Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: بلد

دِمَشْقُ الشّام

Entries on دِمَشْقُ الشّام in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
دِمَشْقُ الشّام:
بكسر أوله، وفتح ثانيه، هكذا رواه الجمهور، والكسر لغة فيه، وشين معجمة، وآخره قاف: الــبلدة المشهورة قصبة الشام، وهي جنة الأرض بلا خلاف لحسن عمارة ونضارة بقعة وكثرة فاكهة ونزاهة رقعة وكثرة مياه ووجود مآرب، قيل: سميت بذلك لأنهم دمشقوا في بنائها أي أسرعوا، وناقة دمشق، بفتح الدال وسكون الميم: سريعة، وناقة دمشقة اللحم: خفيفة، قال الزّفيان:
وصاحبي ذات هباب دمشق
قال صاحب الزيج: دمشق طولها ستون درجة، وعرضها ثلاث وثلاثون درجة ونصف، وهي في الإقليم الثالث، وقال أهل السير: سمّيت دمشق بدماشق بن قاني بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح، عليه السلام، فهذا قول ابن الكلبي، وقال في موضع آخر: ولد يقطان بن عامر سالف وهم السلف وهو الذي بنى قصبة دمشق، وقيل: أول من بناها بيوراسف، وقيل: بنيت دمشق على رأس ثلاثة آلاف ومائة وخمس وأربعين سنة من جملة الدهر الذي يقولون إنه سبعة آلاف سنة، وولد إبراهيم الخليل، عليه السلام، بعد بنائها بخمس سنين، وقيل:
إن الذي بنى دمشق جيرون بن سعد بن عاد بن إرم ابن سام بن نوح، عليه السلام، وسماها إرم ذات العماد، وقيل: إن هودا، عليه السلام، نزل دمشق وأسس الحائط الذي في قبلي جامعها، وقيل: إن العازر غلام إبراهيم، عليه السلام، بنى دمشق وكان حبشيّا وهبه له نمرود بن كنعان حين خرج إبراهيم من النار، وكان يسمّى الغلام دمشق فسماها باسمه،
وكان إبراهيم، عليه السلام، قد جعله على كلّ شيء له، وسكنها الروم بعد ذلك، وقال غير هؤلاء:
سميت بدماشق بن نمرود بن كنعان وهو الذي بناها، وكان معه إبراهيم، كان دفعه إليه نمرود بعد أن نجّى الله تعالى إبراهيم من النار، وقال آخرون: سميت بدمشق بن إرم بن سام بن نوح، عليه السلام، وهو أخو فلسطين وأيلياء وحمص والأردنّ، وبنى كلّ واحد موضعا فسمي به، وقال أهل الثقة من أهل السير: إن آدم، عليه السلام، تكان ينزل في موضع يعرف الآن ببيت انات وحوّاء في بيت لهيا وهابيل في مقرى، وكان صاحب غنم، وقابيل في قنينة، وكان صاحب زرع، وهذه المواضع حول دمشق، وكان في الموضع الذي يعرف الآن بباب الساعات عند الجامع صخرة عظيمة يوضع عليها القربان فما يقبل منه تنزل نار تحرقه وما لا يقبل بقي على حاله، فكان هابيل قد جاء بكبش سمين من غنمه فوضعه على الصخرة فنزلت النار فأحرقته، وجاء قابيل بحنطة من غلّته فوضعها على الصخرة فبقيت على حالها، فحسد قابيل أخاه وتبعه إلى الجبل المعروف بقاسيون المشرف على بقعة دمشق وأراد قتله، فلم يدر كيف يصنع فأتاه إبليس فأخذ حجرا وجعل يضرب به رأسه فلما رآه أخذ حجرا فضرب به رأس أخيه فقتله على جبل قاسيون، وأنا رأيت هناك حجرا عليه شيء كالدم يزعم أهل الشام أنه الحجر الذي قتله به، وأن ذلك الاحمرار الذي عليه أثر دم هابيل، وبين يديه مغارة تزار حسنة يقال لها مغارة الدم، لذلك رأيتها في لحف الجبل الذي يعرف بجبل قاسيون.
وقد روى بعض الأوائل أن مكان دمشق كان دارا لنوح، عليه السلام، ومنشأ خشب السفينة من جبل لبنان وأنّ ركوبه في السفينة كان من عين الجرّ من ناحية البقاع، وقد روي عن كعب الأحبار:
أن أوّل حائط وضع في الأرض بعد الطوفان حائط دمشق وحرّان، وفي الأخبار القديمة عن شيوخ دمشق الأوائل: أن دار شدّاد بن عاد بدمشق في سوق التين يفتح بابها شأما إلى الطريق وأنه كان يزرع له الريحان والورد وغير ذلك فوق الأعمدة بين القنطرتين قنطرة دار بطّيخ وقنطرة سوق التين، وكانت يومئذ سقيفة فوق العمد، وقال أحمد بن الطيب السرخسي: بين بغداد ودمشق مائتان وثلاثون فرسخا.
وقالوا في قول الله عز وجل: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ 23: 50، قال: هي دمشق ذات قرار وذات رخاء من العيش وسعة ومعين كثيرة الماء، وقال قتادة في قول الله عز وجل والتين قال: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس، وطور سينين: شعب حسن، وهذا الــبلد الأمين: مكة، وقيل: إرم ذات العماد دمشق، وقال الأصمعي: جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق ونهر بلخ ونهر الأبلّة، وحشوش الدنيا ثلاثة:
الأبلّة وسيراف وعمان، وقال أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر الأديب: جنان الدنيا أربع: غوطة دمشق وصغد سمرقند وشعب بوّان وجزيرة الأبلّة، وقد رأيتها كلها وأفضلها دمشق، وفي الأخبار: أنّ إبراهيم، عليه السلام، ولد في غوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل قاسيون، وعن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إنّ عيسى، عليه السلام، ينزل عند المنارة البيضاء من شرقي دمشق، ويقال: إنّ المواضع الشريفة بدمشق التي يستجاب فيها الدعاء مغارة الدم في جبل قاسيون،
ويقال: إنها كانت مأوى الأنبياء ومصلّاهم، والمغارة التي في جبل النّيرب يقال: إنها كانت مأوى عيسى، عليه السلام، ومسجدا إبراهيم، عليه السلام، أحدهما في الأشعريّين والآخر في برزة، ومسجد القديم عند القطيعة، ويقال: إن هنا قبر موسى، عليه السلام، ومسجد باب الشرقي الذي قال النبي، صلى الله عليه وسلّم: إن عيسى، عليه السلام، ينزل فيه، والمسجد الصغير الذي خلف جيرون يقال إنّ يحيى بن زكرياء، عليه السلام، قتل هناك، والحائط القبلي من الجامع يقال إنه بناه هود، عليه السلام، وبها من قبور الصحابة ودورهم المشهورة بهم ما ليس في غيره من الــبلدان، وهي معروفة إلى الآن.
قال المؤلف: ومن خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها كثرة الأنهار بها وجريان الماء في قنواتها، فقلّ أن تمرّ بحائط إلّا والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، وما رأيت بها مسجدا ولا مدرسة ولا خانقاها إلّا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان ويسحّ في ميضأة، والمساكن بها عزيزة لكثرة أهلها والساكنين بها وضيق بقعتها، ولها ربض دون السور محيط بأكثر الــبلد يكون في مقدار الــبلد نفسه، وهي في أرض مستوية تحيط بها من جميع جهاتها الجبال الشاهقة، وبها جبل قاسيون ليس في موضع من المواضع أكثر من العبّاد الذين فيه، وبها مغاور كثيرة وكهوف وآثار للأنبياء والصالحين لا توجد في غيرها، وبها فواكه جيدة فائقة طيبة تحمل إلى جميع ما حولها من البلاد من مصر إلى حرّان وما يقارب ذلك فتعمّ الكل، وقد وصفها الشعراء فأكثروا، وأنا أذكر من ذلك نبذة يسيرة، وأما جامعها فهو الذي يضرب به المثل في حسنه، وجملة الأمر أنه لم توصف الجنة بشيء إلا وفي دمشق مثله، ومن المحال أن يطلب بها شيء من جليل أعراض الدنيا ودقيقها إلا وهو فيها أوجد من جميع البلاد، وفتحها المسلمون في رجب سنة 14 بعد حصار ومنازلة، وكان قد نزل على كلّ باب من أبوابها أمير من المسلمين فصدمهم خالد بن الوليد من الباب الشرقي حتى افتتحها عنوة، فأسرع أهل الــبلد إلى أبي عبيدة بن الجرّاح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل ابن حسنة، وكان كل واحد منهم على ربع من الجيش، فسألوهم الأمان فأمنوهم وفتحوا لهم الباب، فدخل هؤلاء من ثلاثة أبواب بالأمان، ودخل خالد من الباب الشرقي بالقهر، وملكوهم وكتبوا إلى عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، بالخبر وكيف جرى الفتح، فأجراها كلها صلحا.
وأما جامعها فقد وصفه بعض أهل دمشق فقال:
هو جامع المحاسن كامل الغرائب معدود إحدى العجائب، قد زوّر بعض فرشه بالرخام وألّف على أحسن تركيب ونظام، وفوق ذلك فصّ أقداره متفقة وصنعته مؤتلفة، بساطه يكاد يقطر ذهبا ويشتعل لهبا، وهو منزه عن صور الحيوان إلى صنوف النبات وفنون الأغصان لكنها لا تجنى إلا بالأبصار ولا يدخل عليها الفساد كما يدخل على الأشجار والثمار بل باقية على طول الزمان مدركة بالعيان في كلّ أوان، لا يمسها عطش مع فقدان القطر ولا يعتريها ذبول مع تصاريف الدهر، وقالوا: عجائب الدنيا أربع: قنطرة سنجة ومنارة الإسكندرية وكنيسة الرّها ومسجد دمشق، وكان قد بناه الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان ذا همّة في عمارة المساجد، وكان الابتداء بعمارته في سنة 87، وقيل سنة 88، ولما أراد بناءه جمع نصارى دمشق وقال لهم: إنّا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم، يعني كنيسة يوحنا، ونعطيكم 30- 2 معجم الــبلدان دار صادر
كنيسة حيث شئتم وإن شئتم أضعفنا لكم الثمن، فأبوا وجاءوا بكتاب خالد بن الوليد والعهد وقالوا:
إنّا نجد في كتبنا أنه لا يهدمها أحد إلا خنق، فقال لهم الوليد: فأنا أول من يهدمها، فقام وعليه قباء أصفر فهدم وهدم الناس ثم زاد في المسجد ما أراده واحتفل في بنائه بغاية ما أمكنه وسهل عليه إخراج الأموال وعمل له أربعة أبواب: في شرقيه باب جيرون وفي غربيه باب البريد وفي القبلة باب الزيادة وباب الناطفانيين مقابله وباب الفراديس في دبر القبلة، وذكر غيث بن علي الأرمنازي في كتاب دمشق على ما حدثني به الصاحب جمال الدين الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف الشيباني، أدام الله أيامه:
أن الوليد أمر أن يستقصى في حفر أساس حيطان الجامع، فبينما هم يحفرون إذ وجدوا حائطا مبنيّا على سمت الحفر سواء فأخبروا الوليد بذلك وعرّفوه إحكام الحائط واستأذنوه في البنيان فوقه، فقال: لا أحب إلا الإحكام واليقين فيه ولست أثق بإحكام هذا الحائط حتى تحفروا في وجهه إلى أن تدركوا الماء فإن كان محكما مرضيّا فابنوا عليه وإلا استأنفوه، فحفروا في وجه الحائط فوجدوا بابا وعليه بلاطة من حجر مانع وعليها منقور كتابة، فاجتهدوا في قراءتها حتى ظفروا بمن عرّفهم أنه من خط اليونان وأن معنى تلك الكتابة ما صورته: لما كان العالم محدثا لاتصال أمارات الحدوث به وجب أن يكون له محدث لهؤلاء كما قال ذو السنين وذو اللحيين فوجدت عبادة خالق المخلوقات حينئذ أمر بعمارة هذا الهيكل من صلب ماله محبّ الخير على مضي سبعة آلاف وتسعمائة عام لأهل الأسطوان فإن رأى الداخل إليه ذكر بانيه بخير فعل والسلام، وأهل الأسطوان:
قوم من الحكماء الأول كانوا ببعلبك، حكى ذلك أحمد بن الطيب السرخسي الفيلسوف، ويقال: إن الوليد أنفق على عمارته خراج المملكة سبع سنين وحملت إليه الحسبانات بما أنفق عليه على ثمانية عشر بعيرا فأمر بإحراقها ولم ينظر فيها وقال: هو شيء أخرجناه لله فلم نتبعه، ومن عجائبه أنه لو عاش الإنسان مائة سنة وكان يتأمله كل يوم لرأى فيه كل يوم ما لم يره في سائر الأيام من حسن صنائعه واختلافها، وحكي أنه بلغ ثمن البقل الذي أكله الصنّاع فيه ستة آلاف دينار، وضج الناس استعظاما لما أنفق فيه وقالوا: أخذ بيوت أموال المسلمين وأنفقها فيما لا فائدة لهم فيه، قال: فخاطبهم وقال بلغني أنكم تقولون وتقولون وفي بيت مالكم عطاء ثماني عشرة سنة إذا لم تدخل لكم فيها حبة قمح، فسكت الناس، وقيل: إنه عمل في تسع سنين، وكان فيه عشرة آلاف رجل في كل يوم يقطعون الرخام، وكان فيه ستمائة سلسلة ذهب، فلما فرغ أمر الوليد أن يسقّف بالرصاص فطلب من كل البلاد وبقيت قطعة منه لم يوجد لها رصاص إلا عند امرأة وأبت أن تبيعه إلا بوزنه ذهبا فقال: اشتروه منها ولو بوزنه مرتين، ففعلوا فلما قبضت الثمن قالت: إني ظننت أن صاحبكم ظالم في بنائه هذا، فلما رأيت إنصافه فأشهدكم أنه لله! وردّت الثمن، فلما بلغ ذلك إلى الوليد أمر أن يكتب على صفائح المرأة لله ولم يدخله فيما كتب عليه اسمه، وأنفق على الكرمة التي في قبلته سبعين ألف دينار، وقال موسى بن حمّاد البربري: رأيت في مسجد دمشق كتابة بالذهب في الزجاج محفورا سورة:
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ 102: 1 إلى آخرها، ورأيت جوهرة حمراء ملصقة في القاف التي في قوله تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ 102: 2، فسألت عن ذلك: فقيل لي إنه كانت للوليد بنت وكانت هذه الجوهرة لها فماتت فأمرت أمها أن تدفن
هذه الجوهرة معها في قبرها، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر من: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ 102: 1- 2، ثم حلف لأمها أنه قد أودعها المقابر فسكتت.
وحكى الجاحظ في كتاب الــبلدان قال: قال بعض السلف ما يجوز أن يكون أحد أشدّ شوقا إلى الجنة من أهل دمشق لما يرونه من حسن مسجدهم، وهو مبنيّ على الأعمدة الرخام طبقتين، الطبقة التحتانية أعمدة كبار والتي فوقها صغار في خلال ذلك صورة كلّ مدينة وشجرة في الدنيا بالفسيفساء الذهب والأخضر والأصفر، وفي قبليّه القبّة المعروفة بقبة النسر، ليس في دمشق شيء أعلى ولا أبهى منظرا منها، ولها ثلاث منائر إحداها، وهي الكبرى، كانت ديدبانا للروم وأقرت على ما كانت عليه وصيّرت منارة، ويقال في الأخبار: إن عيسى، عليه السلام، ينزل من السماء عليها، ولم يزل جامع دمشق على تلك الصورة يبهر بالحسن والتنميق إلى أن وقع فيه حريق في سنة 461 فأذهب بعض بهجته، وهذا ما كان في صفته، قال أبو المطاع بن حمدان في وصف دمشق:
سقى الله أرض الغوطتين وأهلها، ... فلي بجنوب الغوطتين شجون
وما ذقت طعم الماء إلّا استخفني ... إلى بردى والنّيربين حنين
وقد كان شكّي في الفراق يروعني، ... فكيف أكون اليوم وهو يقين؟
فو الله ما فارقتكم قاليا لكم، ... ولكنّ ما يقضى فسوف يكون
وقال الصّنوبري:
صفت دنيا دمشق لقاطنيها، ... فلست ترى بغير دمشق دنيا
تفيض جداول البلّور فيها ... خلال حدائق ينبتن وشيا
مكللة فواكههنّ أبهى ال ... مناظر في مناظرنا وأهيا
فمن تفاحة لم تعد خدّا، ... ومن أترجّة لم تعد ثديا
وقال البحتري:
أمّا دمشق فقد أبدت محاسنها، ... وقد وفى لك مطريها بما وعدا
إذا أردت ملأت العين من بلد ... مستحسن وزمان يشبه الــبلدا
يمسي السحاب على أجبالها فرقا، ... ويصبح النبت في صحرائها بددا
فلست تبصر إلا واكفا خضلا، ... أو يانعا خضرا أو طائرا غردا
كأنما القيظ ولّى بعد جيئته، ... أو الربيع دنا من بعد ما بعدا
وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الحسين بن النّقّار يمدح دمشق:
سقى الله ما تحوي دمشق وحيّاها، ... فما أطيب اللذات فيها وأهناها!
نزلنا بها واستوقفتنا محاسن ... يحنّ إليها كلّ قلب ويهواها
لبسنا بها عيشا رقيقا رداؤه، ... ونلنا بها من صفوة اللهو أعلاها
وكم ليلة نادمت بدر تمامها ... تقضّت، وما أبقت لنا غير ذكراها
فآها على ذاك الزمان وطيبه، ... وقلّ له من بعده قولتي واها!
فيا صاحبي إمّا حملت رسالة ... إلى دار أحباب لها طاب مغناها
وقل ذلك الوجد المبرِّح ثابت، ... وحرمة أيام الصّبا ما أضعناها
فإن كانت الأيام أنست عهودنا، ... فلسنا على طول المدى نتناساها
سلام على تلك المعاهد، إنها ... محطّ صبابات النفوس ومثواها
رعى الله أياما تقضّت بقربها، ... فما كان أحلاها لديها وأمراها!
وقال آخر في ذمّ دمشق:
إذا فاخروا قالوا مياه غزيرة ... عذاب، وللظامي سلاف مورّق
سلاف ولكن السراجين مزجها، ... فشاربها منها الخرا يتنشق
وقد قال قوم جنة الجلد جلّق، ... وقد كذبوا في ذا المقال ومخرقوا
فما هي إلا بلدة جاهليّة، ... بها تكسد الخيرات والفسق ينفق
فحسبهم جيرون فخرا وزينة، ... ورأس ابن بنت المصطفى فيه علّقوا
قال: ولما ولي عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، قال: إني أرى في أموال مسجد دمشق كثرة قد أنفقت في غير حقها فأنا مستدرك ما استدركت منها فردت إلى بيت المال، أنزع هذا الرخام والفسيفساء وأنزع هذه السلاسل وأصيّر بدلها حبالا، فاشتدّ ذلك على أهل دمشق حتى وردت عشرة رجال من ملك الروم إلى دمشق فسألوا أن يؤذن لهم في دخول المسجد، فأذن لهم أن يدخلوا من باب البريد، فوكل بهم رجلا يعرف لغتهم ويستمع كلامهم وينهي قولهم إلى عمر من حيث لا يعلمون، فمروا في الصحن حتى استقبلوا القبلة فرفعوا رؤوسهم إلى المسجد فنكس رئيسهم رأسه واصفرّ لونه، فقالوا له في ذلك فقال: إنّا كنّا معاشر أهل رومية نتحدث أن بقاء العرب قليل فلما رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدّة لا بدّ أن يبلغوها، فلما أخبر عمر بن عبد العزيز بذلك قال: إني أرى مسجدكم هذا غيظا على الكفار، وترك ما همّ به، وقد كان رصّع محرابه بالجواهر الثمينة وعلّق عليه قناديل الذهب والفضة.
وبدمشق من الصحابة والتابعين وأهل الخير والصلاح الذين يزارون في ميدان الحصى، وفي قبلي دمشق قبر يزعمون أنه قبر أمّ عاتكة أخت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وعنده قبر يروون أنه قبر صهيب الرومي وأخيه، والمأثور أن صهيبا بالمدينة، وأيضا بها مشهد التاريخ في قبلته قبر مسقوف بنصفين وله خبر مع عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، وفي قبلي الباب الصغير قبر بلال بن حمامة وكعب الأحبار وثلاث من أزواج النبي، صلى الله عليه وسلّم، وقبر فضّة جارية فاطمة، رضي الله عنها، وأبي الدرداء وأمّ الدرداء وفضالة بن عبيد وسهل بن الحنظليّة وواثلة ابن الأسقع وأوس بن أوس الثقفي وأمّ الحسن بنت جعفر الصادق، رضي الله عنه، وعليّ بن عبد الله بن العباس وسلمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس وزوجته أم الحسن بنت عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، وخديجة بنت زين العابدين وسكينة بنت الحسين، والصحيح أنها بالمدينة، ومحمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، وبالجابية قبر أويس القرني، وقد زرناه بالرّقّة، وله مشهد بالإسكندرية وبديار بكر
والأشهر الأعرف أنه بالرقة لأنه قتل فيما يزعمون مع عليّ بصفّين، ومن شرقي الــبلد قبر عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب، وهذه القبور هكذا يزعمون فيها، والأصحّ الأعرف الذي دلّت عليه الأخبار أن أكثر هؤلاء بالمدينة مشهورة قبورهم هناك، وكان بها من الصحابة والتابعين جماعة غير هؤلاء، قيل إن قبورهم حرثت وزرعت في أول دولة بني العباس نحو مائة سنة فدرست قبورهم فادّعى هؤلاء عوضا عما درس، وفي باب الفراديس مشهد الحسين بن عليّ، رضي الله عنهما، وبظاهر المدينة عند مشهد الخضر قبر محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، رضي الله عنه، وبدمشق عمود العسر في العليين يزعمون أنهم قد خرّبوه وعمود آخر عند الباب الصغير في مسجد يزار وينذر له، وبالجامع من شرقيه مسجد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ومشهد عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، ومشهد الحسين وزين العابدين، وبالجامع مقصورة الصحابة وزاوية الخضر، وبالجامع رأس يحيى بن زكرياء، عليه السلام، ومصحف عثمان بن عفان، رضي الله عنه، قالوا إنه خطه بيده، ويقولون إن قبر هود، عليه السلام، في الحائط القبلي، والمأثور أنه بحضرموت، وتحت قبة النسر عمودان مجزّعان زعموا أنهما من عرش بلقيس، والله أعلم، والمنارة الغربية بالجامع هي التي تعبّد فيها أبو حامد الغزّالي وابن تومرت ملك الغرب، قيل إنها كانت هيكل النار وإن ذؤابة النار تطلع منها، وسجد لها أهل حوران، والمنارة الشرقية يقال لها المنارة البيضاء التي ورد أن عيسى بن مريم، عليه السلام، ينزل عليها، وبها حجر يزعمون أنه قطعة من الحجر الذي ضربه موسى بن عمران، عليه السلام، فانبجست منه اثنتا عشرة عينا، ويقال إن المنارة التي ينزل عندها عيسى، عليه السلام، هي التي عند كنيسة مريم بدمشق، وبالجامع قبة بيت المال الغربية يقال إن فيها قبر عائشة، رضي الله عنها، والصحيح أن قبرها بالبقيع، وعلى باب الجامع المعروف بباب الزيادة قطعة رمح معلّقة يزعمون أنها من رمح خالد ابن الوليد، رضي الله عنه، وبدمشق قبر العبد الصالح محمود بن زنكي ملك الشام وكذلك قبر صلاح الدين يوسف بن أيوب بالكلاسة في الجامع.
وأما المسافات بين دمشق وما يجاورها فمنها إلى بعلبكّ يومان وإلى طرابلس ثلاثة أيام وإلى بيروت ثلاثة أيام وإلى صيدا ثلاثة أيام وإلى أذرعات أربعة أيام وإلى أقصى الغوطة يوم واحد وإلى حوران والبثنيّة يومان وإلى حمص خمسة أيام وإلى حماة ستة أيام وإلى القدس ستة أيام وإلى مصر ثمانية عشر يوما وإلى غزّة ثمانية أيام وإلى عكا أربعة أيام وإلى صور أربعة أيام وإلى حلب عشرة أيام، وممن ينسب إليها من أعيان المحدّثين عبد العزيز بن أحمد ابن محمد بن سلمان بن إبراهيم بن عبد العزيز أبو محمد التميمي الدمشقي الكناني الصوفي الحافظ، سمع الكثير وكتب الكثير ورحل في طلب الحديث، وسمع بدمشق أبا القاسم صدقة بن محمد بن محمد القرشي وتمّام بن محمد وأبا محمد بن أبي نصر وأبا نصر محمد بن أحمد بن هارون الجندي وعبد الوهاب ابن عبد الله بن عمر المرّي وأبا الحسين عبد الوهاب ابن جعفر الميداني وغيرهم، ورحل إلى العراق فسمع محمد بن مخلّد وأبا عليّ بن شاذان وخلقا سواهم، ونسخ بالموصل ونصيبين ومنبج كثيرا، وجمع جموعا، وروى عنه أبو بكر الخطيب وأبو نصر الحميدي وأبو القاسم النسيب وأبو محمد الأكفاني
وأبو القاسم بن السمرقندي وغيرهم، وكان ثقة صدوقا، قال ابن الأكفاني: ولد شيخنا عبد العزيز بن الكناني في رجب سنة 389، وبدأ بسماع الحديث في سنة 407، ومات في سنة 466، وقد خرّج عنه الخطيب في عامّة مصنفاته، وهو يقول: حدثني عبد العزيز بن أبي طاهر الصوفي، وأبو زرعة عبد الرحمن ابن عمرو بن عبد الله بن صفوان بن عمرو البصري الدمشقي الحافظ المشهور شيخ الشام في وقته، رحل وروى عن أبي نعيم وعفان ويحيى بن معين وخلق لا يحصون، وروى عنه من الأئمة أبو داود السجستاني وابنه أبو بكر بن أبي داود وأبو القاسم بن أبي العقب الدمشقي وعبدان الأوزاعي ويعقوب بن سفيان الفسوي، ومات سنة 281، وينسب إليها من لا يحصى من المسلمين، وألّف لها الحافظ ابن عساكر تاريخا مشهورا في ثمانين مجلدة، وممن اشتهر بذلك فلا يعرف إلا بالدمشقي، يوسف بن رمضان بن بندار أبو المحاسن الدمشقي الفقيه الشافعي، كان أبوه قرقوبيّا من أهل مراغة، وولد يوسف بدمشق وخرج منها بعد البلوغ إلى بغداد، وصحب أسعد الميهني وأعاد له بعض دروسه، ثم ولي تدريس النظامية ببغداد مدّة وبنيت له مدرسة بباب الأزج، وكان يذكر فيها الدرس، ومدرسة أخرى عند الطّيوريّين ورحبة الجامع، وانتهت إليه رياسة أصحاب الشافعي ببغداد في وقته، وحدث بشيء يسير عن أبي البركات هبة الله بن أحمد البخاري وأبي سعد إسماعيل بن أبي صالح، وعقد مجلس التذكير ببغداد، وأرسله المستنجد إلى شملة أمير الأشتر من قهستان، فأدركته وفاته وهو في الرسالة في السادس والعشرين من شوال سنة 563.

