحِرَّةُ حرارة العطش والتهابه. قال: ومن دعائهم: رماه الله
بالحِرَّةِ والقِرَّةِ أَي بالعطش والبرد.
ويقال: إِني لأَجد لهذا الطعام حَرْوَةً في فمي أَي حَرارةً ولَذْعاً.
والحَرارَةُ: حُرْقَة في الفم من طعم الشيء، وفي القلب من التوجع،
والأَعْرَفُ الحَرْوَةُ، وسيأْتي ذكره.
وقال ابن شميل: الفُلْفُلُ له حَرارَة وحَراوَةٌ، بالراء والواو.
والحَرَّة: حرارة في الحلق، فإِن زادت فهي الحَرْوَةُ ثم الثَّحْثَحَة
ثم الجَأْزُ ثم الشَّرَقُ ثم الْفُؤُقُ ثم الحَرَضُ ثم العَسْفُ، وهو عند
خروج الروح.
وامرأَة حَرِيرَةٌ: حزينة مُحْرَقَةُ الكبد؛ قال الفرزدق يصف نساء
سُبِينَ فضربت عليهن المُكَتَّبَةُ الصُّفْرُ وهي القِدَاحُ:
خَرَجْنَ حَرِيراتٍ وأَبْدَيْنَ مِجْلَداً،
ودارَتْ عَلَيْهِنَّ المُقَرَّمَةُ الصُّفْرُ
وفي التهذيب: المُكَتَّبَةُ الصُّفْرُ؛ وحَرِيراتٌ أَي محرورات يَجِدْنَ
حَرارَة في صدورهن، وحَرِيرَة في معنى مَحْرُورَة، وإِنما دخلتها الهاء
لما كانت في معنى حزينة، كما أُدخلت في حَمِيدَةٍ لأَنها في معنى
رَشِيدَة. قال: والمِجْلَدُ قطعة من جلد تَلْتَدِمُ بها المرأَة عند المصيبة.
والمُكَتَّبَةُ: السهام التي أُجِيلَتْ عليهن حين اقتسمن واستهم عليهن.
واسْتَحَرَّ القتلُ وحَرَّ بمعنى اشتدَّ. وفي حديث عمر وجَمْع القرآن:
إِن القتل قد اسْتَحَرَّ يوم اليمامة بِقُرَّاءِ القرآن؛ أَي اشتدَّ وكثر،
وهو استفعل من الحَرِّ: الشِّدَّةِ؛ ومنه حديث عليٍّ: حَمِسَ الوَغَى
واسْتَحَرَّ الموتُ. وأَما ما ورد في حديث علي، عليه السلام: أَنه قال
لفاطمة: لو أَتَيْتِ النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، فسأَلته خادماً يَقِيكَ
حَرَّ ما أَنتِ فيه من العمل، وفي رواية: حارَّ ما أَنت فيه، يعني التعب
والمشقة من خدمة البيت لأَن الحَرارَةَ مقرونة بهما، كما أَن البرد مقرون
بالراحة والسكون. والحارُّ: الشاق المُتْعِبُ: ومنه حديث الحسن بن علي قال
لأَبيه لما أَمره بجلد الوليد بن عقبة: وَلِّ حارَّها من تَوَلَّى
قارَّها أَي وَلِّ الجَلْدَ من يَلْزَمُ الوليدَ أَمْرُه ويعنيه شأْنُه،
والقارّ: ضد الحارّ.
والحَرِيرُ: المَحْرُورُ الذي تداخلته حَرارَةُ الغيظ وغيره.
والحَرَّةُ: أَرض ذات حجارة سود نَخِراتٍ كأَنها أُحرقت بالنار.
والحَرَّةُ من الأَرضين: الصُّلبة الغليظة التي أَلبستها حجارة سود نخرة كأَنها
مطرت، والجمع حَرَّاتٌ وحِرَارٌ؛ قال سيبويه: وزعم يونس أَنهم يقولون
حَرَّةٌ وحَرُّونَ، جمعوه بالواو والنون، يشبهونه بقولهم أَرض وأَرَضُونَ
لأَنها مؤنثة مثلها؛ قال: وزعم يونس أَيضاً أَنهم يقولون حَرَّةٌ
وإِحَرُّونَ يعني الحِرارَ كأَنه جمع إِحَرَّةٍ ولكن لا يتكلم بها؛ أَنشد ثعلب
لزيد بن عَتاهِيَةَ التميمي، وكان زيد المذكور لما عظم البلاء بصِفِّين قد
انهزم ولحق بالكوفة، وكان عليّ، رضي الله عنه، قد أَعطى أَصحابه يوم الجمل
خمسمائة خمسمائة من بيت مال البصرة، فلما قدم زيد على أَهله قالت له
ابنته: أَين خمس المائة؟ فقال:
إِنَّ أَباكِ فَرَّ يَوْمَ صِفِّينْ،
لما رأَى عَكّاً والاشْعَرِيين،
وقَيْسَ عَيْلانَ الهَوازِنيين،
وابنَ نُمَيرٍ في سراةِ الكِنْدِين،
وذا الكَلاعِ سَيِّدَ اليمانين،
وحابساً يَسْتَنُّ في الطائيين،
قالَ لِنَفْسِ السُّوءِ: هَلْ تَفِرِّين؟
لا خَمْسَ إِلا جَنْدَلُ الإِحَرِّين،
والخَمْسُ قد جَشَّمْنَكِ الأَمَرِّين،
جَمْزاً إِلى الكُوفةِ من قِنِّسْرِينْ
ويروى: قد تُجْشِمُكِ وقد يُجْشِمْنَكِ. وقال ابن سيده: معنى لا خمس ما
ورد في حديث صفين أَن معاوية زاد أَصحابه يوم صفين خمسمائة فلما
التَقَوْا بعد ذلك قال أَصحاب علي، رضوان الله عليه:
لا خمس إِلا جندل الإِحرِّين
أَرادوا: لا خمسمائة؛ والذي ذكره الخطابي أَن حَبَّةَ العُرَنيَّ قال:
شهدنا مع عليّ يوم الجَمَلِ فقسم ما في العسكر بيننا فأَصاب كل رجل منا
خمسمائة خمسمائة، فقال بعضهم يوم صفين الأَبيات. قال ابن الأَثير: ورواه
بعضهم لا خِمس، بكسر الخاء، من وِردِ الإِبل. قال: والفتح أَشبه بالحديث،
ومعناه ليس لك اليوم إِلا الحجارة والخيبة، والإِحَرِّينَ: جمع الحَرَّةِ.
