Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: تنافر

نَفَرَ

Entries on نَفَرَ in 1 Arabic dictionary by the author Ibn al-Athīr al-Jazarī, al-Nihāya fī Gharīb al-Ḥadīth wa-l-Athar
(نَفَرَ)
(س) فِيهِ «بَشِّروا وَلَا تُنَفِّرُوا» أَيْ لَا تلْقَوهُم بِمَا يِحْمِلهم عَلَى النُّفُورِ. يُقَالُ:
نَفَرَ يَنْفِرُ نُفُوراً ونِفَاراً، إِذَا فَرَّ وذَهَب.
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ» أَيْ مَن يَلْقَى النَّاسَ بالغِلْظة والشِّدة، فَيَنْفِرُونَ مِنَ الإسْلام والدِّين.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «لَا تُنَفِّرِ الناسَ» .
(س) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «إِنَّهُ اشْتَرط لِمن أقطَعَه أَرْضًا أَلَّا يُنَفِّرَ مالُه» أَيْ لَا يُزْجَر مَا يَرْعَى فِيهَا مِنْ مالِه، وَلَا يُدْفَع عَنِ الرَّعْي.
وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَجِّ «يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ» هُوَ اليَومُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشريق. والنَّفْر الآخِر اليَومُ الثالِث.
وَفِيهِ «وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» الِاسْتِنْفَارُ: الاستِنْجاد والاسْتِنْصار: أَيْ إِذَا طُلِبَ مِنْكُمُ النُّصْرة فأجِيبوا وانْفِرُوا خارِجين إِلَى الْإِعَانَةِ. ونَفِيرُ الْقَوْمِ: جَماعَتُهم الَّذِينَ يَنْفِرُونَ فِي الأمْر.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ بَعَث جَمَاعَةً إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَنَفَرَتْ لَهُمْ هُذَيل، فلما أحَسُّوا بِهم لَجَأوا إِلَى قَرْدَدٍ» أَيْ خَرجوا لِقتالِهم.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «غَلَبت نُفُورَتُنَا نُفُورَتَهم» يُقَالُ لِأَصْحَابِ الرَّجُل وَالَّذِينَ يَنْفِرُون مَعَهُ إِذَا حَزَبه أمرٌ: نَفْرَتُهُ ونَفْرُهُ ، ونَافِرَتُهُ ونُفُورَتُهُ.
(س) وَفِي حَدِيثِ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ «أُنْفِرَ بِنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» يُقال: أَنْفَرْنَا: أَيْ تَفَرَّقَت إبِلُنا، وأُنْفِرَ بِنا: أَيْ جُعِلْنا مُنْفِرِينَ ذَوِي إبِلٍ نَافِرَة.
وَمِنْهُ حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَأَنْفَرَ بِهَا المشرِكون بَعيرَها حَتَّى سَقَطَت» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «مَا يَزيدُ عَلَى أَنْ يَقُول: لَا تُنْفِرُوا» أَيْ لَا تُنْفِروا إبِلَنا.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «لَوْ كَانَ هَاهُنَا أحدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا» أَيْ مِنْ قَومِنا، جَمْع نَفَرٍ، وهُم رَهْط الْإِنْسَانِ وعَشِيرته، وهُو اسْمُ جَمْعٍ، يَقَع عَلَى جَمَاعة مِنَ الرِّجال خاصَّة مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى العَشَرة، وَلَا واحدَ لَهُ مِنْ لَفْظه.
(س) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ونَفَرُنَا خُلُوف» أَيْ رِجَالُنَا. وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.
(هـ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّ رجُلا تَخَلَّل بالقَصَب، فَنَفَرَ فُوهُ، فَنَهى عَنِ التَّخلُّل بالقَصَب» أَيْ وَرِمَ. وأصلُه مِنَ النِّفَارِ؛ لأنَّ الجِلْدَ يَنْفِرُ عَنِ اللَّحم، للدَّاء الحادِث بَيْنَهُما.
(هـ) وَمِنْهُ حَدِيثُ غَزْوَانَ «أَنَّهُ لَطَم عَيْنَه فَنَفَرَتْ» أَيْ وَرِمَت.
(س) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «نَافَرَ أخِي أُنَيْسٌ فُلانا الشَّاعِر» تَنَافَرَ الرجُلان، إِذَا تَفاخَرا ثُمَّ حَكَّما بينَهُما واحِدا، أَرَادَ أنَّهما تَفاخَرا أيُّهما أجْودُ شِعْرا.
والْمُنَافَرَةُ: المُفاخَرةُ والمُحاكَمةُ، يُقال: نَافَرَهُ فَنَفَرَهُ يَنْفُرُهُ، بِالضَّمِّ، إِذَا غَلَبه. ونَفَّرَهُ وأَنْفَرَهُ، إِذَا حَكم لَهُ بالغَلَبة.
وَفِيهِ «إنَّ اللَّه يُبْغِض العِفْرِيَةَ النِّفْرِيَة» أَيِ المُنْكَر الخبِيث. وَقِيلَ: النِّفْرِيَةُ والنِّفْرِيتُ:
إِتْبَاعٌ لِلعِفْريَةِ والعِفْريتِ.

الفَصاحَةُ اللفظيةُ

Entries on الفَصاحَةُ اللفظيةُ in 1 Arabic dictionary by the author Al-Suyūṭī, Muʿjam Maqālīd al-ʿUlūm fī l-Ḥudūd wa-l-Rusūm
الفَصاحَةُ اللفظيةُ: خلوص الْكَلَام عَن ضعف التَّأْلِيف، وتنافر الْكَلِمَات، والتعقيد.

وَكَلَ

Entries on وَكَلَ in 2 Arabic dictionaries by the authors Ibn al-Athīr al-Jazarī, al-Nihāya fī Gharīb al-Ḥadīth wa-l-Athar and Firuzabadi, al-Qāmūs al-Muḥīṭ
وَكَلَ باللهِ يَكِلُ وتَوَكَّلَ على اللهِ وأوْكَلَ واتَّكَلَ: اسْتَسْلَمَ إليه.
وَوَكَلَ إليه الأمْرَ وَكْلاً ووُكُولاً: سَلَّمَهُ وتَرَكَهُ.
ورجلٌ وَكَلٌ، محرَّكةً،
ووُكَلَةٌ وتُكَلَةٌ، كهُمَزَةٍ،
ومُواكِلٌ: عاجِزٌ.
وواكَلَتِ الدابَّةُ وِكالاً: أساءَتِ السَّيْرَ.
ووَكَلَتْ: فَتَرَتْ.
وتَواكَلُوا مواكَلَةً ووِكالاً: اتَّكَلَ بعضُهم على بعضٍ.
والوكيلُ: م، وقد يكونُ للجَمْعِ والأنْثَى.
وقد وكَّلَهُ تَوْكيلاً،
والاسمُ: الوَكالَةُ، ويُكْسَرُ.
ومَوْكَلٌ، كمَقْعَدٍ: جَبَلٌ، أَو حِصْنٌ، وفَرَسُ رَبِيعَةَ بنِ غَزالَةَ السَّكوِيِّ.
والتَّوَكُّلُ: إظْهارُ العَجْزِ، والاعتمادُ على الغيرِ، والاسمُ: التُّكْلانُ.
والمُتَوَكِّلُ العِجْلِيُّ، وابنُ عبدِ اللهِ بنِ نَهْشَلٍ، وابنُ عِياضٍ: شُعَراءُ.
والمُتَوَكِّلُ جَعْفَرُ بنُ محمدٍ: من الخُلَفاء.
وأبو المُتَوَكِّلِ الناجي: مُحَدِّثٌ.
وتَواكَلَهُ الناسُ: تَرَكوهُ.
وسِدْرٌ تَواكِلَةُ القَوائِمِ: لا قوائِمَ له.
(وَكَلَ)
- فِي أَسْمَاءِ اللَّه تَعَالَى «الْوَكِيلُ» هُوَ القَيِّم الكَفيل بِأَرْزَاقِ العِباد، وحقيقتُه أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِأَمْرِ الْمَوْكُولِ إِلَيْهِ.
وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «التَّوَكُّلِ» فِي الْحَدِيثِ. يُقَالُ: تَوَكَّلَ بالأمرِ، إِذَا ضَمِنَ القِيام بِهِ.
ووَكَلْتُ أَمْرِي إِلَى فُلَانٍ: أَيْ ألْجأته إِلَيْهِ واعتَمَدْتُ فِيهِ عَلَيْهِ. ووَكَّلَ فلانٌ فُلَانًا، إِذَا اسْتكْفاه أمرَه ثِقَةً بكفايَتِه، أَوْ عَجْزاً عَنِ القِيام بِأَمْرِ نفسِه.
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ الدُّعَاءِ «لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسي طَرْفَةَ عَيْنٍ فأهْلِكَ» .
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «ووَكَلَهَا إِلَى اللَّه» أَيْ صَرَف أمرَها إِلَيْهِ.
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «مَن تَوَكَّلَ بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْه ورِجْلَيْهِ تَوَكَّلْتُ لَهُ بِالْجَنَّةِ» وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى تَكَفَّل.
(هـ) وَحَدِيثُ الفَضِل بْنِ الْعَبَّاسِ وابنِ رَبِيعَةَ «أتَياه يَسألانِه السِّعاية فَتَوَاكَلَا الكلامَ» أَيِ اتَّكَلَ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا عَلَى الآخَر فِيهِ. يُقَالُ: اسْتَعَنْتُ القَومَ فَتَوَاكَلُوا: أَيْ وَكَلَنِى بعضُهم إِلَى بَعْضٍ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ يَعْمَر «فظنَنْتُ أَنَّهُ سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ» .
(س) وَمِنْهُ حَدِيثُ لُقْمَانَ «وَإِذَا كَانَ الشأنُ اتَّكَلَ» أَيْ إذا وَقَعَ الأمرُ لا يَنْهَضُ فيه، ويَكِلُه إِلَى غَيْرِهِ. وأصلُه: أوتَكَل، فقُلبتِ الْوَاوُ يَاءً، ثُمَّ تَاءً وأُدِغَمت.
(س) وَفِيهِ «أَنَّهُ نَهى عَنِ المُواكَلة» قِيلَ: هُوَ مِنَ الاتِّكال فِي الأمُور، وَأَنْ يَتَّكِلَ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا عَلَى الأخَر. يُقَالُ: رجُلٌ وُكَلَةٌ، إِذَا كثُر مِنْهُ الِاتِّكَالُ عَلَى غَيْره، فَنَهى عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الــتَّنافُرِ والتَّقاطُع، وَأَنْ يَكِلَ صاحبَه إِلَى نفسِه وَلَا يُعينَه فِيمَا يَنُوبُه.
وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ مُفاعَلة مِنَ الْأَكْلِ، وَالْوَاوُ مُبدَلة مِنَ الْهَمْزَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَرْفها.
وَفِيهِ «كَانَ إِذَا مَشَى عُرِف فِي مَشْيه أَنَّهُ غَيْرُ غَرِضٍ وَلَا وَكِلٍ» الْوَكَلُ والْوَكِلُ:
البليدُ والجَبانُ. وَقِيلَ: العاجزُ الَّذِي يَكِلُ أمرَه إِلَى غَيْرِهِ.
وَمِنْهُ مَقتل الْحُسَيْنِ «قَالَ سِنانٌ قاتِلُه لِلْحَجَّاجِ: ولَّيتُ رأسَه امْرَأً غَيرَ وَكَلٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَكَلْتُه إِلَى غَيْرِ وَكَل» يَعْنِي نَفْسَه.