بُلْغَارُ

Entries on بُلْغَارُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
بُلْغَارُ:
بالضم، والغين معجمة: مدينة الصقالبة ضاربة في الشمال، شديدة البرد لا يكاد الثلج يقلع عن أرضها صيفا ولا شتاء وقلّ ما يرى أهلها أرضا ناشفة، وبناؤهم بالخشب وحده، وهو أن يركبوا عودا فوق عود ويسمّروها بأوتاد من خشب أيضا محكمة، والفواكه والخيرات بأرضهم لا تنجب، وبين إتل مدينة الخزر وبلغار على طريق المفاوز نحو شهر، ويصعد إليها في نهر إتل نحو شهرين وفي الحدور نحو عشرين يوما، ومن بلغار إلى أول حدّ الروم نحو عشر مراحل، ومنها إلى كويابة مدينة الروس عشرون يوما، ومن بلغار
إلى بشجرد خمس وعشرون مرحلة، وكان ملك بلغار وأهلها قد أسلموا في أيام المقتدر بالله وأرسلوا إلى بغداد رسولا يعرّفون المقتدر ذلك ويسألونه إنفاذ من يعلّمهم الصلوات والشرائع، لكن لم أقف على السبب في إسلامهم. وقرأت رسالة عملها أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حمّاد مولى محمد بن سليمان رسول المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة ذكر فيها ما شاهده منذ انفصل من بغداد إلى أن عاد إليها، قال فيها: لما وصل كتاب ألمس بن شلكى بلطوار ملك الصقالبة إلى أمير المؤمنين المقتدر بالله يسأله فيه أن يبعث إليه من يفقّهه في الدين ويعرّفه شرائع الإسلام ويبني له مسجدا وينصب له منبرا ليقيم عليه الدعوة في جميع بلده وأقطار مملكته ويسأله بناء حصن يتحصّن فيه من الملوك المخالفين له، فأجيب إلى ذلك، وكان السفير له نذير الحزمي، فبدأت أنا بقراءة الكتاب عليه وتسليم ما أهدي إليه والأشراف من الفقهاء والمعلّمين، وكان الرسول من جهة السلطان سوسن الرّسّي مولى نذير الحزمي، قال:
فرحلنا من مدينة السلام لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر سنة 309، ثم ذكر ما مرّ له في الطريق إلى خوارزم ثم منها إلى بلاد الصقالبة ما يطول شرحه، ثم قال:
فلما كنّا من ملك الصقالبة وهو الذي قصدنا له على مسيرة يوم وليلة وجّه لاستقبالنا الملوك الأربعة الذين تحت يديه وإخوته وأولاده، فاستقبلونا ومعهم الخبز واللحم والجاورس، وساروا معنا، فلما صرنا منه على فرسخين تلقّانا هو بنفسه فلما رآنا نزل فخرّ ساجدا شكرا لله، وكان في كمّه دراهم فنثرها علينا ونصب لنا قبابا فنزلناها، وكان وصولنا إليه يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرم سنة 310، وكانت المسافة من الجرجانية، وهي مدينة خوارزم، سبعين يوما، فأقمنا إلى يوم الأربعاء في القباب التي ضربت لنا حتى اجتمع ملوك أرضه وخواصه ليسمعوا قراءة الكتاب، فلما كان يوم الخميس نشرنا المطرّدين الذين كانوا معنا وأسرجنا الدّابّة بالسرج الموجّه إليه وألبسناه السواد وعممناه وأخرجت كتاب الخليفة فقرأته وهو قائم على قدميه ثم قرأت كتاب الوزير حامد بن العباس وهو قائم أيضا، وكان بدينا، فنثر أصحابه علينا الدّراهم، وأخرجنا الهدايا وعرضناها عليه ثم خلعنا على امرأته وكانت جالسة إلى جانبه، وهذه سنتهم ودأبهم، ثم وجّه إلينا فحضرنا قبته وعنده الملوك عن يمينه وأمرنا أن نجلس عن يساره وأولاده جلوس بين يديه وهو وحده على سرير مغشّى بالديباج الرومي، فدعا بالمائدة فقدّمت إليه وعليها لحم مشوي، فابتدأ الملك وأخذ سكينا وقطع لقمة فأكلها وثانية وثالثة ثم قطع قطعة فدفعها إلى سوسن الرسول فلما تناولها جاءته مائدة صغيرة فجعلت بين يديه، وكذلك رسمهم لا يمدّ أحد يده إلى أكل حتى يناوله الملك فإذا تناولها جاءته مائدة ثم قطع قطعة وناولها الملك الذي عن يمينه فجاءته مائدة، ثم ناول الملك الثاني فجاءته مائدة وكذلك حتى قدّم إلى كل واحد من الذين بين يديه مائدة، وأكل كل واحد منا من مائدة لا يشاركه فيها أحد ولا يتناول من مائدة غيره شيئا، فإذا فرغ من الأكل حمل كلّ واحد منا ما بقي على مائدته إلى منزله، فلما فرغنا دعا بشراب العسل وهم يسمونه السجو فشرب وشربنا. وقد كان يخطب له قبل قدومنا: اللهم أصلح الملك بلطوار ملك بلغار، فقلت له: إن الله هو الملك ولا يجوز أن يخطب بهذا لأحد سيما على المنابر، وهذا مولاك أمير المؤمنين قد وصى لنفسه أن يقال على منابره في الشرق والغرب: اللهم أصلح عبدك وخليفتك جعفرا الإمام
المقتدر بالله أمير المؤمنين، فقال: كيف يجوز أن يقال؟ فقلت: يذكر اسمك واسم أبيك، فقال: إنّ أبي كان كافرا وأنا أيضا ما أحبّ أن يذكر اسمي إذ كان الذي سمّاني به كافرا، ولكن ما اسم مولاي أمير المؤمنين؟ فقلت: جعفر، قال: فيجوز أن أتسمّى باسمه؟ قلت: نعم، فقال: قد جعلت اسمي جعفرا واسم أبي عبد الله، وتقدم إلى الخطيب بذلك، فكان يخطب: اللهم أصلح عبدك جعفر بن عبد الله أمير بلغار مولى أمير المؤمنين، قال: ورأيت في بلده من العجائب ما لا أحصيها كثرة، من ذلك أن أول ليلة بتناها في بلده رأيت قبل مغيب الشمس بساعة أفق السماء وقد احمرّ احمرارا شديدا وسمعت في الجوّ أصواتا عالية وهمهمة، فرفعت رأسي فإذا غيم أحمر مثل النار قريب منّي، فإذا تلك الهمهمة والأصوات منه وإذا فيه أمثال الناس والدوابّ وإذا في أيدي الأشباح التي فيه قسيّ ورماح وسيوف، وأتبيّنها وأتخيّلها وإذا قطعة أخرى مثلها أرى فيها رجالا أيضا وسلاحا ودوابّ، فأقبلت هذه القطعة على هذه كما تحمل الكتيبة على الكتيبة، ففزعنا من هذه وأقبلنا على التضرّع والدعاء وأهل الــبلد يضحكون منا ويتعجبون من فعلنا، قال: وكنا ننظر إلى القطعة تحمل على القطعة فتختلطان جميعا ساعة ثم تفترقان، فما زال الأمر كذلك إلى قطعة من الليل ثم غابتا، فسألنا الملك عن ذلك فزعم أن أجداده كانوا يقولون هؤلاء من مؤمني الجنّ وكفّارهم يقتتلون كل عشية، وأنهم ما عدموا هذا منذ كانوا في كل ليلة. قال: ودخلت أنا وخيّاط كان للملك من أهل بغداد قبّتي لنتحدّث، فتحدّثنا بمقدار ما يقر الإنسان نصف ساعة ونحن ننتظر أذان العشاء، فإذا بالأذان فخرجنا من القبّة وقد طلع الفجر، فقلت للمؤذّن: أي شيء أذّنت؟ قال: الفجر، قلت: فعشاء الأخيرة؟ قال: نصلّيها مع المغرب، قلت: فالليل؟
قال: كما ترى وقد كان أقصر من هذا وقد أخذ الآن في الطول، وذكر أنه منذ شهر ما نام الليل خوفا من أن تفوته صلاة الصبح، وذلك أن الإنسان يجعل القدر على النار وقت المغرب ثم يصلّي الغداة وما آن لها أن تنضج، قال: ورأيت النهار عندهم طويلا جدّا، وإذا أنه يطول عندهم مدّة من السنة ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، فلما كانت الليلة الثانية جلست فلم أر فيها من الكواكب إلّا عددا يسيرا ظننت أنها فوق الخمسة عشر كوكبا متفرّقة، وإذا الشّفق الأحمر الذي قبل المغرب لا يغيب بتّة، وإذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجل الرجل فيه من أكثر من غلوة سهم، قال: والقمر إنما يطلع في أرجاء السماء ساعة ثم يطلع الفجر فيغيب القمر، قال: وحدّثني الملك أن وراء بلده بمسيرة ثلاثة أشهر قوما يقال لهم ويسو، الليل عندهم أقلّ من ساعة، قال: ورأيت الــبلد عند طلوع الشمس يحمر كلّ شيء فيه من الأرض والجبال، وكل شيء ينظر الإنسان إليه حين تطلع الشمس كأنها غمامة كبرى فلا تزال الحمرة كذلك حتى تتكبّد السماء. وعرّفني أهل الــبلد أنه إذا كان الشتاء عاد الليل في طول النهار وعاد النهار في قصر الليل، حتى إنّ الرجل منا ليخرج إلى نهر يقال له إتل بيننا وبينه أقل من مسافة فرسخ وقت الفجر فلا يبلغه إلى العتمة إلى وقت طلوع الكواكب كلّها حتى تطبق السماء، ورأيتهم يتبرّكون بعواء الكلب جدّا ويقولون: تأتي عليهم سنة خصب وبركة وسلامة.
ورأيت الحيّات عندهم كثيرة حتى إنّ الغصن من الشجر ليلتفّ عليه عشر منها وأكثر، ولا يقتلونها ولا
تؤذيهم، ولهم تفاح أخضر شديد الحموضة جدّا، تأكله الجواري فيسمّن، وليس في بلدهم اكثر من شجر البندق، ورأيت منه غياضا تكون أربعين فرسخا في مثلها، قال: ورأيت لهم شجرا لا أدري ما هو، مفرط الطول وساقه أجرد من الورق ورؤوسه كرءوس النخل، له خوص دقاق إلّا أنه مجتمع، يعمدون إلى موضع من ساق هذه الشجرة يعرفونه فيثقبونه ويجعلون تحته إناء يجري إليه من ذلك الثّقب ماء أطيب من العسل، وإن أكثر الإنسان من شربه أسكره كما تسكر الخمر، وأكثر أكلهم الجاورس ولحم الخيل على أن الحنطة والشعير كثير في بلادهم، وكل من زرع شيئا أخذه لنفسه ليس للملك فيه حق غير أنهم يؤدّون إليه من كل بيت جلد ثور، وإذا أمر سريّة على بعض الــبلدان بالغارة كان له معهم حصّة. وليس عندهم شيء من الأدهان غير دهن السمك، فإنهم يقيمونه مقام الزيت والشيرج، فهم كانوا لذلك زفرين، وكلّهم يلبسون القلانس، وإذا ركب الملك ركب وحده بغير غلام ولا أحد معه، فإذا اجتاز في السوق لم يبق أحد إلّا قام وأخذ قلنسوته عن رأسه وجعلها تحت إبطه، فإذا جاوزهم ردوا قلانسهم فوق رؤوسهم، وكذلك كل من يدخل على الملك من صغير وكبير حتى أولاده وإخوته ساعة يقع نظرهم عليه يأخذون قلانسهم فيجعلونها تحت آباطهم ثم يومئون إليه برؤوسهم ويجلسون ثم يقومون حتى يأمرهم بالجلوس. وكلّ من جلس بين يديه فإنما يجلس باركا ولا يخرج قلنسوته ولا يظهرها حتى يخرج من بين يديه فيلبسها عند ذلك. والصواعق في بلادهم كثيرة جدا، وإذا وقعت الصاعقة في دار أحدهم لم يقربوه ويتركونه حتى يتلفه الزمان ويقولون: هذا موضع مغضوب عليه، وإذا رأوا رجلا له حركة ومعرفة بالأشياء قالوا: هذا حقه أن يخدم ربنا، فأخذوه وجعلوا في عنقه حبلا وعلّقوه في شجرة حتى يتقطع. وإذا كانوا يسيرون في طريق وأراد أحدهم البول فبال وعليه سلاحه انتهبوه وأخذوا سلاحه وجميع ما معه، ومن حطّ عنه سلاحه وجعله ناحية لم يتعرضوا له، وهذه سنتهم، وينزل الرجال والنساء النهر فيغتسلون جميعا عراة لا يستتر بعضهم من بعض ولا يزنون بوجه ولا سبب، ومن زنى منهم كائنا من كان ضربوا له أربع سكك وشدّوا يديه ورجليه إليها وقطّعوا بالفأس من رقبته إلى فخذه، وكذلك يفعلون بالمرأة، ثم يعلّق كلّ قطعة منه ومنها على شجرة، قال: ولقد اجتهدت أن تستتر النساء من الرجال في السباحة فما استوى لي ذلك، ويقتلون السارق كما يقتلون الزاني، ولهم أخبار اقتصرنا منها على هذا.

