Current Dictionary: All Dictionaries

Search results for: التف

الْملك

Entries on الْملك in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْملك: بِالضَّمِّ وَسُكُون اللَّام السلطنة - وبفتح الأول وَكسر الثَّانِي السُّلْطَان وَجمعه الْمُلُوك - وَقد يُطلق على عدَّة بقاع وبلاد وأمصار وقريات وأراضيها - وَجَمعهَا الممالك. وَعند أهل الْحَقَائِق عَالم الشَّهَادَة من المحسوسات الْغَيْر العنصرية كالعرش والكرسي وَغير ذَلِك. والعنصرية وَهِي كل جسم يتركب من الاسطقسات الْأَرْبَعَة - (وبالفتحتين) فرشته وَهُوَ جسم لطيف نوارني يتشكل بأشكال مُخْتَلفَة وَكَانَ فِي الأَصْل مألك بِسُكُون الْهمزَة من الألوك بِالْفَتْح أَي الرسَالَة - قدم اللَّام على الْهمزَة فَصَارَ ملئكا وحذفت الْهمزَة للتَّخْفِيف فَصَارَ ملكا. وَإِنَّمَا سمي الْملك ملكا لِأَن الْملك يَأْتِي بالألوك أَي الرسَالَة وَجمعه الْمَلَائِكَة - وبكسر الْمِيم وَسُكُون اللَّام مَالك شدن وَجَاء بِمَعْنى الْمَمْلُوك أَيْضا وَفِي الْفِقْه الْملك بِالْكَسْرِ مَا من شَأْنه أَن يتَصَرَّف بِوَصْف الِاخْتِصَاص بِأَن يتَصَرَّف هُوَ دون غَيره. وَأَيْضًا فِي اصْطِلَاح الْفِقْه الْملك اتِّصَال شَرْعِي بَين الْإِنْسَان وَبَين شَيْء يكون سَببا لتصرفه فِيهِ ومانعا عَن تصرف غَيره فِيهِ كَمَا مر فِي المَال. وَعند الْحُكَمَاء الْملك بِالْكَسْرِ مقولة من المقولات التِّسْعَة للعرض وعرفوه بالهيئة الْحَاصِلَة للجسم بِسَبَب إحاطة جسم آخر ينْتَقل بانتقال الْجِسْم المحاط كالهيئة الْحَاصِلَة للجسم بِسَبَب التعمم والتقمص - وَيُقَال للْملك جدة أَيْضا.
وَإِن أردْت دراية نور الْهِدَايَة لينكشف عَنْك ظلمَة التَّعَارُض وظلام التَّنَاقُض ويتضح لَك صِرَاط مُسْتَقِيم وَطَرِيق قويم إِلَى أَن النِّسْبَة بَين الرّقّ وَالْملك من النّسَب الْأَرْبَع مَا هُوَ فاستمع لما أَقُول إِن أول مَا يُوصف بِهِ الماسور الرّقّ وَلَا يُوصف بِالْملكِ إِلَّا بعد الْإِخْرَاج من دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام وَإِن الْكفَّار فِي دَارهم قبل الْإِحْرَاز والإخراج أرقاء وَإِن لم يكن عَلَيْهِم ملك لأحد فهم حِينَئِذٍ أرقاء لَا مماليك. وَلِهَذَا قَالَ صَاحب جَامع الرموز شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة عِنْد شرح ونملك بهما حرهم أَي ونملك نَحن بِالِاسْتِيلَاءِ والإحراز حرهم. وَفِيه إِشْعَار بِأَن الْكفَّار فِي دَارهم أَحْرَار وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُم أرقاء فِيهَا. وَإِن لم يكن ملك عَلَيْهِم لأحد على مَا فِي عتاق الْمُسْتَصْفى انْتهى. وَإِن الرّقّ خَاص بالإنسان بِخِلَاف الْملك فَإِنَّهُ يُوجد فِيهِ وَفِيمَا سواهُ من سَائِر الْحَيَوَانَات والجمادات كالعروض وَالْعَقار وَهَذِه مُقَدمَات يتَوَقَّف عَلَيْهَا معرفَة النِّسْبَة بَينهمَا فَاعْلَم أَن الْجُمْهُور مِنْهُم صَاحب غَايَة الْبَيَان ذَهَبُوا إِلَى أَن بَينهمَا عُمُوما من وَجه وشارح الْوِقَايَة الَّذِي هُوَ مصَارِع الْعلمَاء خَالف الْجُمْهُور وَتفرد عَنْهُم كَمَا هُوَ دأبه حَيْثُ صرح بِالْعُمُومِ الْمُطلق بَينهمَا.
وتوضيح هَذَا الْمُجْمل أَن حَاصِل عِبَارَات الْجُمْهُور فِي تعريفي الرّقّ وَالْملك أَن الرّقّ هُوَ الذل الَّذِي رَكبه الله تَعَالَى على عباده جَزَاء استنكافهم عَن طَاعَته تَعَالَى. وَالْملك هُوَ تمكن الْإِنْسَان من التَّصَرُّف فِي غَيره. وَقَالَ الْفَاضِل الْكَامِل أَبُو المكارم فِي شرح النقاية أما الْملك فَهُوَ حَالَة شَرْعِيَّة مقتضية لإِطْلَاق التَّصَرُّف فِي محلهَا لَوْلَا الْمَانِع من إِطْلَاقه كملك الْخمر - وَأما الرّقّ فَهُوَ ضعف شَرْعِي فِي الْإِنْسَان يُوجب عَجزه عَن دفع تملك الْغَيْر إِيَّاه وَعَن الْولَايَة كَالشَّهَادَةِ والمالكية. وَفِي مَوضِع آخر وَقد نبهناك أَن الرّقّ أَعم من الْملك من وَجه.
وَقَالَ صَاحب غَايَة الْبَيَان وَاعْلَم أَن بَين الْملك وَالرّق مُغَايرَة لِأَن الرّقّ ضعف حكمي يصير بِهِ الشَّخْص عرضة للتَّمْلِيك والابتذال شرع جَزَاء للكفر الْأَصْلِيّ. وَالْملك عبارَة من الْمُطلق الحاجز أَي الْمُطلق للتَّصَرُّف لمن قَامَ بِهِ الْملك الحاجز عَن التَّصَرُّف لغير من قَامَ بِهِ. وَقد يُوجد الرّقّ وَلَا ملك ثمه كَمَا فِي الْكَافِر الْحَرْبِيّ فِي دَار الْحَرْب والمستأمن فِي دَار الْإِسْلَام لأَنهم خلقُوا أرقاء جَزَاء للكفر وَلَكِن لَا ملك لأحد عَلَيْهِم. وَقد يُوجد الْملك وَلَا رق كَمَا فِي الْعرُوض والبهائم لِأَن الرّقّ مُخْتَصّ ببني آدم وَقد يَجْتَمِعَانِ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرك انْتهى.
فَظهر من هَذَا الْمَذْكُور أَن النِّسْبَة بَينهمَا عِنْدهم الْعُمُوم من وَجه - ومادة الِافْتِرَاق من قبل الرّقّ الْكَافِر الْمُسْتَأْمن فِي دَار الْإِسْلَام وَالْكَافِر فِي دَار الْحَرْب سَوَاء لم يكن مسبيا أَو كَانَ مسبيا لَكِن لم يخرج من دَار الْحَرْب وَلم ينْقل إِلَى دَار الْإِسْلَام لتحَقّق الذل الَّذِي هُوَ جَزَاء الاستنكاف وَوُجُود الضعْف الْحكمِي الَّذِي يَقْتَضِي الْعَجز أَو يصير بِسَبَبِهِ عرضة للْبيع وَلَا ملك لأحد فيهمَا لعدم تملك التَّصَرُّف وَعدم الْمُطلق الحاجز على كلا التفــسيرين المتحدين فِي الْمَآل لما مر - وَلِهَذَا لَا يجوز التَّصَرُّف فِي السبايا فِي دَار الْحَرْب بالوطي وَالْبيع أَو غَيرهمَا كَمَا هُوَ مُصَرح فِي مَوْضِعه. ومادة الِافْتِرَاق من جَانب الْملك البهايم وَالْعرُوض مثلا فَإِنَّهَا مَمْلُوكَة لَا مرقوقة لاخْتِصَاص الرّقّ بالإنسان كَمَا علمت - ومادة الِاجْتِمَاع والتصادق السبايا بعد انتقالهم من دَار الْحَرْب إِلَى دَار الْإِسْلَام لما مر. أَلا ترى أَنهم صَرَّحُوا بتحقق الْملك فيهم وَالرّق أَيْضا وَلذَا قَالُوا إِن الرّقّ بَاقٍ إِلَى الْعتْق وَالْعِتْق لَا يكون إِلَّا بعد الِانْتِقَال.
فَإِن قيل صَاحب غَايَة الْبَيَان مثل لمادة الِاجْتِمَاع بِالْعَبدِ الْمُشْتَرك وَخص هَذَا الْمِثَال بِالذكر وَاخْتَارَهُ من الْأَمْثِلَة لَهَا مَعَ خفائه وجلاء مَا سواهُ فِي التطبيق بالممثل فَلَا بُد من مُرَجّح قُلْنَا لما كَانَ فِي الْمِثَال الْمَذْكُور خَفَاء ومظنة أَن لَا يكون مندرجا تَحت الممثل مثله بِهِ ليَكُون متضمنا لدفع تِلْكَ المظنة الَّتِي تنشأ من وَجْهَيْن.

أَحدهمَا: أَنهم صَرَّحُوا بِأَن الرّقّ حق الله تَعَالَى وَالْملك حق العَبْد وَأَن الْملك يتجزى وَالرّق لَا يتجزى فَالْعَبْد الْمُشْتَرك كُله رَقِيق لحقه تَعَالَى وَلَيْسَ بمملوك لأحد الشَّرِيكَيْنِ وَالْملك الْمُضَاف إِلَى الْمَجْمُوع يُرَاد بِهِ ملك الْمَجْمُوع أَلا ترى أَنه تقرر فِي الْأُصُول أَن رجلا إِذا قَالَ إِن ملكت عبدا فَهُوَ حر فَاشْترى نصفه ثمَّ بَاعه ثمَّ اشْترى نصفه الآخر لَا يعْتق عَلَيْهِ هَذَا النّصْف فَلَو اشْتَمَل الْملك الْمُضَاف إِلَى العَبْد على ملك شقصه لعتق هَذَا النّصْف لتحَقّق الشَّرْط فَفِي الْمِثَال الْمَذْكُور أَعنِي العَبْد الْمُشْتَرك يصدق أَنه لَيْسَ بمملوك لأحد فَإِن كل وَاحِد لَا يملكهُ مَعَ أَنه مرقوق فيظن أَنه لَا يصلح لِأَن يكون مَادَّة الِاجْتِمَاع ومثالا لَهَا.
وَدفع هَذِه المظنة بِأَن يُقَال لَا يلْزم من أَن لَا يكون مَمْلُوكا. لأَحَدهمَا: أَن لَا يكون مَمْلُوكا لكليهما فمجموعه مَمْلُوك لمجموعهما فتحقق الْملك أَيْضا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَجْمُوع فيصلح لِأَن يكون مَادَّة الِاجْتِمَاع ومثالا لَهَا.