قال بعض النحويين: إِن قال قائل ما بالهم قالوا في جمع حَرَّةٍ
وإِحَرَّةَ حَرُّونَ وإِحَرُّون، وإِنما يفعل ذلك في المحذوف نحو ظُبَةٍ وثُبة،
وليست حَرَّة ولا إِحَرَّة مما حذف منه شيء من أُصوله، ولا هو بمنزلة أَرض
في أَنه مؤَنث بغير هاء؟ فالجواب: إِن الأَصل في إِحَرَّة إِحْرَرَةٌ،
وهي إِفْعَلَة، ثم إنهم كرهوا اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد، فأَسكنوا
الأَوَّل منهما ونقلوا حركته إِلى ما قبله وأَدغموه في الذي بعده، فلما
دخل على الكلمة هذا الإِعلال والتوهين، عوّضوها منه أَن جمعوها بالواو
والنون فقالوا: إِحَرُّونَ، ولما فعلوا ذلك في إِحَرَّة أَجروا عليها
حَرَّة، فقالوا: حَرُّونَ، وإِن لم يكن لحقها تغيير ولا حذف لأَنها أُخت
إِحَرَّة من لفظها ومعناها، وإِن شئت قلت: إِنهم قد أَدغموا عين حَرَّة في
لامها، وذلك ضرب من الإِعلال لحقها؛ وقال ثعلب: إِنما هو الأَحَرِّينَ، قال:
جاء به على أَحَرَّ كأَنه أَراد هذا الموضع الأَحَرَّ أَي الذي هو
أَحَرُّ من غيره فصيره كالأَكرمين والأَرحمين. والحَرَّةُ: أَرض بظاهر المدينة
بها حجارة سود كبيرة كانت بها وقعة. وفي حديث جابر: فكانت زيادة رسولُ
الله، صلى الله عليه وسلم، معي لا تفارقني حتى ذهبتْ مني يوم الحَرَّةِ؛
قال ابن الأَثير: قد تكرر ذكر الحرّة ويومها في الحديث وهو مشهور في
الإِسلام أَيام يزيد بن معاوية، لما انتهب المدينة عسكره من أَهل الشام الذين
ندبهم لقتال أَهل المدينة من الصحابة والتابعين، وأَمَّر عليهم مسلم بن
عقبة المرّي في ذي الحجة سنة ثلاث وستين وعقيبها هلك يزيد. وفي التهذيب:
الحَرَّة أَرض ذات حجارة سود نخرة كأَنما أُحرقت بالنار. وقال ابن شميل:
الحَرَّة الأَرض مسيرة ليلتين سريعتين أَو ثلاث فيها حجارة أَمثال الإِبل
البُروك كأَنما شُيِّطَتْ بالنار، وما تحتها أَرض غليظة من قاع ليس
بأَسود، وإِنما سوَّدها كثرة حجارتها وتدانيها. وقال ابن الأَعرابي: الحرّة
الرجلاء الصلبة الشديدة؛ وقال غيره: هي التي أَعلاها سود وأَسفلها بيض.
وقال أَبو عمرو: تكون الحرّة مستديرة فإِذا كان منها شيء مستطيلاً ليس بواسع
فذلك الكُرَاعُ. وأَرض حَرِّيَّة: رملية لينة. وبعير حَرِّيٌّ: يرعى في
الحَرَّةِ، وللعرب حِرارٌ معروفة ذوات عدد، حَرَّةُ النار لبني سُليم،
وهي تسمى أُم صَبَّار، وحَرَّة ليلَى وحرة راجِل وحرة واقِم بالمدينة وحرة
النار لبني عَبْس وحرة غَلاَّس؛ قال الشاعر:
لَدُنْ غُدْوَةٍ حتى استغاث شَريدُهُمْ،
بِحَرَّةِ غَلاَّسٍ وشِلْوٍ مُمزَّقِ
والحُرُّ، بالضم: نقيض العبد، والجمع أَحْرَارٌ وحِرارٌ؛ الأَخيرة عن
ابن جني. والحُرَّة: نقيض الأَمة، والجمع حَرائِرُ، شاذ؛ ومنه حديث عمر قال
للنساء اللاتي كنَّ يخرجن إِلى المسجد: لأَرُدَّنَّكُنَّ حَرائِرَ أَي
لأُلزمنكنّ البيوت فلا تخرجن إِلى المسجد لأَن الحجاب إِنما ضرب على
الحرائر دون الإِماء.
وحَرَّرَهُ: أَعتقه. وفي الحديث: من فعل كذا وكذا فله عَِدْلِ
مُحَرَّرٍ؛ أَي أَجر مُعْتَق؛ المحرَّر: الذي جُعل من العبيد حرّاً فأُعتق. يقال:
حَرَّ العبدُ يَحَرُّ حَرارَةً، بالفتح، أَي صار حُرّاً؛ ومنه حديث أَبي
هريرة: فأَنا أَبو هريرة المُحَرَّرُ أَي المُعْتَقُ، وحديث أَبي
الدرداء: شراركم الذين لا يُعْتَقُ مُحَرَّرُهم أَي أَنهم إِذا أَعتقوه استخدموه
فإِذا أَراد فراقهم ادَّعَوْا رِقَّهُ
(* قوله: «ادّعوا رقه» فهو محرر
في معنى مسترق. وقيل إِن العرب كانوا إِذا أَعتقوا عبداً باعوا ولاءه
ووهبوه وتناقلوه تناقل الملك، قال الشاعر:
فباعوه عبداً ثم باعوه معتقاً، * فليس له حتى الممات خلاص
كذا بهامش النهاية). وفي حديث أَبي بكر: فمنكم عَوْفٌ الذي يقال فيه لا
حُرَّ بوادي عوف؛ قال: هو عوف بنُ مُحَلِّمِ بن ذُهْلٍ الشَّيْباني، كان
يقال له ذلك لشرفه وعزه، وإِن من حل واديه من الناس كانوا له كالعبيد
والخَوَل، وسنذكر قصته في ترجمة عوف، وأَما ما ورد في حديث ابن عمر أَنه قال
لمعاوية: حاجتي عَطاءُ المُحَرَّرينَ، فإِن رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، إِذا جاءه شيء لم يبدأْ بأَوّل منهم؛ أَراد بالمحرّرين الموالي وذلك
أَنهم قوم لا ديوان لهم وإِنما يدخلون في جملة مواليهم، والديوان إِنما
كان في بني هاشم ثم الذين يلونهم في القرابة والسابقة والإِيمان، وكان
هؤلاء مؤخرين في الذكر فذكرهم ابن عمر وتشفع في تقديم إِعطائهم لما علم من
ضعفهم وحاجتهم وتأَلفاً لهم على الإِسلام.
وتَحْرِيرُ الولد: أَن يفرده لطاعة الله عز وجل وخدمة المسجد. وقوله
تعالى: إِني نذرت لك ما في بطني مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ منِّي؛ قال الزجاج:
هذا قول امرأَة عمران ومعناه جعلته خادماً يخدم في مُتَعَبَّداتك، وكان
ذلك جائزاً لهم، وكان على أَولادهم فرضاً أَن يطيعوهم في نذرهم، فكان
الرجل ينذر في ولده أَن يكون خادماً يخدمهم في متعبدهم ولعُبَّادِهم، ولم يكن
ذلك النذر في النساء إِنما كان في الذكور، فلما ولدت امرأَة عمران مريم
قالت: رب إِني وضعتها أُنثى، وليست الأُنثى مما تصلح للنذر، فجعل الله من
الآيات في مريم لما أَراده من أَمر عيسى، عليه السلام، أَن جعلها
متقبَّلة في النذر فقال تعالى: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ.
والمُحَرَّرُ: النَّذِيرُ. والمُحَرَّرُ: النذيرة، وكان يفعل ذلك بنو
إِسرائيل، كان أَحدهم ربما ولد له ولد فربما حَرَّرَه أَي جعله نذيرة في
خدمة الكنيسة ما عاش لا يسعه تركها في دينه. وإِنه لَحُرٌّ: بَيِّنُ
الحُرِّية والحَرورَةِ والحَرُورِيَّةِ والحَرارَة والحَرارِ، بفتح الحاء؛
قال:فلو أَنْكِ في يوم الرَّخاء سأَلْتِني
فراقَكِ، لم أَبْخَلْ، وأَنتِ صَدِيقُ
فما رُدَّ تزوِيجٌ عليه شَهادَةٌ،
ولا رُدَّ من بَعْدِ الحَرارِ عَتِيقُ
والكاف في أَنك في موضع نصب لأَنه أَراد تثقيل أَن فخففها؛ قال شمر:
سمعت هذا البيت من شيخ باهلة وما علمت أَن أَحداً جاء به؛ وقال ثعلب: قال
أَعرابيّ ليس لها أَعْراقٌ في حَرارٍ ولكنْ أَعْراقُها في الإِماء.