حَلَبُ

Entries on حَلَبُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
حَلَبُ:
بالتحريك: مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات طيبة الهواء صحيحة الأديم والماء، وهي قصبة جند قنّسرين في أيامنا هذه، والحلب في اللغة: مصدر قولك حلبت أحلب حلبا وهربت هربا وطربت طربا، والحلب أيضا: اللبن الحليب، يقال: حلبنا وشربنا لبنا حليبا وحلبا، والحلب من الجباية مثل الصدقة ونحوها، قال الزّجّاجي: سمّيت حلب لأن إبراهيم، عليه السلام، كان يحلب فيها غنمه في الجمعات ويتصدّق به فيقول الفقراء حلب حلب، فسمي به، قلت أنا: وهذا فيه نظر لأن إبراهيم، عليه السلام، وأهل الشام في أيامه لم يكونوا عربا إنما العربية في ولد ابنه إسماعيل، عليه السلام، وقحطان، على أن إبراهيم في قلعة حلب مقامين يزاران إلى الآن، فإن كان لهذه اللفظة، أعني حلب، أصل في العبرانية أو السريانية لجاز ذلك لأن كثيرا من كلامهم يشبه كلام العرب لا يفارقه إلا بعجمة يسيرة كقولهم كهنّم في جهنم، وقال قوم: إن حلب وحمص وبرذعة كانوا إخوة من بني عمليق فبنى كلّ واحد منهم مدينة فسمّيت به، وهم بنو مهر بن حيص بن جان بن مكنّف، وقال الشرقي: عمليق بن يلمع بن عائذ ابن اسليخ بن لوذ بن سام، وقال غيره: عمليق بن لوذ بن سام، وكانت العرب تسميه غريبا وتقول في مثل: من يطع غريبا يمس غريبا، يعنون عمليق ابن لوذ، ويقال: إن لهم بقية في العرب لأنهم كانوا قد اختلطوا بهم، ومنهم الزّبّاء، فعلى هذا يصحّ أن يكون أهل هذه المدينة كانوا يتكلمون بالعربية فيقولون حلب إذا حلب إبراهيم، عليه السلام.
قال بطليموس: طول مدينة حلب تسع وستون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها خمس وثلاثون درجة وخمس وعشرون دقيقة، داخلة في الإقليم الرابع، طالعها العقرب، وبيت حياتها إحدى وعشرون درجة من القوس، لها شركة في النسر الطائر تحت إحدى عشرة درجة من السرطان، وخمس وثلاثون دقيقة، يقابلها مثلها من الجدي، بيت ملكها مثلها من الحمل، عاقبتها مثلها من الميزان، قال أبو عون في زيجه: طول حلب ثلاث وستون درجة، وعرضها أربع وثلاثون درجة وثلث، وهي في الإقليم الرابع، وذكر أبو نصر يحيى بن جرير الطبيب التكريتي النصراني في كتاب ألّفه أن سلوقوس الموصلي ملك خمسا وأربعين سنة، وأول ملكه كان في سنة ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسع وخمسين لآدم، عليه السلام، قال:
وفي سنة تسع وخمسين من مملكته، وهي سنة أربعة آلاف وثماني عشرة لآدم، ملك طوسا المسمّاة سميرم مع أبيها وهو الذي بنى حلب بعد دولة الإسكندر وموته باثنتي عشرة سنة، وقال في موضع آخر:
كان الملك على سوريا وبابل والبلاد العليا سلوقوس نيقطور، وهو سريانيّ، وملك في السنة الثالثة عشرة لبطليموس بن لاغوس بعد ممات الإسكندر، وفي السنة الثالثة عشرة من مملكته بنى سلوقوس اللاذقية وسلوقية وأفامية وباروّا وهي حلب واداسا وهي الرّها وكمل بناء أنطاكية، وكان بناها قبله، يعني أنطاكية، انطيقوس في السنة السادسة من موت الإسكندر، وذكر آخرون في سبب عمارة حلب أن العماليق لما استولوا على البلاد الشامية وتقاسموها بينهم استوطن ملوكهم مدينة عمّان ومدينة أريحا الغور ودعاهم الناس الجبارين، وكانت قنّسرين مدينة عامرة ولم يكن يومئذ اسمها قنّسرين وإنما كان اسمها صوبا، وكان هذا الجبل المعروف الآن بسمعان
يعرف بجبل بني صنم، وبنو صنم كانوا يعبدونه في موضع يعرف اليوم بكفرنبو، والعمائر الموجودة في هذا الجبل إلى اليوم هي آثار المقيمين في جوار هذا الصنم، وقيل: إن بلعام بن باعور البالسي إنما بعثه الله إلى عبّاد هذا الصنم لينهاهم عن عبادته، وقد جاء ذكر هذا الصنم في بعض كتب بني إسرائيل، وأمر الله بعض أنبيائهم بكسره، ولما ملك بلقورس الأثوري الموصل وقصبتها يومئذ نينوى كان المستولي على خطّة قنسرين حلب بن المهر أحد بني الجان بن مكنّف من العماليق، فاختط مدينة سمّيت به، وكان ذلك على مضي ثلاثة آلاف وتسعمائة وتسعين سنة لآدم، وكانت مدة ملك بلقورس هذا ثلاثين عاما، وكان بناها بعد ورود إبراهيم، عليه السلام، إلى الديار الشامية بخمسمائة وتسع وأربعين سنة لأن إبراهيم ابتلي بما ابتلي به من نمرود زمانه، واسمه راميس، وهو الرابع من ملوك أثورا، ومدة ملكه تسع وثلاثون سنة، ومدة ما بينه وبين آدم، عليه السلام، ثلاثة آلاف وأربعمائة وثلاث عشرة سنة، وفي السنة الرابعة والعشرين من ملكه ابتلي به إبراهيم فهرب منه مع عشيرته إلى ناحية حرّان ثم انتقل إلى جبل البيت المقدس، وكانت عمارتها بعد خروج موسى، عليه السلام، من مصر ببني إسرائيل إلى التيه وغرق فرعون بمائة وعشرة أعوام، وكان أكبر الأسباب في عمارتها ما حل بالعماليق في البلاد الشامية من خلفاء موسى، وذلك أن يوشع بن نون، عليه السلام، لما خلف موسى قاتل أريحا الغور وافتتحها وسبى وأحرق وأخرب ثم افتتح بعد ذلك مدينة عمّان، وارتفع العماليق عن تلك الديار إلى أرض صوبا، وهي قنّسرين، وبنوا حلب وجعلوها حصنا لأنفسهم وأموالهم ثم اختطوا بعد ذلك العواصم، ولم يزل الجبارون مستولين عليها متحصّنين بعواصمها إلى أن بعث الله داود، عليه السلام، فانتزعهم عنها.
وقرأت في رسالة كتبها ابن بطلان المتطبّب إلى هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي في نحو سنة 440 في دولة بني مرداس فقال: دخلنا من الرّصافة إلى حلب في أربع مراحل، وحلب بلد مسوّر بحجر أبيض وفيه ستة أبواب وفي جانب السور قلعة في أعلاها مسجد وكنيستان وفي إحداهما كان المذبح الذي قرّب عليه إبراهيم، عليه السلام، وفي أسفل القلعة مغارة كان يخبئ بها غنمه، وكان إذا حلبها أضاف الناس بلبنها، فكانوا يقولون حلب أم لا؟
ويسأل بعضهم بعضا عن ذلك، فسميت لذلك حلبا، وفي الــبلد جامع وست بيع وبيمارستان صغير، والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية، وشرب أهل الــبلد من صهاريج فيه مملوءة بماء المطر، وعلى بابه نهر يعرف بقويق يمد في الشتاء وينضب في الصيف، وفي وسط الــبلد دار علوة صاحبة البحتري، وهو بلد قليل الفواكه والبقول والنبيذ إلا ما يأتيه من بلاد الروم، وفيها من الشعراء جماعة، منهم: شاعر يعرف بأبي الفتح بن أبي حصينة، ومن جملة شعره قوله:
ولما التقينا للوداع، ودمعها ... ودمعي يفيضان الصبابة والوجدا
بكت لؤلؤا رطبا، ففاضت مدامعي ... عقيقا، فصار الكل في نحرها عقدا
وفيها كاتب نصراني له في قطعة في الخمر أظنه صاعد بن شمّامة:
خافت صوارم أيدي المازجين لها، ... فألبست جسمها درعا من الحبب
وفيها حدث يعرف بأبي محمد بن سنان قد ناهز العشرين وعلا في الشعر طبقة المحنّكين، فمن قوله:
إذا هجوتكم لم أخش صولتكم، ... وإن مدحت فكيف الريّ باللهب
فحين لم ألق لا خوفا ولا طمعا ... رغبت في الهجو، إشفاقا من الكذب
وفيها شاعر يعرف بأبي العباس يكنى بأبي المشكور، مليح الشعر سريع الجواب حلو الشمائل، له في المجون بضاعة قوية وفي الخلاعة يد باسطة، وله أبيات إلى والده:
يا أبا العباس والفضل! ... أبا العباس تكنى
أنت مع أمّي، بلا شكّ، ... تحاكي الكركدنّا
أنبتت، في كل مجرى ... شعرة في الرأس، قرنا
فأجابه أبوه:
أنت أولى بأبي المذمو ... م بين الناس تكنى
ليت لي بنتا، ولا أنت، ... ولو بنت يحنّا
بنت يحنّا: مغنية بأنطاكية تحنّ إلى القرباء وتضيف الغرباء مشهورة بالعهر، قال: ومن عجائب حلب أن في قيسارية البزّ عشرين. دكانا للوكلاء يبيعون فيها كل يوم متاعا قدره عشرون ألف دينار مستمرّ ذلك منذ عشرين سنة وإلى الآن، وما في حلب موضع خراب أصلا، وخرجنا من حلب طالبين أنطاكية، وبينها وبين حلب يوم وليلة، آخر ما ذكر ابن بطلان.
وقلعة حلب مقام إبراهيم الخليل، وفيه صندوق به قطعة من رأس يحيى بن زكرياء، عليه السلام، ظهرت سنة 435، وعند باب الجنان مشهد علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، رؤي فيه في النوم، وداخل باب العراق مسجد غوث فيه حجر عليه كتابة زعموا أنه خطّ علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وفي غربي الــبلد في سفح جبل جوشن قبر المحسن بن الحسين يزعمون أنه سقط لما جيء بالسّبي من العراق ليحمل إلى دمشق أو طفل كان معهم بحلب فدفن هنالك، وبالقرب منه مشهد مليح العمارة تعصّب الحلبيّون وبنوه أحكم بناء وأنفقوا عليه أموالا، يزعمون أنهم رأوا عليّا، رضي الله عنه، في المنام في ذلك المكان، وفي قبلي الجبل جبّانة واحدة يسمونها المقام، بها مقام لإبراهيم، عليه السلام، وبظاهر باب اليهود حجر على الطريق ينذر له ويصبّ عليه ماء الورد والطيب ويشترك المسلمون واليهود والنصارى في زيارته، يقال إن تحته قبر بعض الأنبياء.
وأما المسافات فمنها إلى قنّسرين يوم وإلى المعرّة يومان وإلى أنطاكية ثلاثة أيام وإلى الرّقّة أربعة أيام وإلى الأثارب يوم وإلى توزين يوم وإلى منبج يومان وإلى بالس يومان وإلى خناصرة يومان وإلى حماة ثلاثة أيام وإلى حمص أربعة أيام وإلى حرّان خمسة أيام وإلى اللاذقية ثلاثة أيام وإلى جبلة ثلاثة أيام وإلى طرابلس أربعة أيام وإلى دمشق تسعة أيام، قال المؤلف، رحمة الله عليه: وشاهدت من حلب وأعمالها ما استدللت به على أن الله تعالى خصّها بالبركة وفضّلها على جميع البلاد، فمن ذلك أنه يزرع في أراضيها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والدخن والكروم والذرة والمشمش والتين والتفاح عذيا لا يسقى إلا بماء المطر ويجيء مع ذلك رخصا
غضّا رويّا يفوق ما يسقى بالمياه والسيح في جميع البلاد، وهذا لم أره فيما طوّفت من البلاد في غير أرضها، ومن ذلك أن مسافة ما بيد مالكها في أيامنا هذه، وهو الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب ومدبّر دولته والقائم بجميع أموره شهاب الدين طغرل، وهو خادم روميّ زاهد متعبّد، حسن العدل والرأفة برعيته، لا نظير له في أيامه في جميع أقطار الأرض، حاشا الإمام المستنصر بالله أبي جعفر المنصور بن الظاهر ابن الناصر لدين الله، فإن كرمه وعدله ورأفته قد تجاوزت الحدّ فالله بكرمه يرحم رعيتهما بطول بقائمها، من المشرق إلى المغرب مسيرة خمسة أيام، ومن الجنوب إلى الشمال مثل ذلك، وفيها ثمانمائة ونيف وعشرون قرية ملك لأهلها ليس للسلطان فيها إلا مقاطعات يسيرة، ونحو مائتين ونيف قرية مشتركة بين الرعية والسلطان، وقفني الوزير الصاحب القاضي الأكرم جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني القفطي، أدام الله تعالى أيامه وختم بالصالحات أعماله، وهو يومئذ وزير صاحبها ومدبر دواوينها، على الجريدة بذلك وأسماء القرى وأسماء ملّاكها، وهي بعد ذلك تقوم برزق خمسة آلاف فارس مراخي الغلة موسع عليهم، قال لي الوزير الأكرم، أدام الله تعالى علوّه: لو لم يقع إسراف في خواصّ الأمراء وجماعة من أعيان المفاريد لقامت بأرزاق سبعة آلاف فارس لأن فيها من الطواشية المفاريد ما يزيد على ألف فارس يحصل للواحد منهم في العام من عشرة آلاف درهم إلى خمسة عشر ألف درهم، ويمكن أن يستخدم من فضلات خواصّ الأمراء ألف فارس، وفي أعمالها إحدى وعشرون قلعة، يقام بذخائرها وأرزاق مستحفظيها خارجا عن جميع ما ذكرناه، وهو جملة أخرى كثيرة، ثم يرتفع بعد ذلك كله من فضلات الإقطاعات الخاصة بالسلطان من سائر الجبايات إلى قلعتها عنبا وحبوبا ما يقارب في كل يوم عشرة آلاف درهم، وقد ارتفع إليها في العام الماضي، وهو سنة 625، من جهة واحدة، وهي دار الزكاة التي يجبى فيها العشور من الأفرنج والزكاة من المسلمين وحق البيع، سبعمائة ألف درهم، وهذا مع العدل الكامل والرفق الشامل بحيث لا يرى فيها متظلّم ولا متهضّم ولا مهتضم، وهذا من بركة العدل وحسن النية.
وأما فتحها فذكر البلاذري أن أبا عبيدة رحل إلى حلب وعلى مقدمته عياض بن غنم الفهري، وكان أبوه يسمّى عبد غنم، فلما أسلم عياض كره أن يقال له ابن عبد غنم فقال: أنا عياض بن غنم، فوجد أهلها قد تحصنوا، فنزل عليها فلم يلبثوا أن طلبوا الصلح والأمان على أنفسهم وأولادهم وسور مدينتهم وكنائسهم ومنازلهم والحصن الذي بها، فأعطوا ذلك واستثنى عليهم موضع المسجد، وكان الذي صالحهم عياض، فأنفذ أبو عبيدة صلحه، وقيل: بل صالحوا على حقن دمائهم وأن يقاسموا أنصاف منازلهم وكنائسهم، وقيل: إن أبا عبيدة لم يصادف بحلب أحدا لأن أهلها انتقلوا إلى أنطاكية وأنهم إنما صالحوا على مدينتهم بها ثم رجعوا إليها.
وأما قلعتها فبها يضرب المثل في الحسن والحصانة لأن مدينة حلب في وطاء من الأرض وفي وسط ذلك الوطإ جبل عال مدوّر صحيح التدوير مهندم بتراب صح به تدويره، والقلعة مبنيّة في رأسه، ولها خندق عظيم وصل بحفره إلى الماء، وفي وسط هذه القلعة مصانع تصل إلى الماء المعين، وفيها جامع وميدان وبساتين ودور كثيرة، وكان الملك الظاهر غازي بن
صلاح الدين يوسف بن أيوب قد اعتنى بها بهمّته العالية فعمّرها بعمارة عادية وحفر خندقها وبنى رصيفها بالحجارة المهندمة فجاءت عجبا للناظرين إليها، لكن المنية حالت بينه وبين تتمّتها، ولها في أيامنا هذه سبعة أبواب: باب الأربعين، وباب اليهود، وكان الملك الظاهر قد جدّد عمارته وسمّاه باب النصر، وباب الجنان، وباب أنطاكية، وباب قنّسرين، وباب العراق، وباب السرّ، وما زال فيها على قديم الزمان وحديثه أدباء وشعراء، ولأهلها عناية بإصلاح أنفسهم وتثمير الأموال، فقلّ ما ترى من نشئها من لم يتقيل أخلاق آبائه في مثل ذلك، فلذلك فيها بيوتات قديمة معروفة بالثّروة ويتوارثونها ويحافظون على حفظ قديمهم بخلاف سائر الــبلدان، وقد أكثر الشعراء من ذكرها ووصفها والحنين إليها، وأنا أقتنع من ذلك بقصيدة لأبي بكر محمد بن الحسن بن مرّار الصّنوبري وقد أجاد فيها ووصف متنزهاتها وقراها القريبة منها فقال:
احبسا العيس احبساها، ... وسلا الدار سلاها
واسألا أين ظباء ال ... دّار أم أين مهاها
أين قطّان محاهم ... ريب دهر ومحاها
صمّت الدار عن السا ... ئل، لا صمّ صداها
بليت بعدهم الدا ... ر، وأبلاني بلاها
آية شطّت نوى الإظ ... عان، لا شطّت نواها
من بدور من دجاها، ... وشموس من ضحاها
ليس ينهى النفس ناه ... ما أطاعت من عصاها
بأبي من عرسها وسخ ... طي، ومن عرسي رضاها
دمية إن جلّيت كا ... نت حلى الحسن حلاها
دمية ألقت إليها ... راية الحسن دماها
دمية تسقيك عينا ... ها، كما تسقي مداها
أعطيت لونا من الور ... د، وزيدت وجنتاها
حبّذا الباءات باءت، ... وقويق ورباها
بانقوساها بها با ... هي المباهي، حين باهى
وبباصفرا وبابل ... لا ربا مثلي وتاها
لا قلى صحراء نافر ... قلّ شوقي، لا قلاها [1]
لا سلا أجبال باسل ... لين قلبي، لا سلاها
وبباسلّين فليب ... غ ركابي من بغاها
وإلى باشقلّيشا ... ذو التناهي يتناهى [1] قوله: نافر، بسكون الراء، هكذا في الأصل.
وبعاذين، فواها ... لبعاذين، وواها
بين نهر وقناة ... قد تلته وتلاها
ومجاري برك، يجلو ... همومي مجتلاها
ورياض تلتقي آ ... مالنا في ملتقاها
زاد أعلاها علوّا ... جوشنا لمّا علاها
وازدهت برج أبي الحا ... رث حسنا وازدهاها
واطّبت مستشرف الحص ... ن، اشتياقا، واطّباها
وأرى المنية فازت ... كلّ نفس بمناها
إذ هواي العوجان السا ... لب النفس هواها
ومقيلي بركة التّل ... ل وسيبات رحاها
بركة تربتها الكا ... فوز، والدّرّ حصاها
كم غراني طربي حي ... تانها لما غراها
إذ تلى مطبّخ الحي ... تان منها مشتواها
بمروج اللهو ألقت ... عير لذّاتي عصاها
وبمغنى الكامليّ اس ... تكملت نفسي مناها
وغرت ذا الجوهريّ ال ... مزن غيثا، وغراها
كلأ الراموسة الحس ... ناء ربي، وكلاها
وجزى الجنّات بالسّع ... دى بنعمى، وجزاها
وفدى البستان من فا ... رس صبّ وفداها
وغرت ذا الجوهريّ ال ... مزن، محلولا عراها
واذكرا دار السّليما ... نيّة اليوم، اذكراها
حيث عجنا نحوها العي ... س تبارى في براها
وصفا العافية المو ... سومة الوصف صفاها
فهي في معنى اسمها حذ ... وبحذو، وكفاها
وصلا سطحي وأحوا ... ضي، خليليّ، صلاها
وردا ساحة صهري ... جي على سوق رداها
وامزجا الراح بماء ... منه، أو لا تمزجاها
حلب بدر دجّى، أن ... جمها الزّهر قراها
حبّذا جامعها الجا ... مع للنفس تقاها
موطن مرسي دور ألب ... رّ بمرساة حباها [1]
شهوات الطرف فيه، ... فوق ما كان اشتهاها
قبلة كرّمها الل ... هـ بنور، وحباها
ورآها ذهبا في ... لازورد من رآها
ومراقي منبر، أع ... ظم شيء مرتقاها
وذرى مئذنة، طا ... لت ذرى النجم ذراها
والنّواريّة ما لا ... ترياه لسواها
قصعة ما عدت الكع ... ب، ولا الكعب عداها
أبدا، يستقبل السّح ... ب بسحب من حشاها
فهي تسقي الغيث إن لم ... يسقها، أو إن سقاها
كنفتها قبّة يض ... حك عنها كنفاها
قبّة أبدع بانى ... ها بناء، إذ بناها
ضاهت الوشي نقوشا، ... فحكته وحكاها
لو رآها مبتني قب ... بة كسرى ما ابتناها
فبذا الجامع سرو ... يتباهى من تباهي
جنّبا السارية الخض ... راء منه، جنّباها
قبلة المستشرف الأع ... لى، إذا قابلتماها
حيث يأتي خلفه الآ ... داب منها من أتاها
من رجالات حبّى لم ... يحلل الجهل حباها
من رآهم من سفيه ... باع بالعلم السفاها
وعلى ذاك سرور ال ... نفس منّي وأساها
شجو نفسي باب قنّس ... رين، وهنا، وشجاها
حدث أبكي التي في ... هـ، ومثلي من بكاها
أنا أحمي حلبا دا ... را، وأحمي من حماها
أيّ حسن ما حوته ... حلب، أو ما حواها
سروها الداني، كما تد ... نو فتاة من فتاها
آسها الثاني القدود ال ... هيف، لمّا أن ثناها [1] هذا البيت مختل الوزن ولعل فيه تصحيفا.
نخلها زيتونها، أو ... لا فأرطاها عصاها
قبجها درّاجها، أو ... فحباراها قطاها
ضحكت دبسيّتاها، ... وبكت قمريّتاها
بين أفنان، تناجي ... طائريها طائراها
تدرجاها حبرجاها ... صلصلاها بلبلاها
ربّ ملقي الرّحل منها، ... حيث تلقى بيعتاها
طيّرت عنه الكرى طا ... ئرة، طار كراها
ودّ، إذ فاه بشجو، ... أنه قبّل فاها
صبّة تندب صبّا، ... قد شجته وشجاها
زيّنت، حتى انتهت ... في زينة في منتهاها
فهي مرجان شواها، ... لازورد دفّتاها
وهي تبر منتهاها، ... فضّة قرطمتاها
قلّدت بالجزع، لمّا ... قلّدت، سالفتاها
حلب أكرم مأوى، ... وكريم من أواها
بسط الغيث عليها ... بسط نور، ما طواها
وكساها حللا، أب ... دع فيها إذ كساها
حللا لحمتها السّو ... سن، والورد سداها
إجن خيرياتها بال ... لحظ، لا تحرم جناها
وعيون النرجس المن ... هلّ، كالدمع نداها
وخدودا من شقيق، ... كاللظى الحمر لظاها
وثنايا أقحوانا ... ت، سنا الدّرّ سناها
ضاع آذريونها، إذ ... ضاء، من تبر، ثراها
وطلى الطّلّ خزاما ... ها بمسك، إذ طلاها
وانتشى النّيلوفر الشّو ... ق قلوبا، واقتضاها
بحواش قد حشاها ... كلّ طيب، إذ حشاها
وبأوساط على حذ ... والزنابير حذاها
فاخري، يا حلب، المد ... ن يزد جاهك جاها
إنه إن لم تك المد ... ن رخاخا، كنت شاها
وقال كشاجم:
أرتك ندى الغيث آثارها، ... وأخرجت الأرض أزهارها
وما أمتعت جارها بلدة ... كما أمتعت حلب جارها
هي الخلد يجمع ما تشتهي، ... فزرها، فطوبى لمن زارها!
وكفر حلب: من قرى حلب. وحلب الساجور:
في نواحي حلب، ذكرها في نواحي الفتوح، قال:
وأتى أبو عبيدة بن الجرّاح، رضي الله عنه، حلب الساجور بعد فتح حلب وقدم عياض بن غنم إلى منبج.
وحلب أيضا: محلّة كبيرة في شارع القاهرة بينها وبين الفسطاط، رأيتها غير مرّة.