الجمع

Entries on الجمع in 3 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Ismāʿīl bin Ḥammād al-Jawharī, Tāj al-Lugha wa Ṣiḥāḥ al-ʿArabīya
الجمع: ضم ما شأنه الافتراق والــتنافر ذكره الحرالي.

وقال الراغب: ضم الشيء بعضه من بعض. والجماع يقال في أقوام متفاوتة اجتمعوا، وأجمعت كذا وأكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكر، ويقال أجمع المسلمون على كذا اجتمعت آراؤهم عليه.

الجمع عند أهل الحقيقة: إشارة إلى حق بلا خلق، وقيل مشاهدة العبودية، وقيل الفرق ما نسب إليك، والجمع ما سلب عنك، ومعناه أن ما يكون كسبا للعبد من إقامة وظائف العبودية وما يليق بأحوال البشرية فهو فرق، وما يكون من قبل الحق من إبداء معان وابتداء لطائف وإحسان فهو جمع، ولا بد للعبد منهما، ومن لا تفرقة له لا عبودية له، ومن لا جمع له لا معرفة له، فقول العبد {إِيَّاكَ نَعْبُد} إثبات للتفرقة بأثبات العبودية، وقوله {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين} طلب للجمع، فالتفرقة بداية الإرادة والجمع نهايتها.
الجمع:
[في الانكليزية] Groupe of people ،crowd ،addition ،sum ،plural ،union
[ في الفرنسية] Groupe de gens ،foule ،addition ،somme ،pluriel
بالفتح وسكون الميم في اللغة بمعنى الجميع، وجماعة الناس، ومصدر بمعنى ضمّ الأشياء، وجمع الاسم الواحد. والنخل الوافر الثمر. كما في المنتخب. وعند المحاسبين هو زيادة عدد على عدد آخر وما حصل من تلك الزيادة يسمى مجموعا وحاصل الجمع. وفي تقييد العدد بالآخر إشارة إلى أنه لا بدّ من التغاير بين العددين حقيقة، كأن يكون أحدهما خمسة والآخر ستة، لا أن يكون كل منهما خمسة مثلا إذ حينئذ لا يسمّى جمعا بل تضعيفا، هكذا يفهم من شرح خلاصة الحساب.
وعند أهل البديع هو من المحسّنات المعنوية وهو أن يجمع بين شيئين أو أشياء في حكم كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا جمع المال والبنون في الزينة كذا في الإتقان والمطول. وعند الأصوليين والفقهاء هو أن يجمع بين الأصل والفرع لعلّة مشتركة بينهما ليصحّ القياس، ويقابله الفرق وهو أن يفرّق بينهما بإبداء ما يختصّ بأحدهما لئلّا يصحّ القياس كذا في شرح المواقف في المقصد السادس من مرصد النظر، وتلك العلّة المشتركة تسمّى جامعا كما مرّ في لفظ التمثيل. وعند المنطقيين هو كون المعرّف أي بالكسر بحيث يصدق على جميع أفراد المعرّف أي بالفتح، ويسمّى بالعكس والانعكاس أيضا كما يجئ، وذلك المعرّف أي بالكسر يسمّى جامعا ومنعكسا، وبهذا المعنى يستعمله الأصوليون والمتكلّمون وغيرهم في بيان التعريف. ويطلق على معنى آخر أيضا يجئ ذكره في لفظ المغالطة.