وَثَانِيهمَا: أَنه يُمكن أَن يُقَاس العَبْد الْمُشْتَرك على الْغَنِيمَة بعلة الِاشْتِرَاك فَإِن الِاشْتِرَاك مِمَّا هُوَ مَانع عَن الْملك فِي الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة. كَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون مَانِعا فِي العَبْد الْمُشْتَرك فَلَا يكون مَمْلُوكا لأحد فَلَا يصطلح مثلا لمادة اجْتِمَاع الْملك وَالرّق. وَدفعه بِأَنَّهُ قِيَاس مَعَ الْفَارِق فَإِن الِاشْتِرَاك فِي الْغَنِيمَة قبل الْقِسْمَة اشْتِرَاك تعلق الْحُقُوق وَهُوَ لَا يَقْتَضِي الْملك وَفِي العَبْد الْمُشْتَرك اشْتِرَاك الْملك وَهُوَ يَقْتَضِي الْملك فضلا عَن أَن يكون مَانِعا عَن الْملك.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن شَارِح الْوِقَايَة صرح بِالْعُمُومِ الْمُطلق بَين الرّقّ وَالْملك لِأَنَّهُ قَالَ فِي شرح الْوِقَايَة وَاعْلَم أَن الرّقّ هُوَ عجز شَرْعِي يثبت فِي الْإِنْسَان أثرا للكفر وَهُوَ حق الله تَعَالَى. وَأما الْملك فَهُوَ اتِّصَال شَرْعِي بَين الْإِنْسَان وَبَين شَيْء يكون مُطلقًا لتصرفه فِيهِ وحاجزا عَن تصرف الْغَيْر. فالشيء يكون مَمْلُوكا وَلَا يكون مرقوقا لَكِن لَا يكون مرقوقا إِلَّا وَأَن يكون مَمْلُوكا انْتهى.
وَإِنَّمَا نشأت الْمُخَالفَة بتفسيره الرّقّ بِالْعَجزِ الشَّرْعِيّ وَأَنَّهُمْ فسروه بالذل الْمَذْكُور أَو الضعْف المسطور. فالكافر فِي دَار الْحَرْب مسبيا كَانَ أَو لَا عِنْدهم مرقوق لوُجُود الذل والضعف الْحكمِي لَا مماليك لما مر. وَعِنْده الْكَافِر الْغَيْر المسبي فِي دَار الْحَرْب حر لعدم الْعَجز الشَّرْعِيّ فِيهِ لتملكه الشَّهَادَة والمالكية شرعا ولقدرته على دفع تملك الْغَيْر إِيَّاه - فَإِن أحدا لَا يقدر شرعا أَن يَتَمَلَّكهُ فِي ذَلِك الْحِين فَلَا يتَحَقَّق الْعَجز عَن ذَلِك الدّفع الْمَذْكُور إِلَّا بعد الْإِحْرَاز فَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق الْملك أَيْضا فَثَبت على مَا عرف الرّقّ بِهِ أَن كل رَقِيق مَمْلُوك وَلَا عكس.
وَلَكِن يرد عَلَيْهِ منع هَذِه الْكُلية بِسَنَد أَن العَبْد الْمَبِيع بِشَرْط خِيَار المُشْتَرِي دون البَائِع رَقِيق وَلَيْسَ بمملوك عِنْد أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى لِأَنَّهُ يخرج عَن ملك البَائِع وَلَا يدْخل فِي ملك المُشْتَرِي عِنْده خلافًا لَهما. وَأَن العَبْد الَّذِي اشْتَرَاهُ مُتَوَلِّي الْوَقْف لخدمة الْوَقْف فَإِنَّهُ خرج عَن ملك البَائِع للْبيع وَلم يدْخل فِي ملك المُشْتَرِي لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ من مَال الْوَقْف. وَأَن العَبْد من التَّرِكَة المستغرقة بِالدّينِ رَقِيق وَلَيْسَ بمملوك أَيْضا لِأَنَّهُ خرج عَن ملك الْمَيِّت وَلم يدْخل فِي ملك الْوَرَثَة وَلَا للْغُرَمَاء كَمَا فِي بَحر الرَّائِق وَغَيره.
فَهَذِهِ العبيد الثَّلَاثَة أرقاء وَلَيْسوا بمماليك فَقَوله لَا يكون مرقوقا إِلَّا وَأَن يكون مَمْلُوكا لَيْسَ بِصَحِيح فَلَا يثبت الْعُمُوم الْمُطلق بَين الرّقّ وَالْملك على مَا عرفهما بِهِ. إِلَّا أَن يُقَال إِنَّه اخْتَار أَن التصادق الْمُعْتَبر فِي النّسَب إِيجَابا وسلبا لَيْسَ بمشروط بِأَن يكون فِي زمَان وَاحِد بل يَكْفِي أَن يصدق كلي فِي زمَان على مَا يصدق عَلَيْهِ الْكُلِّي الآخر وَإِن كَانَ فِي زمَان آخر فَكَمَا أَن بَين النَّائِم والمستيقظ تَسَاويا كَذَلِك بَين النَّائِم المستلقي والمستيقظ عُمُوما مُطلقًا كَمَا ذكرنَا فِي تَحْقِيق التَّسَاوِي فَحِينَئِذٍ يصدق أَن كل مَا هُوَ رَقِيق فَهُوَ مَمْلُوك وَأَن تغاير زَمَانا الصدْق كَمَا يصدق كل نَائِم مستلق فَهُوَ مستيقظ وَإِن كَانَ نَائِما فِي زمَان ومستيقظا فِي زمَان آخر.
فَإِن قيل إِن النزاع بَينه وَبَين الْجُمْهُور لَفْظِي أَو معنوي. قُلْنَا لَفْظِي مَنُوط باخْتلَاف التفــسيرين كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ آنِفا بقولنَا وَإِنَّمَا نشأت الْمُخَالفَة بتفسيره الرّقّ إِلَى آخِره. فَإِن قلت اعْترض صَاحب جَامع الرموز شرح مُخْتَصر الْوِقَايَة على شَارِح الْوِقَايَة المُصَنّف لمختصر الْوِقَايَة بقوله فَمَا ذكره المُصَنّف وَغَيره أَن الرّقّ لم يُوجد بِلَا ملك فَلَا يَخْلُو عَن شَيْء فالرق عجز شَرْعِي لأثر الْكفْر انْتهى. فَهُوَ فسر الرّقّ بِمَا فسره بِهِ شَارِح الْوِقَايَة مَعَ أَنه قَائِل بِالْعُمُومِ من وَجه بَينهمَا.
فَيعلم من هَا هُنَا أَن النزاع معنوي قُلْنَا أَرَادَ صَاحب جَامع الرموز بِالْعَجزِ الشَّرْعِيّ مَا هُوَ بِالْقُوَّةِ فَيتَحَقَّق حِينَئِذٍ فِي الْحَرْبِيّ فِي دَار الْحَرْب والمستأمن فِي دَارنَا. وَصَاحب شرح الْوِقَايَة الْقَائِل بِالْعُمُومِ الْمُطلق يُرِيد بِهِ مَا هُوَ فِي الْحَال فَافْتَرقَا. فَإِن قيل أَي شَيْء حمل صَاحب شرح الْوِقَايَة على تَفْسِير الرّقّ بِمَا ذكر وَالْقَوْل بِالْعُمُومِ الْمُطلق بَينه وَبَين الْملك حَتَّى لَزِمته الْمُخَالفَة مَعَ الْجُمْهُور. قُلْنَا لَعَلَّ منشأ ذَلِك التَّفْــسِير وَالْقَوْل الْمَذْكُور المستلزم للمخالفة المسطورة مَا رأى من أَنهم جعلُوا اخْتِلَاف الدَّاريْنِ سَببا مُسْتقِلّا من الْمَوَانِع الْخَمْسَة للإرث مَعَ جعلهم الرّقّ أَيْضا سَببا للْمَنْع الْمَذْكُور. فَلَو كَانَ الرّقّ متحققا فِي الْحَرْبِيّ فِي دَار الْحَرْب والمستأمن فِي دَار الْإِسْلَام للغات اعْتِبَار اخْتِلَاف الدَّاريْنِ فَإِن اخْتِلَاف الدَّاريْنِ حَقِيقَة أَو حكما إِمَّا بِأَن يكون بَين مُسلمين بِأَن مَاتَ مُسلم فِي دَار الْإِسْلَام وورثته فِي دَار الْكفْر أَو بِالْعَكْسِ وَهُوَ لَا يمْنَع التَّوَارُث لتصريحهم بجري التَّوَارُث بَينهمَا لاخْتِصَاص منع الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور بالكفار كَمَا مر فِي مَوْضُوعه. أَو بَين الذِّمِّيّ وَالْحَرْبِيّ أَو بَين الذِّمِّيّ والمستأمن أَو بَين الْحَرْبِيين فِي دارين أَو المستأمنين من دارين فعلى تَحْقِيق الرّقّ فِي الْحَرْبِيّ والمستأمن ثَبت الْمَنْع عَن الْإِرْث بعلة الرّقّ فَلَا حَاجَة إِلَى عد اخْتِلَاف الدَّاريْنِ سَببا بِرَأْسِهِ وَجعله مَانِعا مُسْتقِلّا من مَوَانِع الْإِرْث.

فَإِن قيل: مَا حَال الْقَائِلين بِالْعُمُومِ من وَجه قُلْنَا الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ من وَجه يوجهونه بِأَنَّهُم أَرَادوا بِالرّقِّ هُنَاكَ الْملك بطرِيق التَّجَوُّز وينادي على هَذِه الْإِرَادَة استدلالهم على سَبَبِيَّة الرّقّ للْمَنْع عَن الْإِرْث بقَوْلهمْ لِأَن الرَّقِيق مُطلقًا لَا يملك المَال بِسَائِر أَسبَاب الْملك فَلَا يملكهُ أَيْضا بِالْإِرْثِ وَلِأَن جَمِيع مَا فِي يَده من المَال فَهُوَ لمَوْلَاهُ إِلَى آخر مَا ذكره السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره فِي شرح السراجي.
وَأَنت تعلم أَن الْحَرْبِيّ والمستأمن يملكَانِ بِسَائِر أَسبَاب الْملك وَلَيْسَ لَهما مولى يملك مَا فِي أَيْدِيهِمَا على أَنا لَا نسلم جري التَّوَارُث بَين الْمُسلمين الْمُخْتَلِفين بداري الْكفْر وَالْإِسْلَام مُطلقًا لتصريح صَاحب الْبَسِيط وشارحه بِعَدَمِ التَّوَارُث بَين الْمُسلم المُهَاجر وَالَّذِي لم يُهَاجر فلعلهم عدوا ختلاف الدَّاريْنِ سَببا مُسْتقِلّا لذَلِك.
هَذَا خُلَاصَة مَا كتبني بعد استفساري السَّيِّد الْأَجَل الْعَالم الْعَامِل المتوحد فِي التَّقْرِير. المتفرد فِي التَّحْرِير. علم الْهدى عَلامَة الورى سيد نور الْهدى ابْن أستاذ الْكل فِي الْكل زبدة الْمُحَقِّقين عُمْدَة المدققين ركن الْإِسْلَام وملاذ الْمُسلمين سيد قمر الدّين الْحُسَيْنِي النقشبندي الخجندي البالابوري خلد الله ظلالهما وأفاض على الْعَالمين برهما ونوالهما.