أَنْطاكِيَة

Entries on أَنْطاكِيَة in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
أَنْطاكِيَة:
بالفتح ثم السكون، والياء مخففة، وليس في قول زهير:
علون بأنطاكيّة، فوق عقمة ... وراد الحواشي، لونها لون عندم
وقول امرئ القيس:
علون بأنطاكيّة، فوق عقمة، ... كجرمة نخل أو كجنّة يثرب
دليل على تشديد الياء لأنها للنسبة وكانت العرب إذا أعجبها شيء نسبته إلى أنطاكية، قال الهيثم بن عدي:
أول من بنى أنطاكية انطيخس وهو الملك الثالث بعد الإسكندر، وذكر يحيى بن جرير المتطبب التكريتي:
أن أول من بنى أنطاكية انطيغونيا في السنة السادسة من موت الإسكندر ولم يتمها فأتمها بعده سلوقوس، وهو الذي بنى اللاذقية وحلب والرّها وأفامية، وقال في موضع آخر من كتابه: بنى الملك أنطيغونيا على نهر أورنطس مدينة وسماها أنطيوخيا وهي التي كمّل سلوقوس بناءها وزخرفها وسماها على اسم ولده انطيوخوس وهي أنطاكية، وقال بطليموس:
مدينة أنطاكية طولها تسع وستون درجة وعرضها خمس وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة تحت اثنتي عشرة درجة من السرطان وثلاثين دقيقة، يقابلها مثلها من الجدي، بيت ملكها مثلها من الحمل، بيت عاقبتها مثلها من الميزان، لها درجتان ونصف من الحوت، تحكم فيه كفّ الخضيب وهي في الإقليم الرابع، وقيل: إن أول من بناها وسكنها أنطاكية بنت الروم بن اليقن (اليفز) بن سام بن نوح، عليه السلام، أخت أنطالية، باللام، ولم تزل أنطاكية قصبة العواصم من الثغور الشامية، وهي من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير.
وقال ابن بطلان في رسالة كتبها إلى بغداد إلى أبي الحسن هلال بن المحسن الصابي في سنة نيف وأربعين وأربعمائة، قال فيها: وخرجنا من حلب طالبين أنطاكية، وبينهما يوم وليلة، فوجدنا المسافة التي بين حلب وأنطاكية عامرة لا خراب فيها أصلا، ولكنها أرض تزرع الحنطة والشعير تحت شجر الزيتون، قراها متصلة ورياضها مزهرة ومياهها منفجرة، يقطعها المسافر في بال رخيّ وأمن وسكون. وأنطاكية: بلد عظيم ذو سور وفصيل، ولسوره ثلاثمائة وستون برجا يطوف عليها بالنوبة أربعة آلاف حارس ينفذون من القسطنطينية من حضرة الملك يضمنون حراسة الــبلد سنة، ويستبدل بهم في السنة الثانية، وشكل الــبلد كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل، والسور يصعد مع الجبل إلى قلّته فتتم دائرة، وفي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين لبعدها من الــبلد صغيرة، وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية، وللسور المحيط بها دون الجبل خمسة أبواب، وفي وسطها بيعة القسيان، وكانت دار قسيان الملك الذي أحيا ولده فطرس رئيس الحواريين، وهو هيكل طوله مائة خطوة وعرضه ثمانون، وعليه كنيسة على أساطين، وكان يدور الهيكل أروقة يجلس عليها القضاة للحكومة ومتعلمو النحو اللّغة، وعلى أحد أبواب هذه الكنيسة فنجان للساعات يعمل ليلا ونهارا دائما اثنتي عشرة ساعة وهو من عجائب الدنيا، وفي أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمّامات وبساتين ومناظر حسنة تخرّ منها المياه، وعلّة ذلك أن الماء ينزل عليها من الجبل المطلّ على المدينة، وهناك من الكنائس ما لا يحدّ كلها معمولة بالذهب والفضة والزجاج الملوّن والبلاط المجزّع، وفي الــبلد بيمارستان يراعي البطريك المرضى فيه بنفسه ويدخل المجذّمين الحمام في كل سنة فيغسل شعورهم بيده، ومثل ذلك يفعل الملك بالضعفاء كل سنة ويعينه على خدمتهم الأجلّاء من الرؤساء والبطارقة التماس التواضع، وفي المدينة من الحمامات ما لا يوجد مثله في مدينة أخرى لذاذة وطيبة لأن وقودها الآس ومياهها تسعى سيحا بلا كلفة، وفي بيعة القسيان من الخدم المسترزقة ما لا يحصى، ولها ديوان لدخل الكنيسة وخرجها، وفي الديوان بضعة عشر كاتبا، ومنذ سنة وكسر وقعت في الكنيسة صاعقة وكانت حالها أعجوبة وذلك أنه تكاثرت الأمطار في آخر سنة 1362 للإسكندر الواقع في سنة 442 للهجرة، وتواصلت أكثر أيام نيسان، وحدث في الليلة التي صبيحتها يوم السبت الثالث عشر من نيسان رعد وبرق أكثر مما ألف وعهد، وسمع في جملته أصوات رعد كثيرة مهولة أزعجت النفوس، ووقعت في الحال صاعقة على صدفة مخبأة في المذبح الذي للقسيان ففلقت من وجه النّسرانية قطعة تشاكل ما قد نحت بالفأس والحديد الذي تنحت به الحجارة، وسقط صليب حديد كان منصوبا على علوّ هذه الصدفة وبقي في المكان الذي سقط فيه وانقطع من الصدفة أيضا قطعة يسيرة، ونزلت الصاعقة من منفذ في الصدفة وتنزل فيه إلى المذبح سلسلة فضة غليظة يعلّق فيها الثّميوطون، وسعة هذا المنفذ إصبعان، فتقطعت السلسلة قطعا كثيرة وانسبك بعضها ووجد ما انسبك منها ملقى على وجه الأرض، وسقط تاج فضة كان معلقا بين يدي مائدة المذبح، وكان من وراء المائدة في غربيّها ثلاثة كراس خشبية مربّعة مرتفعة ينصب عليها ثلاثة صلبان كبار فضة مذهبة مرصّعة، وقلع قبل تلك الليلة الصليبان الطّرفيّان ورفعا إلى خزانة الكنيسة وترك الوسطاني على حاله فانكسر الكرسيان الطرفيان وتشظّيا وتطايرت الشظايا إلى داخل المذبح وخارجه من غير أن يظهر فيها أثر حريق كما ظهر في السلسلة، ولم ينل الكرسي الوسطاني ولا الصليب الذي عليه شيء، وكان على كل واحد من الأعمدة الأربعة الرخام التي تحمل القبة الفضة التي تغطي مائدة المذبح ثوب ديباج ملفوف على كل عمود فتقطّع كل واحد منها قطعا كبارا وصغارا، وكانت هذه القطع بمنزلة ما قد عفن وتهرّأ، ولا يشبه ما قد لا مسته نار ولا ما احترق، ولم يلحق المائدة ولا شيئا من هذه الملابس التي عليها ضرر ولا بان فيها أثر، وانقطع بعض الرخام الذي بين يدي مائدة المذبح مع ما تحته من الكلس والنّورة كقطع الفأس، ومن جملته لوح رخام كبير طفر من موضعه فتكسر إلى علوّ تربيع القبة الفضة التي تغطي المائدة وبقيت هناك على حالها، وتطافرت بقية الرخام إلى ما قرب من المواضع وبعد، وكان في المجنّبة التي للمذبح بكرة خشب فيها حبل قنّب مجاور للسلسلة الفضة التي تقطعت وانسبك بعضها معلّق فيها طبق فضة كبير عليه فراخ قناديل زجاج بقي على حاله ولم ينطفئ شيء من قناديله ولا غيرها ولا شمعة كانت قريبة من الكرسيين الخشب ولا زال منها شيء وكان جملة هذا الحادث مما يعجب منه، وشاهد غير واحد في داخل أنطاكية وخارجها في ليلة الاثنين الخامس من شهر آب من السنة المقدم ذكرها في السماء شبه كوّة ينور منها نور ساطع لامع ثم انطفأ وأصبح الناس يتحدّثون بذلك، وتوالت الأخبار بعد ذلك بأنه كان في أول نهار يوم الاثنين في مدينة عنجرة، وهي داخل بلاد الروم على تسعة عشر يوما من أنطاكية، زلزلة مهولة تتابعت في ذلك اليوم وسقط منها أبنية كثيرة وخسف موضع في ظاهرها، وكان هناك كنيسة كبيرة وحصن لطيف غابا حتى لم يبق لهما أثر، ونبع من ذلك الخسف ماء حارّ شديد الحرارة كثير المنبع المتدفّق، وغرق منه سبعون ضيعة، وتهارب خلق كثير من تلك الضياع إلى رؤوس الجبال والمواضع المرتفعة فسلموا وبقي ذلك الماء على وجه الأرض سبعة أيام، وانبسط حول هذه المدينة مسافة يومين ثم نضب وصار موضعه وحلا، وحضر جماعة ممن شاهد هذه الحال فحدّثوا بها أهل أنطاكية على ما سطرته، وحكوا أن الناس كانوا يصعدون أمتعتهم إلى رأس الجبل فيضطرب من عظم الزلزلة فيتدحرج المتاع إلى الأرض، وفي ظاهر الــبلد نهر يعرف بالمقلوب يأخذ من الجنوب إلى الشمال وهو مثل نهر عيسى وعليه رحى ويسقي البساتين والأراضي، آخر ما كتبناه من كتاب ابن بطلان، وبين أنطاكية والبحر نحو فرسخين ولها مرسى في بليد يقال له السّويديّة ترسو فيه مراكب الأفرنج يرفعون منه أمتعتهم على الدواب إلى أنطاكية، وكان الرشيد العباسي قد دخل أنطاكية في بعض غزواته فاستطابها جدا وعزم على المقام بها، فقال له شيخ من أهلها:
ليست هذه من بلدانك يا أمير المؤمنين، قال:
وكيف؟ قال: لأن الطيب الفاخر فيها يتغيّر حتى لا ينتفع به والسلاح يصدأ فيها ولو كان من قلعيّ الهند، فصدقه في ذلك فتركها ودفع عنها. وأما فتحها فإن أبا عبيدة بن الجراح سار إليها من حلب وقد تحصن بها خلق كثير من أهل جند قنّسرين فلما صار بمهروية على فرسخين من مدينة أنطاكية لقيه جمع من العدوّ ففضّهم وألجأهم إلى المدينة وحاصر أهلها من جميع نواحيها، وكان معظم الجيش على باب فارس والباب الذي يدعى باب البحر، ثم إنهم صالحوه على الجزية أو الجلاء فجلا بعضهم وأقام بعض منهم فأمنهم ووضع على كل حالم دينارا وجريبا، ثم نقضوا العهد فوجه إليهم أبو عبيدة عياض بن غنم وحبيب بن مسلمة ففتحاها على الصلح الأول، ويقال: بل نقضوا بعد رجوع أبي عبيدة إلى فلسطين فوجّه عمرو بن العاص من إيلياء ففتحها ورجع ومكث يسيرا حتى طلب أهل إيلياء الأمان والصلح، ثم انتقل إليها قوم من أهل حمص وبعلبك مرابطة، منهم: مسلم بن عبد الله جدّ عبد الله بن حبيب بن النعمان بن مسلم الأنطاكي، وكان مسلم قتل على باب من أبوابها فهو يعرف بباب مسلم إلى الآن، وذلك أن الروم خرجت من البحر فأناخت على أنطاكية وكان مسلم على السور فرماه علج بحجر فقتله، ثم إن الوليد بن عبد الملك بن مروان أقطع جند أنطاكية أرض سلوقية عند الساحل وصيّر إليهم الفلثر بدينار ومدّي قمح فعمّروها، وجرى ذلك لهم وبنى حصن سلوقية، والفلثر: مقدار من الأرض معلوم كما يقول غيرهم الفدّان والجريب، ثم لم تزل بعد ذلك أنطاكية في أيدي المسلمين وثغرا من ثغورهم إلى أن ملكها الروم في سنة 353 بعد أن ملكوا الثغور المصّيصة وطرسوس واذنة واستمرت في أيديهم إلى أن استنقذها منهم سليمان بن قتلمش السّلجوقي جدّ ملوك آل سلجوق اليوم في سنة 477، وسار شرف الدولة مسلم بن قريش من حلب إلى سليمان ليدفعه عنها فقتله سليمان سنة 478، وكتب سليمان إلى السلطان جلال الدولة ملك شاه بن ألب أرسلان يخبّره بفتحها فسرّ به وأمر بضرب البشائر، فقال الأبيوردي يخاطب ملك شاه:
لمعت، كناصية الحصان الأشقر، ... نار بمعتلج الكثيب الأحمر
وفتحت أنطاكيّة الروم، التي ... نشزت معاقلها على الإسكندر
وطئت مناكبها جيادك، فانثنت ... تلقي أجثّتها بنات الأصفر
فاستقام أمرها وبقيت في أيدي المسلمين إلى أن ملكتها الأفرنج من واليها بغيسغان التّركي بحيلة تمّت عليه وخرج منها فندم ومات من الغبن قبل أن يصل إلى حلب، وذلك في سنة 491، وهي في أيديهم إلى الآن، وبأنطاكية قبر حبيب النّجّار يقصد من المواضع البعيدة وقبره يزار، ويقال إنه نزلت فيه: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال يا قوم اتبعوا المرسلين، وقد نسب إليها جماعة كثيرة من أهل العلم وغيرهم، منهم:
عمر بن عليّ بن الحسن بن محمد بن إبراهيم بن عبيد ابن زهير بن مطيع بن جرير بن عطية بن جابر بن عوف ابن ذبيان بن مرثد بن عمرو بن عمير بن عمران ابن عتيك بن الأزد أبو حفص العتكي الأنطاكي الخطيب صاحب كتاب المقبول، سمع أبا بكر الخرائطي والحسن بن عليّ بن روح الكفرطابي ومحمد ابن حريم وأبا الحسن بن جوصا، سمع منهم ومن غيرهم بدمشق، وقدم مرّة أخرى في سنة 359 مستنفرا، فحدّث بها وبحمص عن جماعة كثيرة، روى عنه عبد الوهاب الميداني ومسدّد بن علي الأملوكي وغيرهما، وكتب عنه أبو الحسين الرازي وعثمان بن عبد الله بن محمد بن خرداذ الأنطاكي أبو عمرو محدّث مشهور له رحلة، سمع بدمشق محمد بن عائذ وأبا نصر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي وإبراهيم بن هشام بن يحيى ودحيما وهشام بن عمّار وسعيد بن كثير بن عفير وأبا الوليد الطيالسي وشيبان بن فرّوخ وأبا بكر وعثمان ابني أبي شيبة وعفّان بن مسلم وعلي بن الجعد وجماعة سواهم، روى عنه أبو حاتم الرازي وهو أكبر منه وأبو الحسن بن جوصا وأبو عوانة الأسفراييني وخيثمة بن سليمان وغيرهم، وكان من الحفاظ المشهورين، وقال أبو عبد الله الحاكم عثمان بن خرداذ: ثقة مأمون، وذكر دحيم أنه مات بأنطاكية في المحرم سنة 282، وإبراهيم بن عبد الرّزّاق أبو يحيى الأزدي، ويقال العجلي الأنطاكي الفقيه المقري، قرأ القرآن بدمشق على هارون بن موسى بن شريك الأخفش، وقرأ على عثمان بن خرداذ ومحمد بن عبد الرحمن بن خالد المكي المعروف بقنبل وغيرهما، وصنف كتابا يشتمل على القراءات الثماني، وحدّث عن آخرين، روى عنه أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المطّلب الشيباني وأبو الحسين بن جميع وغيرهما، ومات بأنطاكية سنة 338، وقيل: في شعبان سنة تسع.

العرض

Entries on العرض in 4 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, and 1 more
العرض: بالتحريك، الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضع أي محل يقوم به كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم هو به.
العرض: بالسكون: خلاف الطول، وأصله أن يقال في الأجسام، ثم استعمل في غيرها. والعارض: البادي عرضه، فتارة يختص بالسحاب نحو {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} ، وتارة بما يعرض من السقم فيقال: به عارض من سقم، وتارة بالسن، ومنه قيل للثنايا التي تظهر عند الضحك: العوارض. وفلان شديد العارضة كناية عن جودة بيانه. وعرضت الكتاب عرضا: قرأته عن ظهر قلب. وعرضت المتاع للبيع: أظهرته لذوي الرغبة ليشتروه. وعرض له في الطريق العارض أي مانع يمنع من المضي، واعترض له بمعناه، ومنه اعتراضات الفقهاء لأنها تمنع من التمسك بالدليل. وتعارض البينات لأن كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها، ذكره كله الراغب. وقال الحرالي: العرض بالسكون: إظهار الشيء بحيث يرى للتوقيف على حاله.
العرض:
[في الانكليزية] Accident
[ في الفرنسية] Accident
بفتحتين عند المتكلّمين والحكماء وغيرهم هو ما يقابل الجوهر كما عرفت. ويطلق أيضا على الكلّي المحمول على الشيء الخارج عنه ويسمّى عرضيا أيضا، ويقابله الذاتي وقد سبق، فإن كان لحوقه للشيء لذاته أو لجزئه الأعمّ أو المساوي أو للخارج المساوي يسمّى عرضا ذاتيا. وإن كان لحوقه له بواسطة أمر خارج أخصّ أو أعمّ مطلقا أو من وجه أو بواسطة أمر مباين يسمّى عرضا غريبا. وقيل العرض الذاتي هو ما يلحق الشيء لذاته أو لما يساويه سواء كان جزءا لها أو خارجا عنها. وقيل هذا هو العرض الأولى وقد سبق ذلك في المقدمة في بيان الموضوع. وأيضا هو أي العرض بالمعنى الثاني إمّا أن يختصّ بطبيعة واحدة أي حقيقة واحدة وهو الخاصة المطلقة وإمّا أن لا يختص بها وهو العرض العام كالماشي للإنسان. وعرف العرض العام بأنّه المقول على ما تحت أكثر من طبيعة واحدة. فبقيد الأكثر خرج الخاصة، والكلّيات الثلاثة الباقية من الكلّيات الخمس غير داخلة في المقول لكون المعرّف من أقسام العرضي وتلك من أقسام الذاتي. وأيضا العرض بهذا المعنى إمّا لازم أو غير لازم، واللازم ما يمتنع انفكاكه عن الماهية كالضّحك بالقوة للإنسان، وغير اللازم ما لا يمتنع انفكاكه عن الماهية بل يمكن سواء كان دائم الثبوت أو مفارقا بالفعل ويسمّى عرضا مفارقا كالضحك بالفعل للإنسان. قيل غير اللازم لا يكون دائم الثبوت لأنّ الدوام لا ينفك عن الضرورة التي هي اللزوم، فلا يصحّ تقسيمه إليه وإلى المفارق بالفعل كما ذكرتم. وأجيب بأنّ ذلك التقسيم إنّما هو بالنظر إلى المفهوم، فإنّ العقل إذا لاحظ دوام الثبوت جوّز انفكاكه عن امتناع الانفكاك مطلقا بدون العكس. ثم العرض المفارق إمّا أن لا يزول بل يدوم بدوام الموضوع أو يزول. والأوّل المفارق بالقوّة ككون الشخص أمّيا بالنسبة إلى الشخص الذي مات على الأمية والثاني المفارق بالفعل وهو إمّا سهل الزوال كالقيام أو غيره كالعشق وأيضا إمّا سريع الزوال كحمرة الخجل أو بطيئ الزوال كالشباب والكهولة. وذكر لفظ العرض مع المفارق وتركه مع اللازم بناء على الاصطلاح، ولا مناقشة فيه، صرّح به في بديع الميزان. ثم كلّ من الخاصة والعرض العام إمّا شامل لجميع أفراد المعروض وهو إمّا لازم أو مفارق وإمّا غير شامل وقد سبق في لفظ الخاصة.
فائدة:
هذا العرض ليس العرض القسيم للجوهر كما زعم البعض لأنّ هذا قد يكون محمولا على الجوهر مواطأة كالماشي المحمول على الإنسان مواطاة. وقد يكون جوهرا كالحيوان فإنّه عرض عام للناطق مع أنّه جوهر بخلاف العرض القسيم للجوهر أي المقابل له فإنّه يمتنع أن يكون محمولا على الجوهر بالمواطأة، إذ لا يقال الإنسان بياض بل ذو بياض، ويمتنع أن يكون جوهرا لكونه مقابلا له. هذا كله خلاصة ما في كتب المنطق. وللعرض معان أخر قد سبقت في لفظ الذاتي.
تقسيم
العرض المقابل للجوهر.
فقال المتكلمون العرض إمّا أن يختصّ بالحيّ وهو الحياة وما يتبعها من الإدراكات بالحوس وبغيرها كالعلم والقدرة ونحوهما وحصرها في العشرة وهي الحياة والقدرة والاعتقاد والظّنّ وكلام النفس والإرادة والكراهة والشّهوة والنّفرة والألم، كما حصرها صاحب الصحائف باطل لخروج التعجّب والضّحك والفرح والغمّ ونحو ذلك، وإمّا أن لا يختصّ به وهو الأكوان والمحسوسات بإحدى الحواس الظاهرة الخمس. وقيل الأكوان محسوسة بالبصر بالضرورة، ومن أنكر الأكوان فقد كابر حسّه ومقتضى عقله. ولا يخفى أنّ منشأ هذا القول عدم الفرق بين المحسوس بالذات والمحسوس بالواسطة فإنّا لا نشاهد إلّا المتحرك والساكن والمجتمعين والمفترقين، وأمّا وصف الحركة والسكون والاجتماع والافتراق فلا. ولذا اختلف في كون الأكوان وجودية، ولو كانت محسوسة لما وقع الخلاف.
اعلم أنّ أنواع كل واحد من هذه الأقسام متناهية بحسب الوجود بدليل برهان التطبيق وهل يمكن أن يوجد من العرض أنواع غير متناهية بأن يكون في الإمكان وجود أعراض نوعية مغايرة للأعراض المعهودة إلى غير النهاية وإن لم يخرج منها إلى الوجود إلّا ما هو متناه، أو لا يمكن ذلك؟ فمنعه أكثر المعتزلة وكثير من الأشاعرة، وجوّزه الجبّائي وأتباعه والقاضي منّا، والحقّ عند المحقّقين هو التوقّف. وقال الحكماء أقسامه تسعة الكم والكيف والأين والوضع والملك والإضافة ومتى والفعل والانفعال، وتسمّى هذه مقولات تسعا، وادّعوا الحصر فيها. قيل الوحدة والنقطة خارجة عنها فبطل الحصر. فقالوا لا نسلّم أنّهما عرضان إذ لا وجود لهما في الخارج وإن سلّمنا ذلك فنحن لا نحصر الأعراض بأسرها في التسع بل حصرنا المقولات فيها وهي الأجناس العالية، على معنى أن كلما هو جنس عال للأعراض فهو إحدى هذه التسع. اعلم أنّ حصر المقولات في العشر أي الجوهر والأعراض التسع من المشهورات فيما بينهم وهم معترفون بأنّه لا سبيل لهم إليه سوى الاستقراء المفيد للظّنّ.