عند أهل البديع هو من المحسّنات المعنوية وهو أن يجمع بين شيئين أو أشياء في حكم كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا جمع المال والبنون في الزينة كذا في الإتقان والمطول. وعند الأصوليين والفقهاء هو أن يجمع بين الأصل والفرع لعلّة مشتركة بينهما ليصحّ القياس، ويقابله الفرق وهو أن يفرّق بينهما بإبداء ما يختصّ بأحدهما لئلّا يصحّ القياس كذا في شرح المواقف في المقصد السادس من مرصد النظر، وتلك العلّة المشتركة تسمّى جامعا كما مرّ في لفظ التمثيل. وعند المنطقيين هو كون المعرّف أي بالكسر بحيث يصدق على جميع أفراد المعرّف أي بالفتح، ويسمّى بالعكس والانعكاس أيضا كما يجئ، وذلك المعرّف أي بالكسر يسمّى جامعا ومنعكسا، وبهذا المعنى يستعمله الأصوليون والمتكلّمون وغيرهم في بيان التعريف. ويطلق على معنى آخر أيضا يجئ ذكره في لفظ المغالطة.
وعند النحاة والصرفيين هو اسم دلّ على جملة آحاد مقصودة بحروف مفردة بتغيّر ما، ويسمّى مجموعا أيضا. فالآحاد أعمّ من أن تكون جملة أو متفرقة فيشتمل أسماء العدد ورجل ورجلان وأسماء الأجناس كتمر ونخل، فإنّها وإن لم تدل عليها وضعا فقد تدلّ عليها استعمالا وأسماء الجموع كرهط ونفر. وبإضافة الجملة إليها خرجت الواحد والاثنان ورجل ورجلان وبقيت البواقي. وقولنا مقصودة أي يتعلق بها القصد في ضمن ذلك الاسم. وقولنا بحروف مفردة أي بحروف هي مادة لمفرده أي لواحده كما هي مادة له أيضا. فالقصد والدلالة بحروف المفرد بمعنى المدخلية لحروف المفرد فيه لا الاستقلال، إذ الهيئة لها أيضا مدخل في الدلالة. والمراد بحروف مفرده أعمّ من حروف مفرده المحقّق كما في رجال، ومن حروف مفرده المقدّر كما في نسوة فإنه يقدّر له مفرد لم يوجد في الاستعمال، وهو نساء على وزن غلام فإن فعلة من الأوزان المشهورة للجمع لمفرد على فعال بضم الفاء. فبقولنا مقصودة خرجت أسماء الأجناس إذا قصد بها نفس الجنس لا أفراده. وإذا قصد بها الأفراد استعمالا فخرجت بقولنا بحروف مفرده. وخرج بقولنا بحروف مفرده أسماء الجموع وأسماء العدد أيضا.
فإن قيل لم يقدر المفرد في نحو إبل وغنم وقوم ورهط لتدخل في الجمع كما قدّر في نسوة. قيل لعدم جريان أحكام الجمع فيها بل المانع متحقق وهو جريان أحكام المفرد فيها بخلاف نحو نسوة. وبالجملة فنحو نسوة ورجال لمّا كان على أوزان الجموع واستعمالها في التأنيث والرّدّ في التصغير إلى الأصل وامتناع النسبة ومنع الصرف عند تحقق منتهى الجموع اعتبر له واحد محقق أو مقدر. وأما نحو إبل وغنم وخيل ونحوها من أسماء الجموع، فلمّا لم يكن له أحكام الجمع بل أحكام المفرد لم يعتبر له واحد لا محقق ولا مقدر، فإنّ نحو ركب مثلا وإن وافق الراكب في الحروف لكن الراكب ليس بمفرد له، بل كلاهما مفردان، بدليل جريان أحكام المفرد فيهما من التصغير وكون الركب على غير صيغ القلّة وعود ضمير الواحد إليه ونحو ذلك. وهكذا الحال في نحو تمر مما الفارق بينه وبين واحده التاء، فإنه اسم جنس لا جمع وإليه ذهب سيبويه. وقال الأخفش أسماء الجموع التي لها آحاد من تراكيبها جمع فالركب جمع راكب.
وقال الفرّاء وكذا أسماء الأجناس. كتمر فإنه جمع تمرة. وأما اسم جمع أو جنس لا واحد له من لفظه نحو إبل وغنم فليس بجمع على الاتفاق بل الإبل اسم جنس والغنم اسم جمع. ثم الفرق بينهما أنّ اسم الجنس يطلق على القليل والكثير أي يقع على الواحد والاثنين فصاعدا وضعا بخلاف اسم الجمع. فإن قيل الكلم لا يقع على الكلمة والكلمتين وهو جنس.
قيل ذلك بحسب الاستعمال لا بالوضع على أنه لا ضير في التزام كون الكلم اسم جمع وقد مرّ أيضا في لفظ اسم الجنس. ثم إضافة حروف إلى مفرده للجنس أي بجميع حروف مفرده كرجال أو بعضها كسفارج في سفرجل وفرازد في فرزدق. وقولنا بتغيّر ما أي أعم من أن يكون التغير بزيادة كرجال جمع رجل وكما في الجمع السالم أو نقصان ككتب جمع كتاب أو اختلاف في الحركات والسكنات كأسد جمع أسد، ومن أن يكون حقيقة كعامة الجموع أو حكما كما في فلك وهيجان حيث يتّحد فيهما الواحد والجمع حرفا وهيئة، لكنه اعتبر الضمة في فلك والكسر في هيجان في حال الجمع عارضيتين، وفي حال الإفراد أصليتين، فحصل التغير بهذا الاعتبار.
التقسيم
الجمع نوعان صحيح ويسمّى سالما وجمع السلامة أيضا ومكسر ويسمّى جمع التكسير.
فجمع التكسير ما تغيّر بناء واحده أي من حيث نفسه وأموره الداخلة فيه كما هو المتبادر بخلاف جمع السلامة، فإن تغير بناء واحده بلحوق الحروف الخارجة فتغيّر نحو أفراس باعتبار الأمور الداخلة حيث عرض للفاء السكون وصيرورته حرفا ثانيا بعد أن كان أولا، والفصل بين الراء والسين بعد أن كانا متصلين وليس كذلك تغير نحو مسلمون لبقاء بناء مفرده وهو مسلم في التلفظ. فالفرق بين التكسير والتصحيح إنما هو باختصاص التكسير بالتغير بالأمور الدخلة، هكذا ذكر المولوي عصام الدين في حاشية الفوائد الضيائية وفيه إشارة إلى جواز إطلاق جمع التصحيح على الجمع السالم. ثم قال والأوجه أن يقال المراد التغيّر بغير إلحاق الواو والياء والنون والألف والتاء، بل لا حاجة إلى مثل هذه التكلفات أصلا إذ في الجمع السالم لم يتغيّر بناء المفرد أصلا فإنّ البناء وهو الصيغة لا يتغيّر بتغيّر الآخر فإنّ رجلا ورجل ورجل بناء واحد وقد سبق ذلك في بيان تعريف علم الصرف في المقدمة. ثم المتبادر من التغيّر تغيّر يكون بحصول الجمعية فلا ينتقض بمثل مصطفون فإنّ تغير الواحد فيه يلزم بعد حصول الجمعية.
ثم لما عرفت في تعريف الجمع أنّ التغير أعمّ من الحقيقي، والاعتباري لم يخرج من تعريف جمع التكسير نحو فلك وهيجان.
والجمع الصحيح بخلافه أي بخلاف جمع التكسير وهو تارة يكون للمذكّر وتارة للمؤنث.
فالجمع الصحيح المذكّر ما لحق آخر مفرده واو مضموم ما قبلها أو ياء مكسور ما قبلها ونون مفتوحة نحو مسلمون ومسلمين جمع مسلم.
والجمع الصحيح المؤنّث ما لحق آخر مفرده ألف وتاء نحو مسلمات جمع مسلمة، وحذف التاء من مسلمة لئلا يجتمع علامتا التأنيث.
وأيضا الجمع إمّا جمع قلّة وهو ما يطلق على عشرة فما دونها إلى الثلاثة بطريق الحقيقة وإمّا جمع كثرة وهو ما يطلق على ما فوق العشرة إلى ما لا نهاية له وقيل على ثلاثة فما فوقها. ثم الجمع الصحيح كله ونحو أفلس وأفراس وأرغفة وغلمة جمع قلة، وما عدا ذلك جمع كثرة. وإذا لم يجئ للفظ إلّا جمع القلّة كأرجل أو جمع كثرة كرجال فهو مشترك بينهما.
وقد يستعار أحدهما للآخر مع وجود ذلك الآخر كقوله تعالى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ مع وجود أقراء.
وقد يجمع الجمع ويسمّى جمع الجمع يعني يقدر الجمع مفردا فيجمع على ما يقتضيه الأصول. أما في أوزان القلة ليحصل التكثير ولذلك قل جمع السلامة فيها. وفي جموع الكثرة الغرض من جمعها معاملتها معاملة المفرد ولذلك كثر فيه السّلامة رعاية لسلامة الآحاد.
فمثال جمع التكسير أكالب جمع أكلب جمع كلب، وأناعيم جمع أنعام جمع نعم. ومثال جمع السلامة جمالات جمع جمال جمع جمل، وكلابات جمع كلاب جمع كلب، وبيوتات جمع بيوت جمع بيت.
ثم اعلم أنّ جمع الجمع لا يطلق على أقل من تسعة كما أنّ جمع المفرد لا يطلق على أقل من ثلاثة إلّا مجازا، هكذا يستفاد من شروح الكافية كالفوائد الضيائية وغاية التحقيق والحاشية الهندية وشروح الشافية كالجاربردي.
وعند الصوفية هو إزالة الشعث والتفرقة بين القدم والحدث لأنّه لما انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة، وارتفع التمييز بين القدم والحدث لزهوق الباطل عند مجيء الحقّ، وتسمّى هذه الحالة جمعا. ثم إذا أسبل حجاب العزّة على وجه الذات وعاد الروح إلى عالم الخلق وظهر نور العقل لبعد الروح عن الذات وعاد التمييز بين الحدث والقدم تسمّى هذه الحالة تفرقة.
ولعدم استقرار حال الجمع في البداية يتناوب في العبد الجمع والتفرقة، فلا يزال يلوح له لائح الجمع ويغيب إلى أن يستقرّ فيه بحيث لا يفارقه أبدا. فلو نظر بعين التفرقة لا يزول عنه نظر الجمع، ولو نظر بعين الجمع لا يفقد نظر التفرقة، بل يجتمع له عينان ينظر باليمنى إلى الحقّ نظر الجمع وباليسرى إلى الخلق نظر التفرقة، وتسمّى هذه الحالة الصحو الثاني والفرق الثاني وصحو الجمع وجمع الجمع، وهي أعلى رتبة من الجمع الصرف لاجتماع الضدّين فيها ولأن صاحب الجمع الصرف غير متخلّص عن شرك الشرك والتفرقة بالكلية. ألا ترى أنّ جمعه في مقابلة التفرقة متميّز عنها وهو نوع من التفرقة، وهذه مشتملة على الجمع والتفرقة، فلا تقابل تفرقة ولهذا سميت جمع الجمع. وصاحب هذه الحالة يستوي عنده الخلطة والوحدة ولا يقدح المخالطة مع الخلق في حاله، بخلاف صاحب الجمع الصرف فإنّ حاله ترتفع بالمخالطة والنظر إلى صور أجزاء الكون. وصاحب جمع الجمع لو نظر إلى عالم التفرقة لم ير صور الأكوان إلّا آلات يستعملها فاعل واحد، بل لا يراها في البين فيجمع كل الأفعال في أفعاله وكل الصفات في صفاته وكل الذات في ذاته، حتى لو أحسّ بشيء يراه المحسّ ونفسه الحسّ والحسّ صفة المحسّ، فتارة يكون هو صفة المحبوب وآلة علمه، وتارة يكون المحبوب صفة وآلة علمه وتصرفه كقوله سبحانه كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا؛ وكما لا يتطرق السّكر إلى الصحو الثاني فكذلك لا تصيب التفرقة هذا الجمع لأنّ مطلعه أفق الذات المجردة وهو الأفق الأعلى، ومطلع الجمع الصرف أفق اسم الجامع وهو الأفق الأدنى.
والجمع الصرف يورث الزندقة والإلحاد ويحكم برفع الأحكام الظاهرية، كما أنّ التفرقة المحضة تقتضي تعطيل الفاعل المطلق. والجمع مع التفرقة يفيد حقيقة التوحيد والتمييز بين أحكام الربوبية والعبودية. ولهذا قالت المتصوّفة: الجمع بلا تفرقة زندقة والتفرقة بلا جمع تعطيل، والجمع مع التفرقة توحيد، ولصاحب الجمع أن يضيف إلى نفسه كل أثر ظهر في الوجود وكل فعل وصفة وأثر لانحصار الكلّ عنده في ذات واحدة. فتارة يحكي عن حال هذا وتارة عن حال ذاك، ولا نعني بقولنا قال فلان بلسان الجمع إلّا هذا، والجمع واد ينصبّ إلى بحر التوحيد، كذا في شرح القصيدة الفارضية. وفي كشف اللّغات يقول: الجمعية في اصطلاح السّالكين إشارة إلى الانتقال من مشاهدة الكلّ إلى الواحد. والتفرقة: عبارة عن تعلّق القلب بأمور متعدّدة فيتشتّت. وقيل:
الجمعية (اجتماع الخاطر) هي أن يصل السّالك إلى مرتبة المحو بحيث يغيب عن حسّه بالناس وبنفسه. ويقولون أيضا: الجمع شهود الحقّ بدون الخلق. وجمع الجمع شهود الخلق قائمين بالحقّ.
[الجمع] لصاب ولُصوبٌ. وفلانٌ لَحِزٌ لَصِبٌ: لا يكاد يعطي شيئاً. ولَصِبَ الخاتَمُ في الإصبع، وهو ضدُّ قَلِقَ. واللواصب في شعر كثَيِّر : الآبار الضيقة البعيدة القعر.