الْقلب

Entries on الْقلب in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmadnagarī, Dastūr al-ʿUlamāʾ, or Jāmiʿ al-ʿUlūm fī Iṣṭilāḥāt al-Funūn
الْقلب: بِالْفَارِسِيَّةِ (دلّ ووازكونه) قَالَ السَّيِّد السَّنَد الشريف الشريف قدس سره الْقلب لَطِيفَة ربانية لَهَا بِهَذَا الْقلب الجسماني الصنوبري الشكل الْمُودع فِي جَانب الْأَيْسَر من الصَّدْر تعلق وَتلك اللطيفة هِيَ حَقِيقَة الْإِنْسَان ويسميها الْحَكِيم النَّفس الناطقة وَالروح بَاطِنه وَالنَّفس الحيوانية مركبة انْتهى.
وَعند أَرْبَاب الْمعَانِي هُوَ أَن يَجْعَل أحد أَجزَاء الْكَلَام مَكَان الآخر وَالْآخر مَكَانَهُ وَإِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ لأمرين. أَحدهمَا: توقف صِحَة اللَّفْظ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يكون الْمَعْنى تَابعا للفظ يَعْنِي يكون الْمَعْنى أَيْضا مقلوبا بِوَاسِطَة الْقلب فِي اللَّفْظ كَمَا إِذا وَقع مَا هُوَ فِي موقع الْمُبْتَدَأ نكرَة وَمَا هُوَ فِي موقع الْخَبَر معرفَة - وَالثَّانِي: أَن يكون الدَّاعِي إِلَيْهِ من جِهَة الْمَعْنى بِأَن يكون صِحَة الْمَعْنى متوقعة على الْقلب وَيكون اللَّفْظ حِينَئِذٍ تَابعا للمعنى فِي الْقلب مِثَال الأول قَوْله:
(قفي قبل التَّفَــرُّق يَا ضباعا ... وَلَا يَك موقف مِنْك الوداعا)
قَوْله يَا ضباعا منادى مرخم أَي يَا ضباعة بِضَم الضَّاد الْمُعْجَمَة اسْم بنت صَغِيرَة للشاعر - (وَالْألف) للإطلاق وَالْمعْنَى قفي يَا ضباعة حَتَّى أودعك قبل التَّفَــرُّق ثمَّ دَعَا الشَّاعِر بِأَن لَا يكون وداع وفراق و (موقف) اسْم كَانَ وَهُوَ نكرَة و (الوداعا) بِتَقْدِير الْمُضَاف أَي موقف الْوَدَاع هُوَ خَبره وتنكير الْمُبْتَدَأ مَعَ تَعْرِيف الْخَبَر لما لم يَقع فِي الْجُمْلَة الخبرية فاحتاجوا إِلَى الْقلب. وَمِثَال الثَّانِي: أدخلت القلنسوة فِي الرَّأْس أَي أدخلت الرَّأْس فِي القلنسوة.
وَأَيْضًا الْقلب من المحسنات اللفظية البديعية وَهُوَ أَن يكون الْكَلَام بِحَيْثُ لَو عكس وبدئ من حرفه الْأَخير إِلَى الْحَرْف الأول كَانَ الْحَاصِل هُوَ هَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه مثل قَوْله تَعَالَى {كل فِي فلك} - وَقَوله تَعَالَى {وَرَبك فَكبر} - وَقد يكون مَجْمُوع الْبَيْت قلبا لمجموعه كَقَوْل القَاضِي.
(مودته تدوم لكل هول ... وَهل كل مودته تدوم)
والحرف المشدد فِي حكم المخفف فَلَا يرد الِاعْتِرَاض فِي كل فِي فلك وَالْقلب أَيْضا من السرقات الشعرية وَهُوَ أَن يكون معنى الثَّانِي نقيض معنى الأول وَــالتَّفْــصِيل فِي التَّلْخِيص فِي خَاتِمَة فن البديع.