ولذا خالف بعضهم فجعل المقولات أربعا:
الجوهر والكم والكيف والنّسبة الشاملة للسّبعة الباقية. والشيخ المقتول جعلها خمسة فعدّ الحركة مقولة برأسها، وقال العرض إن لم يكن قارّا فهو الحركة، وإن كان قارا فإمّا أن لا يعقل إلّا مع الغير فهو النسبة والإضافة أو يعقل بدون الغير، وحينئذ إمّا يكون يقتضي لذاته القسمة فهو الكم وإلّا فهو الكيف. وقد صرّحوا بأنّ المقولات أجناس عالية للموجودات، وأنّ المفهومات الاعتبارية من الأمور العامّة وغيرها سواء كانت ثابتة أو عدمية كالوجود والشيئية والإمكان والعمي والجهل ليست مندرجة فيها، وكذلك مفهومات المشتقات كالأبيض والأسود خارجة عنها لأنّها أجناس الماهيات لها وحدة نوعية كالسواد والبياض، وكون الشيء ذا بياض لا يتحصّل به ماهية نوعية. قالوا وأمّا الحركة فالحقّ أنّها من مقولة الفعل. وذهب بعضهم إلى أنّ مقولتي الفعل والانفعال اعتباريتان فلا تندرج الحركة فيهما.
فائدة:
العرض لم ينكر وجوده إلّا ابن كيسان فإنّه قال: العالم كلّه جواهر والقائلون بوجوده اتفقوا على أنّه لا يقوم بنفسه إلّا شرذمة قليلة لا يعبأ بهم كأبي الهذيل فإنّه جوّز إرادة عرضية تحدث لا في محلّ، وجعل البارئ مريدا بتلك الإرادة.
فائدة:
العرض لا ينتقل من محل إلى محل باتفاق العقلاء. أما عند المتكلمين فلأن الانتقال لا يتصور إلا في المتحيّز والعرض ليس بمتحيّز.
وأمّا عند الحكماء فلأنّ تشخّصه ليس لذاته وإلّا انحصر نوعه في شخصه ولا لما يحلّ فيه وإلّا دار لأنّ حلوله في العرض متوقّف على تشخّصه، ولا لمنفصل لا يكون حالا فيه ولا محلّا له لأنّ نسبته إلى الكلّ سواء. فكونه علّة لتشخّص هذا الفرد دون غيره ترجيح بلا مرجّح، فتشخّصه لمحلّه فالحاصل في المحل الثاني هوية أخرى والانتقال لا يتصور إلا مع بقاء الهوية.
فائدة: لا يجوز قيام العرض بالعرض عند أكثر العقلاء خلافا للفلاسفة. وجه عدم الجواز أنّ قيام الصّفة بالموصوف معناه أن يكون تحيّز الصفة تبعا لتحيّز الموصوف، وهذا لا يتصوّر إلّا في المتحيّز، والعرض ليس بمتحيّز.
فائدة:
ذهب الأشعري ومتّبعوه من محقّقي الأشاعرة إلى أنّ العرض لا يبقى زمانين، ويعبّر عن هذا بتجدّد الأمثال كما في شرح المثنوي. فالأعراض جملتها غير باقية عندهم بل هي على التقضي والتجدّد فينقضي واحد منها ويتجدّد آخر مثله وتخصيص كلّ من الآحاد المنقضية المتجدّدة بوقته الذي وجد فيه إنّما هو للقادر المختار. وإنّما ذهبوا إلى ذلك لأنّهم قالوا بأنّ السبب المحوج إلى المؤثر هو الحدوث، فلزمهم استغناء العالم حال بقائه عن الصّانع بحيث لو جاز عليه العدم تعالى عن ذلك لما ضرّ عدمه في وجوده، فدفعوا ذلك بأنّ شرط بقاء الجوهر هو العرض؛ ولمّا كان هو متجدّدا محتاجا إلى المؤثر دائما كان الجوهر أيضا حال بقائه محتاجا إلى ذلك المؤثر بواسطة احتياج شرطه إليه، فلا استغناء أصلا وذلك لأنّ الأعراض لو بقيت في الزمان الثاني من وجودها امتنع زوالها في الزمان الثالث وما بعده، واللازم وهو امتناع الزوال باطل بالإجماع وشهادة الحسّ، فيكون الملزوم الذي هو بقاء الأعراض باطلا أيضا والتوضيح في شرح المواقف. ووافقهم النّظّام والكعبي من قدماء المعتزلة. وقال النّظّام والصوفية الأجسام أيضا غير باقية كالأعراض. وقالت الفلاسفة وجمهور المعتزلة ببقاء الأعراض سوى الأزمنة والحركات والأصوات. وذهب أبو علي الجبّائي وابنه وأبو الهذيل إلى بقاء الألوان والطّعوم والروائح دون العلوم والإرادات والأصوات وأنواع الكلام. وللمعتزلة في بقاء الحركة والسكون خلاف.
فائدة:
العرض الواحد بالشخص لا يقوم بمحلّين بالضرورة، ولذلك نجزم بأنّ السواد القائم بهذا المحلّ غير السواد القائم بالمحلّ الآخر ولم يوجد له مخالف؛ إلّا أنّ قدماء الفلاسفة القائلين بوجود الإضافات جوّزوا قيام نحو الجوار والقرب والأخوّة وغيره من الإضافات المتشابهة بالطرفين، والحقّ أنّهما مثلان، فقرب هذا من ذلك مخالف بالشخص لقرب ذلك من هذا وإن شاركه في الحقيقة النوعية، ويوضّحه المتخالفان من الإضافات كالأبوّة والبنوّة إذ لا يشتبه على ذي مسكة أنّهما متغايران بالشخص بل بالنوع أيضا. وقال أبو هاشم التأليف عرض وأنّه يقوم بجوهرين لا أكثر. اعلم أنّ العرض الواحد بالشخص يجوز قيامه بمحلّ منقسم بحيث ينقسم ذلك العرض بانقسامه حتى يوجد كلّ جزء منه في جزء من محلّه فهذا مما لا نزاع فيه، وقيامه بمحلّ منقسم على وجه لا ينقسم بانقسام محلّ مختلف فيه. وأمّا قيامه بمحلّ مع قيامه بعينه بمحل آخر فهو باطل. وما نقل من أبي هاشم في التأليف أنّ حمل على القسم الأول فلا منازعة معه إلّا في انقسام التأليف وكونه وجوديا، وإن حمل على القسم الثاني فبعد تسليم جوازه يبقى المناقشة في وجودية التأليف. والمشهور أنّ مراده القسم الثالث الذي بطلانه بديهي. وتوضيح جميع ذلك يطلب من شرح المواقف.
العرض:
[في الانكليزية] Goods ،extent ،wideness ،offer Iatitude
[ في الفرنسية] Marchandise ،ampleur ،largeur ،offre ،latitude
بالفتح وسكون الراء في اللغة المتاع وهو الذي لا يدخله كيل ولا وزن ولا يكون حيوانا ولا عقارا كذا في الصحاح. وفي جامع الرموز وباع الأب عرض ابنه بسكون الراء وفتحها أي ما عدا النقدين والمأكول والملبوس من المنقولات وهو في الأصل غير النقدين من المال كما في المغرب والمقاييس وغيرهما انتهى. والمراد به في باب النفقة المنقول كذا في الشمني. والعروض الجمع وقد وردت كلمة العرض لمعاني أخرى: مثل السّعة والمنبسط ووجه الجبل، وللجراد الكثير، وللجبل ولطرف الجبل، وغير ذلك، كما هو مذكور في المنتخب. وعرض الإنسان هو البعد الآخذ من يمين الإنسان إلى يساره. وعرض الحيوان أيضا كذلك كما في شرح المواقف في مبحث الكم. لكن في شرح الطوالع البعد الآخذ من رأس الحيوان إلى ذنبه عرض الحيوان. والعرض عند أهل العربية هو طلب الفعل بلين وتأدّب نحو ألا تنزل بنا فتصيب خيرا كذا في مغني اللبيب في بحث ألا. والمراد أنّه كلام دالّ على طلب الفعل الخ لأنّه قسم من الإنشاء على قياس ما عرفت في الترجّي. وعند المحدّثين هو قراءة الحديث على الشيخ. وإنّما سمّيت القراءة عرضا لعرضه على الشيخ سواء قرأ هو أو غيره وهو يسمع. واختلف في نسبتها إلى السّماع فالمنقول عن مالك وأكثر أصحاب الحديث المساواة، وعن أبي حنيفة وأصحابه ترجيح القراءة، وعن الجمهور ترجيح السّماع كذا في خلاصة الخلاصة. وفي شرح النخبة وشرحه يطلق العرض عندهم أيضا على قسم من المناولة وهو أن يحضر الطالب كتاب الشيخ، أمّا أصله أو فرعه المقابل به فيعرضه على الشيخ فهذا القسم يسمّيه غير واحد من أئمة الحديث عرضا. وقال النووي هذا عرض المناولة وأمّا ما تقدّم فيسمّى عرض القراءة ليتميّز أحدهما عن الآخر انتهى. وعند الحكماء يطلق على معان أحدها السطح وهو ماله امتدادان، وبهذا المعنى قيل إنّ كلّ سطح فهو في نفسه عريض. وثانيها الامتداد المفروض ثانيا المقاطع للامتداد المفروض أولا على قوائم وهو ثاني الأبعاد الثلاثة الجسمية. وثالثها الامتداد الأقصر كذا في شرح المواقف في مبحث الكم. وعند أهل الهيئة يطلق على أشياء منها عرض الــبلد وهو بعد سمت رأس أهله أي سكّانه عن معدّل النهار من جانب لا أقرب منه وهو إنّما يتصوّر في الآفاق المائلة لا في أفق خطّ الإستواء، إذ في المواضع الكائنة على خط الاستواء يمرّ المعدّل بسمت رءوس أهله. وأمّا المواضع التي على أحد جانبي خط الإستواء شمالا أو جنوبا فلسمت رءوس أهلها بعد عن المعدّل، أمّا في جانب الشمال ويسمّى عرضا شماليا أو في جانب الجنوب ويسمّى عرضا جنوبيا. وإنّما يتحقّق هذا البعد بدائرة تمرّ بسمت الرأس وقطبي المعدّل وهي دائرة نصف النهار. ولذا قيل عرض الــبلد قوس من دائرة نصف النهار فيما بين معدّل النهار وسمت الرأس أي من جانب لا أقرب منه، وهي مساوية لقوس من دائرة نصف النهار فيما بين المعدّل وسمت القدم من جانب لا أقرب منه بناء على أنّ نصف النهار قد تنصّف بقطبي الأفق وبمعدّل النهار.
وأيضا هي مساوية لارتفاع قطب المعدّل وانحطاطه فإنّ البعد بين قطب دائرة ومحيط الأخرى كالبعد بين محيط الأولى وقطب الأخرى. ولهذا أطلق على كلّ واحدة منهما أنّها عرض الــبلد. فعرض الــبلد كما يفسّر بما سبق كذلك يفسّر بقوس منها فيما بين المعدّل وسمت القدم من جانب لا أقرب منه، وبقوس منها بين الأفق وقطب المعدّل من جانب لا أقرب منه. والقوس التي بين القطبين أو المنطقتين تسمّى تمام عرض الــبلد. ومنها عرض إقليم الرؤية ويسمّى بالعرض المحكّم أيضا كما في شرح التذكرة وهو بعد سمت الرأس عن منطقة البروج من جانب لا أقرب منه فهو قوس من دائرة عرض إقليم الرؤية بين قطب الأفق والمنطقة، أو بين الأفق وقطب المنطقة من جانب لا أقرب منه، ودائرة عرض إقليم الرؤية هي دائرة السّمت. ومنها عرض الأفق الحادث وهو قوس من دائرة نصف النهار الحادث بين قطب الأفق الحادث ومعدّل النهار من جانب لا أقرب منه. ومنها عرض جزء من المنطقة ويسمّى بالميل الثاني كما يجيء وبعرض معدّل النهار أيضا كما في القانون المسعودي وهو قوس من دائرة العرض بين جزء من المنطقة وبين المعدّل من جانب لا أقرب منه. ومنها عرض الكوكب وهو بعده عن المنطقة وهو قوس من دائرة العرض بين المنطقة وبين الكوكب من جانب لا أقرب منه. والمراد بالكوكب رأس الخطّ الخارج من مركز العالم المارّ بمركز الكوكب المنتهي إلى الفلك الأعظم. فالكوكب إذا كان على نفس المنطقة فلا عرض له وإلّا فله عرض إمّا شمالي أو جنوبي، وهذا هو العرض الحقيقي للكوكب. وأمّا العرض المرئي له فهو قوس من دائرة العرض بين المنطقة وبين المكان المرئي للكوكب. ومنها عرض مركز التدوير وهو بعد مركز التدوير عن المنطقة وهو قوس من دائرة العرض بين المنطقة ومركز التدوير من جانب لا أقرب منه. ولو قيل عرض نقطة قوس من دائرة العرض بين تلك النقطة والمنطقة من جانب لا أقرب منه يتناول عرض الكوكب وعرض مركز التدوير ويسمّى هذا العرض أي عرض مركز التدوير بعرض الخارج المركز، وهو ميل الفلك المائل أي بعده عن المنطقة يسمّى به لأنّ ميل الفلك المائل قوس من دائرة العرض التي تمرّ بقطبي الممثّل ما بين الفلك المائل والممثّل من جانب لا أقرب منه، وسطح الفلك الخارج في سطح الفلك المائل فميل الفلك المائل عن الممثّل الذي هو عرضه يكون عرض الفلك الخارج المركز.
اعلم أنّه لا عرض للشمس أصلا لكون خارجه في سطح منطقة البروج بخلاف السيارات الأخر وأنّه لا عرض للقمر سوى هذا العرض لأنّ أفلاكه المائل والحامل والتدوير في سطح واحد لا ميل لبعضها عن بعض. ثم إنّ ميل الفلك المائل في العلوية والقمر ثابت وفي السفليين غير ثابت، بل كلما بلغ مركز تدوير الزهرة أو عطارد إحدى العقدتين انطبق المائل على المنطقة وصار في سطحها. فإذا جاوز مركز التدوير تلك العقدة التي بلعها افترق المائل عن المنطقة وصار مقاطعا لها على التّناصف. وابتداء نصف المائل الذي عليه مركز التدوير في الميل عن المنطقة إمّا للزهرة فإلى الشمال وإمّا لعطارد فإلى الجنوب، ونصفه الآخر بالخلاف. ثم هذا الميل يزداد شيئا فشيئا حتى ينتهي مركز التدوير إلى منتصف ما بين العقدتين، فهناك غاية الميل، ثم يأخذ الميل في الانتقاص شيئا فشيئا ويتوجّه المائل نحو الانطباق على المنطقة حتى ينطبق عليه ثانيا عند بلوغ مركز التدوير العقدة الأخرى، فإذا جاوز مركز التدوير هذه العقدة عادت الحالة الأولى أي يصير النصف الذي عليه المركز الآن. أما في الزهرة فشماليا وكان قبل وصول المركز إليه جنوبيا، والنصف الذي كان شماليا كان جنوبيا.
وأمّا في عطارد فبالعكس. فعلى هذا يكون مائل كلّ منهما متحركا في العرض إلى الجنوب وبالعكس إلى غاية ما من غير إتمام الدورة، ويكون مركز تدوير الزهرة إمّا شماليا عن المنطقة أو منطبقا عليها، لا يصير جنوبيا عنها قطعا، ويكون مركز تدوير عطارد إمّا جنوبيا عنها أو منطبقا عليها، لا يصير شماليا عنها أصلا. ومنها عرض التدوير ويسمّى بالميل وبميل ذروة التدوير وحضيضه أيضا وهو ميل القطر المار بالذروة والحضيض عن سطح الفلك المائل، ولا يكون القطر المذكور في سطح المائل إلّا في وقتين. بيانه أنّ ميل هذا القطر غير ثابت أيضا بل يصير هذا القطر في العلوية منطبقا على المنطقة والمائل عند كون مركز التدوير في إحدى العقدتين أي الرأس أو الذنب، ثم إذا جاوز عن الرأس إلى الشمال أخذت الذروة في الميل إلى الجنوب عن المائل متقاربة إلى منطقة البروج، وأخذ الحضيض في الميل إلى الشمال عنه متباعدا عن المنطقة، ويزداد شيئا فشيئا حتى يبلغ الغاية عند بلوغ المركز منتصف ما بين العقدتين، ثم يأخذ في الانتقاص شيئا فشيئا إلى أن ينطبق القطر المذكور ثانيا على المائل والمنطقة عند بلوغ المركز الذنب. فإذا جاوز الذنب إلى الجنوب أخذت الذروة في الميل عن المائل إلى الشمال متقاربة إلى المنطقة، وأخذ الحضيض في الميل عنه إلى الجنوب متباعدا عن المنطقة وهكذا على الرسم المذكور؛ أي يزداد الميل شيئا فشيئا حتى يبلغ الغاية في منتصف العقدتين، ثم ينتقص حتى يبلغ المركز إلى الرأس وتعود الحالة الأولى. ويلزم من هذا أن يكون ميل الذروة في العلوية أبدا إلى جانب المنطقة وميل الحضيض أبدا إلى خلاف جانب المنطقة. فلو كان الكوكب على الذروة أو الحضيض ومركز التدوير في إحدى العقدتين لم يكن للكوكب عرض وإلّا فله عرض. وميل الذروة إذا اجتمع مع ميل المائل ينقص الأول عن الثاني فالباقي عرض الكوكب. وإذا اجتمع ميل الحضيض مع ميل المائل يزيد الأول على الثاني فالمجموع عرض الكوكب. وأمّا في السفليين فالقطر المذكور إنّما ينطبق على المائل عند بلوغ مركز التدوير منتصف ما بين العقدتين، وهناك غاية ميل المائل عن المنطقة. ولمّا كان أوجا السفليين وحضيضاهما على منتصف العقدتين كان انطباق القطر على المائل في المنتصف إمّا عند الأوج أو الحضيض. فعند الأوج تبتدئ الذروة في الميل أمّا في الزهرة فإلى الشمال عن المائل متباعدة عن المنطقة، ويلزمه ميل الحضيض إلى الجنوب متقاربا إليها في الابتداء، ويزداد الميل شيئا فشيئا حتى يصل المركز إلى العقدة وينطبق المائل على المنطقة، فهناك الذروة في غاية الميل عن المائل والمنطقة شمالا والحضيض في غاية الميل عنهما جنوبا.
فلو كان الزهرة على الحضيض كان جنوبيا عن المنطقة، فإذا جاوز المركز العقدة انتقص الميل على التدريج، فإذا وصل إلى المنتصف وهناك حضيض الحامل انطبق القطر على المائل ثانيا.
ومن هاهنا تبتدئ الذروة في الميل عن المائل إلى الجنوب متوجّهة نحو المنطقة والحضيض في الميل عنه إلى الشمال متباعدا عن المنطقة، فإذا وصل المركز العقدة الأخرى وانطبق المائل على المنطقة كانا في غاية الميل عنهما. أمّا الذروة ففي الجنوب وأمّا الحضيض ففي الشمال. فلو كان الزهرة حينئذ على الذروة كان جنوبيا عن المنطقة. وأمّا في عطارد فعند الأوج تبتدئ الذروة في الميل عن المائل إلى الجنوب متباعدة عن المنطقة وميل الحضيض عنه حينئذ إلى الشمال متوجها نحو المنطقة. فإذا بلغ المركز العقدة وانطبق المائل على المنطقة فهناك ميل الذروة عنهما إلى الجنوب يبلغ الغاية، وكذا ميل الحضيض عنهما إلى الشمال. فلو كان عطارد حينئذ على الحضيض كان شماليا عن المنطقة. فإذا جاوز المركز العقدة انتقص الميل شيئا فشيئا حتى إذا وصل إلى المنتصف كان ميل المائل عن المنطقة في الغاية وانطبق القطر على المائل ثانيا، وهناك حضيض الحامل ومنه تبتدئ الذروة في الميل عن المائل شمالا متوجّهة نحو المنطقة في الابتداء، والحضيض بالعكس. فإذا انتهى المركز إلى العقدة الأخرى كان الذروة في غاية الميل الشمالي عنهما والحضيض في غاية الميل الجنوبي. فلو كان عطارد حينئذ على الذروة يصير شماليا عن المنطقة. وتبيّن من ذلك أنّ المائل في السفليين إذا كان في غاية الميل عن المنطقة لم يكن للقطر المذكور ميل عن المائل. وإذا كان المائل عديم الميل عن المنطقة كان القطر في غاية الميل عن المائل، بل عن المنطقة أيضا. ومنها عرض الوراب ويسمّى أيضا بالانحراف والالتواء والالتفاف وهو ميل القطر المارّ بالبعدين الأوسطين من التدوير عن سطح الفلك المائل، وهذا مختصّ بالسفليين، بخلاف عرض الخارج المركز فإنّه يعمّ الخمسة المتحيّرة والقمر، وبخلاف عرض التدوير فإنّه يعمّ الخمسة المتحيّرة. اعلم أنّ ابتداء الانحراف إنّما هو عند بلوغ مركز التدوير إحدى العقدتين على معنى أنّ القطر المذكور في سطح المائل ومنطبق عليه هنا. وحين جاوز المركز العقدة يبتدئ القطر في الانحراف عن سطح المائل ويزيد على التدريج ويبلغ غايته عند منتصف العقدتين. فإن كان المنتصف الذي بلغه المركز هو الأوج كان الطرف الشرقي من القطر المذكور أي المارّ بالبعدين الأوسطين المسمّى بالطرف المسائي في غاية ميله عن سطح المائل. أمّا في الزهرة فإلى الشمال وأمّا في عطارد فإلى الجنوب، وكان الطرف الغربي المسمّى بالطرف الصّباحي في غاية الميل أيضا. ففي الزهرة إلى الجنوب وفي عطارد إلى الشمال. وإن كان المنتصف الذي بلغه المركز هو الحضيض فعلى الخلاف فيهما، أي كان الطرف المسائي في غاية الميل في الزهرة إلى الجنوب وفي عطارد إلى الشمال والطرف الصّباحي بالعكس، فعلم أنّ الانحراف يبلغ غايته حيث ينعدم فيه ميل الذروة والحضيض، أعني عند المنتصفين وأنّه ينعدم بالكلية حيث يكون ميل الذروة والحضيض في الغاية وذلك عند العقدتين. وقد ظهر من هذا المذكور كلّه أي من تفصيل حال القطر المارّ بالذروة والحضيض من تدوير الخمسة المتحيّرة ومن تفصيل حال القطر المارّ بالبعدين الأوسطين في السفليين في ميلهما عن المائل أنّ مدّة دور الفلك الحامل ومدّة دور القطرين المذكورين متساويتان، وكذا أزمان أرباع دوراتها أيضا متساوية. كلّ ذلك بتقدير العزيز العليم الحكيم.
فائدة:
اعلم أنّ أهل العمل يسمّون عرض مركز التدوير عن منطقة الممثل في السفليين العرض الأول، والعرض الذي يحصل للكوكب بسبب الميل العرض الثاني، وبسبب الانحراف العرض الثالث. هذا كلّه خلاصة ما ذكر السيّد السّند في شرح الملخّص وعبد العلي البرجندي في تصانيفه.