والحُرُّ من الناس: أَخيارهم وأَفاضلهم. وحُرِّيَّةُ العرب: أَشرافهم؛ وقال ذو
الرمة:
فَصَارَ حَياً، وطَبَّقَ بَعْدَ خَوْفٍ
على حُرِّيَّةِ العَرَبِ الهُزالى
أَي على أَشرافهم. قال: والهزالَى مثل السُّكارى، وقيل: أَراد الهزال
بغير إِمالة؛ ويقال: هو من حُرِّيَةِ قومه أَي من خالصهم. والحُرُّ من كل
شيء: أَعْتَقُه. وفرس حُرٌّ: عَتِيقٌ. وحُرُّ الفاكهةِ: خِيارُها.
والحُرُّ: رُطَبُ الأَزَاذ. والحُرُّ: كلُّ شيء فاخِرٍ من شِعْرٍ أَو غيره.
وحُرُّ كل أَرض: وسَطُها وأَطيبها. والحُرَّةُ والحُرُّ: الطين الطَّيِّبُ؛
قال طرفة:
وتَبْسِمُ عن أَلْمَى كأَنَّ مُنَوِّراً،
تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ، دِعْصٌ له نَدُّ
وحُرُّ الرمل وحُرُّ الدار: وسطها وخيرها؛ قال طرفة أَيضاً:
تُعَيِّرُني طَوْفِي البِلادَ ورِحْلَتِي،
أَلا رُبَّ يومٍ لي سِوَى حُرّ دارِك
وطينٌ حُرٌّ: لا رمل فيه. ورملة حُرَّة: لا طين فيها، والجمع حَرائِرُ.
والحُرُّ: الفعل الحسن. يقال: ما هذا منك بِحُرٍّ أَي بِحَسَنٍ ولا جميل؛
قال طرفة:
لا يَكُنْ حُبُّكِ دَاءً قاتِلاً،
ليس هذا مِنْكِ، ماوِيَّ، بِحُرّ
أَي بفعل حسن. والحُرَّةُ: الكريمة من النساء؛ قال الأَعشى:
حُرَّةٌ طَفْلَةُ الأَنامِلِ تَرْتَبْـ
ـبُ سُخاماً، تَكُفُّه بِخِلالِ
قال الأَزهري: وأَما قول امرئ القيس:
لَعَمْرُكَ ما قَلْبِي إِلى أَهله بِحُرْ،
ولا مُقْصِرٍ، يوماً، فَيَأْتِيَنِي بِقُرْ
إِلى أَهله أَي صاحبه. بحرّ: بكريم لأَنه لا يصبر ولا يكف عن هواه؛
والمعنى أَن قلبه يَنْبُو عن أَهله ويَصْبُو إِلى غير أَهله فليس هو بكريم في
فعله؛ ويقال لأَوّل ليلة من الشهر: ليلةُ حُرَّةٍ، وليلةٌ حُرَّةٌ،
ولآخر ليلة: شَيْباءُ. وباتت فلانة بليلةِ حُرَّةٍ إِذا لم تُقْتَضَّ ليلة
زفافها ولم يقدر بعلها على اقْتِضاضِها؛ قال النابغة يصف نساء:
شُمْسٌ مَوانِعُ كلِّ ليلةٍ حُرَّةٍ،
يُخْلِفْنَ ظَنَّ الفاحِشِ المِغْيارِ
الأَزهري: الليث: يقال لليلة التي تزف فيها المرأَة إِلى زوجها فلا يقدر
فيها على اقْتضاضها ليلةُ حُرَّةٍ؛ يقال: باتت فلانةُ بليلة حُرَّةٍ؛
وقال غير الليث: فإِن اقْتَضَّها زوجها في الليلة التي زفت إِليه فهي
بِلَيْلَةٍ شَيْبَاءَ. وسحابةٌ حُرَّةٌ: بِكْرٌ يصفها بكثرة المطر. الجوهري:
الحُرَّةُ الكريمة؛ يقال: ناقة حُرَّةٌ وسحابة حُرَّة أَي كثيرة المطر؛
قال عنترة:
جادَتْ عليها كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ،
فَتَرَكْنَ كلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
أَراد كل سحابة غزيرة المطر كريمة. وحُرُّ البَقْلِ والفاكهة والطين:
جَيِّدُها. وفي الحديث: ما رأَيت أَشْبَهَ برسولِ الله، صلى الله عليه
وسلم، من الحُسن إِلا أَن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان أَحَرَّ حُسْناً
منه؛ يعني أَرَقَّ منه رِقَّةَ حُسْنٍ.
وأَحْرارُ البُقُول: ما أُكل غير مطبوخ، واحدها حُرٌّ؛ وقيل: هو ما
خَشُنَ منها، وهي ثلاثة: النَّفَلُ والحُرْبُثُ والقَفْعَاءُ؛ وقال أَبو
الهيثم: أَحْرَارُ البُقُول ما رَقَّ منها ورَطُبَ، وذُكُورُها ما غَلُظَ
منها وخَشُنَ؛ وقيل: الحُرُّ نبات من نجيل السِّباخِ.
وحُرُّ الوجه: ما أَقبل عليك منه؛ قال:
جَلا الحُزْنَ عن حُرِّ الوُجُوهِ فأَسْفَرَتْ،
وكان عليها هَبْوَةٌ لا تَبَلَّجُ
وقيل: حُرُّ الوجه مسايل أَربعة مدامع العينين من مقدّمهما ومؤخرهما؛
وقيل: حُرُّ الوجه الخَدُّ؛ ومنه يقال: لَطَمَ حُرَّ وجهه. وفي الحديث: أَن
رجلاً لطم وجه جارية فقال له: أَعَجَزَ عليك إِلاَّ حُرُّ وَجْهِها؟
والحُرَّةُ: الوَجْنَةُ. وحُرُّ الوجه: ما بدا من الوجنة. والحُرَّتانِ:
الأُذُنانِ؛ قال كعب بن زهير:
قَنْواءُ في حُرَّتَيْها، للبَصِير بها
عِتْقٌ مُبينٌ، وفي الخَدَّيْنِ تَسْهيلُ
وحُرَّةُ الذِّفْرَى: موضعُ مَجالِ القُرْطِ منها؛ وأَنشد:
في خُشَشَاوَيْ حُرَّةِ التَّحْرِيرِ
يعني حُرَّةَ الذِّفْرَى، وقيل: حُرَّةَ الذِّفْرَى صفة أَي أَنها حسنة
الذفرى أَسيلتها، يكون ذلك للمرأَة والناقة. والحُرُّ: سواد في ظاهر أُذن
الفرس؛ قال:
بَيِّنُ الحُرِّ ذو مِراحٍ سَبُوقُ
والحُرَّانِ: السَّودان في أَعلى الأُذنين. وفي قصيد كعب بن زهير:
قنواء في حرتيها
البيت؛ أَراد بالحرّتين الأُذنين كأَنه نسبها إِلى الحُرِّيَّةِ وكرم
الأَصل.