القياس

Entries on القياس in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
القياس: عند أهل الميزان: مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر نحو: العالم متغير، وكل متغير حادث، فهو من قول مركب من قضيتين إذا سلمتا لزم عنهما لذاتهما العالم حادث.وعند أهل الأصول: إلحاق معلوم بمعلوم في حكمه لمساواة الأول للثاني في علة حكمه.
القياس:
[في الانكليزية] Syllogism
[ في الفرنسية] Syllogisme
بالكسر وتخفيف الياء هو في اللغة التقدير والمساواة. وفي عرف العلماء يطلق على معان.
منها قانون مستنبط من تتبّع لغة العرب أعني مفردات ألفاظهم الموضوعة وما في حكمها، كقولنا كلّ واو متحرّك ما قبلها تقلب ألفا ويسمّى قياسا صرفيا كما في المطول في بحث الفصاحة، ولا يخفى أنّه من قبيل الاستقراء.
فعلى هذا القانون المستنبط من تراكيب العرب إعرابا وبناء يسمّى قياسا نحويا، وربّما يسمّى ذلك قياسا لغويا أيضا، حيث ذكر في معدن الغرائب أنّ القياس اللغوي هو قياس أهل النحو العقلي هو قياس الحكمة والكلام والمنطق.
ومنها القياس اللغوي وهو ما ثبت من الواضع لا ما جعله الصرفيون قاعدة، فأبى يأبى مخالف للقياس الصرفي موافق للقياس اللغوي كذا في الأطول وذلك لأنّ القياس الصرفي أن لا يجيء من باب فتح يفتح إلّا ما كان عينه أو لامه حرف الحلق، والقياس اللغوي أن لا يجيء منه إلّا ما كان عينه أو لامه حرف الحلق سوى ألفاظ مخصوصة كأبي يأبى فهو مخالف للقياس الصرفي دون اللغوي، والمعتبر في الفصاحة الخلوّ عن مخالفة القياس اللغوي كما مرّ، ومنها قول مؤلّف من قضايا متى سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، كقولنا العالم متغيّر، وكلّ متغيّر حادث، فإنّه مؤلّف من قضيتين ولزم عنهما أنّ العالم حادث وهو القياس العقلي والمنطقي، ويسمّى بالدليل أيضا كما مرّ في محله. والقول الآخر يسمّى مطلوبا إن سبق منه إلى العالم ونتيجة إن سبق من القياس إليه ويسمّى بالرّدف أيضا كما في شرح إشراق الحكمة. ثم القول يطلق بالاشتراك اللفظي على اللفظ المركّب وعلى المفهوم العقلي المركّب، وكذا القياس يطلق بالاشتراك اللفظي على المعقول وهو المركّب من القضايا المعقولة وعلى الملفوظ المسموع وهو المركّب من القضايا الملفوظة.
فإطلاق القياس على الملفوظ أيضا حقيقة إلّا أنّه نقل إليه بواسطة دلالته على المعقول، وهذا الحدّ يمكن أن يجعل حدا لكلّ واحد منهما، فإن جعل حدا للقياس المعقول يراد بالقول والقضايا الأمور المعقولة، وإن جعل حدّا للمسموع يراد بهما الأمور اللفظية، وعلى التقديرين يراد بالقول الآخر القول المعقول لأنّ التلفّظ بالنتيجة غير لازم للقياس المعقول ولا للمسموع، وإنّما احتيج إلى ذكر المؤلّف لأنّ القول في أصل اللغة مصدر استعمل بمعنى المقول واشتهر في المركّب وليس في مفهومه التركيب حتى يتعلّق الجار به لغوا، فلو قيل قول من قضايا يكون تعلّق الجار به استقرارا أي كائن من قضايا فيتبادر منه أنّه بعض منها، بخلاف ما إذا قيل قول مؤلّف فإنّه يفهم منه التركيب فيتعلّق به لغوا، فلفظ المؤلّف ليس مستدركا. والمفهوم من شرح المطالع أنّ القول مشترك معنوي بينهما وأنّ التعريف للقدر المشترك حيث قال: فالقول جنس بعيد يقال بالاشتراك على الملفوظ وعلى المفهوم العقلي فكأنّه أراد بالمركّب المعنى اللغوي لا الاصطلاحي إذ ليس ذلك قدرا مشتركا بين المعقول والملفوظ، وحينئذ يلزم استدراك قيد المؤلّف. والمراد من القضايا ما فوق الواحد سواء كانتا مذكورتين أو أحدهما مقدّرة نحو فلان يتنفّس فهو حي، ولما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لأنّ القياس لا يتركّب إلّا من قضيتين. وأما القياس المركّب فعدّوه من لواحق القياس على ما هو الحقّ. وقيل القياس المركّب داخل في القياس أيضا. ثم القضايا تشتمل الحمليات والشّرطية، واحترز بها عن القضية الواحدة المستلزمة لعكسها وعكس نقيضها فإنّها قول مؤلّف لكن لا من قضايا بل من المفردات.
لا يقال لو عني بالقضايا ما هي بالقوّة دخل القضية الشرطية، ولو عني ما هي بالفعل خرج القياس الشّعري، لأنّا نقول المعنى ما هي بالقوة وتخرج الشرطية بقولنا متى سلمت فإنّ أجزاءها لا تحتمل التسليم لوجود المانع أعني أدوات الشرط والعناد، أو المعنى بالقضية ما يتضمّن تصديقا أو تخييلا فتخرج الشرطية بها، ولم نقل من مقدّمات وإلّا لزم الدور. وقولنا متى سلمت إشارة إلى أنّ تلك القضايا لا يجيب أن تكون مسلّمة في نفسها، بل لو كانت كاذبة منكرة لكن بحيث لو سلمت لزم عنها قول آخر فهي قياس، فإنّ القياس من حيث إنّه قياس يجب أن يؤخذ بحيث يشتمل الصناعات الخمس، والجدلي والخطابي والسوفطائي منها لا يجب أن تكون مقدماتها صادقة في نفس الأمر بل بحيث لو سلمت لزم عنها ما يلزم. وأمّا القياس الشعري فإنّه وإن لم يحاول الشاعر التصديق به بل التخييل لكن يظهر إرادة التصديق ويستعمل مقدّماته على أنّها مسلّمة، فإذا قال فلان قمر لأنّه حسن فهو يقيس هكذا، فلان حسن، وكلّ حسن قمر، فهو قول إذا سلم لزم عنه قول آخر، لكن الشاعر لا يقصد هذا وإن كان يظهر أنّه بهذه حتى يخيل فيرغب أو ينفر.
واعلم أنّ الوقوع واللاوقوع الذي يشتمل عليه القضية ليس من الأمور العينية لا باعتبار كون الخارج ظرفا لوجوده وهو ظاهر ولا باعتبار نفسه لأنّ الطرفين قد لا يكونان من الأمور العينية، فلزوم النتيجة في القياس إنّما هو بحسب نفس الأمر في الذهن لا بحسب الخارج. فإمّا أن يعتبر العلّية التي يشعر به لفظ عنها، فاللزوم منها من حيث العلم فإنّ التصديق بالمقدمتين على القضية المخصوصة يوجب التصديق بالنتيجة ولا يوجب تحقّقها تحقّق النتيجة، وكذا القضية الواحدة بالقياس إلى عكسها لا لزوم هاهنا بحسب العلم فضلا عن أن يكون عنها. واللزوم بمعنى الاستعقاب إذ العلم بالنتيجة ليس في زمان العلم بالقياس ولا بدّ حينئذ من اعتبار قيد آخر أيضا، وهو تفطّن كيفية الاندراج لتدخل الأشكال الثلاثة، فإنّ العلم بها يحصل من غير حصول العلم بالنتيجة. وما قيل إنّ اللزوم أعمّ من البيّن وغيره لا ينفع لأنّ التعميم فرع تحقّق اللزوم وامتناع الانفكاك، والانفكاك بين العلمين بشرط تسليم مقدّمات القياس والاعتقاد بها، ألا يرى أنّ قياس كلّ واحد من الخصمين لا يوجب العلم بالنتيجة للآخر لعدم اعتقاده بمقدّمات قياسه، والصواب حينئذ عنه لأنّ للهيئة مدخلا في اللزوم. وأمّا أن لا تعتبر العلّية المستفادة من لفظ عنها فاللزوم بينهما من حيث التحقّق في نفس الأمر، يعني لو تحقّقت تلك القضايا في نفس الأمر تحقّق القول الآخر سواء علمها أحد أو لم يعلمها، وسواء كانت المقدّمات صادقة أو كاذبة، فإنّ اللزوم لا يتوقّف على تحقّق الطرفين. ألا يرى أنّ قولهم العالم قديم وكلّ قديم مستغن عن المؤثّر، لو ثبت في نفس الأمر يستلزم قولهم العالم مستغن عن المؤثّر، وحينئذ بمعناه أي امتناع الانفكاك وهو متحقّق في جميع الأشكال بلا ريبة ولا يحتاج إلى تقييد اللزوم بحسب العلم ولا إلى اعتبار الهيئة في اللزوم، والقضية الواحدة المستلزمة لعكسها داخلة فيه خارجة بقيد مؤلّف من قضايا وقيد لو سلمت ليس لإفادة أنّه لا لزوم على تقدير عدم التسليم بل لإفادة التعميم ودفع توهّم اختصاص التعريف بالقضايا الصادقة. فمفهوم المخالفة المستفاد عن التقييد بالشرط غير مراد هاهنا لأنّ التقييد في معنى التعميم. وأمّا ما قال المحقّق التفــتازاني في حاشية العضدي من أنّ الاستلزام في الصناعات الخمس إنّما هو على تقدير التسليم، وأمّا بدونه فلا استلزام إلّا في البرهان فوجهه غير ظاهر لأنّه إن اعتبر اللزوم من حيث العلم فلا لزوم في البرهان بدون التسليم أيضا، فإن نظر المبطل في دليل المحق لا يفيده العلم بعد التسليم، وإن اعتبر اللزوم بحسب الثبوت في نفس الأمر فهو متحقّق في الكلّ من غير التسليم كما عرفت. وقولنا لزم عنها يخرج الاستقراء والتمثيل أي من حيث إنّه استقراء أو تمثيل. أما إذا ردّ إلى هيئة القياس فاللزوم متحقّق، والسّرّ في ذلك أنّ اللزوم منوط باندراج الأصغر تحت الأوسط والأوسط تحت الأكبر في القياس الاقتراني، واستلزام المقدّم للتالي في الاستثنائي سواء كانت المقدّمات صادقة أو كاذبة، فإذا تحقّق المقدّمات المشتملة عليها تحقّق اللزوم بخلاف الاستقراء والتمثيل فإنّه لا علاقة بين تتبع الجزئيات تتبعا ناقصا وبين الحكم الكلّي إلّا ظنّ أن يكون الجزئي الغير المتتبع مثل المتتبع ولا علاقة بين الجزئيين إلّا وجود الجامع المشترك فيهما، وتأثيره في الحكم لو كانت العلّة منصوصة. ويجوز أن يكون خصوصية الأصل شرطا أو خصوصية الفرع مانعا. وما قيل إنّه يلزم على هذا أن لا يكون الاستقراء والتمثيل من الدليل لأنّهم فسّروا الدليل بما يلزم من العلم بشيء آخر فمدفوع بأنّ للدليل عندهم معنيين: أحدهما الموصل إلى التصديق وهما داخلان فيه وثانيهما أخصّ وهو المختص بالقياس بل بالقطعي منه على ما نصّ عليه في المواقف. وبما حررنا علم أنّ القياس الفاسد الصورة غير داخلة في التعريف، ولذا أخرجوا الضروب العقيمة عن الأشكال بالشرائط. فالمغالطة ليست مطلقا من أقسام القياس بل ما هو فاسد المادة. وقولنا لذاتها أي لا يكون بواسطة مقدمة غريبة إمّا غير لازمة لإحدى المقدّمتين وهي الأجنبية أو لازمة لإحدهما وهي في قوة المذكورة، والأول كما في قياس المساواة وهو المركّب من قضيتين متعلّق محمول أولهما يكون موضوع الأخرى كقولنا: أمساو لب وب مساو لج فإنّهما يستلزمان أنّ أمساو لج لكن لا لذاتهما بل بواسطة مقدمة أجنبية، وهو أنّ كل مساوي المساوي للشيء مساو له، ولذا لا يتحقّق الاستلزام إذا قلنا أمباين لب وب مباين لج فإنّه لا يلزم أن يكون أمباين لج، وكذا إذا قلنا أنصف ب وب نصف ج لا يلزم أن تكون أنصف ج، ولعدم الاطراد في الاستلزام أخرجوه عن القياس كما أخرجوا الضروب العقيمة عنه.
والثاني كما في القياس بعكس النقيض كقولنا جزء الجوهر يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر وما ليس بجوهر لا يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر فإنّه يلزم منها أنّ جزء الجوهر جوهر بواسطة عكس نقيض المقدّمة الثانية، وهو قولنا كلّ ما يوجب ارتفاعه ارتفاع الجوهر فجوهر. ثم الفرق بين الاستلزام بواسطة العكس وبينه بواسطة عكس النقيض وجعل الأول داخلا في التعريف والثاني خارجا عنه لحكم، ولا يتوهّم أنّ الأشكال الثلاثة تخرج عن الحدّ لاحتياجها إلى مقدّمات غير بيّنة يثبت بها انتاجها، لأنّ تلك المقدّمات واسطة في الإثبات لا في الثبوت والمنفي في التعريف هو الثاني. وقولنا قول آخر المراد به أنّه يغاير كلّ واحد من المقدمتين فإنّه لو لم يعتبر التغاير لزم أن يكون كلّ من المقدمتين قياسا كيف اتفقتا لاستلزام مجموعهما كلّا منهما. وأيضا المقدمة موضوعة في القياس على أنّها مسلّمة، فلو كانت النتيجة أحدهما لم يحتج إلى القياس، وكلّ قول يكون كذلك لا يكون قياسا.
التقسيم