دِمْيَاطُ

Entries on دِمْيَاطُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
دِمْيَاطُ:
مدينة قديمة بين تنّيس ومصر على زاوية بين بحر الروم الملح والنيل، مخصوصة بالهواء الطيب وعمل ثياب الشرب الفائق، وهي ثغر من ثغور الإسلام، جاء في الحديث عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله، صلى الله
عليه وسلم: يا عمر إنه سيفتح على يديك بمصر ثغران الإسكندرية ودمياط، فأما الإسكندرية فخرابها من البربر، وأما دمياط فهم صفوة من شهداء من رابطها ليلة كان معي في حظيرة القدس مع النبيّين والشهداء، ومن شمالي دمياط يصبّ ماء النيل إلى البحر الملح في موضع يقال له الأشتوم، عرض النيل هناك نحو مائة ذراع، وعليه من جانبيه برجان بينهما سلسلة حديد عليها حرس لا يخرج مركب إلى البحر الملح ولا يدخل إلّا بإذن، ومن قبلها خليج يأخذ من بحرها سمت القبلة إلى تنّيس، وعلى سورها محارس ورباطات، قال الحسن بن محمد المهلبي: ومن طريف أمر دمياط وتنيس أنّ الحاكة بها الذين يعملون هذه الثياب الرفيعة قبط من سفلة الناس وأوضعهم وأخسهم مطعما ومشربا، وأكثر أكلهم السمك المملوح والطريّ والصّير المنتن، وأكثرهم يأكل ولا يغسّل يده ثم يعود إلى تلك الثياب الرفيعة الجليلة القدر فيبطش بها ويعمل في غزولها ثم ينقطع الثوب فلا يشك مقلّبه للابتياع أنه قد بخر بالندّ، قال:
ومن طريف أمر دمياط في قبليّها على الخليج مستعمل فيه غرف تعرف بالمعامل، يستأجرها الحاكة لعمل ثياب الشرب فلا تكاد تنجب إلّا بها، فإن عمل بها ثوب وبقي منه شبر ونقل إلى غير هذه المعامل علم بذلك السمسار المبتاع للثوب فينقص من ثمنه لاختلاف جوهر الثوب عليه، وقال ابن زولاق: يعمل بدمياط القصب البلخي من كل فنّ، والشرب لا يشارك تنيس في شيء من عملها، وبينهما مسيرة نصف نهار، ويبلغ الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار، ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا بتنيس أبيض، وهما حاضرتا البحر، وبهما من صيد السمك والطير والحيتان ما ليس في بلد، وأخبرني بعض وجوه التجار وثقاتهم أنه بيع في سنة 398 حلّتان دمياطيتان بثلاثة آلاف دينار، وهذا مما لم يسمع بمثله في بلد، وبها الفرش القلموني من كل لون المعلم والمطرّز ومناشف الأبدان والأرجل، وتتحف لجميع ملوك الأرض، وفي أيام المتوكل سنة 238 وولاية عنبسة بن إسحاق الضبي على مصر تهجّم الروم على دمياط في يوم عرفة فملكوها وما فيها وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين وسبوا النساء والأطفال وأهل الذمة فنفر إليهم عنبسة بن إسحاق عشية يوم النحر في جيشه ومعه نفر كثير من الناس فلم يدركوهم ومضى الروم إلى تنيس فأقاموا بأشتومها فلم يتبعهم عنبسة، فقال يحيى بن الفضيل للمتوكل:
أترضى بأن يوطأ حريمك عنوة، ... وأن يستباح المسلمون ويحربوا؟
حمار أتى دمياط، والروم رتّب ... بتنيس، منه رأي عين وأقرب
مقيمون بالأشتوم يبغون مثل ما ... أصابوه من دمياط، والحرب ترتب
فما رام من دمياط سيرا، ولا درى ... من العجز ما يأتي وما يتجنّب
فلا تنسنا، إنا بدار مضيعة ... بمصر، وإن الدين قد كاد يذهب
فأمر المتوكل ببناء حصن دمياط، ولم يزل بعد في أيدي المسلمين إلى أن كان شهر ذي القعدة سنة 614 فإن الأفرنج قدموا من وراء البحر وأوقعوا بالملك العادل أبي بكر بن أيوب وهو نازل على بيسان فانهزم منهم إلى خسفين، فعاد الأفرنج إلى عكا فأقاموا بها أياما وخرجوا إلى الطور فحاصروه، وكان قد عمّر فيه الملك المعظم ابن الملك العادل قلعة
حصينة غرم فيها مالا وافرا، فحاصروه مدة فقتل عليه أمير من أمراء المسلمين يعرف ببدر الدين محمد ابن أبي القاسم الهكّاري وقتل كند من أكناد الأفرنج كبير مشهور فيهم، فتشاءموا بالمقام على الطور ورجعوا إلى عكا واختلفوا هناك، فقال ملك الهنكر: الرأي أنا نمضي إلى دمشق ونحاصرها فإذا أخذناها فقد ملكنا الشام، فقال الملك النّوّام، قالوا: إنما سمي بذلك لأنه كان إذا نازل حصنا نام عليه حتى يأخذه أي أنه كان صبورا على حصار القلاع، واسمه دستريج ومعناه المعلم بالريش لأن أعلامه كانت الريش، فقال: نمضي إلى مصر فإن العساكر مجتمعة عند العادل ومصر خالية، فأدّى هذا الاختلاف إلى انصراف ملك الهنكر مغاضبا إلى بلده، فتوجه باقي عساكرهم إلى دمياط فوصلوها في أيام من صفر سنة 615 والعادل نازل على خربة اللّصوص بالشام وقد وجه بعض عساكره إلى مصر، وكان ابنه الملك الأشرف موسى بن العادل نازلا على مجمع المروج بين سلمية وحمص خوفا من عادية تكون منهم من هذه الجهة، واتفق خروج ملك الروم ابن قليج ارسلان إلى نواحي حلب وأخذ منها ثلاثة حصون عظيمة: رعبان وتل باشر وبرج الرّصاص، كلها في ربيع الأول من السنة، وبلغ عسكره إلى حدود بزاعة، وانتهى ذلك إلى الملك الأشرف فجاء فيمن انضم إليه من عساكر حلب فواقعه بين منبج وبزاعة فكسره وأسر أعيان عسكره ثم من عليهم وذلك في ربيع الآخر، وبلغ خبر ذلك إلى ملك الروم وهو قيقاوس بن قليج أرسلان وهو نازل على منبج فقلق لذلك حتى قال من شاهده إنه رآه يختلج كالمحموم ثم تقيّأ شيئا شبيها بالدم ورحل من فوره راجعا إلى بلده والعساكر تتبعه، وكان انفصاله في الحادي عشر من جمادى الأولى سنة 615، وقد استكمل شهرين بوروده، واستعبد على الفور تل باشر ورعبان وبرج اللصوص، ورجع إليه أصحابه الذين كانوا مقيمين بهذه الحصون الثلاثة وكانوا قد سلموها بالأمان، جمع منهم متقدما وتركهم في بيت من بيوت ربض ترتوش وأضرم فيه النار فاحترقوا، وكان فيهم ولد إبراهيم خوانسلار صاحب مرعش، فرجع إلى بلده وأقام يسيرا ومات واستولى على ملكه أخوه وكان في حبسه، ولما استرجع الملك الأشرف من هذه الحصون الثلاثة ورجع قاصدا إلى حلب ودخل في حدها ورد عليه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل أبي بكر بن أيوب، وكانت وفاته بمنزلة على خربة اللصوص وإنما كانت في يوم الأحد السابع من جمادى الأولى سنة 615، فكتم ذلك ولم يظهره إلى أن نزل بظاهر حلب وخرج الناس للعزاء ثلاثة أيام، وأما الأفرنج فإنهم نزلوا على دمياط في صفر سنة 15 وأقاموا عليها إلى السابع والعشرين من شعبان سنة 16 وملكوها بعد جوع وبلاء كان في أهلها وسبوهم، فحينئذ أنفذ الملك المعظم وخرّب بيت المقدس وبيع ما كان فيها من الحليّ وجلا أهلها، وبلغ ذلك الملك الأشرف فمضى إلى الموصل لإصلاح خلل كان فيه بين لؤلؤ ومظفّر الدين بن زين الدين، فلما صلح ما بينهما توجه إليها وكان أخوه الملك الكامل بإزاء الأفرنج في هذه المدة، فقدمها الملك الأشرف وانتزعها من أيديهم في رجب سنة 18 ومنّوا على الأفرنج بعد حصولهم في أيديهم، وكان قد وصل في هذا الوقت كند من وراء البحر وحصل في دمياط وخافوا إن لم يمنّوا على الأفرنج أن يتخذوا بحصول ذلك الكند الواصل شغل قلب فصانعوهم بنفوسهم عن دمياط فعادت إلى المسلمين.
وطول دمياط ثلاث وخمسون درجة ونصف وربع، وعرضها إحدى وثلاثون درجة وربع وسدس، وينسب إلى دمياط جماعة، منهم: بكر بن سهل ابن إسماعيل بن نافع أبو محمد الدمياطي مولى بني هاشم، سمع بدمشق صفوان بن صالح، وببيروت سليمان بن أبي كريمة البيروتي، وبمصر أبا صالح عبد الله ابن صالح كاتب الليث وعبد الله بن يوسف التنيسي وغيرهم، وروى عنه أبو العباس الأصمّ وأبو جعفر الطحاوي الطبراني وجماعة سواهم، قال أبو سليمان ابن زبر: مات بدمياط في ربيع الأول سنة 289، وذكر غير ابن زبر أنه توفي بالرملة بعد عوده من الحجّ، وأن مولده سنة 196.

مَدينَةُ يَثْرِبَ

Entries on مَدينَةُ يَثْرِبَ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
مَدينَةُ يَثْرِبَ:
قال المنجمون: طول المدينة من جهة المغرب ستون درجة ونصف، وعرضها عشرون درجة، وهي في الإقليم الثاني، وهي مدينة الرسول، صلّى الله عليه وسلّم، نبدأ أولا بصفتها مجملا ثم نفصّل، أما قدرها فهي في مقدار نصف مكة، وهي في حرّة سبخة الأرض ولها نخيل كثيرة ومياه، ونخيلهم وزروعهم تسقى من الآبار عليها العبيد، وللمدينة سور والمسجد في نحو وسطها، وقبر النبي، صلّى الله عليه وسلّم، في شرقي المسجد وهو بيت مرتفع ليس بينه وبين سقف المسجد إلا فرجة وهو مسدود لا باب له وفيه قبر النبي، صلّى الله عليه وسلّم، وقبر أبي بكر وقبر عمر، والمنبر الذي كان يخطب عليه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قد غشي بمنبر آخر والروضة أمام المنبر بينه وبين القبر ومصلّى النبي، صلّى الله عليه وسلّم، الذي كان يصلّي فيه الأعياد في غربي المدينة داخل الباب وبقيع الغرقد خارج المدينة من شرقيّها وقباء خارج المدينة على نحو ميلين إلى ما يلي القبلة، وهي شبيهة بالقرية، وأحد جبل في شمال المدينة، وهو أقرب الجبال إليها مقدار فرسخين، وبقربها مزارع فيها نخيل وضياع لأهل المدينة، ووادي العقيق فيما بينها وبين الفرع، والفرع من المدينة على أربعة أيام في جنوبيّها، وبها مسجد جامع، غير أن أكثر هذه الضياع خراب وكذلك حوالي المدينة ضياع كثيرة أكثرها خراب وأعذب مياه تلك الناحية آبار العقيق، ذكر ابن طاهر بإسناده إلى محمد بن إسماعيل البخاري قال: المديني هو الذي أقام بالمدينة ولم يفارقها، والمدني الذي تحول عنها وكان منها، والمشهور عندنا أن النسبة إلى مدينة الرسول مدنيّ مطلقا وإلى غيرها من المدن مدينيّ للفرق لا لعلة أخرى، وربما ردّه بعضهم إلى الأصل فنسب إلى مدينة الرسول أيضا مدينيّ، وقال
الليث: المدينة اسم لمدينة رسول الله خاصة والنسبة للإنسان مدنيّ، فأما العير ونحوه فلا يقال إلا مدينيّ، وعلى هذه الصيغة ينسب أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي المعروف بابن المديني، كان أصله من المدينة ونزل البصرة وكان من أعلم أهل زمانه بعلل حديث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، والمقدّم في حفّاظ وقته، روى عن سفيان بن عيينة وحمّاد بن زيد وكتب عن الشافعي كتاب الرسالة وحملها إلى عبد الرحمن بن مهدي وسمع منه ومن جرير بن عبد الحميد وعبد العزيز الدراوردي وغيرهم من الأئمة، روى عنه أحمد بن حنبل ومحمد بن سعيد البخاري وأحمد بن منصور الرّمادي ومحمد بن يحيى الذّهلي وأبو أحمد المرئيّ وغيرهم من الأئمة، وقال البخاري: ما انتفعت عند أحد إلا عند علي بن المديني، وكان مولده سنة 161 بالبصرة، ومات بسامرّا وقيل بالبصرة ليومين بقيا من ذي القعدة سنة 234، ولهذه المدينة تسعة وعشرون اسما، وهي: المدينة، وطيبة، وطابة، والمسكينة، والعذراء، والجابرة، والمحببة، والمحببة، والمحبورة، ويثرب، والناجية، والموفية، وأكّالة الــبلدان، والمباركة، والمحفوفة، والمسلمة، والمجنة، والقدسية، والعاصمة، والمرزوقة، والشافية، والخيرة، والمحبوبة، والمرحومة، وجابرة، والمختارة، والمحرمة، والقاصمة، وطبابا، وروي في قول النبي، صلى الله عليه وسلم: رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، قالوا: المدينة ومكة، وكان على المدينة وتهامة في الجاهلية عامل من قبل مرزبان الزارة يجبي خراجها وكانت قريظة والنضير اليهود ملوكا حتى أخرجهم منها الأوس والخزرج من الأنصار، كما ذكرناه في مأرب، وكانت الأنصار قبل تؤدي خراجا إلى اليهود، ولذلك قال بعضهم:
نؤدي الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج بني قريظة والنضير
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: من صبر على أوار المدينة وحرّها كنت له يوم القيامة شفيعا شهيدا، وقال، صلى الله عليه وسلم، حين توجّه إلى الهجرة: اللهم إنك قد أخرجتني من أحبّ أرضك إليّ فأنزلني أحب أرض إليك، فأنزله المدينة، فلما نزلها قال: اللهم اجعل لنا بها قرارا ورزقا واسعا، وقال، عليه الصلاة والسلام:
من استطاع منكم أن يموت في المدينة فليفعل فإنه من مات بها كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة، وعن عبد الله بن الطّفيل: لما قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة وثب على أصحابه وباء شديد حتى أهمدتهم الحمّى فما كان يصلي مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا اليسير فدعا لهم وقال:
اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة واجعل ما كان بها من وباء بخمّ، وفي خبر آخر: اللهم حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأشدّ وصححها وبارك لنا في صاعها ومدّها وانقل حمّاها إلى الجحفة، وقد كان همّ، صلّى الله عليه وسلّم، أن ينتقل إلى الحمى لصحته، وقال: نعم المنزل الحمى لولا كثرة حيّاته، وذكر العرض وناحيته فهمّ به وقال: هو أصح من المدينة، وروي عنه، صلّى الله عليه وسلّم، أنه قال عن بيوت السّقيا: اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ورسولك دعاك لأهل مكة وإن محمدا عبدك ونبيك ورسولك يدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم أن تبارك في صاعهم ومدهم وثمارهم، اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة واجعل ما بها من وباء بخمّ، اللهم إني قد
حرّمت ما بين لابتيها كما حرّم إبراهيم خليلك، وحرّم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، شجر المدينة بريدا في بريد من كل ناحية ورخّص في الهش وفي متاع الناضح ونهى عن الخبط وأن يعضد ويهصر، وكان أول من زرع بالمدينة واتخذ بها النخل وعمّر بها الدور والآطام واتخذ بها الضياع العماليق وهم بنو عملاق بن أرفخشد بن سام بن نوح، عليه السّلام، وقيل في نسبهم غير ذلك مما ذكر في هذا الكتاب، ونزلت اليهود بعدهم الحجاز وكانت العماليق ممن انبسط في البلاد فأخذوا ما بين البحرين وعمان والحجاز كلّه إلى الشام ومصر، فجبابرة الشام وفراعنة مصر منهم، وكان منهم بالبحرين وعمان أمّة يسمون جاسم، وكان ساكنو المدينة منهم بنو هفّ وسعد ابن هفّان وبنو مطرويل، وكان بنجد منهم بنو بديل بن راحل وأهل تيماء ونواحيها، وكان ملك الحجاز الأرقم بن أبي الأرقم، وكان سبب نزول اليهود بالمدينة وأعراضها أن موسى بن عمران، عليه السلام، بعث إلى الكنعانيّين حين أظهره الله تعالى على فرعون فوطئ الشام وأهلك من كان بها منهم ثم بعث بعثا آخر إلى الحجاز إلى العماليق وأمرهم أن لا يستبقوا أحدا ممن بلغ الحلم إلا من دخل في دينه، فقدموا عليهم فقاتلوهم فأظهرهم الله عليهم فقتلوهم وقتلوا ملكهم الأرقم وأسروا ابنا له شابّا جميلا كأحسن من رأى في زمانه فضنّوا به عن القتل وقالوا:
نستحييه حتى نقدم به على موسى فيرى فيه رأيه، فأقبلوا وهو معهم وقبض الله موسى قبل قدومهم فلما قربوا وسمع بنو إسرائيل بذلك تلقوهم وسألوهم عن أخبارهم فأخبروهم بما فتح الله عليهم، قالوا: فما هذا الفتى الذي معكم؟ فأخبروهم بقصته، فقالوا: إن هذه معصية منكم لمخالفتكم أمر نبيكم، والله لا دخلتم علينا بلادنا أبدا، فحالوا بينهم وبين الشام، فقال ذلك الجيش: ما بلد إذ منعتم بلدكم خير لكم من الــبلد الذي فتحتموه وقتلتم أهله فارجعوا إليه، فعادوا إليها فأقاموا بها فهذا كان أول سكنى اليهود الحجاز والمدينة، ثم لحق بهم بعد ذلك بنو الكاهن بن هارون، عليه السلام، فكانت لهم الأموال والضياع بالسافلة، والسافلة ما كان في أسفل المدينة إلى أحد، وقبر حمزة والعالية ما كان فوق المدينة إلى أحد، وقبر حمزة والعالية ما كان فوق المدينة إلى مسجد قباء وما إلى ذلك إلى مطلع الشمس، فزعمت بنو قريظة أنهم مكثوا كذلك زمانا ثم إن الروم ظهروا على الشام فقتلوا من بني إسرائيل خلقا كثيرا فخرج بنو قريظة والنضير وهدل هاربين من الشام يريدون الحجاز الذي فيه بنو إسرائيل ليسكنوا معهم، فلما فصلوا من الشام وجّه ملك الروم في طلبهم من يردّهم فأعجزوا رسله وفآتوهم وانتهى الروم إلى ثمد بين الشام والحجاز فماتوا عنده عطشا فسمي ذلك الموضع ثمد الروم فهو معروف بذلك إلى اليوم، وذكر بعض علماء الحجاز من اليهود أن سبب نزولهم المدينة أن ملك الروم حين ظهر على بني إسرائيل وملك الشام خطب إلى بني هارون وفي دينهم أن لا يزوّجوا النصارى فخافوه وأنعموا له وسألوه أن يشرّفهم بإتيانه، فأتاهم ففتكوا به وبمن معه ثم هربوا حتى لحقوا بالحجاز وأقاموا بها، وقال آخرون: بل علماؤهم كانوا يجدون في التوراة صفة النبيّ، صلى الله عليه وسلّم، وأنه يهاجر إلى بلد فيه نخل بين حرّتين، فأقبلوا من الشام يطلبون الصفة حرصا منهم على اتباعه، فلما رأوا تيماء وفيها النخل عرفوا صفته وقالوا:
هو الــبلد الذي نريده، فنزلوا وكانوا أهله حتى أتاهم تبّع فأنزل معهم بني عمرو بن عوف، والله أعلم أيّ ذلك كان، قالوا: فلما كان من سيل العرم ما كان،
كما ذكرناه في مأرب، قال عمرو بن عوف: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، المدركات بالدّخل، فليلحق بيثرب ذات النخل، وكان الذين اختاروها وسكنوها الأنصار وهم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد وأمهم في قول ابن الكلبي قيلة بنت الأرقم بن عمرو ابن جفنة، ويقال: قيلة بنت هالك بن عذرة من قضاعة، وقال غيره: قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة ولذلك سمي بنو قيلة فأقاموا في مكانهم على جهد وضنك من العيش، وكان ملك بني إسرائيل يقال له الفيطوان، وفي كتاب ابن الكلبي: الفطيون، بكسر الفاء والياء بعد الطاء، وكانت اليهود والأوس والخزرج يدينون له، وكانت له فيهم سنّة الّا تزوّج امرأة منهم إلا أدخلت عليه قبل زوجها حتى يكون هو الذي يفتضّها إلى أن زوّجت أخت لمالك بن العجلان بن زيد السالمي الخزرجي، فلما كانت الليلة التي تهدى فيها إلى زوجها خرجت على مجلس قومها كاشفة عن ساقيها وأخوها مالك في المجلس، فقال لها: قد جئت بسوءة بخروجك على قومك وقد كشفت عن ساقيك، قالت: الذي يراد بي الليلة أعظم من ذلك لأنني أدخل على غير زوجي، ثم دخلت إلى منزلها فدخل إليها أخوها وقد أرمضه قولها فقال لها: هل عندك من خير؟ قالت: نعم، فماذا؟ قال: أدخل معك في جملة النساء على الفطيون فإذا خرجن من عندك ودخل عليك ضربته بالسيف حتى يبرد، قالت: افعل، فتزيّا بزيّ النساء وراح معها فلما خرج النساء من عندها دخل الفطيون عليها فشدّ عليه مالك بن العجلان بالسيف وضربه حتى قتله وخرج هاربا حتى قدم الشام فدخل على ملك من ملوك غسّان يقال له أبو جبيلة، وفي بعض الروايات أنه قصد اليمن إلى تبّع الأصغر ابن حسّان فشكا إليه ما كان من الفطيون وما كان يعمل في نسائهم وذكر له أنه قتله وهرب وأنه لا يستطيع الرجوع خوفا من اليهود، فعاهده أبو جبيلة أن لا يقرب امرأة ولا يمسّ طيبا ولا يشرب خمرا حتى يسير إلى المدينة ويذلّ من بها من اليهود، وأقبل سائرا من الشام في جمع كثير مظهرا أنه يريد اليمن حتى قدم المدينة ونزل بذي حرض ثم أرسل إلى الأوس والخزرج أنه على المكر باليهود عازم على قتل رؤسائهم وأنه يخشى متى علموا بذلك أن يتحصّنوا في آطامهم وأمرهم بكتمان ما أسرّه إليهم ثم أرسل إلى وجوه اليهود أن يحضروا طعامه ليحسن إليهم ويصلهم، فأتاه وجوههم وأشرافهم ومع كل واحد منهم خاصّته وحشمه، فلما تكاملوا أدخلهم في خيامه ثم قتلهم عن آخرهم فصارت الأوس والخزرج من يومئذ أعزّ أهل المدينة وقمعوا اليهود وسار ذكرهم وصار لهم الأموال والآطام، فقال الرّمق بن زيد بن غنم بن سالم بن مالك بن سالم ابن عوف بن الخزرج يمدح أبا جبيلة:
لم يقض دينك مل حسا ... ن وقد غنيت وقد غنينا
الراشقات المرشقا ... ت الجازيات بما جزينا
أشباه غزلان الصّرا ... ثم يأتزرن ويرتدينا
الرّيط والديباج وال ... حلي المضاعف والبرينا
وأبو جبيلة خير من ... يمشي وأوفاهم يمينا
وأبرّهم برّا وأع ... لمهم بفضل الصالحينا
أبقت لنا الأيام وال ... حرب المهمّة يعترينا
كبشا له زرّ يف ... لّ متونها الذّكر السّنينا
ومعاقلا شمّا وأس ... يافا يقمن وينحنينا
ومحلّة زوراء تج ... حف بالرجال الظالمينا
ولعنت اليهود مالك بن العجلان في كنائسهم وبيوت عبادتهم، فبلغه ذلك فقال:
تحايا اليهود بتلعانها ... تحايا الحمير بأبوالها
وماذا عليّ بأن يغضبوا ... وتأتي المنايا باذلالها!
وقالت سارة القرظية ترثي من قتل من قومها:
بأهلي رمّة لم تغن شيئا ... بذي حرض تعفّيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتهم ... سيوف الخزرجية والرماح
ولو أذنوا بأمرهم لحالت ... هنالك دونهم حرب رداح
ثم انصرف أبو جبيلة راجعا إلى الشام وقد ذلّل الحجاز والمدينة للأوس والخزرج فعندها تفرّقوا في عالية المدينة وسافلتها فكان منهم من جاء إلى القرى العامرة فأقام مع أهلها قاهرا لهم، ومنهم من جاء إلى عفا من الأرض لا ساكن فيه فبنى فيه ونزل ثم اتخذوا بعد ذلك القصور والأموال والآطام، فلما قدم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، من مكة إلى المدينة مهاجرا أقطع الناس الدور والرباع فخطّ لبني زهرة في ناحية من مؤخر المسجد فكان لعبد الرحمن ابن عوف الحصن المعروف به وجعل لعبد الله وعتبة ابني مسعود الهذليّين الخطّة المشهورة بهم عند المسجد وأقطع الزبير بن العوّام بقيعا واسعا وجعل لطلحة بن عبيد الله موضع دوره ولأبي بكر، رضي الله عنه، موضع داره عند المسجد، وأقطع كل واحد من عثمان بن عفّان وخالد بن الوليد والمقداد وعبيد والطفيل وغيرهم مواضع دورهم، فكان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يقطع أصحابه هذه القطائع فما كان في عفا من الأرض فإنه أقطعهم إياه وما كان من الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له فكان يقطع من ذلك ما شاء، وكان أول من وهب له خططه ومنازله حارثة بن النعمان فوهب له ذلك وأقطعه، وأما مسجد النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم، فقال ابن عمر: كان بناء المسجد على عهد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وسقفه جريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا فزاد فيه عمر وبناه على ما كان من بنائه ثم غيّره عثمان وبناه بالحجارة المنقوشة والقصّة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه ساجا وزاد فيه. وكان لما بناه رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، جعل له بابين شارعين باب عائشة والباب الذي يقال له باب عاتكة وبابا في مؤخر المسجد يقال له باب مليكة وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل، وكان طول المسجد مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، فلما ولي عمر بن عبد العزيز زاد في القبلة من موضع المقصورة اليوم، وكان بين المنبر وبين الجدار في عهد النبي، صلّى الله عليه وسلّم، قدر ما تمرّ الشاة، وكان طول المسجد في عهد عمر، رضي الله عنه، مائة وأربعين ذراعا وارتفاعه أحد عشر ذراعا، وكان بنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة وجعل له ستة أبواب وحصّنه، وروي أن عمر أول من حصّن المسجد وبناه سنة 17 حين رجع من سرع وجعل طول جداره من خارج ستة عشر ذراعا، وكان أول عمل عثمان إياه في شهر ربيع الأول سنة 29 وفرغ من بنائه في المحرم سنة 30 فكانت مدة عمله عشرة أشهر وقتل عثمان وليس له شرّافات فعملها والمحراب عمر بن عبد العزيز، ولما ولي الوليد بن عبد الملك واستعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة أمره بهدم المسجد وبنائه فاستعمل عمر على ذلك صالح بن كيسان وكتب الوليد إلى ملك الروم يطلب منه عمّالا وأعلمه أنه يريد عمارة مسجد النبي، صلى الله عليه وسلم، فبعث إليه أربعين رجلا من الروم وأربعين من القفط ووجّه إليه أربعين ألف مثقال ذهبا وأحمالا من الفسيفساء، فهدم الروم والقفط المسجد وخمّروا النورة للفسيفساء سنة وحملوا القصّة من بطن نخل وعملوا الأساس بالحجارة والجدار والأساطين بالحجارة المطابقة وجعلوا عمد المسجد حجارة حشوها عمد الحديد والرصاص، وجعل عمر المحراب والمقصورة من ساج وكان قبل ذلك من حجارة وجعل طول المسجد مائتي ذراع وعرضه في مقدمه مائتين وفي مؤخره مائة وثمانين وهو سقف دون سقف، قال صالح بن كيسان: ابتدأت بهدم المسجد في صفر سنة 87 وفرغت منه لانسلاخ سنة 89 فكانت مدة عمله ثلاث سنين، وكان طوله يومئذ مائتي ذراع في مثلها فلم يزل كذلك حتى كان المهدي فزاد في مؤخره مائة ذراع وترك عرضه مائتي ذراع على ما بناه عمر بن عبد العزيز، وأما عبد الملك بن شبيب الغساني في سنة 160 فأخذ في عمله وزاد في مؤخره ثم زاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسّعه، وقرئ على موضع زيادة المأمون: أمر عبد الله بعمارة مسجد رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، سنة 202 طلب ثواب الله وطلب كرامة الله وطلب جزاء الله فإن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا، والمؤذنون في مسجد المدينة من ولد سعد الفرط مولى عمّار بن ياسر، ومن خصائص المدينة أنها طيبة الريح وللعطر فيها فضل رائحة لا توجد في غيرها وتمرها الصّيحاني لا يوجد في بلد من الــبلدان مثله، ولهم حب اللبان ومنها يحمل إلى سائر الــبلدان، وجبلها أحد قد فضّله رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، فقال: أحد جبل يحبنا ونحبه وهو على باب من أبواب الجنة، وحرّم رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، شجر المدينة بريدا في بريد من كل ناحية، واستعمل على الحمى بلال بن الحارث المزني فأقام عليه حياة رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وفي أيامه مات، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: لأن أوتى برجل يحمل خمرا أحب إليّ من أن أوتى به وقد قطع من الحرم شيئا، وكان عمر بن الخطاب ينهى أن يقطع العضاه فتهلك مواشي الناس وهو يقول لهم عصمة، وأخبار مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كثيرة وقد صنف فيها وفي عقيقها وأعراضها وجبالها كتب ليس من شرطنا ذكرها إلا على ترتيب الحروف وقد فعلنا ذلك، وفيما ذكرناه مما يخصها كفاية، والله يحسن لنا العافية ولا يحرمنا ثواب حسن النية في الإفادة والاستفادة بحق محمد وآله، وأما المسافات فإن من المدينة إلى مكة نحو عشر مراحل، ومن الكوفة إلى المدينة نحو عشرين مرحلة، وطريق البصرة إلى المدينة نحو من ثماني عشرة مرحلة ويلتقي مع طريق الكوفة بقرب
معدن النقرة، ومن الرّقّة إلى المدينة نحو من عشرين مرحلة، ومن البحرين إلى المدينة نحو خمس عشرة مرحلة، ومن دمشق إلى المدينة نحو عشرين مرحلة ومثله من فلسطين إلى المدينة على طريق الساحل، ولأهل مصر وفلسطين إذا جاوزوا مدين طريقان إلى المدينة أحدهما على شغب وبدا وهما قريتان بالبادية كان بنو مروان أقطعوهما الزهريّ المحدّث وبها قبره، حتى ينتهي إلى المدينة على المروة، وطريق يمضي على ساحل البحر حتى يخرج بالجحفة فيجتمع بهما طريق أهل العراق وفلسطين ومصر.