والحُرُّ: حَيَّة دقيقة مثل الجانِّ أَبيضُ، والجانُّ في هذه الصفة؛
وقيل: هو ولد الحية اللطيفة؛ قال الطرماح:
مُنْطَوٍ في جَوْفِ نامُوسِهِ،
كانْطِواءِ الحُرِّ بَيْنَ السِّلامْ
وزعموا أَنه الأَبيض من الحيات، وأَنكر ابن الأَعرابي اين يكون الحُرُّ
في هذا البيت الحية، وقال: الحرّ ههنا الصَّقْر؛ قال الأَزهري: وسأَلت
عنه أَعرابيّاً فصيحاً فقال مثل قول ابن الأَعرابي؛ وقيل: الحرّ الجانُّ من
الحيات، وعم بعضهم به الحية. والحُرُّ: طائر صغير؛ الأَزهري عن شمر:
يقال لهذا الطائر الذي يقال له بالعراق باذنجان لأَصْغَرِ ما يكونُ
جُمَيِّلُ حُرٍّ. والحُرُّ: الصقر، وقيل: هو طائر نحوه، وليس به، أَنْمَرُ
أَصْقَعُ قصير الذنب عظيم المنكبين والرأْس؛ وقيل: إِنه يضرب إِلى الخضرة وهو
يصيد. والحُرُّ: فرخ الحمام؛ وقيل: الذكر منها. وساقُ حُرٍّ: الذَّكَرُ من
القَمَارِيِّ؛ قال حميد بن ثور:
وما هاجَ هذا الشَّوْقَ إِلاَّ حَمامَةٌ،
دَعَتْ ساقَ حُرٍّ تَرْحَةً وتَرَنُّما
وقيل: الساق الحمام، وحُرٌّ فرخها؛ ويقال: ساقُ حُرٍّ صَوْتُ القَمارِي؛
ورواه أَبو عدنان: ساق حَرّ، بفتح الحاء، وهو طائر تسميه العرب ساق حرّ،
بفتح الحاء، لأَنه إِذا هَدَرَ كأَنه يقول: ساق حرّ، وبناه صَخْرُ
الغَيّ فجعل الاسمين اسماً واحداً فقال:
تُنادي سَاقَ حُرَّ، وظَلْتُ أَبْكي،
تَلِيدٌ ما أَبِينُ لها كلاما
وقيل: إِنما سمي ذكر القَماري ساقَ حُرٍّ لصوته كأَنه يقول: ساق حرّ ساق
حرّ، وهذا هو الذي جَرَّأَ صخر الغيّ على بنائه كما قال ابن سيده، وعلله
فقال: لأَن الأَصوات مبنية إِذ بنوا من الأَسماء ما ضارعها. وقال
الأَصمعي: ظن أَن ساق حر ولدها وإِنما هو صوتها؛ قال ابن جني: يشهد عندي بصحة
قول الأَصمعي أَنه لم يعرب ولو أَعرب لصرف ساق حر، فقال: سَاقَ حُرٍّ إِن
كان مضافاً، أَو ساقَ حُرّاً إِن كان مركباً فيصرفه لأَنه نكرة، فتركه
إِعرابه يدل على أَنه حكى الصوت بعينه وهو صياحه ساق حر ساق حر؛ وأَما قول
حميد بن ثور:
وما هاج هذا الشوقَ إِلا حمامةٌ،
دَعَتْ سَاقَ حُرٍّ تَرْحَةَ وتَرَنُّما
البيت؛ فلا يدل إِعرابه على أَنه ليس بصوت، ولكن الصوت قد يضاف أَوّله
إِلى آخره، وكذلك قولهم خازِ بازِ، وذلك أَنه في اللفظ أَشْبه بابَ دارٍ؛
قال والرواية الصحيحة في شعر حميد:
وما هاج هذا الشوقَ إِلا حمامةٌ،
دعت ساق حر في حمام تَرَنَّما
وقال أَبو عدنان: يعنون بساق حر لحن الحمامة. أَبو عمرو: الحَرَّةُ
البَثْرَةُ الصغيرة؛ والحُرُّ: ولد الظبي في بيت طرفة:
بين أَكْنافِ خُفَافٍ فاللِّوَى
مُخْرِفٌ، تَحْنُو لِرَخْص الظِّلْفِ، حُرّ
والحَرِيرَةُ بالنصب
(* قوله: «بالنصب» أراد به فتح الحاء): واحدة
الحرير من الثياب.
والحَرِيرُ: ثياب من إِبْرَيْسَمٍ.
والحَرِيرَةُ: الحَسَا من الدَّسَمِ والدقيق، وقيل: هو الدقيق الذي يطبخ
بلبن، وقال شمر: الحَرِيرة من الدقيق، والخَزِيرَةُ من النُّخَال؛ وقال
ابن الأَعرابي: هي العَصِيدَة ثم النَّخِيرَةُ ثم الحَرِيرَة ثم
الحَسْوُ. وفي حديث عمر: ذُرِّي وأَنا أَحَرُّ لك؛ يقول ذرِّي الدقيق لأَتخذ لك
منه حَرِيرَةً.
وحَرَّ الأَرض يَحَرُّها حَرّاً: سَوَّاها. والمِحَرُّ: شَبَحَةٌ فيها
أَسنان وفي طرفها نَقْرانِ يكون فيهما حبلان، وفي أَعلى الشبحة نقران
فيهما عُود معطوف، وفي وسطها عود يقبض عليه ثم يوثق بالثورين فتغرز الأَسنان
في الأَرض حتى تحمل ما أُثير من التراب إِلى أَن يأْتيا به المكان
المنخفض.
وتحرير الكتابة: إِقامة حروفها وإِصلاح السَّقَطِ. وتَحْرِيرُ الحساب:
إِثباته مستوياً لا غَلَثَ فيه ولا سَقَطَ ولا مَحْوَ. وتَحْرِيرُ الرقبة:
عتقها.
ابن الأَعرابي: الحَرَّةُ الظُّلمة الكثيرة، والحَرَّةُ: العذاب الموجع.
والحُرَّانِ: نجمان عن يمين الناظر إِلى الفَرْقَدَيْنِ إِذا انتصب
الفرقدان اعترضا، فإِذا اعترض الفرقدان انتصبا. والحُرَّانِ: الحُرُّ وأَخوه
أُبَيٌّ، قال: هما أَخوان وإِذا كان أَخوان أَو صاحبان وكان أَحدهما
أَشهر من الآخر سميا جميعاً باسم الأَشهر؛ قال المنخّل اليشكري:
أَلا مَنْ مُبْلِغُ الحُرَّيْنِ عَني
مُغَلْغَلَةً، وخصَّ بها أُبَيَّا
فإِن لم تَثْأَرَا لي مِنْ عِكَبٍّ،
فلا أَرْوَيْتُما أَبداً صَدَيَّا
يُطَوِّفُ بي عِكَبٌّ في مَعَدٍّ،
ويَطْعَنُ بالصُّمُلَّةِ في قَفَيَّا
قال: وسبب هذا الشعر أَن المتجرّدة امرأَة النعمان كانت تَهْوى المنخل
اليشكري، وكان يأْتيها إِذا ركب النعمان، فلاعبته يوماً بقيد جعلته في
رجله ورجلها، فدخل عليهما النعمان وهما على تلك الحال، فأَخذ المنخل ودفعه
إِلى عِكَبٍّ اللَّخْمِيّ صاحب سجنه، فتسلمه فجعل يطعن في قفاه
بالصُّمُلَّةِ، وهي حربة كانت في يده.
وحَرَّانُ: بلد معروف. قال الجوهري: حرَّان بلد بالــجزيرةــ، هذا إِذا كان
فَعْلاناً فهو من هذا الباب، وإِن كان فَعَّالاً فهو من باب النون.
وحَرُوراءُ: موضع بظاهر الكوفة تنسب إِليه الحَرُورِيَّةُ من الخوارج
لأَنه كان أَوَّل اجتماعهم بها وتحكيمهم حين خالفوا عليّاً، وهو من نادر
معدول النسب، إِنما قياسه حَرُوراوِيٌّ؛ قال الجوهري: حَرُوراءُ اسم قرية،
يمد ويقصر، ويقال: حَرُورويٌّ بَيِّنُ الحَرُورِيَّةِ. ومنه حديث عائشة
وسُئِلَتْ عن قضاء صلاة الحائض فقالت: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ هم
الحَرُورِيَّةُ من الخوارج الذين قاتلهم عَلِيٌّ، وكان عندهم من التشديد في الدين
ما هو معروف، فلما رأَت عائشة هذه المرأَة تشدّد في أَمر الحيض شبهتها
بالحرورية، وتشدّدهم في أَمرهم وكثرة مسائلهم وتعنتهم بها؛ وقيل: أَرادت
أَنها خالفت السنَّة وخرجت عن الجماعة كما خرجوا عن جماعة المسلمين. قال
الأَزهري: ورأَيت بالدَّهْناءِ رملة وَعْثَةً يقال لها رملةُ حَرُوراءَ.