القياس قسمان لأنّه إن كانت النتيجة أو نقيضها مذكورا فيه بالفعل فهو الاستثنائي كقولنا إن كان هذا جسما فهو متحيّز لكنه جسم ينتج أنّه متحيّز، فهو بعينه مذكور في القياس، أو لكنه ليس بمتحيز ينتج أنّه ليس بجسم، ونقيضه أي قولنا أنّه جسم مذكور في القياس، وإن لم يكن كذلك فهو الاقتراني كقولنا الجسم مؤلّف وكلّ مؤلّف محدث فالجسم محدث فليس هو ولا نقيضه مذكورا فيه، سمّي به لاقتران الحدود فيه. وإنّما قيّد التعريفان بالفعل لأنّ النتيجة في الاقتراني مذكورة بالقوة فإنّ أجزاءها التي هي علّة مادّية لها مذكورة فيه ومادّة الشيء ما به يحصل ذلك الشيء بالقوة، فلو لم يقيّد بالفعل انتقض تعريف الاستثنائي طردا وتعريف الاقتراني عكسا. فإن قلت النتيجة ونقيضها ليسا مذكورين في الاستثنائي بالفعل لأنّ كلّا منهما قضية والمذكور فيه بالفعل ليس بقضية، نقول المراد أجزاء النتيجة أو نقيضها على الترتيب وهي مذكورة بالفعل. لا يقال قد بطل تعريف القياس لأنّه اعتبر فيه تغاير القول اللازم لكلّ من المقدّمات لأنّا نقول لا نسلّم أنّ النتيجة إذا كانت مذكورة في القياس بالفعل لم تكن مغايرة لكلّ من المقدّمات، وإنّما يكون كذلك لو لم تكن النتيجة جزءا لمقدّمة وهو ممنوع فإنّ المقدّمة في الاستثنائي ليس قولنا الشمس طالعة بل إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. ثم الاقتراني ينقسم بحسب القضايا إلى حملي وهو المركّب من الحمليات الساذجة وشرطي وهو المركّب من الشرطيات الساذجة أو منها ومن الحمليات وأقسام الشرطي خمس فإنّه إمّا أن يتركّب من متّصلتين أو منفصلتين أو حملية ومتّصلة أو حملية ومنفصلة أو متّصلة ومنفصلة؛ والاستثنائي ضربان: الضرب الأول ما يكون بالشرط ويسمّى بالاستثنائي المتّصل ويسمّى المقدّمة المشتملة على الشرط شرطية والشرط مقدّما والجزاء تاليا والمقدمة الأخرى استثنائية، نحو إن كان هذا إنسانا فهو حيوان لكنه إنسان فهو حيوان، ومن أنواعه قياس الخلف.
والضرب الثاني ما يكون بغير شرط ويسمّى استثنائيا منفصلا نحو الجسم إمّا جماد أو حيوان لكنه جماد فليس بحيوان.
اعلم أنّ من لواحق القياس القياس المركّب وهو قياس ركّب من مقدّمات ينتج مقدّمتان منها نتيجة وهي مع المقدّمة الأخرى نتيجة أخرى وهلمّ جرا الشيء أن يحصل المطلوب. قال المحقق التفــتازاني القياس المنتج لمطلوب واحد يكون مؤلّفا بحكم الاستقراء الصحيح من مقدّمتين لا أزيد ولا أنقص، لكن ذلك القياس قد يفتقر مقدّمتاه أو أحدهما إلى الكسب بقياس آخر وكذلك إلى أن ينتهي الكسب إلى المبادي البديهية أو المسلّمة، فيكون هناك قياسات مترتّبة محصّلة للقياس المنتج للمطلوب، فسمّوا ذلك قياسا مركّبا وعدّوه من لواحق القياس انتهى. أي من لواحق القياس البسيط المذكور سابقا، فإن صرّح بنتائج تلك الأقيسة سمّي موصول النتائج لوصل تلك النتائج بالمقدّمات، كقولنا كلّ ج ب وكل ب أفكل ج أثم كل أد فكل ج د وكل د هـ فكل ج هـ، وإن لم يصرّح بنتائج تلك الأقيسة سمّي مفصول النتائج ومطويها، كقولنا كل ج ب وكل ب د وكل د أوكل أهـ فكل ج هـ. هذا كلّه خلاصة ما حقّقه المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية وما في شرح المطالع والعضدي وحواشيه. ومنها القياس الشرعي ويسمّيه المنطقيون والمتكلّمون تمثيلا كما في شرح الطوالع وغيره وإنّما سمّي شرعيا لأنّه من مصطلحات أهل الشرع وهو المستعمل في الأحكام الشرعية وفسّر بأنّه مساواة الفرع للأصل في علّة حكمه فأركانه أربعة: الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف الجامع أي العلّة، وذلك لأنّه أي القياس الشرعي من أدلة الأحكام فلا بدّ من حكم مطلوب وله محلّ ضرورة والمقصود إثبات ذلك الحكم في ذلك المحلّ لثبوته في محلّ آخر يقاس هذا به، فكان هذا أي محلّ الحكم المطلوب إثباته فيه فرعا وذلك أي محلّ الحكم المعلوم ثبوته فيه أصلا لاحتياجه إليه وابتنائه عليه ولا يمكن ذلك في كلّ شيئين بل إذا كان بينهما أمر مشترك يوجب الاشتراك في الحكم ويسمّى علّة الحكم؛ وأمّا حكم الفرع فثمرة القياس فيتأخّر عنه فلا يكون ركنا، ولما أردنا بالأصل والفرع ما ذكرنا لم يلزم الدور لأنّه إنّما يلزم لو أريد بالفرع المقيس وبالأصل المقيس عليه. وبالجملة فالمراد بهما ذات الأصل والفرع والموقوف على القياس وصفا الأصلية والفرعية. ثم إنّه لا بدّ أن يعلم علّة الحكم في الأصل ويعلم ثبوت مثلها في الفرع إذ ثبوت عينها في الفرع مما لا يتصوّر لأنّ المعنى الشخصي لا يقوم بعينه بمحلّين وبذلك يحصل ظنّ مثل الحكم في الفرع وهو المطلوب. فالعلم بعلّة الحكم وثبوتها في الفرع وإن كان يقينيا لا يفيد في الفرع إلّا الظّنّ لجواز أن تكون خصوصية الأصل شرطا للحكم أو خصوصية الفرع مانعا منه. مثاله أن يكون المطلوب ربوية الذّرة فيدلّ عليه مساواته البرّ فيما هو علّة لربوية البرّ من طعم أو قوت أو كيل فإنّ ذلك دليل على ربوية الذّرة، فالأصل البرّ والفرع الذّرة وحكم الأصل حرمة الربا في البر وحكم الفرع المثبت بالقياس حرمة الربا في الذّرة. قيل المساواة أعمّ من أن يكون في نظر المجتهد أو في نفس الأمر فالتعريف شامل للقياس الصحيح والفاسد وهو الذي لا يكون المساواة فيه في نفس الأمر. وقيل المتبادر إلى الفهم هو المساواة في نفس الأمر فيختصّ التعريف بالقياس الصحيح عند المخطّئة. وأما المصوّبة وهم القائلون بأنّ كلّ مجتهد مصيب فالقياس الصحيح عندهم ما حصلت فيه المساواة في نظر المجتهد سواء ثبت في نفس الأمر أو لا حتى لو تبيّن غلطه ووجب الرجوع عنه فإنّه لا يقدح في صحته عندهم، بل ذلك انقطاع لحكمه لدليل صحيح آخر حدث، فكان قبل حدوثه القياس الأول صحيحا، وإن زال صحته فحقّهم أن يقولوا هو مساواة الفرع للأصل في نظر المجتهد في علّة حكمه. وإذا أردنا حدّ القياس الشامل للصحيح والفاسد لم يشترط المساواة وقلنا بدلها إنّها تشبيه فرع بالأصل أي الدلالة على مشاركته أي الفرع له أي للأصل في أمر هو الشّبه والجامع فإن كان حاصلا فالتشبيه مطابق وإلّا فغير مطابق، وعلى كل تقدير فالمشبّه إمّا أن يعتقد حصوله فيصحّ في الواقع أو في نظره، وإمّا أن لا يعتقد حصوله ففاسد.
هذا ثم اعلم أنّ المراد بالمساواة أعمّ من التضمّنيّة والمصرّح بها فلا يرد أنّ الحدّ لا يتناول قياس الدلالة وهو ما لا يذكر فيه العلّة بل وصف ملازم لها كما يقال في المكره يأثم بالقتل فيجب عليه القصاص كالمكره فإنّ الإثم بالقتل لا يكون علّة لوجوب القصاص. ووجه الدفع أنّ المساواة في التأثيم دلّت على قصد الشارع حفظ النفس بهما وهو العلّة، أو يقال هذا تعريف قياس العلّة فإنّ لفظ القياس إذا أطلقناه فلا نعني به إلّا قياس العلّة ولا نطلقه على قياس الدلالة إلّا مقيّدا. قيل لا يتناول الحدّ قياس العكس فإنّه ثبت فيه نصّ حكم الأصل بنقيض علّته. مثاله قول الحنفية لمّا وجب الصيام في الاعتكاف بالنّذر وجب بغير النّذر كالصلاة فإنّها لمّا لم تجب بالنّذر لم تجب بغير النّذر، فالأصل الصلاة والفرع الصوم، والحكم في الأصل عدم الوجوب بغير نذر وفي الفرع نقيضه وهو الوجوب بغير نذر، والعلّة في الأصل عدم الوجوب بالنّذر وفي الفرع نقيضه وهو الوجوب بالنّذر. وأجيب بأنّه ملازمة والقياس لبيان الملازمة والمساواة حاصلة على التقدير، وحاصله لو لم يشترط لم يجب بالنّذر واللازم منتف، ثم بيّن الملازمة بالقياس على الصلاة فإنّها لمّا لم تكن شرطا لم تجب بالنّذر.
ولا شكّ أنّ على تقدير عدم وجوبه بالنّذر المساواة حاصلة بينها وبين الصوم وإن لم يكن حاصلا في نفس الأمر.
واعلم أنّ القياس وإن كان من أدلّة الأحكام مثل الكتاب والسّنّة لكنّ جميع تعريفاته واستعمالاته منبئ عن كونه فعل المجتهد، فتعريفه بنفس المساواة محلّ نظر. ولذا عرّفه الشيخ أبو منصور بأنّه إبانة مثل حكم أحد المذكورين بمثل علّته في الآخر. واختيار لفظ الإبانة دون الإثبات لأنّ القياس مظهر للحكم وليس بمثبت له بل المثبت هو الله تعالى. وذكر مثل الحكم ومثل العلّة احتراز عن لزوم القول بانتقال الأوصاف. وذكر لفظ المذكورين ليشتمل القياس بين الموجودين وبين المعدومين، كقياس عديم العقل بسبب الجنون على عديم العقل بسبب الصّغر في سقوط الخطاب عنه بالعجز عن فهم الخطاب وأداء الواجب. وقيل القياس بذل الجهد في استخراج الحقّ وهو مردود ببذل الجهد في استخراج الحقّ من النّصّ والإجماع، فإنّ مقتضاهما قد لا يكون ظاهرا فيحتاج إلى اجتهاد في صيغ العموم والمفهوم والإيماء ونحو ذلك. وقيل القياس الدليل الواصل إلى الحقّ وهو مردود أيضا بالنّصّ والإجماع. وقيل هو العلم عن نظر ورد بالعلم الحاصل عن النظر في نصّ أو إجماع، وفيه أنّ العلم ثمرة القياس لا هو وقال أبو هاشم هو حمل الشيء على غيره بإجراء حكمه عليه وهو منقوض بحمل بلا جامع فيحتاج إلى قيد الجامع. وقال القاضي أبو بكر هو حمل معلوم على معلوم في إثبات الحكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما. فقوله معلوم يشتمل الموجود والمعدوم، ولو قال شيء على شيء لاختصّ بالموجود. وقوله في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما ليتناول القياس في الحكم الوجودي والحكم العدمي. وقوله بأمر جامع إلى آخره إشارة إلى أنّ الجامع قد يكون حكما شرعيا إثباتا أو نفيا، ككون القتل عدوانا أو ليس بعدوان، وقد يكون وصفا عقليا إثباتا أو نفيا ككونه عمدا أو ليس بعمد. ردّ عليه بأنّ الحمل ثمرة القياس لا نفسه، وإنّ قيد جامع كاف في التمييز ولا حاجة إلى تفصيل الجامع.
وإن شئت الزيادة فارجع إلى العضدي وحواشيه.
اعلم أنّ أكثر هذه التعاريف يشتمل دلالة النّصّ فإنّ بعض الحنفية وبعض الشافعية ظنّ أنّ دلالة النّصّ قياس جلي، لكن الجمهور منهم على الفرق بينهما. ولهذا عرّف صاحب التوضيح القياس بأنّه تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع بعلّة متّحدة لا تدرك بمجرّد اللّغة، والتعدية إثبات حكم مثل حكم الأصل في الفرع. وقوله لا تدرك بمجرّد اللغة احتراز عن دلالة النّصّ.
التقسيم
القياس تلحقه القسمة باعتبارين. الأول باعتبار العلّة إلى قياس علّة وقياس دلالة وقياس في معنى الأصل: فالأول هو القياس الذي ذكر فيه العلّة. والثاني أي قياس الدلالة ويسمّى بقياس التلازم أيضا هو الذي لا يذكر فيه العلّة بل وصف ملازم لها كما لو علّل في قياس النبيذ على الخمر برائحته المشتدّة. وحاصله إثبات حكم في الفرع وهو حكم آخر يوجبهما علّة واحدة في الأصل فيقال ثبت هذا الحكم في الفرع لثبوت الآخر فيه وهو ملازم له، فيكون القائس قد جمع بأحد موجبي العلّة في الأصل لوجوده في الفرع بين الأصل والفرع في الموجب الآخر لملازمته الآخر، ويرجع إلى الاستدلال بأحد الموجبين على العلّة وبالعلّة على الموجب الآخر. لكن يكتفي بذكر موجب العلّة عن التصريح بها. ففي المثال المذكور الحكم في الفرع هو التحريم وهو حكم آخر وهو الرائحة يوجبهما علّة واحدة هي الإسكار في الخمر، فيقال ثبت التحريم في النبيذ لثبوت الرائحة فيه، وهو أي الحكم الآخر الذي هو الرائحة ملازم للأول الذي هو التحريم فيكون القائس قد جمع بالرائحة التي يوجبها الإسكار في الخمر لوجودها في النبيذ بين الخمر والنبيذ في التحريم الذي هو حكم آخر يوجبه الإسكار على الإسكار، وبالإسكار على التحريم الذي هو أيضا ممّا يوجبه الإسكار، لكن قد اكتفى بذكر الرائحة عن التصريح بالإسكار. والثالث أي القياس في معنى الأصل ويسمّى بتنقيح المناط أيضا هو أن يجمع بين الأصل والفرع بنفي الفارق أي بمجرّد عدم الفارق من غير تعرّض لوصف هو علّة، وإذا تعرّض للعلّة وكان عدم الفارق قطعيا كان قياسا جليا كما إذا كان ظنيا كان خفيا، ومثاله ورد في لفظ التنبيه. والثاني باعتبار القوة إلى جلي وخفي. فالقياس الجليّ ما علم فيه نفي الفارق بين الأصل والفرع قطعا كقياس الأمة على العبد في أحكام العتق كالتقويم على معتق الشّقص، وإنّا نعلم قطعا أنّ الذكورة والأنوثة مما لا يعتبره الشارع وأن لا فارق إلّا ذلك، والخفي بخلافه، وهو ما يكون نفي الفارق فيه مظنونا كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة إذ لا يمتنع أن يكون خصوصية الخمر معتبرة، ولذلك اختلف فيه. هكذا في العضدي. وفي التوضيح القياس الجليّ هو الذي يسبق إليه الإفهام والخفي بخلافه ويسمّى بالاستحسان أيضا. والجليّ له قسمان: الأول ما ضعف أثره، والثاني ما ظهر فساده وخفي صحته. والخفي أيضا له قسمان: الأول ما قوي أثره والثاني ما ظهر صحته وخفي فساده، وله تفصيل طويل الذيل لا يليق إيراده هاهنا.