القسم

Entries on القسم in 3 Arabic dictionaries by the authors Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm, Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm and Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
القسم:
[في الانكليزية] Partition ،parting
[ في الفرنسية] Partition ،partage
بالفتح وسكون السين لغة قسمة المال بين الشركاء وتعيين أنصبائهم، وشرعا تسوية الزوج بين الزوجات في المأكول والمشروب والملبوس والبيتوتة لا في المحبّة والوطء، وهو واجب على الزوج، كذا في جامع الرموز في فصل نكاح القنّ. 
القسم:
[في الانكليزية] Oath
[ في الفرنسية] Serment
بفتحتين اسم من الأقسام وعرفا جملة مؤكّدة تحتاج إلى ما يلصق بها من اسم دالّ على التعظيم، وتسمّى بالمقسم عليها وجواب القسم فهو أخصّ من اليمين والحلف الشاملين للشرطية كذا في جامع الرموز في كتاب الأيمان. قال في الاتقان: القسم أن يريد المتكلّم الحلف على شيء فيحلف بما يكون فيه فخر له أو تعظيم لشأنه أو تكثير لقدره أو ذمّ لغيره أو جاريا مجرى الغزل والترقّق أو خارجا مخرج الموعظة والزهد. والقصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده حتى جعلوا مثل وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ قسما وإن كان فيه إخبار بشهادة لأنّه لما جاء توكيدا للخبر سمّي قسما.
قيل ما معنى القسم منه تعالى فإنه إن كان لأجل المؤمن فالمؤمن يصدّق بمجرّد الإخبار من غير قسم، وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده. وأجيب بأنّ القرآن نزل بلغة العرب ومن عاداتها القسم إذا أرادت أن يؤكّد أمر. وأجاب أبو القاسم القشيري بأنّ الله ذكر القسم لكمال الحجّة وتأكيدها، وذلك أنّ الحكم يفصل بين اثنين إمّا بالشهادة وإمّا بالقسم، فذكر تعالى في كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حجة، فقال شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية. وقال قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌ إن قيل كيف أقسم الله بالخلق وقد ورد النهي عن القسم لغير الله؟ قلنا أجيب عنه بوجوه. أحدها أنّه على حذف مضاف، فتقدير والتين ورب التين. والثاني أنّ الأقسام إنّما تكون بما يعظمه المقسم أو يجلّه وهو فوقه، والله تعالى ليس فوقه شيء، فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته لأنّها تدلّ على بارئ وصانع لأنّ ذكر المفعول يستلزم ذكر الفاعل.
والثالث أنّ الله يقسم بما شاء من خلفه وليس لأحد أن يقسم إلّا بالله. قال أبو القاسم القشيري القسم بالشيء لا يخرج عن وجهين إمّا لفضيلة كقوله تعالى وَطُورِ سِينِينَ أو لمنفعة نحو وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وقال غيره:
أقسم الله تعالى بثلاثة أشياء بذاته نحو فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ وبفعله نحو وَالسَّماءِ وَما بَناها، وبمفعوله نحو:
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. والقسم إمّا ظاهر كالآيات السابقة وإمّا مضمر وهو قسمان: قسم دلّت عليه اللام نحو: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ، وقسم دلّ عليه المعنى نحو وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها تقديره والله. وقال أبو علي:

الألفاظ الجارية مجرى القسم ضربان: أحدهما ما يكون لغيرها من الأخبار التي ليست بقسم فلا يجاب بجوابه كقوله تعالى وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ونحو فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ فهذا ونحوه يجوز أن يكون قسما وأن يكون حالا لخلوّه من الجواب. والثاني ما يتلقّى بجواب القسم كقوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ. وقال ابن القيّم: اعلم أنّه سبحانه يقسم بأمور على أمور وإنّما يقسم بنفسه المقدّسة الموصوفة بصفاته أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنّه من عظيم آياته. فالقسم إمّا على جملة خبرية وهو الغالب، وإمّا على جملة طلبية كقولك فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ مع أنّ هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القسم. فالمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه فلا بد أن يكون مما يحسن فيه وذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها.
فأمّا الأمور المشهورة الظاهرة كالشمس والقمر والليل والنهار فيقسم بها ولا يقسم عليها، وما أقسم عليه الرّبّ فهو من آياته، فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس.
القسم
لجأ القرآن إلى القسم متبعا النهج العربى في توكيد الأخبار به، لتستقر في النّفس، ويتزعزع فيها ما يخالفها، وإذا كان القسم لا ينجح أحيانا في حمل المخاطب على التصديق، فإنه كثيرا ما يوهن في النفس الفكرة المخالفة، ويدفع إلى الشك فيها، ويبعث المرء على التفكير القوى فيما ورد القسم من أجله.
أقسم القرآن برب، ولكنه ذكره حينا مضافا إلى السماء والأرض، فقال: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ (الذاريات 23). لما في هذه الإضافة من الإشارة إلى خضوع السماء والأرض لأمره، وفي ذلك تعظيم لشأنه، وإيحاء بأن من كان هذا أمره لا يزج باسمه إلا فيما هو حق لا مرية فيه. وحينا مضافا إلى المشارق والمغارب، فقال: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ (المعارج 40). لما توحى به هذه الإضافة من القدرة البالغة التى تسخر هذا الجرم الهائل وهو الشمس، فيشرق ويغرب في دقة وإحكام. وحينا مضافا إلى الرسول، فقال: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ (مريم 68).
وكأنه بذلك يوحى بأن أرباب المشركين ليست جديرة بأن يقسم بها، أو تكون محل الإجلال والتقدير.
واستخدم ما كان العرب يستخدمونه من الحلف بحياة المخاطب، فأقسم بحياة رسوله عند ما قال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (الحجر 72). وفي ذلك تشريف لحياة الرسول، وتعظيم لأمره في أعين السامعين.
فإذا أقسم القرآن بمصنوعات الله كان في ذلك تنبيه إلى ما فيها من روعة، تدفع إلى التفكير في خالقها، وتأمل جمال القسم في قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها وَالسَّماءِ وَما بَناها وَالْأَرْضِ وَما طَحاها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس 1 - 10). أو لا ترى هذا القسم مثيرا في النفس أقوى إحساسات الإعجاب بمدبر هذا الكون، ومنظم شئونه هذا التنظيم المحكم الدقيق، أو ليست هذه الشمس التى تبلغ أوج مجدها وجمالها عند الضحى، وهذا القمر يتلوها إذا غابت، وكأنه يقوم مقامها في حراسة الكون وإبهاجه، وهذا النهار يبرز هذا الكوكب الوهاج، ثم لا يلبث الليل أن يمحو سناه، وهذه السماء وقد أحكم خلقها، واتسقت في عين رائيها كالبناء المحكم الدقيق، وهذه الأرض وقد انبسطت في سعة، وهذه النفس الإنسانية العجيبة الخلقة التى يتسرب إليها الهدى والضلال في دقة وخفاء، أليس في ذلك كله ما يبعث النفس إلى التفكير العميق فى خالقها، وأن هذا الخالق لا يذكر هو وما خلق محاطا بهذا الإجلال، إلا في مقام الحق والصدق.
وتأمل جلال القسم في قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (الواقعة 75، 76)، وقوله سبحانه: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (النجم 1، 2)، وانظر كيف وجه النظر إلى ما في حفظ النجوم في مواقعها فلا تسقط ولا تضطرب، من قدرة قديرة على هذه الصيانة والضبط، وما يبعثه هوىّ النجوم من رهبة في النفس، وكلا الأمرين مثار إعجاب بخالقه، يبعث فى النفس الاطمئنان إلى خبر يكون هو موضع القسم فيه.
وأقسم القرآن في مواضع أخرى بالليل والنهار والنجوم، لما أنها مظاهر للقدرة الباهرة. كما أقسم بالرياح تحمل السحب مليئة بالمياه، فتجرى بها في رفق ويسر، ثم تدعها توزع مياهها هنا وهناك، إذ قال: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً فَالْجارِياتِ يُسْراً فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (الذاريات 1 - 5). وفي قدرة الريح على حمل السحب الموقرة بالماء، وجريها بها في الفضاء، ثم في نزول المطر ما يدل على قدرة الخالق الباهرة.
وهكذا في كل ما أقسم به الله مظهر من مظاهر قدرته وعظمته. وحينا يثير العاطفة الوطنية، التى تدفع إلى تقديس الوطن وإعزازه، وتحمل النفس على قبول ما يقسم عليه به، تجد ذلك في قوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْــبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التين 1 - 4). وفي قوله سبحانه: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْــبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْــبَلَدِ وَوالِدٍ وَما وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (الــبلد 1 - 4).
ويقسم القرآن غالبا على صدق ما جاء به هذا الدين، الذى نزل القرآن لتثبيت أسسه وقواعده، فيقول: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (الصافات 4). وإِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (الذاريات 5). وإِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (الواقعة 77). وما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (النجم 2). وأحيانا يؤكد أحوال الإنسان فيقول: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات 6 - 8). إلى غير ذلك من آيات تتحدث عن طبائع الإنسان، وأخلاقه، وصلته بهذا الدين. وقد تحدثنا فيما مضى عن حذف جواب القسم، وسر هذا الحذف، ونضيف إلى ما أسلفناه أن «أكثر ما يحذف الجواب إذا كان في نفس القسم به دلالة على المقسم عليه، فإن المقصود يحصل بذكره، فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز، كقوله: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (ص 1). فإن في المقسم به من تعظيم القرآن ووصفه بأنه ذو الذكر .. ما يدل على المقسم، وهو كونه حقا من عند الله غير مفترى ..
ولهذا قال كثيرون: إن تقدير الجواب، إن القرآن لحق. وهذا يطرد في كل ما شابه ذلك، كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (ق 1). وقوله: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (القيامة 1).
فإنه يتضمن إثبات المعاد» ، وقد تحدثنا كذلك عن لا وموقعها في القسم.
«ومن لطائف القسم في القرآن قوله تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (الضحى 1 - 3). وتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذى يوافى بعد ظلام الليل- المقسم عليه، وهو نوره الوحى الذى وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل، على ضوء الوحى ونوره، بعد ظلمة احتباسه واحتجابه» .

المَوْصِلُ

Entries on المَوْصِلُ in 1 Arabic dictionary by the author Yāqūt al-Ḥamawī, Muʿjam al-Buldān
المَوْصِلُ:
بالفتح، وكسر الصاد: المدينة المشهورة العظيمة إحدى قواعد بلاد الإسلام قليلة النظير كبرا وعظما وكثرة خلق وسعة رقعة فهي محطّ رحال الركبان ومنها يقصد إلى جميع الــبلدان فهي باب العراق ومفتاح خراسان ومنها يقصد إلى أذربيجان، وكثيرا ما سمعت أن بلاد الدنيا العظام ثلاثة:
نيسابور لأنها باب الشرق، ودمشق لأنها باب الغرب، والموصل لأن القاصد إلى الجهتين قلّ ما لا يمر بها، قالوا: وسميت الموصل لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، وقيل وصلت بين دجلة والفرات، وقيل لأنها وصلت بين بلد سنجار والحديثة، وقيل بل الملك الذي أحدثها كان يسمّى الموصل، وهي مدينة قديمة الأسّ على طرف دجلة ومقابلها من الجانب الشرقي نينوى، وفي وسط مدينة الموصل قبر جرجيس النبي، وقال أهل السير: إن أول من استحدث الموصل راوند بين بيوراسف الازدهاق، وقال حمزة:
كان اسم الموصل في أيام الفرس نوأردشير، بالنون أو الباء، ثم كان أول من عظّمها وألحقها بالأمصار العظام وجعل لها ديوانا برأسه ونصب عليها جسرا ونصب طرقاتها وبنى عليها سورا مروان بن محمد بن مروان ابن الحكم آخر ملوك بني أميّة المعروف بمروان الحمار والجعدي، وكان لها ولاية ورساتيق وخراج مبلغه أربعة آلاف ألف درهم والآن فقد عمرت وتضاعف خراجها وكثر دخلها، قالت القدماء: ومن أعمال الموصل الطبرهان والسنّ والحديثة والمرج وجهينة والمحلبية ونينوى وبارطلّى وباهذرا وباعذرا وحبتون وكرمليس والمعلّة ورامين
وبا جرمى ودقوقا وخانيجار. والموصلان: الجزيرة والموصل كما قيل البصرتان والمروان، قال الشاعر:
وبصرة الأزد منّا والعراق لنا ... والموصلان، ومنّا الحلّ والحرم
وكثيرا ما وجدت العلماء يذكرون في كتبهم أن الغريب إذا أقام في بلد الموصل سنة تبيّن في بدنه فضل قوة، وإن أقام ببغداد سنة تبيّن في عقله زيادة، وإن أقام بالأهواز سنة تبين في بدنه وعقله نقص، وإن أقام بالنّبّت سنة دام سروره واتصل فرحه، وما نعلم لذلك سببا إلا صحة هواء الموصل وعذوبة مائها ورداءة نسيم الأهواز وتكدر جوه وطيبة هواء بغداد ورقته ولطفه، فأما التّبّت فقد خفي علينا سببه، وليس للموصل عيب إلا قلة بساتينها وعدم جريان الماء في رساتيقها وشدة حرها في الصيف وعظم بردها في الشتاء، فأما أبنيتهم فهي حسنة جيدة وثيقة بهية المنظر لأنها تبنى بالنورة والرخام، ودورهم كلها آزاج وسراديب مبنية ولا يكادون يستعملون الخشب في سقوفهم البتة، وقلّ ما عدم شيء من الخيرات في بلد من الــبلدان إلا ووجد فيها، وسورها يشتمل على جامعين تقام فيهما الجمعة أحدهما بناه نور الدين محمود وهو في وسط السوق وهو طريق للذاهب والجائي مليح كبير، والآخر على نشز من الأرض في صقع من أصقاعها قديم وهو الذي استحدثه مروان بن محمد فيما أحسب، وقد ظلم أهل الموصل بتخصيصهم بالنسبة إلى اللواط حتى ضربوا بهم الأمثال، قال بعضهم:
كتب العذار على صحيفة خدّه ... سطرا يلوح لناظر المتأمل
بالغت في استخراجه فوجدته: ... لا رأي إلا رأي أهل الموصل
ولقد جئت البلاد ما بين جيحون والنيل فقلّ ما رأيته يخرج عن هذا المذهب فلا أدري لم خصّ به أهل الموصل، وقال السريّ بن أحمد الرفاء الشاعر الموصلي يتشوّقها:
سقّى ربى الموصل الفيحاء من بلد ... جود من المزن يحكي جود أهليها
أأندب العيش فيها أم أنوح على ... أيامها أم اعزّي في لياليها؟
أرض يحنّ إليها من يفارقها، ... ويحمد العيش فيها من يدانيها
قال بطليموس: مدينة الموصل طولها تسع وستون درجة، وعرضها أربع وثلاثون درجة وعشرون دقيقة، طالعها بيت حياتها عشرون درجة من الجدي تحت اثنتي عشرة درجة من السرطان، يقابلها مثلها من الجدي، بيت ملكها مثلها من الحمل، بيت عاقبتها مثلها من الميزان في الإقليم الرابع، ومن بغداد إلى الموصل أربعة وسبعون فرسخا، وأما من ينسب إلى الموصل من أهل العلم فأكثر من أن يحصوا ولكن نذكر من أعيانهم وحفّاظهم ومشهورهم ما ربما احتيج إلى كثير من الوقت عند الكشف عنهم، منهم: عبد العزيز بن حيان بن جابر بن حريث أبو القاسم الأزدي الموصلي، سمع الكثير ورحل فسمع بدمشق من هشام بن عمار ودحيم بن إبراهيم، وبحمص من محمد بن مصفّى، وبعسقلان الحسن بن أبي السري العسقلاني، وبمصر محمد بن رمح، وحدث عنهم وعن العباس بن سليم وأبان بن سفيان وإسحاق بن عبد الواحد ومحمد بن علي بن خداش وغسّان بن الربيع ومحمد بن عبد الله بن منير وأبي بكر بن أبي شيبة الكوفيين وأبي جعفر عبد الله بن محمد البقيلي وأحمد ابن عبد الملك وافد الحرّانيين، روى عنه ابناه أبو
جابر زيد وإبراهيم أبو عوانة الأسفرايينيّان، وقال أبو زكرياء يزيد بن محمد بن إياس الأزدي في كتاب طبقات محدّثي أهل الموصل: عبد العزيز بن حيان بن جابر بن حريث المعولي، ومعولة من الأزد، كان فيه فضل وصلاح، وطلب الحديث ورحل فيه وأكثر الكتابة، سمع من المواصلة والكوفيين والحرّانيين والجزريين وغيرهم وكتب بالشام وصنف حديثه وحدث الناس عنه دهرا طويلا، وتوفي سنة 261، وأبو يعلى أحمد بن علي بن المثنّى بن يحيى بن عيسى ابن هلال التميمي الموصلي الحافظ.