وحَرِّيٌّ: اسم؛ ونَهْشَلُ بن حَرِّيٍّ. والحُرَّانُ: موضع؛ قال:
فَسَاقانُ فالحُرَّانُ فالصِّنْعُ فالرَّجا،
فَجَنْبَا حِمًى، فالخانِقان فَحَبْحَبُ
وحُرَّيَات: موضع؛ قال مليح:
فَراقَبْتُه حتى تَيامَنَ، واحْتَوَتْ
مطَِافِيلَ مِنْهُ حُرَّيَاتُ فأَغْرُبُ
والحَرِيرُ: فحل من فحول الخيل معروف؛ قال رؤبة:
عَرَفْتُ من ضَرْب الحَرِيرِ عِتْقا
فيه، إِذا السَّهْبُ بِهِنَّ ارْمَقَّا
الحَرِيرُ: جد هذا الفرس، وضَرْبُه: نَسْلُه.
وحَرِّ: زجْرٌ للمعز؛ قال:
شَمْطاءُ جاءت من بلادِ البَرِّ،
قد تَرَكَتْ حَيَّهْ، وقالت: حَرِّ
ثم أَمالتْ جانِبَ الخِمَرِّ،
عَمْداً، على جانِبِها الأَيْسَرِّ
قال: وحَيَّهْ زجر للضأْن، وفي المحكَم: وحَرِّ زجر للحمار، وأَنشد
الرجز.
وأَما الذي في أَشراط الساعة يُسْتَحَلُّ: الحِرُ والحَرِيرُ: قال ابن
الأَثير: هكذا ذكره أَبو موسى في حرف الحاء والراء وقال: الحِرُ، بتخفيف
الراء، الفرج وأَصله حِرْحٌ، بكسر الحاء وسكون الراء، ومنهم من يشدد
الراء، وليس بجيد، فعلى التخفيف يكون في حرح لا في حرر، قال: والمشهور في
رواية هذا الحديث على اختلاف طرقه يستحلُّون الخَزَّ، بالخاء والزاي، وهو ضرب
من ثياب الإِبريسم معروف، وكذا جاء في كتاب البخاري وأَبي داود، ولعله
حديث آخر كما ذكره أَبو موسى، وهو حافظ عارف بما روى وشرح فلا يتهم.
وسط: وسَطُ الشيء: ما بين طرَفَيْه؛ قال:
إِذا رَحَلْتُ فاجْعلُوني وَسَطا،
إِنِّي كَبِير، لا أُطِيق العُنّدا
أَي اجعلوني وسطاً لكم تَرفُقُون بي وتحفظونني، فإِني أَخاف إِذا كنت
وحدي مُتقدِّماً لكم أَو متأَخّراً عنكم أَن تَفْرُط دابتي أَو ناقتي
فتصْرَعَني، فإِذا سكَّنت السين من وسْط صار ظرفاً؛ وقول الفرزدق:
أَتَتْه بِمَجْلُومٍ كأَنَّ جَبِينَه
صَلاءةُ وَرْسٍ، وَسْطُها قد تَفَلَّقا
فإِنه احتاج إِليه فجعله اسماً؛ وقول الهذلي:
ضَرُوب لهاماتِ الرِّجال بسَيْفِه،
إِذا عَجَمَتْ، وسْطَ الشُّؤُونِ، شِفارُها
يكون على هذا أَيضاً، وقد يجوز أَن يكون أَراد أِذا عجمَتْ وسْطَ
الشُّؤونِ شفارُها الشؤُونَ أَو مُجْتَمَعَ الشؤُونِ، فاستعمله ظرفاً على وجهه
وحذف المفعول لأَن حذف المفعول كثير؛ قال الفارسي: ويُقوّي ذلك قول
المَرّار الأَسدي:
فلا يَسْتَحْمدُون الناسَ أَمْراً،
ولكِنْ ضَرْبَ مُجْتَمَعِ الشُّؤُونِ
وحكي عن ثعلب: وَسَط الشيء، بالفتح، إِذا كان مُصْمَتاً، فإِذا كان
أَجزاء مُخَلْخَلة فهو وسْط، بالإِسكان، لا غير. وأَوْسَطُه: كوَسَطِه، وهو
اسم كأَفْكَلٍ وأَزْمَلٍ؛ قال ابن سيده وقوله:
شَهْم إِذا اجتمع الكُماةُ، وأُلْهِمَتْ
أَفْواهُها بأَواسِطِ الأَوْتار
فقد يكون جَمْعَ أَوْسَطٍ، وقد يجوز أَن يكون جَمَعَ واسِطاً على
وواسِطَ، فاجتمعت واوان فهمَز الأُولى. الجوهري: ويقال جلست وسْط القوم،
بالتسكين، لأَنه ظرف، وجلست وسَط الدار، بالتحريك، لأَنه اسم؛ وأَنشد ابن بري
للراجز:
الحمد للّه العَشِيَّ والسفَرْ،
ووَسَطَ الليلِ وساعاتٍ أُخَرْ
قال: وكلُّ موضع صلَح فيه بَيْن فهو وسْط، وإِن لم يصلح فيه بين فهو
وسَط، بالتحريك، وقال: وربما سكن وليس بالوجه كقول أَعْصُرِ بن سَعْدِ بن
قَيْسِ عَيْلانَ:
وقالوا يالَ أَشْجَعَ يَوْمَ هَيْجٍ،
ووَسْطَ الدّارِ ضَرْباً واحْتِمايا
قال الشيخ أَبو محمد بن بري، رحمه اللّه، هنا شرح مفيد قال: اعلم أَنّ
الوسَط، بالتحريك، اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه كقولك قَبَضْت وسَط
الحبْل وكسرت وسَط الرمح وجلست وسَط الدار، ومنه المثل: يَرْتَعِي وسَطاً
ويَرْبِضُ حَجْرةً أَي يرْتَعِي أَوْسَطَ المَرْعَى وخِيارَه ما دام القومُ
في خير، فإِذا أَصابهم شَرٌّ اعتَزلهم ورَبَضَ حَجرة أَي ناحية منعزلاً
عنهم، وجاء الوسط محرّكاً أَوسَطُه على وزان يقْتَضِيه في المعنى وهو
الطرَفُ لأَنَّ نَقِيض الشيء يتنزّل مَنْزِلة نظِيرة في كثير من الأَوزان
نحو جَوْعانَ وشَبْعان وطويل وقصير، قال: ومما جاء على وزان نظيره قولهم
الحَرْدُ لأَنه على وزان القَصْد، والحَرَدُ لأَنه على وزان نظيره وهو
الغضَب. يقال: حَرَد يَحْرِد حَرْداً كما يقال قصَد يقْصِد قصداً، ويقال:
حَرِدَ يَحْرَدُ حرَداً كما قالوا غَضِبَ يَغْضَبُ غضَباً؛ وقالوا: العَجْم
لأَنه على وزان العَضّ، وقالوا: العَجَم لحبّ الزبيب وغيره لأَنه وزان
النَّوَى، وقالوا: الخِصْب والجَدْب لأَن وزانهما العِلْم والجَهل لأَن
العلم يُحيي الناس كما يُحييهم الخِصْب والجَهل يُهلكهم كما يهلكهم الجَدب،
وقالوا: المَنْسِر لأَنه على وزان المَنْكِب، وقالوا: المِنْسَر لأَنه
على وزان المِخْلَب، وقالوا: أَدْلَيْت الدَّلْو إِذا أَرسلتها في البئر،
وَدَلَوْتُها إِذا جَذَبْتها، فجاء أَدْلى على مثال أَرسل ودَلا على مثال
جَذَب، قال: فبهذا تعلم صحة قول من فرق بين الضَّرّ والضُّر ولم يجعلهما