بَغْدَادُ

Entries on بَغْدَادُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
بَغْدَادُ:
أم الدنيا وسيدة البلاد، قال ابن الأنباري:
أصل بغداد للأعاجم، والعرب تختلف في لفظها إذ لم يكن أصلها من كلامهم ولا اشتقاقها من لغاتهم، قال بعض الأعاجم: تفسيره بستان رجل، فباغ بستان وداد اسم رجل، وبعضهم يقول: بغ اسم للصنم، فذكر أنه أهدي إلى كسرى خصيّ من المشرق فأقطعه إياها، وكان الخصيّ من عباد الأصنام ببلده فقال: بغ داد أي الصنم أعطاني، وقيل: بغ هو البستان وداد أعطى، وكان كسرى قد وهب لهذا الخصي هذا البستان فقال: بغ داد فسميت به، وقال حمزة بن الحسن: بغداد اسم فارسي معرّب عن باغ داذويه، لأن بعض رقعة مدينة المنصور كان باغا لرجل من الفرس اسمه داذويه، وبعضها أثر مدينة دارسة كان بعض ملوك الفرس اختطّها فاعتل فقالوا:
ما الذي يأمر الملك أن تسمى به هذه المدينة؟ فقال:
هلدوه وروز أي خلّوها بسلام، فحكي ذلك للمنصور فقال: سميتها مدينة السلام، وفي بغداد سبع لغات:
بغداد وبغدان، ويأبى أهل البصرة ولا يجيزون بغداذ في آخره الذال المعجمة، وقالوا: لأنه ليس في كلام العرب كلمة فيها دال بعدها ذال، قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق: فقلت لأبي إسحاق إبراهيم بن السري فما تقول في قولهم خرداد؟ فقال: هو فارسي ليس من كلام العرب، قلت أنا: وهذا حجة من قال بغداد فإنه ليس من كلام العرب، وأجاز الكسائي بغداد على الأصل، وحكى أيضا مغداذ ومغداد ومغدان، وحكى الخارزنجي: بغداد بدالين مهملتين، وهي في اللغات كلها تذكّر وتؤنث، وتسمى مدينة السلام أيضا، فأما الزوراء: فمدينة المنصور خاصة، وسميت مدينة السلام لأن دجلة يقال لها وادي السلام، وقال موسى بن عبد الحميد النسائي:
كنت جالسا عند عبد العزيز بن أبي روّاد فأتاه رجل فقال له: من أين أنت؟ فقال له: من بغداد، فقال:
لا تقل بغداد فإن بغ صنم وداد أعطى، ولكن قل مدينة السلام، فإن الله هو السلام والمدن كلها له، وقيل: إن بغداد كانت قبل سوقا يقصدها تجار أهل الصين بتجاراتهم فيربحون الرّبح الواسع، وكان اسم ملك الصين بغ فكانوا إذا انصرفوا إلى بلادهم قالوا:
بغ داد أي إن هذا الربح الذي ربحناه من عطية
الملك، وقيل إنما سميت مدينة السلام لأن السلام هو الله فأرادوا مدينة الله، وأما طولها فذكر بطلميوس في كتاب الملحمة المنسوب إليه أن مدينة بغداد طولها خمس وسبعون درجة وعرضها أربع وثلاثون درجة داخلة في الإقليم الرابع، وقال أبو عون وغيره: إنها في الإقليم الثالث، قال: طالعها السماك الأعزل، بيت حياتها القوس، لها شركة في الكف الخضيب ولها أربعة أجزاء من سرّة الجوزاء تحت عشر درج من السرطان، يقابلها مثلها من الجدي عاشرها مثلها من الحمل عاقبتها مثلها من الميزان، قلت أنا: ولا شك أن بغداد أحدثت بعد بطليموس بأكثر من ألف سنة ولكني أظنّ أن مفسري كلامه قاسوا وقالوا، وقال صاحب الزيج: طول بغداد سبعون درجة، وعرضها ثلاث وثلاثون درجة وثلث، وتعديل نهارها ست عشرة درجة وثلثا درجة، وأطول نهارها أربع عشرة ساعة وخمس دقائق، وغاية ارتفاع الشمس بها ثمانون درجة وثلث، وظلّ الظهر بها درجتان، وظل العصر أربع عشرة درجة، وسمت القبلة ثلاث عشرة درجة ونصف، وجهها عن مكة مائة وسبع عشرة درجة، في الوجود ثلاثمائة درجة، هذا كله نقلته من كتب المنجمين ولا أعرفه ولا هو من صناعتي، وقال أحمد ابن حنبل: بغداد من الصّراة إلى باب التبن، وهو مشهد موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ابن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد ابن الإمام علي ابن أبي طالب، ثم زيد فيها حتى بلغت كلواذى والمخرّم وقطربّل، قال أهل السير: ولما أهلك الله مهران بأرض الحيرة ومن كان معه من العجم استمكن المسلمون من الغارة على السواد وانتقضت مسالح الفرس وتشتت أمرهم واجترأ المسلمون عليهم وشنوا الغارات ما بين سورا وكسكر والصراة والفلاليج والأستانات، قال أهل الحيرة للمثنى: إن بالقرب منا قرية تقوم فيها سوق عظيمة في كل شهر مرة فيأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد، يقال لها بغداد، وكذا كانت إذ ذاك، فأخذ المثنى على البرّ حتى أتى الأنبار، فتحصّن فيها أهلها منه، فأرسل إلى سفروخ مرزبانها ليسير إليه فيكلّمه بما يريد وجعل له الأمان، فعبر المرزبان إليه، فخلا به المثنى وقال له: أريد أن أغير على سوق بغداد وأريد أن تبعث معي أدلّاء فيدلّوني الطريق وتعقد لي الجسر لأعبر عليه الفرات، ففعل المرزبان ذلك، وقد كان قطع الجسر قبل ذلك لئلا تعبر العرب عليه، فعبر المثنى مع أصحابه وبعث معه المرزبان الأدلاء، فسار حتى وافى السوق صحوة، فهرب الناس وتركوا أموالهم فأخذ المسلمون من الذهب والفضة وسائر الأمتعة ما قدروا على حمله ثم رجعوا إلى الأنبار، ووافى معسكره غانما موفورا، وذلك في سنة 13 للهجرة، فهذا خبر بغداد قبل أن يمصّرها المنصور، لم يبلغني غير ذلك.