التّعديل

Entries on التّعديل in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
التّعديل:
[في الانكليزية] Rectification ،parallax ،equation
[ في الفرنسية] Rectification ،parallaxe ،equation
في اللغة التّسوية. وتعديل الأركان عند أهل الشرع تسكين الجوارح في الركوع والسجود والقومة والجلسة قدر تسبيحة، ويطلق على كلّ، فإنّه صار كاسم جنس، كذا في جامع الرموز في فصل صفة الصلاة. والتعديل عند الرياضيين يطلق على معان منها ما ذكره بعض المحاسبين كما سيأتي في لفظ الجبر ولفظ الرّد ومنها التعديل الأول ويسمّى بالاختلاف الأول أيضا لأنّه أول تفاوت وجد ويسمّى بالتعديل المفرد أيضا لانفراده عن غيره بخلاف التعديل الثاني فإنّه مخلوط بالأول، هذا عند أهل الهيئة. وأهل العمل منهم أي أصحاب الزيجات يسمّونه بالتعديل الثاني لتأخره بحسب العمل عن التعديل الثالث الذي يسمّونه تعديلا أولا، وهو قوس بين الوسط والتقويم. قال عبد العلي البرجندي في حاشية الچغميني هذا في الشمس والقمر صحيح وأمّا في المتحيّرة فما بين الوسط المعدّل والتقويم هو التعديل الأول، وأمّا ما بين الوسط الغير المعدّل والتقويم فلا يسمّى عندهم باسم.
فالظاهر أنّه أراد المصنّف بالوسط الوسط المعدل أي المعدّل بالتعديل الثالث. وزاوية التعديل وقد تسمّى بالتعديل أيضا كما يستفاد من شرح التذكرة للعلي البرجندي هي الحادثة على مركز العالم بين خطين خارجين منه أحدهما وسطي والآخر تقويمي، وهذا هو قول المحقّقين منهم. ومقدار هذه الزاوية هو قوس التعديل لأنّ مقدار الزاوية قوس فيما بين ضلعيها موترة لها من دائرة مركزها رأس الزاوية وهذا هو الحق.
وقيل القوس الواقعة من فلك البروج بين طرفي الخطين أي الخطّ الخارج عن مركز الخارج والخط الخارج من مركز العالم المارّين بمركز الشمس المنتهيين إلى دائرة البروج هي تعديل الشمس. ولما كان الخطان المذكوران متقاطعين عند مركز الشمس كان هناك زاويتان متقابلتان متساويتان، إحداهما فوق مركز الشمس وتسمّى زاوية تعديلية والأخرى تحت مركز الشمس وتسمّى أيضا بزاوية تعديلية لكونها مساوية للأولى، وهذا القول ليس بصحيح، وإن شئت وجهه فارجع إلى كتب علم الهيئة.
اعلم أنّ الشمس إذا كانت صاعدة أي متوجهة من الحضيض إلى الأوج يزاد هذا التعديل على وسطها، فالمجموع هو التقويم.
وإذا كانت هابطة أي متوجهة من الأوج إلى الحضيض ينقص هذا التعديل من الوسط، فبالباقي هو التقويم، وليس في الشمس سوى هذا تعديل آخر. وأما الخمسة المتحيّرة فيزاد فيها التعديل على الوسط إذا كانت هابطة وينقص عنه إذا كانت صاعدة، فالمجموع أو الباقي هو التقويم. والحال في القمر بالعكس.
ودلائل هذه المقدمات تطلب من كتب الهيئة، وغاية هذا التعديل بقدر نصف قطر التدوير.
ومنها التعديل الثاني ويسمّى بالاختلاف الثاني أيضا وهو القوس المذكورة أي التعديل الأول باعتبار اختلافها في الرؤية صغرا وكبرا بحسب بعد مركز التدوير عن مركز العالم وقربه منه، وذلك لأنّ مركز التدوير إذا كان في حضيض الحامل فنصف قطره بسبب قربه من مركز العالم يرى أكبر وإذا كان في أوج الحامل فنصف قطره بسبب بعده عنه يرى أصغر فلذلك تختلف القوس المذكورة وهذا الاختلاف يلحق الاختلاف الأول بقدر ذلك الاختلاف في نصف القطر، فينقص منه إذا كان مركز التدوير أبعد من البعد الأوسط ويزاد عليه إذا كان أقرب منه، ويكون بعد ذلك أي بعد نقصانه عن الاختلاف الأول أو زيادته عليه تابعا له أي للاختلاف الأول في الزيادة والنقصان على الوسط، وهذا عند من وضع مراكز تداوير المتحيّرة في البعد الأوسط واستخرج الاختلاف الأول منها فيه فإنّ الاختلاف الثاني فيها قد يكون بحسب البعد الأبعد فيكون ناقصا عن الاختلاف الأول وقد يكون بحسب البعد الأقرب فيكون زائدا عليه.
وأما عند من وضع مراكز تداويرها في الأوج واستخرج الاختلاف الأول منها فيه فلا محالة يزيد الاختلاف الثاني دائما على الأول، وهكذا الحال في القمر فإنّ اختلاف الأول للقمر إنما وضع في الأوج الذي هو البعد الأبعد. ثم إنّ ما حصل من زيادة الاختلاف الثاني على الأول أو ما بقي بعد نقصه منه يسمّى تعديلا معدلا.
اعلم أنّ هذا الاختلاف في المتحيّرة يسمّى أيضا اختلاف البعد الأبعد والأقرب لاشتماله عليهما، فهو إمّا على سبيل التغليب وإمّا على أنه اختلاف بعد هو أبعد من البعد الأوسط أو أقرب منه، وهذا بخلاف ما في القمر فإنه يسمّى اختلاف البعد الأقرب فقط، إمّا لتغليب أقرب الأبعاد أعني الحضيضية على سائرها وإمّا لأنه اختلاف بعد هو أقرب من البعد الأوجي. وقيل غاية الاختلاف الثاني اختلاف البعد الأقرب وهو الموافق لما ذهب إليه صاحب المجسطي ومن تبعه من أصحاب الزيجات من تسمية الاختلاف الثاني عند كون مركز التدوير في الحضيض باختلاف البعد الأقرب، وقد يسمونها بالاختلاف المطلق أيضا. هذا وقد قيل إنّ أهل الهيئة يسمّون الاختلاف الثاني مطلقا سواء كان مركز التدوير في الحضيض أو لم يكن اختلاف البعد الأقرب لما دلّ البرهان على وجوده وإن لم يعرفوا مقداره. وأما أهل العمل أي أصحاب الزيجات فيسمّون الاختلاف الثاني عند كون مركز التدوير في الحضيض اختلاف البعد الأقرب لأنه معلوم عندهم موضوع في الجدول. وأمّا في سائر المنازل فهو غير معلوم لهم ولا بموضوع في الجدول لجزء جزء إلّا غايته، فإنها مستخرجة لسهولة تظهر في العمل، فلهذا لم يسمّوه في سائر المنازل باسم، وتوضيح السهولة التي ذكرناها أنهم استخرجوا الاختلافات الثانية لنقطة التماس بحسب كون مركز التدوير في الأبعاد المختلفة ونقلوها إلى أجزاء يكون الاختلاف الثاني لنقطة التماس عند كون مركز التدوير في الحضيض، أعني غاية الاختلاف الثاني لنقطة التماس بتلك الأجزاء ستين دقيقة، وسمّوها دقائق الحضيض، ووضعوها بإزاء أجزاء المركز.
كما أنهم وضعوا الاختلاف الأول وغاية الاختلاف الثاني لأجزاء التدوير معا بإزاء أجزاء الخاصة المعدّلة. وقد تقرّر أنّ نسبة غاية الاختلاف الثاني لنقطة التماس إلى غاية الاختلاف الثاني لجزء مفروض كنسبة الاختلاف الثاني لنقطة التماس عند كون التدوير في بعد غير الحضيض، أعني كنسبة دقائق الحضيض إلى الاختلاف الثاني لذلك الجزء في ذلك البعد، ولمّا كان المقدّم في النسبة الأولى واحدا أعني ستين دقيقة وقسمة المضروب عليه وعدمها سواء فبقاعدة الأربعة المتناسبة إذا ضرب غاية الاختلاف الثاني للجزء المفروض في دقائق الحضيض وهما معلومان من الجدول، ويكون الحاصل الاختلاف الثاني لذلك الجزء بحسب البعد المفروض، فيحصل بهذا العمل الاختلافات الثانية لأجزاء التدوير بحسب كونها في الأبعاد المختلفة من غير أن يحتاج إلى وضع جميعها في الجدول.
فائدة:
قد فسّر صاحب التذكرة وشارحوها الاختلاف الأول والثاني بالزاوية الحاصلة عند مركز العالم لا بالقوس، والأمر في ذلك سهل، فإنّ الزوايا إنما تتقدر بالقسي الموترة لها فيجوز أن يفسّر الاختلاف الأول بقوس بين الوسط والتقويم وأن يفسر بزاوية حادثة على مركز العالم بين خطّين الخ، فإنّ المآل واحد كما لا يخفى.
فائدة:
هذا الاختلاف هو الاختلاف الأول بعينه في الحقيقة سواء كان مركز التدوير في البعد الأبعد أو لم يكن، إلّا أنهم لما أرادوا وضع التعديل في الجدول فرضوا مركز التدوير في بعد معيّن واستخرجوا مقادير زوايا التعديل بحسب ذلك البعد ووضعوها في جدول واستخرجوا أيضا تفاوت التعديلات بحسب وقوع مركز التدوير في أبعاد اخر بقاعدة مذكورة سابقا، ويجمعون هذا التفاوت مع التعديل المذكور أو ينقصونه منه ليحصل التعديل بحسب ما هو الواقع في البعد المفروض، ففرض بطليموس ومن تابعه مركز التدوير القمري ثابتا في الأوج وسمّوا تلك الزوايا عند كونه في الأوج بالاختلاف الأول، والزيادات عليها في سائر المنازل بالاختلافات الثانية. وبعض أصحاب الزيجات فرض مركز تدويره ثابتا في الحضيض واستخرج مقادير الزوايا ويسمّى النقصانات عنها في سائر المنازل بالاختلافات الثانية. وبعضهم فرضه ثابتا في البعد الأوسط ويسمّى الزيادات في النصف الحضيضي والنقصانات في النصف الأوجي بالاختلافات الثانية، ولا مشاحة في الاصطلاحات. والغرض من جميع ذلك تسهيل الأمر على أهل العمل، وإلّا فالاختلاف بحسب الواقع واحد، والأليق بعلم الهيئة إنما هو ذكر هذا الاختلاف. وأمّا تشقيصه إلى الاختلاف الأول والثاني فلائق بكتب العمل أي الزيجات كما لا يخفى، لكن جميع أهل الهيئة ذكروا هذين الاختلافين. هكذا ذكر العلي البرجندي في شرح التذكرة وحاشية الچغميني.
ومنها التعديل الثالث ويسمّى بالاختلاف الثالث أيضا. وأهل العمل يسمّونه بالتعديل الأول سواء كان في القمر أو في غيره لتقدمه على الأولين بحسب العمل، كذا في شرح، التذكرة. وهو يطلق على معنيين: أحدهما تعديل المركز لتعديله به، والثاني تعديل الخاصة لتعديلها به، ويسمّى أيضا فضل ما بين الخاصتين، كذا في شرح التذكرة أيضا. فتعديل المركز هو قوس من الممثل في المتحيّرة ومن المائل في القمر محصورة بين طرف خط وسطي وخط المركز المعدّل أي المخرج من مركز العالم المارّ بمركز التدوير إلى الممثل أو المائل. وتعديل الخاصة هو قوس من منطقة التدوير بين الذروة المرئية والوسطية.
وتوضيح ذلك أنّه إذا أخرج خطان أحدهما من مركز العالم إلى مركز التدوير والآخر من مركز معدل المسير إليه، فبعد إخراجهما يحصل عند مركز التدوير أربع زوايا، اثنتان منها حادّتان متساويتان، فالتي في جانب الفوق يعتبر مقدارها من منطقة التدوير وهو قوس منها ما بين الذروتين من الجانب الأقرب وتسمّى تعديل الخاصة والتي في جانب السفل يعتبر مقدارها من منطقة الممثل، وذلك بأن يخرج من مركز العالم خط مواز للخط الخارج من مركز معدّل المسير إلى مركز التدوير ويخرجان إلى سطح الممثل، فالقوس الواقعة من الممثل بين طرفي هذين الخطين من الجانب الأقرب هي مقدار تلك الزاوية وتسمّى تعديل المركز. فإذا كان مركز التدوير في النصف الهابط كانت الزاوية الحاصلة عند مركز معدّل المسير من الخطين من أحدهما إلى الأوج والآخر إلى مركز التدوير أعظم من الزاوية الحاصلة عند مركز العالم بقدر تعديل المركز، وفي النصف الصاعد الأمر بالعكس، فلذلك ينقص عن المركز، أي عن مركز التدوير في النصف الهابط، ويزاد عليه في النصف الصاعد ليحصل المركز المعدل. ثم نقول إن تقاطع الخط المارّ بمركز التدوير مع أعلى منطقته كان أقرب إلى الأوج إن كان خارجا عن مركز العالم وأبعد عنه إن كان خارجا عن مركز معدل المسير، فإن كان مركز التدوير هابطا يزاد عليه تعديل الخاصة على الخاصة الوسطية التي هي معلومة في كل حال، لأن حركات التداوير معلومة لكونها على وتيرة واحدة، وفي النصف الآخر ينقص منها لتحصل الخاصة المعدّلة المسمّاة بالخاصة المرئية، التي بها يعلم التعديل الأول والثاني. ولمّا كان ما بين الذروتين في المتحيّرة مساويا لما بين الخط الوسطي وخط المركز المعدّل لتساوي الزاويتين الحادّتين الحاصلتين عند مركز التدوير من إخراج هذين الخطين كما عرفت، لم يحتج في استخراج تقويمها إلى تعديل أزيد من الثلاثة أي تعديل المركز والتعديل الأول والثاني، وكان تعديل المركز والخاصة فيها واحدا. ولمّا كان خط الوسط وخط المركز المعدل في القمر ينطبق أحدهما على الآخر أبدا لكون حركة تدوير القمر متشابهة حول مركز العالم لم يحتج في القمر إلى تعديل المركز، بل إلى تعديل الخاصة، والتعديلين الأولين. هكذا يستفاد من تصانيف عبد العلي البرجندي. وكأنه لهذا التساوي والانطباق قال صاحب التذكرة في بيان التعديل الثالث للقمر: ويسمّى هذا التعديل تعديل الخاصة. وقال في بيان التعديل الثالث للمتحيّرة: ويسمّى هذا التعديل تعديل المركز والخاصة. وقال شارحه أي العلي البرجندي إنما سمّي بتعديل المركز والخاصة لتعديلهما به.
فائدة:
حال هذا التعديل في القمر في زيادته على الخاصة الوسطية ونقصه منها كحال المتحيّرة لأنّ حركة أعلى تدوير القمر وإنّ كانت مخالفة لحركة أعالي تداوير المتحيّرة لكن مركز معدل المسير في المتحيّرة فوق مركز العالم ونقطة المحاذاة في القمر تحت مركز العالم بالنسبة إلى الأوج. ومنها تعديل النقل وهو التفاوت بين بعد موضعي القمر من منطقتي الممثل والمائل عن العقدتين ويسمّى الاختلاف الرابع أيضا. وأهل العمل يسمّونه التعديل الثالث أيضا، وذلك لأنهم سمّوا الاختلاف الثالث والأول بالتعديل الأول والتعديل الثاني فسمّوا هذا بالتعديل الثالث ويعتبر ذلك التفاوت إذا أريد تحويل موضعه أي موضع القمر من المائل إلى موضعه من الممثل، وقلّما يحتاج إلى عكسه. ولهذا أي لكون الاحتياج إلى عكسه قليلا يسمّى هذا التحويل في كتب العمل نقل القمر من المائل إلى البروج، هكذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح التذكرة. وقال في حاشية الچغميني توضيحه أنّ وسط القمر مأخوذ من منطقة المائل لأنّه إذا أخذ ذلك من منطقة البروج لا يكون متشابها وإن اتّحد مركزاهما لاختلاف منطقتيهما، فإذا مرّت دائرة عرض بمركز التدوير تقاطع منطقة البروج على قوائم فيحدث من قوس العرض ومن القوسين الكائنتين من المائل والممثل اللتين مبدأهما العقدة ومنتهاهما دائرة العرض المذكورة مثلّث زاوية تقاطع العرضية مع الممثل فيه قائمة، وزاوية تقاطعها مع المائل حادّة، فالقوس من المائل التي هي الوسط أعظم من القوس التي هي من الممثل، أعني التقويم، والتفاوت بينهما يسمّى تعديل النقل إذ به ينقل مقدار القوس من المائل إلى القوس من الممثل، فإن كان الوسط من الربع الأول والثالث أعني مؤخرا عن إحدى العقدتين ينقص تعديل النقل منه، وإن كان من الربعين الآخرين يزاد عليه لتحصل القوس من الممثل. وهذا التفاوت ليس شيئا واحدا دائما بل إذا صار مركز التدوير إلى بعد ثمن من العقدة تقريبا صار هذا التفاوت في الغاية، وبعد ذلك يتناقص إلى أن يبلغ مركز التدوير إلى منتصف ما بين العقدتين، وحينئذ ينعدم التفاوت. وقال في شرح التذكرة: اعلم أنه ذكر المحقّق الشريف تبعا لصاحب التحفة أنّ تعديل النقل هو القوس الواقعة من الممثل بين تقاطعي الممثل مع الدائرتين المارّتين بمركز القمر، إحداهما تمرّ بقطبي الممثل والأخرى بقطبي المائل وهو سهو. ومنها تعديل النهار وهو قوس بين مطالع جزء من أجزاء فلك البروج بخط الإستواء، وبين مطالعه بالــبلد، وذلك لأنّ لأجزاء فلك البروج مطالع في خط الاستواء، وكذا لها مطالع في الآفاق المائلة وبين المطالعين تفاوت، وهذا التفاوت يسمّى تعديل النهار، وتعديل نهار نقطة الانقلاب يسمّى بتعديل النهار الكلّي.
اعلم أنّ قوس فضل مطالع الاستواء على مطالع الــبلد وقوس فضل مغارب الــبلد على مغارب الاستواء في الآفاق الشمالية متساويتان، فإذا زيدتا على نهار الإستواء حصل نهار الــبلد وإذا نقصتا عن نهار الــبلد كان الباقي نهار الاستواء، وكذا الحال في الآفاق الجنوبية، إلّا أنّ الأمر فيها على عكس ذلك في الزيادة والنقصان كما يظهر بأدنى تأمّل. فتعديل النهار في الحقيقة هو مجموع القوسين لا إحداهما التي هي قوس فضل المطالع على المطالع، لكن القوم أطلقوا تعديل النهار عليها إذ بها يعرف التعديل، وتوضيحه يطلب من شرح الملخّص للسيد السند. ومنها تعديل الأيام بلياليها وهو التفاوت بين اليوم الحقيقي واليوم الوسطي كما سيجيء في لفظ اليوم. ومنها اسم عمل مخصوص يعلم به التعديلات وغيرها المجهولة أي غير المسطورة في جداول الزيجات.

ويقول في سراج الاستخراج: إذا كانوا يريدون حصة تعديل عددي من جدول التعديل وليس موجودا في سطر العدد، فيبحثون عن عددين متواليين، بحيث يكون العدد الأول أقلّ من المطلوب والثاني أكثر. فحينئذ يأخذون التفاضل بين الحصتين في العددين المذكورين.
ثم يضربون رقم التفاضل في العدد المفروض ثم يقسمون الحاصل على التفاضل بين كلا العددين، وما يبقى خارج القسمة يضيفونه إلى حصة العدد الأقل حتى يحصلوا على المطلوب.
وهذا العمل يسمّونه التعديل.
وإذا كانت الحصّة معلومة والعدد مجهولا فتطلب حصتين متواليتين إحداهما من عدد معلوم أقلّ والثانية من عدد معلوم أكثر. ثم التفاضل ما بين كلا العددين نضربه بالتفاضل بين الحصّة المقدّمة والحصّة المعلومة. ونقسم الحاصل على التفاضل الموضوع بين كلا الحصتين. ونضيف الخارج على العدد الأقلّ حتى يصير العدد المجهول معلوما، وهذا العمل يقال له التقويس، ذلك لأنه بهذا العمل قوس تلك الحصة يصير معلوما، وهذا الأسلوب في استخراج الطوالع من المطالع ناجح. وقريب من هذا العمل عمل التعديل الذي يعملونه من الأسطرلاب. ومبنى كلا العملين على الأربعة المتناسبة، وتحقيق هذا العمل يجب أن يكون معلوما من باب (العشرين بابا) وشرحه.
Twitter/X
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.