بمعنى فقال: الضَّر بإِزاء النفع الذي هو نقيضه، والضُّر بإِزاء السُّقْم
الذي هو نظيره في المعنى، وقالوا: فاد يَفِيد جاء على وزان ماسَ يَمِيس
إِذا تبختر، وقالوا: فادَ يَفُود على وزان نظيره وهو مات يموت،
والنِّفاقُ في السُّوق جاء على وزان الكَساد، والنِّفاق في الرجل جاء على وزان
الخِداع، قال: وهذا النحوُ في كلامهم كثير جدّاً؛ قال: واعلم أَنّ الوسَط قد
يأْتي صفة، وإِن أَصله أَن يكون اسماً من جهة أَن أَوسط الشيء أَفضله
وخياره كوسَط المرعى خيرٌ من طرفيه، وكوسَط الدابة للركوب خير من طرفيها
لتمكن الراكب؛ ولهذا قال الراجز:
إِذا ركِبْتُ فاجْعلاني وسَطا
ومنه الحديث: خِيارُ الأُمور أَوْساطُها؛ ومنه قوله تعالى: ومن الناسِ
مَن يَعبد اللّهَ على حرْف؛ أَي على شَكّ فهو على طرَف من دِينه غيرُ
مُتوسّط فيه ولا مُتمكِّن، فلما كان وسَطُ الشيء أَفضلَه وأَعْدَلَه جاز أَن
يقع صفة، وذلك في مثل قوله تعالى وتقدّس: وكذلك جعلْناكم أُمّة وسَطاً؛
أَي عَدْلاً، فهذا تفسير الوسَط وحقيقة معناه وأَنه اسم لما بينَ طَرَفَي
الشيء وهو منه، قال: وأَما الوسْط، بسكون السين، فهو ظَرْف لا اسم جاء
على وزان نظيره في المعنى وهو بَيْن، تقول: جلست وسْطَ القوم أَي بيْنَهم؛
ومنه قول أَبي الأَخْزَر الحِمَّانيّ:
سَلُّومَ لوْ أَصْبَحْتِ وَسْط الأَعْجَمِ
أَي بيم الأَعْجم؛ وقال آخر:
أَكْذَبُ مِن فاخِتةٍ
تقولُ وسْطَ الكَرَبِ،
والطَّلْعُ لم يَبْدُ لها:
هذا أَوانُ الرُّطَبِ
وقال سَوَّارُ بن المُضَرَّب:
إِنِّي كأَنِّي أَرَى مَنْ لا حَياء له
ولا أَمانةَ، وسْطَ الناسِ، عُرْيانا
وفي الحديث: أَتَى رسول اللّه، صلّى اللّه عليه وسلّم، وسْط القوم أَي
بينهم، ولما كانت بين ظرفاً كانت وسْط ظرفاً، ولهذا جاءت ساكنة الأَوسط
لتكون على وزانها، ولما كانت بين لا تكون بعضاً لما يضاف إِليها بخلاف
الوسَط الذي هو بعض ما يضاف إِليه كذلك وسْط لا تكون بعضَ ما تضاف إِليه،
أَلا ترى أَن وسط الدار منها ووسْط القوم غيرهم؟ ومن ذلك قولهم: وسَطُ
رأْسِه صُلْبٌ لأَن وسَطَ الرأْس بعضها، وتقول: وسْطَ رأْسِه دُهن فتنصب وسْطَ
على الظرف وليس هو بعض الرأْس، فقد حصل لك الفَرْق بينهما من جهة المعنى
ومن جهة اللفظ؛ أَما من جهة المعنى فإِنها تلزم الظرفية وليست باسم
متمكن يصح رفعه ونصبه على أَن يكون فاعلاً ومفعولاً وغير ذلك بخلاف الوَسَطِ،
وأَما من جهة اللفظ فإِنه لا يكون من الشيء الذي يضاف إِليه بخلاف
الوَسَط أَيضاً؛ فإِن قلت: قد ينتصب الوَسَطُ على الظرف كما ينتصب الوَسْطُ
كقولهم: جَلَسْتُ وسَطَ الدار، وهو يَرْتَعِي وسَطاً، ومنه ما جاء في
الحديث: أَنه كان يقف في صلاة الجَنازة على المرأَة وَسَطَها، فالجواب: أَن
نَصْب الوَسَطِ على الظرف إِنما جاء على جهة الاتساع والخروج عن الأَصل على
حدّ ما جاء الطريق ونحوه، وذلك في مثل قوله:
كما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وليس نصبه على الظرف على معنى بَيْن كما كان ذلك في وسْط، أَلا ترى أَن
وسْطاً لازم للظرفية وليس كذلك وسَط؟ بل اللازم له الاسمية في الأَكثر
والأَعم، وليس انتصابه على الظرف، وإِن كان قليلاً في الكلام، على حدِّ
انتصاب الوسْط في كونه بمعنى بين، فافهم ذلك. قال: واعلم أَنه متى دخل على
وسْط حرفُ الوِعاء خرج عن الظرفية ورجعوا فيه إِلى وسَط ويكون بمعنى وسْط
كقولك: جلسْتُ في وسَط القوم وفي وسَطِ رأْسِه دُهن، والمعنى فيه مع
تحرُّكه كمعناه مع سكونه إِذا قلت: جلسْتُ وسْطَ القوم، ووسْطَ رأْسِه دُهن،
أَلا ترى أَن وسَط القوم بمعنى وسْط القوم؟ إِلاَّ أَن وَسْطاً يلزم
الظرفية ولا يكون إِلاَّ اسماً، فاستعير له إِذا خرج عن الظرفية الوسَطُ على
جهة النيابة عنه، وهو في غير هذا مخالف لمعناه، وقد يُستعمل الوسْطُ الذي
هو ظرف اسماً ويُبَقَّى على سكونه كما استعملوا بين اسماً على حكمها
ظرفاً في نحو قوله تعالى: لقد تَقَطَّعَ بَيْنُكُم؛ قال القَتَّالُ
الكلابي:مِن وَسْطِ جَمْعِ بَني قُرَيْظٍ، بعدما
هَتَفَتْ رَبِيعَةُ: يا بَني خَوّارِ
وقال عَدِيُّ بن زيد:
وَسْطُه كاليَراعِ أَو سُرُجِ المَجْـ
ـدلِ، حِيناً يَخْبُو، وحِيناً يُنِيرُ
وفي الحديث: الجالِسُ وسْطَ الحَلْقةِ مَلْعُون، قال: الوسْط، بالتسكين،
يقال فيما كان مُتَفَرِّقَ الأَجزاء غيرَ مُتصل كالناس والدوابّ وغير
ذلك، فإِذا كان مُتصلَ الأَجزاء كالدَّار والرأْس فهو بالفتح. وكل ما
يَصْلُح فيه بين، فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه بين، فهو بالفتح؛ وقيل: كل
منهما يَقَع مَوْقِعَ الآخر، قال: وكأَنه الأَشبه، قال: وإِنما لُعِنَ
الجالِسُ وسْط الحلقة لأَنه لا بدَّ وأَن يَسْتَدبِر بعضَ المُحيطين به
فيُؤْذِيَهم فيلعنونه ويذُمونه.