فصل
في بدء عمارة بغداد، كان أول من مصّرها وجعلها مدينة المنصور بالله أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ثاني الخلفاء، وانتقل إليها من الهاشمية، وهي مدينة كان قد اختطّها أخوه أبو العباس السّفّاح قرب الكوفة وشرع في عمارتها سنة 145 ونزلها سنة 149، وكان سبب عمارتها أن أهل الكوفة كانوا يفسدون جنده فبلغه ذلك من فعلهم، فانتقل عنهم يرتاد موضعا، وقال ابن عيّاش: بعث المنصور روّادا وهو بالهاشمية يرتادون له موضعا يبني فيه مدينة ويكون الموضع واسطا رافقا بالعامة والجند، فنعت له موضع قريب من
بارمّا، وذكر له غذاؤه وطيب هوائه، فخرج إليه بنفسه حتى نظر إليه وبات فيه، فرأى موضعا طيبا فقال لجماعة، منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب المرزباني وعبد الملك بن حميد الكاتب: ما رأيكم في هذا الموضع؟ قالوا: طيب موافق، فقال: صدقتم ولكن لا مرفق فيه للرعية، وقد مررت في طريقي بموضع تجلب إليه الميرة والامتعة في البرّ والبحر وأنا راجع إليه وبائت فيه، فإن اجتمع لي ما أريد من طيب الليل فهو موافق لما أريده لي وللناس، قال: فأتى موضع بغداد وعبر موضع قصر السلام ثم صلى العصر، وذلك في صيف وحرّ شديد، وكان في ذلك الموضع بيعة فبات أطيب مبيت وأقام يومه فلم ير إلا خيرا فقال: هذا موضع صالح للبناء، فإن المادة تأتيه من الفرات ودجلة وجماعة الأنهار، ولا يحمل الجند والرعية إلا مثله، فخطّ البناء وقدّر المدينة ووضع أول لبنة بيده فقال: بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنوا على بركة الله، وذكر سليمان بن مختار أن المنصور استشار دهقان بغداد، وكانت قرية في المربّعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسي، وما زالت داره قائمة على بنائها إلى أن خرب كثير مما يجاورها في البناء، فقال: الذي أراه يا أمير المؤمنين أن تنزل في نفس بغداد، فإنك تصير بين أربعة طساسيج: طسّوجان في الجانب الغربي وطسّوجان في الجانب الشرقي، فاللذان في الغربي قطربل وبادوريا، واللذان في الشرقي نهر بوق وكلواذى، فإن تأخرت عمارة طسوج منها كان الآخر عامرا، وأنت يا أمير المؤمنين على الصّراة ودجلة، تجيئك بالميرة من القرب وفي الفرات من الشام والجزيرة ومصر وتلك البلدان، وتحمل إليك طرائف الهند والسند والصين والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك ميرة أرمينية وأذربيجان وما يتصل بها في تامرّا، وتجيئك ميرة الموصل وديار بكر وربيعة وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر والقنطرة لم يصل إليك عدوك، وأنت قريب من البرّ والبحر والجبل، فأعجب المنصور هذا القول وشرع في البناء، ووجه المنصور في حشر الصّنّاع والفعلة من الشام والموصل والجبل والكوفة وواسط فأحضروا، وأمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، فجمعهم وتقدم إليهم أن يشرفوا على البناء، وكان ممن حضر الحجاج بن أرطاة وأبو حنيفة الإمام، وكان أول العمل في سنة 145، وأمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا ومن أعلاه عشرين ذراعا، وأن يجعل في البناء جرز القصب مكان الخشب، فلما بلغ السور مقدار قامة اتّصل به خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، فقطع البناء حتى فرغ من أمره وأمر أخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن ابن حسن.
وعن علي بن يقطين قال: كنت في عسكر أبي جعفر المنصور حين سار إلى الصراة يلتمس موضعا لبناء مدينة، قال: فنزل الدير الذي على الصراة في العتيقة فما زال على دابته ذاهبا جائيا منفردا عن الناس يفكر، قال: وكان في الدير راهب عالم فقال لي: لم يذهب الملك ويجيء؟ قلت: إنه يريد أن يبني مدينة، قال: فما اسمه؟ قلت: عبد الله بن محمد، قال: أبو من؟ قلت: أبو جعفر، قال:
هل يلقب بشيء؟ قلت: المنصور، قال: ليس هذا الذي يبنيها، قلت: ولم؟ قال: لأنا قد وجدنا في كتاب عندنا نتوارثه قرنا عن قرن أن الذي يبني
هذا المكان رجل يقال له مقلاص، قال: فركبت من وقتي حتى دخلت على المنصور ودنوت منه، فقال لي: ما وراءك؟ قلت: خير ألقيه إلى أمير المؤمنين وأريحه من هذا العناء، فقال: قل، قلت:
أمير المؤمنين يعلم أن هؤلاء معهم علم، وقد أخبرني راهب هذا الدير بكذا وكذا، فلما ذكرت له مقلاص ضحك واستبشر ونزل عن دابته فسجد وأخذ سوطه وأقبل يذرع به، فقلت في نفسي: لحقه اللجاج، ثم دعا المهندسين من وقته وأمرهم بخط الرماد، فقلت له: أظنّك يا أمير المؤمنين أردت معاندة الراهب وتكذيبه، فقال: لا والله ولكني كنت ملقّبا بمقلاص وما ظننت أن أحدا عرف ذلك غيري، وذاك أننا كنا بناحية السراة في زمان بني أمية على الحال التي تعلم، فكنت أنا ومن كان في مقدار سنّي من عمومتي وإخوتي نتداعى ونتعاشر، فبلغت النوبة إليّ يوما من الأيام وما أملك درهما واحدا فلم أزل أفكر وأعمل الحيلة إلى أن أصبت غزلا لداية كانت لهم، فسرقته ثم وجّهت به فبيع لي واشتري لي بثمنه ما احتجت إليه، وجئت إلى الداية وقلت لها:
افعلي كذا واصنعي كذا، قالت: من أين لك ما أرى؟ قلت: اقترضت دراهم من بعض أهلي، ففعلت ما أمرتها به، فلما فرغنا من الأكل وجلسنا للحديث طلبت الداية الغزل فلم تجده فعلمت أني صاحبه، وكان في تلك الناحية لص يقال له مقلاص مشهور بالسرقة، فجاءت إلى باب البيت الذي كنا فيه فدعتني فلم أخرج إليها لعلمي أنها وقفت على ما صنعت، فلما ألحّت وأنا لا أخرج قالت: اخرج يا مقلاص، الناس يتحذّرون من مقلاصهم وأنا مقلاصي معي في البيت، فمزح معي إخوتي وعمومتي بهذا اللقب ساعة ثم لم أسمع به إلا منك الساعة فعلمت أن أمر هذه المدينة يتم على يدي لصحة ما وقفت عليه، ثم وضع أساس المدينة مدوّرا وجعل قصره في وسطها وجعل لها أربعة أبواب وأحكم سورها وفصيلها، فكان القاصد إليها من الشرق يدخل من باب خراسان والقاصد من الحجاز يدخل من باب الكوفة والقاصد من المغرب يدخل من باب الشام والقاصد من فارس والأهواز وواسط والبصرة واليمامة والبحرين يدخل من باب البصرة.
قالوا: فأنفق المنصور على عمارة بغداد ثمانية عشر ألف ألف دينار، وقال الخطيب في رواية: إنه أنفق على مدينته وجامعها وقصر الذهب فيها والأبواب والأسواق إلى أن فرغ من بنائها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين ألف درهم، وذاك أن الأستاذ من الصّنّاع كان يعمل في كل يوم بقيراط إلى خمس حبّات والروزجاري بحبتين إلى ثلاث حبات، وكان الكبش بدرهم والحمل بأربعة دوانيق والتمر ستون رطلا بدرهم، قال الفضل بن دكين: كان ينادى على لحم البقر في جبانة كندة تسعون رطلا بدرهم، ولحم الغنم ستون رطلا بدرهم، والعسل عشرة أرطال بدرهم، قال: وكان بين كل باب من أبواب المدينة والباب الآخر ميل، وفي كل ساف من أسواف البناء مائة ألف لبنة واثنان وستون ألف لبنة من اللبن الجعفري، وعن ابن الشّروي قال: هدمنا من السور الذي يلي باب المحوّل قطعة فوجدنا فيها لبنة مكتوبا عليها بمغرة:
وزنها مائة وسبعة عشر رطلا، فوزناها فوجدناها كذلك.
وكان المنصور كما ذكرنا بنى مدينته مدوّرة وجعل داره وجامعها في وسطها، وبنى القبة الخضراء فوق إيوان، وكان علوّها ثمانين ذراعا، وعلى رأس القبة صنم على صورة فارس في يده رمح، وكان السلطان إذا رأى أن ذلك الصنم قد استقبل بعض الجهات ومدّ
الرمح نحوها علم أن بعض الخوارج يظهر من تلك الجهة، فلا يطول عليه الوقت حتى ترد عليه الأخبار بأن خارجيّا قد هجم من تلك الناحية، قلت أنا:
هكذا ذكر الخطيب وهو من المستحيل والكذب الفاحش، وإنما يحكى مثل هذا عن سحرة مصر وطلسمات بليناس التي أوهم الأغمار صحتها تطاول الأزمان والتخيل أن المتقدّمين ما كانوا بني آدم، فأما الملة الإسلامية فإنها تجلّ عن مثل هذه الخرافات، فإن من المعلوم أن الحيوان الناطق مكلف الصنائع لهذا التمثال لا يعلم شيئا مما ينسب إلى هذا الجماد ولو كان نبيّا مرسلا، وأيضا لو كان كلما توجهت إلى جهة خرج منها خارجيّ لوجب أن لا يزال خارجيّ يخرج في كل وقت لأنها لا بدّ أن تتوجه إلى وجه من الوجوه، والله أعلم، قال: وسقط رأس هذه القبة سنة 329، وكان يوم مطر عظيم ورعد هائل، وكانت هذه القبة تاج البلد وعلم بغداد ومأثرة من مآثر بني العباس، وكان بين بنائها وسقوطها مائة ونيف وثمانون سنة، ونقل المنصور أبوابها من واسط، وهي أبواب الحجّاج، وكان الحجاج أخذها من مدينة بإزاء واسط تعرف بزندورد، يزعمون أنها من بناء سليمان بن داود، عليه السلام، وأقام على باب خراسان بابا جيء به من الشام من عمل الفراعنة وعلى باب الكوفة بابا جيء به من الكوفة من عمل خالد القسري وعمل هو بابا لباب الشام، وهو أضعفها، وكان لا يدخل أحد من عمومة المنصور ولا غيرهم من شيء من الأبواب إلّا راجلا إلا داود بن عليّ عمه، فإنه كان متفرّسا وكان يحمل في محفّة، وكذلك محمد المهدي ابنه، وكانت تكنس الرحاب في كل يوم ويحمل التراب إلى خارج، فقال له عمه عبد الصمد: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير فلو أذنت لي أن أنزل داخل الأبواب، فلم يأذن له، فقال: يا أمير المؤمنين عدني بعض بغال الرّوايا التي تصل إلى الرّحاب، فقال: يا ربيع بغال الروايا تصل إلى رحابي تتخذ الساعة قنيّ بالساج من باب خراسان حتى تصل إلى قصري، ففعل ومدّ المنصور قناة من نهر دجيل الآخذ من دجلة وقناة من نهر كرخايا الآخذ من الفرات وجرّهما إلى مدينته في عقود وثيقة، من أسفلها محكمة بالصاروج والآجر من أعلاها، فكانت كل قناة منها تدخل المدينة وتنفذ في الشوارع والدروب والأرباض، تجري صيفا وشتاء لا ينقطع ماؤها في شيء من الأوقات، ثم أقطع المنصور أصحابه القطائع فعمّروها وسميت بأسمائهم، وقد ذكرت من ذلك ما بلغني في مواضعه حسب ما قضى به ترتيب الحروف، وقد صنّف في بغداد وسعتها وعظم رفعتها وسعة بقعتها وذكر أبو بكر الخطيب في صدر كتابه من ذلك ما فيه كفاية لطالبه.