تفكر

Entries on تفكر in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Sharīf al-Jurjānī, Kitāb al-Taʿrīfāt and Al-Sharīf al-Jurjānī, Kitāb al-Taʿrīfāt
التفــكر: تصرف القلب في معاني الأشياء؛ لدرك المطلوب.
التفــكر: سراج القلب يرى به خيره وشره، ومنافعه ومضاره، وكل قلب لا تفكر فيه فهو في ظلمات يتخبط، وقيل: هو إحضار ما في القلب من معرفة الأشياء وقيل: التفــكر: تصفية القلب بموارد الفوائد، وقيل: مصباح الاعتبار، ومفتاح الاختيار، وقيل: حديقة أشجار الحقائق، وحدقة أنوار الدقائق، وقيل: مزرعة الحقيقة، ومشرعة الشريعة، وقيل: فناء الدنيا وزوالها، وميزان بقاء الآخرة ونوالها، وقيل: شبكة طائر الحكمة، وقيل: هو العبارة عن الشيء بأسهل وأيسر من لفظ الأصل.

الحكمة

Entries on الحكمة in 2 Arabic dictionaries by the authors Al-Munāwī, al-Tawqīf ʿalā Muhimmāt al-Taʿārīf and Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الحكمة:
[في الانكليزية] Wisdom ،philosophy
[ في الفرنسية] Sagesse ،philosophie
بالكسر في الأصل هي إتقان الفعل والقول وأحكامهما. وفي اصطلاح العلماء تطلق على معان. منها علم الحكمة وقد سبق في المقدمة مع بيان الحكمة العملية من الحكمة الخلقية والحكمة المنزلية والحكمة السياسية والمدنية وبيان الحكمة النظرية. ومنها معرفة الحقّ لذاته والخير لأجل العمل به وهو التكاليف الشرعية، هكذا في التفــسير الكبير في تفسير قوله تعالى:
ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ في سورة بني إسرائيل. ويقرب منه ما ذكر أهل السلوك من أنّ الحكمة معرفة آفات النفس والشيطان والرياضات كما مرّ في المقدّمة في تعريف علم السلوك. والحكمة بهذا المعنى أخصّ من علم الحكمة لأنها من أنواعه كما لا يخفى. ومنها هيئة للقوة العقلية العملية متوسطة بين الجربزة وهي هيئة تصدر بها الأفعال بالمكر والحيلة من غير اتّصاف، وبين البلاهة وهي الحمق. والحكمة بهذا المعنى أحد أجزاء العدالة المقابلة للجور كما يجيء في لفظ الخلق. وظن البعض أنّها هي الحكمة العملية وهذا باطل، إذ هي ملكة تصدر عنها أفعال متوسطة بين الجربزة والغباوة. والحكمة العملية هي العلم بالأمور المخصوصة. والفرق بين الملكة والعلم ظاهر. وكذا هي مغايرة لعلم الحكمة إذ هي العلم بالأشياء مطلقا سواء كانت مستندة إلى قدرتنا أو لا، كذا في شرح المواقف في خاتمة مبحث القدرة. ومنها الحجة القطعية المفيدة للاعتقاد دون الظن والإقناع الكامل. قال الله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً. وقال ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ الآية. كذا في التفــسير الكبير في تفسير هذه الآية في آخر سورة النحل.
وحاصل هذا أنّ الحكمة تطلق على البرهان أيضا، ويؤيّده ما وقع في شرح المطالع أنّ صاحب البرهان يسمّى حكيما. ومنها فائدة ومصلحة تترتّب على الفعل من غير أن تكون باعثة للفاعل على الفعل وتسمّى بالغاية أيضا كما سيجيء. والحكمة المسكوت عنها عند الصوفية هي أسرار لا يمكن التحدّث بها مع أيّ كان. والحكمة المجهولة عندهم تلك التي هي مستورة بغير الحكمة كما في ألم بعض الناس وحياة بعضهم وموت الأطفال وبقاء الهرمين والخلود في الجنة أو النار كذا نقل عن الشيخ عبد الرزاق الكاشي.
الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعمل، فالحكمة من الله معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات بها، والحكم أعم من الحكمة، فكل حكمة حكم ولا عكس، فإن الحكم له أن يقضي على شيء بشيء فيقول: هو كذا أو ليس بكذا، ومنه حديث "إن من الشعر لحكما" أي قضية صادقة، كذا قرره الراغب. وقال ابن الكمال: الحكمة علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود بقدر الطاقة البشرية فهي علم نظري غير آلي ويقال الحكمة أيضًا هيئة القوة العقلية العلمية.