ووسَطَ الشيءَ: صار بأَوْسَطِه؛ قال غَيْلان بن حُرَيْثٍ:
وقد وَسَطْتُ مالِكاً وحَنْظَلا
صُيَّابَها، والعَدَدَ المُجَلْجِلا
قال الجوهري: أَراد وحنظلة، فلما وقف جعل الهاء أَلِفاً لأَنه ليس
بينهما إِلا الهَهَّةُ وقد ذهبت عند الوقف فأَشبهت الأَلف كما قال امرؤُ
القيس:وعَمْرُو بنُ دَرْماء الهُمامُ إِذا غَدا
بِذي شُطَبٍ عَضْبٍ، كمِشْيَةِ قَسْوَرا
أَراد قَسْوَرَة. قال: ولو جعله اسماً محذوفاً منه الهاء لأَجراه، قال
ابن بري: إِنما أَراد حريثُ بن غَيلان
(* قوله «حريث بن غيلان» كذا بالأصل
هنا وتقدم قريباً غيلان ابن حريث.) وحنظل لأَنه رَخَّمه في غير النداء
ثم أَطلق القافية، قال: وقول الجوهري جعل الهاء أَلِفاً وهمٌ منه.
ويقال: وسَطْتُ القومَ أَسِطُهم وَسْطاً وسِطةً أَي تَوَسَّطْتُهم.
ووَسَطَ الشيءَ وتَوَسَّطَه: صار في وسَطِه.
ووُسُوطُ الشمس: توَسُّطُها السماء.
وواسِطُ الرَّحْل وواسِطَتُه؛ الأَخيرة عن اللحياني: ما بين القادِمةِ
والآخِرة. وواسِطُ الكُورِ: مُقَدَّمُه؛ قال طرفة:
وإِنْ شِئت سامى واسِطَ الكُورِ رأْسُها،
وعامَتْ بِضَبْعَيْها نَجاء الخَفَيْدَدِ
وواسِطةُ القِلادة: الدُّرَّة التي وسَطها وهي أَنْفَس خرزها؛ وفي
الصحاح: واسِطةُ القلادة الجَوْهَرُ الذي هو في وَسطِها وهو أَجودها، فأَما
قول الأَعرابي للحسن: عَلَّمني دِيناً وَسُوطاً لا ذاهِباً فُرُوطاً ولا
ساقِطاً سُقُوطاً، فإِن الوَسُوط ههنا المُتَوَسِّطُ بين الغالي والتَّالي،
أَلا تراه قال لا ذاهباً فُرُوطاً؟ أَي ليس يُنال وهو أَحسن الأَديان؛
أَلا ترى إِلى قول عليّ، رضوان اللّه عليه: خير الناس هذا النمَطُ
الأَوْسَط يَلْحق بهم التَّالي ويرجع إِليهم الغالي؟ قال الحسن للأَعرابي: خيرُ
الأُمور أَوْساطُها؛ قال ابن الأَثير في هذا الحديث: كلُّ خَصْلة محمودة
فلها طَرَفانِ مَذْمُومان، فإِن السَّخاء وسَطٌ بين البُخل والتبذير،
والشجاعةَ وسَط بين الجُبن والتهوُّر، والإِنسانُ مأْمور أَن يتجنب كل وصْف
مَذْمُوم، وتجنُّبُه بالتعَرِّي منه والبُعد منه، فكلَّما ازداد منه
بُعْداً ازداد منه تقرُّباً، وأَبعدُ الجهات والمقادير والمعاني من كل طرفين
وسَطُهما، وهو غاية البعد منهما، فإِذا كان في الوسَط فقد بَعُد عن
الأَطراف المذمومة بقدر الإِمكان. وفي الحديث: الوالِد أَوْسَطُ أَبواب الجنة
أَي خيرُها. يقال: هو من أَوسَطِ قومِه أَي خيارِهم. وفي الحديث: أَنه
كان من أَوْسَطِ قومه أَي من أَشْرَفِهم وأَحْسَبِهم. وفي حديث رُقَيْقةَ:
انظُروا رجلاً وسِيطاً أَي حَسِيباً في قومه، ومنه سميت الصلاة الوُسْطَى
لأَنها أَفضلُ الصلوات وأَعظمها أَجْراً، ولذلك خُصت بالمُحافَظةِ
عليها، وقيل: لأَنها وسَط بين صلاتَيِ الليل وصلاتَيِ النهار، ولذلك وقع
الخلاف فيها فقيل العصر، وقيل الصبح، وقيل بخلاف ذلك، وقال أَبو الحسن:
والصلاة الوسطى يعني صلاة الجمعة لأَنها أَفضلُ الصلواتِ، قال: ومن قال خلافَ
هذا فقد أَخْطأَ إِلا أَن يقوله برواية مُسنَدة إِلى النبي، صلّى اللّه
عليه وسلّم.
ووَسَطَ في حَسَبِه وَساطة وسِطةً ووَسُطَ ووسَّط؛ ووَسَطَه: حَلَّ
وَسَطَه أَي أَكْرَمَه؛ قال:
يَسِطُ البُيوتَ لِكي تكون رَدِيّةً،
من حيثُ تُوضَعُ جَفْنةُ المُسْتَرْفِدِ
ووَسَطَ قومَه في الحسَبِ يَسِطُهم سِطةً حسنَة. الليث: فلان وَسِيطُ
الدارِ والحسَبِ في قومه، وقد وسُطَ وَساطةً وسِطةً ووَسَّطَ توْسِيطاً؛
وأَنشد:
وسَّطْت من حَنْظَلةَ الأُصْطُمّا
وفلان وسِيطٌ في قومه إِذا كان أَوسطَهم نسَباً وأَرْفعَهم مَجْداً؛ قال
العَرْجِيُّ:
كأَنِّي لم أَكُنْ فيهم وسِيطاً،
ولم تَكُ نِسْبَتي في آلِ عَمْرِ
والتوْسِيطُ: أَن تجعل الشيء في الوَسَط. وقرأَ بعضهم: فوَسَّطْنَ به
جمعاً؛ قال ابن بري: هذه القراءة تُنسب إِلى عليّ، كرّم اللّه وجهه، وإِلى
ابن أَبي ليلى وإِبراهيم بن أَبي عَبْلَةَ. والتوْسِيطُ: قَطْعُ الشيء
نصفين. والتَّوَسُّطُ من الناس: من الوَساطةِ، ومَرْعىً وسَطٌ أَي خِيار؛
قال:
إِنَّ لها فَوارِساً وفَرَطا،
ونَفْرَةَ الحَيِّ ومَرْعىً وَسَطا
ووَسَطُ الشيءِ وأَوْسَطُه: أَعْدَلُه، ورجل وَسَطٌ ووَسِيطٌ: حسَنٌ من
ذلك. وصار الماءُ وَسِيطةً إِذا غلَب الطينُ على الماء؛ حكاه اللحياني عن
أَبي طَيْبة. ويقال أَيضاً: شيءٌ وَسَطٌ أَي بين الجَيِّدِ والرَّدِيء.