فلنذكر الآن ما ورد في مدح بغداد
ومن عجيب ذلك ما ذكره أبو سهل بن نوبخت قال:
أمرني المنصور لما أراد بناء بغداد بأخذ الطالع، ففعلت فإذا الطالع في الشمس وهي في القوس، فخبّرته بما تدلّ النجوم عليه من طول بقائها وكثرة عمارتها وفقر الناس إلى ما فيها ثم قلت: وأخبرك خلّة أخرى أسرك بها يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قلت: نجد في أدلة النجوم أنه لا يموت بها خليفة أبدا حتف أنفه، قال: فتبسم وقال الحمد لله على ذلك، هذا من فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، ولذلك يقول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطفى:
أعاينت في طول من الأرض أو عرض، ... كبغداد من دار بها مسكن الخفض
صفا العيش في بغداد واخضرّ عوده، ... وعيش سواها غير خفض ولا غضّ
تطول بها الأعمار، إنّ غذاءها ... مريء، وبعض الأرض أمرأ من بعض
قضى ربّها أن لا يموت خليفة ... بها، إنه ما شاء في خلقه يقضي
تنام بها عين الغريب، ولا ترى ... غريبا بأرض الشام يطمع في الغمض
فإن جزيت بغداد منهم بقرضها، ... فما أسلفت إلّا الجميل من القرض
وإن رميت بالهجر منهم وبالقلى، ... فما أصبحت أهلا لهجر ولا بغض
وكان من أعجب العجب أن المنصور مات وهو حاجّ، والمهدي ابنه خرج إلى نواحي الجبل فمات بما سبذان بموضع يقال له الرّذّ، والهادي ابنه مات بعيساباد قرية أو محلّة بالجانب الشرقي من بغداد، والرشيد مات بطوس، والأمين أخذ في شبارته وقتل بالجانب الشرقي، والمأمون مات بالبذندون من نواحي المصّيصة بالشام، والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر وباقي الخلفاء ماتوا بسامرّا، ثم انتقل الخلفاء إلى التاج من شرقي بغداد كما ذكرناه في التاج، وتعطّلت مدينة المنصور منهم.
وفي مدح بغداد قال بعض الفضلاء: بغداد جنة الأرض ومدينة السلام وقبة الإسلام ومجمع الرافدين وغرّة البلاد وعين العراق ودار الخلافة ومجمع المحاسن والطيبات ومعدن الظرائف واللطائف، وبها أرباب الغايات في كل فنّ، وآحاد الدهر في كل نوع، وكان أبو إسحاق الزّجّاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية، وكان أبو الفرج الببغا يقول: هي مدينة السلام بل مدينة الإسلام، فإنّ الدولة النبوية والخلافة الإسلامية بها عشّشتا وفرّختا وضربتا بعروقهما وبسقتا بفروعهما، وإنّ هواءها أغذى من كل هواء وماءها أعذب من كل ماء، وإنّ نسيمها أرقّ من كل نسيم، وهي من الإقليم الاعتدالي بمنزلة المركز من الدائرة، ولم تزل بغداد موطن الأكاسرة في سالف الأزمان ومنزل الخلفاء في دولة الإسلام، وكان ابن العميد إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد، فإن فطن بخواصّها وتنبّه على محاسنها وأثنى عليها جعل ذلك مقدّمة فضله وعنوان عقله، ثم سأله عن الجاحظ، فإن وجد أثرا لمطالعة كتبه والاقتباس من نوره والاغتراف من بحره وبعض القيام بمسائله قضى له بأنه غرّة شادخة في أهل العلم والآداب، وإن وجده ذامّا لبغداد غفلا عما يحب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن، ولما رجع الصاحب عن بغداد سأله ابن العميد عنها، فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد، فجعلها مثلا في الغاية في الفضل، وقال ابن زريق الكاتب الكوفي:
سافرت أبغي لبغداد وساكنها ... مثلا، قد اخترت شيئا دونه الياس
هيهات بغداد، والدنيا بأجمعها ... عندي، وسكان بغداد هم الناس
وقال آخر:
بغداد يا دار الملوك ومجتنى ... صوف المنى، يا مستقرّ المنابر
ويا جنّة الدنيا ويا مجتنى الغنى، ... ومنبسط الآمال عند المتاجر
وقال أبو يعلى محمد بن الهبّارية: سمعت الشيخ الزاهد أبا إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآباذي يقول: من دخل بغداد وهو ذو عقل صحيح وطبع معتدل مات بها أو بحسرتها، وقال عمارة بن عقيل ابن بلال بن جرير:
ما مثل بغداد في الدنيا ولا الدين، ... على تقلّبها في كلّ ما حين
ما بين قطربّل فالكرخ نرجسة ... تندى، ومنبت خيريّ ونسرين
تحيا النفوس بريّاها، إذا نفحت، ... وخرّشت بين أوراق الرّياحين
سقيا لتلك القصور الشاهقات وما ... تخفي من البقر الإنسيّة العين
تستنّ دجلة فيما بينها، فترى ... دهم السّفين تعالى كالبراذين
مناظر ذات أبواب مفتّحة، ... أنيقة بزخاريف وتزيين
فيها القصور التي تهوي، بأجنحة، ... بالزائرين إلى القوم المزورين
من كلّ حرّاقة تعلو فقارتها، ... قصر من الساج عال ذو أساطين
وقدم عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس إلى بغداد فرأى كثرة الناس بها فقال: ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلّا ظننت أن الناس قد نودي فيهم، ووجد على بعض الأميال بطريق مكة مكتوبا:
أيا بغداد يا أسفي عليك! ... متى يقضى الرجوع لنا إليك؟
قنعنا سالمين بكلّ خير، ... وينعم عيشنا في جانبيك
ووجد على حائط بجزيرة قبرص مكتوبا:
فهل نحو بغداد مزار، فيلتقي ... مشوق ويحظى بالزيارة زائر
إلى الله أشكو، لا إلى الناس، إنه ... على كشف ما ألقى من الهمّ قادر
وكان القاضي أبو محمد عبد الوهّاب بن علي بن نصر المالكي قد نبا به المقام ببغداد فرحل إلى مصر، فخرج البغداديون يودّعونه وجعلوا يتوجعون لفراقه، فقال: والله لو وجدت عندكم في كل يوم مدّا من الباقلّى ما فارقتكم، ثم قال:
سلام على بغداد من كلّ منزل، ... وحقّ لها منّي السلام المضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلى لها، ... وإني بشطّي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليّ برحبها، ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه، ... وأخلاقه تنأى به وتخالف
ولما حج الرشيد وبلغ زرود التفت إلى ناحية العراق وقال:
أقول وقد جزنا زرود عشيّة، ... وكادت مطايانا تجوز بنا نجدا
على أهل بغداد السلام، فإنني ... أزيد بسيري عن ديارهم بعدا
وقال ابن مجاهد المقري: رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: دعني مما فعل الله بي، من أقام ببغداد على السّنّة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة، وعن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه: أيا يونس دخلت بغداد؟ فقلت: لا، فقال: أيا يونس ما رأيت الدنيا ولا الناس، وقال طاهر بن المظفّر بن طاهر الخازن:
سقى الله صوب الغاديات محلّة ... ببغداد، بين الخلد والكرخ والجسر
هي البلدة الحسناء، خصّت لأهلها ... بأشياء لم يجمعن مذ كنّ في مصر
هواء رقيق في اعتدال وصحّة، ... وماء له طعم ألذّ من الخمر
ودجلتها شطّان قد نظما لنا ... بتاج إلى تاج، وقصر إلى قصر
ثراها كمسك، والمياه كفضّة، ... وحصباؤها مثل اليواقيت والدّر
قال أبو بكر الخطيب: أنشدني أبو محمد الباقي قول الشاعر:
دخلنا كارهين لها، فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
فقال يوشك هذا أن يكون في بغداد، قيل وأنشد لنفسه في المعنى وضمنه البيت:
على بغداد معدن كلّ طيب، ... ومغنى نزهة المتنزّهينا:
سلام كلما جرحت بلحظ ... عيون المشتهين المشتهينا
دخلنا كارهين لها، فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ الديار بنا، ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا
قال محمد بن عليّ بن حبيب الماوردي: كتب إليّ أخي من البصرة وأنا ببغداد:
طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قدما إليها، وإن عاقت معاذير
وكيف صبري عنها، بعد ما جمعت ... طيب الهواءين ممدود ومقصور؟
وقلّد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر اليمن، فلما أراد الخروج قال:
أيرحل آلف ويقيم إلف، ... وتحيا لوعة ويموت قصف؟
على بغداد دار اللهو منّي ... سلام ما سجا للعين طرف
وما فارقتها لقلى، ولكن ... تناولني من الحدثان صرف
ألا روح ألا فرج قريب، ... ألا جار من الحدثان كهف
لعلّ زماننا سيعود يوما، ... فيرجع آلف ويسر إلف
فبلغ الوزير هذا الشعر فأعفاه، وقال شاعر يتشوق بغداد:
ولما تجاوزت المدائن سائرا، ... وأيقنت يا بغداد أني على بعد
علمت بأنّ الله بالغ أمره، وأن قضاء الله ينفذ في العبد وقلت، وقلبي فيه ما فيه من جوى، ودمعي جار كالجمان على خدّي: ترى الله يا بغداد يجمع بيننا فألقى الذي خلّفت فيك على العهد؟
وقال محمد بن عليّ بن خلف النيرماني:
فدى لك يا بغداد كل مدينة ... من الأرض، حتى خطّتي ودياريا
فقد طفت في شرق البلاد وغربها، ... وسيّرت خيلي بينها وركابيا
فلم أر فيها مثل بغداد منزلا، ... ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرقّ شمائلا، ... وأعذب ألفاظا، وأحلى معانيا
وقائلة: لو كان ودّك صادقا ... لبغداد لم ترحل، فقلت جوابيا:
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم، ... وترمي النوى بالمقترين المراميا