التوكيد والتكرير

Entries on التوكيد والتكرير in 1 Arabic dictionary by the author Aḥmad Aḥmad al-Badawī, Min Balāghat al-Qurʾān
التوكيد والتكرير
التوكيد من أهم العوامل لبث الفكرة في نفوس الجماعات، وإقرارها في قلوبهم إقرارا، ينتهى إلى الإيمان بها، وقيمة التوكيد بدوام تكراره بالألفاظ عينها، ما أمكن ذلك، «فإذا تكرر الشيء رسخ في الأذهان رسوخا، تنتهى بقبوله حقيقة ناصعة» وللتكرار تأثير في عقول المستنيرين، وتأثيره أكبر في عقول الجماعات من باب أولى، والسبب في ذلك كون المكرر ينطبع في تجاويف الملكات اللاشعورية، التى تختمر فيها أسباب أفعال الإنسان، فإذا انقضى شطر من الزمن نسى الواحد منا صاحب التكرار، وانتهى بتصديق المكرر .
واستخدم القرآن التوكيد وسيلة لتثبيت المعنى في نفوس قارئيه، وإقراره في أفئدتهم، حتى يصبح عقيدة من عقائدهم.
وقد يكرر القرآن الجملة المؤكدة عدة مرات بألفاظها نفسها، علما منه بما لذلك.
من أثر في النفس، فتراه مثلا في سورة الشعراء يكرر الجملتين الآتيتين خمس مرات، من غير أن يغير من ألفاظهما حرفا، فقال على لسان بعض رسله: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (الشعراء 107، 108 و 126 و 144 و 163 و 179).
وهى وإن كانت مقولة على ألسنة عدة رسل، توحى لتكررها بعبارة واحدة، بصدق هؤلاء الرسل وتثبيت التصديق بهم.
ويؤكد القرآن صفات الله، حتى يستقر الإيمان بها في النفوس، وذلك هو الأساس الذى ينبنى عليه الدين، فتسمعه يقول مكررا ومؤكدا في كثير مما يكرره:
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة 20)، إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (البقرة 110)، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (البقرة 115)، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة 153)، فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (البقرة 158)، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (البقرة 173)، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة 190)، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة 195)، أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (البقرة 196)، أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة 209)، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة 222)، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة 181)، أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (البقرة 231)، أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (البقرة 267)، إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (آل عمران 5)، إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ (آل عمران 9)، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (الرعد 31)، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (آل عمران 199)، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (آل عمران 37)، إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (العنكبوت 6)، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (آل عمران 119)، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (الأنفال 47)، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (آل عمران 9).
فهذا التأكيد يقرر معانى هذه الصفات في النفس، وإذا تكررت هذه المعانى فى النفس انبثق منها العمل الصالح، المبنى على أساس من الإيمان المكين. وفي أحيان كثيرة يستغنى القرآن عن التوكيد بتكريرها في مواضع شتى، وهذا التكرير للصفات في المناسبات المختلفة مصدر توطيدها في النفس.
ويؤكد القرآن وعده ووعيده، فيكرر مؤكدا قوله: إن الله يحب المتقين، وإن الله مع المتقين، وفي مواضع شتى، وقوله: إن الله لا يحب الكافرين، وإن الله لا يهدى القوم الكافرين، وحينا يكتفى بالتكرير- كما قلنا- عن توكيد الجملة.
ويؤكد كل خبر هو مجال للشك أو الإنكار، وكلما توغل الخبر في ميدان الشك زادت ألوان المؤكدات، وتأمل لذلك قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (البقرة 11 - 14). أولا تراهم عند ما أنكروا الإفساد في الأرض والسفاهة، أكد اتصافهم بها بألا، وإن، وتعريف ركنى الجملة المؤذن بالقصر، وضمير الفصل. ولمّا كان إقرارهم للمؤمنين بالإيمان بألسنتهم مبعثا للشك في نفوس شياطينهم، دفعهم ذلك إلى تأكيدهم لهم الثبات على مبادئهم، وأنهم لا يبغون عنها حولا.
واقرأ قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا
بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ
(يس 13 - 16). ألا ترى المرسلين قد أكدوا رسالتهم بإن، عند ما كذبهم أصحاب القرية، فلما لج هؤلاء في التكذيب، زادوا في تأكيد رسالتهم مؤكدا جديدا، هو اللام، وأشهدوا ربهم على صدق دعواهم. وللتوكيد أساليب كثيرة في القرآن الكريم، فمنها التوكيد المعنوى بكل وأجمع، كما في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (الحجر 30). وفائدة هذا اللون من التوكيد رفع ما يتوهم من عدم الشمول، وإنى أرى هنا ما رآه الفراء من أن كلهم أفادت ذلك، وأجمعون أفادت اجتماعهم على السجود، وأنهم لم يسجدوا متفرقين.
ومنها التوكيد اللفظى، بأن يكرر السابق لفظه، اسما كان، أو فعلا، أو اسم فعل، أو حرفا، أو جملة، كما ترى ذلك في قوله تعالى: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (الفجر 21). وقوله: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (الطارق 17). وقوله سبحانه:
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (المؤمنون 36). وقوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (المؤمنون 35)، وقوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (الشرح 5، 6)، وكثيرا ما تقترن الجملة الثانية بثم، كما في قوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (الانفطار 17، 18).
ومنه تأكيد الضمير المنفصل بمثله، كما قال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (النمل 3). وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل، فى قوله سبحانه: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (الأعراف 115)، وفي تأكيدهم ما يشعر بثقتهم بأنفسهم، وقوله تعالى: قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (طه 68). وفي ذلك تثبيت قلب موسى وبعث الطمأنينة إليه.
ومنه تأكيد الفعل بمصدره، ويكون ذلك في الأمور التى يتوهم فيها المجاز، فيأتى الفعل لرفع هذا التوهم، وتأمل ذلك في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (النساء 104)، فقد يطلق الكلام على الإيحاء، وينصرف الذهن إليه، فجاء المصدر لإزالة هذا التوهم.
وقوله تعالى: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (الطور 7 - 10). أو لا ترى أن اضطراب السماء، وسير الجبال، مما قد تتردد النفس في قبوله، فجىء بالمصدر تأكيدا لوقوعه. وقد يؤكد الفعل بمصدر فعل آخر نيابة عن المصدر، كما في قوله تعالى: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (الجن 8). وفي ذلك دلالة على ما للتبتيل من أثر في استجلاب رضوان الله، فأمر به مؤكدا، ولعل السر فى العدول إلى هذا المصدر، هو المحافظة على النغمة الموسيقية للآية.
ومن ألوان التوكيد أن يكون في الجملة أداة من أدوات التوكيد، وهى إن، وأن، ولام الابتداء، والقسم، وألا الاستفتاحية، وهاء التنبيه، وكأن في تأكيد التشبيه، وضمير الشأن، وضمير الفصل، وقد، والسين، وسوف، والنونان في تأكيد الفعل، ودخول الأحرف الزائدة في الجملة، وتؤكد الجملة بذلك لتثبيت معناها وتوطيده في النفس، وكلما كان هذا المعنى مجالا للشك أو الإنكار، كان موضع التوكيد أنسب وأقوى، كما ذكرنا.
وقد يؤكد القرآن أمرا هو من البداهة بمكان، لأنه يرمى من وراء ذلك إلى هدف هام، تتبينه النفس عند ما تتدبر أمر هذا التوكيد، لترى ما موقعه، ولم كان، وتأمل قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (المؤمنون 15، 16). فلما كان تماديهم في الضلال يصرفهم عن التفــكير المستقيم، المؤدى إلى الإيمان، بالله ورسله، واليوم الآخر، وكانت هذه الغفلة تلفتهم عن التفــكير في مصيرهم، فكأنهم مخلدون لا يصيبهم موت ولا فناء- أكد نزول الموت بهم تأكيدين ليفكروا فيه، وفيما يتطلبه نزوله بهم، من عمل صالح ينفعهم بعد هذا الموت.
وقد يكون تقوية التوكيد لقصد الترغيب، كما ترى ذلك في قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة 54)، فتأكيد هذه الصفة بأربعة تأكيدات، لترغيب العباد في التوبة، والرجوع إلى الله سبحانه.
تدخل إن في الكلام، ففضلا عن تأكيدها لمعنى الجملة، تربط ما بعدها بما قبلها. قال عبد القاهر: «هل شىء أبين في الفائدة، وأدل على أن ليس سواء دخولها وألا تدخل من أنك ترى الجملة إذا هى دخلت، ترتبط بما قبلها وتأتلف معه، وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغا واحدا وكأن أحدهم قد سبك فى الآخر، هذه هى الصورة، حتى إذا جئت إلى إن فأسقطتها، رأيت الثانى مبهما قد نبا عن الأول، وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به، ولا يكون منه بسبيل، حتى تجىء بالفاء .. ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا عليه من الألفة، وترد عليك الذى كنت تجد بإن من المعنى، وهذا الضرب كثير من التنزيل جدا، من ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (الحج 1)، وقوله عز اسمه: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (لقمان 17)، وقوله سبحانه: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (التوبة 103)، ومن أبين ذلك قوله تعالى:
وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (هود 37). وقد يتكرر في الآية الواحدة، كقوله عز اسمه: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (يوسف 53)، وهى على الجملة من الكثرة، بحيث لا يدركها الإحصاء». وإنما تقع إن موضع الفاء، إذا كانت جملتها توضح ما قبلها، وتبين وجه الفائدة فيه، كتلك الآيات التى أوردها عبد القاهر، فقوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (الحج 1). يبين سبب أمرهم بالتقوى في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ (الحج 1)، وكذلك إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (التوبة 103). بيان للسبب في طلب الصلاة لهم من النبى، ولكن ذلك لا يطرد في كل موضع، بل هناك ما لا يحصى من الجمل التى لا تقتضى الفاء، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الدخان 51، 52). فقبله إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (الدخان 50)، ولو أنك قلت:
«إن هذا ما كنتم به تمترون، إن المتقين في جنات وعيون» لم يكن كلاما ، وقوله تعالى: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (الأنبياء 100، 101). فلو أتينا مكان إن بالفاء لم تجد لها وجها، كما أنه لا يجوز المجيء بالفاء مكان إن في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (الحج 17).
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (الكهف 30).
لأن جملة إن الثانية خبر عن الأولى في الآيتين، والخبر لا يجوز عطفه على المبتدأ.
قال عبد القاهر : «ومن خصائصها أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف، ما لا تراه إذا هى لم تدخل عليه، بل تراه لا يصلح حيث يصلح إلا بها، وذلك في مثل قوله: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (التوبة 120).
وقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ (التوبة 63). وقوله: أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ (الأنعام 54). وقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (المؤمنون 117).
وقوله: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (الحج 46).
فإن قلت أو ليس قد جاء ضمير الأمر مبتدأ به معرى من العوامل في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص 1). قيل: هو، وإن جاء هنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة مع الشرط والجزاء، بل تراه لا يجيء إلا بإن، على أنهم قد أجازوا في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ألا يكون الضمير للأمر».
ولما كان جواب السؤال والجمل التى تلقى في مواضيع الجدل مما يحتاج إلى إقراره في نفس السائل والمجادل وتثبيته في قلبهما، كانت الجملة التى تقع جوابا من المواضع التى تجىء فيها إن، كما في قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ (الكهف 83، 84). وقوله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (الشعراء 216). وقوله تعالى: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (الأنعام 56). فإذا كان الكلام جواب منكر حشد له أكثر من أداة واحدة للتوكيد.
وقد تدخل إن للدلالة على أن المتكلم كان يظن أمرا فحدث خلافه، فيأتى بهذا التوكيد ليرد على نفسه ظنه، وكأنه يريد لهذه النفس أن يستقر فيها هذا النبأ الجديد الذى لم تكن تتوقعه، بل تتوقع سواه، وكأنها تريد أن تخلى مكانا من القلب قد شغل بخاطر، لتحل فيه خاطرا جديدا، وتأمل قوله تعالى حكاية عن أم مريم: قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ (آل عمران 36). فأم مريم كان الأمل يملأ قلبها في أن تلد ذكرا نذرته لله، ولطول ما شغلها هذا الأمل تجسم في خيالها، حتى صار كأنه حقيقة واقعة، فلما وضعت مريم فوجئت، فأرادت أن تقر هذا الأمر الجديد في قلبها، حتى تروض نفسها عليه، وتستسلم لما كان. وكذلك قوله تعالى: حكاية عن نوح عليه السلام: قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (الشعراء 117). فلم يكن نوح يتوقع أن يكذبه قومه، وقد جاءهم من ربهم بالنور والهدى، فكان تكذيبهم صدمة له يريد أن يوطن عليها نفسه.
والتأكيد بإن أقوى من التوكيد باللام المؤكدة، واللام المؤكدة هى لام الابتداء فى قوله تعالى: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ (الحشر 13). وقوله سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم 4). وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (الليل 12، 13). ولام القسم، كما في قوله تعالى: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا. (يوسف 91).
وهنا نقف عند قوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (مريم 66).
فقد يبدو أن اللام لا موضع لها هنا لأن الإنسان المتحدث منكر للبعث. ولكن التأمل يبين أن هذا الإنسان المنكر إنما يحكى ما حدثه به الرسول حين أكد له هذا البعث.
ومن أمثلة «ألا» التنبيهية التى تفيد التوكيد قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (البقرة 13) وقوله سبحانه: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ (هود 8). ومن أمثلة «ها» التنبيهية، ولم ترد في القرآن إلا داخلة على ضمير المخاطبين المخبر عنه باسم الإشارة- قوله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ (آل عمران 119).
ويبدو لى أن منشأ التوكيد في البدء بهاتين الأداتين يعود إلى ما فيهما من تنبيه السامع إلى ما سيرد بعدهما من أخبار، وتهيئته لسماعها، وذلك لا يكون إلا حيث يعتنى بهذه الأخبار، لتستقر في النفس ونثبت بها.
ويفيد ضمير الشأن التوكيد من ناحية أنه يثير النفس، ويدفعها إلى معرفة المراد منه، فإذا جاء تفسيره استقر هذا التفــسير في النفس، وتأكد فيها، وليس بكثير استخدام هذا الضمير في القرآن، وإنما يكون في المواضع التى يراد بها تعظيم أمر وتفخيمه عن طريق إبهامه ثمّ إيضاحه. ومن أمثلته قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (الإخلاص 1). وفَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج 46). وفَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا (الأنبياء 97).
أما ضمير الفصل فهو كثير في القرآن، ومن أمثلته قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (النجم 43 - 52).
وقد استخدم القرآن هنا ضمير الفصل في الأفعال التى هى مظنة الاشتراك، كما ترى ذلك في جملة الإضحاك والإبكاء، والإماتة والإحياء والإغناء والإقناء، أما حيث لا تدعى الشركة فلا حاجة إلى هذا الضمير، كما ترى في جمل خلق الزوجين، والنشأة الأخرى، وإهلاك عاد الأولى.
ومن ذلك قوله تعالى: قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (الشعراء 75 - 82)، وترى هنا ما رأيته في الآية الماضية من المجيء بضمير الفصل حيث يتوهم في الفعل شركة، كما في الهداية والإطعام والشفاء، أما حيث لا تتوهم تلك الشركة فلا يأتى ضمير الفصل كما في الخلق والإماتة والإحياء.
ويقوى التوكيد في ضمير الفصل حتى يدل على القصر والاختصاص، كما ترى ذلك في الآيتين السالفتين، فإن ضمير الفصل نفى الشركة، وجعل الفعل خاصا بالله وحده، وتلمس القصر الذى أفاده ضمير الفصل في قوله سبحانه على لسان عيسى: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (المائدة 117)، فبعد وفاة عيسى لم يكن الرقيب عليهم سوى الله وحده.
هذا وقد تحدث البلاغيون طويلا فيما تفيده الباء الزائدة في خبر ما، وليس، من تأكيد في الجملة، منشؤه ما للباء الزائدة من معان، منها المصاحبة، ففي قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (البقرة 144). وقوله تعالى: وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (المجادلة 10). ترى هذه الباء قد نفت كل صلة تربط بين الله والغفلة، فى الآية الأولى، وبين السحر والضير في الآية الثانية، فلا صحبة بينهما ولا تلاق.
... وكرر القرآن في سورة الرحمن نيفا وثلاثين مرة قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الرحمن 16). متسائلا عما يستطيع أن ينكره الجن والإنس مما أولاهما الله من نعم، فلعل في هذا السؤال المتكرر ما يثير في نفس سامعيه اليقين بأنه ليس من الصواب نكران نعم تكررت وآلاء توالت.
وهنا يحسن أن أقف مشيرا إلى ما قد يبدو حينا من أن لا وجه لهذا التساؤل بعد بعض آيات السورة، كما يتراءى ذلك في قوله سبحانه وتعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (الرحمن 26 - 28)، فأى نعمة يذكر بها الجن والإنس في فناء هذا العالم؟
ولكن تأملا في هذه الآيات وما ورد من هذا السؤال بعد وصف اليوم الآخر وأهواله، يدل على أن مثل هذا السؤال سيوجه بعد فناء هذا العالم، فكأن القرآن يقرر أن سيلقى مثل هذا السؤال، يوم تنشق السماء، ويوم يعرف المجرمون بسيماهم، أفلا يجدر بالمرء أن يفكر طويلا، كما أوحى القرآن بذلك، فى تلك الآلاء والنعم، فيقوم بواجب الإيمان بالنعم وشكرها، حتى لا يقف موقف الجاحد لهذه النعم يوم يحاسب الله الثقلين.
وكررت في سورة المرسلات تلك الجملة المنذرة، وهى قوله تعالى: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (المرسلات 19)، وإذا نظرنا إلى هذه السورة، وجدناها تتحدث عن وقوع اليوم الآخر، وتصفه، فلا جرم كرر هذا الإنذار عقب كل وصف له، أو فعل يقع فيه، أو عمل من الله يدل على قدرة، يحيى بها الناس بعد موتهم، وفي هذا التكرير ما يوحى بالرهبة، ويملأ القلب رعبا من التكذيب بهذا اليوم الواقع بلا ريب.
وفي سورة الشعراء، كررت الآية الكريمة، وهى قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الشعراء 8، 9). ثمانى مرات وكانت متمكنة من موضعها في كل مكان حلت فيه، فقد جاءت في هذه السورة أولا، بعد أن وجه القرآن نظرهم إلى الأرض، أو ليس فيما تنبته من كل زوج بهيج ما يثير فى النفس التأمل لمعرفة خالق الأرض ومحييها. واستمع إليه سبحانه يقول:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الشعراء 7 - 9).
ويكرر الآية في موضع آخر، تحدث فيه عن انفلاق البحر لموسى، ونجاته، وغرق فرعون، وتلك آية من أكبر دلائل قدرته سبحانه، فهى جديرة بتسجيلها والإشارة إليها. قال تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (الشعراء 63 - 68).
وكررت تلك الآية ست مرات أخرى عقب كل ما يجدر أن يكون عظة يعتبر بها، كتصوير جند إبليس، وقد كبكبوا في جهنم، وأخذوا يختصمون فيما بينهم، ويقررون أنهم كانوا في ضلالة وعمى، ويتمنون لو عادوا ليصلحوا ما أفسدوه، أو ليس في ذلك من العظة ما ينهى عن مثل هذا المصير.
وكررها كذلك عقب قصة صالح ولوط وشعيب، لأن مصير أقوامهم حقيق بأن تتلقى منه العظات والعبر، وكأن تلك الآية المكررة تشير إلى مرحلة من القول، يحسن الوقوف عندها والتريث لتدبرها، وتأمل ما تحوى من دروس تستفاد مما مضى من حوادث التاريخ.
وختم الآية بوصفه تعالى بالعزة والرحمة فيه كل المناسبة للحديث عن مصير الكافر والمؤمن، فهو عزيز يعاقب الكافر، ورحيم بمن آمن.
وتجد الآية التى كررت في سورة القمر، وهى قوله سبحانه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (القمر 17 و 22 و 32 و 40) - منبهة في كل موضع وردت فيه، إلى أن ما سيأتى بعدئذ مما عنى القرآن بالحديث عنه، تذكرة وعظة، وهو لذلك جدير بالتأمل الهادئ والتدبر والادكار.
وقد يحدث التكرير في آيتين متواليتين، كما في قوله سبحانه: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (النساء 131، 132). وذلك لتثبيت الإيمان بغنى الله عن عبادة العابد، في قلوب الناس، ليقبلوا على العبادة مؤمنين بأنها لخيرهم وحدهم، بل قد يكون التكرير في الآية الواحدة وذلك لتثبيت المكرر في النفس، كما في قوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (الحشر 18)، وقوله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (آل عمران 42).
ويوحى التكرير في سورة «الكافرون» باليأس إلى قلوب من كفر من أن ينصرف الرسول عن دينه إلى ما كان يعبد هؤلاء الكفرة، فليتدبروا أمرهم بينهم مليّا، ليروا سر هذا الإصرار من محمد، فعساهم يدركون أن هذا السر هو أن الرسول على حق، فيما يدعو إليه، فلم ينصرف عنه إلى أديان لا سند لها من الصواب والحق.