وفي التنزيل العزيز: وكذلك جَعَلْناكم أُمّة وسَطاً؛ قال الزجاج: فيه
قولان: قال بعضهم وسَطاً عَدْلاً، وقال بعضهم خِياراً، واللفظان مختلفان
والمعنى واحد لأَن العَدْل خَيْر والخير عَدْلٌ، وقيل في صفة النبي، صلّى
اللّه عليه وسلّم: إِنه كان من أَوْسَطِ قومِه أَي خِيارِهم، تَصِف
الفاضِلَ النسَب بأَنه من أَوْسَطِ قومه، وهذا يَعرِف حقيقَته أَهلُ اللغة لأَن
العرب تستعمل التمثيل كثيراً، فَتُمَثِّل القَبِيلةَ بالوادي والقاعِ وما
أَشبهه، فخيرُ الوادي وسَطُه، فيقال: هذا من وَسَط قومِه ومن وَسَطِ
الوادي وسَرَرِ الوادي وسَرارَته وسِرِّه، ومعناه كله من خَيْر مكان فيه،
وكذلك النبي، صلّى اللّه عليه وسلّم، من خير مكان في نسَب العرب، وكذلك
جُعِلتْ أُمّته أُمة وسَطاً أَي خِياراً.
وقال أَحمد بن يحيى: الفرق بين الوسْط والوَسَط أَنه ما كانَ يَبِينُ
جُزْء من جُزْء فهو وسْط مثل الحَلْقة من الناس والسُّبْحةِ والعِقْد، قال:
وما كان مُصْمَتاً لا يَبِينُ جزء من جزء فهو وسَط مثل وسَطِ الدارِ
والراحة والبُقْعة؛ وقال الليث: الوسْط مخففة يكون موضعاً للشيء كقولك زيد
وسْطَ الدارِ، وإِذا نصبت السين صار اسماً لما بين طَرَفَيْ كل شيء؛ وقال
محمد ابن يزيد: تقول وَسْطَ رأْسِك دُهْنٌ يا فَتى لأَنك أَخبرت أَنه
استقرّ في ذلك الموضع فأَسكنت السين ونصبت لأَنه ظرف، وتقول وسَطُ رأْسِك
صُلْب لأَنه اسم غير ظرف، وتقول ضربْت وسَطَه لأَنه المفعول به بعينه،
وتقول حَفَرْتُ وسَطَ الدارِ بئراً إِذا جعلت الوَسَط كله بِئراً، كقولك
حَرَثْت وسَطَ الدار؛ وكل ما كان معه حرف خفض فقد خرج من معنى الظرف وصار
اسماً كقولك سِرْت من وَسَطِ الدار لأَنَّ الضمير لِمنْ، وتقول قمت في وسَط
الدار كما تقول في حاجة زيد فتحرك السين من وسَط لأَنه ههنا ليس بظرف.
الفراء: أَوْسَطْت القومَ ووَسَطْتُهم وتوَسَّطْتُهم بمعنى واحد إِذا
دخلت وسْطَهم. قال اللّه عزّ وجلّ: فوَسَطْنَ به جَمْعاً. وقال الليث: يقال
وَسَطَ فلانٌ جماعةً من الناس وهو يَسِطُهم إِذا صار وَسْطَهم؛ قال:
وإِنما سمي واسِطُ الرحْل واسِطاً لأَنه وسَطٌ بين القادِمة والآخرةِ، وكذلك
واسِطةُ القِلادةِ، وهي الجَوْهرة التي تكون في وسَطِ الكِرْسِ
المَنْظُوم. قال أَبو منصور في تفسير واسِطِ الرَّحْل ولم يَتَثَبَّتْه: وإِنما
يعرف هذا من شاهَدَ العَربَ ومارَسَ شَدَّ الرِّحال على الإِبل، فأَما من
يفسِّر كلام العرب على قِياساتِ الأَوْهام فإِنَّ خَطأَه يكثر، وللرحْلِ
شَرْخانِ وهما طَرَفاه مثل قرَبُوسَيِ السَّرْج، فالطرَفُ الذي يلي ذنب
البعير آخِرةُ الرحل ومُؤْخِرَتُه، والطرف الذي يلي رأْس البعير واسِطُ
الرحل، بلا هاء، ولم يسمَّ واسطاً لأَنه وَسَطٌ بين الآخرة والقادِمة كما
قال الليث: ولا قادمة للرحل بَتَّةً إِنما القادمةُ الواحدةُ من قَوادِم
الرِّيش، ولضَرْع الناقة قادِمان وآخِران، بغير هاء، وكلام العرب يُدَوَّن
في الصحف من حيث يصح، إِمّا أَن يُؤْخَذَ عن إِمام ثِقَة عَرَفَ كلام
العرب وشاهَدَهم، أَو يقبل من مؤدّ ثقة يروي عن الثقات المقبولين، فأَما
عباراتُ مَن لا معرفة له ولا أَمانة فإِنه يُفسد الكلام ويُزيله عن صِيغته؛
قال: وقرأْت في كتاب ابن شميل في باب الرحال قال: وفي الرحل واسِطُه
وآخِرَتُه ومَوْرِكُه، فواسطه مُقَدَّمه الطويل الذي يلي صدر الراكب، وأَما
آخِرته فمُؤخرَته وهي خشبته الطويلة العريضة التي تحاذي رأْس الراكب،
قال: والآخرةُ والواسط الشرْخان. ويقال: ركب بين شَرْخَيْ رحله، وهذا الذي
وصفه النضْر كله صحيح لا شك فيه. قال أَبو منصور: وأَما واسِطةُ القِلادة
فهي الجوهرة الفاخرة التي تجعل وسْطها. والإِصْبع الوُسطى.
وواسِطُ: موضع بين الــجَزيرة ونَجْد، يصرف ولا يصرف. وواسِط: موضع بين
البصرة والكوفة وُصف به لتوسُّطِه ما بينهما وغلبت الصفة وصار اسماً كما
قال:
ونابِغةُ الجَعْدِيُّ بالرَّمْلِ بَيْتُه،
عليه تُرابٌ من صَفِيحٍ مُوَضَّع
قال سيبويه: سموه واسطاً لأَنه مكان وسَطٌ بين البصرة والكوفة: فلو
أَرادوا التأْنيث قالوا واسطة، ومعنى الصفة فيه وإِن لم يكن في لفظه لام. قال
الجوهري: وواسِط بلد سمي بالقصر الذي بناه الحجاج بين الكوفة والبصرة،
وهو مذكر مصروف لأَن أَسماء البُلدان الغالب عليه التأْنيث وتركُ الصرف،
إِلاَّ مِنىً والشام والعراق وواسطاً ودابِقاً وفَلْجاً وهَجَراً فإِنها
تذكر وتصرف؛ قال: ويجوز أَن تريد بها البقعة أَو البلْدة فلا تصرفه كما
قال الفرزدق يرثي به عمرو بن عبيد اللّه بن مَعْمر:
أَمّا قُرَيْشٌ، أَبا حَفْصٍ، فقد رُزِئتْ
بالشامِ، إِذ فارَقَتْك، السمْعَ والبَصَرا
كم من جَبانٍ إِلى الهَيْجا دَلَفْتَ به،
يومَ اللِّقاء، ولولا أَنتَ ما صَبرا
مِنهنَّ أَيامُ صِدْقٍ، قد عُرِفْتَ بها،
أَيامُ واسِطَ والأَيامُ مِن هَجَرا
وقولهم في المثل: تَغافَلْ كأَنَّك واسِطِيٌّ؛ قال المبرد: أَصله أَن
الحجاج كان يتسخَّرُهم في البِناء فيَهْرُبون ويَنامون وسْط الغُرباء في
المسجد، فيجيء الشُّرَطِيُّ فيقول: يا واسِطيّ، فمن رفع رأْسه أَخذه وحمله
فلذلك كانوا يتَغافلون.
والوَسُوط من بيوت الشعَر: أَصغرها. والوَسُوط من الإِبل: التي تَجُرُّ
أَربعين يوماً بعد السنة؛ هذه عن ابن الأَعرابي، قال: فأَما الجَرُور فهي
التي تجرّ بعد السنة ثلاثة أَشهر، وقد ذكر ذلك في بابه. والواسطُ:
الباب، هُذَليّة.