في ذمّ بغداد
قد ذكره جماعة من أهل الورع والصلاح والزهّاد والعبّاد، ووردت فيها أحاديث خبيثة، وعلّتهم في الكراهية ما عاينوه بها من الفجور والظلم والعسف، وكان الناس وقت كراهيتهم للمقام ببغداد غير ناس زماننا، فأما أهل عصرنا فأجلس خيارهم في الحشّ وأعطهم فلسا فما يبالون بعد تحصيل الحطام أين كان المقام، وقد ذكر الحافظ أبو بكر أحمد بن عليّ من ذلك قدرا كافيا، وكان بعض الصالحين إذا ذكرت عنده بغداد يتمثل:
قل لمن أظهر التنسّك في النا ... س وأمسى يعدّ في الزّهّاد:
الزم الثغر والتواضع فيه، ... ليس بغداد منزل العبّاد
إن بغداد للملوك محلّ، ... ومناخ للقارئ الصياد
ومن شائع الشعر في ذلك:
بغداد أرض لأهل المال طيّبة، ... وللمفاليس دار الضّنك والضيق
أصبحت فيها مضاعا بين أظهرهم، ... كأنني مصحف في بيت زنديق
ويروى للطاهر بن الحسين قال:
زعم الناس أن ليلك يا بغ ... داد ليل يطيب فيه النسيم
ولعمري ما ذاك إلّا لأن خا ... لفها، بالنهار، منك السّموم
وقليل الرّخاء يتّبع الش ... دة، عند الأنام، خطب عظيم
وكتب عبد الله بن المعتز إلى صديق له يمدح سرّ من رأى ويصف خرابها ويذم بغداد: كتبت من بلدة قد أنهض الله سكانها وأقعد حيطانها، فشاهد اليأس فيها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر، فكأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر، وقد تمزقت بأهلها الديار، فما يجب فيها حقّ جوار، فحالها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا، على أنها وإن جفيت معشوقة السّكنى، وحبيبة المثوى،
كوكبها يقظان، وجوّها عريان، وحصباؤها جوهر، ونسيمها معطّر، وترابها أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنيء، وشرابها مريء، لا كبلدتكم الوسخة السماء، الومدة الماء والهواء، جوها غبار، وأرضها خبار، وماؤها طين، وترابها سرجين، وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز، فكم من شمسها من محترق، وفي ظلّها من عرق، صيقة الديار، وسيئة الجوار، أهلها ذئاب، وكلامهم سباب، وسائلهم محروم، وما لهم مكتوم، ولا يجوز إنفاقه، ولا يحل خناقه، حشوشهم مسايل، وطرقهم مزابل، وحيطانهم أخصاص، وبيوتهم أقفاص، ولكل مكروه أجل، وللبقاع دول، والدهر يسير بالمقيم، ويمزج البؤس بالنعيم، وله من قصيدة:
كيف نومي وقد حللت ببغ ... داد، مقيما في أرضها، لا أريم
ببلاد فيها الركايا، علي ... هن أكاليل من بعوض تحوم
جوها في الشتاء والصيف دخّا ... ن كثيف، وماؤها محموم
ويح دار الملك التي تنفح المس ... ك، إذا ما جرى عليه النسيم
كيف قد أقفرت وحاربها الدّه ... ر، وعين الحياة فيها البوم
نحن كنا سكانها، فانقضى ذا ... لك عنا، وأي شيء يدوم
وقال أيضا:
أطال الهمّ في بغداد ليلي، ... وقد يشقى المسافر أو يفوز
ظللت بها، على رغمي، مقيما ... كعنّين تعانقه عجوز
وقال محمد بن أحمد بن شميعة البغدادي شاعر عصري فيها:
ودّ أهل الزوراء زور، فلا ... تغترر بالوداد من ساكنيها
هي دار السلام حسب، فلا يط ... مع منها، إلّا بما قيل فيها
وكان المعتصم قد سأل أبا العيناء عن بغداد وكان سيّء الرأي فيها، فقال: هي يا أمير المؤمنين كما قال عمارة بن عقيل:
ما أنت يا بغداد إلّا سلح، ... إذا اعتراك مطر أو نفح،
وإن جففت فتراب برح
وكما قال آخر:
هل الله من بغداد، يا صاح، مخرجي، ... فأصبح لا تبدو لعيني قصورها
وميدانها المذري علينا ترابها ... إذا شحجت أبغالها وحميرها
وقال آخر:
أذمّ بغداد والمقام بها، ... من بعد ما خبرة وتجريب
ما عند سكّانها لمختبط ... خير، ولا فرجة لمكروب
يحتاج باغي المقام بينهم ... إلى ثلاث من بعد تثريب:
كنوز قارون أن تكون له، ... وعمر نوح وصبر أيوب
قوم مواعيدهم مزخرفة ... بزخرف القول والأكاذيب
خلّوا سبيل العلى لغيرهم، ... ونافسوا في الفسوق والحوب
وقال بعض الأعراب:
لقد طال في بغداد ليلي، ومن يبت ... ببغداد يصبح ليله غير راقد
بلاد، إذا ولّى النهار، تنافرت ... براغيثها من بين مثنى وواحد
ديازجة شهب البطون، كأنها ... بغال بريد أرسلت في مذاود
وقرأت بخط عبيد الله بن أحمد بن جخجخ قال أبو العالية:
ترحّل فما بغداد دار إقامة، ... ولا عند من يرجى ببغداد طائل
محلّ ملوك سمتهم في أديمهم، ... فكلهم من حلية المجد عاطل
سوى معشر جلّوا، وجلّ قليلهم ... يضاف إلى بذل النّدى، وهو باخل
ولا غروان شلّت يد الجود والندى ... وقلّ سماح من رجال ونائل
إذا غطمط البحر الغطامط ماؤه ... فليس عجيبا أن تفيض الجداول
وقال آخر:
كفى حزنا، والحمد لله أنّني ... ببغداد قد أعيت عليّ مذاهبي
أصاحب قوما لا ألذّ صحابهم، ... وآلف قوما لست فيهم براغب
ولم أثو في بغداد حبّا لأهلها، ... ولا أنّ فيها مستفادا لطالب
سأرحل عنها قاليا لسراتها، ... وأتركها ترك الملول المجانب
فإن ألجأتني الحادثات إليهم ... فأير حمار في حرامّ النوائب
وقال بعضهم يمدح بغداد ويذمّ أهلها:
سقيا لبغداد ورعيا لها، ... ولا سقى صوب الحيا أهلها
يا عجبا من سفل مثلهم، ... كيف أبيحوا جنّة مثلها
وقال آخر:
اخلع ببغداد العذارا، ... ودع التنسّك والوقارا
فلقد بليت بعصبة ... ما إن يرون العار عارا
لا مسلمين ولا يهو ... د ولا مجوس ولا نصارى
وقدم بعض الهجريّين بغداد فاستوبأها وقال:
أرى الريف يدنو كل يوم وليلة، ... وأزداد من نجد وساكنه بعدا
ألا إن بغدادا بلاد بغيضة ... إليّ، وإن أمست معيشتها رغدا
بلاد ترى الأرواح فيها مريضة، ... وتزداد نتنا حين تمطر أو تندى
وقال أعرابيّ مثل ذلك:
ألا يا غراب البين ما لك ثاويا ... ببغداد لا تمضي، وأنت صحيح؟
ألا إنما بغداد دار بليّة، ... هل الله من سجن البلاد مريح؟
وقال أبو يعلى بن الهبّارية أنشدني جدّي أبو الفضل محمد بن محمد لنفسه:
إذا سقى الله أرضا صوب غادية، ... فلا سقى الله غيثا أرض بغداد
أرض بها الحرّ معدوم، كأنّ لها ... قد قيل في مثل: لا حرّ بالوادي
بل كلّ ما شئت من علق وزانية ... ومستحدّ وصفعان وقوّاد
وقال أيضا أبو يعلى بن الهبارية: أنشدني معدان التغلبي لنفسه:
بغداد دار، طيبها آخذ ... نسيمه مني بأنفاسي
تصلح للموسر لا لامرئ ... يبيت في فقر وإفلاس
لو حلّها قارون ربّ الغنى، ... أصبح ذا همّ ووسواس
هي التي توعد، لكنها ... عاجلة للطاعم الكاسي
حور وولدان ومن كلّ ما ... تطلبه فيها، سوى الناس