الصّدق

Entries on الصّدق in 1 Arabic dictionary by the author Al-Tahānawī, Kashshāf Iṣṭilāḥāt al-Funūn wa-l-ʿUlūm
الصّدق:
[في الانكليزية] Truth ،correctness
[ في الفرنسية] Verite ،justesse
بالكسر وسكون الدال هو ضدّ الكذب وقد سبق في لفظ الحق، وهو مشترك بين صدق المتكلّم وصدق الخبر، ولا يجري في المركّبات الغير الخبرية من التقييدية والإنشائية. فصدق المتكلّم مطابقة خبره للواقع وكذبه عدمها.
وصدق الخبر مطابقة الخبر للواقع وكذبه عدمها والمشهور أنّ وصف الخبر بالمطابقة للواقع وصف له بحال متعلّقه، فإنّ المطابق للواقع أي النسبة الخارجية التي هي حالة بين الطرفين مع قطع النظر عن تعلّقهما الأمر الذهني المتعلق بالخبر، فمطابقة ذلك الأمر الذهني للواقع بأن يكونا ثبوتيين أو سلبيين صدق وعدمها كذب. والمحقق التفــتازاني ذهب إلى أنّ المطابق له هو النسبة المعقولة التي هي جزء مدلول الخبر، أعني الوقوع واللاوقوع من حيث إنّها معقولة. فاثنينية المطابق والمطابق بالاعتبار حيث قال: بيان ذلك أنّ الكلام الذي دلّ على وقوع نسبة بين شيئين إمّا بالثبوت بأنّ هذا ذاك أو بالنفي بأنّ هذا ليس ذاك. فمع النظر عمّا في الذهن من النسبة لا بدّ أن يكون [بينهما نسبة ثبوتية أو سلبية لأنّه إمّا أن يكون] هذا ذاك، أو لم يكن، فمطابقة هذه النسبة الحاصلة في الذهن المفهوم من الكلام لتلك النسبة الواقعة الخارجية بأن تكونا ثبوتيتين أو سلبيتين صدق وعدمها كذب. وهذا معنى مطابقة الكلام للواقع والخارج وما في نفس الأمر. فإذا قلت أبيع وأردت به الإخبار الحالي فلا بدّ من وقوع بيع خارج حاصل بغير هذا اللفظ تقصد مطابقته لذلك الخارج، بخلاف بعت الإنشائي فإنّه لا خارج له تقصد مطابقته بل البيع يحصل في الحال بهذا اللفظ، وهذا اللفظ موجد له. ولا يقدح في ذلك أنّ النسبة من الأمور الاعتبارية دون الخارجية للفرق الظاهر بين قولنا القيام حاصل لزيد في الخارج وحصول القيام له أمر متحقّق موجود في الخارج فإنّا لو قطعنا النظر عن إدراك الذّهن وحكمه فالقيام حاصل له.
وهذا معنى وجود النسبة الخارجية انتهى.
وقال السيّد السند إنّ المطابق للواقع هو الإيجاب والسلب، ومطابقتهما للواقع أي الأمر الخارجي هو التوافق في الكيف بأن يكونا ثبوتيين أو سلبيين، ولكلّ وجهة هو مولّيها.
وهذا الذي ذكر من تفسير الصدق والكذب مذهب الجمهور. هذا كله خلاصة ما في الأطول.
والصدق والحقّ يتشاركان في المورد ويتفارقان بحسب الاعتبار، فإنّ المطابقة بين الشيئين تقتضي نسبة كل واحد منهما إلى الآخر بالمطابقة لأنّ المفاعلة تكون من الطرفين، فإذا طابقا فإن نسبنا الواقع إلى الاعتقاد كان الواقع مطابقا بالكسر والاعتقاد مطابقا بالفتح فتسمّى هذه المطابقة القائمة بالاعتقاد حقّا، وإن عكسنا النسبة كان الأمر بالعكس فتسمّى هذه المطابقة القائمة بالاعتبار صدقا. وإنما اعتبر هكذا لأنّ الحقّ والصدق حال القول والاعتقاد دون حال الواقع. والصدق في القول هو مجانبة الكذب. وفي الفعل الإتيان به وترك الانصراف عنه قبل تمامه. وفي النيّة العزم والجزم والإقامة عليه حتى يبلغ الفعل، هكذا في كليات أبي البقاء. وقال النّظّام ومن تابعه: صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ولو خطاء أي ولو كان ذلك الاعتقاد غير مطابق للواقع، والكذب عدمها أي عدم مطابقته لاعتقاد المخبر ولو خطاء، وصدق المتكلّم مطابقة خبره للاعتقاد وكذبه عدمها. والمراد بالاعتقاد معناه الغير المشهور وهو التصديق الشامل للظّنّ والعلم وغيرهما، إذ لو حمل على المشهور وهو الجزم القابل للتشكيك لخرج مطابقة الخبر لعلم المخبر عن حدّ الصدق، ولدخل في حدّ الكذب. فقول القائل السماء تحتنا معتقدا ذلك صدق، وقولنا السماء فوقنا غير معتقد كذب. والخبر [المعلوم] المعتقد والمظنون صادق والموهوم والمشكوك كاذبان فإنّهما لا يطابقان اعتقاد المخبر لانتفائه. وليس لك أن تقول المراد عدم مطابقة الاعتقاد مع وجوده ولا اعتقاد له في المشكوك لأنّه ينافي ما هو مذهب النّظّام من انحصار الخبر في الصادق والكاذب، ولا أن تقول الخبر المشكوك ليس بخبر لأنّه لا تصديق له بل لمدلوله لأنّا نقول الدلالة على الحكم كاف في كون الكلام خبرا. فالخبر ما يدلّ على التصديق سواء تخلّف المدلول أو لا، ولولا ذلك لم يوجد خبر كاذب على هذا المذهب لأنّ الخبر الكاذب ما خالف مدلوله اعتقاد المخبر فلا اعتقاد للمخبر بخبره ولا تصديق به فلا يكون كاذبا، لأنّه مختصّ بالخبر. واحتج النّظّام بقوله تعالى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ كذّبهم في قولهم إنّك لرسول الله مع مطابقته للخارج لأنّه لم يطابق اعتقادهم.
والجواب أنّ المعنى لكاذبون في الشهادة.
وقال الجاحظ صدق الخبر مطابقته للواقع مع الاعتقاد بأنّه مطابق وكذبه عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنّه غير مطابق، وغيرهما ليس بصدق ولا كذب وهو المطابقة مع اعتقاد اللامطابقة أو بدون الاعتقاد، وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة أو بدون الاعتقاد. فكلّ من الصدق والكذب بتفسيره أخصّ منه بتفسير الجمهور والنّظّام لأنّه اعتبر في كلّ منهما جمع الأمرين الذين اكتفوا بواحد منهما. وصدق المتكلّم مطابقة خبره للواقع والاعتقاد وكذبه عدمها. واستدلّ الجاحظ بقوله تعالى أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ، فإنّ الكفّار حصروا أخبار النبي عليه السلام بالحشر والنّشر في الافتراء والأخبار حال الجنّة على سبيل منع الخلو؛ ولا شكّ أنّ المراد بالثاني غير الكذب لأنّه قسيمه، وغير الصدق لأنّهم اعتقدوا عدمه. وردّ بأنّ المعنى أم لم يفتر فعبّر عنه أي عن عدم الافتراء بالجنّة لأنّ المجنون يلزمه أن لا افتراء له لأنّ الكذب عن عمد ولا عمد للمجنون، فيكون هذا حصرا للخبر الكاذب في نوعيه أعني الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد.
فائدة:
اعلم أنّ المشهور فيما بين القوم أنّ احتمال الصدق والكذب من خواص الخبر لا يجري في غيره من المركبات المشتملة على نسبة. وذكر بعضهم أنّه لا فرق بين النسبة في المركّب الأخباري وغيره إلّا بأنّه إن عبّر عنها بكلام تام يسمّى خبرا وتصديقا كقولنا: زيد انسان أو فرس، وإلّا يسمّى مركّبا تقييديا وتصوّرا كما في قولنا يا زيد الإنسان أو الفرس. وأيا ما كان فالمركّب إمّا مطابق فيكون صادقا أو غير مطابق فيكون كاذبا. فيا زيد الإنسان صادق ويا زيد الفرس كاذب ويا زيد الفاضل محتمل. وردّه المحقّق التفــتازاني بما حاصله أنّه إن أراد هذا البعض أنّه لا فرق بينهما أصلا فليس بصحيح لوجوب علم المخاطب بالنسبة في المركّب التقييدي دون الأخباري، حتى قالوا إنّ الأوصاف قبل العلم بها أخبار كما أنّ الأخبار بعد العلم بها أوصاف. وإن أراد أنّه لا فرق بينهما بحسب احتمال الصدق والكذب فكذلك لما ذكره الشيخ من أنّ الصدق والكذب إنّما يتوجهان إلى ما قصده المتكلّم إثباته أو نفيه، والنسبة [الوصفية] ليست كذلك. ولو سلّم فإطلاق الصدق والكذب على المحرك الغير التام مخالف لما هو المعتمد في تفسير الألفاظ، أعني اللغة والعرف. وإن أراد تجديد اصطلاح فلا مشاحة فيه. قال السيّد السّند: والحقّ أن يقال إنّ النّسب الذهنية في المركّبات الخبرية تشعر من حيث هي هي بوقوع نسب أخرى خارجة عنها، فلذلك احتملت عند العقل مطابقتها ولا مطابقتها وأمّا النّسب في المركّبات التقييدية فلا إشعار لها من حيث هي هي بوقوع نسب أخرى تطابقها أو لا تطابقها، بل ربما أشعرت بذلك من حيث إنّ فيها إشارة إلى نسب خبرية. بيان ذلك أنّك إذا قلت زيد فاضل فقد اعتبرت بينهما نسبة ذهنية على وجه تشعر بذاتها بوقوع نسبة أخرى خارجة عنها وهي أنّ الفضل ثابت له في نفس الأمر، لكن تلك النسبة الذهنية لا تستلزم هذه الخارجية استلزاما عقليا. فإن كانت النسبة الخارجية المشعر بها واقعة كانت الأولى صادقة وإلّا كاذبة. وإذا لاحظ العقل تلك النّسبة الذهنية من حيث هي هي جوّز معها كلا الأمرين على السّواء، وهو معنى الاحتمال. وأمّا إذا قلت يا زيد الفاضل فقد اعتبرت بينهما نسبة ذهنية على وجه لا تشعر من حيث هي أنّ الفضل ثابت له في الواقع بل من حيث إنّ فيها إشارة إلى معنى قولك زيد فاضل، إذ المتبادر إلى الأفهام أن لا يوصف شيء إلّا بما هو ثابت له. فالنّسبة الخبرية تشعر من حيث هي بما يوصف باعتباره بالمطابقة واللامطابقة أي الصدق والكذب، فهي من حيث هي محتملة لهما. وأمّا التقييدية فإنّها تشير إلى نسبة خبرية والإنشائية تستلزم نسبا خبرية، فهما بذلك الاعتبار تحتملان الصدق والكذب. وأمّا بحسب مفهوميهما فلا. وقال صاحب الأطول التحقيق الذي يعطيه الفكر العميق والذّكاء الدقيق أنّ النسبة التي لها خارج هي التي تكون حاكية عن نسبة. فمعنى ثبوت الخارج [لها] ليس إلّا كونه محكيّا، ونسب الإنشاءات ليست حاكية بل محضرة لتطلّب وجودها أو عدمها أو معرفتها أو يتحسّر على فوتها إلى غير ذلك، وكذا نسب التقييديات ليست حاكية بل محضرة لتتعين به ذات. ومعنى مطابقتها للخارج أن يكون حكايتها على ما هو عليه فلا خارج للإنشاء هذا.
والصدق عند أهل الميزان يستعمل أيضا لمعنيين آخرين، فإنّه قد يستعمل في المفردات وما في حكمها من المركّبات التقييدية، ومعناه حينئذ الحمل، ويستعمل بعلى فيقال الكاتب صادق على الإنسان أي محمول عليه. وقد يستعمل في القضايا ومعناه حينئذ الوجود والتحقّق في الواقع، ويستعمل بفي فيقال هذه القضية صادقة في نفس الأمر أي متحقّقة فيها، حتى إذا قيل كلّما صدق كل ج ب بالضرورة صدق كل ج ب دائما كان معناه كلّما تحقّق في نفس الأمر مضمون القضية الأولى تحقّق فيها مضمون الثانية. والفرق بين الصدق بهذا المعنى وبين الصدق بمعنى مطابقة حكم القضية للواقع كما هو مآل المعنى الأول يظهر في القضية التي تتحقّق نسبتها في الاستقبال، فإنّ هذه القضية صادقة في الحال بمعنى مطابقة حكمها وليست بصادقة بمعنى عدم تحقّق نسبتها، إذ لم تتحقّق النسبة بعد، بل سوف تتحقّق. هكذا يستفاد ممّا حقّقه السيّد السّند في حواشي شرح المطالع.
وعند أهل السلوك هو استواء السّرّ والعلانية وذلك بالاستقامة مع الله تعالى ظاهرا وباطنا سرّا وعلانية، وتلك الاستقامة بأن لا يخطر بباله إلّا الله. فمن اتّصف بهذا الوصف أي استوى عنده الجهر والسّر وترك ملاحظة الخلق بدوام مشاهدة الحقّ يسمّى صديقا، كذا في مجمع السلوك. وقيل الصدق قول الحقّ في مواطن الهلاك. وقيل أن تصدق في موضع لا ينجّيك منه إلّا الكذب. قال القشيري: الصدق أن لا يكون في أحوالك شيب ولا في اعتقادك ريب ولا في أعمالك عيب، كذا في الجرجاني.
} Twitter/X
Please support The Arabic Lexicon by donating on the home page to help cover server costs (note: the previous text here was outdated).
Learn Quranic Arabic from scratch with our innovative book! (written by the creator of this website)
Available in both paperback and Kindle formats.