علم الموسيقى

Entries on علم الموسيقى in 1 Arabic dictionary by the author Ṣiddīq Ḥasan Khān, Abjad al-ʿUlūm
علم الموسيقى
قال صاحب الفتحية الموسيقى: علم رياضي يبحث فيه عن أحوال النغم من حيث الاتفاق والــتنافر وأحوال الأزمنة المتخللة بين النقرات من حيث الوزن وعدمه ليحصل معرفة كيفية تأليف اللحن هذا ما قاله الشيخ في شفاءه إلا إن لفظه بين النقرات زيدت على كلامه. وعبارته بعينها أي: معرفة النغم الحاصل من النقرات ليعم البحث عن الأزمنة التي تكون نقراتها منغمة أو ساذجة وكلامه يشعر بكون البحث عن الأزمنة التي تكون نقراها منغمة فقط.
وعرفها الشيخ أبو نصر: بأنها صوت واحد لابث لزمان فإذا قدر محسوسا في الجسم الذي فيه يوجد والزمان قد يكون غير محسوس القدر لصغره فلا مدخل للبحث والصوت اللابث فيه لا يسمى نغمة والقوم قدروا أقل المرتبة المحسوسة في زمان يقع بين حرفين متحركين ملفوظين على سبيل الاعتدال فظهر لنا أنه يشتمل على بحثين البحث: الأول: عن أحوال النغم والبحث الثاني: عن الأزمنة فالأول يسمى: علم التأليف. والثاني: علم الإيقاع.
والغاية والغرض منه حصول معرفة كيفية تأليف الألحان وهو في عرفهم أنغام مختلفة الحدة والثقل رتبت ترتيبا ملائما وقد يقال: وقرنت بها ألفاظ دالة على معان محركة للنفس تحريكا ملذا وعلى هذا فما يترنم به الخطباء والقراء يكون لحنا بخلاف التعريف الثالث: وهو وقرنت بها ألفاظ منظومة مظروفة الأزمنة بالأول أعم من الثاني والثالث وبين الثاني والثالث عموم من وجه.
وقال في مدينة العلوم: وهو علم تعرف منه أحوال النغم والإيقاعات وكيفية تأليف اللحون وإيجاد الآلات الموسيقائية وإنما وضعوا هذه الآلات لما ليس فيه الطبيعة فلم يرخصوا الإخلال به.
وموضوعه: الصوت من جهة تأثيره في النفس إما بالبسط أو بالقبض لأن الصوت إما أن يحرك النفس عن المبدأ فيحدث البسط من السرور واللذة وما يناسبها وإما إلى مبدئها فيحدث القبض والفكر في العواقب وما يناسب ذلك ومن الكتب المصنفة فيه كتاب الفارابي وهو أشهرها وأحسنها وكذا كتاب الموسيقي من أبواب الشفاء لابن سينا ولصفي الدين عبد المؤمن مختصر لطيف ولثابت بن قرة تصنيف نافع ولأبي الوفاء الجوزجاني مختصر نافع في فن الإيقاع والكتب في هذا الفن كثيرة وفيما ذكرناه كفاية انتهى كلامه.
وقد اتفق الجمهور على أن واضع هذا الفن أولا: فيثاغورس من تلامذة سليمان عليه السلام وكان رأى في المنام ثلاثة أيام متوالية أن شخصا يقول له: قم واذهب إلى ساحل البحر الفلاني وحصل هناك علما غريبا فذهب من غد كل ليلة من الليالي إليه فلم ير أحدا فيه وعلم أنها رؤيا ليست مما يؤخذ جدا فانعكس وكان هناك جمع من الحدادين يضربون بالمطارق على التناسب فتأمل ثم رجع وقصد أنواع مناسبات بين الأصوات ولما حصل له ما قصده بتفكر كثير وفيض إلهامي صنع آلة وشد عليها إبريسما وأنشد شعرا في التوحيد وترغيب الخلق في أمور الآخرة فأعرض بذلك كثير من الخلائق عن الدنيا وصارت تلك الآلة معززة بين الحكماء وبعد مدة قليلة صار حكيما محققا بالغا في الرياضة بصفاء جوهره وأصلا إلى مأوى الأرواح وسعة السماوات وكان يقول: إني أسمع نغمات شهية وألحانات بهية من الحركات الفلكية وتمكنت تلك النغمات في خيالي وضميري فوضع قواعد هذا العلم.
وأضاف بعده الحكماء مخترعاتهم إلى ما وضعه إلى أن انتهت النوبة إلى أرسطاطاليس فتفكر أرسطو فوضع الأغنون وهو آلة لليونانيين تعمل من ثلاثة زقاق كبار من جلود الجواميس يضم بعضها إلى بعض ويركب على رأس الزق الأوسط زق كبير آخر ثم يركب على هذه الزقاق أنابيب لها ثقب على نسب معلومة تخرج منها أصوات طيبة مطربة على حسب استعمال المستعمل وكان غرضهم من استخراج قواعد هذا الفن تأنيس الأرواح والنفوس الناطقة إلى عالم القدس لا مجرد اللهو والطرب فإن النفس قد يظهر فيها باستماع واسطة حسن التأليف وتناسب النغمات بسط فتذكر مصاحبة النفوس العالية ومجاورة العالم العلوي وتسمع هذا النداء وهو:
ارجعي أيتها النفس الغريقة في الأجسام المدلهمة في فجور الطبع إلى العقول الروحانية والذخائر التوراتية والأماكن القدسية في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
ومن رجال هذا الفن من صار له يد طولى كعبد المؤمن فإن له فيه شرفية وخواجه عبد القادر بن غيبي الحافظ المراغي له فيه كتب عديدة وقد أطال ابن خلدون في بيان صناعة الغناء فمن شاء ليرجع إليه فأنه بحث نفيس.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.